← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

قَالَ ابنُ أَبِي مُلَيكَةَ: فَوَاللهِ مَا قَالَ ابنُ عُمَرَ مِن شَيءٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: لَمَّا بَلَغَ عَائِشَةَ قَولُ عُمَرَ وَابنِ عُمَرَ، قَالَت: إِنَّكُم لَتُحَدِّثُونِّي عَن غَيرِ كَاذِبَينِ وَلا مُكَذَّبَينِ وَلَكِنَّ السَّمعَ يُخطِئُ. رواه البخاري (١٢٨٦)، ومسلم (٩٢٨) (٢٣) و (٩٢٩)، والنسائي (٤/ ١٨ - ١٩). ــ وثانيهما: أنه لا مُعارضة بين ما روت هي ولا ما رووا هم؛ إذ كلُّ واحد منهم أخبر عمَّا سمع وشاهد، وهما واقعتان مختلفتان. وأما استدلالُها على ردّ لك بقوله - تعالى -: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى﴾ فلا حجة فيه، ولا معارضة بين هذه الآية والحديث، على ما نُبديه من معنى الحديث إن شاء الله تعالى. وقد اختلف العلماء فيه، فقيل: محمله على ما إذا كان النوح من وصيّته وسنّته، كما كانت الجاهلية تفعل، حتى قال طرفة: إذا مِتُّ فانعَينِي بما أنا أهله ... وشقِّي عليّ الجيب يا ابنة معبد وقد جمع عبد المطلب بناته عند موته وأمرهن أن ينعَيَنه ويندبنه (١) ففعلن، وأنشدت كل واحدة منهن شعرًا تمدحه فيه، فلما فرغن قال آخر ما كلّمهن: أحسنتنَّ، هكذا فانعَينَني، وإلى هذا نحا البخاري. وقيل: معناه: أن تلك الأفعال التي يُبكى بها الميت، مما كانوا يفعلونه في الجاهلية؛ من قتل النفوس، وأخذ

стр. 1192

[٧٩٧]- وَعَن عُروَةَ قَالَ: ذُكِرَ عِندَ عَائِشَةَ أَنَّ ابنَ عُمَرَ يَرفَعُ إِلَى ــ الأموال، وإخراب البلاد، وغير ذلك، فأهلُه يمدحونه بها، ويعدِّدونها عليه، وهو يُعذَّب لسببها، وعلى هذا تُحمل رواية من رواه: ببعض بكاء أهله؛ إذ ليس (١) كل ما يُعدِّدونه من خصاله يكون مذمومًا، فقد يكون من خصاله: كرم، وإعتاقُ رقابٍ، وكشف كرب. وقد دلّ على صحّة هذا التأويل: حديث عبد الله بن رواحة؛ حيث أُغمِي عليه، فجعلت أخته عمرة تبكي: واجَبَلاه! واكذا! واكذا، تُعدِّد عليه، فأفاق وقال لها: ما قلتِ شيئًا إلا قيل لي: أنت كذلك؟ ! فلما مات لم تبك عليه (٢). خرَّجه البخاري، وذهب داود وطائفة إلى اعتقاد ظاهر الحديث، وأنه إنما يعذب بنوحهم؛ لأنه أهمل نهيهم عنه قبل موته وتأديبهم بذلك، فيعذَّب بتفريطه في ذلك، ويترك ما أمر الله - تعالى - به من قوله - تعالى -: ﴿قُوا أَنفُسَكُم وَأَهلِيكُم نَارًا﴾ وقيل: معناه: أنه يعذّب بسماع بكاء أهله؛ لرقَّته لهم (٣)، وشفقته عليهم؛ لما يصيبهم من أجله. وقد دلّ على صحة هذا المعنى: حديث قيلة بنت مخرمة العنزية، وبكت على ابنها مات عند رسول الله ﷺ ، فقال لها وأنكر عليها: والذي نفس محمد بيده! إن أحدكم ليبكي فيستعبر إليه صويحبُه، يا عباد الله! لا تعذبوا إخوانكم. ذكره أبو بكر بن أبي شيبة (٤)، وهو حديث طويل مشهور، وهذا التأويل حسن جدًّا، ولعله أولى ما قيل في ذلك. والله أعلم. وسكوت ابن عمر عن عائشة حين قالت ما قالت؛ ليس لشكّه فيما رواه، لا هو ولا أبوه عمر ﵄؛ فإنهما قد صرّحا برفع ذلك إلى النبي ﷺ ، وإنما كان - والله تعالى أعلم - لأنه ظهر له أن الحديث قابل للتأويل، ولم يتعيَّن له محمل، أو

стр. 1193

النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبرِهِ بِبُكَاءِ أَهلِهِ عَلَيهِ. فَقَالَت: وَهِلَ، إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ أَو بِذَنبِهِ، وَإِنَّ أَهلَهُ لَيَبكُونَ عَلَيهِ الآنَ وَذَلِكَ مِثلُ قَولِهِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ عَلَى القَلِيبِ يَومَ بَدرٍ، وَفِيهِ قَتلَى بَدرٍ مِنَ المُشرِكِينَ فَقَالَ لَهُم مَا قَالَ: إِنَّهُم لَيَسمَعُونَ مَا أَقُولُ، وَقَد وَهِلَ، إِنَّمَا قَالَ: إِنَّهُم لَيَعلَمُونَ أَنَّ مَا كُنتُ أَقُولُ لَهُم حَقٌّ، ثُمَّ قَرَأَت: ﴿إِنَّكَ لا تُسمِعُ المَوتَى﴾، ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسمِعٍ مَن فِي القُبُورِ﴾ يَقُولُ: حِينَ تَبَوَّءُوا مَقَاعِدَهُم مِنَ النَّارِ. رواه مسلم (٩٣٢) (٢٦)، وأبو داود (٣١٢٩)، والنسائي (٤/ ١٨). [٧٩٨] وفي رِوَايَةٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ: المَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيهِ. رواه أحمد (٢/ ٦١)، والبخاري (١٢٩٢)، ومسلم (٩٢٧) (١٧)، والترمذي (١٠٠٠)، وابن ماجه (١٥٩٣). ــ سكت محترمًا لها عن أن يراجعها في ذلك المجلس، وفي ذلك الوقت، وأخّر ذلك لوقت آخر، مع أنه لم تُرهِق إليه في ذلك الوقت حاجة يعتدّ (١) بها. والله تعالى أعلم. وقولها: وهل أبو عبد الرحمن. قال الهروي: يقال: وهَلَ يَهلُ إلى الشيء: إذا ذهب وهمُه إليه، ومنه قول ابن عمر: وَهِلَ أنس، يريد: غلط، فأما وَهِلتُ من كذا، أَوهَلُ، فمعناه: فَزِعتُ منه، ومنه الحديث: فقمنا وَهِلِين؛ أي: فزعين. وقال أبو عبيد في المصنف: قال أبو زيد: وَهِلت في الشيء، ووهِلت

стр. 1194

[٧٩٩] وَفِي أُخرَى: فَقَالَت عَائِشَةُ: يَغفِرُ اللهُ لأَبِي عَبدِ الرَّحمَنِ، أَمَا إِنَّهُ لَم يَكذِب وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَو أَخطَأَ، وإِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبكَى عَلَيهَا، فَقَالَ: إِنَّهُم لَيَبكُونَ عَلَيهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبرِهَا. رواه أحمد (٦/ ٣٩)، ومسلم (٩٣٢) (٢٧)، والترمذي (١٠٠٤)، وابن ماجه (١٥٩٥). [٨٠٠]- وعَنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ أُغمِيَ عَلَيهِ، فَصِيحَ عَلَيهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَمَا عَلِمتُم أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ. رواه مسلم (٩٢٧) (١٩). ــ عنه، أَيهَل، وهلا: [أنسيتُ وغلِطتُ. ووهلتُ إلى الشيء أهِلُ وهلا] (١): إذا ذهب وَهَمُك إليه. والقليب: البئر غير المطويّة، وأمّا إنكار عائشة على ابن عمر سماع أهل القليب، فمن قبيل ما تقدّم؛ وذلك أنها أنكرت ما رواه الثقة الحافظ لأجل أنها ظنّت أن ذلك مُعارض بقوله - تعالى -: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسمِعٍ مَن فِي القُبُورِ﴾ و: ﴿إِنَّكَ لا تُسمِعُ المَوتَى﴾ ولا تعارض بينهما؛ لوجهين: أحدهما: أن الموتى في الآية إنما يراد بهم الكفار، فكأنهم موتى في قبورهم، والسماع يراد به الفهم والإجابة هنا؛ كما قال - تعالى -: ﴿وَلَو عَلِمَ اللَّهُ فِيهِم خَيرًا لأَسمَعَهُم وَلَو أَسمَعَهُم لَتَوَلَّوا وَهُم مُعرِضُونَ﴾ وهذا كما سَمّاهم: بصمّ وبُكم وعُمي، مع سلامة هذه الحواسّ منهم.

стр. 1195

[٨٠١] وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ حَفصَةَ بَكَت عَلَى عُمَرَ فَقَالَ: مَهلا يَا بُنَيَّةُ! أَلَم تَعلَمِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهلِهِ عَلَيهِ. رواه مسلم (٩٢٧) (١٦). [٨٠٢]- وَعَنِ المُغِيرَةِ بنِ شُعبَةَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَن نِيحَ عَلَيهِ، فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيهِ يَومَ القِيَامَةِ. رواه أحمد (٤/ ٢٤٥)، والبخاري (١٢٩١)، ومسلم (٩٣٣) (٢٨)، والترمذي (١٠٠٠). * * * ــ وثانيهما: أنا لو سلمنا أن الموتى في الآية على حقيقتهم؛ فلا تعارُض بينها وبين أن بعض الموتى يسمعون في وقت ما، أو في حال ما، فإن تخصيص العموم ممكن وصحيح إذا وُجد المخصِّص، وقد وُجد هنا؛ بدليل هذا الحديث، وحديث أبي طلحة الذي قال فيه النبي ﷺ في أهل بدر: والذي نفسي بيده! ما أنتم بأسمعَ لما أقول منهم (١). وهو متفق عليه، وبما في معناه؛ مثل قوله ﷺ في الميت: إنه ليسمع قرعَ النِّعال (٢). بالمعلوم من سؤال الملكين للميت في قبره، وجوابه لهما، إلى غير ذلك ما لا يُنكر. فحديث ابن عمر صحيح النقل، وما تضمنه يقبله العقل، فلا طريق لتخطئته، والله تعالى أعلم. وأيضًا فقد رواه عمر عن النبي ﷺ فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم (٣). ورواية من روى: إن الميت ليعذب ما نِيح عليه. يشهد لما اخترناه في تأويل الحديث المتقدم. وما هنا ظرفية، تقديره: مدة النياحة عليه، وما يعذب بسببه مسكوت عنه هنا، وهو ما تقدم. والله أعلم.

стр. 1196

(٦) باب التشديد في النياحة، وما جاء في اتباع الجنائز [٨٠٣]- عَن أَبِي مَالِكٍ الأَشعَرِيَّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَربَعٌ فِي أُمَّتِي مِن أَمرِ الجَاهِلِيَّةِ، لا يَترُكُونَهُنَّ: الفَخرُ فِي الأَحسَابِ، وَالطَّعنُ فِي الأَنسَابِ، وَالاستِسقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ، وَقَالَ: النَّائِحَةُ إِذَا لَم تَتُب قَبلَ ــ وفي الأم: أن عمر ﵁ لما طعن عوّلت عليه حفصة (١). هكذا صحيح الرواية، وقد روي: أعوَلَت، وهما لغتان، غير أن الثانية أشهر وأفصح، وكلاهما من العويل، وهو البكاء ومعه صوت. (٦) ومن باب: التشديد في النياحة قوله ﷺ : أربع في أمتي من أمر الجاهلية؛ أي: من شأنهم وخصالهم. ولا يتركونهن، يعني: غالبًا. والفخر في الأحساب؛ يعني: الافتخار بالآباء الكبراء والرؤساء، وقد قال ﷺ : إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي، الناس كلّهم بنو آدم، وآدم خلق من تراب (٢). والطعن في الأنساب: استحقارُها وعيبُها، وقد تقدم الكلام على الاستسقاء بالنجوم. والاستسقاء: استدعاء السُّقيا وسؤالُه، وكأنهم كانوا يسألون من النجوم أن تسقيهم؛ بناءً منهم على اعتقادهم الفاسد في أن النجوم تُوجِد المطر وتخلقه.

стр. 1197

مَوتِهَا، تُقَامُ يَومَ القِيَامَةِ وَعَلَيهَا سِربَالٌ مِن قَطِرَانٍ، وَدِرعٌ مِن جَرَبٍ. رواه أحمد (٥/ ٣٤٢)، ومسلم (٩٣٤). [٨٠٤]- وَعَن عَائِشَةَ، قَالَت: لَمَّا جَاءَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَتلُ ابنِ حَارِثَةَ وَجَعفَرِ بنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبدِ اللهِ بنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعرَفُ فِيهِ الحُزنُ. قَالَت: وَأَنَا أَنظُرُ مِن صَائِرِ البَابِ (شَقِّ البَابِ) فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ نِسَاءَ جَعفَرٍ، وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ أَن يَذهَبَ فَيَنهَاهُنَّ، فَذَهَبَ فَأَتَاهُ، فَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَم يُطِعنَهُ، فَأَمَرَهُ الثَّانِيَةَ أَن يَنهَاهُنَّ فَذَهَبَ، ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: وَاللهِ! لَقَد غَلَبنَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَت: فَزَعَمَت أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: اذهَب فَاحثُ فِي أَفوَاهِهِنَّ مِنَ التُّرَابِ. قَالَت عَائِشَةُ، ــ والسربال: واحد السرابيل، وهي: الثياب والقُمُص، يعني: أنّهنّ يلطَّخنَ بالقطِرَان، فيصير لهنّ كالقُمُص، حتى يكون اشتعال النار والتصاقها بأجسادهن أعظم، ورائحته أنتن، وألمها بسبب الحر (١) أشدّ. وقولها (٢): من صائر الباب، قد فسّره في الحديث بشقّ الباب، وهكذا صحّت روايته. قال الإمام: والصواب: صِير الباب - بكسر الصاد -. وفي حديث آخر: من اطلَّع من صِير باب فقد دَمَر (٣)، وهو شَقّ الباب، ودَمَر: دخل بغير إذن. وكون نساء جعفر لم يُطِعن الناهي لهنّ عن البكاء، إمّا لأنه لم يُصرِّح لهن بأن النبي ﷺ نهاهن، فظننَّ منه أنه كالمحتسب في ذلك، وكالمرشد للمصلحة، أو لأنهن غُلبن في أنفسهن على سماع النهي؛ لحرارة المصيبة، والله تعالى أعلم. وقوله: احثُ في أفواههنّ التراب؛ يدلّ على أنهنّ صرخن؛ إذ لو كان

стр. 1198

قُلتُ: أَرغَمَ اللهُ أَنفَكَ وَاللهِ مَا تَفعَلُ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَمَا تَرَكتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنَ العَنَاءِ. وَفِي رِوَايَةٍ: مِنَ العِيِّ. رواه البخاري (١٢٩٩)، ومسلم (٩٣٥)، وأبو داود (٣١٢٢)، والنسائي (٤/ ١٥)، وابن ماجه (١٥٨١). [٨٠٥]- وَعَن أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَت: أَخَذَ عَلَينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مع البَيعَةِ أَلا نَنُوحَ، ــ بكاءً بالعين فقط، لما كان لملء أفواههنّ بالتراب معنًى، وليس أمره ﷺ للرجل بذلك ليفعله بهن على كل حالٍ، ولكن على طريق أن هذا مما يُسكتهنّ إن فعلنه، فافعله إن أمكنك، وهو لا يمكنك. وفيه دليل على أن المنهي عن المنكر، إن لم ينته عوقب وأُدِّب إن أمكن ذلك، وإلا فالملاطفة فيه أولى إن وقعت. وقول عائشة ﵂ للرجل: أرغَمَ الله أنفك؛ أي: ألصقه الله بالرغام - وهو التراب -، دعت عليه؛ لأنها فهمت أنه أَحرَجَ رسول الله ﷺ بكثرة تكراره عليه وإخباره ببكائهن، ولذلك قالت له: والله ما تفعل ما أمرك به رسول الله ﷺ ؛ أي: لا تقدر على فعله، لتعذُّره: وما تركتَ رسول الله ﷺ من العناء. ولم تُرِد الاعتراض على رسول الله ﷺ في أمره. ووقع في رواية العذري مكان: من العناء من الغيّ - بالغين المعجمة والياء المشدَّدة، الذي هو ضد الرشد، وعند الطبري مثله، إلا أنه بالمهملة. والأول أليق بالمعنى وأصح، وكذلك رواه البخاري. وقول أم عطية: أخذ علينا رسول الله ﷺ ألا ننوح، دليل على تحريم النياحة، وتشديد المنع فيها؛ لأنها تستجلب الحزن، وتصدّ عن الصبر المحمود.

стр. 1199

فَمَا وَفَت مِنَّا امرَأَةٌ إِلا خَمسٌ: أُمُّ سُلَيمٍ، وَأُمُّ العَلاءِ، وَابنَةُ أَبِي سَبرَةَ امرَأَةُ مُعَاذٍ، (أَوِ ابنَةُ أَبِي سَبرَةَ، وَامرَأَةُ مُعَاذٍ). وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَت أُمُّ عَطِيَّةَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِلا آلَ فُلانٍ فَإِنَّهُم كَانُوا أَسعَدُونِي فِي الجَاهِلِيَّةِ؛ فَلا بُدَّ لِي مِن أَن أُسعِدَهُم. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِلا آلَ فُلانٍ. رواه أحمد (٦/ ٤٠٨)، والبخاري (١٣٠٦)، ومسلم (٩٣٦) (٣١ و ٣٣)، وأبو داود (٣١٢٧)، والنسائي (٧/ ١٤٨ - ١٤٩). ــ وقولها: فما وفت منّا امرأة إلَاّ خمس، ثم ذكرت ثلاثًا أو أربعًا، قال عياض: معناه: أنه لم يفِ ممن بايع معها على ذلك. وفي كتاب البخاري تكميلهنَّ، فقال: ابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ، وامرأتان، أو ابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ، وامرأة أخرى. وقول أم عطية عند المبايعة: إلا آل فلان، فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية فلا بدّ لي من أن أسعدهم، فقال: إلا آل فلان، أشكل هذا الحديث على العلماء، وكثرت فيه أقوالهم؛ فقيل فيه: إن هذا كان قبل تحريم النياحة. وهذا فاسد بمساق حديث أم عطية هذا، فإن فيه: أن النبي ﷺ أخذ عليهن في البيعة: ألا يَنُحن. وذكر النياحة مع الشرك، وألا يعصينه في معروف، فلولا أن النياحة محرمة، لما أكدّ أمرها عليهن، وذكرها في البيعة مع محظورات أخر، ولَمَّا فهمت أم عطية التحريم استثنت. وثانيها: أن ذلك خاص بأم عطية. وهذا أيضًا فاسد، فإنه لا يخصّها بتحليل ما كان من قبيل الفواحش كالزنى والخمر. وثالثها: أن النهي عن النياحة إنما كان على جهة الكراهة، لا على جهة العزم

стр. 1200

[٨٠٦]- وَعَنهَا، قَالَت: كُنَّا نُنهَى عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَم يُعزَم عَلَينَا. رواه أحمد (٦/ ٤٠٩)، والبخاري (١٢٧٨)، ومسلم (٩٣٨) (٣٤)، وأبو داود (٣١٦٧)، وابن ماجه (١٥٧٧). * * * ــ والتحريم. وهذا أيضًا فاسد بما تقدَّم، وبقوله: أربع في أمتي من أمر الجاهلية. وبقوله: النائحة إذا لم تتب جاءت يوم القيامة وعليها سربالٌ من قطران ودرع من حرب. وهذا وعيد يدل على أنه من الكبائر. ورابعها: أن قوله ﷺ : إلا آل فلان، ليس فيه نص على أنها تساعدهم بالنياحة، فيمكن أنها تساعدهم باللقاء والبكاء الذي لا نياحة فيه، وهذا أشبهُ مِمَّا قبله. وخامسها: أن يكون قوله: إلا آل فلان إعادةٌ لكلامها على جهة الإنكار والتوبيخ؛ كما قال للمستأذن حين قال: أنا، فقال ﷺ : أنا أنا (١)، منكرًا عليه. ويدل على صحة هذا التأويل ما زاد النسائي في حديثٍ بمعنى حديث أم عطية، فقال: لا إسعاد في الإسلام (٢)؛ أي: على النياحة. والله أعلم. وقولها: نُهينا عن اتِّباع الجنائز، ولم يعزم علينا؛ أي: لم يحرم علينا، ولم يُشدّد علينا. وظاهر كلامها أنهن نُهين عن ذلك نَهي تنزيه وكراهة. وإلى منع ذلك صار جمهور العلماء لهذا النهي، ولقوله ﵊: ارجعنَ مأزورات غير مأجورات (٣). وإليه ذهب ابن حبيب، وكرهه مالك للشابة، وفي الأمر

стр. 1201

(٧) باب الأمر بغسل الميت وكيفيته [٨٠٧]- عَن أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَت: دَخَلَ عَلَينَا النَّبِيُّ ﷺ وَنَحنُ نَغسِلُ ابنَتَهُ، فَقَالَ: اغسِلنَهَا ثَلاثًا أَو خَمسًا، أَو أَكثَرَ مِن ذَلِكَ إِن رَأَيتُنَّ ذَلِكَ، ــ المستننكر، وأجازه إذا لم يكن ذلك، وأجازه علماء المدينة؛ لقولها: ولم يعزم علينا، والله تعالى أعلم. (٧) ومن باب: الأمر بغسل الميت قوله ﷺ اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا، أو أكثر من ذلك إن رأيتنّ، لا خلاف في أن المَيِّت مشروع ومعمول به في الشريعة، لكن اختُلف في حُكمه؛ فقيل الوجوب، وقيل سنة مؤكدة، والقولان في المذهب، وسبب الخلاف فيه هو أن هذا الأمر هل المقصود به بيان حكم الغسل فيكون واجبًا؟ أو المقصود به تعليم كيفية الغسل فلا يكون فيه ما يدل على الوجوب؟ وقد قال بعض أصحابنا: إن قوله في هذا إن رأيتنّ ذلك يقتضي إخراج ظاهر الأمر بالغسل عن الوجوب؛ لأنه قد فوّضه إلى نظرهنّ، وردّ هذا التقييد إلى الأمر بالغسل، وهذا فيه بُعد، بل السابق للفهم عود هذا الشرط إلى الأقرب له وهو أكثر من ذلك، أو إلى التخيير في الأعداد السابقة، والأول أظهر. والظاهر من هذا الأمر أنه أمر تعليم، ولم يقصد به تقعيد قاعدة حُكم الغسل فلا يُتمسَّك بظاهره، فالأولى أن غسل الميت سنة ثابتة (١) نقلت بالعمل، والله تعالى أعلم. وهذا الحديث يقتضي استحباب الأوتار في غسل الميت، وأن أقلَّ ذلك

стр. 1202

بِمَاءٍ وَسِدرٍ، ــ ثلاثٌ، وليس لذلك عند مالك وبعض أصحابه حدٌّ لازم يُقتصر عليه، لكنه يُنقى ويُغسل جميعُه، وإليه يرجع قول الشافعي وغيره من العلماء. وصَرف الأمر إلى اجتهاد الغاسل إنما هو بحسب ما يراه زيادة في الإنقاء والاحتياج إلى ذلك، وكذلك إذا خرج من الميت شيء بعد غسله أعاد غسله، وقد جاء في الرواية الأخرى أو سبعًا، أو أكثر من ذلك، قال أبو عمر بن عبد البر: لا نعلم أحدًا من العلماء قال بمجاوزة سبع غسلات في غسل الميت. قال أبو الفضل عياض: وإن خرج منه شيء بعد السبع غسل الموضع وحده، قال مالك وأبو حنيفة وجماعة من المالكية، قالوا: وحكمه حكم الجنب إذا أحدث بعد غسله. ومنهم من قال: يُوضأ إذا خرج منه شيء بعد الثالثة. وقوله بماء وسدر احتج بهذا ابن شعبان ومن يجيز غسله بماء الورد وبالماء المضاف، قال ابن الفرضي: وإنما يكره غسل الميت بماء القرنفل وماء الورد من ناحية السرف، وإلا فهو جائز؛ إذ لا يُغسل ليطهر، بل هو إكرام للقاء الملكين. والجمهور على أن غسله بذلك لا يجوز، وأن ذلك لا يُفهم من الحديث، لكنه عندهم محمول على أن يُغسل أولا بالماء القَرَاح فتتم الطهارة، وفي الثانية بالماء والسدر للتنظيف، ثم قال في الثالثة بالماء والكافور للتطييب والتجفيف. قال عياض: وهذا حقيقة مذهب مالك، وحكاه ابن حبيب وقال: بل يُبدأ بالماء والسدر، ثم بالماء القراح. وقال أبو قلابة مثله، لكنه قال: ويُحسب هذا غسلة واحدة. وذهب أحمد إلى أن الغسلات كلها تكون بالماء والسدر على ظاهر الحديث. قلت: ويمكن أن يُجعل السدر في الماء، ويُخضخض حتى تخرج رغوته، ثم يُدلك جسد الميت ليبالغ في إزالة أدرانه، ثم يُصبّ الماء عليه، كما يحتال في قلع ما يعسر قلعه من الأدران بالغاسول، ويكون هذا في أول غسله كما قاله

стр. 1203

وَاجعَلنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا أَو شَيئًا مِن كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغتُنَّ فَآذِنَّنِي. فَلَمَّا فَرَغنَا آذَنَّاهُ، فَأَلقَى إِلَينَا حَقوَهُ فَقَالَ: أَشعِرنَهَا إِيَّاهُ. ــ ابن حبيب، والله أعلم. فإن لم يُوجد سدر فغيره من الغاسول مما يتنزّل منزلته يكفي عند كافة العلماء، وروي عن عائشة ﵂ في غسل رأس المَيِّت بالخِطمي نهيٌ. وقوله واجعلن في الآخرة كافورًا؛ يعني في الغسلة الآخرة، وعلى هذا جماعة العلماء إلا أبا حنيفة والأوزاعي، فإنهما رأيا أن ذلك في الحنوط لا في الغسل. وفائدة تخصيص الكافور تبريده وتجفيفه ومنعه سرعة التغيّر وقوة رائحته وسطوعها، فإن عدم قام غيره من الطيب مقامه، وهذا كله إكرام للميت وإعداد له للقاء الملائكة الكرام، والله تعالى أعلم. وقوله فألقى إلينا حَقوَه فقال: أَشعِرنَها إيَّاه، الحقو - بالفتح - هو المعروف من كلام العرب، وقالته هذيل بكسر الحاء، وأصله معقد الإزار، وجمعه أَحقٍ وأحقاء وحُقِيّ؛ كدَلو وأدلاء ودُلِيّ. وهو في هذا (١) الحديث الإزار، وهو المئزر الذي يُشد على الحقو، فسمي باسم الحقو على التوسُّع، كما تقول العرب: عذت بحقو فلان - أي استجرت به. وأشعرنها؛ أي: اجعلنه مما يلي جسدها، والشعار الثوب الذي يلي الجسد، والدثار الذي يلي الشعار، وقد قال النبي ﷺ للأنصار: أنتم شعار، والناس دثار (٢) - كناية عن القرب والاتصال بهم. واختلف في كيفية جعل هذا الإزار عليها؛ فقال ابن وهب: يُجعل لها مِئزرًا. وقال ابن القاسم: تُلفَّف فيه ولا تُؤزر - وهو قول ابن سيرين

стр. 1204

وفي رواية قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته فقال: اغسلنها. . . الحديث. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: اغسِلنَهَا ثَلاثًا أَو خَمسًا أَو سَبعًا، أَو أَكثَرَ مِن ذَلِكِ. وَقَالَت أُمُّ عَطِيَّةَ: مَشَطنَاهَا ثَلاثَةَ قُرُونٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَرنَيهَا وَنَاصِيَتَهَا. ــ وابن جريج. وقال النخعي: الحقو فوق الدرع. وقال ابن علية: الحقو النطاق، سَبَتيَّة طويلة يُجمع بها فخذاها تحصينًا لها، ثم تُلَفّ على عجزها. وفعل النبي ﷺ ذلك لتنالها بركة ثوبه، وفيه جواز تكفين النساء في ثياب الرجال. وقول أم عطية مَشطناها ثلاثة قُرون، قال بهذا الشافعي وأحمد وإسحاق وابن حبيب، وقال الأوزاعي: لا يجب المشط. ولم يعرف ابن القاسم الضفر، وقال: يُلفُّ. وقال أبو حنيفة: يُكره ذلك، ولكن ترسله الغاسلة غير مضفور بين ثدييها دون تسريح. وسبب هذا الخلاف هو أن الفعل الذي فعلته أم عطية هل هي مستندة في ذلك إلى إذن النبي ﷺ أو هو شيء رأته ففعلته استحسانًا ووافقتها من كان هناك من النساء ولم يعلم بذلك النبي ﷺ ؟ وكلاهما محتمل، والأصل أن لا يُفعل في الميت شيء من جنس القرب إلا بإذنٍ من الشرع محقّق، ولم يَرِد ذلك مرفوعًا عن النبي ﷺ ، والله أعلم. وقولها قرنيها وناصيتها، وفي البخاري فألقيناها خلفها، قال أبو الفرج بن الجوزي: وعندنا أن السنة أن يُضفر شعر الميِّتة ثلاثة قرون ويُلقى خلفَها.

стр. 1205

وَفِي أُخرَى قَالَ: ابدَأنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنهَا. رواه أحمد (٦/ ٤٠٧ و ٤٠٨)، والبخاري (١٣٥٢)، ومسلم (٩٣٩) (٣٦ و ٣٩ و ٤٠ و ٤١)، وأبو داود (٣١٤٢ - ٣١٤٦)، والترمذي (٩٩٠)، والنسائي (٤/ ٢٨)، وابن ماجه (١٤٥٧). * * * ــ وقوله ابدأنَ بميامنها ومواضع الوضوء منها يدل على استحباب وضوء الميت، وهو حجة لنا وللشافعي على أبي حنيفة فإنه لا يراه. واختلف عندنا متى يوضأ؟ هل في المرة الأولى أو في الثانية أو فيهما؟ (١) والابتداء بالميامن على أصل الشريعة في استحباب ذلك في العبادات، وقد أخذ الحسن من هذا الحديث أن النساء أحقُّ بغسل المرأة من الزوج، وأنه لا يغسلها إلا عند عدمهن. والجمهور من الفقهاء وأئمة الفتوى على خلافه، وأنه أحقُّ. وذهب الشعبي والثوري وأصحاب الرأي إلى أنه لا يغسلها جُملة، وأجمعوا على غسل الزوجة زوجَها، وجمهورهم على أنه أحقّ من الأولياء. وقال سحنون: الأولياء أحقُّ. ولم يُنبِّه النبي ﷺ أم عطية على الغُسل من غَسل الميت، وهو موضع تعليم، فلو كان واجبًا لبينه هنا (٢). وقد روى أبو داود من حديث أبي هريرة مرفوعًا: مَن غسَّل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ (٣). قال: اختُلف في إسناد هذا الحديث، وحمله الفقهاء على الاستحباب لا على الوجوب. واختلف في المقصود بهذا الغسل؛ فقيل: ليكون على يقين من طهارة جسده لما يُخاف أن يطير عليه من رشاش غسل الميت. وقيل: لأنه إذا عزم على الاغتسال كان أبلغ في غُسله، وأحرى ألا يتحفّظ مما يصيبه، فيبالغ في إنقائه وتنظيفه. قال الخطابي:

стр. 1206

(٨) باب في تكفين الميت وتسجيته، والأمر بتحسين الكفن [٨٠٨]- عَن خَبَّابِ بنِ الأَرَتِّ قَالَ: هَاجَرنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَبِيلِ اللهِ نَبتَغِي وَجهَ اللهِ، فَوَجَبَ أَجرُنَا عَلَى اللهِ، فَمِنَّا مَن مَضَى لَم يَأكُل مِن أَجرِهِ شَيئًا، مِنهُم مُصعَبُ بنُ عُمَيرٍ قُتِلَ يَومَ أُحُدٍ فَلَم يُوجَد لَهُ شَيءٌ ــ لا أعلم أحدًا قال بوجوب الغسل منه. وقال إسحاق: أما الوضوء فلا بد منه - ونحوه قال أحمد. وهذه البنت التي ماتت للنبي ﷺ هي زينب على ما جاء في الأم (١)، وقيل: هي أم كلثوم - على ما جاء في كتاب أبي داود من حديث ليلى بنت قَانِف الثقفية (٢). (٨) ومن باب: تكفين الميت قول خباب فوجَب أجرنا على الله؛ أي: بما وعد به من هاجر بقوله الصدق ووعده الحق، لا بالعقل؛ إذ لا يجب على الله شيء عقلا ولا وضعًا. وقوله فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئًا؛ أي: منا من مات على الحال التي هاجر عليها من الفقر ومجانبة زهرة الدنيا وطيباتها، فذلك الذي سلم له أجر عمله كله، فرأى أن نيل طيبات الدنيا ينقص من ثواب الأعمال الصالحة فيها.

стр. 1207

يُكَفَّنُ فِيهِ إِلا نَمِرَةٌ، فَكُنَّا إِذَا وَضَعنَاهَا عَلَى رَأسِهِ خَرَجَت رِجلاهُ، وَإِذَا وَضَعنَاهَا عَلَى رِجلَيهِ خَرَجَ رَأسُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ضَعُوهَا مِمَّا يَلِي رَأسَهُ، وَاجعَلُوا عَلَى رِجلَيهِ من الإِذخِر. وَمِنَّا مَن أَينَعَت لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهوَ يَهدِبُهَا. رواه البخاري (١٢٧٦)، ومسلم (٩٤٠)، وأبو داود (٢٨٧٦)، والترمذي (٣٨٥٢)، والنسائي (٤/ ٣٨). ــ وقد قال في البخاري في هذا الحديث: لقد خشيت أن تكون عجلت لنا طيباتُنا في حياتنا الدنيا (١). وقوله ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها؛ أي أدركت ونضُجت، يقال: يَنع الثمر وأينع إذا أدرك طيبه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَنعِهِ﴾ ويهدبها؛ أي: يجتنيها ويقطفها، يقال منه: هَدَب، يهدُب، ويهدِب، هَدبًا. والنَّمِرَة: كساءٌ ملمعٌ، وقيل أسود. وقد يُستدَلُّ بهذا الحديث على أن الكفن من رأس المال، وهو قول عامّة علماء الأمة إلا ما حُكي عن طاووس أنه من الثلث إن كان المال قليلا، وإلا ما حُكي عن بعض السلف أنه من الثلث على الإطلاق، ولم يتابعا على هاتين المقالتين. وفيه: أن الكفن إذا ضاق عن الميت كان تغطية وجهه ورأسه أولى؛ إكرامًا للوجه وسترًا لما يظهر عليه من تغيُّر محاسنه، وإن ضاق عن الوجه والعورة بدئ بستر العورة. وتكفين الميت المسلم واجب عند العلماء، فإن كان له مال فمن رأس ماله على ما تقدّم، وإن لم يكن له مال فمن بيت المال أو على جماعة المسلمين. واختلف أصحابنا؛ هل يلزم ذلك من كان تلزمه نفقته في حياته أم لا؟ والوتر في الكفن مستحب عند كافة العلماء، وكلهم مجمعون على أنه ليس فيه حدٌّ واجب.

стр. 1208

[٨٠٩]- وَعَن عَائِشَةَ قَالَت: كُفِّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ثَلاثَةِ أَثوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِن كُرسُفٍ، لَيسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلا عِمَامَةٌ، أَمَّا الحُلَّةُ فَإِنَّمَا شُبِّهَ عَلَى النَّاسِ فِيهَا أَنَّهَا اشتُرِيَت لَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهَا، فَتُرِكَتِ الحُلَّةُ وَكُفِّنَ فِي ــ وقولها كُفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سَحُوليَّة يدلّ على استحباب البياض في الكفن، وقد قال ﷺ : إن من خير ثيابكم البياض، فكفنوا فيها موتاكم (١). والكفن في غيره جائز، ومن أطلق عليه أنه مكروه فمعناه أن البياض أولى. واختلف قول مالك في المُعَصفَر؛ فمرَّةً كرهه لأنه مصبوغ يُتَجمَّل به، وليس بموضع تجمُّل، وأجازه أخرى لأنه من الطيب ولكثرة لباس العرب له. وسحولية: روايتنا فيه بفتح السين، وهي منسوبة إلى سَحول قرية باليمن. وفي الصحاح: السَّحل الثوب الأبيض من الكرسف من ثياب اليمن، ويُجمع سُحُول وسُحُل، قال: ويقال سَحول موضع باليمن، والسحولية منسوبة إليه. وقد كره مالك وعامة العلماء التكفين في ثياب الحرير للرجال والنساء، وأجازه ابن حبيب للنساء خاصة (٢). وقولها ليس فيها قميص ولا عمامة حمله الشافعيّ على أن ذلك ليس بموجود في الكفن، فلا يُقَمَّص. وحمله مالك على أنه ليس بمعدود فيه وأن العمامة والقميص زائدان على الثلاثة الأثواب. ويحتمل إن كانا موجودين، ولم يعدَّهما الراوي، فيقمّص ويُعمَّم. وهو قول مُتقدِّمِي أصحابه؛ ابن القاسم وغيره، وهو قول أبي حنيفة. وحكى ابن القصار أن القميص والعمامة غير مستحبين عند مالك، ونحوه عن ابن القاسم، وعلى هذا فيدرج في الثلاثة الأثواب إدراجًا. وقولها أما الحُلَّة فإنّما شُبِّه على الناس فيها، قال الخليل: الحلَّة

стр. 1209

ثَلاثَةِ أَثوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، فَأَخَذَهَا عَبدُ اللهِ بنُ أَبِي بَكرٍ فَقَالَ: لأحبِسَنَّهَا حَتَّى أُكَفِّنَ فِيهَا نَفسِي! ثُمَّ قَالَ: لَو رَضِيَهَا اللهُ لِنَبِيِّهِ لَكَفَّنَهُ فِيهَا! فَبَاعَهَا وَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا. رواه أحمد (٦/ ٤٠ و ٢٣١)، والبخاري (١٢٧١)، ومسلم (٩٤١)، وأبو داود (٣١٥١)، والترمذي (٩٦٩)، والنسائي (٤/ ٣٥)، وابن ماجه (١٤٦٩). [٨١٠]- وَعَنهَا قَالَت: سُجِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ مَاتَ بِثَوبِ حِبَرَةٍ. رواه أحمد (٦/ ١٥٣ و ٢٦٩)، والبخاري (٥٨١٤)، ومسلم (٩٤٢)، وأبو داود (٣١٢٠). ــ ضرب من برود اليمن. وقال أبو عبيد: هي برود اليمن. والحلة إزار ورداء، لا تسمَّى حُلَّةً حتى يكونا ثوبين. وقولها سُجِّيَ رسول الله ﷺ بثوب حِبَرَة، سُجِّي أي غطي، والتسجية مما مضى بها العمل، وهي سترة الميَّت لما أصابه من التغير. والحِبَرَة من برود اليمن. وقولها في الأم: أدرج في حلَّة يمنية، ثم نزعت عنه (١) - تعني: وبعد ذلك كُفن في الثلاثة الأثواب، اختلف الرواة في هذا اللفظ؛ فعند العذري يمنيَّة، وعند الصدفي يمانيَة، وكلاهما منسوب إلى اليمن. وعند الفارسي حلَّةٌ يَمنَةُ بتنوين حلّة ورفع يَمنَة وإسكان الميم وفتح النون، ويقال بحذف التنوين من

стр. 1210

[٨١١]- وَعَن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ يَومًا فَذَكَرَ رَجُلا مِن أَصحَابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيرِ طَائِلٍ وَقُبِرَ لَيلا، فَزَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَن يُقبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيهِ، إِلا أَن يُضطَرَّ إِنسَانٌ إِلَى ــ حلّة وإضافتها. واختلف في القميص الذي غُسِّل فيه النبي ﷺ الذي نُهوا عن نزعه (١)؛ فقال بعض العلماء: إنه نُزع عنه حين كُفِّن وسُتِر بالأكفان؛ لأنه كان مبلولا، ولا يتفق تكفينه فيه كذلك. قد ذكر أبو داود عن ابن عباس: كُفن النبي ﷺ في ثلاثة أثواب نجرانية (٢)؛ الحلَّة - ثوبان، وقميصه الذي مات فيه (٣). وهذا مخالف لحديث عانشة ﵂ المتقدم، وقد نصَّت على أنه لم يكفن في الحلَّة. وقولها ليس فيها قميص ولا عمامة محتمل لما ذكرناه، والله أعلم. وقوله في كفن غير طائل؛ أي لا خطر له ولا قيمة، أو لا سترَ فيه ولا كفاية، أو لا نظافة له ولا نقاوة. وقوله زجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل أخذ به الحسن، فكره أن يقبر الرجل بالليل إلا لضرورة. وذهب الجمهور إلى جواز ذلك، وكأنهم رأوا أن ذلك النهي خاصٌّ بذلك الرجل لئلا تفوته صلاة النبي ﷺ . وقيل: يمكن أن يقصدوا بدفنه بالليل ستر إساءة ذلك الكفن الغير طائل. قال الشيخ ﵀: وهذه التأويلات فيها بُعد، ولا تصلح لدفع ذلك الظاهر؛ لأن النبي ﷺ إنما صدر عنه النهي المطلق بعد دفن الرجل بالليل، فقد تناول النهي غيره قطعًا؛ فتأمّله! ويمكن أن يعضد مذهب الحسن بأنه إن قبر ليلا قلّ المصلُّون عليه؛ لأن عادة

стр. 1211

ذَلِكَ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُم أَخَاهُ فَليُحَسِّن كَفَنَهُ. رواه أحمد (٣/ ٢٩٥ و ٣٢٩)، ومسلم (٩٤٣)، وأبو داود (٣١٥٠)، والترمذي (٩٩٥). * * * (٩) باب الإسراع بالجنازة، وفضل الصلاة عليها، واتباعها [٨١٢]- عَن أَبِي هُرَيرَة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَسرِعُوا بِالجَنَازَةِ، فَإِن تَكُ صَالِحَةً فَخَيرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيهِ، وَإِن تَكُ غَيرَ ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَن رِقَابِكُم. رواه أحمد (٢/ ٢٢٠) والبخاري (١٣١٥)، ومسلم (٩٤٤) (٥٠)، وأبو داود (٣١٨١)، والترمذي (١٠١٥)، والنسائي (٤/ ٤٨)، وابن ماجه (١٤٧٧). ــ الناس في الليل ملازمة بيوتهم، ولا يتصرَّفون فيه، ولأنه إذا قبر في الليل تسومح في الكفن؛ لأن الليل يستره. ودلّ على صحَّته قوله ﷺ في آخره: إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه - ضبطه أبو بحر كفنه بسكون الفاء، وغيره بفتحها يعني الكفن نفسه، وهو الأولى، والله أعلم. (٩) ومن باب: الإسراع بالجنازة قوله ﷺ أسرعوا بالجنازة؛ أي: أسرِعوا بحملها إلى قبرها في مشيِكم، يدلّ عليه قوله في آخره فخيرٌ تقدمونها إليه، أو شرٌّ تضعونه عن رقابكم، وقيل: يعني به الإسراع بتجهيزها بعد موتها لئلا تتغير. قال الشيخ ﵀:

стр. 1212

[٨١٣]- وَعَنهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَن صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ وَلَم يَتبَعهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِن تَبِعَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ. قِيلَ: وَمَا القِيرَاطَ؟ قَالَ: أَصغَرُهُمَا مِثلُ أُحُدٍ. رواه أحمد (٢/ ٤٧٠)، والبخاري (١٣٢٥)، ومسلم (٩٤٥) (٥٣)، وأبو داود (٣١٦٨)، والترمذي (١٠٤٠)، والنسائي (٤/ ٧٦ - ٧٧)، وابن ماجه (١٥١٧). ــ والأول أظهر. ثم لا يبعد أن يكون كل واحد منهما مطلوبًا؛ إذ مقتضاه مُطلقُ الإسراع، فإنه لم يُقيِّده بقيد، والله أعلم. ثم على الأول فذلك الإسراع يكون في رفق ولطف، فإنه إن لم يكن كذلك تعب المتبع، ولعلّه يضعف عن كمال الاتباع، وانخرقت حرمة الميت لكثرة تحريكه، وربما يكون ذلك سبب خروج شيء منه فيتلطَّخ به، فيكون ذلك نقيض المقصود الذى هو النظافة. ومقصود الحديث ألا يتباطأَ في حمله بالمشي فيُؤَخر عن خير يقدم به عليه، أو يستكثر من حمل الشرّ إن كان من أهله، ولأن المبطِّئ في مشيه يخاف عليه الزهو والتكبر، وهذا قول الجمهور. وقد تضمن هذا الحديث الأمر بحمل الميت إلى قبره، وهو واجب على الكفاية إن لم يكن له مال يحمل منه. والجنازة: بفتح الجيم وكسرها، لغتان للميت، والكسر أفصح - قاله القتبي. وقال أبو علي: بالكسر السرير الذي يحمل عليه الميت، قال ابن دريد: جَنَزتُ الشيء سترته، ومنه سمي الميت جنازة لأنه يُستر. وعن ابن الأعرابي: الفتح للميت، والكسر للنعش. والقيراط: اسم لمقدار معلوم في العرف، وهو جزء من أربعة وعشرين

стр. 1213

[٨١٤]- وَعَن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ كَانَ قَاعِدًا عِندَ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ إِذ طَلَعَ خَبَّابٌ صَاحِبُ المَقصُورَةِ، فَقَالَ: يَا عَبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ، أَلا تَسمَعُ مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيرَةَ؟ إنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَن خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ مِن بَيتِهَا وَصَلَّى عَلَيهَا ثُمَّ تَبِعَهَا حَتَّى تُدفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ مِن الأَجرٍ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثلُ أُحُدٍ، وَمَن صَلَّى عَلَيهَا ثُمَّ رَجَعَ كَانَ لَهُ مِنَ الأَجرِ مِثلُ أُحُدٍ. فَأَرسَلَ ابنُ عُمَرَ خَبَّابًا إِلَى عَائِشَةَ يَسأَلُهَا عَن قَولِ أَبِي هُرَيرَةَ ثُمَّ يَرجِعُ إِلَيهِ فَيُخبِرُهُ مَا قَالَت، وَأَخَذَ ابنُ عُمَرَ قَبضَةً مِن حَصبَاءِ المَسجِدِ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ، حَتَّى رَجَعَ إِلَيهِ الرَّسُولُ فَقَالَ: قَالَت عَائِشَةُ: صَدَقَ أَبُو هُرَيرَةَ! فَضَرَبَ ابنُ عُمَرَ بِالحَصى الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ الأَرضَ ثُمَّ قَالَ: لَقَد فَرَّطنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ. رواه مسلم (٩٤٥) (٥٦)، وأبو داود (٣١٦٩). * * * ــ جزءًا، وقد يراد به الجزء مطلقًا، ويكون عبارة عن الحظ والنصيب، ألا ترى أنه قال كلُّ قيراط مثل أحد. ومقصود هذا الحديث أن من صلّى على جنازة كان له حظ عظيم من الثواب والأجر، فإن صلّى عليها واتَّبعها كان له حظَّان عظيمان من ذلك؛ إذ قد عمل عملين، أحدهما: صلاته، والثاني: كونه معه إلى أن يدفن. * * *

стр. 1214

(١٠) باب الاستشفاع للميت، وأن الثناء عليه شهادة له، وأنه مستريح ومستراح منه [٨١٥]- عَن عَائِشَةَ أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَا مِن مَيِّتٍ يُصَلِّي عَلَيهِ أُمَّةٌ مِنَ المُسلِمِينَ يَبلُغُونَ مِائَةً كُلُّهُم يَشفَعُونَ لَهُ إِلا شُفِّعُوا فِيهِ. رواه أحمد (٦/ ٣٢ و ٤٠)، ومسلم (٩٤٧)، والترمذي (١٠٢٩)، والنسائي (٤/ ٧٥ - ٧٦). [٨١٦]- وعَن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ مَاتَ ابنٌ لَهُ بِقُدَيدٍ أَو بِعُسفَانَ، فَقَالَ: يَا كُرَيبُ، انظُر مَا اجتَمَعَ لَهُ مِنَ النَّاسِ! قَالَ: فَخَرَجتُ فَإِذَا نَاسٌ قَدِ اجتَمَعُوا لَهُ، فَأَخبَرتُهُ، فَقَالَ: تَقُولُ هُم أَربَعُونَ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: أَخرِجُوهُ؛ فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَا مِن رَجُلٍ مُسلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَربَعُونَ رَجُلا لا يُشرِكُونَ بِاللهِ شَيئًا إِلا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ. رواه أحمد (١/ ٢٧٧)، ومسلم (٩٤٨)، وأبو داود (٣١٧٠)، وابن ماجه (١٤٨٩). ــ (١٠) ومن باب: الاستشفاع للميت قوله ﷺ من صلّى عليه مائةٌ من المسلمين شُفِّعوا فيه، وفي الحديث الآخر أربعون، قيل: سبب هذا الاختلاف اختلاف السؤال، وذلك أنه سئل مرَّة عمَّن صلّى عليه مائةٌ واستشفعوا له، فقال: شفعوا. وسئل مرَّة أخرى عمَّن صلّى عليه أربعون فأجاب بذلك، ولو سئل عن أقلَّ من ذلك لقال ذلك - والله أعلم - إذ قد يستجاب دعاء الواحد ويقبل استشفاعه، وقد روي عنه ﷺ أنه قال:

стр. 1215

[٨١٧]- وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثنِيَ عَلَيهَا خَير، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ : وَجَبَت، وَجَبَت، وَجَبَت. وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثنِيَ عَلَيهَا شَرّ، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ : وَجَبَت، وَجَبَت، وَجَبَت. فقَالَ عُمَرُ: فِدًاكَ أَبِي وَأُمِّي، مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثنِيَ عَلَيهَا خَيرٌ فَقُلتَ: وَجَبَت، وَجَبَت، وَجَبَت. وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثنِيَ عَلَيهَا شَرٌّ فَقُلتَ: وَجَبَت، وَجَبَت، وَجَبَت! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَن أَثنَيتُم عَلَيهِ خَيرًا وَجَبَت لَهُ الجَنَّةُ، وَمَن أَثنَيتُم عَلَيهِ شَرًّا وَجَبَت لَهُ النَّارُ، وأَنتُم شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرضِ، أَنتُم شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرضِ، أَنتُم شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرضِ. ــ مَن صلّى عليه ثلاثة صفوف شُفِّعوا له - (١) ولعلهم يكونون أقلَّ من أربعين. وقوله أنتم شهداء الله في الأرض، قال الداودي: معنى هذا عند الفقهاء إذا أثنى عليه أهل الفضل والصدق؛ لأن الفَسَقَة قد يُثنون على الفاسق فلا يدخل في الحديث، ولذلك لو كان القائل فيه عدوًّا له وإن كان فاضلا؛ لأن شهادته له في حياته كانت غير مقبولة له وعليه وإن كان عدلا. وقيل: ذلك فيمن علم الله أنه لا يحمله الحسد والعداوة أو فرط المحبة وكثرة الإطراء والغلو المذموم فيقول ما ليس فيه من خير أو شر، ولكن إنما ذلك لمن وفّق الله له من يقول قولا عدلا بما علمه ممن يريد به الله، فيوجب الله له ما قالاه، وهو الذي وفقهما الله له وسبق له في علمه تعالى. وربما قَبِل علمهما وترك علمه من سريرته فلم يؤاخذه به إذا كان مسلمًا تفضُّلا منه تعالى وسترًا عليه وتحقيقًا لظنِّهم. وقال بعضهم: في تكرار أنتم شهداء الله في الأرض ثلاثًا إشارة إلى أن القرون الثلاثة الذين قال ﷺ فيهم: خير أمَّتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين

стр. 1216

رواه أحمد (٣/ ١٨٦ و ٢٤٥)، والبخاري (٢٦٤٢)، ومسلم (٩٤٩)، والنسائي (٤/ ٤٩ - ٥٠)، والترمذي (١٠٥٨)، وابن ماجه (١٤٩١). [٨١٨]- وعَن أَبِي قَتَادَةَ بنِ رِبعِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَهُ مُرَّ عَلَيهِ بِجَنَازَةٍ فَقَالَ: مُستَرِيحٌ وَمُستَرَاحٌ مِنهُ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا المُستَرِيحُ وَالمُستَرَاحُ مِنهُ؟ فَقَالَ: العَبدُ المُؤمِنُ يستَرِيحُ مِن نَصَبِ الدُّنيَا، وَالعَبدُ الفَاجِرُ تستَرِيحُ مِنهُ العِبَادُ وَالبِلادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ. ــ يلونهم (١). والأظهر فيه التأكيد على ما تقرَّر من أنه ﷺ كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تُفهم عنه (٢). وقوله ﷺ من أثنيتم عليه شرًّا وجبت له النار يشكل بالنهي عن سبِّ الموتى، ولقوله: اذكروا محاسنَ موتاكم، وكفّوا عن مساوئهم (٣). وقد انفصل عنه من أوجه؛ أحدها: أن هذا الذي تحدث عنه بالشرِّ كان مستظهرًا له ومشهورًا به، فيكون ذلك من باب لا غيبة لفاسق (٤).

стр. 1217

وَفِي رِوَايَةٍ: يَستَرِيحُ مِن أَذَى الدُّنيَا وَنَصَبِهَا إِلَى رَحمَةِ اللهِ. رواه أحمد (٥/ ٢٩٦ و ٣٠٤)، والبخاري (٦٥١٢)، ومسلم (٩٥٠)، والنسائي (٤/ ٤٨). * * * ــ وثانيها: أن محمل النهي إنما هو فيما بعد الدّفن، وأما قبله فمسوغ ليتَّعظ به الفسّاق، وهذا كما يكره لأهل الفضل الصلاة على المعلن بالبدع والكبائر. وثالثها: أن الذي أثنى عليه الصحابة بالشرِّ يحتمل أن يكون من المنافقين، ظهرت عليه دلائل النفاق فشهدت الصحابة بما ظهر لهم، ولذلك قال ﷺ وجبت له النار، والمسلم لا تجب له النار، وهذا هو مختار عياض. ورابعها: أن يكون النهي عن سبّ الموتى متأخرًا عن هذا الحديث، فيكون ناسخًا. والثناء - ممدود، مقدَّم الثاء المثلثة على النون - إنما يقال في الخير غالبًا، والذي يقال في الشر هو النثى - بتقديم النون وتأخير الثاء والقصر، إلا أن هذا الحديث جاء في الثناء في الشرِّ لمطابقته للفظ (١) الثناء في الخير. * * *

стр. 1218

(١١) باب الأمر بالصلاة على الميت، وكيفية الصلاة عليه، وكم التكبيرات [٨١٩]- عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ أَخًا لَكُم قَد مَاتَ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيهِ! قال: فَقُمنَا فَصَفَّنَا صَفَّينِ - يَعنِي النَّجَاشِي. رواه أحمد (٣/ ١٥٥)، ومسلم (٩٥٢) (٦٦)، والنسائي (٤/ ٧٠). ــ (١١) ومن باب: الأمر بالصلاة على الميت قوله ﷺ إنّ أخًا لكم قد مات، فقوموا فصَلّوا عليه دليل على وجوب الصلاة على الميت المسلم، وهو المشهور من مذاهب العلماء أنه واجب على الكفاية، ومن مذهب مالك، وقيل عنه إنه سنةٌ مؤكَّدة، وقد استدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيهِم﴾ وبقوله: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنهُم مَاتَ أَبَدًا﴾ وفي تقرير وجه الاحتجاج بهما طول يُعرف في الفقه. وهذا الميت هو النجاشي ملك الحبشة الذي هاجر إلى أرضه من هاجر من الصحابة، واسمه أَصحَمة - بهمزة وصاد مهملة ساكنة بعدها حاء مفتوحة، هكذا ذكره البخاري وابن إسحاق. وفي مسند ابن أبي شيبة في هذا الحديث تسميته صَحمَة على وزن رَكوَة بغير همزة وبفتح الصاد وسكون الحاء، وقال: هكذا قال لنا يزيد، وإنما هو صَمحَة - كذا ذكره بتقديم الميم بغير همز. وأصحمة: عطية - بالعربية. وقال جماعة من اللغويين: النجاشي اسم لكلِّ ملك من ملوك الحبشة، وكسرى: اسم لكل ملك من ملوك الفرس، وهرقل: اسم لكل ملك من ملوك الروم.

стр. 1219

[٨٢٠]- وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَ فِي اليَومِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَخَرَجَ بِهِم إِلَى المُصَلَّى، ــ وقوله نعى للناس النجاشيّ في اليوم الذي مات فيه مِن أدلِّ الأدلة على صحَّة نبوَّة نبينا محمد ﷺ ، والنعي: إشاعة الأخبار بموت الميت، قال الهروي: النعيّ - بسكون العين - الفعل، والنعِيّ - بكسرها - الرجل الميت، ويجوز أن يجمع نعايا مثل صفي وصفايا. وهذا الحديث احتجّ به أئمتنا على جواز الإعلام بموت الميت، ولم يره من النعي المنهيّ عنه في قوله ﵊ إياكم والنعي، فإنّ النعيَ من عمل الجاهلية (١)، وهذا النعي الذي كان من عمل الجاهلية إنما كان أن الشريف إذا مات فيهم بعثوا الركبان إلى أحياء العرب فيندبون الميت ويثنون عليه بنياحة وبكاء وصراخ وغير ذلك، وذلك هو الذي نهى عنه. وقد روي عن حذيفة أنه نهى أن يؤذن بالميت أحد، وقال: إني أخاف أن يكون نعيًا. ونحوه عن ابن المسيب، وقال به بعض السلف من الكوفيين من أصحاب ابن مسعود. قلت: وهذا الحديث حجة على من كره الإعلام به، وكذلك قوله ﷺ هلاّ آذنتموني به! (٢)، ونعيه ﷺ أهل مؤتة. وقوله فخرج إلى المصلَّى يستدل به على أن الجنائز لا يصلّى عليها في المسجد كما قد (٣) روي عن مالك وأبي حنيفة، وجوّزه الشافعي. وظاهر هذا الحديث جواز الصلاة على الغائب، وهو قول الشافعي، ولم يَرَ ذلك أصحابنا جائزًا؛ لأنه لو كان ذلك لكان أحقُّ من صُلِّي عليه كذلك رسول الله ﷺ في البلاد النائية عن المدينة، ولم يصحَّ أنه فعل ذلك أحدٌ من الصحابة ولا غيرهم، ولو كان

стр. 1220

فَصَلَّى وَكَبَّرَ أَربَعَ تَكبِيرَاتٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ استَغفِرُوا لأَخِيكُم. رواه أحمد (٢/ ٤٣٨ و ٤٣٩)، والبخاري (١٢٤٥)، ومسلم (٩٥١) (٦٢ و ٦٣)، وأبو داود (٣٢٠٤)، والنسائي (٤/ ٧٢). ــ ذلك مشروعًا للزم أن يفعلَ ذلك دائمًا إلى غير غايةٍ لعدم القاصر له على زمان معين، واعتذروا عن حديث النجاشيِّ بأمور؛ أحدها: أن ذلك مخصوصٌ بالنجاشيِّ؛ ليُعلِم النبيُّ ﷺ أصحابه بإسلامه وليستغفروا له كما جاء في الحديث. وثانيها: أنه كان قد رُفِعَ وأُحضِرَ له حتى رآه، فصلَّى على حاضرٍ بين يديه، كما رُفِع للنبيِّ ﷺ بيتُ المقدس كما تقدّم في كتاب الإيمان. وثالثها: أنه كان (١) لم يصلِّ عليه أحدٌ؛ لأنه مات بين قوم كفّار، وكان يكتم إيمانه منتظرًا التخلُّصِ منهم، فمات قبل ذلك ولم يصل عليه أحد، وعلى هذا فيُصلِّى على الغريق وأكيل السَبُع، وهو قول ابن حبيب من أصحابنا، ولم ير ذلك مالك ولا جماعة من العلماء. قلت: وهذا الوجه الثالث أقربها، وفيما تقدم نظر. وقوله وكبّر أربع تكبيرات، وفي حديث زيد بن ثابت أنه كبّر خمسًا، وقد اختلف العلماء من السلف في ذلك من ثلاث تكبيرات إلى تسع؛ فروي عن عليٍّ أنّه كان يكبّر على أهل بدر ستًّا وعلى سائر الصحابة خمسًا، وعلى غيرهم أربعًا. وقد جاء من رواية ابن أبي خيثمة أنه ﷺ كان يكبّر أربعًا

стр. 1221

[٨٢١]- وعن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أَبِي لَيلَى قَالَ: كَانَ زَيدٌ يُكَبِّرُ عَلَى ــ وخمسًا وستًّا وسبعًا وثمانيًا حتى مات النجاشيُّ فكبّر أربعًا، وثبت عليها حتى تُوفي ﷺ . قال أبو عمر: وانعقَد الإجماع بعدُ على أربع. قال عياض: وما سواه شذوذ، ولا يلتفت إليه اليوم، ولا نعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال بخمس تكبيرات إلا ابن أبي ليلى. قال الإمام: وهذا المذهب متروكٌ الآن؛ لأن ذلك صار علمًا على القول بالرفض. ولم يقع في الصحيح ذكر السلام من صلاة الجنازة على الخصوص، لكن يستدل عليه بعموم قوله ﷺ تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم (١)، وهو صحيح. واختلف في عدده؛ فالجمهور من السلف وغيرهم على أنه واحدة، وذهب أبو حنيفة والشافعي - في أحد قوليه - وجماعة من السلف إلى أنه تسليمتان، ثم هل يجهر الإمام بالتسليم أو يُسِرّ؟ قولان عن مالك، والجهر لأبي حنيفة، والإسرار للشافعي. وهل يردّ المأموم على إمامه أو لا؟ قولان لمالك، وهل تُرفع الأيدي مع التكبير أم لا؟ اختلف فيه قول مالك على ثلاثة أقوال: الرفع في الأولى فقط، وفي الجميع، ولا يرفع في شيء منها. واختلف هل يقرأ في صلاة الجنازة بأمّ القرآن أم لا؟ فذهب مالك في المشهور عنه إلى ترك القراءة، وكذلك أبو حنيفة والثوري، وكأنهم تمسّكوا بظاهر ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا صليتم على الميت فأخلصوا له في الدعاء (٢). وبأن مقصودَ هذه الصلاة إنما هو الدعاء له

стр. 1222

جَنَائِزِنَا أَربَعًا، وَإِنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمسًا، فَسَأَلتُهُ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُكَبِّرُهَا. رواه أحمد (٤/ ٣٦٧ - ٣٦٨)، ومسلم (٩٥٧)، وأبو داود (٣١٩٧)، والترمذي (١٠٢٣)، والنسائي (٤/ ٧٢)، وابن ماجه (١٥٠٥). * * * ــ واستفراغ الوسع بعمارة كل أحوال تلك الصلاة في الاستشفاع للميت. وذهب الشافعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن مسلمة وأشهب من أصحابنا وداود إلى أنه يقرأ فيها بالفاتحة؛ لقوله ﷺ لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب (١) حملا له على عمومه، وبما خرَّجه البخاري عن ابن عباس: وصلّى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال: لتعلموا أنَّها سنَّة (٢). وخرّج النسائي من حديث أبي أمامة قال: السنة في الصلاة على الجنائز أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مُخَافَتَةً ثم يكبر ثلاثًا، والتسليم عند الآخرة (٣). وذكر محمد بن نصر المروزي عن أبي أمامة أيضًا قال: السنَّة في الصلاة على الجنازة أن يكبر ثم يقرأ بأم القرآن، ثم يصلى على النبي ﷺ ، ثم يخلص الدعاء للميت، ولا يقرأ إلا في التكبيرة الأولى، ثم يسلّم (٤). وهذان الحديثان صحيحان، وهما ملحقان عند الأصوليين بالمسند، والعمل على حديث أبي أمامة أولى؛ إذ فيه جمع بين عموم قوله لا صلاة وبين إخلاص الدعاء للميت، وقراءة الفاتحة فيها إنما هي استفتاح للدعاء، والله تعالى أعلم.

стр. 1223

(١٢) باب الدعاء للميت، وأين يقوم الإمام من المرأة [٨٢٢]- عَن عَوفِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ، فَحَفِظتُ مِن دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللهُمَّ اغفِر لَهُ وَارحَمهُ، وَعَافِهِ وَاعفُ عَنهُ، وَأَكرِم نُزُلَهُ، وَوَسِّع مُدخَلَهُ، وَاغسِلهُ بِالمَاءِ وَالثَّلجِ وَالبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوبُ الأَبيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبدِلهُ دَارًا خَيرًا مِن دَارِهِ وَأَهلا خَيرًا مِن أَهلِهِ وَزَوجًا خَيرًا مِن زَوجِهِ، وَأَدخِلهُ الجَنَّةَ وَأَعِذهُ مِن عَذَابِ القَبرِ - أَو مِن عَذَابِ النَّارِ. قَالَ: حَتَّى تَمَنَّيتُ أَن أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ المَيِّتَ. رواه أحمد (٦/ ٢٨)، ومسلم (٩٦٣)، والترمذي (١٠٢٥)، والنسائي (٤/ ٧٣). ــ (١٢) ومن باب: الدعاء للميت وليس فيه دعاء محدود عند العلماء، بل يدعو المصلِّي بما تيسَّر له، لكنَّ الأَولى أن يكون بالأدعية المأثورة في ذلك؛ كحديث (١) عوف بن مالك هذا، وحديث أبي هريرة وما أشبه ذلك. وقوله وأكرِم نُزُلَه، النُزُل ما يُعَدُّ للنازل، وهو الضيافة، وزايُه مضمومةٌ وقد تُسكن. وقوله ووَسِّع مُدخَله؛ أي قبره ومنزله في الجنَّة، وقد تقدّم القول في قوله ﷺ واغسِله بالماء والثلج والبَرَد وأن هذا على معنى المبالغة والتمثيل. والأهل هنا عبارة عن الخدم والخوَل، ولا تدخل الزوجة فيهم لأنه قد خصّها

стр. 1224

[٨٢٣]- وَعَن سَمُرَةَ بنِ جُندُبٍ قَالَ: صَلَّيتُ خَلفَ النَّبِيِّ ﷺ وَصَلَّى عَلَى أُمِّ كَعبٍ، مَاتَت وَهِيَ نُفَسَاءُ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلصَّلاةِ وَسَطَهَا. ــ بالذكر بعد ذلك؛ حيث قال: وزوجًا خيرًا من زوجِه. ويحتمل أن يكون من باب: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخلٌ وَرُمَّانٌ﴾ ويُفهَمُ منه أنّ نساءَ الجنَّة أفضلُ مِن نساء الآدميات وإن دخلن الجنة، وقد اختلف في هذا المعنى وسيأتي إن شاء الله تعالى. وقوله فقَامَ وسطَها صحيح تقييدنا فيه بالسكون، وكذا ضبطه أبو بحر والجيَّانيّ، وقال ابن دينار: وسط الدار ووسَطها معًا بمعنى واحد. والصواب أن الساكن ظرفٌ والمفتوحَ اسمٌ، فإذا قلت: حفرتُ وسطَ الدار بئرًا، كان معناه: حفرتُ في الجزء المتوسِّط منها، ولا تقول: حفرتُ وَسَطَ الدار - إلاّ أن تعمَّ الدار بالحفر، وعلى هذا فالصواب في الرواية السكون. وقد اختلفوا في أيّ موضع يقوم الإمام من الجنازة بعد إجماعهم على أنّه لا يقوم ملاصقًا لها وأنّه لا بدّ من فرجة بينهما على ما حكاه الطبريّ؛ فذهب قوم إلى أنه يقوم عليها وسطها ذكرًا كان أو أنثى، وقال آخرون: هذا حكم المرأة كي يسترها عن الناس، وأمّا الرجل فعند رأسه لئلا ينظر الإمام إلى فرجه - وهو قول أبي يوسف وابن حنبل، وقال ابن مسعود بعكس هذا في المرأة والرجل، وذكر عن الحسن التوسعة في ذلك، وبها قال أشهب وابن شعبان. وقال أصحاب الرأي: يقوم فيها بحذاء الصدر. وقد روى أبو داود ما يرفع الخلافَ عن أنس - وصلّى على جنازة - فقال له العلاء بن زياد: يا أبا حمزة، هكذا كان رسول الله ﷺ يصلِّي على الجنازة كصلاتك يكبّر عليها أربعًا ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال: نعم (١).

стр. 1225

رواه أحمد (٥/ ١٤ و ١٩)، والبخاري (١٣٣١)، ومسلم (٩٦٤) (٨٧)، وأبو داود (٣١٩٥)، والترمذي (١٠٣٥)، والنسائي (١/ ١٩٥)، وابن ماجه (١٤٩٣). * * * (١٣) باب ما جاء في الصلاة على القبر [٨٢٤]- عَن عَبدُ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ قَالَ: انتَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى قَبرٍ رَطبٍ فَصَلَّى عَلَيهِ، وَصَفُّوا خَلفَهُ وَكَبَّرَ أَربَعًا. رواه البخاري (٨٥٧)، ومسلم (٩٥٤) (٦٨)، والنسائي (٤/ ٨٥). ــ وهذا الحديث يدلُّ على أن مشروعية مقام الإمام كذلك، وهو يُبطل تأويلَ من قال إنّ مقام النبيّ ﷺ وسط جنازة أمِّ كعب إنما كان من أجلِ جنينها حتى يكون أمامه، بل كان ذلك لأنّ حكم مشروعيته ذلك. (١٣) ومن باب: ما جاء في الصلاة على القبر قوله ﷺ انتهى إلى قبر رطب فصلّى عليه؛ أي حديث الدفن لم يُبلَ بعد لرطوبة ثراه وقرب هيله، وظاهر هذا الحديث وحديث السوداء جواز الصلاة على القبر، وقد اختلف في ذلك؛ فتحصيل مذهب مالك ومشهور أقوال أصحابه جواز ذلك إذا لم يُصلَّ عليه، وعنه أيضًا وعن أشهب وسحنون أنه لا يصلِّى عليه لفوت ذلك، وأمّا من صُلِّي عليه فليس لمن فاتته الصلاة عليه أن يصلّيَ عليه (١)، وهو المشهور من مذهب مالك وأصحابه، وهو قول الليث والثوري

стр. 1226

[٨٢٥]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ امرَأَةً سَودَاءَ كَانَت تَقُمُّ المَسجِدَ - أَو شَابّا، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عَنهَا - أَو عَنهُ - فَقَالُوا: مَاتَ. قَالَ: أَفَلا ــ وأبي حنيفة، قال: إلا أن يكون وليه فله إعادة الصلاة عليه. وقد روي عن مالك جواز الصلاة عليه، وهو شاذّ من مذهبه، وهو قول الشافعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق وغيرهم. وحيث قلنا بفوت الصلاة على الميت فما الذي يقع به الفوت؟ اختلف فيه؛ فقيل: بهيل التراب وتسويته - وهو قول أشهب وعيسى وابن وهب. وقيل: بخوف تغيُّره - وهو قول ابن القاسم وابن حبيب وسحنون. وقيل: بالطُّول فيمن لم يصلِّ عليه، وهو ما زاد على ثلاثة أيَّامٍ فأكثر عند أبي حنيفة. وقال أحمد فيمن صُلِّي عليه: تعاد إلى شهر - وقاله إسحاق في الغائب، وقال في الحاضر ثلاثة أيام. قال أبو عمر: وأجمع من قال بالصلاة على القبر أنّه لا يصلّى عليه إلا بالقرب، وأكثر ما قيل في ذلك شهر. وقوله تقمّ المسجد؛ أي تكنسه، والقمامة الكِنَاسة، وسؤاله ﷺ عن هذه المسكينة يدلّ على كمال تفضُّله وحسن تعهده وكرم أخلاقه وتواضعه ورأفته ورحمته، وتنبيهٌ على ألا يُحتَقَر مسلمٌ ولا يُصَغَّر أمرُه. قلت: قال بعض مَن لم يُجِز الصلاة على القبر إنّ القبرَ الرَّطبَ الذي في حديث ابن عباس يحتمل أن يكون قبر السوداء التي كانت تقمّ المسجد، وكانت صلاتُه عليه خاصة به؛ لأنه قد قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإنّ الله ينوّرها بصلاتي عليهم - فقد علم النبي ﷺ ذلك وغيره لا يعلم ذلك، فكان ذلك خصوصًا به. وهذا ليس بشيء؛ لثلاثة أوجه: أحدها: أنّا وإن لم نعلم ذلك لكنّا نظنّه، ونرجو فضل الله سبحانه ودعاء المسلمين لمن صلّوا عليه.

стр. 1227

كُنتُم آذَنتُمُونِي؟ قَالَ: وَكَأَنَّهُم صَغَّرُوا أَمرَهَا - أَو أَمرَهُ، فَقَالَ: دُلُّونِي عَلَى قَبرِهِ! فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيهَا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ القُبُورَ مَملُوءَةٌ ظُلمَةً عَلَى أَهلِهَا، وَإِنَّ اللهَ يُنَوِّرُهَا لَهُم بِصَلاتِي عَلَيهِم. رواه أحمد (٢/ ٣٥٣ و ٣٨٨)، والبخاري (٤٥٨)، ومسلم (٩٥٦)، وأبو داود (٣٢٠٣)، وابن ماجه (١٥٢٧). * * * ــ وثانيها: أنه ﷺ قد قال: من صلّى عليه مائة أو أربعون من المسلمين شفعوا فيه - (١) فقد أعلمنا أنّ ذلك يكون من غيره. وثالثها: أنه كان يلزم منه ألا يصلّى على ميِّتٍ بعد النبيِّ ﷺ لإمكان الخصوصية فيمن صلّى عليه النبي ﷺ ، وهذا باطل. وأشبه ما قيل في حديث السوداء أنّه ﷺ صلَّى على قبرها لأنه لم يصلِّ عليها صلاةً جائزة؛ لأن النبي ﷺ هو الإمام ولم يستخلف، بل قد روي أنه ﷺ أمَرهم أن يُعلِموه بموتها فلم يُعلِموه بذلك كراهة أن يشقّوا عليه، كما ذكره مالك من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنّ مسكينة مرضت (٢)، وهذه المسكينة هي السوداء في هذا الحديث، والله أعلم. ويحصل منه أنّه مَن دُفِنَ بغير صلاة أنّه يصلَّى على قبره ولا يُخرَج، ولا يترك بغير صلاة، وهو الصحيح، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1228

(١٤) باب الأمر بالقيام للجنازة ونسخه [٨٢٦]- عَن عَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا رَأَيتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا لَهَا حَتَّى تُخَلِّفَكُم أَو تُوضَعَ. رواه أحمد (٣/ ٤٤٦)، والبخاري (١٣٠٧)، ومسلم (٩٥٨) (٧٣)، وأبو داود (٣١٧٢)، وابن ماجه (١٥٧٢). ــ (١٤) ومن باب: الأمر بالقيام إلى الجنازة قوله إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تخلفكم أو توضع، قلت: هذا الأمر إنما كان مُتَوَجِّهًا لمن لم يكن متَّبعًا للجنازة، بدليل ما جاء في حديث أبي سعيد: إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع. وقد جاء من حديث عليّ أنه قال: قام رسول الله ﷺ للجنازة (١) ثم قعد. واختلف العلماء بسبب هذه الأحاديث على ثلاثة أقوال؛ أولها: الأمر بالقيام مطلقًا لمن مرَّت به ولمن تبعها، وهو قول جماعة من السلف والصحابة أخذًا بالأحاديث المتقدِّمة، وكأنّ هؤلاء لم يبلغهم الناسخ أو لم يَرَوا ترك قيامه ناسخًا. وثانيها: لا يقوم لها أحد لا مرورًا به ولا مُتَّبعًا، وكأن هؤلاء رأوا أن ترك النبي ﷺ القيام ناسخ لمطلق القيام، وهو قول قوم من أهل العلم، وروي عن أحمد وإسحاق وابن الماجشون من أصحابنا أن ذلك على التوسعة والتخيير. وثالثها: أن القيام منسوخ في حقِّ من مرَّت به، وهو قول (٢) مالك

стр. 1229

[٨٢٧]- وعَن أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا اتَّبَعتُم الجَنَازَةً فَلا تَجلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ. رواه أحمد (٣/ ٣٨)، ومسلم (٩٥٩) (٧٦). [٨٢٨]- وعَن جَابِرِ بنِ عبد الله قَالَ: مَرَّت جَنَازَةٌ، فَقَامَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقُمنَا مَعَهُ، فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا يَهُودِيَّةٌ! فَقَالَ: إِنَّ المَوتَ فَزَعٌ، فَإِذَا رَأَيتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا. رواه أحمد (٣/ ٣١٩)، والبخاري (١٣١١)، ومسلم (٩٦٠) (٧٨)، والنسائي (٤/ ٤٥ - ٤٦). ــ والشافعي وأبي حنيفة. وقال أحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن والأوزاعي فمن اتبعها لا يجلس حتى توضع، وأمّا من مرَّت به فلا يلزمه القيام. وقد اختلف أيضًا في القيام على القبر حتى يُقبر؛ فكرهه قوم، وعمل به آخرون. وروي ذلك عن عليّ وعثمان وابن عمر، وقد تقدَّم في كتاب الإيمان قول عمرو بن العاص: وأقيموا حول قبري قدر ما تُنحر جزور ويقسم لحمها (١)؛ أي: تثبّتوا وتربّصوا. وقوله إن الموت فزع؛ أي يفزع إليه ومنه، وهو تنبيه على استذكاره وإعظامه وجعله من أهم ما يخطر بالإنسان. والمقصود من هذا الحديث ألا يستمرَّ الإنسان على غفلته عند رؤية الميت، فإنه إذا رأى الميت ثم تمادى على ما كان عليه من الشغل كان هذا دليلا على غفلته وتساهله بأمر الموت، فأمر الشرع أن يترك ما كان عليه من الشغل ويقوم تعظيمًا لأمر الميت واستشعارًا به، وعلى هذا فيستوي في ذلك الميت المسلم

стр. 1230

[٨٢٩]- وَعَن قَيسَ بنَ سَعدٍ وَسَهلَ بنَ حُنَيفٍ وَكَانَا بِالقَادِسِيَّةِ فَمَرَّت بِهِمَا جَنَازَةٌ فَقَامَا، فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا مِن أَهلِ الأَرضِ! فَقَالا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّت بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ: إِنَّهُ يَهُودِيٌّ! فَقَالَ: أَلَيسَت نَفسًا؟ ! . رواه أحمد (٦/ ٦ - ٧)، والبخاري (١٣١٢)، ومسلم (٩٦١)، والنسائي في الكبرى (٢٠٤٨). [٨٣٠]- وَعَن عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فِي شَأنِ الجَنَائِزِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ ثُمَّ قَعَدَ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: رَأَينَا رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ، فَقُمنَا، وَقَعَدَ فَقَعَدنَا - يَعنِي فِي الجَنَائز. رواه مسلم (٩٦٢) (٨٢) و (٨٤)، وأبو داود (٣١٧٥)، والترمذي (١٠٤٤)، والنسائي (٤/ ٧٧ - ٧٨). * * * ــ وغيره، ولذلك قال في الميت الذمِّي أليست نفسًا؟ ! ، معناه: أليست الجنازة نفسًا قُبِضَت؟ وقيل: إنما قام النبي ﷺ إجلالا للملائكة الذين مع الميت. وقيل: إنما قام النبي ﷺ لجنازة اليهودي لأنه كره أن تَعلُوَ جنازةُ اليهوديِّ رأسه. وقيل: لأنه آذاه نتن ريحها - والصحيح الأول. وقوله إنها من أهل الأرض؛ أي من أهل هذه الأرض، يعني أنها من أهل الجزية المُقَرِّين بأرضهم.
следующие страницы →