[٧٦٩]- وَعَن عَائِشَةَ، زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا كَانَ يَومُ الرِّيحِ وَالغَيمِ عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجهِهِ، وَأَقبَلَ وَأَدبَرَ، فَإِذَا مَطَرَت سُرَّ بِهِ، وَذَهَبَ عَنهُ ذَلِكَ. قَالَت عَائِشَةُ: فَسَأَلتُهُ. فَقَالَ: إِنِّي خَشِيتُ أَن يَكُونَ عَذَابًا سُلِّطَ عَلَى أُمَّتِي، وَيَقُولُ إِذَا رَأَى المَطَرَ: رَحمَةٌ.
رواه أحمد (٦/ ٦٦)، والبخاري (٤٨٢٩)، ومسلم (٨٩٩)، وأبو داود (٥٠٩٨)، والترمذي (٣٢٥٧).
[٧٧٠]- وَعَنهَا، قَالَت: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ: اللهمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ خَيرَهَا، وَخَيرَ مَا فِيهَا وَخَيرَ مَا أُرسِلَت بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرسِلَت بِهِ، قَالَت: وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ تَغَيَّرَ لَونُهُ وَخَرَجَ وَدَخَلَ وَأَقبَلَ وَأَدبَرَ، فَإِذَا مَطَرَت سُرِّيَ عَنهُ، فَعَرَفتُ ذَلِكَ فِي وَجهِهِ، قَالَت عَائِشَةُ: فَسَأَلتُهُ. فَقَالَ: لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ! كَمَا قَالَ قَومُ عَادٍ: ﴿فَلَمَّا رَأَوهُ عَارِضًا مُستَقبِلَ أَودِيَتِهِم قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمطِرُنَا﴾
ــ
وقوله ﷺ : إني خشيت أن يكون عذابًا سُلّط على أمتي؛ يعني: على العُتاة عليه، العصاة له من أمته. وكان ﷺ لعظيم حلمه ورأفته وشفقته، يرتجي لهم الفلاح والرجوع إلى الحق، وهذا كما قال يوم أحد: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون (١)، وقيل: خاف أن تعمّهم عقوبة بسبب العصاة منهم، والأول أوضح.
وعصفت: اشتدَّت وبردت. وتَخيّلت السماء؛ أي: كَثُر فيها السحاب. والمخيلة - بفتح الميم -: سحابة فيها رعد وبرق، لا ماء فيها، ويقال في السماء إذا تغيَّمت: أخالت، فهي مُخيلة - بالضم -، قاله أبو عبيد.
стр. 1157
رواه البخاري (٣٢٠٦)، ومسلم (٨٩٩)(١٥)، والترمذي (٣٤٤٩)، والنسائي (١٠٧٧٦) في الكبرى.
[٧٧١]- وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: نُصِرتُ بِالصَّبَا، وَأُهلِكَت عَادٌ بِالدَّبُورِ.
رواه أحمد (١/ ٣٢٤ و ٣٤١)، والبخاري (٣٣٤٣)، ومسلم (٩٠٠).
[٧٧٢]- وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَيسَتِ السَّنَةُ بِأَلا تُمطَرُوا وَلَكِنِ السَّنَةُ أَن تُمطَرُوا، وَتُمطَرُوا، وَلا تُنبِتُ الأَرضُ شَيئًا.
رواه أحمد (٢/ ٣٤٢)، ومسلم (٢٩٠٤).
* * *
ــ
والصَّبَا: الريح الشرقية، والدَّبور - بفتح الدال -: الريح الغريبة.
والسَّنَة (١): الجدب. وأراد ﷺ بقوله ﷺ : ليست السَّنَة ألا تُمطروا: وأن الأحق باسم السَّنَة والجدب أن يتوالى المطر، حتى تغرق الأرض ويفسد ما عليها بكثرته وتواليه، وإنما كان هذا أحق بالاسم؛ لأنه أمنع من التصرف، وأضيق للحال، وأعدم للقوت، وأسرع في الإهلاك. وأسلوب هذا الحديث كأسلوب قوله: ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس (٢)، وليس المسكين بالطوّاف عليكم (٣)، إلى غير ذلك مما في بابه.
стр. 1158
(٧) أبواب كسوف الشمس والقمر
(١) باب الأمر بالصلاة والذكر والصدقة عند الكسوف
[٧٧٣]- عَن أَبِي مَسعُودٍ الأَنصَارِيُ، قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : إِنَّ الشَّمسَ وَالقَمَرَ لَيسَ يَنكَسِفَانِ لِمَوتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِن آيَاتِ الله، فَإِذَا رَأَيتُمُوهُ فَقُومُوا فَصَلوا.
ــ
(٧) أبواب الكسوف
الكسوف: التغيير إلى سواد، ومنه: كسف وجهه؛ إذا تغير. والخسوف: النقصان، قاله الأصمعي. والخسف أيضًا: الذلّ، ومنه: سامه خُطَّةَ خَسَفٍ؛ أي: ذُلّ، فكسوف الشمس والقمر وخسوفهما: تغيُّرهما، ونقصان ضوئهما، فهما بمعنى واحد، هذا هو المستعمل في القرآن وفي الأحاديث، وقد قال بعض اللغويين: لا يقال في الشمس إلا: كُسفت، وفي القمر إلا: خُسف، وذُكر هذا عن عروة. وقال الليث بن سعد: الخسوف في الكل، والكسوف في البعض، يعني في الشمس والقمر.
وقوله: فإذا رأيتموه فقوموا فصلوا؛ يعني: الكسوف، فأعاد عليه ضمير المذكّر، وفي الأخرى: فإذا رأيتموها، أعاده على كسوف الشمس وخسوف
стр. 1159
وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِذَا رَأَيتُم مِنهَما شَيئًا فَصَلُّوا وَادعُوا حَتَى ينكَشِفَ مَا بِكُم.
رواه البخاري (١٠٤١)، ومسلم (٩١١)(٢١)، والنسائي (٣/ ١٢٦)، وابن ماجه (١٢٦١).
[٧٧٤]- وَمِن حَدِيثِ عَائِشَةَ: فَإِذَا رَأَيتُمُوهُمَا فَكَبِّرُوا وَادعُوا الله، وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا.
رواه أحمد (٦/ ١٦٤ و ١٦٨)، والبخاري (١٠٥٨)، ومسلم (٩٠١)(١)، وأبو داود (١١٧٧ - ١١٩١)، والترمذي (٥٦١ و ٥٦٣)، والنسائي (٣/ ١٢٧)، وابن ماجه (١٢٦٣).
ــ
القمر، وهذا يدل على التسوية بين كسوف الشمس وخسوف القمر في الصلاة في الأمر بالصلاة عندهما، وبذلك قال جميع الفقهاء والعلماء من السلف وغيرهم، غير أنهم اختلفوا في حكم ذلك وكيفيته، فالجمهور: على أن صلاة كسوف الشمس سنة مؤكدة، وأنها يُجمع لها، وأنها تُصلى بإمام، على خلاف في كيفية ذلك يُذكر فيما بعد. وذهب أهل الكوفة إلى أنها لا يُجتمع لها، وأنها ركعتين ركعتين، ومستندهم: حديث عبد الرحمن بن سمرة الآتي (١)، وليس بنص فيما قالوه؛ فإنه قال فيه: فلما حسر عنها قرأ سورتين وصلى ركعتين (١)؛ لاحتمال أن يكون إنما أخبر عن حكم ركعة واحدة، وسكت عن الأخرى. والله أعلم. ثم لو سُلِّم ذلك لأمكن أن يقال: إن النبي ﷺ صلى ذلك كذلك ليبيّن جواز ذلك، وغيره من الأحاديث يدل على أن السنة ما تضمنته تلك الأحاديث.
стр. 1160
[٧٧٥]- وَمِن حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: فَإِذَا رَأَيتُم مِنهَا شَيئًا فَافزَعُوا إِلَى ذِكرِ اللهِ وَدُعَائِهِ وَاستِغفَارِهِ.
رواه البخاري (١٠٥٩)، ومسلم (٩١٢)، والنسائي (٣/ ١٥٣ و ١٥٤).
* * *
(٢) باب كيفية العمل فيها، وأنها ركوعان في كل ركعة
[٧٧٦]- عَن عَائِشَةَ قَالَت: خَسَفَتِ الشَّمسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى المَسجِدِ، فَقَامَ فَكَبَّرَ، وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَاقتَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قِرَاءَةً طَوِيلَةً - مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَاسٍ: نَحوَ سُورَةِ البَقَرَة - ثُمَّ
ــ
وأما خسوف القمر فذهب مالك وأبو حنيفة: إلى أنه لا يُجتمع لصلاته، وأنها تصلى ركعتين ركعتين كسائر النوافل، وذهب جمهور من الصحابة والعلماء وأصحاب الحديث والشافعي إلى أنها تجمع لها، وتصلى على كيفية مخصوصة، على الخلاف الذي يأتي ذكره.
وقوله: فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه؛ يعني: تفزَّعوا إليهما، وأقبلوا عليهما، وقد قدمنا ذكر أقسام الفزع.
(٢) ومن باب: كيفية العمل فيهما
ذهب الجمهور إلى أن صلاة كسوف الشمس ركعتان، في كل ركعة ركوعان على ما في حديث عائشة ﵂ وما في معناه، قال أبو عمر: وهذا أصح ما في هذا الباب، وغيره من الروايات التي خالفته معلولة ضعيفة، وأما
стр. 1161
كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلا، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ فَقَالَ: سَمِعَ الله لِمَن حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمدُ، ثُمَّ قَامَ فَاقتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً هِيَ أَدنَى مِنَ القِرَاءَةِ الأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلا، هُوَ أَدنَى مِنَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ الله لِمَن حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمدُ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكعَةِ الأُخرَى مِثلَ ذَلِكَ، حَتَّى استَكمَلَ أَربَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَربَعَ سَجَدَاتٍ، وَانجَلَتِ الشَّمسُ قَبلَ أَن يَنصَرِفَ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ، فَأَثنَى عَلَى الله بِمَا هُوَ أَهلُهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّمسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِن آيَاتِ الله، لا يَخسِفَانِ لِمَوتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا
ــ
الأحاديث الآتية بعد هذا التي تدل على أن في كل ركعة ثلاث ركوعات، أو أربع ركوعات، أو خمس ركوعات على ما في حديث أُبي، فقد قال بكل حديث منها طائفة من الصحابة وغيرهم، ومن أهل العلم من ذهب إلى أن ذلك الاختلاف إنما كان بحسب طول مدة الكسوف وقصرها، وفي هذا نظر.
وقوله: قام فخطب: دليل لمن قال: من سنتها الخطبة، وهم: الشافعي وإسحاق والطبري، وفقهاء أصحاب الحديث، وخالفهم في ذلك مالك وأبو حنيفة، وقالا: إن هذه الخطبة إنما كان مقصودها زجر الناس عما قالوا من أن الكسوف إنما كان لموت إبراهيم، وليخبرهم بما شاهد في هذه الصلاة؛ مما اطلع عليه من الجنة والنار.
وقوله: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى؛ أي: دليلان على وجود الحق سبحانه وقهره، وكمال الإلهية، وقد خصهما بالذكر؛ لما وقع للناس من أنهما يخسفان لموت عظيم، وهذا إنما صدر عمّن لا علم عنده، ممن ضعف عقله واختلّ فهمه، فردّ النبي ﷺ عليهم جهالتهم، وتضمّن ذلك الرد على من قال بتأثيرات النجوم، ثم أخبر بالمعنى الذي لأجله يكسفان؛ وهو أن الله - تعالى - يُخوِّف بهما عباده. فإن قيل: فأي تخويف في ذلك والكسوف أمر عادي؛ بحسب تقابل هذه النيرات وحجب بعضها لبعض، وذلك يجري مجرى حجب الجسم
стр. 1162
رَأَيتُمُوهُمَا فَافزَعُوا إلى الصَّلاةِ. وَقَالَ أَيضًا: فَصَلُّوا حَتَّى يُفَرِّجَ الله عَنكُم، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : رَأَيتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيءٍ وُعِدتُم،
ــ
الكثيف نور الشمس، عما يقابله من الأرض، وذلك لا يحصل به تخويف؟ قلنا: لا نُسلم أن سبب الكسوف ما ادعوه، ومن أين عرفوا ذلك؟ بالعقل أم بالنقل (١)؟ وكل واحد منهما إما بواسطة نظر، أو بغير واسطة، ودعوى شيء من ذلك ممنوعة، وغايتهم أن يقولوا: ذلك مبني على أمور هندسية ورصدية تُفضي بسالكها إلى القطع، ونحن نمنع أيضًا ما ذكروه إلى القطع، وهو أول المسألة، ولئن سلّمنا ذلك جدلا، لكنا نقول: يحصل بهما تخويف العقلاء من وجوه متعددة، أوضحها: أن ذلك مذكر بالكسوفات التي تكون بين يدي الساعة، ويمكن أن يكون ذلك الكسوف منها، ولذلك قام ﷺ فزعًا يخشى أن تقوم الساعة. وكيف لا وقد قال الله : ﴿فَإِذَا بَرِقَ البَصَرُ * وَخَسَفَ القَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمسُ وَالقَمَرُ﴾؟ قال أهل التفسير: جمع بينهما في إذهاب نورهما، وقيل غير ذلك. وأيضًا فإن كل ما في هذا العالم علويّه وسفليّه دليل على نفوذ قدرة الله، وتمام قهره، واستغنائه، وعدم مبالاته، وذلك كله يُوجب عند العلماء بالله خوفه وخشيته؛ كما قال - تعالى -: ﴿إِنَّمَا يَخشَى اللَّهَ مِن عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ وخصّ هنا خسوفهما بالتخويف؛ لأنهما أمران علويان نادران طارئان عظيمان، والنادر العظيم مخوف موجع، بخلاف ما يكثر وقوعه، فإنه لا يحصل منه ذلك غالبًا، وأيضًا فلما وقع فيهما من الغلط الكثير للأمم التي كانت تعبدهما، ولما وقع للجهّال من اعتقاد تأثيرهما.
وقوله ﷺ : رأيت في مقامي هذا كل شيء وُعِدتموه: هذه الرؤية رؤية عيان حقيقة، لا رؤية علم؛ بدليل: أنه رأى في الجنة والنار أقوامًا بأعيانهم، ونعيمًا، وقطفًا من عنب، وتناوله، وغير ذلك. ولا إحالة في إبقاء هذه الأمور على ظواهرها، لا سيما على مذاهب أهل السنة في أن الجنة والنار قد خُلقتا ووُجدتا؛
стр. 1163
حَتَّى لَقَد رَأَيتُنِي أُرِيدُ أَن آخُذَ قِطفًا مِنَ الجَنَّةِ حِينَ رَأَيتُمُونِي أَتَقَدَّمُ، وَلَقَد رَأَيتُ جَهَنَّمَ يَحطِمُ بَعضُهَا بَعضًا حِينَ رَأَيتُمُونِي تَأَخَّرتُ، وَرَأَيتُ فِيهَا
ــ
كما دل عليه الكتاب والسنة، وذلك أنه راجع إلى أن الله - تعالى - خلق لنبيه ﷺ إدراكًا خاصًّا به، أدرك به الجنة والنار على حقيقتهما، كما قد خلق له إدراكًا لبيت المقدس، فطفق يخبرهم عن آياته، وهو ينظر إليه. ويجوز أن يقال: إن الله - تعالى - مثّل له الجنة والنار، وصوّرهما له في عرض الحائط؛ كما تتمثل صور المرئيات في المرآة، ويُعتضد هذا بما رواه البخاري من حديث أنس في غير حديث الكسوف، قال ﷺ : لقد رأيت الآن منذ صليت لكم الصلاة الجنة والنار متمثلتين في قبلة هذا الجدار (١)، وفي لفظ آخر: عرضت عليَّ الجنة والنار آنفًا في عرض هذا الحائط وأنا أصلي (٢)، وقال فيه مسلم: إني صُوِّرت لي الجنة والنار، فرأيتهما دون هذا الحائط (٣)، ولا يستبعد هذا من حيث: إن الانطباع في المرآة إنما هو في الأجسام الصقيلة؛ لأنا نقول: إن ذلك شرط عادي لا عقلي، ويجوز أن تنخرق العادة وخصوصًا في مدة النبوة، ولو سُلِّم أن تلك الشروط عقلية، فيجوز أن تكون تلك الأمور موجودة في جسم الحائط، ولا يُدرِك ذلك إلا النبي ﷺ . وقطف الثمرة: ما يقطف منها؛ أي: يقطع ويُجتنى، وهو هنا عنقود من العنب؛ كما قد جاء مفسرًا في الرواية الأخرى. ويحطم؛ أي: يكسر بعضها على بعض كما يفعل البحر. والحَطم: الكسر، ويحتمل أن يريد بذلك: أن بعضها يأكل بعضًا، وبذلك سميت جهنم: الحطمة. والرجل الحطمة: الأكول.
стр. 1164
ابنَ لُحَيٍّ وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ.
ــ
وابن لحي: اسمه عمرو، ولُحَيٌّ أبوه، ابن قمعة بن إلياس، وهو الذي كنّاه في الحديث الآخر بأبي ثمامة، وسماه: بـ عمرو بن مالك. ولُحَيّ: لقب مالك، وقد جاء في رواية أخرى: عمرو بن عامر الخزاعي. والله أعلم. وكان عمرو هذا أول من غيّر دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وبَحّر البحيرة، وسيّب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي؛ فيما ذكر ابن إسحاق، وهو الذي عنى الله بقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَأَكثَرُهُم لا يَعقِلُونَ﴾
وقد اختُلف في تفسير هذه الأشياء، فالسائبة: الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس بينهن ذكر، سُيِّبت فلم يُركب ظهرها، ولم يُجَزَّ وبرها، ولم يَشرب لبنَها إلا ضيفٌ، فما نتجت بعد ذلك من أنثى شُقَّت أذنها، ثم خُلِّي سبيلها مع أمها على حكمها، وهي البحيرة بنت السائبة، وسُمِّيت بذلك؛ لأنها بُحرت أذنها؛ أي: شُقّت شَقًّا واسعًا، وهذا قول ابن إسحاق. وقال غيره: السائبة: هي التي ينذزها الرجل أن يسيبها إن برأ من مرضه، أو أصاب أمرًا يطلبه، فإذا كان ذلك أسابها فسابت، لا ينتفع بها.
قال ابن إسحاق: والوصيلة: الشاة إذا أَتأمَت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس بينهن ذَكر، قالوا: وصلت، فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور منهم دون الإناث، إلا أن يموت شيء منها فيشترك فيه ذكورهم وإناثهم، وقال كثير من أهل اللغة: إن الشاة كانت إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكرًا ذبحوه لآلهتهم، وإذا ولدت ذكرًا وأنثى لم يذبحوا الذكر، وقالوا: وصلت أخاها، فيسيبون أخاها ولا ينتفعون به.
والحامي: الفحل إذا رُكِب وَلَدُ ولده، وقيل: إذا نتج من صلبه عشرة أبطن؛ قالوا: حمى ظهره، فلا يُركب، ولا يُنتفع به، ولا يُمنع من ماءٍ ولا كلأٍ.
стр. 1165
وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَ النَبِيَ ﷺ بَعَثَ مُنَادِيًا: الصَلَاةُ جَامِعَةُ، فَاجتَمَعُوا.
وَفِي أُخرَى: أَنَ النَبِيَ ﷺ جَهَرَ فِي صَلاةِ الخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ.
وَزَادَ في أخرى: يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! إِن مِن أَحَدٍ أَغيَر مِنَ الله أَن يَزنِيَ
ــ
وقوله: بعث مناديًا: الصلاة جامعة، فاجتمعوا؛ أي: ينادي، أو يقول ذلك، ولهذا الحديث استحسن الشافعي أن يقال ذلك في الخسوف. وهو حجة للجمهور على أبي حنيفة؛ إذ قال: لا يُجتمع لها، والكل متفقون على أنه لا يُؤذّنَ لها ولا يقام.
وقوله: إن النبي ﷺ جهر في صلاة الخسوف بالقراءة؛ أخذ بظاهر هذا جماعة من السلف ومحمد بن الحسن وأبو يوسف وأحمد وإسحاق وفقهاء الحديث، ورواه معن والواقدي عن مالك؛ فقالوا: يُجهرُ بها في صلاة كسوف الشمس، ومشهور قول مالك: الإسرارُ فيها، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة والليث وسائر أصحاب الرأي؛ مُتمسكين بقول ابن عباس: أنه ﷺ قرأ فيها نحو سورة البقرة، قالوا: ولو جهر لعُلم ما قرأ، وبما خرّجه النسائي من حديث سمرة بن جندب (١)، وَوَصف صلاة النبي ﷺ في الكسوف قال: فصلى، فقام كأطول قيام قام بنا في الصلاة قط، ما نسمع له صوتًا. . .، وذكر الحديث. وتأوّلوا الحديث الأول على أنه كان في خسوف القمر بالليل، وخيَّر الطبري بين الجهر والإسرار، فأعمل الحديثين.
وقوله: يا أمة محمد! إن من أحدٍ أغير من الله: إن نافية بمعنى ما، ومن زائدة على اسم إن. وأغير بالنصب: خبر إن النافية، فإنها تعمل عمل ما عند الحجازيين، وعلى التَّميمية: هو مرفوع على أنه خبر المبتدأ الذي هو أحد.
стр. 1166
عَبدُهُ أَو تَزنِيَ أَمَتُهُ. يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! وَالله لَو تَعلَمُونَ مَا أَعلَمُ لَبَكَيتُم كَثِيرًا، وَلَضَحِكتُم قَلِيلا، أَلا هَل بَلَّغتُ؟
وفِي أُخرى: رَفَعَ يَدَيهِ فَقَالَ: اللهمَّ هَل بَلَّغت.
رواه أحمد (٦/ ١٦٨)، والبخاري (١٠٤٦)، ومسلم (٩٠١) (١ و ٢ و ٣ و ٤ و ٥)، وأبو داود (١١٩٠)، والترمذي (٥٦١)، والنسائي (٣/ ١٢٧)، وابن ماجه (١٢٦٣).
* * *
ــ
والغَيرة في حقنا راجعة إلى تغير وانزعاج وهيجان يلحق الغيران عندما يُنال شيء من حرمه أو محبوباته؛ فعمل على صيانتهم ومنعهم. وهذا التغيّر على الله محال؛ هو مُنزَّه عن كل تغير ونقص، لكن لما كانت ثمرة الغيرة صون الحريم ومنعهم، وزجر القاصد إليهم؛ أطلق ذلك على الله - تعالى -؛ إذ قد زجر وذمّ ونصب الحدود، وتوعد بالعقاب الشديد من تعرض لشيء من محارمه، وهذا من التجوّز، ومن باب تسمية الشيء باسم ما يترتب عليه، وقد قررنا نحو هذا المعنى في كتاب الإيمان.
وقوله ﷺ : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا: يعني ما يعلم هو من أمور الآخرة وشدة أهوالها، ومما أُعِدّ في النار من عذابها وأنكالها، ومما أُعِدّ في الجنة من نعيمها وثوابها، فإنه ﷺ قد كان رأى كل ذلك مشاهدة وتحقيقًا، ولذلك كان ﷺ متواصل الأحزان، قليل الضحك؛ جلّه التبسم.
وقوله ﷺ : ألا هل بلغت؟ يعني: ما أمر به بتبليغه من الإنذار والتحذير والتنزيل.
стр. 1167
(٣) باب ما جاء أن في كل ركعة ثلاث ركعات
[٧٧٧]- عَن عُبَيدَ بنَ عُمَيرٍ، عَن عَائِشَةَ: أَنَّ الشَّمسَ انكَسَفَت عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَامَ قِيَامًا شَدِيدًا، يَقُومُ قَائِمًا، ثُمَّ يَركَعُ، ثُمَّ يَقُومُ ثُمَّ يَركَعُ، ثُمَّ يَقُومُ ثُمَّ يَركَعُ، رَكعَتَينِ فِي ثَلاثِ رَكَعَاتٍ وَأَربَعِ سَجَدَاتٍ. فَانصَرَفَ وَقَد تَجَلَّتِ الشَّمسُ، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ قَالَ: الله أَكبَرُ، ثُمَّ يَركَعُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ، قَالَ: سَمِعَ الله لِمَن حَمِدَهُ. فَقَامَ فَحَمِدَ الله وَأَثنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّمسَ وَالقَمَرَ لا يَنكَسِفَانِ لِمَوتِ أَحَدٍ وَلا لحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا مِن آيَاتِ الله، يُخَوِّفُ الله بِهِمَا، فَإِذَا رَأَيتُم كُسُوفًا فَاذكُرُوا الله حَتَّى تنجَلِيَا.
وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَهَا قَالَت: صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ، وَأَربَعَ سَجَدَاتٍ.
رواه مسلم (٩٠١)(٦٠).
ــ
(٣) ومن باب: ما جاء أن في كلّ ركعة ثلاث ركوعات أو أكثر
قولها: وركوعه نحو من سجوده؛ تعني: أن سجوده فيهما كان طويلا، إلا أنه دون الركوع؛ لأنه قد نص: على أنه كان يطول كل ركعة، غير أنه كان يطول في المتقدمة أكثر مما يطول في التي تليها. فإذا كانت كل ركعة طويلة والسجود نحو الركوع؛ لزم أن يكون السجود طويلا، وقد نصَّت على ذلك في حديث آخر فقالت: ما ركعت ركوعًا ولا سجدت سجودًا كان أطول منه، وفي حديث أبي موسى: فقام فصلى بأطول قيام وركوع وسجود (١)، وهو حجة لقول مالك في المدونة، وقول إسحاق وبعض أصحاب الحديث، وحُكي عن الشافعي، وقال
стр. 1168
[٧٧٨]- وَعَن جَابِرِ بنِ عبد الله قَالَ: انكَسَفَتِ الشَّمسُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَومَ مَاتَ إِبرَاهِيمُ. فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَربَعِ سَجَدَاتٍ؛ بَدَأَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ قَرَأَ فَأَطَالَ القِرَاءَةَ (وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَطَالَ القِيَام حَتَى جَعَلَوا يَخِرُّونَ)، ثُمَّ رَكَعَ نَحوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً دُونَ القِرَاءَةِ الأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ نَحوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَقَرَأَ قِرَاءَةً دُونَ القِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ رَكَعَ نَحوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ انحَدَرَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ سَجدَتَينِ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ أَيضًا ثَلاثَ رَكَعَاتٍ، لَيسَ فِيهَا رَكعَةٌ إِلا الَّتِي قَبلَهَا أَطوَلُ مِنِ الَّتِي بَعدَهَا، وَرُكُوعُهُ نَحو مِن سُجُودِهِ. ثُمَّ تَأَخَّرَ وَتَأَخَّرَتِ الصُّفُوفُ خَلفَهُ، حَتَّى انتَهَينَا (وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى انتَهَى) إِلَى النِّسَاءِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ وَتَقَدَّمَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى قَامَ فِي مَقَامِهِ فَانصَرَفَ حِينَ انصَرَفَ وَقَد آضَتِ الشَّمسُ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ!
ــ
مالك في المختصر: إنه لا يطوِّل السجود، وإنه كسائر الصلوات، وهو المعروف من قول الشافعي.
وقوله: ثم تأخر وتأخرت الصفوف خلفه حتى انتهينا إلى النساء، هذا التأخر كان في الصلاة، وهو الذي عبّر عنه في الحديث الآخر (١) بالقهقرى، الذي فعله مخافة أن يصيبه لفح النار، على ما فسره بعد. وكونه تقدم - أي: رجع - إلى الموضع الذي كان فيه، ويحتمل أن يعبر بذلك على التقدم الذي تقدمه ليتناول القطف من الجنة، والله - تعالى - أعلم.
وهذا يدل على أن العمل غير الكثير في الصلاة لا يفسدها، وسيأتي خروج النساء إليها.
وآضتِ الشمس؛ أي: عادت إلى حالتها الأولى، واختلف النحويون في آض: هل هي من أخوات كان فتحتاج إلى اسم وخبر، أو إنما تتعدى إلى مفعول
стр. 1169
إِنَّمَا الشَّمسُ وَالقَمَرُ آيَتَانِ مِن آيَاتِ الله، وَإِنَّهُمَا لا يَنكَسِفَانِ لِمَوتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَإِذَا رَأَيتُم شَيئًا مِن ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى تَنجَلِيَ، مَا مِن شَيءٍ تُوعَدُونَهُ إِلا قَد رَأَيتُهُ فِي صَلاتِي هَذِهِ، لَقَد جِيءَ بِالنَّارِ، وَذَلِكُم حِينَ رَأَيتُمُونِي تَأَخَّرتُ مَخَافَةَ أَن يُصِيبَنِي مِن لَفحِهَا، وَحَتَّى رَأَيتُ فِيهَا صَاحِبَ المِحجَنِ يَجُرُّ قُصبَهُ فِي النَّارِ؛ وكَانَ يَسرِقُ الحَاجَّ بِمِحجَنِهِ، فَإِن فُطِنَ لَهُ قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحجَنِي، وَإِن غُفِلَ عَنهُ ذَهَبَ بِهِ، وَحَتَّى رَأَيتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الهِرَّةِ الَّتِي رَبَطَتهَا، فَلَم تُطعِمهَا، وَلَم تَدَعهَا تَأكُلُ مِن خَشَاشِ الأَرضِ حَتَّى مَاتَت
ــ
واحد بحرف الجر؟ على قولين.
وهذا الحديث يدل على أنها مما تتعدى إلى مفعول واحد بحرف جر، غير أنه حذف هنا، وقد يُحذف حرف الجر فينتصب ما يُحذف منه حرف الجر؛ كما قال:
وآض روض اللهو يبسًا ذاويا
وقد روي هذا الحرف هنا: أضاءت الشمس؛ أي: ظهر ضوؤها، يقال: ضاءت الشمس، وأضاءت بمعنى واحد.
وقوله: فصلوا حتى تنجلي؛ أي: تنكشف، وهذا يدل على أن وقت الكسوف ينبغي أن يكون معمورًا بالصلاة، فإما بتطويل الصلاة، أو بتعديد الركعات كما تقدم، وهذا الأمر على جهة الندب؛ بدليل: أنه قد تقدم أنه ﷺ انصرف منها قبل أن تنجلي الشمس. ولفح النار: شدة لهبها وتأثيره، ومنه قوله - تعالى -: ﴿تَلفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ واللفح أشد تأثيرًا من النفح؛ كما قال - تعالى -: ﴿وَلَئِن مَسَّتهُم نَفحَةٌ مِن عَذَابِ رَبِّكَ﴾؛ أي: أدنى شيء منه؛ قاله الهروي. والمحجن: عصا معقفة الطرف؛ وهي الخُطّاف. والقُصب: الأمعاء؛ بضم القاف، وهي الأقتاب أيضًا. وخشاش الأرض: بفتح الخاء والشين
стр. 1170
جُوعًا. (وَفِي رِوَايَةٍ: فَرَأَيتُ فِيهَا امرَأَةً مِن بَنِي إِسرَائِيلَ. وَفِيهَا: وَرَأَيتُ أَبَا ثُمَامَةَ عَمرَو بنَ مَالِكٍ يَجُرُّ قُصبَهُ فِي النَّارِ. وَفِي أُخرَى: فَرَأَيتُ فِيهَا امرَأَةً حِميَرِيَّةً سَودَاءَ طَوِيلَةً - وَلَم يَقُل: مِن بَنِي إِسرَائِيلَ)، ثُمَّ جِيءَ بِالجَنَّةِ، وَذَلِكُم حِينَ رَأَيتُمُونِي تَقَدَّمتُ حَتَّى قُمتُ فِي مَقَامِي، وَلَقَد مَدَدتُ يَدِي وَأَنَا أُرِيدُ أَن أَتَنَاوَلَ مِن ثَمَرِهَا لِتَنظُرُوا إِلَيهِ، ثُمَّ بَدَا لِي أَلا أَفعَلَ، فَمَا مِن شَيءٍ تُوعَدُونَهُ إِلا قَد رَأَيتُهُ فِي صَلاتِي هَذِهِ.
رواه مسلم (٩٠٤)(١٠)، وأبو داود (١١٧٨ و ١١٧٩)، والنسائي (٣/ ١٣٦).
[٧٧٩]- وَمِن حَدِيثِ ابنِ عَبَاسٍ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! رَأَينَاكَ تَنَاوَلتَ شَيئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَينَاكَ كَفَفتَ (وَفِي رِوَايَةٍ: تَكَعكَعتَ) فَقَالَ: إِنِّي
ــ
المعجمتين، وهي هوام الأرض، وقيل: صغار الطير، ويقال (١): بكسر الخاء. وحُكي عن أبي علي: أنه يقال: بضمها. وقيل: لا يقال في الطير إلا بالفتح.
وتكعكعت؛ أي: أحجمت وجَبُنت، يقال: تكعكع الرجل، وتكاعى وكعَّ كعوعًا؛ إذا أحجم وجبن؛ قاله الهروي وغيره. قلت: وهو في هذا الحديث بمعنى: كففت؛ كما قاله في الرواية الأخرى.
وقوله: ولقد مددت يدي، إلى قوله: ثم بدا لي ألا أفعل، وقع في رواية أخرى: فقصرت يدي عنه. ووجه الجمع: أنه لما تحقق أنه لا يناله، بدا له فيما همّ به، فقصرت يده عنه؛ أي: بصرفه إياها عن الأخذ. ويحتمل أن يريد أنه لم تلحقه يده؛ لأنه مدخر ليوم الجزاء. وقد تقدم الكلام على بقية هذا الحديث فيما تقدم.
стр. 1171
رَأَيتُ الجَنَّةَ، فَتَنَاوَلتُ مِنهَا عُنقُودًا، وَلَو أَخَذتُهُ لأَكَلتُم مِنهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنيَا. وَرَأَيتُ النَّارَ، فَلَم أَرَ كَاليَومِ مَنظَرًا قَطُّ. وَرَأَيتُ أَكثَرَ أَهلِهَا النِّسَاءَ قَالُوا: بِمَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: بِكُفرِهِنَّ قِيلَ: أَيَكفُرنَ بِالله؟ قَالَ: يَكفُرنَ العَشِيرِ، وَيَكفُرنَ الإِحسَانِ، لَو أَحسَنتَ إِلَى إِحدَاهُنَّ الدَّهرَ، ثُمَّ رَأَت مِنكَ شَيئًا، قَالَت: مَا رَأَيتُ مِنكَ خَيرًا قَطُّ.
رواه البخاري (١٠٥٢)، ومسلم (٩٠٧)، وأبو داود (١١٨١)، والترمذي (٥٦٠)، والنسائي (٣/ ١٢٩).
* * *
(٤) باب ما جاء أن في كل ركعة أربع ركعات
[٧٨٠]- عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ كَسَفَتِ الشَّمسُ ثَمَان رَكَعَاتٍ فِي أَربَعِ سَجَدَاتٍ. وَعَن عَلِيٍّ، مِثلُ ذَلِكَ.
رواه مسلم (٩٠٨)، وأبو داود (١١٨٣)، والترمذي (٥٦٠)، والنسائي (٣/ ١٢٩).
[٧٨١] وفي رِوَايَةٍ: قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ. قَالَ: وَالأُخرَى مِثلُهَا.
رواه مسلم (٩٠٩).
* * *
ــ
وقوله في حديث عمرو (١): وركع ركعتين في سجوده، يعني بالسجدة: الركعة. وقد تقدم تسمية أهل الحجاز الركعة: بالسجدة.
стр. 1172
(٥) باب يطول سجودها كما يطول ركوعها
[٧٨٢]- عَن عَمرِو بنِ العَاصِ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا انكَسَفَتِ الشَّمسُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نُودِيَ أَن الصَّلاةَ جَامِعَة، فَرَكَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَكعَتَينِ فِي سَجدَةٍ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ جُلِّيَ عَنِ الشَّمسِ. فَقَالَت عَائِشَةُ: مَا رَكَعتُ رُكُوعًا وَلا سَجَدتُ سُجُودًا قَطُّ، كَانَ أَطوَلَ مِنهُ.
رواه البخاري (١٠٥١)، ومسلم (٩١٠)، وأبو داود (١١٩٤)، والنسائي (٣/ ١٣٦ - ١٣٧).
* * *
(٦) باب ما جاء أن صلاة الكسوف ركعتان كسائر النوافل
[٧٨٣]- عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ سَمُرَةَ، وَكَانَ مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: كُنتُ أَرتَمِي بِأَسهُمٍ لِي بِالمَدِينَةِ فِي حَيَاةِ
ــ
(٦) ومن باب: ما جاء أن كسوف الشمس ركعتان كسائر النوافل (١)
أرتمي؛ أي: أرمي الغرض. يقال: رمى وارتمى بمعنى واحد.
стр. 1173
رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذ كَسَفَتِ الشَّمسُ، فَنَبَذتُهَا: فَقُلتُ: وَالله! لأَنظُرَنَّ إِلَى مَا حَدَثَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي كُسُوفِ الشَّمسِ. قَالَ: فَأَتَيتُهُ وَهُوَ قَائِمٌ فِي الصَّلاةِ، رَافِعٌ يَدَيهِ، فَجَعَلَ يُسَبِّحُ وَيَحمَدُ وَيُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ وَيَدعُو، حَتَّى حُسِرَ عَنهَا، قَالَ: فَلَمَّا حُسِرَ عَنهَا قَرَأَ سُورَتَينِ، وَصَلَّى رَكعَتَينِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَانتَهَيتُ إِلَيهِ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيهِ يَدعُو وَيُكَبِّرُ وَيَحمَدُ وَيُهَلِّلُ، حَتَّى جُلِّيَ عَنِ الشَّمسِ، فَقَرَأَ سُورَتَينِ وَصَلَّى رَكعَتَينِ.
رواه مسلم (٩١٣) (٢٥ و ٢٦)، وأبو داود (١١٩٥)، والنسائي (٣/ ١٢٥).
* * *
ــ
ونبذتها (١): رميتها من يدي. وحسر: كشف.
وقوله: قرأ سورتين، وصلى ركعتين، قد تقدم الكلام عليه، ونزيد هنا تنبيهًا؛ وهو: أن ظاهر هذا الحديث: أن صلاته هاتين الركعتين لم يكن لأجل أنها صلاة الكسوف؛ لأنه إنما صلى بعد الانجلاء، وهو الزمان الذي يفرغ فيه من العمل فيها؛ لأنه الغاية التي مدّ فعل صلاة الكسوف إليها بقوله: فصلوا حتى ينجليا (٢)، فلا حجة فيه للكوفيين؛ غير أنه قد روى أبو داود من حديث النعمان بن بشير قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فجعل يصلي ركعتين ركعتين ويسأل عنها، حتى انجلت (٣)، وهذا معتمدٌ قوي للكوفيين؛ غير أن الأحاديث المتقدمة أصح وأشهر، ويصح حمل هذا الحديث على أنه بيَّن فيه جواز مثل هذه الصلاة في الكسوف، وإن كان المتقرر في الأحاديث المتقدمة هو السنة. والله أعلم.
стр. 1174
(٧) باب شهود النساء صلاة الكسوف
[٧٨٤]- عَن أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ قَالَت: خَسَفَتِ الشَّمسُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَدَخَلتُ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي فَقُلتُ: مَا شَأنُ النَّاسِ يُصَلُّونَ؟ فَأَشَارَت بِرَأسِهَا إِلَى السَّمَاءِ. فَقُلتُ: آيَةٌ؟ قَالَت: نَعَم. فَأَطَالَ
ــ
(٧) ومن باب: شهود النساء صلاة الكسوف
اختلف في مخاطبة النساء بصلاة الكسوف، فقيل: يُخاطب بها الجميع والنساء والمسافرون، وهذا مشهور مذهب مالك، وعند الشافعي. وروي عن مالك أيضًا ما يدل على أنه يخاطب بها من يُخاطب بالجمعة، فيخرج منها النساء والمسافرون. وذهب الكوفيون إلى أنهن يُصلين أفذاذًا (١) لا جماعة. وهذا الحديث وحديث جابر يدلان على حضور النساء لها مع رسول الله ﷺ ، وما خرجن من بيوتهن ولا حضرن الصلاة إلا وقد صح عندهن أنهن مخاطبات بذلك. وأيضًا فإن قوله ﷺ : فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة؛ يدل على أنهن مخاطبات بذلك، وهذا الخطاب وإن كان أصله للذكور؛ فالنساء مندرجات فيه؛ كما اندرجن في قوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمتُم إِلَى الصَّلاةِ فَاغسِلُوا﴾ و ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ﴾، وغير ذلك من خطابات التعبدات العامة، والنساء داخلات فيها باتفاق. واختلف فيمن فاتته صلاة الكسوف مع الإمام، هل يصليها وحده؟ على قولين لأهل العلم، ومن أصحابنا من قال: لا تلزمه، وهو أصل مالك: في أن السنن لا تُقضى إذا فاتت بفوات أفعالها أو أوقاتها.
стр. 1175
رَسُولُ اللهِ ﷺ القِيَامَ جِدًّا، حَتَّى تَجَلانِي الغَشيُ - أَو الغَشِيُّ - فَأَخَذتُ قِربَةً مِن مَاءٍ إِلَى جَنبِي، فَجَعَلتُ أَصُبُّ عَلَى رَأسِي، أَو عَلَى وَجهِي مِنَ المَاءِ، قَالَت: فَانصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَد تَجَلَّتِ الشَّمسُ، فَخَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ فَحَمِدَ الله وَأَثنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعدُ، مَا مِن شَيءٍ لَم أَكُن رَأَيتُهُ إِلا قَد رَأَيتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا، حَتَّى الجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَإِنَّهُ قَد أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُم تُفتَنُونَ فِي القُبُورِ قَرِيبًا، أَو مِثلَ فِتنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ (لا أَدرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَت أَسمَاءُ) فَيُؤتَى أَحَدُكُم فَيُقَالُ: مَا عِلمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤمِنُ أَوِ المُوقِنُ (لا أَدرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَت أَسمَاءُ) فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ، هُوَ رَسُولُ اللهِ جَاءَ بِالبَيِّنَاتِ وَالهُدَى؛ فَأَجَبنَا وَأَطَعنَا ثَلاثَ مِرَارٍ، فَيُقَالُ لَهُ: نَم. قَد كُنَّا نَعلَمُ أنَّكَ مُؤمِن بِهِ، فَنَم صَالِحًا، وَأَمَّا المُنَافِقُ أَوِ المُرتَابُ (لا أَدرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَت أَسمَاءُ) فَيَقُولُ: لا أَدرِي، سَمِعتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيئًا فَقُلتُ.
رواه البخاري (١٨٤)، ومسلم (٩٠٥)(١١)، وابن ماجه (١٢٦٥).
ــ
وقولها: حتى تجلاني الغَشيُ أو الغَشِيُّ: الأول بسكون الشين، والثاني بكسرها، وكلاهما بالغين المعجمة، وهما بمعنى واحد، وهو حقيقة (١) الإغماء، وأتى الراوي باللفظين لأنه شك هل سمعه منها مُسَكّنة أو مثقَّلة. ووقعت هذه اللفظة عند الطبري بالعين المهملة، وليس بشيء.
وقولها: فجعلت أصب على رأسي ووجهي الماء، هذا كان منها لطول القيام وشدة الحر، وكأنها رأت أن فعل مثل هذا مع شدة الحاجة إليه يجوز؛ لخفة أمر ما ليس بفريضة، ولأن هذا الفعل ليس من قبيل العمل الكثير الذي ينصرف به عن الصلاة؛ كتأخر النبي ﷺ ، وتقدمه في هذه الصلاة. وفي هذا الحديث أبواب كثيرة
стр. 1176
[٧٨٥]- وَعَنهَا قَالَت: كَسَفَتِ الشَّمسُ عَلَى عَهدِ رَسُولَ ﷺ فَفَزِعَ، فَأَخطَأَ بِدِرعٍ، حَتَّى أُدرِكَ بِرِدَائِهِ بَعدَ ذَلِكَ. قَالَت: فَقَضَيتُ حَاجَتِي، ثُمَّ جِئتُ فَدَخَلتُ المَسجِدَ، فَرَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَائِمًا، فَقُمتُ مَعَهُ، فَأَطَالَ القِيَامَ حَتَّى رَأَيتُنِي أُرِيدُ أَن أَجلِسَ، ثُمَّ أَلتَفِتُ إِلَى المَرأَةِ الضَّعِيفَةِ،
ــ
من الفقه؛ منها ما ذكر، ومنها ما لم يذكر، إلا أنها لا تخفى على المتأمل الفطن.
وقول عائشة: ففزع فأخطأ بدرع، قد (١) تقدم الكلام على الفزع، ومعنى: أخطأ بدرع؛ أي أخطأ في ثوبه فلبس درعًا غَيره لاستعجاله، وفي بعض الروايات: فخطا بدرع - ثلاثيًّا -. قال القاضي: ولعله: خطئ. قال ابن عرفة: أخطأ في العمد وغيره، وخطئ بمعناه، وكلاهما مهموز. وقال الأزهري: أخطأ: إذ لم يتعمد، وخطئ: إذا تعمد. والخطأ: ضد الصواب، مهموز يُمد ويقصر، والمد قليل، والمصدر ممدود: خطّاء وإخطاء. والخِطء - بكسر الخاء وسكون الطاء -: الإثم، فأما الخِطاء بالكسر والمد: فهو من التخطي. قلت: ويظهر لي أن معنى قولها: أخطأ بدرع؛ أي: أخطأ فانصرف بدرع وحده من غير رداء، ولذلك قالت: حتى أُدرك بردائه. وأما رواية من رواه: فخطا؛ فأظن تلك الرواية وقعت بغير همز؛ من الخطو، يقال: خطأ يخطو خطوًا، والواحدة: خطوة؛ كما قال الشاعر:
ومَرَّ يَخطُو سَرِيعًا فِي تَأَوُّدِهِ ... يَا لَيتَهُ فِي سَوَادِ النَّاظِرين خَطَا
فيكون معناه: أنه مشى خطوات بدرعه من غير رداء حتى أُدرك بردائه، والله أعلم.
стр. 1177
فَأَقُولُ: هَذِهِ أَضعَفُ مِنِّي فَأَقُومُ، فَرَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ فَأَطَالَ القِيَامَ حَتَّى لَو أَنَّ رَجُلا جَاءَ خُيِّلَ إِلَيهِ أَنَّهُ لَم يَركَع.
رواه البخاري (١٠٥٨)، ومسلم (٩٠٦)(١٦).
* * *
ــ
وقوله: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله - تعالى -؛ أي: إن كسوفهما آية من آيات الله؛ لأنه الذي خرج الحديث بسببه، ثم هل يتعدى الأمر بالصلاة عند الكسوف إلى كل آية مخوفة؛ كالزلازل والصواعق، والرياح الشديدة، وشبهه من الآيات؟ فذهب أحمد وإسحاق وأبو ثور وأشهب إلى الصلاة عند ذلك كله. وقد روي عن مالك، وروي عن ابن عباس وابن مسعود، والمشهور عن مالك والشافعي والجمهور: أن ذلك مخصوص بالكسوف؛ لأن قوله: هما آيتان. لم يخرج مخرج التعليل، وإنما خرج مخرج الإعلام؛ كما قال: فإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، وإنما هما (١) آيتان من آيات الله. والله أعلم.
* * *
стр. 1178
(٨) كتاب الجنائز
(١) باب تلقين الموتى، وما يقال عند المصيبة، وعند حضور المرضى والموتى
[٧٨٦]- عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَقِّنُوا مَوتَاكُم لا إِلهَ إِلا اللهُ.
رواه أحمد (٣/ ٣)، ومسلم (٩١٦)، والترمذي (٩٧٦)، وأبو داود (٣١١٧)، والنسائي (٤/ ٥)، وابن ماجه (١٤٤٥).
ــ
(٨) كتاب الجنائز
(١) ومن باب: تلقين الموتى
قوله ﷺ : لقنوا موتاكم لا إله إلا الله؛ أي: قولوا لهم ذلك، وذكِّروهم به عند الموت، وسمّاهم ﷺ موتى؛ لأن الموت قد حضرهم. وتلقين الموتى هذه الكلمة سنة مأثورة عَمِلَ بها المسلمون، وذلك ليكون آخر كلامه: لا إله إلا الله، فيختم له بالسعادة، وليدخل في عموم قوله ﷺ : من كان آخر كلامه: لا إله إلا
стр. 1179
[٧٨٧]- وعَن أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَت: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَا مِن مُسلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللهُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ، اللهُمَّ أجُرنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخلِف لِي خَيرًا مِنهَا، إِلا أَخلَفَ اللهُ لَهُ خَيرًا مِنهَا.
ــ
الله؛ دخل الجنة (١). ولينبَّه المحتَضَرَ على ما يدفع به الشيطان، فإنه يتعرَّض للمحتضر ليفسد عليه عقيدته، فإذا تلقنها المحتَضَر وقالها مرَّةً واحدة، فلا تُعاد عليه؛ لئلا يتضجَّر، وقد كره أهل العلم الإكثار عليه من التلقين، والإلحاح عليه إذا هو تلقنها، أو فُهِم عنه ذلك. وفي أمره ﵊ بتلقين الموتى ما يدلّ على تعيُّن الحضور عند المحتَضَر؛ لتذكيره وإغماضه، والقيام عليه، وذلك من حقوق المسلم على المسلمين، ولا خلاف في ذلك.
وقوله ﷺ : ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون. هذا تنبيه على قوله - تعالى -: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ الآية، مع أنه ليس فيها أَمرٌ بذلك القول، وإنما تضمنت مدح من قاله؛ فيكون ذلك القول مندوبًا، والمندوب مأمور به؛ أي: مطلوب ومقتضًى، وإن سُوّغ تركه. وقال أبو المعالي: لم يختلف الأصوليون أنّ المندوب مقتضًى ومطلوبٌ، وإنما اختلفوا هل يُسمَّى: مأمورًا به؟ قلت: وهذا الحديث يدلّ على أنه يُسمَّى بذلك.
وقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون: كلمة اعتراف بالملك لمستحقّه، وتسليمٌ له فيما يُجريه في ملكه، وتهوينٌ للمصيبات بتوقع ما هو أعظم منها، وبالثواب المرتّب عليها، وتذكير المرجع والمآل الذي حَكَم به ذو العزّة والجلال.
وقوله: اللهم أجُرنِي في مصيبتي، هو من الأجر، وهو الثواب، قال صاحب الأفعال (٢): يقال: آجره الله، بالمدّ وبغير المدّ. وقال الأصمعيّ: هو
стр. 1180
قَالَت: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلتُ: أَيُّ المُسلِمِينَ خَيرٌ مِن أَبِي سَلَمَةَ؟ أَوَّلُ بَيتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . ثُمَّ إِنِّي قُلتُهَا فَأَخلَفَ اللهُ لِي رَسُولَ اللهِ ﷺ .
قَالَت: فَأَرسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَاطِبَ بنَ أَبِي بَلتَعَةَ، يَخطُبُنِي لَهُ، فَقُلتُ لَهُ: إِنَّ لِي بِنتًا، وَأَنَا غَيُورٌ. فَقَالَ: أَمَّا بِنتُهَا فَنَدعُو اللهَ أَن يُغنِيَهَا عَنهَا، وَأَدعُو اللهَ أَن يَذهَبَ بِالغَيرَةِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ عَزَمَ اللهُ لِي فَقُلتُهَا.
رواه مسلم (٩١٨) (٣ و ٥)، وأبو داود (٣١١٩)، والترمذي (٣٥٠٦).
[٧٨٨]- وَعَنهَا قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا حَضَرتُمُ المَرِيضَ، أَوِ المَيِّتَ فَقُولُوا خَيرًا؛ فَإِنَّ المَلائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ، قَالَت: فَلَمَّا
ــ
مقصور لا يمدّ، وهو الذي حكاه أكثر أهل اللغة.
وقول أم سلمة ﵂: عزم الله لي؛ أي: خلق فيّ قصدًا مؤكّدًا، وهو العزم، لا أنّ إرادة الله تسمّى عزمًا، لعدم الإذن في ذلك. والله تعالى أعلم.
وقولها: وأنا غَيور؛ أي: كثيرة الغَيرة، وقد جاءت فَعول في صفة المؤنّث كثيرًا، وإن كان أصلها للمذكّر. قالوا: امرأة ضَحوك وعَروب وعروس، وعقبة كَؤُود، وأرض صَعُود وحَدُور وهَبُوط. ويقال: امرأة غَيرَى، ورجل غَيرَان، كسكرى وسكران، وغضبى وغضبان، وهو القياس.
وقوله ﷺ : إذا حضرتم الميت فقولوا خيرًا: أمر تأديبٍ وتعليمٍ بما يقال عند الميت، وإخبارٌ بتأمينِ الملائكة على دعاء مَن هناك. ومن هذا استحب علماؤنا أن يحضر الميت الصالحون وأهلُ الخير حالة موته ليذكِّروه، ويدعوا له،
стр. 1181
مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ أَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سَلَمَةَ قَد مَاتَ، قَالَ: قُولِي: اللهُمَّ اغفِر لِي وَلَهُ، وَأَعقِبنِي مِنهُ عُقبَى حَسَنَةً، قَالَت: فَقُلتُ فَأَعقَبَنِي اللهُ مَن هُوَ خَيرٌ لِي مِنهُ، مُحَمَّدًا ﷺ .
رواه أحمد (٦/ ٣٠٦)، ومسلم (٩١٩)، وأبو داود (٣١١٨)، والترمذي (٩٧٧)، والنسائي (٤/ ٤ - ٥)، وابن ماجه (١٤٤٧).
* * *
(٢) باب في إغماض الميت، والدعاء له
[٧٨٩]- عَن أُمِّ سَلَمَةَ قَالَت: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَد شُقَّ بَصَرُهُ فَأَغمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ البَصَرُ، فَضَجَّ
ــ
ولمن يخلفه، ويقولوا خيرًا؛ فيجتمع دعاؤهم وتأمين الملائكة، فينتفع بذلك المَيّت ومن يُصاب به، ومن يخلفه.
وقوله: وأعقِبني منه عقبى حسنةً - كما قالت -: وأخلف لي خيرًا منها؛ أي: عاقبة جميلة.
(٢) ومن باب: إغماض الميت
قوله ﷺ : شَقَّ بصرُهُ: صوابه وصحيحه: شق بفتح الشين مبنيًّا للفاعل، وبرفع البصر؛ أي: انفتح. يقال: شَقّ بصرُ الميت، وشقّ الميت بصره: إذا شخص بصرُه، بفتح الخاء أيضًا، قاله صاحب الأفعال، ولم يَعرِف أبو زيد الضمَّ. وإغماض الميت: سدّ أجفانه بعد موته، وهو سنّة عَمِل بها المسلمون كافّةً، ومقصوده:
стр. 1182
نَاسٌ مِن أَهلِهِ، فَقَالَ: لا تَدعُوا عَلَى أَنفُسِكُم إِلا بِخَيرٍ، فَإِنَّ المَلائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ. ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ اغفِر لأَبِي سَلَمَةَ وَارفَع دَرَجَتَهُ فِي المَهدِيِّينَ، وَاخلُفهُ فِي عَقِبِهِ فِي الغَابِرِينَ، وَاغفِر لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، وَافسَح لَهُ فِي قَبرِهِ، وَنَوِّر لَهُ فِيهِ.
رواه أحمد (٦/ ٢٩٧)، ومسلم (٩٢٠)(٧)، وأبو داود (٣١١٥)، والنسائي (٤/ ٤ - ٥)، وابن ماجه (١٤٥٤).
[٧٩٠]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَلَم تَرَوُا الإِنسَانَ إِذَا مَاتَ شَخَصَ بَصَرُهُ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَذَلِكَ حِينَ يَتبَعُ بَصَرُهُ نَفسَهُ.
رواه مسلم (٩٢١).
* * *
ــ
تحسين وجه الميت، وسترُ تغيُّرِ بصره. والمهديون: الذين هُدُوا إلى الصراط المستقيم صراط الله.
وقوله: واخلفه في عقبه في الغابرين؛ أي: كن الخليفة على من يتركه من عقبه ويبقى بعده، ويعني بالغابرين: الباقين؛ كما قال - تعالى -: ﴿إِلا امرَأَتَهُ كَانَت مِنَ الغَابِرِينَ﴾؛ أي: من الباقين في العذاب. وغبر من الأضداد؛ يقال: بمعنى: بَقِيَ، وبمعنى: ذَهَبَ.
وقوله: إن الروح إذا قُبض تبعه البصرُ، وفي حديث أبي هريرة قال: فذلك حين يتبع بصرُه نفسَه، يدلّ على أن الروح والنفس عبارتان عن معنى واحد، وهو الذي يُقبض بالموت. والله تعالى أعلم.
стр. 1183
(٣) باب ما جاء في البكاء على الميت، وعنده
(٩٢٢) [٧٩١]- عَن أُمُّ سَلَمَةَ، قَالَت: لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلتُ: غَرِيبٌ فِي أَرضِ غُربَةٍ، لأَبكِيَنَّهُ بُكَاءً يُتَحَدَّثُ عَنهُ، فَكُنتُ قَد تَهَيَّأتُ لِلبُكَاءِ عَلَيهِ، إِذ أَقَبَلَتِ امرَأَةٌ مِنَ الصَّعِيدِ تُرِيدُ أَن تُسعِدَنِي، فَاستَقبَلَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَتُرِيدِينَ أَن تُدخِلِي الشَّيطَانَ بَيتًا أَخرَجَهُ اللهُ مِنهُ؟ مَرَّتَينِ، فَكَفَفتُ عَنِ البُكَاءِ فَلَم أَبكِ.
رواه مسلم (٩٢٢).
ــ
وفيهما (١) ما يدلّ على أن الموت ليس عدمًا ولا إعدامًا، وإنما هو انقطاعُ تعلُّقِ الروحِ بالبدن، ومفارقتُه، وحيلولةٌ بينهما، ثم إنّ البدن يبلى ويفنى، إلا عَجب الذنب الذي منه بُدئ خلقُ الإنسان، ومنه يركب الخلق يوم القيامة.
(٣) ومن باب: ما جاء في البكاء على الميت
قول أمّ سلمة: لأَبكينّه بكاءً يُتَحَدَّثُ عنه؛ أي: تنوح عليه نياحةً شديدةً، وذلك منها على ما كانوا عليه من النياحة والاجتماع لها قبل أن يبلغها تحريمُ النياحة. والله أعلم.
والصعيد هنا: أعالي الأرض، وكأنّها تريد عوالي المدينة، ومنه: صعيد مصر؛ أي: أعلى بلادها. وتُسعِدني معناه: توافقني على النياحة.
وقوله ﷺ : أتريدين أن تُدخلي الشيطان بيتًا أخرجه الله منه مرّتين:
стр. 1184
[٧٩٢]- وَعَن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ قَالَ: كُنَّا عِندَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَرسَلَت إِلَيهِ إِحدَى بَنَاتِهِ تَدعُوهُ، وَتُخبِرُهُ أَنَّ صَبِيًّا لَهَا، أَوِ ابنًا لَهَا فِي المَوتِ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: ارجِع إِلَيهَا فَأَخبِرهَا أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعطَى، وَكُلُّ شَيءٍ عِندَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرهَا فَلتَصبِر وَلتَحتَسِب، فَعَادَ الرَّسُولُ فَقَالَ: إِنَّهَا قَد أَقسَمَت لَتَأتِيَنَّهَا. قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَامَ مَعَهُ سَعدُ بنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بنُ جَبَلٍ، وَانطَلَقتُ مَعَهُم، فَرُفِعَ إِلَيهِ الصَّبِيُّ، وَنَفسُهُ تَقَعقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنَّةٍ، فَفَاضَت عَينَاهُ، فَقَالَ لَهُ سَعدٌ، مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: هَذِهِ رَحمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرحَمُ اللهُ مِن عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ.
رواه البخاري (١٢٨٤)، ومسلم (٩٢٣)، والنسائي (٤/ ٢٢).
ــ
يحتمل ذلك - والله أعلم - أن يكون بسبب صحّة إسلام أبي سلمة، وحسن هجرته.
وقوله: ونفسه تقعقع كأنها في شَنَّة. قال الهروي: يقال: تَقَعقَعَ الشيءُ: إذا اضطرب وتحرك، ويقال: إنه ليتقعقع لَحيَاه من الكِبَر. قال غيره: القعقعة هنا: صوت النَّفَس وحشرجة الصدر، ومنه: قعقعةُ الجلود، والتِّرسَة والأسلحة، وهي: أصواتها. والشَنّة: القِربة البالية، فكأنّه شبّه صوتَ نَفَسِه وقلقلته في صدره بصوت ما [ألقي] (١) في القربة [البالية] (٢) اليابسة من الماء إذا حُرِّك فيها. ومن أمثالهم: لا يُقعقَع له بالشّنان؛ أي: لا يُقرَع بقرعه، كما يُفعل بالصبي.
وقوله: هذه رحمة؛ أي: رقِّةٌ يجدها الإنسان في قلبه، تبعثه على البكاء من خشية الله، وعلى أفعال البر والخير، وعلى الشفقة على المبتلى والمصاب، ومَن كان كذلك؛ جازاه الله برحمته، وهو المعنّي بقوله ﷺ : إنما يرحم الله من
стр. 1185
[٧٩٣]- وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ قَالَ: اشتَكَى سَعدُ بنُ عُبَادَةَ شَكوَى لَهُ، فَأَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُهُ مَعَ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ، وَسَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيهِ وَجَدَهُ فِي غَشيةٍ، فَقَالَ: أَقَد قَضَى؟ قَالُوا: لا، يَا رَسُولَ اللهِ! فَبَكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمَّا رَأَى القَومُ بُكَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَكَوا، فَقَالَ: أَلا تَسمَعُونَ! إِنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ بِدَمعِ العَينِ، وَلا بِحُزنِ القَلبِ، وَلَكِن يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَو يَرحَمُ.
رواه البخاري (١٣٠٤)، ومسلم (٩٢٤).
* * *
ــ
عباده الرحماء، وضد ذلك القسوة في القلوب الباعثة على الإعراض عن الله - تعالى -، وعن أفعال الخير. ومن كان كذلك، قيل فيه: ﴿فَوَيلٌ لِلقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِن ذِكرِ اللَّهِ﴾
وقوله: فوجده في غشية، روايتنا فيه بسكون الشين وتخفيف الياء، وقد رواه جماعة من الشيوخ بكسر الشين وتشديد الياء. وقال الحافظ أبو الحسن: لا فرق بينهما، هما واحد، يريد من الغشاوة. ورواه البخاري: في غاشية، قال: ويحتمل وجهين: مَن يغشاه من الناس، أو ما يغشاه من الكرب.
وقوله: أقد قضى؟ أي: مات.
وقوله: إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب: يدل على أن البكاء الذي لا يصحبه صوتٌ ولا نياحةٌ جائز، قبل الموت وبعده، بل قد يقال فيه: إنه مندوب إليه؛ لأنه قد قال فيه: إنه رحمة، والرحمة مندوب إليها. فأمّا النياحة التي كانت الجاهلية تفعلها؛ من تعديد خصال الميت، والثناء عليه بما كان فيه من
стр. 1186
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الخصال الدُّنيوية والمذمومة، والصراخ الذي يُخرجه الجزع المفضي إلى السّخط والعبث؛ من ضرب الخدود، وشق الجيوب، فكل ذلك محرَّم، من أعمال الجاهلية، ولا يختلف فيه. فأمّا بكاء وصراخ لا يكون معه شيء من ذلك فهو جائز قبل الموت، مكروه بعده: أمّا جوازه فبدليل حديث جابر بن عقبة الذي خَرَّجه مالك، وذلك أن رسول الله ﷺ جاء يعود عبد الله بن ثابت، فوجده قد غلب عليه، فصاح به، فلم يُجبه، فاسترجع رسول الله ﷺ ، وقال: غُلِبنا عليك أبا الربيع. فصاح النسوة وبكين، فجعل جابر يُسكِتُهنّ، فقال رسول الله ﷺ : دعهن، فإذا وجب فلا تبكين باكية (١). ووجه الاستدلال: أنه ﷺ أقرّهن على البكاء والصياح قبل الموت، وأمر بتركهنّ على ذلك. وإنما قلنا: إنه مكروه بعد الموت ليس بمحرَّم؛ لما في حديث جعفر من بكائهن بعد الموت، وإعلام النبي ﷺ بذلك ونهيهن عنه، فلما لم ينكَفِفن، قال للمبلّغ: احثُ في أفواههنّ التراب (٢). ولم يبالغ في الإنكار عليهن، ولا زجرهن، ولا ذمّهن، ولو كان ذلك محرَّمًا لفعل كل ذلك. والله أعلم.
وبهذا الذي قررناه يرتفع الاختلاف بين ظواهر الأحاديث التي في هذا الباب، ويصح جمعها، فتمسّك به، فإنه حسن جدًّا، وهو الصواب - إن شاء الله تعالى -.
* * *
стр. 1187
(٤) باب في عيادة المريض، والصبر عند الصدمة الأولى
[٧٩٤]- عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنصَارِ فَسَلَّمَ عَلَيهِ، ثُمَّ أَدبَرَ الأَنصَارِيُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا أَخَا الأَنصَارِ! كَيفَ أَخِي سَعدُ بنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: صَالِحٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَن يَعُودُهُ مِنكُم؟ فَقَامَ وَقُمنَا مَعَهُ وَنَحنُ سبعَةَ عَشَرَ، مَا عَلَينَا نِعَالٌ وَلا خِفَافٌ وَلا قَلانِسُ وَلا قُمُصٌ، نَمشِي فِي تِلكَ السِّبَاخِ حَتَّى جِئنَاهُ، فَاستَأخَرَ قَومُهُ مِن حَولِهِ، حَتَّى دَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصحَابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ.
رواه مسلم (٩٢٥).
ــ
(٤) ومن باب: عيادة المريض
قوله ﷺ : كيف أخي سعد؟ دليل على حسن التعاهد (١)، وتفقُّد الإخوان، والسؤال عن أحوالهم إذا فُقدوا، وعلى الاستلطاف في السؤال عنهم.
وقوله: من يعوده منكم؟ حضٌّ على عيادة المرضى، وقد ورد في ذلك أحاديثُ كثيرةٌ تدلّ على نَدبيَّتها، وكثرة ثواب فاعلها، وهي مندوبة، وقد تجب إذا خِيف على المريض ضيعة، فإن التمريضَ واجبٌ على الكفاية، فمن قام به سقط عن غيره. والله أعلم.
стр. 1188
[٧٩٥]- وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَى عَلَى امرَأَةٍ تَبكِي عَلَى صَبِيٍّ لَهَا، فَقَالَ لَهَا: اتَّقِي اللهَ وَاصبِرِي، فَقَالَت: وَمَا تُبَالِي بِمُصِيبَتِي؟ فَلَمَّا ذَهَبَ، قِيلَ لَهَا: إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَخَذَهَا مِثلُ المَوتِ،
ــ
وقوله: أتى على امرأة تبكي على صبيٍّ لها: هذا البكاء كان معه ما يُنكَر؛ من رفع صوت أو غيره؛ كالجزع، وأمّا نفس البكاء فعلى ما تقدَّم من الإباحة.
وقوله: فأخذها مثل الموت، خوفًا من سوء أدبها في ردها عليه، وحياءً من رسول الله ﷺ ، وظاهرُ حال هذه المرأة: أنها لم تعرفه لشدة حزنها وما كانت فيه.
وقوله: إنما الصبر عند أول صدمة؛ يعني: إنما الصبر الشاقُّ الصعب على النفس؛ الذي يعظم الثواب عليه، إنما هو عند هجوم المصيبة وحرارتها، فإنه يدلّ على قوَّة النفس وتثبُّتها، وتمكنها في مقام الصبر، وأما إذا بردت حرارةُ المصيبة فكل أحدٍ يصبر إذ ذاك؛ ولذلك قيل: يجب على العاقل أن يلتزم عند المصيبة ما لا بدّ للأحمق منه بعد ثلاث؛ ولهذا المعنى أبيح للمصابة أن تحدّ على غير زوجها ثلاثًا لا غير؛ إذ بعدها تبرد المصيبة غالبًا، وأما دوام الإحداد إلى أربعة أشهر وعشرة للمتوفى عنها زوجها، فلمعنى يأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى -.
والصدم: أصله الضرب في الشيء الصلب، ثم استعير لمن فجأته المصيبة. ومعنى هذا القول: أن النبي ﷺ لما صادمته هذه المرأة بقولها: إليك عني، كما رواه البخاري، وبقولها: ما تبالي بمصيبتي؟ - وهو سوء أدب تأذَّى به -، قابل ذلك بالصبر، وحلُمَ عنها، ولم يؤاخذها به مع تمكنه من ذلك، فحصل من الصبر على أَشَقِّه على النفوس، وأعظمه في الثواب. هذا ما سمعناه في هذا، ويحتمل عندي أن يَنجَرَّ مع هذه للمرأة منه معنى؛ وذلك أنها لما شاهدت قبر ابنها تجدَّدت عليها مصيبتها، فكان ابتداء تجدُّدها صدمة أُولى صُدِمَتها، فلم تصبر حتى غشيها من الجزع ما صدّها عن معرفة من كلَّمها، ثم لما أفاقت من ذلك جاءت معتذرة مُظهرة للتجلد، فقال لها ذلك، منبهًا على أنها قد فاتها محل الصبر
стр. 1189
فَأَتَت بَابَهُ، فَلَم تَجِد عَلَى بَابِهِ بَوَّابِينَ، فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللهِ! لَم أَعرِفكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا الصَّبرُ عِندَ أَوَّلِ الصَدمَةٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ: مَرَّ بِامرَأَةٍ عِندَ قَبرٍ.
رواه أحمد (٣/ ٢١٧)، والبخاري (١٣٠٢)، ومسلم (٩٢٦)(١٥)، وأبو داود (٣١٢٤)، والترمذي (٩٨٧)، والنسائي (٤/ ٢٢)، وابن ماجه (١٥٩٦).
* * *
(٥) باب ما جاء أن الميت ليعذبُ ببكاءِ الحَيِّ عليه
[٧٩٦]- عَن عَبدِ اللهِ بنِ أَبِي مُلَيكَةَ قَالَ: تُوُفِّيَتِ ابنَةٌ لِعُثمَانَ بنِ عَفَّانَ بِمَكَّةَ، قَالَ: فَجِئنَا لِنَشهَدَهَا، قَالَ: فَحَضَرَهَا ابنُ عُمَرَ وَابنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: فإِنِّي لَجَالِسٌ بَينَهُمَا، قَالَ: جَلَستُ إِلَى أَحَدِهِمَا، قَالَ: ثُمَّ جَاءَ الآخَرُ فَجَلَسَ إِلَى جَنبِي، فَقَالَ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ لِعَمرِو بنِ عُثمَانَ، وَهُوَ مُوَاجِهُهُ: أَلا تَنهَى عَنِ البُكَاءِ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهلِهِ عَلَيهِ. فَقَالَ
ــ
والأجر. والله أعلم.
وقوله: لم تجد على باب النبي ﷺ بوابين؛ لأن ذلك كان عادته لتواضعه، ومجانبته أحوال المترفين والمتكبرين؛ لأنه كان نبيًّا عبدًا، لا نبيًّا مَلِكًا ﷺ .
(٥) ومن باب: إن الميت ليعذب ببكاء الحي
قوله ﷺ : إن الميت ليعذب ببكاء أهله: اختلف في معناه على أقوال:
стр. 1190
ابنُ عَبَّاسٍ: قَد كَانَ عُمَرُ يَقُولُ بَعضَ ذَلِكَ ثُمَّ حَدَّثَ فَقَالَ: صَدَرتُ مَعَ عُمَرَ مِن مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالبَيدَاءِ إِذَا هُوَ بِرَكبٍ تَحتَ ظِلِّ سَمُرَة، فَقَالَ: اذهَب فَانظُر مَن هَؤُلاءِ الرَّكبُ؟ فَنَظَرتُ فَإِذَا صُهَيبٌ. قَالَ فَأَخبَرتُهُ، فَقَالَ: ادعُهُ لِي. قَالَ: فَرَجَعتُ إِلَى صُهَيبٍ، فَقُلتُ: ارتَحِل فَالحَق أَمِيرَ المُؤمِنِينَ. فَلَمَّا أَن أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيبٌ يَبكِي يَقُولُ: وَا أَخَاه! وَا صَاحِبَاه! فَقَالَ عُمَرُ: يَا صُهَيبُ! أَتَبكِي عَلَيَّ؟ وَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعضِ بُكَاءِ أَهلِهِ عَلَيهِ، فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ذَكَرتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَقَالَت: يَرحَمُ اللهُ عُمَرَ، لا وَاللهِ! مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ المُؤمِنَ بِبُكَاءِ أَحَدٍ، وَلَكِن قَالَ: إِنَّ اللهَ يَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهلِهِ عَلَيهِ، قَالَ: وَقَالَت عَائِشَةُ: حَسبُكُمُ القُرآنُ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى وَإِن تَدعُ مُثقَلَةٌ إِلَى حِملِهَا لا يُحمَل مِنهُ شَيءٌ وَلَو كَانَ ذَا قُربَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخشَونَ رَبَّهُم بِالغَيبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفسِهِ وَإِلَى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ قَالَ: وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ عِندَ ذَلِكَ: وَاللهُ أَضحَكَ وَأَبكَى.
ــ
فأنكرته عائشة ﵂، وصرحت بتخطئة الناقل أو نسيانه، وحملها على ذلك أنها لم تسمعه كذلك، وأنه معارض بقوله - تعالى -: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى﴾ وهذا فيه نظر. أما إنكارها، ونسبة الخطأ لراويه فبعيد، وغير بيِّن ولا واضح، وبيانه من وجهين:
أحدهما: أن الرواة لهذا المعنى كثير: عمر، وابن عمر، والمغيرة بن شعبة، وقيلة بنت مخرمة، وهم جازمون بالرواية، فلا وجه لتخطئتهم، وإذا أُقدِم على ردّ خبر جماعة مثل هؤلاء مع إمكان حمله على محمل الصحيح، فلأن يُردّ خبر راوٍ واحد أولى، فردُّ خبرها أولى، على أن الصحيح: ألا يُردّ واحدٌ من تلك الأخبار، وينظر في معانيها كما نبيِّنه.
стр. 1191
قَالَ ابنُ أَبِي مُلَيكَةَ: فَوَاللهِ مَا قَالَ ابنُ عُمَرَ مِن شَيءٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ: لَمَّا بَلَغَ عَائِشَةَ قَولُ عُمَرَ وَابنِ عُمَرَ، قَالَت: إِنَّكُم لَتُحَدِّثُونِّي عَن غَيرِ كَاذِبَينِ وَلا مُكَذَّبَينِ وَلَكِنَّ السَّمعَ يُخطِئُ.
رواه البخاري (١٢٨٦)، ومسلم (٩٢٨)(٢٣) و (٩٢٩)، والنسائي (٤/ ١٨ - ١٩).
ــ
وثانيهما: أنه لا مُعارضة بين ما روت هي ولا ما رووا هم؛ إذ كلُّ واحد منهم أخبر عمَّا سمع وشاهد، وهما واقعتان مختلفتان. وأما استدلالُها على ردّ لك بقوله - تعالى -: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى﴾ فلا حجة فيه، ولا معارضة بين هذه الآية والحديث، على ما نُبديه من معنى الحديث إن شاء الله تعالى.
وقد اختلف العلماء فيه، فقيل: محمله على ما إذا كان النوح من وصيّته وسنّته، كما كانت الجاهلية تفعل، حتى قال طرفة:
إذا مِتُّ فانعَينِي بما أنا أهله ... وشقِّي عليّ الجيب يا ابنة معبد
وقد جمع عبد المطلب بناته عند موته وأمرهن أن ينعَيَنه ويندبنه (١) ففعلن، وأنشدت كل واحدة منهن شعرًا تمدحه فيه، فلما فرغن قال آخر ما كلّمهن: أحسنتنَّ، هكذا فانعَينَني، وإلى هذا نحا البخاري. وقيل: معناه: أن تلك الأفعال التي يُبكى بها الميت، مما كانوا يفعلونه في الجاهلية؛ من قتل النفوس، وأخذ
стр. 1192
[٧٩٧]- وَعَن عُروَةَ قَالَ: ذُكِرَ عِندَ عَائِشَةَ أَنَّ ابنَ عُمَرَ يَرفَعُ إِلَى
ــ
الأموال، وإخراب البلاد، وغير ذلك، فأهلُه يمدحونه بها، ويعدِّدونها عليه، وهو يُعذَّب لسببها، وعلى هذا تُحمل رواية من رواه: ببعض بكاء أهله؛ إذ ليس (١) كل ما يُعدِّدونه من خصاله يكون مذمومًا، فقد يكون من خصاله: كرم، وإعتاقُ رقابٍ، وكشف كرب. وقد دلّ على صحّة هذا التأويل: حديث عبد الله بن رواحة؛ حيث أُغمِي عليه، فجعلت أخته عمرة تبكي: واجَبَلاه! واكذا! واكذا، تُعدِّد عليه، فأفاق وقال لها: ما قلتِ شيئًا إلا قيل لي: أنت كذلك؟ ! فلما مات لم تبك عليه (٢). خرَّجه البخاري، وذهب داود وطائفة إلى اعتقاد ظاهر الحديث، وأنه إنما يعذب بنوحهم؛ لأنه أهمل نهيهم عنه قبل موته وتأديبهم بذلك، فيعذَّب بتفريطه في ذلك، ويترك ما أمر الله - تعالى - به من قوله - تعالى -: ﴿قُوا أَنفُسَكُم وَأَهلِيكُم نَارًا﴾ وقيل: معناه: أنه يعذّب بسماع بكاء أهله؛ لرقَّته لهم (٣)، وشفقته عليهم؛ لما يصيبهم من أجله. وقد دلّ على صحة هذا المعنى: حديث قيلة بنت مخرمة العنزية، وبكت على ابنها مات عند رسول الله ﷺ ، فقال لها وأنكر عليها: والذي نفس محمد بيده! إن أحدكم ليبكي فيستعبر إليه صويحبُه، يا عباد الله! لا تعذبوا إخوانكم. ذكره أبو بكر بن أبي شيبة (٤)، وهو حديث طويل مشهور، وهذا التأويل حسن جدًّا، ولعله أولى ما قيل في ذلك. والله أعلم. وسكوت ابن عمر عن عائشة حين قالت ما قالت؛ ليس لشكّه فيما رواه، لا هو ولا أبوه عمر ﵄؛ فإنهما قد صرّحا برفع ذلك إلى النبي ﷺ ، وإنما كان - والله تعالى أعلم - لأنه ظهر له أن الحديث قابل للتأويل، ولم يتعيَّن له محمل، أو
стр. 1193
النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبرِهِ بِبُكَاءِ أَهلِهِ عَلَيهِ. فَقَالَت: وَهِلَ، إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ أَو بِذَنبِهِ، وَإِنَّ أَهلَهُ لَيَبكُونَ عَلَيهِ الآنَ وَذَلِكَ مِثلُ قَولِهِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ عَلَى القَلِيبِ يَومَ بَدرٍ، وَفِيهِ قَتلَى بَدرٍ مِنَ المُشرِكِينَ فَقَالَ لَهُم مَا قَالَ: إِنَّهُم لَيَسمَعُونَ مَا أَقُولُ، وَقَد وَهِلَ، إِنَّمَا قَالَ: إِنَّهُم لَيَعلَمُونَ أَنَّ مَا كُنتُ أَقُولُ لَهُم حَقٌّ، ثُمَّ قَرَأَت: ﴿إِنَّكَ لا تُسمِعُ المَوتَى﴾، ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسمِعٍ مَن فِي القُبُورِ﴾ يَقُولُ: حِينَ تَبَوَّءُوا مَقَاعِدَهُم مِنَ النَّارِ.
رواه مسلم (٩٣٢)(٢٦)، وأبو داود (٣١٢٩)، والنسائي (٤/ ١٨).
[٧٩٨] وفي رِوَايَةٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ: المَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيهِ.
رواه أحمد (٢/ ٦١)، والبخاري (١٢٩٢)، ومسلم (٩٢٧)(١٧)، والترمذي (١٠٠٠)، وابن ماجه (١٥٩٣).
ــ
سكت محترمًا لها عن أن يراجعها في ذلك المجلس، وفي ذلك الوقت، وأخّر ذلك لوقت آخر، مع أنه لم تُرهِق إليه في ذلك الوقت حاجة يعتدّ (١) بها. والله تعالى أعلم.
وقولها: وهل أبو عبد الرحمن. قال الهروي: يقال: وهَلَ يَهلُ إلى الشيء: إذا ذهب وهمُه إليه، ومنه قول ابن عمر: وَهِلَ أنس، يريد: غلط، فأما وَهِلتُ من كذا، أَوهَلُ، فمعناه: فَزِعتُ منه، ومنه الحديث: فقمنا وَهِلِين؛ أي: فزعين. وقال أبو عبيد في المصنف: قال أبو زيد: وَهِلت في الشيء، ووهِلت
стр. 1194
[٧٩٩] وَفِي أُخرَى: فَقَالَت عَائِشَةُ: يَغفِرُ اللهُ لأَبِي عَبدِ الرَّحمَنِ، أَمَا إِنَّهُ لَم يَكذِب وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَو أَخطَأَ، وإِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبكَى عَلَيهَا، فَقَالَ: إِنَّهُم لَيَبكُونَ عَلَيهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبرِهَا.
رواه أحمد (٦/ ٣٩)، ومسلم (٩٣٢)(٢٧)، والترمذي (١٠٠٤)، وابن ماجه (١٥٩٥).
[٨٠٠]- وعَنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ أُغمِيَ عَلَيهِ، فَصِيحَ عَلَيهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَمَا عَلِمتُم أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ.
رواه مسلم (٩٢٧)(١٩).
ــ
عنه، أَيهَل، وهلا: [أنسيتُ وغلِطتُ. ووهلتُ إلى الشيء أهِلُ وهلا] (١): إذا ذهب وَهَمُك إليه.
والقليب: البئر غير المطويّة، وأمّا إنكار عائشة على ابن عمر سماع أهل القليب، فمن قبيل ما تقدّم؛ وذلك أنها أنكرت ما رواه الثقة الحافظ لأجل أنها ظنّت أن ذلك مُعارض بقوله - تعالى -: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسمِعٍ مَن فِي القُبُورِ﴾ و: ﴿إِنَّكَ لا تُسمِعُ المَوتَى﴾ ولا تعارض بينهما؛ لوجهين:
أحدهما: أن الموتى في الآية إنما يراد بهم الكفار، فكأنهم موتى في قبورهم، والسماع يراد به الفهم والإجابة هنا؛ كما قال - تعالى -: ﴿وَلَو عَلِمَ اللَّهُ فِيهِم خَيرًا لأَسمَعَهُم وَلَو أَسمَعَهُم لَتَوَلَّوا وَهُم مُعرِضُونَ﴾ وهذا كما سَمّاهم: بصمّ وبُكم وعُمي، مع سلامة هذه الحواسّ منهم.
стр. 1195
[٨٠١] وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ حَفصَةَ بَكَت عَلَى عُمَرَ فَقَالَ: مَهلا يَا بُنَيَّةُ! أَلَم تَعلَمِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهلِهِ عَلَيهِ.
رواه مسلم (٩٢٧)(١٦).
[٨٠٢]- وَعَنِ المُغِيرَةِ بنِ شُعبَةَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَن نِيحَ عَلَيهِ، فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيهِ يَومَ القِيَامَةِ.
رواه أحمد (٤/ ٢٤٥)، والبخاري (١٢٩١)، ومسلم (٩٣٣)(٢٨)، والترمذي (١٠٠٠).
* * *
ــ
وثانيهما: أنا لو سلمنا أن الموتى في الآية على حقيقتهم؛ فلا تعارُض بينها وبين أن بعض الموتى يسمعون في وقت ما، أو في حال ما، فإن تخصيص العموم ممكن وصحيح إذا وُجد المخصِّص، وقد وُجد هنا؛ بدليل هذا الحديث، وحديث أبي طلحة الذي قال فيه النبي ﷺ في أهل بدر: والذي نفسي بيده! ما أنتم بأسمعَ لما أقول منهم (١). وهو متفق عليه، وبما في معناه؛ مثل قوله ﷺ في الميت: إنه ليسمع قرعَ النِّعال (٢). بالمعلوم من سؤال الملكين للميت في قبره، وجوابه لهما، إلى غير ذلك ما لا يُنكر. فحديث ابن عمر صحيح النقل، وما تضمنه يقبله العقل، فلا طريق لتخطئته، والله تعالى أعلم. وأيضًا فقد رواه عمر عن النبي ﷺ فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم (٣). ورواية من روى: إن الميت ليعذب ما نِيح عليه. يشهد لما اخترناه في تأويل الحديث المتقدم. وما هنا ظرفية، تقديره: مدة النياحة عليه، وما يعذب بسببه مسكوت عنه هنا، وهو ما تقدم. والله أعلم.