. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا اختلاف فيه: أن في كل خمسين بقرةٍ: بقرةٌ. فوجب الأخذ بهذا، وما دون ذلك مختلف فيه، ولا نص في إيجابه.
قلت: وحديث جابر وأبي سعيد يدلان: على أن ما نقص عن هذه النصب ليس فيه زكاة، ولا خلاف في ذلك، إلا ما ذهب إليه أبو حنيفة وبعض السلف من أن الحب تخرج الزكاة من قليله وكثيره، والحديثان حجتان عليهم.
وقال داود: كل ما يدخله الكيل فتراعى فيه الخمسة الأوسق، وما عداه مما لا يوسق، ففي قليله وكثيره الزكاة.
قال القاضي عياض: وأجمعوا على أن في عشرين دينارًا الزكاة. ولا تجب في أقل منها، إلا ما روي عن الحسن والزهري مما لم يتابعا عليه: أن لا صدقة في أقل من أربعين دينارًا، والأشهر عنهما ما روي عن الجماعة. وروي عن بعض السلف: أن الذهب إذا كانت قيمته مائتي درهم فيها الزكاة، فإن نقصت عن ذلك فلا شيء فيه.
واتفقوا على أن ما زاد من الحب على خمسة أوسق، أن الزكاة في قليله وكثيره، ولا وَقَصَ فيه. واتفقوا على الأوقاص في المواشي.
واختلفوا في الذهب والفضة، فذهب مالك والشافعي وبعض السلف والجمهور إلى أن لا وقَصَ فيهما. وذهب أبو حنيفة وبعض الجماعة إلا أنه لا شيء فيما زاد على المائتي درهم حتى تبلغ أربعين، ولا على العشرين دينارًا حتى تبلغ أربعة دنانير، فإذا زادت على ذلك، ففي كل أربعين درهمًا درهم. وفي كل أربعة دنانير درهم، ومعتمدهم في هذا: حديث ضعيف لا أصل له.
ومالك وجمهور علماء الأمصار يرون ضَمَّ الذهب والفضة على اختلاف بينهم: فمالك وجماعة يراعون الوزن، والضم على الأجزاء لا على القيم، ويُنزِلُون كل دينار منزلة عشرة دراهم على الصرف القديم. وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري يرون ضمها على القيمة في وقت الزكاة.
وقال الشافعي وداود وأبو ثور وأحمد: لا يضم منها (١) شيء إلى شيء، ويراعى نصاب كل واحد منهما بنفسه.
وذهب آخرون إلى
стр. 1262
[٨٥٠] وَعَن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: فِيمَا سَقَتِ الأَنهَارُ وَالغَيمُ العُشُورُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصفُ العُشرِ.
رواه أحمد (٣/ ٣٤١)، ومسلم (٩٨١)، وأبو داود (١٥٩٧)، والنسائي (٥/ ٤٢).
* * *
ــ
أنه إنما يضم إذا كمل من أحدهما نصاب، فيضم الآخر، ويزكى الجميع.
وقوله: (فيما سقت الأنهار والغيم العُشور، وفيما سُقي بالسانية نصف العشر)؛ كذا ساق حديث جابر هنا.
وفي البخاري من حديث ابن عمر مرفوعًا: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عَشرِيًا: العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر).
والأنهار: جمع نهر، وقد تقدم اشتقاقه.
والغيم هنا: هو المطر. وقد روي في غير مسلم: الغيل باللام. قال ابن السكيت: هو الماء الجاري على الأرض.
والعشري قال أكثرهم: هو ما يشرب بماء السماء. وسمي بذلك؛ لأنه يكسر حوله الأرض، ويعسر جريه إلى أصول النخل بتراب يرتفع هناك. قالوا: والبعل ما لا يحتاج إليه، وإنما يشرب بعروقه.
والسانية: هي السَّاقية، يقال: سنا يسنو سَنوًا؛ إذا استقى، وهو النضح أيضًا.
والنواضح: هي الإبل التي يستقى عليها الماء.
وقد أجمع العلماء على الأخذ بهذا الحديث في قدر ما يؤخذ. واستدل أبو حنيفة بعمومه على وجوب الزكاة في كل ما أخرجت الأرض من الثمار، والرياحين والخضر وغيرها، إلا الحشيش وشبهه من الحطب والقصب، وما لا يثمر من الشجر كالسَّمُر وشبهه. وخالفه جماعة العلماء في ذلك على اختلافهم في تفاصيل ذلك.
وقد أجمعوا على الحنطة والشعير والتمر والزبيب. ورأي الحسن والثوري وابن أبي ليلى في آخرين: أنه لا زكاة إلا في هذه الأربعة.
стр. 1263
(٢) باب ليس فيما اتُّخِذَ للقُنيَةً صدقة وتقديم الصدقة وتحمّلها عمن وجبت عليه
[٨٥١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَيسَ عَلَى المُسلِمِ فِي عَبدِهِ وَلا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ.
ــ
وذهب مالك في المشهور عنه: إلى أنها تجب في كل ما يُقتات ويُدَّخر للعيش غالبًا. ونحوه قال الشافعي وأبو ثور، إلا أنهما استثنيا الزيتون. وقال ابن الماجشون من أصحابنا: تجب في ذوات الأصول كلها ما ادُّخر منها، وما لم يدَّخر.
والعَشور: أكثر الرواة على فتح العين. وهو اسم القدر المخرج. وعن الطبري: العُشر - بضم العين، وتسكين الشين -، ويكون العُشُور - بالضم - جمع عُشر.
والحكمة في فرض العشر: أنه يُكتب بعشرة أمثاله، فكأن المخرج للعشر تصدَّق بكل ماله، والله تعالى أعلم.
(٢) ومن باب ليس فيما اتخذ للقنية صدقة
قوله: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة)؛ هذا الحديث أصل في أن ما هو للقنية لا زكاة فيه، وهو مذهب كافة العلماء وأئمة الفتوى، إلا حماد بن أبي سلمة، فإنه أوجب في الخيل الزكاة. وقال أبو حنيفة: إذا كانت إناثًا وذكورًا يُبتغى نسلها، ففي كل رأس دينار، وإن شاء قوَّم وأخرج عن كل مائتي درهم خمسة دراهم، ولا حجة لهم مع هذا الحديث.
стр. 1264
وَفِي رِوَايَةٍ: لَيسَ فِي العَبدِ صَدَقَةٌ إلا صَدَقَةَ الفطر.
رواه أحمد (٢/ ٢٤٢ و ٢٥٤)، والبخاري (١٤٦٤)، ومسلم (٩٨٢)، وأبو داود (١٥٩٥)، والترمذي (٦٢٨)، والنسائي (٥/ ٣٥)، وابن ماجه (١٨١٢).
[٨٥٢] وَعَنهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَقِيلَ: مَنَعَ ابنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بنُ الوَلِيدِ، وَالعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ
ــ
وقوله: (وليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر)؛ دليل: على أن على السيد في عبده زكاة الفطر. وهو قول الجمهور في العبيد، كانوا لخدمة أو غلة، أو تجارة، خلافًا لداود وأبي ثور في إيجابها على العبد نفسه، وخلافًا لأهل الكوفة في إسقاطها عن عبيد التجارة فقط.
وقول أبي هريرة: إن رسول الله ﷺ بعث عمر على الصدقة؛ ظاهر هذا اللفظ: أنها الصدقة الواجبة، وإليه صار الجمهور، وعلى هذا فيلزم استبعاد منع مثل هؤلاء المذكورين لها. ولذلك قال بعض العلماء: كانت صدقة تطوع.
وقد روى عبد الرزاق هذا الحديث، وفيه: أن النبي ﷺ ندب الناس إلى الصدقة (١). . . وذكر الحديث.
قال ابن القصار: وهذا أليق بالقصة، فلا يظن بأحد منهم منع الواجب، قال: فيكون عذر خالد واضحًا؛ لأنه لما أخرج أكثر ماله حُبسًا في سبيل الله، لم يحتمل صدقة التطوع، فعذره النبي ﷺ لذلك. ويكون ابن جميل شحَّ في التطوع الذي لا يلزمه، فعتب عليه النبي ﷺ ، كما جاء في الحديث. وأخبر: أن العباس يسمح بما طلب منه ومثله معه، وأنه ممن لا يمتنع مما حَضَّه عليه (٢) النبي ﷺ ، بل يَعُدُّه كاللازم.
стр. 1265
رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَا يَنقِمُ ابنُ جَمِيلٍ إِلا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغنَاهُ اللهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُم تَظلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احتَبَسَ أَدرَاعَهُ وَأَعتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَمَّا العَبَّاسُ
ــ
وأما من قال: إنها صدقة الفرض، فيشكل عليه امتناع هؤلاء الكبراء والفضلاء من الصحابة عن أدائها، واحتسابه ﵊ لخالد فيها بما كان حَبَس من آلة الجهاد، مع أنه قد كان يعدها على وجه الحُبُس، على ما هو ظاهر الحديث.
وقوله: (إنكم تظلمون خالدًا)، وقوله: (هي عليّ ومثلها معها)، وقد انفصل عن استبعاد منعهم بأنهم لم يمنعوها عنادًا، بل توقفًا من ابن جميل إلى أن يرى هل يُسامح بها.
وقال المهلب: كان ابن جميل منافقًا أولاً، فمنع الزكاة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَن أَغنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضلِهِ﴾ فقال: استثناني الله، فتاب وصُلحت حاله، وتأوُلاً من خالد بأنه يحتسب له بها، ومن العباس بأن النبي ﷺ قام بحملها عنه، أو بأنه غريم، أو بغير ذلك من أنواع التأويلات المسوغة، ولم يكن فيهم أبعد تأويلاً من ابن جميل؛ ولذلك عتب عليه النبي ﷺ .
وأما قوله: (إنكم تظلمون خالدًا)؛ فهو خطاب منه للعمال على الصدقة، حيث لم يحتسبوا له بما أنفق في الجهاد من الخيل والعدة. وكأن خالدًا - والله أعلم - رأى أن الحاجة قد تعينت للجهاد في سبيل الله، وقد جعل الله للجهاد حظًّا من الزكاة، فرأى أن يصرفها فيه، فأخرج زكاته، واشترى بها ما يصلح للجهاد، كما يفعله الإمام. ولما تحقق النبي ﷺ ذلك، قال: (إنكم تظلمون خالدًا) فإنه قد صرفها مصرفها، وأنتم تطالبونه بها. وعند ذلك يكون قول النبي ﷺ ذلك إمضاءً لما فعل خالد، ويكون معنى احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله: رفع يده عنها، وأبانها عن ملكه، وخلّى بين الناس وبينها في سبيل الله، لا أنه حبسها وقفًا (١) على
стр. 1266
فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثلُهَا مَعَهَا)،
ــ
التأبيد.
والأدراع: جمع درع الحديد. والأعتاد: جمع عتد، وكذلك الأعتد في غير هذه الرواية، وكلاهما جمع قلة، وهو الفرس الصلب. وقيل: هو المعد للركوب. وقيل: السريع الوثب.
وقال الهروي: هو ما أعده الرجل من سلاح، ودواب، وآلة [للحرب]. ويجمع أيضا: أَعتِدَة. وفي غير مسلم: أَعتُدَة - بضم التاء وفتح الدال -، وروي أيضًا: أعبدة - بالباء - بواحدة جمع: عبد.
وأما قوله ﷺ في حق العباس: (فهي عليَّ ومثلها معها)، فقد اضطربت ألفاظ الرواة فيه، فقيل ما ذكرناه. وفي البخاري: (فهي عليه صدقة ومثلها معها)، وفي يرهما: (فهي له ومثلها).
فأما رواية مسلم فظاهرها أنه تحمّلها عنه ومثلها، ويحتمل أنها كانت له عليه؛ إذ قد كان قدّمها له. وفيه بُعدٌ من حيث اللفظ، وإن كان الدارقطني قد روى من حديث موسى بن طلحة: أن النبي ﷺ قال: (إنا كنا احتجنا فتعجَّلنا من العباس صدقة ماله سنتين) (١)؛ وبهذا يحتجّ مَن يرى تقديم الزكاة قبل وقت وجوبها. وهو مذهب أبي حنيفة والأوزاعي، والشافعي وفقهاء المحدثين. ومن هؤلاء مَن يجيز تقديم زكاة عامين؛ أخذًا بهذا الحديث. ومنع ذلك مالك والليث، وهو قول عائشة وابن سيرين، فقالوا: لا يجوز تقديمها على وقت وجوبها كالصلاة. وعن مالك خلافٌ فيما قرب، وكأن هؤلاء لم يصحَّ عندهم الحديث - والله أعلم -، ولا ارتضوا ذلك التأويل.
وقيل في قوله ﷺ : (هي علي ومثلها)؛ أنه ﷺ كان قد تسلّف من العباس مالاً احتاج إليه في السبيل فقاصَّه به عند الحول. وهذا ما لا يختلف في جوازه، وحينئذ لا يكون حجة على جواز التقديم. وأما رواية البخاري، فنص في أنه تركها له ومثلها. وذلك لأنه كان قد فدى نفسه وعقيلاً، فكأنه كان غريمًا، وإليه يرد قوله:
стр. 1267
ثُمَّ قَالَ: (يَا عُمَرُ! أَمَا شَعَرتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنوُ أَبِيهِ).
رواه البخاري (١٤٦٨)، ومسلم (٩٨٣)، وأبو داود (١٦٢٣)، والنسائي (٥/ ٣٣).
* * *
ــ
(وهي له ومثلها)، ويحتمل: فهي له عليَّ كما تقدم. وبحسب هذه التأويلات تنزل عليه الأحكام.
وقوله: (ما ينقم ابن جميل)؛ أي: ما يعيب، يقال: نقَم ينقِم، ونقَم ينقُم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنهُم إِلا أَن يُؤمِنُوا﴾ وقال الشاعر (١):
ما نقم الناس من أمّيةَ ... إلا أنهم يحلمون إن غضبوا
وإنهم سادة الملوك ... ولا تصلح إلا عليهم العرب
وقوله: (أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه)؛ أي: يرجع مع أبيه إلى أصل واحد، ومنه قوله تعالى: ﴿صِنوَانٌ وَغَيرُ صِنوَانٍ﴾ وأصله من النخلتين والنخلات التي ترجع إلى أصل واحد. والصِّنوَان: جمع صِنو، كقِنوَان وقِنو، ويجمع: أصناء؛ كأسماء، فإذا كثرت، قلت: الصِّنَّي والصُّنِيّ، وهذا تعظيم لحق العم، وهو مقتضٍ ومناسب لأن يحمل قوله ﷺ : (هي عليّ على أنه تحملها عنه؛ احترامًا له وميزة وإكرامًا، حتى لا يَتَعَرَّض له بطلبها أحد؛ إذ تحمّلها عنه رسول الله ﷺ .
стр. 1268
(٣) باب الأمر بزكاة الفطر، وعمن تخرج، ومماذا تخرج، ومتى تخرج ؟
[٨٥٣] عَن ابنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الفِطرِ مِن رَمَضَانَ
ــ
(٣) ومن باب: الأمر بزكاة الفطر
قوله: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر؛ جمهور أئمة الفتوى على أنها واجبة، وهو المنصوص عن مالك؛ محتجين بقوله: فرض فإن عرفه الشرعي أوجب. وبأنها داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وذهب بعض أهل العراق وبعض أصحاب مالك: إلى أنها سنَّة، ورأوا أن: فَرَضَ بمعنى: قَدَّرَ، وهو أصله في اللغة، كما قال تعالى: ﴿أَو تَفرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ولم يروها داخلة في عموم ما ذكر. وقال أبو حنيفة: هي واجبة وليست بفريضة؛ على مذهبه في الفرق بين الواجب والفرض.
وقوله: زكاة الفطر من رمضان؛ إشارة إلى وقت وجوبها. وقد اختلف فيه:
فعندنا وعند الشافعي: تجب بغروب الشمس من آخر رمضان. وقيل عنهما: بطلوع الفجر من يوم الفطر.
وذهب بعض المتأخرين من أصحابنا: إلى أنها تجب بطلوع الشمس من يوم الفطر، وسبب هذا الخلاف: أن الشرع قد أضاف هذه الزكاة للفطر، وهل هو الفطر المعتاد في سائر الشهور؟ فيكون الوجوب من وقت الغروب، أو الفطر المعتاد في كل يوم؟ فيكون من طلوع الشمس. أو المراد أول الفطر المأمور به يوم الفطر؟ فيكون من طلوع الفجر.
وقال ابن قتيبة: معنى صدقة الفطر؛ أي: صدقة النفوس، والفطرة: أصل الخلقة، وهذا بعيد، بل مردود بقوله:
стр. 1269
عَلَى كُلِّ نَفسٍ مِنَ المُسلِمِينَ، حُرٍّ أَو عَبدٍ، أَو رَجُلٍ، أَوِ امرَأَةٍ؛ صَغِيرٍ أَو كَبِيرٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَرَضَ زَكَاةَ الفِطرِ مِن رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ، صَاعًا مِن تَمرٍ، أَو صَاعًا مِن شَعِيرٍ؛ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَو عَبدٍ، ذَكَرٍ أَو أُنثَى مِنَ المُسلِمِينَ.
رواه أحمد (٣/ ٦٣)، والبخاري (١٥٠٤)، ومسلم (٩٨٤)، وأبو داود (١٦١١)، والترمذي (٦٧٦)، والنسائي (٥/ ٤٨)، وابن ماجه (١٨٢٦).
ــ
صدقة الفطر من رمضان، والأول أظهر.
وقوله: على كل نفس؛ يقتضي عموم النفوس أغنيائهم وفقرائهم. خلافًا لأصحاب الرأي في قولهم: لا تلزم من يحلّ له أخذها.
واختلف قول مالك وأصحابه في ذلك، ومشهور مذهبه: أنها تجب على من فضل عن قوته يوم الفطر بقدرها. ويدخل في ذلك العموم: الحاضر والبادي، خلافًا لليث، وربيعة والزهري وعطاء في قصر وجوبها على أهل الحواضر والقرى، دون أهل العمُود والخصوص (١).
وقوله: من المسلمين؛ دليل على أنها لا تخرج عن العبد الكافر، وهو قول الجمهور. وذهب الكوفيون وإسحاق وبعض السلف: إلى أنها تخرج عن العبيد الكفار.
وقد تأول الطحاوي قوله: من المسلمين: أنه عائدٌ إلى السادة المخرجين. وهذا لا يقتضيه مساق الحديث، فتأمله.
قلت: وظاهر هذا الحديث: أنه إنما قصد فيه إلى بيان مقدارها، ومن يقدر عليه، ولم يتعرض فيه لبيان من يخرجها عن نفسه ممن يخرجها عن غيره، بل
стр. 1270
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شمل الجميع؛ إذ قد ذكر فيهم العبد والصغير.
فأما الصغير: فلا خلاف عند من يقول: إنها تخرج بسببه؛ أنّ وليَّه هو الذي يخاطب بإخراجها؛ إذ الصبي لم يجر عليه بَعدُ قلم التكليف.
وأما العبد: فذهب الجمهور: إلى أنه ليس مخاطبًا بها؛ لأنه لا شيء له. ولو كان له مالٌ فسيده قادر على انتزاعه، خلافًا لداود، فإنه أوجبها على العبد؛ تمسكًا بلفظ العبد المذكور في الحديث هذا.
وقال: على السيد أن يتركه قبل الفطر فيكتسب ذلك القدر، وليس له منعه من ذلك في تلك المدة، كما لا يمنعه من صلاة الفرض.
ثم إذا تنزلنا على قول الجمهور في أنه لا يجب عليه شيء، فهل يخاطب سيده بإخراجها عنه أم لا؟ جمهورهم أيضًا: على أنه يجب ذلك عليه؛ لأنه تلزمه نفقته ومؤونته، وهذه من جملة المؤن، فإن المخاطَب بإخراجها المكلَّف الواجدَ لها حين الوجوب؛ عن نفسه وعن من تلزمه نفقته؛ بدليل ما رواه الدارقطني من حديث ابن عمر ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ بزكاة الفطر عن الصغير والكبير، والحر والعبد، ممن تمونون (١).
والصحيح ما في الأصل من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله ﷺ زكاة الفطر عن كل: صغير وكبير، وحرٍّ أو مملوك، فصرّح فيه بأنهم كانوا يخاطبون بإخراج زكاة الفطر عن غيرهم؛ وذلك الغير لا بدّ أن يكون بينه وبين المأمور بالإخراج ملابسة، وتلك الملابسة هي التي تكون مثل الملابسة التي تكون بين الصغير ووليه، والعبد وسيده، وهي القيام بما يحتاج إليه كل واحد منهما من المؤن.
وأما إخراجها عن الزوجة، فمذهب الجمهور أن ذلك يجب على الزوج. وقال الكوفيون: لا يلزم الرجل إخراجها عن زوجته، وإنما يلزمها هي أن تخرجها عن نفسها، وسببه ما تقدّم.
стр. 1271
[٨٥٤] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: كُنَّا نُخرِجُ، إِذ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطرِ عَن كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حُرٍّ أَو مَملُوكٍ، صَاعًا مِن طَعَامٍ، أَو صَاعًا مِن أَقِطٍ، أَو صَاعًا مِن شَعِيرٍ، أَو صَاعًا مِن تَمرٍ، أَو صَاعًا مِن زَبِيبٍ، فَلَم نَزَل نُخرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ عَلَينَا مُعَاوِيَةُ بنُ أَبِي سُفيَانَ، حَاجًّا أَو مُعتَمِرًا فَكَلَّمَ النَّاسَ عَلَى المِنبَرِ، فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ أَن قَالَ: إِنِّي أَرَى أَنَّ مُدَّينِ مِن سَمرَاءِ الشَّامِ، تَعدِلُ صَاعًا مِن تَمرٍ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا أَنَا فَلا أَزَالُ أُخرِجُهُ كَمَا كُنتُ أُخرِجُهُ أَبَدًا مَا عِشتُ.
ــ
وقوله: صاعًا من طعام، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من زبيب؛ الطعام هنا: هو القمح؛ بدليل ذكر الشعير.
وقد رواه أبو داود وقال: (أو صاعًا من حنطة) مكان: (من طعام). وهو حجة على من قال: لا تخرج من البُرّ، وهو خلاف شاذٌّ، وهو مسبوق بإجماع السلف، وهو حجة على من يقول: إنه يُخرج من البر نصف صاع، وهم جماعة من السلف وأبو حنيفة، واحتجوا بأحاديث لم يصحّ عند أهل الحديث شيء منها. وقال الليث: مدان بمد هشام، والأوزاعي: مدّان بمد أهل بلده. والجمهور على التمسك بما ذكرناه.
وقوله: أو صاعًا من أقط؛ حجة لعامة أهل العلم على من منع إخراج الأقط فيها، وهو الحسن (١)، وهو أحد قولي الشافعي. وقَصَر أشهب إخراجها على هذه الأصناف الأربعة المذكورة في الحديث، واختلف فيه قول مالك، فالمشهور عنه: أنه ألحق بهذه الأربعة ما في معناها من المُقتَاتات؛ كالذرة، والدّخن والسُلت (٢). وزاد ابن حبيب: العَلَس (٣). واختلف عنه في القطنية
стр. 1272
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: كُنَّا نُخرِجُ زَكَاةَ الفِطرِ مِن ثَلاثَةِ أَصنَافٍ: الأقِطِ، وَالتَمرٍ، وَالشَعِيرٍ.
رواه أحمد (٣/ ٩٨)، ومسلم (٩٨٥)، وأبو داود (١٦١٦)، والنسائي (٥/ ٥١ و ٥٣)، وابن ماجه (١٨٢٩).
[٨٥٥] وَعَنِ ابنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِإِخرَاجِ زَكَاةِ الفِطرِ أَن تُؤَدَّى قَبلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ.
رواه أحمد (٢/ ١٥١ و ١٥٧)، والبخاري (١٥٠٩)، ومسلم (٩٨٦)، وأبو داود (١٦١٠)، والترمذي (٦٧٧)، والنسائي (٥/ ٥٤).
* * *
ــ
، والسويق والتين إذا كان عيشًا لأهل البلد، وتفصيل هذا في الفقه.
وقوله: كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله ﷺ ؛ مثل هذا ملحق بالمسند المرفوع عند المحققين من الأصوليين؛ لأن مثل هذا لا يأمر به غير النبي ﷺ ، ولا يخفى مثله عنه، ولا يذكره الصحابي في معرض الاحتجاج، إلا وهو مرفوع إلى النبي ﷺ . وقد زاد في الرواية المتقدمة على هذه الثلاثة: الطعام، وصارت الأصناف المذكورة في الحديث أربعة.
وقول ابن عمر ﵁: أمر رسول الله ﷺ بإخراج زكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة، يعني: إلى صلاة يوم عيد الفطر، وبهذا الحديث قال جمهور العلماء. واستحسنّوه ليستغني بها المساكين عن السؤال في ذلك اليوم. وقد رُوي مرفوعًا: (أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم) (١). وكرهوا
стр. 1273
(٤) باب وجوب الزكاة في البقر والغنم، وإثم مانع الزكاة
[٨٥٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَا مِن صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي مِنهَا حَقَّهَا إِلا إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ صُفِّحَت لَهُ صَفَائِحَ
ــ
تأخيرها عن يوم الفطر. ورخص بعضهم في تأخيرها، وقاله مالك وأحمد بن حنبل، وجعله بعض شيوخنا خلافًا من قول مالك. وحاصل مشهور مذهب مالك: أن آخر يوم الفطر آخر وقت أدائها، وما بعد الفطر وقت قضائها، والله تعالى أعلم.
(٤) ومن باب: وجوب الزكاة في البقر والغنم
قوله: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها)؛ كذا صحت الرواية بهاء التأنيث المفردة، وظاهره: أنه عائدٌ على الفضة، فإنه أقرب مذكور، وهي مؤنثة، وحينئذ يبقى ذكر الذهب ضائعًا لا فائدة له. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحبَارِ وَالرُّهبَانِ لَيَأكُلُونَ أَموَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
وقد حُمِل هذا على الاكتفاء بذكر أحدهما عن الآخر، كما قال الشاعر (١):
نحن بما عندنا وأنت بِما ... عندك راضٍ والرأي مختلف
وقال الآخر:
لكل همٍّ من الهموم سعه ... والصبح والمسي لا بقاء معه
стр. 1274
مِن نَارٍ، فَأُحمِيَ عَلَيهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكوَى بِهَا جَنبُهُ، وَجَبِينُهُ وَظَهرُهُ، كُلَّمَا رَدَت أُعِيدَت لَهُ فِي يَومٍ كَانَ مِقدَارُهُ خَمسِينَ أَلفَ سَنَةٍ حَتَّى
ــ
وقيل: أعادها على معنى الكلمات المتقدمة، وكأنه قال: لا يؤدي من تلك الأمور المذكورات حقَّها. وأشبه من هذه الأوجه أن يقال: إن الذهب والفضة يقال عليهما: عينٌ لغةً، فأعاد عليها الضمير وهي مؤنثة، والله أعلم.
وهذا الحديث يدل على أن الذهب والبقر فيهما الزكاة. وإن لم يجئ ذكرهما في حديث جابر المتقدم، ولا في كتاب أبي بكر في الصدقة. على ما ذكره البخاري. ولا خلاف في وجوب الزكاة فيهما، وإن اختلفوا في نصاب البقر على ما يأتي.
وقوله: (فيكوى بها جبينُه وجنبُه وظهرُه)؛ قيل: إنما خُصَّت هذه المواضع بالكي دون غيرها من أعضائه لتقطيبه وجهه في وجه السائل، وازوراره عنه بجانبه، وانصرافه عنه بظهره.
وقوله: (كلما بَرَدَت أُعِيدَت)؛ كذا رواية السجزي، ولكافة الرواة: كلها رُدَّت، والأول هو الصواب، فتأمله فإنه هو المناسب للمعنى.
وقوله: ﴿فِي يَومٍ كَانَ مِقدَارُهُ خَمسِينَ أَلفَ سَنَةٍ﴾ قيل: معناه: لو حاسب فيه غير الله . الحسن: قدر مواقفهم للحساب. ابن اليمان: كل موقف منها ألف سنة (١).
وفي الحديث قال ﷺ : (والذي نفسي بيده! ليخفّف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة) (٢).
стр. 1275
يُقضَى بَينَ العِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَالإِبِلُ؟ قَالَ: وَلا صَاحِبُ إِبِلٍ لا يُؤَدِّي مِنهَا حَقَّهَا، وَمِن حَقِّهَا حَلَبُهَا يَومَ وِردِهَا، إِلا إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرقَرٍ، أَوفَرَ مَا كَانَت لا يَفقِدُ مِنهَا فَصِيلاً وَاحِدًا تَطَؤُهُ بِأَخفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيهِ أُولاهَا رُدَّ عَلَيهِ أُخرَاهَا فِي يَومٍ كَانَ مِقدَارُهُ خَمسِينَ أَلفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقضَى بَينَ العِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! فَالبَقَرُ وَالغَنَمُ؟ قَالَ: وَلا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلا غَنَمٍ لا يُؤَدِّي مِنهَا حَقَّهَا، إِلا إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرقَرٍ، لا يَفقِدُ مِنهَا شَيئًا، لَيسَ فِيهَا عَقصَاءُ وَلا جَلحَاءُ
ــ
وقوله: (بُطح لها)؛ أي: أُلقي على وجهه. قاله بعض المفسرين. وقال أهل اللغة: البطح: هو البسط كيف ما كان على الوجه أو غيره، ومنه: سميت بطحاء مكة؛ لانبساطها.
وقوله: (بقاع قَرقَرٍ)؛ أي: بموضع مستو واسع. وأصله: الموضع المنخفض الذي يستقرُّ فيه الماءُ، ويقال فيه: قاع، ويجمع: قِيعَة، وقيعان، مثل: جار وجيرة وجيران. وقال الثعالبي: إذا كانت الأرض مستوية مع الاتساع فهي الخَبت والجَدجَد والصحيح، ثم القاع والقرقر، والصفصف.
وقوله: (ليس فيهما عقصاء)؛ وهي الملتوِية القرن. ورَجُلٌ أعقصُ: فيه التواء وصعوبة أخلاق.
(ولا جلحاء)؛ وهي التي لا قرون لها. (ولا عضباء)؛ وهي المكسورة داخل القرن، وهو المشاش، وقد يكون العضب في الأذن، والمعضوب: الزَّمِن الذي لا حراك به. هذا معنى ما ذكره أبو عبيد. وقال ابن دريد: الأعضب: الذي انكسر أحد قرنيه. وقال غير هؤلاء: الأعضب في القرن والأذن: الذي انتهى القطع إلى نصفه فما فوقه.
وكانت لرسول الله ﷺ ناقة تسمّى: العضباء. ومن رواية مصعب عن مالك: وكانت تسمى: القصواء. وفي
стр. 1276
وَلا عَضبَاءُ تَنطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظلافِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيهِ أُولاهَا رُدَّ عَلَيهِ أُخرَاهَا فِي يَومٍ كَانَ مِقدَارُهُ خَمسِينَ أَلفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقضَى بَينَ العِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ).
ــ
حديث أنس: خطبنا رسول الله ﷺ على ناقته الجدعاء، وفي آخر: على ناقة خرماء. وفي آخر: مخضرمة (١).
قال أبو إسحاق الحربي: والعضب والجذع والخرم والقصو كله في الأذن. وقال أبو عبيدة: القصواء المقطوعة الأذن عرضًا، والمخضرمة: المستأصلة، والعضب: النصف فما فوقه. وقال الخليل: الخضرمة: قطع الأذن الواحدة.
وقوله: (كلما مرَّ عليه أولاها ردّ عليه أخراها)؛ هكذا صحت الرواية. فقيل: هو تغيير وقلب في الكلام، وصوابه كما جاء في رواية أبي صالح، عن أبي هريرة: (كلما مر عليه أخراها رُدَّ عليه أولاها).
قيل: وهكذا يستقيم الكلام؛ لأنه إنما يريدُّ الأول الذي قد مرَّ قبلُ، وأما الآخر فلم يمرّ بعد، فلا يقال فيه: ردَّت.
قلت: ويظهر لي أن الرواية الصحيحة ليس فيها تغيير؛ لأن معناها: أن أول الماشية كلَّما وصلت إلى آخر ما تمشي عليه تلاحقت بها أخراها، ثم إذا أرادت الأولى الرجوع بدأت الأخرى بالرجوع، فعادت الأخرى أولى، حتى تنتهي إلى آخره. وهكذا إلى أن يقضي الله بين العباد، والله تعالى أعلم.
وقوله: (تَطَؤُه بأظلافها): جمع ظلف، وهو: الظُفر من كلِّ دابة مشقوقة الرِّجل، ومن الإبل: الخف. ومن الخيل والبغال والحمير: الحافر.
стр. 1277
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! الخَيلُ؟ قَالَ: (الخَيلُ ثَلاثَةٌ، هِيَ لِرَجُلٍ وِزرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِترٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجرٌ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزرٌ. فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخرًا وَنِوَاءً عَلَى أَهلِ الإِسلامِ، فَهِيَ لَهُ وِزرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِترٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ لَم يَنسَ حَقَّ اللهِ فِي ظُهُورِهَا وَلا رِقَابِهَا، فَهِيَ لَهُ سِترٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجرٌ؛ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ لأَهلِ الإِسلامِ فِي مَرجٍ وَرَوضَةٍ، فَمَا أَكَلَت مِن ذَلِكَ المَرجِ أَوِ الرَّوضَةِ مِن شَيءٍ إِلا كُتِبَ لَهُ
ــ
وقوله: (ونِوَاءً لأهل الإسلام)، وهو بكسر النون والمدّ؛ أي: مُعاداةً. يقال: ناوأته نِواءً ومُنَاوأة: إذا عاديته. والوزر: الإثم.
وقد تعلق أبو حنيفة ومن يقول بوجوب الزكاة في الخيل بقوله: (ولم ينس حق الله في رقابها)؛ قال: وحق الله هو الزكاة.
ولا حجة فيه؛ لأن ذكر الحقِّ هنا مجمل غير مفسَّر، ثم يقال بموجبه؛ إذ قد يتعين فيها حقوق واجبة لله تعالى (١) في بعض الأوقات: كإخراجها في الجهاد، وحمل عليها في سبيل الله، والإحسان إليها الواجب، والصدقة بما يكتسب عليها إن دعت إلى ذلك ضرورة.
وقوله: (فهي له ستر)؛ أي: حجابٌ من سؤال الغير عند حاجته لركوب فرس؛ بدليل قوله: (تَقَنّيًا وتَعَفُّفًا)؛ أي: عن الناس.
وقوله: (وأما التي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله)؛ أي: أعدَّها، وهو من الربط، ومنه: الرباط. وهو حبس الرجل نفسَه وعُدَّتَه في الثغور تجاه العدو. و (استَنَّت)؛ أي: رعَت، ومنه قولهم: استَنَّت الفصال حتى القرعى (٢).
وقال ثابت: الاستنان: أن تَلجَّ في عدوها ذاهبة وراجعة.
والشرف: المرتفع من الأرض. وقال بعضهم: الشرف: الطَّلق، فكأنه يقول: جرت طلقًا، أو طلقين.
стр. 1278
عَدَدَ مَا أَكَلَت حَسَنَاتٌ، وَكُتِبَ لَهُ أَروَاثِهَا وَأَبوَالِهَا حَسَنَاتٌ، وَلا تَقطَعُ طِوَلَهَا، فَاستَنَّت شَرَفًا أَو شَرَفَينِ إِلا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا وَأَروَاثِهَا حَسَنَاتٍ، وَلا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهرٍ فَشَرِبَت مِنهُ وَلا يُرِيدُ أَن يَسقِيَهَا إِلا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَت حَسَنَاتٍ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! فَالحُمُرُ؟ قَالَ: مَا أُنزِلَ عَلَيَّ فِي الحُمُرِ شَيءٌ إِلا هَذِهِ الآيَةَ الفَاذَّةُ الجَامِعَةُ: فَمَن يَعمَل مِثقَالَ ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ ﴿وَمَن يَعمَل مِثقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾
رواه أحمد (٢/ ٢٦٢ و ٢٧٦)، ومسلم (٩٨٧)(٢٦)، وأبو داود (١٦٥٨ و ١٦٥٩)، والنسائي (٥/ ١٢ و ١٣).
[٨٥٧] وَمِن حديث جَابِرِ قَالَ: (ولا صَاحِبِ كَنزٍ لا يَفعَلُ فِيهِ حَقَّهُ،
ــ
وقوله: (ولا يريد أن يسقيها)؛ أي: يمنعها من شرب يضرُّ بها أو به؛ باحتباسها للشرب، فيفوته ما يؤمله، أو يقع به ما يخافه.
وقوله: (ما أُنزل عليَّ في الحُمُر شيء إلا هذه الآية الفاذَّة الجامعة)؛ أي: القليلة المثل، المتفردة بمعناها. الجامعة؛ أي: العامة الشاملة. وهو حجة للقائلين بالعموم فإن لفظة شيء من صيغ العموم، وهو مذهب الجمهور من الفقهاء والأصوليين.
وهذا منه ﷺ إشارة إلى أنه لم يفسِّر الله من أحكام الحُمُر وأحوالها، ما فسر له في الخيل والإبل وغيرها مما ذكره.
وقوله في حديث جابر: (ولا صاحب كنز)، قال الطبري: الكنز: كل شيء مجموع بعضه إلى بعض، في بطن الأرض كان أو على ظهرها. وقال ابن دريد: الكنز: كل شيء غَمَزتَهُ بيدك أو رِجلك في وعاء أو أرض.
قلت: وأصل الكنز: الضمُّ والجمع، ولا يختص ذلك بالذهب والفضة، ألا
стр. 1279
إِلا جَاءَه كَنزُه يَومَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقرَعَ، يَتبَعُهُ فَاتِحًا فَاهُ، فَإِذَا أَتَاهُ فَرَّ مِنهُ،
ــ
ترى قوله ﷺ : (ألا أخبركم (١) بخير ما يكنزه المرء: المرأة الصالحة) (٢)؛ أي: يضمُّه لنفسه ويجمعه.
واختلف في المراد بالكنز في الآية، فقال أكثرهم: هو كلُّ مال وجبت فيه الزكاة، فلم تُؤدَّ منه، ولا أُخرجت. وكل ما أخرجت زكاتُه فليس بكنز. وقيل: كل ما زاد على أربعة آلافٍ فهو كنز، وإن أدِّيت زكاته. وقيل: هو ما فضُل عن الحاجة. ولعل هذا كان في أول الإسلام عند ضيق الحال عليهم، والقول الأول هو الصحيح؛ بدليل هذا الحديث، وبما خرَّجه أبو داود عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ﴾ قال: كبُر ذلك على المسلمين، فقال عمر ﵁: أنا أفرّج عنكم، فانطلق، فقال: يا نبي الله! إنه كبُر على أصحابك هذه الآية، فقال رسول الله ﷺ : (إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليُطيِّبَ ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث - فذكر كلمة - لتكون لمن بعدكم، لتطيب لمن بعدكم) (٣)، قال: فكَبّر عمر ﵁، ثم قال له رسول الله ﷺ : (ألا أخبرك بخير ما يكنز المرءُ؟ المرأة الصالحة، إذا نظر إليها سرَّته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته) (٤).
وقوله: (إلا جاء يوم القيامة كنزهُ شجاعًا أقرع)، وفي أخرى: (إلا مثل)؛ أي: صُوّر له. وقيل: نُصِب وأقيم. من قولهم: مَثُلَ قائمًا؛ أي: منتصبًا. والشجاع من الحيات: هو الحية الذكر الذي يُواثب الفارس والراجل، ويقوم على ذنبه، وربما بلغ رأس الفارس، ويكون في الصحارى. وقيل: هو الثعبان. قال
стр. 1280
فَيُنَادِيهِ خُذ كَنزَكَ الَّذِي خَبَأتَهُ فَأَنَا عَنهُ غَنِيٌّ، فَإِذَا رَأَى أَلَاّ بُدَّ مِنهُ، سَلَكَ يَدَهُ فِي فِيهِ فَيَقضَمُهَا قَضمَ الفَحلِ).
وَفِيهِ: قَالَ رَجُلٌ: مَا حَقُّ الإِبِلِ؟ قَالَ: (حَلَبُهَا عَلَى المَاءِ، وَإِعَارَةُ دَلوِهَا، وَإِعَارَةُ فَحلِهَا وَمَنِيحَتُهَا وَحَملٌ عَلَيهَا فِي سَبِيلِ اللهِ).
رواه أحمد (٣/ ٣٢١)، ومسلم (٩٨٨)(٢٧)، والنسائي (٥/ ٢٧).
ــ
اللّحياني: يقال للحية: شجاع. وثلاثة أشجِعَة، ثم شُجعان. والأقرع من الحيات: الذي تَمَعَّط رأسه وابيَضَّ من السم، ومن الناس: الذي لا شَعر له في رأسه [لِتَقَرُّحِه].
وفي غير كتاب مسلم من الزيادة: (له زبيبتان)، وهما الزبيبتان في جانبي فيه من السم، ويكون مثلهما في شدقي الإنسان عند كثرة الكلام. وقيل: نكتتان على عينيه، وما هو على هذه الصفة من الحيات هو أشدّ أذى. قال الداودي: وقيل: هما نابان يخرجان من فِيه.
وقوله: (فيناديه: خذ كنزك الذي خبأته فأنا عنه غنيٌ)؛ كذا وقع لنا فيما رأيناه من النسخ، وفي الكلام خرم يتلفق بتقدير محذوف، وهو: فيقول: فأنا عنه غنيٌ، وحينئذ يلتئم الكلام، فتأمَّله، وكثيرًا ما يحذف القول الذي للحكاية كقوله: ﴿إِنَّمَا نُطعِمُكُم لِوَجهِ اللَّهِ﴾؛ أي: يقولون: إنما.
وقوله: (فإذا رأى أن لا بدّ منه سلك يده في فيه فيقضمها قضم الفحل)
معنى سلك: أدخل. ويقضمها: يأكلها. يقال: قَضَمَت الدابة شعيرها، تقضمه، والقضم بأطراف الأسنان، والخضم: بالفم كله. وقيل: القضم: أكل اليابس، والخضم: أكل الرطب، ومنه قول عمر بن عبد العزيز ﵁: تخضمون ونقضم والموعد الله.
وقوله: ما حق الإبل؟ فقال: (حلبها على الماء) إلخ. ظاهر هذا السؤال والجواب: أن هذا هو الحق المُتَوَعَّد عليه فيما تقدّم حين ذكر الإبل، وأنه
стр. 1281
[٨٥٨] وَعَنِ الأَحنَفِ بنِ قَيسٍ قَالَ: قَدِمتُ المَدِينَةَ، فَبَينَا أَنَا فِي حَلقَةٍ فِيهَا مَلأٌ مِن قُرَيشٍ إِذ جَاءَ رَجُلٌ أَخشَنُ الثِّيَابِ، أَخشَنُ الجَسَدِ، أَخشَنُ الوَجهِ، فَقَامَ عَلَيهِم، فَقَالَ: بَشِّرِ الكَانِزِينَ بِرَضفٍ يُحمَى عَلَيهِ فِي نَارِ
ــ
كل الحق، مع أنه لم يتعرض فيه لذكر الزكاة.
وفي هذا الظاهر إشكال تزيله الرواية الأخرى التي ذكر فيها مِن التي هي للتبعيض، بل وقد جاء في رواية أخرى مفسَّرًا: (ما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها)، وكذلك قال في الغنم، وكأن بعض الرواة أسقط في هذه الرواية من وهي مرادةٌ ولا بدّ.
ثم ظاهره: أن هذه الخصال واجبة، ولا قائل به مطلقًا. ولعلَّ هذا الحديث خرج على وقت الحاجة، ووجوب المواساة، وحال الضرورة، كما كان في أول الإسلام. ويكون معنى هذا الحديث: أنه مهما تعينت هذه الحقوق ووجبت، فلم تفعل؛ تعلق بالممتنع من فعلها هذا الوعيد الشديد، والله أعلم.
وقوله: (حلبها يومَ وِردها، وحلبها على الماء)، كل ذلك بسكون اللام على المصدر، وهو الأصل في مصدر ما كان على فَعل يَفعُل، وقد جاء على فَعَل - بفتح العين - في الحلب، فأمّا الحَلَب: اسم اللبن، فبالفتح لا غير، وليس هذا موضعه.
وخصَّ حلب الإبل بموضع الماء ليكون أقرب على المحتاج والجائع، فقد لا يقدر على الوصول لغير مواضع الماء.
والمنحة: قال ابن دريد: أصلها أن يعطي الرجلُ الرجلَ ناقته يشرب لبنها، أو شاة، ثم صارت كلُّ عطيةٍ منحة. قال الفرَّاء: يقال: منحته أمنحُه [وأمنحَه]- بالضم والكسر -.
وقال أبو هريرة: حق الإبل أن تَنحَرَ السمينة، وتَمنَحَ الغزيرة، ويُفقِر الظهر، ويطرق الفحل، ويسقى اللبن.
وإفقار الظهر: هو إعارة فقار المركوب، وهو الظهر، كما قد جاء في الرواية الأخرى.
وقول الأحنف بن قيس: إذ جاء رجلٌ أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه؛ كذا صح هنا من رواية الكرمي بالخاء والشين المعجمتين، من الخشونة على وزن أفعَل، إلا أنه عند ابن الحذَّاء في الآخر: حسن الوجه. وقد
стр. 1282
جَهَنَّمَ، فَيُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَديِ أَحَدِهِم حَتَّى يَخرُجَ مِن نُغضِ كَتِفَيهِ وَيُوضَعُ عَلَى نُغضِ كَتِفَيهِ حَتَّى يَخرُجَ مِن حَلَمَةِ ثَديَيهِ يَتَزَلزَلُ. قَالَ: فَوَضَعَ القَومُ رُؤوسَهُم فَمَا رَأَيتُ أَحَدًا مِنهُم رَجَعَ إِلَيهِ شَيئًا، قَالَ: فَأَدبَرَ وَاتَّبَعتُهُ حَتَّى جَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ، فَقُلتُ: مَا رَأَيتُ هَؤُلاءِ إِلا كَرِهُوا مَا قُلتَ لَهُم، فَقَالَ:
ــ
رواه القابسي في البخاري: حسن الشعر والثياب والهيئة من الحسن. ولغيره: خشن من الخشونة، وهو الصواب إن شاء الله تعالى.
وقام عليهم: وقف عليهم. والملأ: الأشراف في أصله، وقد يقال على الجماعة، وهو مهموز مقصور.
وقوله: (بشر الكنازين)؛ أي: الجمَّاعين، ويروى: الكانزين، وهو بالنون عن الكنز. ووقع عند الهروي: الكاثرين، بالثاء المثلثة، [من الكثرة]، والأول أولى؛ لأنه إنما يقال للكثير المال: مكثر، لا كاثر. وأما الكاثر: فهو الشيء الكثير، يقال: كثير وكاثر وكُثَار، ومنه قول الشاعر (١):
. . . . . . . . . . . . . . . ... فإنما العزة للكاثر (٢)
والرضف: الحجارة المحمّاة. والحلمة: رأس الثدي للمرأة. والثندوة للرجل. ونُغض الكتف - بضم النون -: العظم الرقيق الذي في طرف الكتف، وهو الناغض، سمي بذلك لحركته، من قولهم: أنغض رأسه؛ أي: حرَّكه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَيُنغِضُونَ إِلَيكَ رُءُوسَهُم﴾؛ أي: يحركونها استهزاءً.
ويتزلزل - بزائين معجمتين؛ أي: يتحرك، يعني: الرضف يتزلزل من النغض إلى الحلمة. ووضع الناس رؤوسهم: أطرقوا متخشِّعين، أو مستثقلين، يدل عليه قوله: إن هؤلاء لا يعقلون شيئًا. ولم يرجع؛ أي: لم يرد. وأُحُد: جبل
стр. 1283
إِنَّ هَؤُلاءِ لا يَعقِلُونَ شَيئًا، إِنَّ خَلِيلِي أَبَا القَاسِمِ ﷺ دَعَانِي فَأَجَبتُهُ، فَقَالَ: (أَتَرَى أُحُدًا؟ ) فَنَظَرتُ مَا عَلَيَّ مِنَ الشَّمسِ، وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّهُ يَبعَثُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَقُلتُ: أَرَاهُ، فَقَالَ: (مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي مِثلَهُ ذَهَبًا أُنفِقُهُ كُلَّهُ إِلا ثَلاثَةَ دَنَانِيرَ)، ثُمَّ هَؤُلاءِ يَجمَعُونَ الدُّنيَا ولا يَعقِلُونَ شَيئًا، قَالَ: قُلتُ: مَا لك وَلإِخوَتِكَ قُرَيشٍ لا تَعتَرِيهِم وَتُصِيبُ مِنهُم، قَالَ: لا وَرَبِّكَ! لا أَسأَلُهُم عَن دِينَارٍ وَلا أَستَفتِيهِم عَن دِينٍ حَتَّى أَلحَقَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: بَشِّرِ الكَنَّازِينَ بِكَيٍّ فِي ظُهُورِهِم يَخرُجُ مِن جُنُوبِهِم،
ــ
معروف بالمدينة. واستفهامه له عن رؤيته لتحقق رؤيته حتى يُشّبه له به ما أراد بقوله: (ما يسرني أن لي مثله ذهبا).
وقوله: إلا ثلاثة دنانير؛ يعني: دينارًا يرصده لدين؛ أي: يؤخره. ودينارًا لأهله، ودينارًا لإعتاق رقبة، والله أعلم.
وقوله: ثم هؤلاء ظاهر احتجاج أبي ذر بهذا الحديث وشبهه: أن الكنز المتوعَّد عليه هو جمع ما فضل عن الحاجة، وهكذا نقل من مذهبه، وهو من شدائده ﵁، ومما انفرد به. وقد روي عنه خلافُ ذلك، وحمل إنكاره هذا على ما أخذه السلاطين لأنفسهم، وجمعوه لهم من بيت المال وغيره، ولذلك هجرهم، وقال: لا أسألهم دنيا، ولا أستفتيهم عن دين، والله أعلم.
ويعتريهم: يزورهم ويأتيهم بطلب منهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَطعِمُوا القَانِعَ وَالمُعتَرَّ﴾ وهو الزائر، يقال منه: أعروته واعتريته؛ أي: أتيته أطلب منه حاجة.
وهذا الحديث يدل على تفضيل الفقر على الغنى، وقد تقدمت المسألة.
والعطاء الذي سئل عنه أبو ذر؛ هو ما يعطاه الرجل من بيت المال على وجهٍ
стр. 1284
وَبِكَيٍّ مِن قِبَلِ أَقفَائِهِم يَخرُجُ مِن جِبَاهِهِم، قَالَ: ثُمَّ تَنَحَّى فَقَعَدَ، قَالَ: قُلتُ: مَن هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا أَبُو ذَرٍّ، قَالَ: فَقُمتُ إِلَيهِ، فَقُلتُ: مَا شَيءٌ سَمِعتُكَ تَقُولُ قُبَيلُ؟ قَالَ: مَا قُلتُ إِلا شَيئًا قَد سَمِعتُهُ مِن نَبِيِّهِم ﷺ قَالَ: قُلتُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا العَطَاءِ؟ قَالَ: خُذهُ؛ فَإِنَّ فِيهِ اليَومَ مَعُونَةً فَإِذَا كَانَ ثَمَنًا لِدِينِكَ فَدَعهُ.
رواه أحمد (٥/ ١٦٠)، والبخاري (١١٠٧)، ومسلم (٩٩٢).
* * *
ــ
يستحقُّه، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ لعمر: (ما أتاك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك) (١).
وقوله: فإذا كان ثمنًا لدِينِك فدعه؛ أي: إذا كنت لا تتوصل إليه إلا بوجه غير جائز، فلا تلتفت إليه، فإن سلامة الدِّين أهمُّ من نيل الدنيا، فكيف إذا انتهى الأمر، إلا أن لا يسلم دِين ولا تنال دنيا؟ ! ومن أخسر صفقة ممن خسر الآخرة والأولى؟ ! نعوذ بالله من سخطه.
* * *
стр. 1285
(٥) باب الحض على الصدقة والنفقة على العيال والأقربين
[٨٥٩] عَن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: خَرَجتُ لَيلَةً مِنَ اللَّيَالِي، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، يَمشِي وَحدَهُ، لَيسَ مَعَهُ إِنسَانٌ، قَالَ: فَظَنَنتُ أَنَّهُ يَكرَهُ أَن يَمشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ، قَالَ: فَجَعَلتُ أَمشِي فِي ظِلِّ القَمَرِ، فَالتَفَتَ فَرَآنِي، فَقَالَ: مَن هَذَا؟ فَقُلتُ: أَبُو ذَرٍّ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: يا أَبَا ذَرٍّ تَعَالَه، قَالَ: فَمَشَيتُ مَعَهُ سَاعَةً، فَقَالَ: (إِنَّ المُكثِرِينَ هُمُ المُقِلُّونَ يَومَ القِيَامَةِ، إِلا مَن أَعطَاهُ اللهُ خَيرًا، فَنَفَخَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَينَ يَدَيهِ وَوَرَاءَهُ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيرًا)، قَالَ: فَمَشَيتُ مَعَهُ سَاعَةً، فَقَالَ: (اجلِس هَاهُنَا)، قَالَ: فَأَجلَسَنِي فِي قَاعٍ حَولَهُ حِجَارَةٌ، فَقَالَ لِي: (اجلِس هاهُنَا حَتَّى أَرجِعَ إِلَيكَ)، قَالَ: فَانطَلَقَ فِي الحَرَّةِ حَتَّى لا أَرَاهُ فَلَبِثَ عَنِّي، فَأَطَالَ اللَّبثَ، ثُمَّ إِنِّي سَمِعتُهُ وَهُوَ مُقبِلٌ، وَهُوَ يَقُولُ: (وَإِن سَرَقَ وَإِن زَنَى)، قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ لَم أَصبِر، فَقُلتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ! جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، مَن تُكَلِّمُ فِي جَانِبِ الحَرَّةِ؟ مَا سَمِعتُ أَحَدًا
ــ
(٥) ومن باب: الحضّ على الصدقة
قوله: نفح - بالفاء والحاء المهملة -، ومعناه: أعطى، وأصله: الرمي بالشيء. ويمينه، وشماله، وبين يديه، ووراءه؛ كلُّها منصوبة على الظرف، معمولة لنفح، وذكر هذه الجهات كناية عن كثرة العطاء، فكأنه يعطي السُّؤَّال من أي جهة أتوه.
والقاع: المستوي من الأرض في انخفاض. والحرّة: الصحراء ذات الحجارة السود، وجمعها: حرات. وقد تقدّم الكلام على قوله: (وإن زنى وإن سرق) في كتاب الإيمان.
стр. 1286
يَرجِعُ إِلَيكَ شَيئًا. قَالَ: (ذَاكَ جِبرِيلُ عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الحَرَّةِ، فَقَالَ: بَشِّر أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَن مَاتَ لا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، فَقُلتُ: يَا جِبرِيلُ! وَإِن سَرَقَ وَإِن زَنَى؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: قُلتُ: وَإِن سَرَقَ وَإِن زَنَى؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: قُلتُ: وَإِن سَرَقَ وَإِن زَنَى؟ قَالَ: نَعَم. وَإِن شَرِبَ الخَمرَ).
رواه أحمد (٦/ ٣٩٥)، والبخاري (٢٣٨٨)، ومسلم (٩٤/ ٣٢)، والترمذي (٢٦٤٤)، والنسائي (١١٢٠) عمل اليوم والليلة.
[٨٦٠] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: (إِنَ اللهَ قَالَ لِي: أَنفِق أُنفِق عَلَيكَ).
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (يَمِينُ اللهِ مَلأَى لا يَغِيضُهَا،
ــ
وقوله: (يمين الله ملأى)؛ كذا صحت الرواية، وهي الصواب. ومن رواها ملآن فقد أخطأ، فإن اليمين اسم اليد، واليد مؤنثة. ونسبة اليمين إلى الله تعالى نسبة مجازية توسعية، عُبِّر بها عن كثرة العطاء، والقدرة عليه، [وحمل على هذه الاستعارة عادة التخاطب وحصول التفاهم] (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿لأَخَذنَا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ واليد: عبارة عن القدرة، وتسميتها باليمين: على ما تعارفناه فيما بيننا من أن القوة والبطش والتصرف إنما هو باليمين؛ ولأنه مشتق من اليمن والبركة.
وكذلك قال في حديث آخر: (وكلتا يديه يمين) (٢)؛ نافيًا لتوّهم النقص والقصور في حقه تعالى.
وكذلك كل ما أطلق على الله تعالى؛ مما يدل على الجوارح والأعضاء؛ كالأعين والأيدي والجنب والأصبع، وغير ذلك مما يلزم من ظاهره التجسيم، الذي تدل العقول بأوائلها على استحالته، فهي كلها
стр. 1287
سَحَّاءُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيتُم مَا أَنفَقَ مُنذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرضَ، فَإِنَّهُ لَم يَغِض مَا فِي يَمِينِهِ، قَالَ: وَعَرشُهُ عَلَى المَاءِ،
ــ
متأولة في حقه تعالى؛ لاستحالة حملها على ظواهرها (١).
وقوله: (سحاء) بالمد والهمز والرفع، على أنه خبر بعد خبر. والليل والنهار منصوبان على الظرف، متعلقان بما في سحاء من معنى الفعل، وهي الرواية المشهورة. وعند أبي بحر: سحاء منصوبًا منوَّنا على أنه مصدر صدره محذوف، يدل عليه قوة الكلام، كأنه قال: تَسُحّ سحًّا. ويكون من باب قوله:
ما إن تَمَسَّ الأرض إلا منكب ... منه وحرف الساق طيَّ المحمل
والسح: الصبّ الكثير، كما قال امرؤ القيس (٢):
فدمعهما سَكبٌ وسحٌّ وديمة (٣) ... . . . . . . . . . . . . .
ويغيضها: ينقصها. يقال: غاض الماء، وغضته، متعديا ولازما. وفاعله مضمر تدل عليه المشاهدة. تقديره: لا ينقصها شيء. وقد جاء هذا المضمر مظهرا في رواية ابن نمير. فقال: لا يغيضها شيء.
ووقع عند الطبري في حديث عبد الرزاق: لا يغيضها سحُّ الليل والنهار، برفع سح على أنه فاعل يغيضها.
وخفض الليل والنهار بالإضافة: على التوسع، كما قالوا: يا سارقَ الليلةِ أهل الدار.
وقوله: (وعرشه على الماء): العَرش: السرير في أصل اللغة، وهو من
стр. 1288
وَبِيَدِهِ الأُخرَى القَبضَ، يَرفَعُ وَيَخفِضُ).
ــ
الرفع كما تقدّم. وليس معناه في حق الله تعالى السرير، ولا المَحَلّ؛ إذ لو كان كذلك لكان محمولاً، ولكان مفتقرًا، ويلزم منه حدوثه، وإنما العرش المضاف إليه عبارة عن موجود عظيم، هو أعظم المخلوقات. خلقه الله على الماء، فاستولى عليه، بمعنى: أنه سخَّره كيف شاء.
قال كعب في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرشُهُ عَلَى المَاءِ﴾ إن الله تعالى بدأ الخلق ياقوتة خضراء، فنظر إليها بالهيبة فصارت ماء، ثم خلق عرشه عليه. وقال ابن عباس: وكان عرشه على الماء؛ أي: فوقه؛ إذ لم يخلق سماء ولا أرضًا.
وظاهر هذا الحديث: أن العرش حالة إخباره ﷺ هو على الماء كما قال كعب، وظاهر كلام ابن عباس: أنه لما خلق السماوات والأرض، أضيفت فوقية العرش إليهما.
وقوله: (وبيده الأخرى القبض)؛ ولم يقل اليسرى، ولا الشمال، اجتنابًا لما تضمنته ألفاظهما، ونفيًا لتوهم النقص؛ ولذلك قال: (وكلتا يديه يمين). ويفهم من إضافة اليدين إليه تعالى: قدرته على [المخلوقات] (١).
والقيض - بالقاف والياء باثنتين من أسفل. والقبض في الرواية الأولى: هو نقيض البسط، ولذلك اكتفى بذكره عن البسط، وصار هذا كقوله: (بِيَدِكَ الخَيرُ)، اكتفى به عن ذكر نقيضه، وهو الشرّ. ويكون هذا الحديث مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقبِضُ وَيَبسُطُ﴾؛ أي: يقبض الأرزاق، والأرواح، والقلوب، والأمور كلها، بالقبض اللائق بها (٢). ويبسطها ببسطها اللائق بها.
وقوله: (يرفع ويخفض)؛ أي: يعلي ويضع، ويعز ويذل، ويفعل ما يريد من الشيء ونقيضه.
стр. 1289
رواه أحمد (٢/ ٢٤٢ و ٥٠٠)، والبخاري (٤٦٨٤)، ومسلم (٩٩٣)(٣٦)، والترمذي (٣٠٤٥)، وابن ماجه (١٩٧).
[٨٦١] وَعَن ثَوبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (أَفضَلُ دِينَارٍ يُنفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَدِينَارٌ يُنفِقُهُ عَلَى أَصحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ). قَالَ أَبُو قِلابَةَ: وَبَدَأَ بِالعِيَالِ وَأَيُّ رَجُلٍ أَعظَمُ أَجرًا مِن رَجُلٍ يُنفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ يُعِفُّهُم أَو يَنفَعُهُمُ اللهُ بِهِ وَيُغنِيهِم.
رواه أحمد (٥/ ٢٧٩ و ٢٨٤)، ومسلم (٩٩٤)، وابن ماجه (٢٧٦٠).
[٨٦٢] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : دِينَارٌ أَنفَقتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ أَنفَقتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقتَ بِهِ عَلَى مِسكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنفَقتَهُ عَلَى أَهلِكَ، أَعظَمُ أَجرًا الَّذِي أَنفَقتَهُ عَلَى أَهلِكَ.
رواه مسلم (٩٩٥).
[٨٦٣] وَعَن أَنَسَ بنَ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَبُو طَلحَةَ أَكثَرَ أَنصَارِيٍّ
ــ
وقوله - في الدنانير المنفقة في طرق الخير -: (أعظمها أجرًا الذي تنفقه على أهلك)؛ هذا محمول على ما إذا استوت الحالة في الأهل والأجنبي، فلو كان أحدهما أحوج أو أوكد (١) لكان المنفق في الأوكد أعظم أجرًا، فإذا استوت المراتب، فترتيب الأعظم كما وقع في الحديث.
стр. 1290
بِالمَدِينَةِ مَالاً، وَكَانَ أَحَبُّ أَموَالِهِ إِلَيهِ بَيرَحَاء وَكَانَت مُستَقبِلَةَ المَسجِدِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدخُلُهَا وَيَشرَبُ مِن مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَامَ أَبُو طَلحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَموَالِي إِلَيَّ بَيرَحَاء، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرجُو بِرَّهَا وَذُخرَهَا عِندَ اللهِ، فَضَعهَا يَا رَسُولَ اللهِ! حيث شِئتَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
ــ
وقوله في حديث أبي طلحة: وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، رويت هذه اللفظة بكسر الباء بواحدة، وبفتح الراء وضمها وبمدها، وقصرها، فالنصب على أنه خبر كان، وحينئذ ترفع أحب على أنه اسمها، ورفع بير على أنه اسم كان، وحينئذ تنصب أحب على أنه خبرها. فأما مد حاء وقصرها فلغتان، وهو حائط نخل سمي بهذا الاسم، بموضع يعرف بقصر بني جديلة (١)، وليس ببئر؛ ولذلك قال الباجي: قرأت هذه اللفظة على أبي ذر الهروي بنصب الراء على كل حال، وعليه أدركت أهل العلم والحفظ بالمشرق. وقال لي الصوري: بيرحاء؛ بنصب الراء، قال: وبالرفع قرأناه على شيوخنا الأندلسيين.
وقد روى هذا الحرف في الأم: حماد بن سلمة: بَرِيحَاء بكسر الراء وفتح الباء.
وقوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قال الحسن: لن تكونوا أبرارًا حتى تبذلوا كبير أموالكم.
أبو بكر الوراق: لن تنالوا برِّي بكم حتى تبروا إخوانكم. قال ابن عباس ﵄: هو الجنَّة. وقال مجاهد (٢): ثواب البر.
стр. 1291
(بَخ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، قَد سَمِعتُ مَا قُلتَ فِيهَا، وَإِنِّي أَرَى أَن تَجعَلَهَا فِي الأَقرَبِينَ)، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ.
ــ
وقوله: (بخ)؛ بالإسكان والكسر من غير تنوين، وبالتنوين، وقد ذكر الأحمر (١) فيها التشديد. وقد روي فيها الرفع. وقال بعضهم: فإذا كرَّرت فالاختيار فيها التحريك والتنوين في الأول، والتسكين في الثاني.
قال أبو بكر: معناه: تعظيم الأمر وتفخيمه. وسكنت الخاء فيه كما سكنت اللام في هل وبل. ومن قال بخ بالخفض والتنوين شبهه بالأصوات، كصَهٍ ومَهٍ، وقال ابن السكيت: بَخٍ، بَخ وبَهٍ وبه.
وقوله: (ذلك مال رابح)؛ المشهور: رابح بالباء بواحدة من الربح. ووصف المال بالرابح؛ لأنه بسببه يربح، كما قال تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَت تِجَارَتُهُم﴾ وهذا مذهب العرب في لابن وتامر؛ أي: ذو لبن وتمر، كما قال النابغة:
كليني لهمٍّ يا أُمَيمةَ ناصبِ (٢) ... . . . . . . . . . . .
أي: ذو نصب.
وقد روي: رايح، بالياء باثنتين، اسم فاعل من راح، ومعناه: قربت الفائدة. وقيل: غير بعيد. وقال ابن دينار: يروح أجره عليه في الآخرة. وقال غيره: يروح عليه كلما أثمرت الثمار.
وفي هذا الحديث أبواب من الفقه:
منها: صحة الصدقة المطلقة، والحبس المطلق، وهو الذي لم يعين مصرفه، وبعد هذا يعين.
ومنها: صحة الوكالة؛ لقوله: (ضعه حيث شئت).
стр. 1292
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ اجعَلهَا فِي قَرَابَتِكَ، قَالَ: فَجَعَلَهَا فِي حَسَّانَ بنِ ثَابِتٍ وَأُبَيِّ بنِ كَعبٍ.
رواه أحمد (٣/ ١٤١)، والبخاري (١٤٦١)، ومسلم (٩٩٨).
[٨٦٤] وَعَن أَبِي مَسعُودٍ البَدرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ المُسلِمَ إِذَا أَنفَقَ عَلَى أَهلِهِ نَفَقَةً وَهُوَ يَحتَسِبُهَا كَانَت لَهُ صَدَقَةً).
رواه أحمد (٤/ ١٢٠ و ١٢٢)، والبخاري (٥٥)، ومسلم (١٠٠٢)، والنسائي (٥/ ٦٩).
* * *
ــ
ومنها: إطلاق لفظ الصدقة بمعنى الحُبُس.
وقد روي: أنها بقيت وقفًا بأيدي بني عمّه. وبه احتج غير واحد من العلماء على جواز تحبيس الأصول على الكوفيين. لكن قد روي من طريق صحيحة: أن حسَّان باع نصيبه من معاوية، فقيل له: تبيع صدقة أبي طلحة؟ فقال: ألا أبيع صاعًا من تمر بصاع من دراهم؟ وعلى هذا فلا يكون فيه ما يدل على صحة الوقف.
ومنها: مراعاة القرابة، وإن بَعُدوا في النسب؛ إذ بين أبي طلحة وحسَّان وأُبيّ آباء كثيرة، وإنما يجتمعان مع أبي طلحة في عمرو بن مالك بن النجار، [وهو السابع من آبائهم. وقال أبو عمر: إن حسَّان يجتمع معه في حرام]، وهو الجد الثالث، وأُبيّ يجتمع معه في عمرو، وهو الجد السابع، إلى غير ذلك، فتأمل ما فيه.
وقوله ﷺ : (إذا أنفق نفقة على أهله)؛ أي: على زوجته وولده. ومعنى يحتسبها: أي يقصد بها ثواب الله.
стр. 1293
(٦) باب فضل الصدقة على الزوج والولد اليتيم والأخوال
[٨٦٥] عَن زَينَبَ امرَأَةِ عَبدِ اللهِ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (تَصَدَّقنَ يَا مَعشَرَ النِّسَاءِ وَلَو مِن حُلِيِّكُنَّ). قَالَت: فَرَجَعتُ إِلَى عَبدِ اللهِ فَقُلتُ: إِنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ اليَدِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَد أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ. فَأتهِ، فَاسأَلهُ فَإِن كَانَ ذَلِكَ يَجزِي عَنِّي، وَإِلا صَرَفتُهَا إِلَى غَيرِكُم. فَقَالَت:
ــ
(٦) ومن باب: فضل الصدقة على الزوج والولد
قوله ﷺ : (تصدَّقنَ ولو من حُليِّكُنَّ)؛ احتج بظاهره من رأى أن الزكاة تجب في الحُليّ. ولا حجة فيه؛ لأنّا لا نُسَلّم أن هذه الصدقة هنا هي الواجبة بل التطوع؛ بدليل قوله: (ولو من حليكن)، فإنه ظاهر في الحث والحض على فعل الخير والمبالغة فيه؛ ألا ترى أنه قد سلك فيه مسلك قوله: (ردُّوا السائل ولو بظلف محرق) (١).
وقولها: (فإن كان ذلك يجزي عني وإلا صرفتها لغيركم)؛ لا يدل على أنها الصدقة الواجبة، وإنما ذلك لما وعظهن النبي ﷺ بقوله: (تصدَّقن فإني أُرِيتُكن أكثر أهل النار (٢)، بادرن هذا الأمر، وأخذن في التصدق؛ لتحصل لهن الوقاية من النار، فكأنها قالت: أَتَقِينِي هذه الصدقة من النار؟ وكأنها خافت إن تصدقت على زوجها ألا ينفعها ذلك، ولا يكون لها في ذلك أجر، ولذلك قال ﷺ لهما في جوابهما: (لهما أجران) ولم يقل: يجزئ، [أو] لا يجزئ، والله أعلم.
وقد روي
стр. 1294
فَقَالَ لِي عَبدُ اللهِ: بَلِ ائتِيهِ أَنتِ، قَالَت: فَانطَلَقتُ فَإِذَا امرَأَةٌ مِنَ الأَنصَارِ بِبَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَاجَتِي حَاجَتُهَا قَالَت: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَد أُلقِيَت عَلَيهِ المَهَابَةُ. قَالَت: فَخَرَجَ عَلَينَا بِلالٌ، فَقُلنَا لَهُ: ائتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَأَخبِرهُ أَنَّ امرَأَتَينِ بِالبَابِ تَسأَلانِكَ: أَتُجزِئُ الصَّدَقَةُ عَنهُمَا عَلَى أَزوَاجِهِمَا وَعَلَى أَيتَامٍ فِي حُجُورِهِمَا؟ وَلا تُخبِرهُ مَن نَحنُ. قَالَت: فَدَخَلَ بِلالٌ عَلَى
ــ
في غير مسلم: أن امرأة عبد الله بن مسعود كانت صناعًا، وأنها قالت: يا رسول الله! إني ذاتُ صنعةٍ أبيع منها، وليس لزوجي ولا لولدي شيء، فهل لي فيهم من أجر؟ وفي أخرى: أنها أخذت حُلِيَّها لِتَتصَّدَّقَ به، وقالت: لعل الله ألا يجعلني من أهل النار (١). وهذا يدل على أنها كانت صدقة تطوّع.
وممن قال بوجوب الزكاة في الحلي - وإن كان للباس - عمر وابن مسعود في جماعة من الصحابة، وابن المسيب وابن سيرين والزهري في جماعة من التابعين، وقاله الكوفيون.
وممن قال: لا زكاة فيه: ابن عمر على خلاف عنه، وجابر، وعائشة، وغيرهم من الصحابة والتابعين، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق، وأظهر قولي الشافعي. وفيه دليل على جواز المرأة من مالها بغير إذن زوجها، لكن فيما لا يجحف بحق الزوج مما يكون له بال، فأما ماله بال من مالها، فليس لها أن تخرجه بغير معاوضة، إلا بإذن الزوج، بدليل ما خرجه النسائي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يحل لامرأة أن تقضي في ذي بال من مالها إلا بإذن زوجها) (٢)، نقلته من حفظ وسماع لا من كتاب. وهذا مذهب مالك. والذي له بال عنده: الثلث فصاعدا.
والحلي عندنا على ثلاثة أضرب:
متخذ للباس، فلا زكاة فيه.
ومتخذ للتجارة، أو على غير الوجه المُسَوَّغ؛ وفيه الزكاة.
ومتخذ للكرى، وفيه خلاف؛ لتردُّده بينهما.
стр. 1295
رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَن هُمَا؟ ) فَقَالَ: امرَأَةٌ مِنَ الأَنصَارِ وَزَينَبُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (أَيُّ الزَّيَانِبِ؟ ) قَالَ: امرَأَةُ عَبدِ اللهِ بِن مَسعُود. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (لَهُمَا أَجرَانِ: أَجرُ القَرَابَةِ وَأَجرُ الصَّدَقَةِ).
رواه أحمد (٣/ ٥٠٢)، والبخاري (١٤٦٦)، ومسلم (١٠٠٠)، والنسائي (٥/ ٩٢ - ٩٣).
ــ
وقوله ﷺ : (لهما أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة)؛ أي: أجر صلة الرحم، وأجر منفعة الصدقة.
واختلف قول مالك في الصدقة الواجبة على القرابة غير الوالدين والولد، والزوجة، بالجواز والكراهية، ووجه هذه الكراهية مخافة الميل بالمدح بصلة الأرحام. فتفسد نية أداء الفرض، أو تضعف.
فأما الوالدان والولد الفقراء فلا تدفع الزكاة إليهم بالإجماع.
واختلفوا في المرأة: هل تُعطي منها زوجها؟ فأجازه الشافعي وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وأبو ثور، وأشهب؛ إذا لم يصرفها إليها فيما يلزمه لها، ولم يجزه مالك، ولا أبو حنيفة، واختلف فيه عن أحمد.
وليس إخبار بلال بالسائلتين اللتين [استكتمتاه] مَن هما بكشف أمانة سرٍّ؛ لوجهين:
الأول: أن بلالاً فهم أن ذلك ليس على الإلزام، وإنما كان ذلك منهما على أنهما رأتا أنه لا ضرورة تحوج إلى ذلك.
والثاني: أنه إنما أخبر بهما جوابًا لسؤال النبي ﷺ ، فرأى أن إجابة رسول الله ﷺ أهمُّ وأوجبُ من كتمان ما أمرتاه به. وهذا كله بناء على أنهما أمرتاه. ويحتمل أن يكون سؤالا للإسراع، ولا يجب إسعاف كل سؤال.
стр. 1296
[٨٦٦] وَعَن أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَت: قُلتُ يَا رَسُولَ اللهِ! هَل لِي أَجرٌ فِي بَنِي أَبِي سَلَمَةَ؟ أُنفِقُ عَلَيهِم وَلَستُ بِتَارِكَتِهِم هَكَذَا وَهَكَذَا إِنَّمَا هُم بَنِيَّ فَقَالَ: (نَعَم، لك فِيهِم أَجرُ مَا أَنفَقتِ عَلَيهِم).
رواه أحمد (٦/ ٢٩٢ و ٢٩٣)، والبخاري (١٤٦٧)، ومسلم (١٠٠١).
[٨٦٧] وَعَن مَيمُونَةَ بِنتِ الحَارِثِ، أَنَّهَا أَعتَقَت وَلِيدَةً فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: (لَو أَعطَيتِهَا أَخوَالَكِ كَانَ أَعظَمَ لأَجرِكِ).
رواه أحمد (٦/ ٣٣٢)، والبخاري (٢٥٩٢)، ومسلم (٩٩٩)(٤٤).
* * *
ــ
وقوله: (لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك)؛ هذا يدل على أن الصدقة على الأقارب أفضل من عتق الرقاب. وهو قول مالك.
وتخصيص الأخوال؛ إما لأنهم من جهة الأم، وللأم ثلاثة أرباع البر، وإما لأنهم كانوا أحوج. وهكذا صحت الرواية في كتاب مسلم: أخوالك، ووقع في البخاري من رواية الأصيلي: أخواتك بالتاء بدل أخوالك، ولعلّه الأصحّ، بدليل رواية مالك في الموطأ: ([أعطها] لأختكِ وصِلِيها بما ترعى عليها، فهو خير لك).
* * *
стр. 1297
(٧) باب الصدقة على الأم المشرِكة، وعن الأم الميتة
[٨٦٨] عَن أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ، قَالَت: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَ أُمِّي قَدِمَت عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَو رَاهِبَة أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: (نَعَم).
وَفِي رِوَايَةٍ: قال: نعم صلي أمك.
رواه أحمد (٦/ ٣٤٤ و ٣٤٧)، والبخاري (٥٩٧٩)، ومسلم (١٠٠٣).
[٨٦٩] وَعَن عَائِشَةَ، أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ: إِنَّ أُمِّيَ افتُلِتَت نَفسَهَا، وَلَم تُوصِ، وَأَظُنُّهَا لَو تَكَلَّمَت تَصَدَّقَت. . . . .
ــ
(٧) ومن باب: الصدقة على الأم المشركة وعن الأم الميتة
قولها: إن أمي قدمت عليّ وهي راغبة أو راهبة: قد جاء هذا في رواية أخرى: راغبة، بغير شك، وهو الأصح. واختلف في معناه: فقيل: راغبة عن الإسلام؛ أي: كارهة فيه. وقيل: راغبة فيما تعطيها. وذكره أبو داود وقال: قدمت عليّ أمي راغبة في عهد قريش، وهي راغمة؛ أي: مشركة؛ فالأول بالباء؛ أي: طالبة صلتي. والثاني بالميم؛ أي: كارهة للإسلام، ساخطة له.
وأمّها هذه هي: قَبِلَةُ بنت عبد العزّى العامرية القرشية. ويقال: قتيلة. وقيل فيها نزل قوله تعالى: ﴿لا يَنهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَم يُقَاتِلُوكُم فِي الدِّينِ وَلَم يُخرِجُوكُم مِن دِيَارِكُم أَن تَبَرُّوهُم﴾ وفيه صلة الأبوين المشركين كما قال تعالى: ﴿وَصَاحِبهُمَا فِي الدُّنيَا مَعرُوفًا﴾
وقوله: [إن] أمي افتُلِتت نفسها: الرواية المعروفة عند الجمهور: افتُلِتَت
стр. 1298
أَفَلَهَا أَجرٌ إِن تَصَدَّقتُ عَنهَا؟ قَالَ: نَعَم.
رواه أحمد (٦/ ٥١)، والبخاري (٢٧٦٠)، ومسلم (١٠٠٤)، والنسائي (٦/ ٢٥٠).
[٨٧٠] وَعَن حُذَيفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (كُلُّ مَعرُوفٍ صَدَقَةٌ).
رواه أحمد (٥/ ٣٨٣ و ٣٩٧)، ومسلم (١٠٠٥)، وأبو داود (٤٩٤٧).
* * *
ــ
- بالفاء - مبنيًّا لما لم يسمَّ فاعلُه؛ أي: ماتت فلتة؛ أي: فجأة. ونفسها: بالرفع والنصب، فالرفع على أنه المفعول الذي لم يسمّ فاعلُه، والنصب على أنه المفعول الثاني بإسقاط حرف الجر، والأول مضمر، وهو المقام مقام الفاعل.
ورواه ابن قتيبة: اقتتلت - بالقاف -، وفسره بأنها كلمة تقال لمن مات فجأة، وتقال أيضًا لمن قتلته الجنّ والعشق.
وقوله: فهل لها أجر إن تصدّقتُ عنها؛ الرواية الصحيحة بكسر الهمزة من إن على الشرطية، ولا يصح قولُ مَن فتحها؛ لأنه إنما سأل عما لم يفعله.
ولم يُختَلف في مقتضى هذا الحديث، وهو: أن الصدقة بالمال نافعة للميت. واختلف في عمل الأبدان هل ينفع الميت إذا فعل عنه؟ فمن حمله على المال قال: ينفعه، ومن لم يحمله عليه وأخذ بقوله تعالى: ﴿وَأَن لَيسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ قال: لا ينفعه. وسيأتي كمال هذه المسألة في الصوم والحج إن شاء الله تعالى.
وقوله: (كل معروف صدقة)؛ أي: كل ما يفعل من أعمال البرّ والخير، كان ثوابه كثواب من تصدق بالمال، والله أعلم.
стр. 1299
(٨) باب الابتداء في الصدقة بالأهم فالأهم
[٨٧١] عَن جَابِرٍ قَالَ: أَعتَقَ رَجُلٌ مِن بَنِي عُذرَةَ عَبدًا لَهُ عَن دُبُرٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَبِي ﷺ فَقَالَ: (أَلَكَ مَالٌ غَيرُهُ؟ ) فَقَالَ: لا، فَقَالَ: (مَن
ــ
(٨) ومن باب: الابتداء بالصدقة بالأهم فالأهم
قوله: أعتق رجل من بني عذرة، وجاء في رواية أخرى في الأم؛ أن هذا الرجل من الأنصار، واسمه: أبو مذكور.
وهذا الحديث حجة للشافعي، ومن قال بقوله على جواز بيع المدبر. وأن التدبير ليس بلازم كالوصية. وخالفه في ذلك مالك ومن قال بقوله. فقال: إنه لا يجوز بيعه إلا إن استغرقه دين بعد الموت، قال مالك: وهو الأمر المجمع عليه عندنا.
وعلى هذا: فظاهر هذا الحديث متروك بدليل هذا العمل المجمع عليه، فيتعين تأويل هذا الحديث عند من يرجح العمل المنقول على أخبار الآحاد، وهو مذهب مالك. وقد حمل أصحابنا هذا الحديث: على أنه إنما باعه النبي ﷺ في دين متقدّم على التدبير، ويعتضد هذا: بأن النبي ﷺ تولى بيع المدبر بنفسه، كما يتولى الحاكم بيع مال المفلس. وأحالت الشافعية لهذا التأويل: بأنه ﷺ قال للرجل لما دفع إليه ثمن المدبر: (ابدأ بنفسك فتصدق عليها)؛ قالوا: ولو كان هنالك دين لكان الابتداء به أولى، ولقال له: ابدأ بدينك.
قال بعض أصحابنا: إن قوله: (ابدأ بنفسك)؛ متضمن لذلك؛ لأن قوله: (ابدأ بنفسك)؛ إنما يعني به ابدأ بحقوقها. ومن أعظم حقوقها تخليصها من الدَّين الذي هي مرتهنة به. ومما احتج به أصحابنا [بأن] المدبر لا يباع ولا يوهب: حديث ابن عمر، وهو أنه ﷺ قال: (المدبر لا يباع ولا يوهب، وهو حر من الثلث) (١)، وصحيحه موقوف على ابن عمر، والذي استدل به مالك ما تقدّم.
стр. 1300
يَشتَرِيهِ مِنِّي؟ ) فَاشتَرَاهُ نُعَيمُ بنُ عَبدِ اللهِ العَدَوِيُّ بِثَمَانِمِائَةِ دِرهَمٍ، فَجَاءَ بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَدَفَعَهَا إِلَيهِ. ثُمَّ قَالَ: (ابدَأ بِنَفسِكَ فَتَصَدَّق عَلَيهَا، فَإِن فَضَلَ شَيءٌ فَلأَهلِكَ، فَإِن فَضَلَ عَن أَهلِكَ شَيءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِن فَضَلَ عَن ذِي قَرَابَتِكَ شَيءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا). تَقُولُ: فَبَينَ يَدَيكَ وَعَن يَمِينِكَ وَعَن شِمَالِكَ.
رواه أحمد (٣/ ٣٦٩)، ومسلم (٩٩٧)، وأبو داود (٣٩٥٧)، والنسائي (٧/ ٣٠٤).
* * *
(٩) باب أعمال البر صدقات
[٨٧٢] عَن أَبِي ذَرٍّ، أَنَّ نَاسًا مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا لِلنَّبِيِّ: يَا رَسُولَ اللهِ! ذَهَبَ أَهلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَموَالِهِم قَالَ: (أَوَلَيسَ قَد جَعَلَ اللهُ لَكُم
ــ
وقوله: (فإن فضل شيء)؛ المعروف: فضِل بكسر الضاد، وهي لغة. و [يقال] بفتحها، وهي اختيار الجوهري.
وهذا الحديث دليل على مراعاة الأوكد فالأوكد.
(٩) ومن باب: أعمال البر صدقات
قد تقدّم القول على الدثور، وعلى تفضيل الفقر في كتاب الصلاة. ومقصود هذا الحديث: أن أعمال الخير إذا حسنت النيات فيها تنزلت منزلة الصدقات في الأجور، ولا سيما في حق من لا يقدر على الصدقة. ويفهم منه: أن الصدقة في حق القادر عليها أفضل له من سائر الأعمال القاصرة على فاعلها.