← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

[٨٢٥]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ امرَأَةً سَودَاءَ كَانَت تَقُمُّ المَسجِدَ - أَو شَابّا، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عَنهَا - أَو عَنهُ - فَقَالُوا: مَاتَ. قَالَ: أَفَلا ــ وأبي حنيفة، قال: إلا أن يكون وليه فله إعادة الصلاة عليه. وقد روي عن مالك جواز الصلاة عليه، وهو شاذّ من مذهبه، وهو قول الشافعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق وغيرهم. وحيث قلنا بفوت الصلاة على الميت فما الذي يقع به الفوت؟ اختلف فيه؛ فقيل: بهيل التراب وتسويته - وهو قول أشهب وعيسى وابن وهب. وقيل: بخوف تغيُّره - وهو قول ابن القاسم وابن حبيب وسحنون. وقيل: بالطُّول فيمن لم يصلِّ عليه، وهو ما زاد على ثلاثة أيَّامٍ فأكثر عند أبي حنيفة. وقال أحمد فيمن صُلِّي عليه: تعاد إلى شهر - وقاله إسحاق في الغائب، وقال في الحاضر ثلاثة أيام. قال أبو عمر: وأجمع من قال بالصلاة على القبر أنّه لا يصلّى عليه إلا بالقرب، وأكثر ما قيل في ذلك شهر. وقوله تقمّ المسجد؛ أي تكنسه، والقمامة الكِنَاسة، وسؤاله ﷺ عن هذه المسكينة يدلّ على كمال تفضُّله وحسن تعهده وكرم أخلاقه وتواضعه ورأفته ورحمته، وتنبيهٌ على ألا يُحتَقَر مسلمٌ ولا يُصَغَّر أمرُه. قلت: قال بعض مَن لم يُجِز الصلاة على القبر إنّ القبرَ الرَّطبَ الذي في حديث ابن عباس يحتمل أن يكون قبر السوداء التي كانت تقمّ المسجد، وكانت صلاتُه عليه خاصة به؛ لأنه قد قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإنّ الله ينوّرها بصلاتي عليهم - فقد علم النبي ﷺ ذلك وغيره لا يعلم ذلك، فكان ذلك خصوصًا به. وهذا ليس بشيء؛ لثلاثة أوجه: أحدها: أنّا وإن لم نعلم ذلك لكنّا نظنّه، ونرجو فضل الله سبحانه ودعاء المسلمين لمن صلّوا عليه.

стр. 1227

كُنتُم آذَنتُمُونِي؟ قَالَ: وَكَأَنَّهُم صَغَّرُوا أَمرَهَا - أَو أَمرَهُ، فَقَالَ: دُلُّونِي عَلَى قَبرِهِ! فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيهَا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ القُبُورَ مَملُوءَةٌ ظُلمَةً عَلَى أَهلِهَا، وَإِنَّ اللهَ يُنَوِّرُهَا لَهُم بِصَلاتِي عَلَيهِم. رواه أحمد (٢/ ٣٥٣ و ٣٨٨)، والبخاري (٤٥٨)، ومسلم (٩٥٦)، وأبو داود (٣٢٠٣)، وابن ماجه (١٥٢٧). * * * ــ وثانيها: أنه ﷺ قد قال: من صلّى عليه مائة أو أربعون من المسلمين شفعوا فيه - (١) فقد أعلمنا أنّ ذلك يكون من غيره. وثالثها: أنه كان يلزم منه ألا يصلّى على ميِّتٍ بعد النبيِّ ﷺ لإمكان الخصوصية فيمن صلّى عليه النبي ﷺ ، وهذا باطل. وأشبه ما قيل في حديث السوداء أنّه ﷺ صلَّى على قبرها لأنه لم يصلِّ عليها صلاةً جائزة؛ لأن النبي ﷺ هو الإمام ولم يستخلف، بل قد روي أنه ﷺ أمَرهم أن يُعلِموه بموتها فلم يُعلِموه بذلك كراهة أن يشقّوا عليه، كما ذكره مالك من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنّ مسكينة مرضت (٢)، وهذه المسكينة هي السوداء في هذا الحديث، والله أعلم. ويحصل منه أنّه مَن دُفِنَ بغير صلاة أنّه يصلَّى على قبره ولا يُخرَج، ولا يترك بغير صلاة، وهو الصحيح، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1228

(١٤) باب الأمر بالقيام للجنازة ونسخه [٨٢٦]- عَن عَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا رَأَيتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا لَهَا حَتَّى تُخَلِّفَكُم أَو تُوضَعَ. رواه أحمد (٣/ ٤٤٦)، والبخاري (١٣٠٧)، ومسلم (٩٥٨) (٧٣)، وأبو داود (٣١٧٢)، وابن ماجه (١٥٧٢). ــ (١٤) ومن باب: الأمر بالقيام إلى الجنازة قوله إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تخلفكم أو توضع، قلت: هذا الأمر إنما كان مُتَوَجِّهًا لمن لم يكن متَّبعًا للجنازة، بدليل ما جاء في حديث أبي سعيد: إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع. وقد جاء من حديث عليّ أنه قال: قام رسول الله ﷺ للجنازة (١) ثم قعد. واختلف العلماء بسبب هذه الأحاديث على ثلاثة أقوال؛ أولها: الأمر بالقيام مطلقًا لمن مرَّت به ولمن تبعها، وهو قول جماعة من السلف والصحابة أخذًا بالأحاديث المتقدِّمة، وكأنّ هؤلاء لم يبلغهم الناسخ أو لم يَرَوا ترك قيامه ناسخًا. وثانيها: لا يقوم لها أحد لا مرورًا به ولا مُتَّبعًا، وكأن هؤلاء رأوا أن ترك النبي ﷺ القيام ناسخ لمطلق القيام، وهو قول قوم من أهل العلم، وروي عن أحمد وإسحاق وابن الماجشون من أصحابنا أن ذلك على التوسعة والتخيير. وثالثها: أن القيام منسوخ في حقِّ من مرَّت به، وهو قول (٢) مالك

стр. 1229

[٨٢٧]- وعَن أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا اتَّبَعتُم الجَنَازَةً فَلا تَجلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ. رواه أحمد (٣/ ٣٨)، ومسلم (٩٥٩) (٧٦). [٨٢٨]- وعَن جَابِرِ بنِ عبد الله قَالَ: مَرَّت جَنَازَةٌ، فَقَامَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقُمنَا مَعَهُ، فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا يَهُودِيَّةٌ! فَقَالَ: إِنَّ المَوتَ فَزَعٌ، فَإِذَا رَأَيتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا. رواه أحمد (٣/ ٣١٩)، والبخاري (١٣١١)، ومسلم (٩٦٠) (٧٨)، والنسائي (٤/ ٤٥ - ٤٦). ــ والشافعي وأبي حنيفة. وقال أحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن والأوزاعي فمن اتبعها لا يجلس حتى توضع، وأمّا من مرَّت به فلا يلزمه القيام. وقد اختلف أيضًا في القيام على القبر حتى يُقبر؛ فكرهه قوم، وعمل به آخرون. وروي ذلك عن عليّ وعثمان وابن عمر، وقد تقدَّم في كتاب الإيمان قول عمرو بن العاص: وأقيموا حول قبري قدر ما تُنحر جزور ويقسم لحمها (١)؛ أي: تثبّتوا وتربّصوا. وقوله إن الموت فزع؛ أي يفزع إليه ومنه، وهو تنبيه على استذكاره وإعظامه وجعله من أهم ما يخطر بالإنسان. والمقصود من هذا الحديث ألا يستمرَّ الإنسان على غفلته عند رؤية الميت، فإنه إذا رأى الميت ثم تمادى على ما كان عليه من الشغل كان هذا دليلا على غفلته وتساهله بأمر الموت، فأمر الشرع أن يترك ما كان عليه من الشغل ويقوم تعظيمًا لأمر الميت واستشعارًا به، وعلى هذا فيستوي في ذلك الميت المسلم

стр. 1230

[٨٢٩]- وَعَن قَيسَ بنَ سَعدٍ وَسَهلَ بنَ حُنَيفٍ وَكَانَا بِالقَادِسِيَّةِ فَمَرَّت بِهِمَا جَنَازَةٌ فَقَامَا، فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا مِن أَهلِ الأَرضِ! فَقَالا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّت بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ: إِنَّهُ يَهُودِيٌّ! فَقَالَ: أَلَيسَت نَفسًا؟ ! . رواه أحمد (٦/ ٦ - ٧)، والبخاري (١٣١٢)، ومسلم (٩٦١)، والنسائي في الكبرى (٢٠٤٨). [٨٣٠]- وَعَن عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فِي شَأنِ الجَنَائِزِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ ثُمَّ قَعَدَ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: رَأَينَا رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ، فَقُمنَا، وَقَعَدَ فَقَعَدنَا - يَعنِي فِي الجَنَائز. رواه مسلم (٩٦٢) (٨٢) و (٨٤)، وأبو داود (٣١٧٥)، والترمذي (١٠٤٤)، والنسائي (٤/ ٧٧ - ٧٨). * * * ــ وغيره، ولذلك قال في الميت الذمِّي أليست نفسًا؟ ! ، معناه: أليست الجنازة نفسًا قُبِضَت؟ وقيل: إنما قام النبي ﷺ إجلالا للملائكة الذين مع الميت. وقيل: إنما قام النبي ﷺ لجنازة اليهودي لأنه كره أن تَعلُوَ جنازةُ اليهوديِّ رأسه. وقيل: لأنه آذاه نتن ريحها - والصحيح الأول. وقوله إنها من أهل الأرض؛ أي من أهل هذه الأرض، يعني أنها من أهل الجزية المُقَرِّين بأرضهم.

стр. 1231

(١٥) باب ركوب المتبع للجنازة إذا انصرف منها [٨٣١]- عَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ابنِ الدَّحدَاحِ، ثُمَّ أُتِيَ بِفَرَسٍ عُريٍ فَعَقَلَهٌ رَجُلٌ فَرَكِبَهُ، فَجَعَلَ يَتَوَقَّصُ بِهِ وَنَحنُ نَتَّبِعُهُ نَسعَى خَلفَهُ. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ــ (١٥) ومن باب: ركوب المتبع للجنازة قوله أُتِي بِفَرسٍ عُريٍ؛ أي لا سَرجَ عليه، يقال: فرس عُري، وخيلٌ أعرَاء، وقد اعرَورَى فرسَه - إذا ركبه عُريًا، ولا يقال رجل عُريٌ، ولكن عُريَانُ. ورواية من روى بفرسٍ معرور لا وجه لها. وعقله: حبسه ليركبه. ويتوقص: يَتثنى ويُقَارِبُ الخُطو. وقوله ونحن نتبعه نمشي خلفه هو إخبار عن صورة تلك الحالة؛ لأنه تقدَّمهم وأتوا بعدَه، لا أن ذلك كانت عادتهم في مشيهم معه، بل المنقول من سيرتهم أنه كان يُقَدِّمُهم ولا يتقَدَّمهم، وينهى عن وطء العقب. ولا خلاف في جواز الركوب عند الانصراف من الجنازة، وإنما الخلاف في الركوب لمتبعها؛ فكرهه كثير من العلماء سواء كان معها أو سابقها أو خلفها، والصحيح جواز الركوب إلا أنه يتأخر عنها؛ لما خرّجه الترمذي وصححه عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يُصلّى عليه. وهذا أصحّ من الأحاديث التي ذكر فيها منعُ الركوب مع الجنازة.

стр. 1232

قَالَ: كَم مِن عِذقٍ مُعَلَّقٍ - أَو مُدَلًّى - فِي الجَنَّةِ لابنِ الدَّحدَاحِ - أَو قَالَ: لأَبِي الدَّحدَاحِ. وَفِي رِوَايَةٍ: أُتِيَ بِفَرَس مُعرَوَرى فَرَكِبَه حِينَ انصَرَفَ مِن جَنَازَةِ ابنِ الدَّحدَاح وَنَحنُ نَمشي حَولَه. رواه أحمد (٥/ ٩٠ و ٩٥)، ومسلم (٩٦٥)، والترمذي (١٠١٣ و ١٠١٤)، والنسائي (٤/ ٢٢ - ٢٣). * * * ــ وقوله كم مِن عِذقٍ معلق أو مدلىً في الجنة لابن الدحداح، العذق بكسر العين العُرجون، وبفتحها النخلة، وهو هنا بالكسر، والدحداح: الرجل القصير دون الربعة. وقال شعبة: أبو الدحداح. وقال غيره: ابن الدحداح. وقال أبو عمر: أبو الدحداح، ويقال: أبو الدحداحة فلان ابن الدحداحة. وإنما قال النبي ﷺ له ذلك القول لقصَّةٍ جرت؛ وهي أن يتيما خاصم أبا لبابة في نخلة، فبكى الغلام، فقال له النبي ﷺ : أعطه إياها ولك بها عِذق في الجنة! قال: لا. فسمع ذلك ابنُ الدحداح فاشتراها من أبي لبابة بحديقة له، ثم قال للنبي ﷺ : أَلِي بها إن أعطيتُ اليتيمَ إيّاها عِذقٌ في الجنّة؟ قال: نعم (١). فلما قَبِل ذلك قال له النبي ﷺ هذا الكلام، ورُوي غير ذلك. * * *

стр. 1233

(١٦) باب في كيفية القبور وكراهية تجصيصها والبناء عليها، وهل يجعل في القبر شيء ؟ [٨٣٢]- عَن سَعدَ بنَ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَهُ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي هَلَكَ فِيهِ: الحَدُوا لِي لَحدًا، وَانصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصبًا - كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ . رواه أحمد (١/ ١٨٤)، ومسلم (٩٦٦)، والنسائي (٤/ ٨٠)، وابن ماجه (١٥٥٦). ــ (١٦) ومن باب: كيفية القبور قوله اتخذوا لِي لَحدًا، اللحد: هو أن يُشَقَّ في الأرض ثم يحفر قبر آخر في جانب الشق من جهة القبلةِ، يدخل فيه الميت ويُسدُّ عليه باللَّبِن، وهو أفضل عندنا من الشقّ، وكل واحد منهما جائز، غير أن الذي اختار الله لنبيه ﷺ هو اللحد؛ وذلك أنه لما أراد الصحابة أن يحفروا للنبي ﷺ اشتَوَرُوا في ذلك، وكان في المدينة رجلان أحدهما يلحد والآخر لا يلحد، فقالت الصحابة: اللهم اختر لنبيك، فجاء الذي يُلحد أوَّلا فلحدوا. اشتِوَارُهم في ذلك وتَوقُّفُهم يدلّ على أنه لم يكن عندهم في أفضليَّة أحدهما من النبي ﷺ تعيينٌ، ولذلك رجعوا إلى الدعاء في تعيين الأفضل، ولم يقع في كتاب مسلم ذكر غسله ﷺ ولا الصلاة عليه، وقد ذُكِر في غيره. فأما غسله ﷺ فغسل في قميصه، وذلك أنهم أرادوا أن ينزعوا قميصه ليغسلوه فسمعوا قائلا يقول: لا تنزعوا القميص - كما ذكره مالك في الموطأ (١). وأما الصلاة عليه فصلّى الناس عليه أفواجًا: الرجال، والنساء، والصبيان - من غير إمام؛ صلّوا فوجًا بعد فوج على ما ذكر أهل السير، واختلف في

стр. 1234

[٨٣٣]- وَعَن فَضَالَةَ بنِ عُبَيدٍ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأمُرُ بِتَسوِيَتِهَا - يَعنِي القُبُور. رواه مسلم (٩٦٨)، وأبو داود (٣٢١٩)، والنسائي (٤/ ٨٨). [٨٣٤]- وَعَن أَبِي الهَيَّاجِ الأَسَدِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ: أَلا أَبعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ أَلا أَدَعَ تِمثَالا إِلا طَمَستَهُ، وَلا قَبرًا مُشرِفًا إِلا سَوَّيتَهُ. ــ سبب ذلك على أقوال؛ فقيل: لأنهم لم يكن لهم إمام - وهذا خطأ؛ لأن إمامة الفريضة لم تتعطل، ولأن البيعة لأبي بكر تمت قبل دفنه وهو إمام الناس. وقيل: بل صُلِّي عليه كذلك ليأخذ كل من الناس بنصيبه من الأجر والفضل. ومات النبي ﷺ يوم الاثنين، وأُخِّرَ دفنُه إلى يوم الثلاثاء، وأُخِّر دفنه (١) لأنهم اشتغلوا بأمر الإمامة؛ لأنهم خافوا ثَوَرَانَ فتنةٍ. والتمثال: مثال صورة ما فيه روح، وهو يعمّ ما كان متجسِّدًا وما كان مصوَّرًا في رَقمٍ أو نقشٍ، لا سيما وقد رُوي صورة مكان تمثال، وقيل: إن المراد به هنا ما كان له شخص وجسد دون ما كان في ثوب أو حائط منقوشًا، وسيأتي الكلام عليهما. وحاصل هذا الحديث الأمر بتغيير الصور مطلقًا، وأنّ إبقاءها كذلك منكَرٌ، وطمسها: تغييرها، وذلك يكون بقطع رؤوسها وتغيير وجوهها وغير ذلك مما يُذهِبُها. وقوله ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته ظاهره منع تسنيم القبور ورفعها، وأن تكون لاطية، وقد قال به بعض أهل العلم. وذهب الجمهور إلى أن هذا

стр. 1235

وَفِي رِوَايَةٍ: وَلا صُورَةً إِلا طَمَستَهَا. رواه أحمد (١/ ٩٦ و ١٢٩)، ومسلم (٩٦٩)، وأبو داود (٣٢١٩)، والترمذي (١٠٤٩)، والنسائي (٤/ ٨٨ - ٨٩). [٨٣٥]- وَعَن جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَن يُجَصَّصَ القَبرُ وَأَن يُقعَدَ عَلَيهِ، وَأَن يُبنَى عَلَيهِ. رواه أحمد (٣/ ٣٣٢)، ومسلم (٩٧٠) (٩٤)، والنسائي (٤/ ٨٨)، وابن ماجه (١٥٦٢). ــ الارتفاع المأمور بإزالته ليس هو التسنيم ولا ما يعرف به القبر كي يحترم، وإنما هو الارتفاع الكثير الذي كانت الجاهلية تفعله؛ فإنها كانت تُعلي عليها وتَبني فوقها تفخيمًا لها وتعظيمًا، وأما تسنيمها فذلك صفة قبر رسول الله ﷺ وقبر أبي بكر وعمر ﵄ على ما ذكر في الموطأ، وقد جاء عن عمر أنه هدمها وقال: ينبغي أن تسوَّى تسويةَ تسنيمٍ. وهذا معنى قول الشافعي: تُسَطَّح القبور ولا تُبنى ولا تُرفع، وتكون على وجه الأرض، وتسنيمها اختيار أكثر العلماء وجملة أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة والشافعي. قلت: والذي صار إليه عمر أولى، فإنه جمع بين التسوية والتسنيم. وقوله نهى أن يجصص القبر ويُبنَى عليه، التجصيص والتقصيص هو البناء بالجصّ، وهو القَصّ والقَصّة، والجصاص والقصاص واحد، فإذا خلط الجصُّ بالرماد فهو الجيّار. وذكر معنى ذلك أبو عبيد وابن الأعرابي، وقد تقدَّم في الحيض ذكر القصّة البيضاء (١). وبظاهر هذا الحديث قال مالك، وكَرِه البناء والجصّ على القبور، وقد أجازه غيره، وهذا الحديث حجة عليه، ووجه النهي عن

стр. 1236

[٨٣٦]- وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جُعِلَ فِي قَبرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَطِيفَةٌ حَمرَاءُ. رواه مسلم (٩٦٧)، والترمذي (١٠٤٨)، والنسائي (٤/ ٨١). * * * ــ البناء والتجصيص في القبور أن ذلك مباهاة واستعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبُّه بمن كان يعظّم القبور ويعبدها. وباعتبار هذه المعاني وبظاهر هذا النهي ينبغي أن يقال هو حرام، كما قد قال به بعض أهل العلم. وقوله وأن يقعد عليها، وقوله لا تجلسوا على القبور (١)، وقوله لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه خير له من أن يجلس على قبر - (٢) اختلف في معناه؛ فمنهم من حمله على ظاهره من الجلوس ورأى أن القبر يحترم كما يحترم المسلم المدفون فيه فيعامل بالأدب وبالتسليم عليه وبغير ذلك، ومنهم من تأوَّله على أنه كناية عن إلقاء الحدث في القبور - وهو تأويل مالك. ولا شك في أن التخلي على القبور وبينها ممنوع؛ إما بهذا الحديث وإما بغيره، لحديث الملاعن الثلاث، فإنه مجلس الزائر للقبر، فهو في معنى التخلّي في الظِلال والطرق والشجر المثمر وغير ذلك، ولأن ذلك استهانة بالميت المسلم وأذى لأوليائه الأحياء، والله أعلم. وقوله جعل في قبر رسول الله ﷺ قطيفة حمراء، هذه القطيفة كان النبي ﷺ يلبسها ويفترشها، فلما مات اختَلَف في أخذها عليٌّ وعبَّاس وتنازعا فيها، فأخذها شُقران (٣) وجعلها في القبر، وقال: والله لا يلبسها أحدٌ بعده أبدًا. وقيل: إنما جعلت في قبره لأن المدينة سَبِخَةٌ، والله تعالى أعلم.

стр. 1237

(١٧) باب النهي عن الجلوس على القبور والصلاة إليها [٨٣٧]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لأَن يَجلِسَ أَحَدُكُم عَلَى جَمرَةٍ فَتُحرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخلُصَ إِلَى جِلدِهِ خَيرٌ لَهُ مِن أَن يَجلِسَ عَلَى قَبرٍ. رواه أحمد (٢/ ٣١١ و ٣٨٩)، ومسلم (٩٧١)، وأبو داود (٣٢٢٨)، والنسائي (٤/ ٩٥)، وابن ماجه (١٥٦٦). [٨٣٨]- وَعَن أَبِي مَرثَدٍ الغَنَوِيِّ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: لا تُصَلُّوا إِلَى القُبُورِ، وَلا تَجلِسُوا عَلَيهَا. رواه أحمد (٤/ ١٣٥)، ومسلم (٩٧٢) (٩٨)، والترمذي (١٠٥٠). * * * ــ (١٧) ومن باب: النهي عن الجلوس على القبور والصلاة إليها قوله لا تصلوا إلى القبور؛ أى لا تتخذوها قبلة، وهذا مثل ما قدَّمناه في النهي عن اتخاذ قبره مسجدًا وفي ذمّ اليهود بما فعلوا من ذلك، وكلّ ذلك لقطع الذريعة أن يعتقد الجهَّال في الصلاة إليها أو عليها الصلاة لها، فيؤدِّي إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام. * * *

стр. 1238

(١٨) باب الصلاة على الميت في المسجد [٨٣٩]- عَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: لَمَّا تُوُفِّيَ سَعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَرسَلَ ــ (١٨) ومن باب: الصلاة على الميت في المسجد (١) إنكار الناس إدخال الميت في المسجد يدلّ على أن العمل المستمرَّ كان على خلاف ذلك وأن الصلاة على سهيل وأخيه في المسجد إما منسوخ كما قاله الطحاوي، وأن الترك آخر الفعلين، وإما أن يكون خاصًّا بهما، وهذا العمل هو مُتمَسَّك من منع ذلك، وما تقدَّم من خروج النبي ﷺ للصلاة على النجاشيِّ من المسجد، وهم جماعة منهم مالك في المشهور عنه وبعض أصحابه وأبو حنيفة وابن أبي ذئب والطحاوي، وقد دلّ على المنع أيضًا ما خرَّجه أبو داود من حديث أبي هريرة مرفوعًا: من صلّى على جنازة في المسجد فلا شيء له (٢) - وفي إسناده صالح مولى التوأمة، وكان قد اختلط حديثُه بأخَرَة، فقال مالك فيه: ليس بثقة. وقال فيه غيره: حديثه قبل الاختلاط صحيح. وهذا الحديث مما رواه عنه ابن أبي ذئب قبل الاختلاط على ما قاله أبو أحمد بن عدي وغيره من أئمة المحدثين. وقد اعتضد المانع أيضًا بأن الميت نجس فلا يُدخل المسجد. وقد اختلف في نجاسة الميت قول مالك والشافعي وأصحابهما، وقال بعض المتأخرين: الخلاف إنما يصحّ في المسلمين لا الكافرين، فإنهم متّفقون على تنجيس الميت منهم، وهذا القول حسن؛ لأنه قد تقرر الإجماع على أن الموت بغير زكاة سبب التنجيس فيما له نفس سائلة مطلقًا، وهذا يقتضي تنجيس

стр. 1239

أَزوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ أَن يَمُرُّوا بِجَنَازَتِهِ فِي المَسجِدِ فَيُصَلِّينَ عَلَيهِ فَفَعَلُوا، ــ الميت المسلم، إلا أنه قد صحّ عنه ﷺ أنه قال: إن المؤمن لا ينجس (١). فهل يُحمل هذا على أنه لا ينجس حيًّا ولا ميتًّا فيستثنى تلك القاعدة الكلية؟ أو يحمل على أنه لا ينجس ما دام حيًّا؟ وهو الذي خرَّج عليه الحديث، وتحمل تلك القاعدة الكلية على أصلها، ويبقى الكافر على أصل القاعدة، وإنما الخلاف في نجاسة عين الكافر في حال حياته؛ فقال بنجاسته الشافعي وغيره متمسُّكًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُشرِكُونَ نَجَسٌ﴾ وقال مالك وغيره بطهارته متمسُّكًا بنوع من القياس، وهو المسمَّى بقياس العكس عند أصحابنا، وهو من باب قياس الدَّلالة. تلخيصه أن يقال: لما كان الموت علّة التنجيس شرعًا لزم أن تكون الحياة علة الطهارة شرعًا؛ ضرورة عدم الواسطة بين التنجيس والطهارة، وقد استدلّ بعض أصحابنا على ذلك بقوله تعالى: وَلَقَد كَرَّمنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلنَاهُم فِي البَرِّ وَالبَحرِ وَرَزَقنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلنَاهُم عَلَى كَثِيرٍ مِمَّن خَلَقنَا تَفضِيلًا، وتقرير الحجة فيهما فيه طول، وموضعه الفقه. وقد تأوّل أصحابنا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُشرِكُونَ نَجَسٌ﴾ بأن معنى ذلك أنهم لا ينفَكُّون عن النجاسة لعدم تحرُّزِهم منها، ومنهم من حمله على معنى الذمّ. ثم نرجع إلى أصل المسألة ونقول: لو سلمنا أن الميت المؤمن ليس بنجس فلا ينبغي أن يدخل المسجد؛ لإمكان أن ينفصل منه شيءٌ من النجاسات فيتلطخ المسجد، وقد تمسك من أجاز إدخال الميت في المسجد للصلاة عليه بما تمسكت به عائشة ﵂، ورأوا أنه حكم متعدٍّ لغير سهيل وأخيه، وتأولوا قوله ﷺ من صلّى على جنازة في المسجد فلا شيء له على أن معناه فلا شيء عليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِن أَسَأتُم فَلَهَا﴾؛ أي: عليها، وممن ذهب إلى جواز ذلك الشافعي في أحد قوليه وأحمد وإسحاق وابن حبيب من

стр. 1240

فَوُقِفَ بِهِ عَلَى حُجَرِهِنَّ يُصَلِّينَ عَلَيهِ، ثُمَ خُرِجَ بِهِ مِن بَابِ الجَنَائِزِ الَّذِي كَانَ إِلَى المَقَاعِدِ، فَبَلَغَهُنَّ أَنَّ النَّاسَ عَابُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: مَا كَانَتِ الجَنَائِزُ يُدخَلُ بِهَا المَسجِدَ! فَبَلَغَ ذَلِكَ عَائِشَةَ، فَقَالَت: مَا أَسرَعَ النَّاسَ إِلَى أَن يَعِيبُوا مَا لا عِلمَ لَهُم بِهِ! عَابُوا عَلَينَا أَن يُمَرَّ بِجَنَازَةٍ فِي المَسجِدِ، وَمَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى سُهَيلِ بنِ بَيضَاءَ إِلا فِي جَوفِ المَسجِدِ. وَفِي رِوَايَةٍ: فقَالَت وَاللهِ لَقَد صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ابنَي بَيضَاءَ فِي المَسجِدِ؛ سُهَيلٍ وَأَخِيهِ. رواه أحمد (٦/ ٧٩)، ومسلم (٩٧٣) (١٠٠ و ١٠١)، وأبو داود (٣١٨٩ و ٣١٩٠)، والترمذي (١٥٣٣)، والنسائي (٤/ ٦٨). * * * ــ أصحابنا والقاضي إسماعيل. قال أبو عمر: ورواه المدنيون عن مالك. ويعتضد هؤلاء بأن عمر بن الخطاب إنما صُلّي عليه في المسجد على ما ذكره مالك عن ابن عمر. وأما صلاة المصلّي في المسجد على الجنازة فأجازها مالك إذا ضاق الموضع واتصلت الصفوف، وكرهه مع عدم ذلك. ومستندها خروج النبي ﷺ والناس من المسجد للصلاة على النجاشي كما تقدَّم. وقولها فوقف به على حُجَرِهنّ يُصَلِّين عليه؛ أي يدعون له، وهذا بعد أن صلي عليه الصلاة الجامعة، ويحتمل أن تكون هذه الصلاة هي الصلاة الجامعة (١)، ويكون معنى قولها فوقف به على حُجرِهن على هذا؛ أي: حُبِسَ بين حجرهن حتى يجتمع الناس للصلاة عليه فيُصَلِّين عليه في جملة الناس، والله تعالى أعلم.

стр. 1241

(١٩) باب زيارة القبور والتسليم عليها، والدعاء والاستغفار للموتى [٨٤٠]- عَنِ بُرَيدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : نَهَيتُكُم عَن زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا، وَنَهَيتُكُم عَن لُحُومِ الأَضَاحِيِّ فَوقَ ثَلاثٍ فَأَمسِكُوا مَا بَدَا لَكُم، وَنَهَيتُكُم عَنِ النَّبِيذِ إِلا فِي سِقَاءٍ فَاشرَبُوا فِي الأَسقِيَةِ كُلِّهَا وَلا تَشرَبُوا مُسكِرًا. رواه أحمد (٥/ ٣٥٠)، ومسلم (٩٧٧)، والنسائي (٨/ ٣١٠ - ٣١١). [٨٤١]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: زَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبرَ أُمِّهِ فَبَكَى، ــ قلت: وظاهره أنهن صلَّين عليه صلاة أخرى، وفيه دليل (١) لمن قال بجواز إعادة الصلاة على الميت كما تقدَّم. (١٩) ومن باب: زيارة القبور قوله فزوروها نصٌّ في النسخ للمنع المتقدم، لكن اختلف العلماء هل هذا النسخ عام للرجال وللنساء أم هو خاص للرجال دون النساء (٢)؟ والأول أظهر، وقد دلّ على صحة ذلك أنه ﷺ قد رأى امرأة تبكي عند قبر فلم ينكر عليها الزيارة، وإنما أنكر عليها البكاء كما تقدّم.

стр. 1242

فأَبكَى مَن حَولَهُ، فَقَالَ: استَأذَنتُ رَبِّي فِي أَن أَستَغفِرَ لَهَا فَلَم يُؤذَن لِي، وَاستَأذَنتُهُ فِي أَن أَزُورَ قَبرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا القُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ المَوتَ. رواه أحمد (٢/ ١٤١)، ومسلم (٩٧٦) (١٠٨)، وأبو داود (٣٢٣٤)، والنسائي (٤/ ٩٠)، وابن ماجه (١٥٧٢). ــ وقوله في الحديث الآتي زوروا القبور فإنها تُذَكِّر الموت، وتذَكُّر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء، على أن أصحّ ما في نهي النساء عن زيارة القبور ما خرّجه الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ لعن زوَّارات القبور (١)، صححه الترمذي، على أن في إسناده عمر بن أبي سلمة وهو ضعيف عندهم. ثم إن هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة؛ لأن زوارات للمبالغة، ويمكن أن يقال: إن النساء إنما يُمنَعن من إكثار الزيارة لما يؤدي إليه الإكثار من تضييع حقوق الزوج والتبرج والشهرة والتشبه بمن يلازم القبور لتعظيمها، ولما يخاف عليها من الصراخ وغير ذلك من المفاسد، وعلى هذا يفرِّق بين الزائرات والزوارات. والصحيح نسخ المنع عن الرجال والنساء كما تقدم، والله تعالى أعلم. وسيأتي القول على نسخ منع ادخار لحوم الأضاحي، ومنع الانتباذ في الحنتم والدُّباء والمزفت في بابهما. وقد زاد مالك في هذا الحديث لا تقولوا هُجرًا (٢)، وهو الفحش من القول كالنوح والترنم به وغير ذلك، وبكاؤه ﷺ على قبر أمه إنما كان لما فاتها من أيامه ومن الإيمان به. وقوله فاستأذنته في أن أستغفر لها فلم يُؤذَن لي يحتمل أن يكون هذا

стр. 1243

[٨٤٢]- وعَن عَائِشَةَ: أَلا أُحَدِّثُكُم عَنِّي وَعَن رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قُلنَا: بَلَىَ. قَالَت: لَمَّا كَانَت لَيلَتِي الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا عِندِي انقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعلَيهِ فَوَضَعَهُمَا عِندَ رِجلَيهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ فَاضطَجَعَ، فَلَم يَلبَث إِلا رَيثَمَا ظَنَّ أَن قَد رَقَدتُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيدًا، وَانتَعَلَ رُوَيدًا، وَفَتَحَ البَابَ رُوَيدًا فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيدًا، فَجَعَلتُ دِرعِي فِي رَأسِي وَاختَمَرتُ وَتَقَنَّعتُ إِزَارِي، ثُمَّ انطَلَقتُ عَلَى إِثرِهِ، حَتَّى جَاءَ البَقِيعَ فَقَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ انحَرَفَ فَانحَرَفتُ، فَأَسرَعَ وَأَسرَعتُ، فَهَروَلَ فَهَروَلتُ، فَأَحضَرَ فَأَحضَرتُ، فَسَبَقتُهُ فَدَخَلتُ، فَلَيسَ إِلا ــ الاستئذان قبل نزول قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَستَغفِرُوا لِلمُشرِكِينَ وَلَو كَانُوا أُولِي قُربَى﴾ ويحتمل أن يكون بعد ذلك وارتجى خصوصية أمّه بذلك، والله تعالى أعلم. وهذا التأويل الثاني أولى. وقول عائشة فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقَدتُ؛ أي مقدار ذلك، ورويدًا أي مترفقًا متمهلا لئلا ينبهها، وهو مصدر في موضع الحال. وقولها ثم أجافه رويدًا؛ أي أغلقه بلطف لئلا تعلم بخروجه وبقائها في الليل وحدها فتستوحش وتذعر، وظاهر خروجها خلفه إنما كان لأنها ظنت خروجه إلى بعض أزواجه. والبقيع: هو بقيع الغرقد، وهو مدفن أهل المدينة (١)، والغرقد: شجر العَوسَج. ومعنى انحرف مال للرجوع، والهرولة فوق الإسراع، والإحضار فوق الهرولة، وكلها مراتب الجري.

стр. 1244

أَنِ اضطَجَعتُ فَدَخَلَ، فَقَالَ: مَا لَكِ يَا عَائِشُ حَشيَا رَابِيَةً؟ ! قَالَت: قُلتُ: لا بِي شَيء. قَالَ: أتُخبِرِينِي أَو لَيُخبِرَنِّي اللَّطِيفُ الخَبِيرُ؟ قَالَت: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي! فَأَخبَرتُهُ، قَالَ: فَأَنتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيتُهُ أَمَامِي؟ قُلتُ: نَعَم. فَلَهَدَنِي فِي صَدرِي لَهدَةً أَوجَعَتنِي، ثُمَّ قَالَ: أَظَنَنتِ أَن يَحِيفَ اللهُ عَلَيكِ وَرَسُولُهُ؟ قَالَت: مَهمَا يَكتُمِ النَّاسُ يَعلَمهُ اللهُ. قَالَ رسول الله ﷺ : فَإِنَّ جِبرِيلَ ﵇ أَتَانِي حِينَ رَأَيتِ فَنَادَانِي، فَأَخفَاهُ مِنكِ، فَأَجَبتُهُ، فَأَخفَيتُهُ مِنكِ، وَلَم يَكُن يَدخُلُ عَلَيكِ وَقَد وَضَعتِ ثِيَابَكِ، وَظَنَنتُ أَن قَد رَقَدتِ فَكَرِهتُ أَن أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَن تَستَوحِشِي، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَأمُرُكَ أَن تَأتِيَ أَهلَ البَقِيعِ فَتَستَغفِرَ لَهُم! قَالَت: قُلتُ: كَيفَ أَقُولُ ــ وقوله ما لك يا عائش حشيا رابية؟ ، عائش: منادى مرخَّم، وحشيا رابية: وقع بها الربو، وهو البُهر الذي يلحق من الجري. قال الهروي: يقال منه امرأة حشيا وحشية، ورجل حشيان وحشٍ. وقولها في جوابها لا بي شيء قيّد الأسدي هذا الحرف لأيِّ شيء؟ بالياء باثنتين وخفض شيء على الاستفهام تغطية لحالها، كأنها تقول: لأيِّ شيء تسأل؟ ورواه العذري لا بي شيء بالباء الواحدة ورفع شيء على أن تكون لا بمعنى ليس؛ أي: ليس بي شيء - وهي روايتنا، وفي بعض النسخ لا شيء، وهي أقربها. والسواد: الشخص. ولَهَدَني: ضربني ودفعني. قال ابن القوطية: لَهدتُه لَهدًا دفعته، وأَلهَدتُ به قصرت به. وقوله أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟ ؛ أي يجور، وهذا يؤيد أنها ظنت أن قد سار إلى بعض أهله. وقوله أمرت أن آتي أهلَ البقيع وأستغفر لهم يدلّ على أنه دعا لأهل البقيع واستغفر، وأن هذا هو الذي عبّر عنه في الرواية الأخرى يصلي، وقد

стр. 1245

لَهُم يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: قُولِي السَّلامُ عَلَى أَهلِ الدِّيَارِ مِنَ المُؤمِنِينَ وَالمُسلِمِينَ، وَيَرحَمُ اللهُ المُستَقدِمِينَ مِنَّا وَالمُستَأخِرِينَ، وَإِنَّا إِن شَاءَ اللهُ بِكُم لَلاحِقُونَ. ــ قيل: إنه صلّى عليهم صلاته على الجنازة، ويؤيد هذا القول أنه قد جاء في حديث مالك فأُصلّي عليهم. وقولها فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرار، ثم الذي يقول بهذا يرى أن ذلك خصوص بالنبي ﷺ ، والأول أظهر، وهذا محتمل. وقوله السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين هذا يدل على أن السلام على الموتى كالسلام على الأحياء خلافًا لمن قال: إن تحية الميت: عليك السلام - بتقديم عليك السلام، تمسكًا بما روي أن النبي ﷺ سلّم رجلٌ عليه فقال: عليك السلام يا رسول الله! فقال: لا تقل عليك السلام؛ فإن عليك السلام تحية الميت (١). وهذا لا حجَّة فيه؛ لأنه ﷺ إنما كره منه أن يبدأ بعليك السلام؛ لأنه كذلك كانت تحية الجاهلية للموتى، كما قال شاعرهم: عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحّما ومقصوده ﷺ أن سلام المؤمنين (٢) على الأحياء والموتى مخالف لما كانت الجاهلية تفعله وتقوله، والله أعلم. وقد تقدّم قوله وإنا إن شاء الله بكم لاحقون في الطهارة. وفي إسناد هذا الحديث قال ابن جريج: أخبرني عبد الله رجل من قريش، عن محمد بن قيس بن

стр. 1246

وَفِي رِوَايَةٍ: أَسأَلُ الله لَنَا وَلَكُم العَافِيَةَ. رواه أحمد (٦/ ٢٢١)، ومسلم (٩٧٤) ١٠٣ و (٩٧٥)، والنسائي (٧/ ٧٢ - ٧٣)، وابن ماجه (١٥٤٦) مختصرًا. * * * (٢٠) باب من لا يصلى عليه [٨٤٣]- عن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفسَهُ بِمَشَاقِصَ فَلَم يُصَلِّ عَلَيهِ. رواه مسلم (٩٧٨)، والترمذي (١٠٦٨)، والنسائي (٤/ ٦٦). ــ مخرمة - هذا الرجل هو عبد الله بن أبي مُلَيكَة على ما قاله النسائي وأبو نعيم الجرجاني وأبو بكر وأبو عبد الله الجيزي. وقال الدارقطني: هو عبد الله بن كثير بن المطلب بن أبي ودَاعَة السهمي. (٢٠) ومن باب: من لا يصلّى عليه قوله قتل نفسه بمشاقص، هكذا صحيح الرواية فيه، وهو جمع مشقص وهو السكين على الخلاف الذي ذكرناه في كتاب الإيمان، وقد رواه الطبري بمشقاص بألف، وليس بشيء، وصوابه مشقص. ولعل هذا القاتل لنفسه كان مستحلا لقتل نفسه فمات كافرًا فلم يصل عليه لذلك، وأما المسلم القاتل لنفسه فيصلّى عليه عند كافة العلماء، وكذلك المقتول

стр. 1247

[٨٤٤]- وَعَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ جَاءَ ابنُهُ عبد الله بنُ عبد الله إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَأَلَهُ أَن يُعطِيَهُ قَمِيصَهُ ــ في حدٍّ أو قصاص، ومرتكب الكبائر وولد الزنى، غير أن أهل الفضل يجتنبون الصلاة على المبتدعة والبغاة وأصحاب الكبائر ردّعًا لأمثالهم. ويجتنب الإمام خاصة الصلاة على من قتله في حدّ، وحُكي عن بعض السلف خلافٌ في بعض صور؛ فعن الزهري: لا يصلّى على المرجوم، ويصلّى على المقتول في قود. وقال أحمد: لا يصلّي الإمام على قاتل نفس ولا غالّ. وقال أبو حنيفة: لا يصلّى على محارب، ولا على من قُتل من الفئة الباغية. وقال الشافعي: لا يصلّى على من ترك الصلاة إذا قتل، ويصلّى على من سواه. وعن الحسن: لا يصلّى على النفساء تموت من زنى، ولا على ولدها - وقاله قتادة في ولد الزنى. وعن بعض السلف خلاف في الصلاة على الطفل الصغير لما جاء أن النبي ﷺ لم يصل على إبراهيم ابنه (١)، وقد جاء عنه أنه صلّى عليه (٢)، ذكر الحديثين أبو داود، وقد علل ترك الصلاة عليه بعلل ضعيفة أشبهها أنه لم يصل عليه هو بنفسه لشغله بكسوف الشمس، وصلّى عليه غيره، والله أعلم. واختلفوا في الصلاة على السّقط؛ فذهب بعض السلف وفقهاء المحدِّثين إلى الصلاة عليه، والجمهور على أنه لا يصلّى عليه حتى يستهل صارخًا أو تُعرف حياته. وقال بعض السلف: يصلى عليه متى نُفخ فيه الروح وتمت له أربعة أشهر. وأما المقتول في معترك العدوّ فلا يُغَسَّل ولا يُصلَّى عليه عند مالك، ويفعل ذلك به عند غيره، وفرَّق أبو حنيفة بين الغسل والصلاة فأثبتها وأسقطه، واختلف أصحابنا لو كان الشهيد جنبًا هل يُغسّل أم لا؟ قولان. وعبد الله بن أبيّ ابن سلول هو عبد الله بن أبي بن مالك، وسلول: أم

стр. 1248

يُكَفِّنَ فِيهِ أَبَاهُ، فَأَعطَاهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ أَن يُصَلِّيَ عَلَيهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيهِ، فَقَامَ عُمَرُ وَأَخَذَ بِثَوبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُصَلِّي عَلَيهِ وَقَد نَهَاكَ اللهُ أَن تُصَلِّيَ عَلَيهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللهُ ــ أبيّ، فتارة ينسب أبيّ إليها وتارة إلى أبيه مالك، وكان عبد الله هذا سيد الخزرج في آخر جاهليتهم، فلما ظهر النبي ﷺ وانصرف الخزرج وغيرهم إليه حسده عبد الله وناصبه العداوة، غير أن الإسلام غلبه فنافق، وكان رأسًا في المنافقين، وهو أعظمهم نفاقًا وأشدهم كفرًا، وكان المنافقون خلقًا كثيرًا، حتى لقد روي عن ابن عباس أنهم كانوا ثلاثمائة رجل ومائة وسبعين امرأة، وكان لعبد الله هذا ولد اسمه عبد الله هو من فضلاء أصحاب رسول الله ﷺ ومن أصدقهم إسلامًا وأكثرهم عبادة وأشرحهم صدرًا ﵁، وكان أبرَّ الناس بأبيه هذا، ومع ذلك؛ فقال يومًا لرسول الله ﷺ : يا رسول الله! إنك لتعلم أني من أبرِّ الناس بأبي، ولكن إن أمرتني أن آتيك برأسه فعلت! فقال له رسول الله ﷺ : بل نعفو عنه (١). فكان من أحرص الناس على إسلام أبيه وعلى أن ينتفع أبوه من بركات رسول الله ﷺ بشيء، ولذلك لما مات سأل ابنُه النبيَّ ﷺ أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه لينال من بركة رسول الله ﷺ ، فأعطاه رسول الله ﷺ قميصه، وسأله أن يصلي عليه فصلّى عليه، كل ذلك إكرام لابنه وإسعاف له في طلبته (٢). وقد روي أيضًا أن النبي ﷺ إنما أعطاه قميصه لأن عبد الله كان قد أعطى العباس عم النبي ﷺ يوم بدر قميصًا، وذلك أن العباس أُسر يوم بدر وسلب، فمرَّ به عبد الله فأعطاه قميصه، فكافأه النبي ﷺ بذلك. وقول عمر ﵁ في هذا الحديث أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلّي عليه؟ يحتمل أن يقال: كان هذا قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ

стр. 1249

فَقَالَ: ﴿استَغفِر لَهُم أَو لا تَستَغفِر لَهُم إِن تَستَغفِر لَهُم سَبعِينَ مَرَّةً﴾ وَسَأَزِيدُ عَلَى سَبعِينَ. قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ! فَصَلَّى عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَنزَلَ اللهُ : وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنهُم مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُم عَلَى قَبرِهِ. ــ مِنهُم مَاتَ أَبَدًا﴾ ويظهر من هذا المساق أن عمر ﵁ وقع له في خاطره أن الله نهاه عن الصلاة عليه قبل نزول الآية، ويكون هذا من قبيل الإلهام والتحديث (١) الذي شهد له به النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون فهم ذلك من سياق قوله تعالى: ﴿استَغفِر لَهُم أَو لا تَستَغفِر لَهُم﴾ وهذان التأويلان فيهما بُعد، والذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - أن البخاري ذكر هذا الحديث من رواية ابن عباس وساقه سياقةً هي أتقن من هذه، وليس فيها هذا اللفظ، فقال عنه عن عمر: لما مات عبد الله بن أُبي ابن سلول دعي له رسول الله ﷺ ليصلّي عليه، فلما قام رسول الله ﷺ قال عمر: وثبتُ إليه فقلت: يا رسول الله، أتصلي على ابن أُبيّ وقد قال يوم كذا كذا وكذا؟ أعدِّد عليه. قال: فتبسّم رسولُ الله ﷺ وقال: أخِّر عني. فلما أكثرتُ عليه قال: إني خُيِّرت فاخترت، لو أنّي أعلم أنّي إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها. قال: فصلّى عليه رسول الله ﷺ ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة: وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنهُم مَاتَ أَبَدًا. قال: فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله ﷺ (٢). والله ورسوله أعلم. قلت: وهذا مساق حسن وترتيب متقن، ليس فيه شيء من الإشكال المتقدّم، فهو الأولى. وقوله ﷺ سأزيد على السبعين وعد بالزيادة، وهو مخالف لما في

стр. 1250

وَفِي رِوَايَةٍ: فَتَرَكَ الصَّلاةَ عَلَيهِم. رواه البخاري (٤٦٧٠)، ومسلم (٢٤٠٠)، والنسائي (٤/ ٦٧ - ٦٨). * * * ــ حديث ابن عباس فإن فيه: لو أعلم أني إن زدت على السبعين غُفر له لزدت - وهذا تقييد لذلك الوعد المطلق، والأحاديث يفسّر بعضها بعضًا ويقيد بعضها ببعض، وقد قلنا: إن هذا الحديث أولى. وتخصيص الله تعالى العدد بالسبعين على جهة الإغياء، وعلى عادة العرب في استعمالهم هذا العدد في البعد والإغياء، فإذا قال قائلهم لا أكلمه سبعين سنة صار عندهم بمنزلة قولهم لا أكلمه أبدًا، ولذلك قال ﷺ : لو أعلم أني إذا زدت غفر له لزدت - فقد علم أنه لا يغفر له، وقد قيل له في موضع آخر: ﴿سَوَاءٌ عَلَيهِم أَستَغفَرتَ لَهُم أَم لَم تَستَغفِر لَهُم لَن يَغفِرَ اللَّهُ لَهُم﴾ وقوله ﷺ إني خيّرت مشكل مع قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَستَغفِرُوا لِلمُشرِكِينَ وَلَو كَانُوا أُولِي قُربَى﴾ الآية، وقد تقدم أنّ هذه الآية نزلت بعد موت أبي طالب حين قال ﷺ : والله لأستغفرنَّ لك ما لم أُنهَ عنك - وهذا يفهم منه النهي عن الاستغفار لمن مات كافرًا، وهو متقدم على الآية التي فهم منها التخيير. والجواب عن الإشكال أن المنهي عنه في هذه الآية استغفار مرجوّ الإجابة حتى يكون مقصوده تحصيل المغفرة لهم كما فعل بأبي طالب، فإنه إنما استغفر له كما استغفر إبراهيم - صلوات الله عليه وسلامه - لأبيه على جهة أن يجيبهما الله تعالى فيغفر للمدعوّ لهما، وفي هذا الاستغفار استأذن النبي ﷺ ربه في أن يأذن له فيه لأمّه فلم يُؤذن له فيه، وهذا النوع هو الذي تناوله منع الله تعالى ونهيه، وأما الاستغفار لأولئك المنافقين الذي خيّر فيه فهو استغفار

стр. 1251

(٢١) باب النهي عن تمني الموت لضر نزل به [٨٤٥]- عَن أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِن كَانَ لا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَليَقُلِ: اللهُمَّ أَحيِنِي مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيرًا لِي. رواه أحمد (٣/ ٢٨١)، والبخاري (٦٣٥١)، ومسلم (٢٦٨٠) (١٠)، وأبو داود (٣١٠٩)، والترمذي (٢٩٧١)، والنسائي (٤/ ٣)، وابن ماجه (٤٢٦٥). [٨٤٦]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : لا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ ــ لسانيّ علم النبي ﷺ أنه لا يقع ولا ينفع، وغايته لو وقع تطييب قلوب بعض الأحياء من قرابات المستغفر لهم، فانفصل المنهي عنه من المخيّر فيه وارتفع الإشكال، والحمد لله. (٢١) ومن باب: النهي عن تمني الموت لضرٍّ نزل به قوله ﷺ لا يتمنَّيَنَّ أحدُكم الموتَ لضرٍّ نزل به، إنما نهي عن تمني الموت لأجل الضر؛ لأن ذلك دليل على الضجر والتسخط بالمقدور وعدم الصبر والرضا، هذا مقصود هذا الحديث، وأما حديث أبي هريرة ففيه النهي عن تَمنِّي الموت مطلقًا لضرٍّ ولغير ضرٍّ، ألا ترى أنه علّل النهيَ بانقطاع العمر؟ فهذان الحديثان يفيدان مقصودين مختلفين لا يحمل أحدهما على الآخر. وقوله فإن كان لا بدّ متمنيًا فليقل: اللهم أحيِنِي ما كانت الحياة خيرًا لي، في هذا الحديث دليل على استعمال التفويض وسؤال الخيرة، حتى فيما لا بدّ منه وهو الموت، وقد كان النبي ﷺ يعلمهم الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمهم السورة من القرآن، فإذا تمنى الموت وجزم به كان قد اختار لنفسه

стр. 1252

المَوتَ وَلا يَدعُو بِهِ مِن قَبلِ أَن يَأتِيَهُ، إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انقَطَعَ عَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لا يَزِيدُ المُؤمِنَ عمره إِلا خَيرًا. رواه أحمد (٢/ ٣٠٩)، والبخاري (٥٣٧٦)، ومسلم (٢٦٨٢)، والترمذي (٢٤٠٣)، والنسائي (٤/ ٣٢). * * * (٢٢) باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه [٨٤٧]- عَن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَن أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَن كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ. فَقُلتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَكَرَاهِيَةُ المَوتِ؟ فَكُلُّنَا نَكرَهُ المَوتَ! قَالَ: لَيسَ كَذَلِكِ؛ وَلَكِنَّ المُؤمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِرَحمَةِ اللهِ وَرِضوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ فَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الكَافِرَ ــ ما لعلّه ينقطع عنه به خير، كما قال ﷺ : إن المؤمن لا يزيده عمره إلا خيرًا (١). وقد فسّر هذا الخير البخاري فزاد في هذا الحديث فقال: لا يتمنّى أحدكم الموت، إما محسنًا فلعله يزداد حسنًا، وإمّا مسيئًا فلعله أن يستعتب (٢). والاستعتاب: طلب العتبى، وهو الرضا، وذلك لا يحصل إلا بالتوبة والرجوع عن الذنوب. (٢٢) ومن باب: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه قولها كلنا يكره الموت قول من ظن أنه قد عبّر عن الموت بلقاء الله تعالى توسُّعًا، فأجيب (٣) بما يقتضي أن لقاءَ الله بعد الموت، وقد نصَّ على ذلك

стр. 1253

إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللهِ وَسَخَطِهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ وَكَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ. وَفِي أُخرَى: وَالمَوتُ قَبلَ لِقَاءِ اللهِ. رواه أحمد (٦/ ٤٤ و ٥٥)، والبخاري (٦٥٠٧)، ومسلم (٢٦٨٤) (١٥ و ١٦)، والترمذي (١٠٦٧)، والنسائي (٤/ ١٠)، وابن ماجه (٤٢٦٤). * * * ــ في طريق آخر فقال: ولقاء الله بعد الموت. وفي هذا الحديث ما يدلّ على أنه لا يخرج أحدٌ من هذه الدار حتى يعلم ما له عند الله تعالى من خير أو شر، وقد قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ البُشرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا﴾ وهذه الكراهية للموت هي الكراهية الطبيعية التي هي راجعة إلى النفرة عن المكروه والضرر واستصعاب ذلك على النفوس، ولا شك في وجدانها لكلِّ أحد، غير أن مَن رزقه الله تعالى ذوقًا من محبته أو انكشف له شيء من جمال حضرته غلب عليه ما يجده من خالص محبته، فقال عند أزوف رحلته مخاطبًا للموت وسكرته كما قال معاذ ﵁: حبيبٌ جاء على فاقة، لا أفلح اليوم من ندم! وكان يقول عند اشتداد السكرات: اخنُقنِي خنقَك، فوَحقِّكَ إن قلبي ليحبُّك! * * *

стр. 1254

(٩) كتاب الزكاة (١) باب ما تجب فيه الزكاة، وكم مقدار ما يخرج [٨٤٨] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ، عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لَيسَ فِيمَا دُونَ خَمسِ أَوَاقٍ مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ، ــ (٩) كتاب الزكاة قد تقدم اشتقاق الزكاة في كتاب الإيمان، وتسمى أيضًا: صدقة، مأخوذة من الصدق؛ إذ هي دليل على صحة إيمانه، وصدق باطنه مع ظاهره، وقد تقدم استيفاء ذلك (١) المعنى في كتاب الطهارة. وشرعها الله تعالى مواساة للفقراء، وتطهيرًا للأغنياء من البخل. وإنما تجب على من كان له مِن المال ما له بال. وأقل ذلك: النصاب على ما يأتي بيانه. ثم موضوعها: الأموال النامية (٢)؛ أي: الصالحة للنماء، وهي: العين، والحرث والماشية، ثم هذه الأصول منها ما ينمي بنفسه، كالحرث والماشية؛ ومنها ما ينمو بتغيير عينه وتقليبه، كالعين. والإجماع منعقدٌ على تعلق الزكاة بأعيان هذه المسميات. فأما الزكاة بما سواها من العروض والديون؛ ففيها للفقهاء ثلاثة أقوال: فأبو حنيفة: يوجبها على الإطلاق، وداود يسقطها في ذلك، ومالك: يوجبها في عروض التجارة، وفي الديون تفصيل يعرف في كتب فقهه، وستأتي حجة كل فريق في تضاعيف الكلام. (١) ومن باب: ما تجب فيه الزكاة، وكم مقدار ما يخرج (٣) (قوله ﷺ : (ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة)، أواقٍ: جمع

стр. 1255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أوقية. قال أبو عبيد: هي اسم لوزن مبلغه أربعون درهمًا كيلاً. قال ابن السكيت: الأُوقيّة - ضم الهمزة وتشديد الياء -، وجمعها أواق. ولا يقال: وَقية - بفتح الواو - من غير همزة. وحكى اللحياني أنه يقال: وتجمع: وقايا. ودرهم الكيل زنته خمسون حبةً وخُمُسَا حبة، وسمي درهم الكيل؛ لأنه بتكييل عبد الملك بن مروان؛ أي: بتقديره وتحقيقه، وذلك أن الدراهم التي كان الناس يتعاملون بها على وجه الدهر نوعان: نوع عليه نقش فارس. ونوع عليه نقش الروم. أحد النوعين يقال له: البَغلِيّة، وهي السود، الدرهم منها ثمانية دوانق، والأخرى يقال لها: الطبرية (١)، وهي العُتُق، الدرهم منها من أربعة دوانق، فجاء الإسلام وهي كذلك، فكان الناس يتعاملون بها مجموعة على الشطر من هذه والشطر من هذه لدى الإطلاق؛ ما لم يعينوا بالنص أحد النوعين. وكذلك كانوا يؤدون الزكاة في أول الإسلام؛ باعتبار مائة من هذه، ومائة من هذه في النصاب. ذكر هذا أبو عبيد وغيره، فلما كان عبد الملك بن مروان تَحَرَّجَ من نقوشها، فضرب الدرهم بنقش الإسلام بعد أن تحرى معاملتهم الإطلاقية، فجمع بين درهم بغلي من ثمانية دوانق، وبين درهم طبري من أربعة دوانق، فكان اثني عشر دانقا، فقسمها نصفين، فضرب الدرهم من نصفها وهو ستة دوانق، والدانق: ثمان حبات، وثُلُث حبة، وثُلُثَا خُمُسِ حبة من الشعير المطلق. واتفق المسلمون على اعتبار درهم الكيل المذكور؛ لموافقته ما كان معتبرًا من عهد النبي ﷺ وإلى أن ضربت، وأن نصاب الزكاة مائتا درهم من دراهم الكيل.

стр. 1256

وَلَيسَ فِيمَا دُونَ ــ وهي الخمسة الأواقي المذكورة في الحديث. ولم يخالفه في ذلك إلا من زعم أن أهل كل بلد يعتبرون النصاب بما يجري عندهم من الدراهم، صغرت أو كبرت. وهو مذهب ابن حبيب الأندلسي. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، ويعضده قوله ﷺ : (الوزن على وزن أهل مكة) (١)، وهو حديث صحيح. وقد تقدّم أن هذا المقدار المذكور هو الذي كان [على] وزن أهل مكة، في عصر النبي ﷺ . وأما دينار الذهب: فهو أربعة وعشرون قيراطًا. والقيراط: ثلاث حبات من وسط الشعير، فمجموعه اثنتان وسبعون حبة، وهو مجمع عليه. والوَرِق: بكسر الراء على الأصل ككَبِد، وبإسكانها تخفيف، كما يقال: كبد وفخذ، وهي الدراهم خاصة. ويقال عليها أيضا (٢): الرقة - بتخفيف القاف. ومنه قوله: (في الرِّقة ربع العشر) (٣). قال أبو بكر: جمعها: رقات ورقون. ومنه قولهم: وجدان الرقين يغطي أَفَن الأَفِين؛ أي: وجدان الدراهم يغطي عيب المعيب. قال الهروي: يقال: رجل وارّق: كثير الوَرِق. وقال بعضهم: لا يقال: لغير الدراهم وَرِق، ولا رِقَة. وإنما يقال لها (٤): فضة. وأما الفقهاء: فالفضة والورق عندهم سواء. وكذلك قال ابن قتيبة: إن الرقة والورق: الفضة، مسكوكها، وغير مسكوكها. وقوله: (ليس فيما دون)؛ ظاهره أنه إذا نقص من النصاب ولو أقل ما

стр. 1257

خَمسِ ذَودٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ، ــ ينطلق عليه اسم النقص، لم تجب فيه زكاة، وبه قال أبو حنيفة. وقال مالك: إذا كان النقصان يسيرًا لم تسقط الزكاة. واختلف أصحابه في مقدار اليسير: فمنهم من قال: هو ما لا يتشاح فيه في العادة. ومنهم من فسره: بأنه المقدار الذي تختلف فيه الموازين. وهذا عندهم بشرط جوازها بجواز الوازنة. وحكي عن عمر بن عبد العزيز: أن نصاب الدراهم إن نقص ثلاثة دراهم، ونصاب الذهب إن نقص ثلث دينار، لم تسقط الزكاة. والظاهر مع أبي حنيفة، والمعنى مع أصحابنا. ودون في كل مواضع هذا الحديث بمعنى: أقل؛ أي: ليس في أقل من خمس صدقة، لا أنه نفى عن غير الخمس الصدقة، كما زعم بعضهم في قوله: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)؛ أنها (١) بمعنى غير. وقوله: (خمس ذود): الرواية المشهورة فيه على الإضافة، ومنهم من يرويه بالتنوين على البدل. والصحيح في الرواية إسقاط الهاء من خمس على التأنيث. وأثبتها بعضهم على التذكير، وهذا على الخلاف في الذود، هل يطلق على الإناث أو على الذكور؟ على ما يأتي. وأصل وضع الذود إنما هو مصدر، من ذاد يذود، إذا دفع شيئًا، فكأن من كان عنده دفع عن نفسه معرّة الفقر، أو شدّة الفاقة والحاجة. واختلف اللغويون فيه: فقال أبو عبيد: هو ما بين الثنتين إلى التسع، ومن الإناث دون الذكور. ونحوه عند سيبويه في التأنيث، فقال: يقال: ثلاث ذَودٍ؛ لأن الذود أنثى، وليس باسم كسر عليه مذكره. وقال الأصمعي: الذود: ما بين الثلاث إلى العشر. والضُّبة: خمس أو ست، والصِّرمَة: ما بين العشر إلى العشرين، والفَكَرَة: ما بين العشرين إلى الثلاثين، والهَجمَةُ: ما بين الستين إلى السبعين، والهُنَيدةُ: مائة، والخِطرُ: نحو المائتين، والعَرج: من خمسمائة إلى الألف. قال غيره: وهِندُ - غير مصغر -: مائتان، وأمَامَة: ثلاثمائة. وأنكر

стр. 1258

وَلَيسَ فِيمَا دُونَ خَمسَةِ أَوسُقٍ مِنَ التَّمرِ صَدَقَةٌ). رواه مسلم (٩٨٠). ــ ابن قتيبة أن يراد بالذود: الواحد، وقال: لا يصح أن يقال: خمس ذود، كما لا يقال: خمس ثوب. وقال القاضي عياض: الذود: ما بين الثلاثة إلى العشرة، ولا واحد له من لفظه، إنما يقال في الواحد: بعير، كما يقال للواحدة من النساء: امرأة. وقال غيره: خمس ذود، كما يقال خمس أبعرة، وخمسة جمال، وخمس نوق. وقد نصّ بعض اللغويين: على أن الذود يكون وحدًا. وقال أبو حاتم: تركوا القياس في الجمع فقالوا: ثلاث ذود لثلاث من الإبل، وأربعُ ذودٍ، وعشرُ ذود على غير قياس، كما قالوا: ثلاثمائة وأربعمائة، والقياس: مِائِتين ومِئات، ولا يكاد يقولونه. قلت: وهذا صريح بأن الذود واحد في لفظه، والأشهر ما قاله المتقدمون: إنه لا يقال على الواحد، والله أعلم. وقوله: (ليس فيما دون خمسة أوسُق صدقة)؛ الأوسق: جمع قلة الوِسق، كفِلس وأَفلُس، ويقال: أَوسَاق: جمع وِسق - بكسر الواو -، كما يقال: عِدل وأعدَال. واختلفوا في اشتقاقه، فقال شمر: كل شيء حملتَه فقد وسقتَه، يقال: ما أفعلُ كذا ما وسقت عيني الماء: أي: ما حملته. وقال غيره: الوسق: ضمك الشيء إلى الشيء وجمعه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّيلِ وَمَا وَسَقَ﴾؛ أي: جمع وضم، يقال للذي يجمع الإبل: وَاسِق، وللإبل نفسها: وَسَقَت، وقد وَسَقتُها فاستَوسَقَت؛ أي: اجتمعت وانضمت. وقال الخطابي: الوسق: تمام حمل الدواب النقالة، وهو ستون صاعًا. قال غيره (١): والصاع: أربعة أمداد، والمُد: رطل وثلث بالعراقي. والرطل العراقي: هو اثنا عشر أوقية. والأوقية هنا:

стр. 1259

[٨٤٩] وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيَّ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَيسَ فِي حَبٍّ وَلا تَمرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى يَبلُغَ خَمسَةَ أَوسُقٍ الحديث. ــ هي زنة عشرَةِ دراهمَ وثلثي درهم، من دراهم الكيل، فمبلغ زنة الرطل من دراهم الكيل: مائة درهم وثمانية وعشرون درهمًا. ولم يجر في هذا الحديث ذكر لنصاب الذهب، ولا وقع في الصحيحين، ولا ما يدلّ على اشتراط الحول في الزكاة. وقد ذكر أبو داود ما يدل عليهما، فروى بإسناد صحيح إلى أبي إسحاق السبيعي، عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور، عن علي بن أبي طالب ﵁، عن النبي ﷺ قال: (إذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول، ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء - يعني: في الذهب - حتى يكون لك عشرون دينارًا، فإذا كان لك عشرون دينارًا، وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك)، قال: ولا أدري أعليٌّ يقول بحساب ذلك، أو رفعه إلى النبي ﷺ : وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول (١). قلت: هذا الحديث غاية ما قيل فيه: أن جرير بن حازم رواه عن أبي إسحاق، وقرن فيه بين عاصم بن ضمرة، وهو ثقة، وبين الحارث الأعور، وهو كذاب. ورواه جماعة من الأئمة عن أبي إسحاق، عن عاصم موقوفًا على عليّ، فقال من رَدَّ ذلك الحديث: لعل جريرًا سمعه من أبي إسحاق عن عاصم موقوفًا، وسمعه عنه الحارث (٢) في هذا الحديث مسندًا، ولذلك قرن بينهما، وكأن الإسناد متلقى عن الحارث. وهذا لا ينبغي أن يُردَّ الخبر له، لأنه وهمٌ، وظَنٌّ غير محقق، بل هو مردود؛ لأن المعتمد ثقة جرير وأمانته، وقد أخبر بأنه سمعه منهما في مساق

стр. 1260

رواه أحمد (٣/ ٤٤ - ٤٥)، والبخاري (١٤٤٧)، ومسلم (٩٧٩)، وأبو داود (١٥٥٨)، والنسائي (٥/ ١٧). ــ واحد، وظاهره: أنه تلقاه عن كل واحد منهما على نحو ما تلقاه عن الآخر، فيُعتَمد على رواية الثقة، وتلغى رواية غيره، ولا يضره وقف من وقفه، إذا كان الذي رفعه ثقة. قال القاضي عياض: فأما نصاب الذهب فهو عشرون دينارًا، والمُعوِّل في تحديده على الإجماع، وقد حكي فيه خلاف شاذ، وورد فيه أيضًا حديث عن النبي ﷺ . قلت: وأما نصاب الإبل والغنم، فلم يخرج في كتاب مسلم من ذلك شيء. وقد خرَّج البخاري فيه كتاب النبي ﷺ لأبي بكر الصديق. وأما نصاب البقر فلم يقع في الصحيحين شيء من ذلك. وقد روى في ذلك النسائي عن مسروق، عن معاذ بن جبل قال: لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعًا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، ومن كل حالمٍ دينارًا، أو عِدلَه مَعَافِر (١). غير أنه منقطع، لم يلق مسروق معاذًا. وقد خرَّجه الترمذي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، ولم يسمع أبو عبيدة من أبيه. ورواه مالك عن طاوس، عن معاذ من فعله موقوفًا، وطاوس لم يدرك معاذًا. وأحسن ما في الباب ما خرَّجه الدارقطني، عن الشعبي، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (في كل أربعين من البقر مسنة، وفي كل ثلاثين تبيع أو تبيعة) (٢)، قال: هذا يروى مرسلاً عن الشعبي، وهو الصواب. قال أبو محمد بن حزم: قد صح الإجماع المتيقن المقطوع به، الذي

стр. 1261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا اختلاف فيه: أن في كل خمسين بقرةٍ: بقرةٌ. فوجب الأخذ بهذا، وما دون ذلك مختلف فيه، ولا نص في إيجابه. قلت: وحديث جابر وأبي سعيد يدلان: على أن ما نقص عن هذه النصب ليس فيه زكاة، ولا خلاف في ذلك، إلا ما ذهب إليه أبو حنيفة وبعض السلف من أن الحب تخرج الزكاة من قليله وكثيره، والحديثان حجتان عليهم. وقال داود: كل ما يدخله الكيل فتراعى فيه الخمسة الأوسق، وما عداه مما لا يوسق، ففي قليله وكثيره الزكاة. قال القاضي عياض: وأجمعوا على أن في عشرين دينارًا الزكاة. ولا تجب في أقل منها، إلا ما روي عن الحسن والزهري مما لم يتابعا عليه: أن لا صدقة في أقل من أربعين دينارًا، والأشهر عنهما ما روي عن الجماعة. وروي عن بعض السلف: أن الذهب إذا كانت قيمته مائتي درهم فيها الزكاة، فإن نقصت عن ذلك فلا شيء فيه. واتفقوا على أن ما زاد من الحب على خمسة أوسق، أن الزكاة في قليله وكثيره، ولا وَقَصَ فيه. واتفقوا على الأوقاص في المواشي. واختلفوا في الذهب والفضة، فذهب مالك والشافعي وبعض السلف والجمهور إلى أن لا وقَصَ فيهما. وذهب أبو حنيفة وبعض الجماعة إلا أنه لا شيء فيما زاد على المائتي درهم حتى تبلغ أربعين، ولا على العشرين دينارًا حتى تبلغ أربعة دنانير، فإذا زادت على ذلك، ففي كل أربعين درهمًا درهم. وفي كل أربعة دنانير درهم، ومعتمدهم في هذا: حديث ضعيف لا أصل له. ومالك وجمهور علماء الأمصار يرون ضَمَّ الذهب والفضة على اختلاف بينهم: فمالك وجماعة يراعون الوزن، والضم على الأجزاء لا على القيم، ويُنزِلُون كل دينار منزلة عشرة دراهم على الصرف القديم. وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري يرون ضمها على القيمة في وقت الزكاة. وقال الشافعي وداود وأبو ثور وأحمد: لا يضم منها (١) شيء إلى شيء، ويراعى نصاب كل واحد منهما بنفسه. وذهب آخرون إلى

стр. 1262

[٨٥٠] وَعَن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: فِيمَا سَقَتِ الأَنهَارُ وَالغَيمُ العُشُورُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصفُ العُشرِ. رواه أحمد (٣/ ٣٤١)، ومسلم (٩٨١)، وأبو داود (١٥٩٧)، والنسائي (٥/ ٤٢). * * * ــ أنه إنما يضم إذا كمل من أحدهما نصاب، فيضم الآخر، ويزكى الجميع. وقوله: (فيما سقت الأنهار والغيم العُشور، وفيما سُقي بالسانية نصف العشر)؛ كذا ساق حديث جابر هنا. وفي البخاري من حديث ابن عمر مرفوعًا: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عَشرِيًا: العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر). والأنهار: جمع نهر، وقد تقدم اشتقاقه. والغيم هنا: هو المطر. وقد روي في غير مسلم: الغيل باللام. قال ابن السكيت: هو الماء الجاري على الأرض. والعشري قال أكثرهم: هو ما يشرب بماء السماء. وسمي بذلك؛ لأنه يكسر حوله الأرض، ويعسر جريه إلى أصول النخل بتراب يرتفع هناك. قالوا: والبعل ما لا يحتاج إليه، وإنما يشرب بعروقه. والسانية: هي السَّاقية، يقال: سنا يسنو سَنوًا؛ إذا استقى، وهو النضح أيضًا. والنواضح: هي الإبل التي يستقى عليها الماء. وقد أجمع العلماء على الأخذ بهذا الحديث في قدر ما يؤخذ. واستدل أبو حنيفة بعمومه على وجوب الزكاة في كل ما أخرجت الأرض من الثمار، والرياحين والخضر وغيرها، إلا الحشيش وشبهه من الحطب والقصب، وما لا يثمر من الشجر كالسَّمُر وشبهه. وخالفه جماعة العلماء في ذلك على اختلافهم في تفاصيل ذلك. وقد أجمعوا على الحنطة والشعير والتمر والزبيب. ورأي الحسن والثوري وابن أبي ليلى في آخرين: أنه لا زكاة إلا في هذه الأربعة.

стр. 1263

(٢) باب ليس فيما اتُّخِذَ للقُنيَةً صدقة وتقديم الصدقة وتحمّلها عمن وجبت عليه [٨٥١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَيسَ عَلَى المُسلِمِ فِي عَبدِهِ وَلا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ. ــ وذهب مالك في المشهور عنه: إلى أنها تجب في كل ما يُقتات ويُدَّخر للعيش غالبًا. ونحوه قال الشافعي وأبو ثور، إلا أنهما استثنيا الزيتون. وقال ابن الماجشون من أصحابنا: تجب في ذوات الأصول كلها ما ادُّخر منها، وما لم يدَّخر. والعَشور: أكثر الرواة على فتح العين. وهو اسم القدر المخرج. وعن الطبري: العُشر - بضم العين، وتسكين الشين -، ويكون العُشُور - بالضم - جمع عُشر. والحكمة في فرض العشر: أنه يُكتب بعشرة أمثاله، فكأن المخرج للعشر تصدَّق بكل ماله، والله تعالى أعلم. (٢) ومن باب ليس فيما اتخذ للقنية صدقة قوله: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة)؛ هذا الحديث أصل في أن ما هو للقنية لا زكاة فيه، وهو مذهب كافة العلماء وأئمة الفتوى، إلا حماد بن أبي سلمة، فإنه أوجب في الخيل الزكاة. وقال أبو حنيفة: إذا كانت إناثًا وذكورًا يُبتغى نسلها، ففي كل رأس دينار، وإن شاء قوَّم وأخرج عن كل مائتي درهم خمسة دراهم، ولا حجة لهم مع هذا الحديث.

стр. 1264

وَفِي رِوَايَةٍ: لَيسَ فِي العَبدِ صَدَقَةٌ إلا صَدَقَةَ الفطر. رواه أحمد (٢/ ٢٤٢ و ٢٥٤)، والبخاري (١٤٦٤)، ومسلم (٩٨٢)، وأبو داود (١٥٩٥)، والترمذي (٦٢٨)، والنسائي (٥/ ٣٥)، وابن ماجه (١٨١٢). [٨٥٢] وَعَنهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَقِيلَ: مَنَعَ ابنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بنُ الوَلِيدِ، وَالعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ ــ وقوله: (وليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر)؛ دليل: على أن على السيد في عبده زكاة الفطر. وهو قول الجمهور في العبيد، كانوا لخدمة أو غلة، أو تجارة، خلافًا لداود وأبي ثور في إيجابها على العبد نفسه، وخلافًا لأهل الكوفة في إسقاطها عن عبيد التجارة فقط. وقول أبي هريرة: إن رسول الله ﷺ بعث عمر على الصدقة؛ ظاهر هذا اللفظ: أنها الصدقة الواجبة، وإليه صار الجمهور، وعلى هذا فيلزم استبعاد منع مثل هؤلاء المذكورين لها. ولذلك قال بعض العلماء: كانت صدقة تطوع. وقد روى عبد الرزاق هذا الحديث، وفيه: أن النبي ﷺ ندب الناس إلى الصدقة (١). . . وذكر الحديث. قال ابن القصار: وهذا أليق بالقصة، فلا يظن بأحد منهم منع الواجب، قال: فيكون عذر خالد واضحًا؛ لأنه لما أخرج أكثر ماله حُبسًا في سبيل الله، لم يحتمل صدقة التطوع، فعذره النبي ﷺ لذلك. ويكون ابن جميل شحَّ في التطوع الذي لا يلزمه، فعتب عليه النبي ﷺ ، كما جاء في الحديث. وأخبر: أن العباس يسمح بما طلب منه ومثله معه، وأنه ممن لا يمتنع مما حَضَّه عليه (٢) النبي ﷺ ، بل يَعُدُّه كاللازم.

стр. 1265

رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَا يَنقِمُ ابنُ جَمِيلٍ إِلا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغنَاهُ اللهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُم تَظلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احتَبَسَ أَدرَاعَهُ وَأَعتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَمَّا العَبَّاسُ ــ وأما من قال: إنها صدقة الفرض، فيشكل عليه امتناع هؤلاء الكبراء والفضلاء من الصحابة عن أدائها، واحتسابه ﵊ لخالد فيها بما كان حَبَس من آلة الجهاد، مع أنه قد كان يعدها على وجه الحُبُس، على ما هو ظاهر الحديث. وقوله: (إنكم تظلمون خالدًا)، وقوله: (هي عليّ ومثلها معها)، وقد انفصل عن استبعاد منعهم بأنهم لم يمنعوها عنادًا، بل توقفًا من ابن جميل إلى أن يرى هل يُسامح بها. وقال المهلب: كان ابن جميل منافقًا أولاً، فمنع الزكاة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَن أَغنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضلِهِ﴾ فقال: استثناني الله، فتاب وصُلحت حاله، وتأوُلاً من خالد بأنه يحتسب له بها، ومن العباس بأن النبي ﷺ قام بحملها عنه، أو بأنه غريم، أو بغير ذلك من أنواع التأويلات المسوغة، ولم يكن فيهم أبعد تأويلاً من ابن جميل؛ ولذلك عتب عليه النبي ﷺ . وأما قوله: (إنكم تظلمون خالدًا)؛ فهو خطاب منه للعمال على الصدقة، حيث لم يحتسبوا له بما أنفق في الجهاد من الخيل والعدة. وكأن خالدًا - والله أعلم - رأى أن الحاجة قد تعينت للجهاد في سبيل الله، وقد جعل الله للجهاد حظًّا من الزكاة، فرأى أن يصرفها فيه، فأخرج زكاته، واشترى بها ما يصلح للجهاد، كما يفعله الإمام. ولما تحقق النبي ﷺ ذلك، قال: (إنكم تظلمون خالدًا) فإنه قد صرفها مصرفها، وأنتم تطالبونه بها. وعند ذلك يكون قول النبي ﷺ ذلك إمضاءً لما فعل خالد، ويكون معنى احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله: رفع يده عنها، وأبانها عن ملكه، وخلّى بين الناس وبينها في سبيل الله، لا أنه حبسها وقفًا (١) على
следующие страницы →