[٨٦٦] وَعَن أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَت: قُلتُ يَا رَسُولَ اللهِ! هَل لِي أَجرٌ فِي بَنِي أَبِي سَلَمَةَ؟ أُنفِقُ عَلَيهِم وَلَستُ بِتَارِكَتِهِم هَكَذَا وَهَكَذَا إِنَّمَا هُم بَنِيَّ فَقَالَ: (نَعَم، لك فِيهِم أَجرُ مَا أَنفَقتِ عَلَيهِم).
رواه أحمد (٦/ ٢٩٢ و ٢٩٣)، والبخاري (١٤٦٧)، ومسلم (١٠٠١).
[٨٦٧] وَعَن مَيمُونَةَ بِنتِ الحَارِثِ، أَنَّهَا أَعتَقَت وَلِيدَةً فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: (لَو أَعطَيتِهَا أَخوَالَكِ كَانَ أَعظَمَ لأَجرِكِ).
رواه أحمد (٦/ ٣٣٢)، والبخاري (٢٥٩٢)، ومسلم (٩٩٩)(٤٤).
* * *
ــ
وقوله: (لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك)؛ هذا يدل على أن الصدقة على الأقارب أفضل من عتق الرقاب. وهو قول مالك.
وتخصيص الأخوال؛ إما لأنهم من جهة الأم، وللأم ثلاثة أرباع البر، وإما لأنهم كانوا أحوج. وهكذا صحت الرواية في كتاب مسلم: أخوالك، ووقع في البخاري من رواية الأصيلي: أخواتك بالتاء بدل أخوالك، ولعلّه الأصحّ، بدليل رواية مالك في الموطأ: ([أعطها] لأختكِ وصِلِيها بما ترعى عليها، فهو خير لك).
* * *
стр. 1297
(٧) باب الصدقة على الأم المشرِكة، وعن الأم الميتة
[٨٦٨] عَن أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ، قَالَت: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَ أُمِّي قَدِمَت عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَو رَاهِبَة أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: (نَعَم).
وَفِي رِوَايَةٍ: قال: نعم صلي أمك.
رواه أحمد (٦/ ٣٤٤ و ٣٤٧)، والبخاري (٥٩٧٩)، ومسلم (١٠٠٣).
[٨٦٩] وَعَن عَائِشَةَ، أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ: إِنَّ أُمِّيَ افتُلِتَت نَفسَهَا، وَلَم تُوصِ، وَأَظُنُّهَا لَو تَكَلَّمَت تَصَدَّقَت. . . . .
ــ
(٧) ومن باب: الصدقة على الأم المشركة وعن الأم الميتة
قولها: إن أمي قدمت عليّ وهي راغبة أو راهبة: قد جاء هذا في رواية أخرى: راغبة، بغير شك، وهو الأصح. واختلف في معناه: فقيل: راغبة عن الإسلام؛ أي: كارهة فيه. وقيل: راغبة فيما تعطيها. وذكره أبو داود وقال: قدمت عليّ أمي راغبة في عهد قريش، وهي راغمة؛ أي: مشركة؛ فالأول بالباء؛ أي: طالبة صلتي. والثاني بالميم؛ أي: كارهة للإسلام، ساخطة له.
وأمّها هذه هي: قَبِلَةُ بنت عبد العزّى العامرية القرشية. ويقال: قتيلة. وقيل فيها نزل قوله تعالى: ﴿لا يَنهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَم يُقَاتِلُوكُم فِي الدِّينِ وَلَم يُخرِجُوكُم مِن دِيَارِكُم أَن تَبَرُّوهُم﴾ وفيه صلة الأبوين المشركين كما قال تعالى: ﴿وَصَاحِبهُمَا فِي الدُّنيَا مَعرُوفًا﴾
وقوله: [إن] أمي افتُلِتت نفسها: الرواية المعروفة عند الجمهور: افتُلِتَت
стр. 1298
أَفَلَهَا أَجرٌ إِن تَصَدَّقتُ عَنهَا؟ قَالَ: نَعَم.
رواه أحمد (٦/ ٥١)، والبخاري (٢٧٦٠)، ومسلم (١٠٠٤)، والنسائي (٦/ ٢٥٠).
[٨٧٠] وَعَن حُذَيفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (كُلُّ مَعرُوفٍ صَدَقَةٌ).
رواه أحمد (٥/ ٣٨٣ و ٣٩٧)، ومسلم (١٠٠٥)، وأبو داود (٤٩٤٧).
* * *
ــ
- بالفاء - مبنيًّا لما لم يسمَّ فاعلُه؛ أي: ماتت فلتة؛ أي: فجأة. ونفسها: بالرفع والنصب، فالرفع على أنه المفعول الذي لم يسمّ فاعلُه، والنصب على أنه المفعول الثاني بإسقاط حرف الجر، والأول مضمر، وهو المقام مقام الفاعل.
ورواه ابن قتيبة: اقتتلت - بالقاف -، وفسره بأنها كلمة تقال لمن مات فجأة، وتقال أيضًا لمن قتلته الجنّ والعشق.
وقوله: فهل لها أجر إن تصدّقتُ عنها؛ الرواية الصحيحة بكسر الهمزة من إن على الشرطية، ولا يصح قولُ مَن فتحها؛ لأنه إنما سأل عما لم يفعله.
ولم يُختَلف في مقتضى هذا الحديث، وهو: أن الصدقة بالمال نافعة للميت. واختلف في عمل الأبدان هل ينفع الميت إذا فعل عنه؟ فمن حمله على المال قال: ينفعه، ومن لم يحمله عليه وأخذ بقوله تعالى: ﴿وَأَن لَيسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ قال: لا ينفعه. وسيأتي كمال هذه المسألة في الصوم والحج إن شاء الله تعالى.
وقوله: (كل معروف صدقة)؛ أي: كل ما يفعل من أعمال البرّ والخير، كان ثوابه كثواب من تصدق بالمال، والله أعلم.
стр. 1299
(٨) باب الابتداء في الصدقة بالأهم فالأهم
[٨٧١] عَن جَابِرٍ قَالَ: أَعتَقَ رَجُلٌ مِن بَنِي عُذرَةَ عَبدًا لَهُ عَن دُبُرٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَبِي ﷺ فَقَالَ: (أَلَكَ مَالٌ غَيرُهُ؟ ) فَقَالَ: لا، فَقَالَ: (مَن
ــ
(٨) ومن باب: الابتداء بالصدقة بالأهم فالأهم
قوله: أعتق رجل من بني عذرة، وجاء في رواية أخرى في الأم؛ أن هذا الرجل من الأنصار، واسمه: أبو مذكور.
وهذا الحديث حجة للشافعي، ومن قال بقوله على جواز بيع المدبر. وأن التدبير ليس بلازم كالوصية. وخالفه في ذلك مالك ومن قال بقوله. فقال: إنه لا يجوز بيعه إلا إن استغرقه دين بعد الموت، قال مالك: وهو الأمر المجمع عليه عندنا.
وعلى هذا: فظاهر هذا الحديث متروك بدليل هذا العمل المجمع عليه، فيتعين تأويل هذا الحديث عند من يرجح العمل المنقول على أخبار الآحاد، وهو مذهب مالك. وقد حمل أصحابنا هذا الحديث: على أنه إنما باعه النبي ﷺ في دين متقدّم على التدبير، ويعتضد هذا: بأن النبي ﷺ تولى بيع المدبر بنفسه، كما يتولى الحاكم بيع مال المفلس. وأحالت الشافعية لهذا التأويل: بأنه ﷺ قال للرجل لما دفع إليه ثمن المدبر: (ابدأ بنفسك فتصدق عليها)؛ قالوا: ولو كان هنالك دين لكان الابتداء به أولى، ولقال له: ابدأ بدينك.
قال بعض أصحابنا: إن قوله: (ابدأ بنفسك)؛ متضمن لذلك؛ لأن قوله: (ابدأ بنفسك)؛ إنما يعني به ابدأ بحقوقها. ومن أعظم حقوقها تخليصها من الدَّين الذي هي مرتهنة به. ومما احتج به أصحابنا [بأن] المدبر لا يباع ولا يوهب: حديث ابن عمر، وهو أنه ﷺ قال: (المدبر لا يباع ولا يوهب، وهو حر من الثلث) (١)، وصحيحه موقوف على ابن عمر، والذي استدل به مالك ما تقدّم.
стр. 1300
يَشتَرِيهِ مِنِّي؟ ) فَاشتَرَاهُ نُعَيمُ بنُ عَبدِ اللهِ العَدَوِيُّ بِثَمَانِمِائَةِ دِرهَمٍ، فَجَاءَ بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَدَفَعَهَا إِلَيهِ. ثُمَّ قَالَ: (ابدَأ بِنَفسِكَ فَتَصَدَّق عَلَيهَا، فَإِن فَضَلَ شَيءٌ فَلأَهلِكَ، فَإِن فَضَلَ عَن أَهلِكَ شَيءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِن فَضَلَ عَن ذِي قَرَابَتِكَ شَيءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا). تَقُولُ: فَبَينَ يَدَيكَ وَعَن يَمِينِكَ وَعَن شِمَالِكَ.
رواه أحمد (٣/ ٣٦٩)، ومسلم (٩٩٧)، وأبو داود (٣٩٥٧)، والنسائي (٧/ ٣٠٤).
* * *
(٩) باب أعمال البر صدقات
[٨٧٢] عَن أَبِي ذَرٍّ، أَنَّ نَاسًا مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا لِلنَّبِيِّ: يَا رَسُولَ اللهِ! ذَهَبَ أَهلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَموَالِهِم قَالَ: (أَوَلَيسَ قَد جَعَلَ اللهُ لَكُم
ــ
وقوله: (فإن فضل شيء)؛ المعروف: فضِل بكسر الضاد، وهي لغة. و [يقال] بفتحها، وهي اختيار الجوهري.
وهذا الحديث دليل على مراعاة الأوكد فالأوكد.
(٩) ومن باب: أعمال البر صدقات
قد تقدّم القول على الدثور، وعلى تفضيل الفقر في كتاب الصلاة. ومقصود هذا الحديث: أن أعمال الخير إذا حسنت النيات فيها تنزلت منزلة الصدقات في الأجور، ولا سيما في حق من لا يقدر على الصدقة. ويفهم منه: أن الصدقة في حق القادر عليها أفضل له من سائر الأعمال القاصرة على فاعلها.
стр. 1301
مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكبِيرَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَحمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمرٌ بِالمَعرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهيٌ عَن المُنكَرِ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضعِ أَحَدِكُم صَدَقَةٌ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجرٌ؟ قَالَ: (أَرَأَيتُم لَو وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ، أَكَانَ عَلَيهِ فِيهَا وِزرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الحَلالِ كَانَ لَهُ أَجرٌ).
رواه أحمد (٥/ ١٦٧ و ١٦٨)، ومسلم (٧٢٠) و (١٠٠٦)، وأبو داود (٥٢٤٣ و ٥٢٤٤).
[٨٧٣] وَعَن عَائِشَةَ قَالَت: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إِنسَانٍ مِن بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلاثِمِائَةِ مَفصِلٍ، فَمَن كَبَّرَ اللهَ، وَحَمِدَ اللهَ،
ــ
وقوله: (في بضع أحدكم صدقة)، البضع بضم الباء: الجماع، وأصله: الفرج. قال الأصمعي: يقال: ملك فلان بضع فلانة: إذا ملك عقد نكاحها، وهو كناية عن موضوع الغشيان، والمباضعة: المباشرة، والاسم: البضع. وفيه دليل: على أن النيات الصادقات تصرف المباحات إلى الطاعات.
وقولهم: أياتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ استفهام من استبعد حصول أجر بفعل مستلذ، يحث الطبع عليه، وكأن هذا الاستبعاد إنما وقع من تصفُّح الأكثر من الشريعة، وهو أن الأجور إنما تحصل في العبادات الشاقة على النفوس المخالفة لها. ثم إنه ﷺ أجابهم على هذا بقياس العكس، فقال: (أرأيتم لو وضعها في حرام؟ ) ونظمه: كما يأثم في ارتكاب الحرام، يؤجر في فعل الحلال. وحاصله راجع إلى إعطاء كل واحد من المتقابلين ما يقابل به الآخر من الذوات والأحكام.
وقد اختلف الأصوليون في هذا النوع من القياس، هل يعمل عليه أم لا؟ على قولين. وهذا الحديث حجة لصحة العمل بهذا النوع.
وقوله ﷺ : (إنه خُلِق كلُّ إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل)
стр. 1302
وَهَلَّلَ اللهَ، وَسَبَّحَ اللهَ، وَاستَغفَرَ اللهَ، وَعَزَلَ حَجَرًا عَن طَرِيقِ المسلمين، أَو شَوكَةً أَو عَظمًا مِن طَرِيقِ النَّاسِ، وَأَمَرَ بِمَعرُوفٍ أَو نَهَى عَن مُنكَرٍ عَدَدَ تِلكَ السِّتِّينَ وَالثَّلاثِمِائَةِ السُّلامَى، فَإِنَّهُ يَمشِي يَومَئِذٍ وَقَد زَحزَحَ نَفسَهُ عَنِ النَّارِ). قَالَ أَبُو تَوبَةَ: وَرُبَّمَا قَالَ: يُمسِي.
رواه مسلم (١٠٠٧).
ــ
؛ الضمير في: إنه، ضمير الأمر والشأن، والمفاصل: هي العظام التي ينفصل بعضها من بعض، وقد سمّاها: سُلاميات. قال أبو عبيد: السُّلامى في الأصل: عظم في فِرسَن البعير، وقد تقدّم القول في السُّلاميات في الصلاة.
ومقصود هذا الحديث: أن العظام التي في الإنسان هي أصل وجوده، وبها حصول منافعه؛ إذ لا تتأتى الحركات والسكنات إلا بها، والأعصاب رباطات، واللحوم والجلود حافظات وممكنات، فهي إذًا أعظم نعم الله على الإنسان، وحق المنعم عليه أن يقابل كل نعمة منها بشكر يخصّها، وهو أن يعطي صدقةً كما أُعطي منفعة، لكن الله تعالى لطف وخفف بأن جعل التسبيحة الواحدة كالعطية، وكذلك التحميدة، وغيرها من أعمال البر وأقواله، وإن قلّ مقدارها، وأتم تمام الفضل، أن اكتفى من ذلك كلّه بركعتين في الضحى، على ما مرّ. وقد نبهنا على سرّ ذلك في باب: صلاة الضحى.
وقوله: (عدد تلك الستين والثلاثمائة السُّلامى)؛ كذا وقعت الرواية، وصوابه في العربية: ثلاثمائة السلامى؛ لأنه لا يجمع بين الألف واللام والإضافة إلا في الإضافة غير المحضة، بشرط دخول الألف واللام على المضاف والمضاف إليه.
стр. 1303
[٨٧٤] وَعَن أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ صَدَقَةٌ). قَالَ: أَرَأَيتَ إِن لَم يَجِد؟ قَالَ: (يَعتَمِلُ بِيَدَيهِ فَيَنفَعُ نَفسَهُ وَيَتَصَدَّقُ). قَالَ: أَرَأَيتَ إِن لَم يَستَطِع؟ قَالَ: (يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلهُوفَ) قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَرَأَيتَ إِن لَم يَستَطِع؟ قَالَ: (يَأمُرُ بِالمَعرُوفِ أَوِ الخَيرِ). قَالَ: أَرَأَيتَ إِن لَم يَفعَل؟ قَالَ: (يُمسِكُ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ).
رواه أحمد (٤/ ٣٩٥ و ٤١١)، والبخاري (٦٠٢٢)، ومسلم (١٠٠٨).
[٨٧٥] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ، عَلَيهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَومٍ تَطلُعُ الشَّمسُ. قَالَ: تَعدِلُ بَينَ الاثنَينِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحمِلُهُ عَلَيهَا أَو تَرفَعُ لَهُ عَلَيهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، قَالَ: وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطوَةٍ تَمشِيهَا إِلَى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ. وَتُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ.
رواه أحمد (٢/ ٣١٦)، والبخاري (٢٧٧)، ومسلم (١٠٠٩).
* * *
ــ
وقوله: (على كل مسلم صدقة)؛ هو هنا مطلق، وقد قيَّده من حديث أبي هريرة بقوله: (في كل يوم)؛ وظاهر هذا اللفظ الوجوب، لكن خففه الله تعالى حيث جعل ما خف من المندوبات [مسقطًا] له؛ لطفا منه وتفضلاً.
(ذو الحاجة): صاحبها. والملهوف: المضطر إليها، الذي قد شغله همه بحاجته عن كل ما سواها، ولا شكّ في أن قضاء حاجة من كانت هذه حاله يتعدد فيها الأجر، ويكثر بحسب ما كشف من كربة صاحبها.
стр. 1304
(١٠) باب الدعاء للمنفق وعلى الممسك، والأمر بالمبادرة للصدقة قبل فَوتِها
[٨٧٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَا مِن يَومٍ يُصبِحُ العِبَادُ فِيهِ إِلا مَلَكَانِ يَنزِلانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللهُمَّ أَعطِ مُنفِقًا خَلَفًا. وَيَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أَعطِ مُمسِكًا تَلَفًا).
رواه أحمد (٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦)، والبخاري (١٤٤٢)، ومسلم (١٠١٠).
ــ
ومقصود هذه الأحاديث الترغيب في أعمال البر والخير بطريق إظهار وجه الاستحقاق واللطف، والحمد لله.
(١٠) ومن باب: الدعاء للمنفق وعلى الممسك
قوله: (اللهم أعط منفقًا خلفًا)؛ هو موافق في المعنى (١) لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقتُم مِن شَيءٍ فَهُوَ يُخلِفُهُ﴾ وهذا يعم الواجبات والمندوبات.
وقوله: (اللهم أعط ممسكًا تلفًا)؛ يعني: الممسك عن النفقات الواجبات، وأما الممسك عن المندوبات، فقد لا يستحق هذا الدعاء باللهم إلا أن يغلب عليه البخل بها، وإن قَلَّت في أنفسها؛ كالحبة واللقمة وما شاكل هذا. فهذا قد يتناوله هذا الدعاء؛ لأنه إنما يكون كذلك لغلبة صفة البخل المذمومة عليه، وقلَّ ما يكون كذلك، إلا ويبخل بكثير من الواجبات، أو لا يطيب نفسًا بها، والله تعالى أعلم.
стр. 1305
[٨٧٧] وَعَن حَارِثَةَ بنِ وَهبٍ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (تَصَدَّقُوا فَيُوشِكُ الرَّجُلُ يَمشِي بِصَدَقَتِهِ فَيَقُولُ الَّذِي أُعطِيَهَا: لَو جِئتَنَا بِهَا بِالأَمسِ قَبِلتُهَا، فَأَمَّا الآنَ فَلا حَاجَةَ لِي فِيهَا، فَلا يَجِدُ مَن يَقبَلُهَا).
رواه أحمد (٤/ ٣٠٦)، والبخاري (١٤١١)، ومسلم (١٠١١)، والنسائي (٥/ ٧٧).
[٨٧٨] وَعَن أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَيَأتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ، ثُمَّ لا يَجِدُ أَحَدًا يَأخُذُهَا مِنهُ، وَيُرَى الرَّجُلُ الوَاحِدُ يَتبَعُهُ أَربَعُونَ امرَأَةً يَلُذنَ بِهِ مِن قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثرَةِ النِّسَاءِ).
ــ
وقوله: (تصدقوا فيوشك الرجل)؛ هذا الأمر حضّ على المبادرة إلى إخراج الصدقة. ويوشك: يسرع.
وقول المعطي له: (لو جئتنا بها بالأمس قبلتها)؛ يعني: أنه قد استغنى عنها بما أخرجت الأرض، كما قال في الحديث الآخر: (تقيء الأرض أفلاذَ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب)، قال ابن السكيت: الفلذ لا يكون إلا للبعير، وهي: القطع المقطوعة طولاً. وحكى أبو عبيد عن الأصمعي: الحزّة والفلذة: ما قُطِعَ طولاً من اللحم، ولم يخصّ كبدًا من غيره.
والأسطوان - بضم الهمزة والطاء -: السّواري، واحدتها: أسطوانة.
وهذا عبارة عما تخرج الأرض من الكنوز والندرات (١)، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَأَخرَجَتِ الأَرضُ أَثقَالَهَا﴾؛ أي: كنوزها، على أحد التفسيرين، وقيل: موتاها.
وقوله: (ويُرى الرجل الواحد تتبعه أربعون امرأة يلذن به من قلّة الرجال وكثرة النساء)، معنى: يَلُذنَ: يستترن ويتحرزن، من الملاذ الذي هو السترة، لا من
стр. 1306
رواه البخاري (١٤١٤)، ومسلم (١٠١٢).
[٨٧٩] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكثُرَ المَالُ وَيَفِيضَ، حَتَّى يَخرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فَلا يَجِدُ أَحَدًا يَقبَلُهَا مِنهُ، وَحَتَّى تَعُودَ أَرضُ العَرَبِ مُرُوجًا وَأَنهَارًا.
رواه أحمد (٢/ ٤١٧)، ومسلم (١٥٧).
[٨٨٠] وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : تَقِيءُ الأَرضُ أَفلاذَ كَبِدِهَا، أَمثَالَ الأُسطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ فَيَجِيءُ القَاتِلُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَتَلتُ. وَيَجِيءُ القَاطِعُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَطَعتُ رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِقُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قُطِعَت يَدِي. ثُمَّ يَدَعُونَهُ فَلا يَأخُذُونَ مِنهُ شَيئًا.
رواه مسلم (١٠١٣)، والترمذي (٢٢٠٨).
* * *
ــ
اللذة، وذلك إنما يكون لكثرة قتل الرجال في الملاحم، كما سيأتي في كتاب الفتن.
وقوله: (حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا)؛ أي: تنصرف دواعي العرب عن مقتضى عاداتهم من انتجاع الغيث والارتحال في المواطن للحروب والغارات، ومن نخوة (١) النفوس العربية الكريمة الأبيّة إلى أن يتقاعدوا عن ذلك، فينشغلوا بغراسة الأرض وعمارتها، وإجراء مياهها، كما قد شوهد في كثير من بلادهم وأحوالهم.
стр. 1307
(١١) باب لا يقبل الله الصدقة إلا من الكسب الطيب
[٨٨١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِن طَيِّبٍ وَلا يَقبَلُ اللهُ إِلا الطَّيِّبَ إِلا أَخَذَهَا الرَّحمَنُ بِيَمِينِهِ، وَإِن كَانَت تَمرَةً، فَتَربُو فِي كَفِّ الرَّحمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعظَمَ مِنَ الجَبَلِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُم فَلُوَّهُ أَو فَصِيلَهُ).
وَفِي رِوَايَةٍ: (لا يَتَصَدَّقُ واحَدٌ بِتَمرَةٍ مِن كَسبٍ طَيِّبٍ إِلا أَخَذَهَا اللهُ بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُم فَلُوَّهُ - أَو قَلُوصَهُ - حَتَّى تَكُونَ مِثلَ الجَبَلِ أَو أَعظَمَ).
وَفِي أُخرَى: (مِنَ الكَسبِ الطَّيِّبِ فَيَضَعُهَا فِي حَقِّهَا).
رواه أحمد (٢/ ٥٣٨)، ومسلم (١٠١٤)، والترمذي (٦٦١)، والنسائي (٥/ ٥٧)، وابن ماجه (١٨٤٢).
ــ
(١١) ومن باب: لا يقبل الله الصدقة إلا من ذي الكسب الطيب
قوله ﷺ : (إن الله طيب)؛ أي: منزَّه عن النقائص والخبائث، فيكون بمعنى: القدوس، وقيل: طيب الثناء، ومستلذ الأسماء عند العارفين بها. وعلى هذا: فطيِّب من أسمائه الحسنى، ومعدود في جملتها المأخوذة من السنة؛ كالجميل والنظيف؛ على قول من رواه ورآه.
والكسب الطيب في هذا الحديث الحلال؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبتُم﴾ و ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقنَاكُم﴾ وغيره، وأصل الطيب: المستلذ بالطبع، ثم أطلق على المطلق
стр. 1308
[٨٨٢] وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يَقبَلُ إِلا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقنَاكُم﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشعَثَ أَغبَرَ يَمُدُّ يَدَيهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ
ــ
بالشرع.
وإنما لا يقبل الله الصدقة من المال الحرام؛ لأنه غير مملوك للمتصدق، وهو ممنوع من التصرف فيه، والتصدق به تصرُّف فيه، فلو قبلت منه؛ لزم أن يكون مأمورًا به، منهيًا عنه من وجه واحد، وهو محال، ولأن أكل الحرام يفسد القلوب، فتحرم الرقة والإخلاص، فلا تقبل الأعمال. وإشارة الحديث إلى أنه لم يقبل؛ لأنه ليس بطيب، فانتفت المناسبة بينه وبين الطيب بذاته.
وقوله: (إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين)؛ يعني: أنه سوَّى بينهم في الخطاب بوجوب أكل الحلال.
ورزقناكم هنا بمعنى: ملّكناكم، وقد يكون في موضع آخر: نفعناكم. وقد تقدّم الكلام على الرزق.
وقوله: ثم ذكر الرجل يطيل السفر يعني: في الحج والجهاد. وما أشبه ذلك من أسفار الطاعات؛ إلا أن أشعث أغبر؛ يدلّ على المُحرم. والشَّعثُ في الشعر، والغبرة في سائر الجسد.
وقوله: (يمدّ يديه إلى السماء)؛ أي: عند الدعاء، وهذا يدلّ على مشروعية مدّ اليدين عنده إلى السماء. وقد تقدّم الكلام على (١) ذلك.
стр. 1309
وَمَطعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالحَرَامِ فَأَنَّى يُستَجَابُ لِذَلِكَ؟ .
رواه أحمد (٢/ ٣٢٨)، ومسلم (١٠١٥).
* * *
ــ
وقوله: (فأنَّى يستجاب لذلك)؛ أي: كيف - على جهة الاستبعاد -، ومعناه: أنه ليس أهلاً لإجابة دعائه، لكن يجوز أن يستجيب الله له تفضلاً ولطفًا وكرمًا.
وقوله: (إلا أخذها الرحمن بيمينه)؛ أي: قبلها مشرّفة مكرّمة، مرضيًا بها، بالغة محلها، وهذا كما قال الشاعر (١):
إذا ما راية رفعت لمجدٍ ... تلقَّاها عرابة باليمين
أي: هو مؤهل للمجد والشرف، ولم يرد بها اليمين الجارحة؛ لأن المجد معنى، والمعنى الذي يتلقى به رايته معنى، وكذلك اليمين في حق الله تعالى.
وقوله: (فتربو)؛ أي: يزيد ثوابها. و (كفا الرحمن): عبارة عن محل القبول، ويجوز أن يكون مصدر: كف يَكفُّ كفًا، ويكون معناه: الحفظ والصيانة، فكأنه قال: تلك الصدقة في حفظ الله وكلاءته، فلا ينقص ثوابها، ولا يبطل جزاؤها، والله تعالى أعلم.
ويحتمل أن يكون الكفّ عبارة عن كفة الميزان الذي توزن فيه الأعمال، فيكون من باب حذف المضاف، كأنه قال: فتربو في كفة ميزان الرحمن.
والقلوص: الناقة الفتية، كالجارية في النساء. والفلو من الإبل: كالصبي في الرجال.
(١٣) باب حث الإمام الناس على الصدقة إذا عنت فاقة
[٨٨٤] عَن جَرِيرٍ قَالَ: كُنَّا عِندَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي صَدرِ النَّهَارِ قَالَ: فَجَاءَ قَومٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجتَابِي النِّمَارِ أَوِ العَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُم مِن مُضَرَ، بَل كُلُّهُم مِن مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِمَا رَأَى
ــ
عنه. قلت: وهذا هو معناه في هذا الحديث. وقال الفراء: المشيح على معنيين: المقبل إليك، والمانع لما وراء ظهره.
(١٣) ومن باب: حث الإمام الناس على الصدقة (١)
قوله: مجتابي العباء؛ أي: مقطوعي أوساط النمار. والاجتباب: التقطيع والخرق، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَابُوا الصَّخرَ بِالوَادِ﴾؛ أي: خرقوها. والنمار: جمع نمرة، هي: ثياب من صوف فيها تنمير. والعباء: جمع عباءة، وهي: أكسية غلاظ مخططة.
و(تمعر وجه رسول الله ﷺ )؛ تَغَيَّر لما شق عليه من فاقتهم. و (كومين) - بفتح الكاف -، هي الرواية؛ أي: صُبرَتين، وقد قيد كومين بضم الكاف.
قال أبو مروان بن سراج: هو بالضم اسم لما كُوَّم، وبالفتح: المرة الواحدة. والكَومَة: الصبرة، والكوم: العظيم من كل شيء، والكوم: المكان المرتفع كالرابية، والفتح هنا أولى؛ لأنه إنما شبَّه ما اجتمع هناك بالكوم الذي هو الرابية.
و(المذهبة)، الرواية الصحيحة المشهورة فيه هكذا - بالذال المعجمة، والباء المنقوطة بواحدة من
стр. 1312
بِهِم مِنَ الفَاقَةِ فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَأَمَرَ بِلالاً فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم﴾ الآيَةِ - إِلَى قَولِه ﴿رَقِيبًا﴾ وَالآيَةَ الَّتِي فِي الحَشرِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلتَنظُر نَفسٌ مَا قَدَّمَت لِغَدٍ﴾ تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِن دِينَارِهِ، مِن دِرهَمِهِ، مِن ثَوبِهِ، مِن صَاعِ بُرِّهِ مِن صَاعِ تَمرِهِ - حَتَّى قَالَ -: وَلَو بِشِقِّ تَمرَةٍ، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَت كَفُّهُ تَعجِزُ عَنهَا، بَل قَد عَجَزَت. قَالَ ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيتُ كَومَينِ مِن طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيتُ وَجهَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذهَبَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَن سَنَّ فِي الإِسلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ
ــ
أسفل - من الذهب. ويحتمل أن يريد بها: كأنه فضة مذهبة. كما قال الشاعر:
كأنها فضة [قد] مسها ذهب
ويعني به: تشبيه إشراق وجهه وتنويره، أو كأنه آلة مذهبة، كما يذهب من الجلود والسروج والأقداح وغير ذلك، ويجعل طرائق يتلو بعضها بعضا.
وقد وقع للحميدي في الجمع بين الصحيحين: مدهنة - بالدال المهملة والنون -. قال: والمدهن: نقرة في الجبل يستنقع فيها ماء المطر. والمدهن أيضًا: ما جعل فيه الدُّهن. والمدهنة من ذلك، شبَّه صفاء وجهه بإشراق السرور بصفاء هذا الماء المستنقع في الحجر، أو بصفاء الدهن.
وسروره ﷺ بذلك فرح بما ظهر من فعل المسلمين، ومن سهولة البذل عليهم، ومبادرتهم لذلك، وبما كشف الله من فاقات أولئك المحاويج.
وقوله: (من سن في الإسلام سنّة حسنة)؛ أي: من فعل فعلاً جميلاً فاقتدي به فيه، وكذلك إذا فعل قبيحًا فاقتدي به فيه.
ويفيد الترغيب في الخير المتكرر أجره؛ بسبب الاقتداء والتحذير من الشر المتكرر إثمه بسبب الاقتداء.
[٨٨٦] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى، فَذَكَرَ خِصَالاً، وَقَالَ: مَن مَنَحَ مَنِيحَةً غَدَت بِصَدَقَةٍ وَرَاحَت بِصَدَقَةٍ صَبُوحِهَا وَغَبُوقِهَا.
رواه مسلم (١٠٢٠).
[٨٨٧] وَعَنهُ يَبلُغُ بِهِ النَّبِيِّ ﷺ : (أَلا رَجُلٌ يَمنَحُ أَهلَ بَيتٍ نَاقَةً تَغدُو بِعُسٍّ وَتَرُوحُ بِعُسٍّ إِنَّ أَجرَهَا لَعَظِيمٌ).
رواه مسلم (١٠١٩).
* * *
ــ
وقوله: (مَن منح منيحة - ويروى: منحة - غدت بصدقة وراحت بصدقة) المنحة والمنيحة: عطية ذوات الألبان؛ لينتفع المعطى له باللبن، ثم يردّ المحلوب.
ومَن: شرط في موضع رفع بالابتداء، جوابه: غدت بصدقة، وراحت بصدقة، وهو خبر المبتدأ على قول، والصحيح: أن خبرها ما بعدها؛ لأن من الشرطية لا تحتاج إلى صلة، بل هي اسم تام، وإنما لم يتم الكلام بما بعدها؛ لما تضمنته من معنى الشرط. فتدبَّره، فإنه الصحيح.
ومعنى الكلام: أن من منح منيحة كان للمانح صدقة كلما غدت أو راحت؛ لأجل ما يُنال منها في الصباح والمساء. والغدو: البكرة. والرواح: العشي. والصَّبوح: شرب الصباح. والغبوق: شرب العشي. والجاشرية: شرب نصف النهار (١).
والعُسُّ: قدح ضخم يحلب فيه. والرواية الصحيحة المعروفة: بُعسٍّ - بعين مهملة مضمومة. ووقع للسمرقندي: تروح بعشاء، وتغدو بعشاء. ورواه الحميدي: بعساء، - بعين مهملة مفتوحة، وسين مهملة، وبالمد والهمز -. وفسّره في غير الأم بالعُسّ الكبير.
стр. 1315
(١٥) باب مثل المتصدق والبخيل، وقبول الصدقة تقع عند غير مستحق
[٨٨٨] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَثَلَ البَخِيلِ وَالمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَينِ عَلَيهِمَا جُنَّتَانِ مِن حَدِيدٍ، فَإِذَا هَمَّ المُتَصَدِّقُ بِصَدَقَةٍ اتَّسَعَت عَلَيهِ حَتَّى تُعَفِّيَ أَثَرَهُ، وَإِذَا هَمَّ البَخِيلُ بِصَدَقَةٍ تَقَلَّصَت عَلَيهِ، وَانضَمَّت يَدَاهُ إِلَى تَرَاقِيهِ، وَانقَبَضَت كُلُّ حَلقَةٍ إِلَى صَاحِبَتِهَا. قَالَ: فَسَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: فَيَجهَدُ أَن يُوَسِّعَهَا فَلا يَستَطِيعُ).
رواه أحمد (٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦)، والبخاري (١٤٤٢)، ومسلم (١٠١٠).
[٨٨٩] وَعَنهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: لأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيلَةَ
ــ
(١٥) ومن باب: مثل المتصدق والبخيل (١)
قوله: (جُنتان من حديد)؛ يعني: درعين. والجُنَّة: ما يُستجنُّ به، وكذا صحيح الرواية. وقد روي: جبتان - بالباء بواحدة، وفيه بُعدٌ في المعنى.
واتسعت من السعة، ويعني به، طالت؛ لأنه إذا اتسع الثوب طال. فإذا اتسعت تصرف فيها بيده وغيره، بخلاف جُنَّة الحديد. وقد روي: [سبغت]، وهو أحسن في المعنى. وتقلصت: تقبضت وانضمت على يده. وهذان المثلان للبخيل والمتصدق واقعان؛ لأن كل واحد منهما إنما يتصرّف بما يجد من نفسه، فمن غلب الإعطاء والبذل عليه طاعت نفسه، وطابت بالإنفاق، وتوسعت فيه، ومن غلب عليه البخل، كان كلما خطر بباله إخراج شيء مما بيده شحت نفسه بذلك، فانقبضت يده للضيق الذي يجده في صدره، ولشح نفسه الذي من وقيه فقد أفلح
стр. 1316
بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ فَأَصبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ. قَالَ: اللهُمَّ لك الحَمدُ عَلَى زَانِيَةٍ. لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ قَالَ: اللهُمَّ لك الحَمدُ عَلَى غَنِيٍّ. لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ فَأَصبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ. فَقَالَ: اللهُمَّ لك الحَمدُ عَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى غَنِيٍّ، وَعَلَى سَارِقٍ، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَد قُبِلَت، أَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا تَستَعِفُّ عَن زِنَاهَا، وَلَعَلَّ الغَنِيَّ يَعتَبِرُ فَيُنفِقُ مِمَّا أَعطَاهُ اللهُ، وَلَعَلَّ السَّارِقَ يَستَعِفُّ بِهَا عَن سَرِقَتِهِ).
رواه أحمد (٢/ ٣٥٠)، والبخاري (١٤٢١)، ومسلم (١٠٢٢)، والنسائي (٥/ ٥٥ - ٥٦).
* * *
ــ
كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ﴾
وقد وقع حديث أبي هريرة هكذا في الأم من [طرق] فيها تثبيج (١) وتخليط. وما أثبتناه هنا أحسنها مساقًا، والله تعالى أعلم.
وقول المتصدق: اللهم لك الحمد، على زانية؛ إشعار بألم قلبه؛ إذ ظن أن صدقته لم توافق محلّها، وأنَّ ذلك لم ينفعه، ولذلك كرَّر الصدقة، فلما علم الله صحة نيته تقبلها منه، وأعلمه بفوائد صدقاته.
ويستفاد منه: صحَّة الصدقة وإن لم توافق محلاً مرضيًا، إذا حسنت نية المتصدق (٢). فأما لو علم المتصدِّق أن المتصدَّق عليه يستعين بتلك الصدقة على معصية الله لحرم عليه ذلك، فإنه من باب التعاون على الإثم والعدوان.
стр. 1317
(١٦) باب أجر الخازن الأمين والمرأة تتصدق من كسب زوجها والعبد من مال سيده
[٨٩٠] عَن أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ الخَازِنَ المُسلِمَ الأَمِينَ الَّذِي يَتَصَدَق (وَرُبَّمَا قَالَ): يُعطِي مَا أُمِرَ بِهِ فَيُعطِيهِ كَامِلاً مُوَفَّرًا، طَيِّبَةً بِهِ نَفسُهُ فَيَدفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ المُتَصَدِّقَينِ).
رواه أحمد (٤/ ٣٩٤)، والبخاري (١٤٣٧)، ومسلم (١٠٢٣)، وأبو داود (١٦٨٤)، والنسائي (٥/ ٧٩ - ٨٠).
ــ
(١٦) ومن باب: أجر الخازن الأمين
قوله: (إن الخازن الأمين المسلم) إلى آخره، هذه الأوصاف لا بدّ من اعتبارها في تحصيل أجر الصدقة للخازن، فإنه إن لم يكن مسلمًا لم يصحَّ منه التقرُّب، وإن لم يكن أمينًا كان عليه وزر الخيانة، فكيف يحصل له أجر الصدقة؟ ! وإن لم يطب بذلك نفسًا لم يكن له نية، فلا يؤجر.
وقوله: (أحد المُتصَدِّقَين)، لم نروه إلا بالتثنية، ومعناه: أنه بما فعل متصدق، والذي أخرج الصدقة بما أخرج متصدق آخر، فهما متصدقان. ويصح أن يقال على الجمع، ويكون معناه: أنه متصدق من جملة المتصدقين.
(وآبي اللحم)، اختلف في سبب تسميته بذلك، فمنهم من قال: بما جاء بيانه في الحديث الآخر بعده؛ وذلك: أنه لما ضرب عبده على دفع اللحم سُمِّي آبي اللحم لذلك. وقيل: لأنه كان لا يأكل من لحم ما ذبح على النصب، وقيل: لأنه كان لا يأكل اللحم جملةً. وآبي اللحم: بطن من بني غفار، ومولاه عمير منهم.
стр. 1318
[٨٩١] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنهَا وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (لا تَصُمِ المَرأَةُ وَبَعلُهَا شَاهِدٌ إِلا بِإِذنِهِ، وَلا تَأذَن فِي بَيتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إِلا بِإِذنِهِ، وَمَا أَنفَقَت مِن كَسبِهِ مِن غَيرِ إِذنِهِ فَإِنَّ نِصفَ أَجرِهِ لَهُ).
ــ
وقوله ﷺ : (الأجر بينكما)؛ يعني: فيما أعطى العبد، مما جرت العادة بإعطائه، والمسامحة بأمثاله؛ كاللحم، واللبن، والطعام اليسير، وغير ذلك. وأما لو دفع ماله بال مما لم تجر العادة بإعطائه لكان عليه الوزر، وللمالك كل الأجر.
وقوله: (لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه)، البعل: الزوج. وشاهد حاضر.
ومحمل هذا على المتطوِّعة بالصوم؛ لأن مراعاة حق الزوج واجب عليها، وحقه عليها مستصحب (١)، فلو [سوغ] لها الصوم بغير إذنه، لكان ذلك منعًا للزوج من حقِّه، فلو شرعت في صوم التطوّع بغير إذنه، فله أن يحللها؛ لأن حقَّه مقدَّم على ما شرعت فيه، وكذلك لو أحرمت بالحج والعمرة تطوعًا.
وقوله: (ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه)، تخصيص المنع بحضور الزوج؛ يدل: على أن ذلك لحق الزوج في زوجته؛ إذ قد يكون المأذون له في تلك الحال ممن يشوّش على الزوج مقصوده وخلوته بها.
وعلى هذا تظهر المناسبة بين هذا النهي وبين النهي عن الصوم المتقدّم. وقال بعض الأئمة: إن ذلك معلل بأن البيت ملك للزوج، وإذنها في دخوله تصرُّف فيما لا تملك. وهذا فيه بُعدٌ؛ إذ لو كان معلّلاً بذلك، لاستوى حضور الزوج وغيبته، والله أعلم.
وقوله: (وما أنفقت من كسبه)، هو محمول على ما تقدّم من الأطعمة، وما لا بال له.
стр. 1319
رواه أحمد (٢/ ٣١٦)، والبخاري (٥١٩٢)، ومسلم (١٠٢٦)، وأبو داود (٢٤٥٨).
[٨٩٢] وَعَن عُمَيرٍ مَولَى آبِي اللَّحمِ، قَالَ: كُنتُ مَملُوكًا فَسَأَلتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَأَتَصَدَّقُ مِن مَالِ مَوَالِيَّ بِشَيءٍ؟ قَالَ: (نَعَم، وَالأَجرُ بَينَكُمَا نِصفَانِ).
رواه مسلم (١٠٢٥).
[٨٩٣] وَعَنهُ قَالَ: أَمَرَنِي مَولايَ أَن أُقَدِّدَ لَحمًا، فَأتى مِسكِينٌ فَأَطعَمتُهُ مِنهُ، فَعَلِمَ مَولايَ بِذَلِكَ فَضَرَبَنِي، فَأَتَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرتُ ذَلِكَ لَهُ فَدَعَاهُ فَقَالَ: (لِمَ ضَرَبتَهُ؟ ) قَالَ: يُعطِي طَعَامِي بِغَيرِ أَن آمُرَهُ، فَقَالَ: (الأَجرُ بَينَكُمَا).
رواه مسلم (١٠٢٥)(٨٣).
* * *
(١٧) باب أجر من أنفق شيئين في سبيل الله وعظم منزلة من اجتمعت فيه خصال من الخير
[٨٩٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (مَن أَنفَقَ زَوجَينِ فِي سَبِيلِ اللهِ نُودِيَ فِي الجَنَّةِ: يَا عَبدَ اللهِ هَذَا خَيرٌ. . . . .
ــ
(١٧) ومن باب: أجر من أنفق شيئين في سبيل الله (١)
قوله: (من أنفق زوجين في سبيل الله)، هكذا وقع في هذا اللفظ في كتاب مسلم. ووقع في البخاري: (من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله).
стр. 1320
فَمَن كَانَ مِن أَهلِ الصَّلاةِ دُعِيَ مِن بَابِ الصَّلاةِ، وَمَن كَانَ مِن أَهلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِن بَابِ الجِهَادِ، وَمَن كَانَ مِن أَهلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِن بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَن كَانَ مِن أَهلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِن بَابِ الرَّيَّانِ)، قَالَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا عَلَى أَحَدٍ يُدعَى مِن تِلكَ الأَبوَابِ مِن ضَرُورَةٍ، فَهَل يُدعَى أَحَدٌ مِن تِلكَ الأَبوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (نَعَم، أَرجُو أَن تَكُونَ مِنهُم).
رواه أحمد (٢/ ١٦٦)، والبخاري (١٨٩٧)، ومسلم (١٠٢٧)، والترمذي (٣٦٧٤)، والنسائي (٤/ ١٦٨ - ١٦٩).
ــ
وهذا نصّ في عموم كل شيء يخرج في سبيل الله. وقيل: يصح إلحاق جميع أعمال البرّ بالإنفاق. ويدلّ على صحة هذا بقية الحديث؛ إذ قال فيه: (من كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام).
والزوج: الصنف، وكذلك قيل في قوله تعالى: ﴿وَكُنتُم أَزوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قال ابن عرفة: كل شيء قرن بصاحبه فهو زوج. ويقال: زوجت الإبل: إذا قرنت واحدا بواحد. زاد الهروي في هذا الحديث: قيل: وما زوجان؟ قال: فرسان، أو عبدان، أو بعيران (١).
والريَّان: فعلان من الرِّيّ على جهة المبالغة، وسمي بذلك على جهة مقابلة العطشان؛ لأنه جوزي على عطشه بالرِّي الدَّائم في الجنة، التي يدخل إليها من ذلك الباب.
وقوله: (فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة)؛ أي: من المكثرين لصلاة التطوّع، وكذلك غيرها من أعمال البرّ المذكورة في هذا الحديث؛ لأن الواجبات لا بدّ منها لجميع المسلمين، ومن ترك شيئًا من الواجبات إنما يخاف عليه أن ينادى من أبواب جهنم، فيستوي في القيام بها المسلمون كلهم، وإنما يتفاضلون بكثرة التطوعات التي بها تحصل تلك الأهلية التي بها ينادون من
стр. 1321
[٨٩٥] وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَن أَصبَحَ مِنكُمُ اليَومَ صَائِمًا؟ ).
قَالَ أَبُو بَكرٍ: أَنَا، قَالَ: (فَمَن تَبِعَ مِنكُمُ اليَومَ جَنَازَةً؟ ) قَالَ أَبُو بَكرٍ: أَنَا، قَالَ: (فَمَن أَطعَمَ مِنكُمُ اليَومَ مِسكِينًا؟ ) قَالَ أَبُو بَكرٍ: أَنَا. قَالَ: فَمَن عَادَ مِنكُمُ اليَومَ مَرِيضًا؟ قَالَ أَبُو بَكرٍ: أَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَا اجتَمَعت فِي امرِئٍ إِلا دَخَلَ الجَنَّةَ).
رواه مسلم (١٠٢٨).
* * *
ــ
تلك الأبواب.
ولما فهم أبو بكر ﵁ هذا المعنى قال: فهل يدعى أحد من تلك الأبواب؟ أي: هل يحصل لأحد من أهل الإكثار من تطوعات البرّ المختلفة ما يتأهل به لأن يدعوه خزنة الجنة من كل باب من أبوابها؟ فقال له النبي ﷺ : (نعم، أنت منهم)، فإنه ﵁ كان قد جمع خصال تلك الأبواب كلها، ألا ترى أنه قال ﷺ في الحديث الآتي بعد هذا: (هل فيكم من أطعم اليوم مسكينًا؟ ) فقال أبو بكر: أنا، [قال: (هل فيكم من عاد مريضًا؟ ) فقال أبو بكر: أنا]. وقد تقدّم الكلام على بعض نكت هذا الحديث.
وذكر مسلم في هذا الحديث من أبواب الجنة أربعة، وزاد غيره بقية الثمانية، فذكر فيها: باب التوبة، وباب: الكاظمين الغيظ، وباب: الراضين، والباب الأيمن الذي يدخل منه مَن لا حساب عليه، حكاه القاضي أبو الفضل.
* * *
стр. 1322
(١٨) باب من أحصى أُحصِي عليه والنهي عن احتقار قليل الصدقة وفضل إخفائها
[٨٩٦] عَن أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ، قَالَت: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : (انفَحِي أَوِ انضَحِي أَو أَنفِقِي، وَلا تُحصِي فَيُحصِيَ اللهُ عَلَيكِ، وَلا تُوعِي فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيكِ).
رواه أحمد (٦/ ٣٤٥ و ٣٤٦)، والبخاري (١٤٣٣)، ومسلم (١٠٢٩)، والنسائي (٥/ ٧٣ - ٧٤).
ــ
(١٨) ومن باب: من أَحصَى أُحصِي عليه
قوله: (انفحي أو انضحي أو أنفقي)، [معناه]: أعطي، وأصل النفح: الضرب بالعصا أو بالسيف، وكأن الذي ينفق يضرب المعطى له بما يعطيه. ويحتمل أن يكون من نَفَحَ الطيبُ: إذا تحركت رائحته؛ إذ العطية تستطاب كما تستطاب الرائحة الطيبة، أو من نَفَحَت الريح، إذا [هَبَّت] باردة، فكأنه أمر بعطية سهلة كثيرة.
وفي حديث أبي ذر: ونفح به يمينًا وشمالاً (١)؛ أي: أعطاه في كل وجه. وأصل النضح: الرش. وكأنه أمره بالتصدّق بما تيسّر، وإن كان قليلاً.
وفي الحديث: (ارضخي)؛ أي: أعطي بغير تقدير. ومنه: أن النبي ﷺ كان يرضخ للنساء من الغنيمة، ولا يضرب لهن بسهم (٢). ويفيد تكرار هذه الألفاظ تأكد أمر الصدقة، والحضّ عليها على أي حال تيسَّرت بكثير أو قليل، بمقدر أو بغير مقدر، والله أعلم.
стр. 1323
[٨٩٧] وَعَنهَا؛ أَنَّهَا جَاءَتِ للنَّبِيَّ ﷺ فَقَالَت: يَا نَبِيَّ اللهِ لَيسَ لِي شَيءٌ إِلا مَا أَدخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيرُ، فَهَل عَلَيَّ جُنَاحٌ أَن أَرضَخَ مِمَّا يُدخِلُ عَلَيَّ؟ فَقَالَ: (ارضَخِي مَا استَطَعتِ، وَلا تُوعِي فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيكِ).
رواه أحمد (٦/ ٣٥٤)، والبخاري (١٤٣٤)، ومسلم (١٠٢٩)(٨٩)، والنسائي (٥/ ٧٤).
[٨٩٨] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: (يَا نِسَاءَ المُسلِمَاتِ لا تَحقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَو فِرسِنَ شَاةٍ).
رواه أحمد (٢/ ٢٦٤ و ٤٣٢)، والبخاري (٦٠١٧)، ومسلم (١٠٣٠)، والترمذي (٢١٣٠).
ــ
وقولها: ليس لي شيء إلا ما أدخل علي الزبير؛ تعني: ما يدخل عليها للإنفاق عليها وعلى أهل بيتها، وهذا محمول على ما تقدّم.
وقوله: (فلا تحصي فيحصي الله عليك)؛ أي: لا تبخلي فتجازين على بخلك. وأصل هذا: من الإحصاء الذي هو العدّ. وعبر عن البخل بالإحصاء؛ لأن البخيل يعدُّ ماله ويتحرز به، ويغار عليه.
وقوله: (ولا توعي فيوعي الله عليك)؛ أي: لا تمسكي المال في الوعاء فيمسك الله فضله وثوابه عنك. وفي غير مسلم: (ولا توكي فيوكي عليك)؛ أي: لا تربطي. والوكاء: الخيط الذي يُشدُّ به. وهذا كله من باب مقابلة اللفظ باللفظ.
ومعنى ما ذكر: أنك إذا فعلت ذلك جزيت عليه بنسبة ما فعلت.
وقوله: (يا نساء المؤمنات)؛ روايتنا فيه بفتح الهمزة وكسر تاء المؤمنات على المنادى المضاف، وهو من إضافة الشيء إلى صفته. وقد تقدّم. وقد قدّر النحويون [هذا]: يا نساء الجماعات المؤمنات، تحرزا من إضافة الشيء إلى
стр. 1324
[٨٩٩] وَعَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (سَبعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَومَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللهِ
ــ
نفسه (١). وهذه رواية الجمهور، وقد رواه بعضهم: يا نساء - بالرفع -، والمؤمنات - بالكسر -، وعلى هذه الرواية يكون: يا نساء، منادى مفردًا، والمؤمنات صفة على الموضع. ويجوز رفعه على اللفظ، كما تقول: يا زيد العاقل، بالرفع على اللفظ، والنصب على الموضع.
والفِرسَن: للبعير كالقدم للإنسان، وأصله للبعير. وقد يقال للشاة، كما جاء هنا، ومقصود هذا الحديث النهي عن احتقار القليل من الصدقة. و (لو) هنا للتقليل، وقد بينا محاملها في أول الكتاب.
وقوله: (سبعة يظلهم الله في ظله)؛ أي: في ظل عرشه، كما جاء في الحديث الآخر، والمراد يوم القيامة إذا قام الناس في صعيدها، وقربت الشمس من الرءوس، وأُديرت النار بأهل الموقف، فليس هناك إلا ظل العرش. فأما ظل الصدقة فمن ظل العرش، والله أعلم.
ويحتمل أن يراد بالظلّ هنا: الكَنَف والكرامة والوقاية من المكاره، كما تقول العرب: أنا في ظل فلان؛ أي: في صيانته وكرامته وكنفه، وإلى هذا نحا ابن دينار.
والإمام العادل: هو كل من ولي شيئًا من أمور المسلمين، فعدل فيه.
وقوله: (شاب نشأ بعبادة الله)؛ كذا الرواية: بعبادة الله - بالباء، وهذه الباء هي باء المصاحبة، كما تقول: جاء زيد بسلاحه؛ أي: مصاحبًا لها، ويحتمل أن تكون بمعنى الفاء، كما قد تكون الفاء بمعنى الباء، في مثل قوله تعالى: ﴿هَل يَنظُرُونَ إِلا أَن يَأتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ﴾ ونشأ نبت وابتدأ؛ أي: لم يكن له صبوة، وهو الذي قال فيه في الحديث الآخر: (يعجب ربك من صبيٍّ ليست له صبوةٌ) (٢)، وإنما كان ذلك لغلبة التقوى التي بسببها ارتفعت الصبوة.
стр. 1325
وَرَجُلٌ قَلبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجتَمَعَا عَلَيهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيهِ، وَرَجُلٌ دَعَتهُ امرَأَةٌ ذَاتُ مَنصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخفَاهَا حَتَّى لا تَعلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنفِقُ شِمَالُهُ،
ــ
وقوله: (ورجل قلبه معلّق في المساجد)؛ أي: يحب الكون فيها للصلاة والذكر وقراءة القرآن، وهذا إنما يكون ممن استغرقه حبُّ الصلاة والمحافظة عليها وشُغِف بها.
وقوله: (ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه)؛ أي: داما على المحبة الصادقة الدِّينية، المبرأة عن الأغراض الدُّنيوية، ولم يقطعاها بعارض في حال اجتماعهما، ولا حال افتراقهما.
وقوله: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله)؛ معنى دعته: عرضت نفسها عليه؛ أي (١) للفاحشة. وقول المدعو في مثل هذا: إني أخاف الله، وامتناعه لذلك دليلٌ: على عظيم معرفته بالله تعالى، وشدّة خوفه من عقابه، ومتين تقواه، وحيائه من الله تعالى. وهذا هو المقام اليوسفي.
وقوله: (ورجل تصدَّق بصدقة فأخفاها) هذه صدقة التطوع في قول ابن عباس وأكثر العلماء. وهو حضٌّ على الإخلاص في الأعمال، والتستر بها، ويستوي في ذلك جميع أعمال البر التطوعية.
فأما الفرائض فالأولى إشاعتها وإظهارها لتنحفظ قواعد الدين، ويجتمع الناس على العمل بها، فلا يضيع منها شيء، ويظهر بإظهارها جمال دين الإسلام، وتعلم حدوده وأحكامه. والإخلاص واجب في جميع القرب، والرياء مفسد لها.
وقوله: (حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)؛ هذا مبالغة في إخفاء الصدقة.
стр. 1326
وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَت عَينَاهُ).
رواه أحمد (٢/ ٤٣٩)، والبخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١)، والترمذي (٢٣٩).
* * *
ــ
وقد سمعنا من بعض المشايخ أن ذلك أن يتصدق على الضعيف في صورة المشتري منه، فيدفع له درهمًا مثلاً في شيء يساوي نصف درهم. فالصورة مبايعة، والحقيقة صدقة، وهو اعتبار حسن.
وقوله: (ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه)؛ خاليًا يعني: من الخلق، ومن الالتفات إلى غير الله.
وفيض العين: بكاؤها. وهو على حسب حال الذاكر، وبحسب ما ينكشف له من أوصافه تعالى، فإن انكشف له غضبه، فبكاؤه عن خوف، وإن انكشف [له] جماله وجلاله، فبكاؤه عن محبة وشوق، وهكذا يتلوَّن الذاكر بتلوُّن (١) ما يذكر من الأسماء والصفات.
وهذا الحديث جدير بأن ينعم فيه النظر، ويستخرج ما فيه من اللطائف والعبر، والله الموفق الملهم.
* * *
стр. 1327
(١٩) باب أي الصدقة أفضل وفضل اليد العليا والتعفف عن المسألة
[٩٠٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعظَمُ أَجرًا؟ فَقَالَ: (أَمَا وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّهُ: أَن تَصَدَّقَ وَأَنتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخشَى الفَقرَ وَتَأمُلُ البَقَاءَ، وَلا تُمهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلقُومَ قُلتَ:
ــ
(١٩) ومن باب: أي الصدقة أعظم
قوله ﷺ : (أما وأبيك لتنبأنَّه)، أما: استفتاح للكلام، وأبيك قسم ومقسم به. وتقدم الكلام على القسم بالأب في كتاب الإيمان. والمقسم عليه: لتُنَبَّأنَّه؛ أي: لَتُخبَرَنَّ به حتى تعلمه.
والشح: المنع مطلقًا، يعم منع المال وغيره. وهو من أوصاف النفس المذمومة؛ ولذلك قال الله: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ﴾ والبخل: بالمال، فكأنه نوع من الشحّ. قال معناه الخطابي. وقد دل على صحة هذا قوله ﷺ : (إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالفجور ففجروا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا) (١)؛ أي: شح النفس، وهو منعها من القيام بالحقوق المالية وغيرها.
وقوله: (حتى إذا بلغت الحلقوم)؛ أي: النفس، ولم يجر لها ذكر، لكن دل عليها الحال، كما قال تعالى: ﴿فَلَولا إِذَا بَلَغَتِ الحُلقُومَ﴾ ومعناه: قاربت الحلقوم، فلو بلغته لم تأت منه وصية ولا غيرها. والحلقوم: الحلق.
стр. 1328
لِفُلانٍ كَذَا، وَلِفُلانٍ كَذَا، وَقَد كَانَ لِفُلانٍ).
وَفِي رِوَايَةٍ: (أَلا وَقَد كَانَ لِفُلانٍ).
رواه أحمد (٢/ ٢٥ و ٢٣١)، والبخاري (١٤١٩)، ومسلم (١٠٣٢)، وأبو داود (٢٨٦٥)، والنسائي (٥/ ٨٦)، وابن ماجه (٢٧٠٦).
[٩٠١] وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ عَلَى المِنبَرِ وَهُوَ يَذكُرُ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ عَنِ المَسأَلَةِ (اليَدُ العُليَا خَيرٌ مِنَ اليَدِ السُّفلَى، وَاليَدُ العُليَا المُنفِقَةُ وَالسُّفلَى السَّائِلَةُ).
رواه أحمد (٢/ ٦٧)، والبخاري (١٤٢٩)، ومسلم (١٠٣٣)، وأبو داود (١٦٤٨)، والنسائي (٥/ ٦١).
ــ
وقوله: (لفلان كذا، ولفلان كذا، ألا وقد كان لفلان)، قال الخطابي: مراد به الوارث.
قلت: وفيه بُعدٌ، بل الأظهر أنه الموصى له، ممن تقدّمت وصيته له على تلك الحالة، ومن ينشئ له الوصية في تلك الحالة أيضًا.
وقوله: وهو يذكر الصدقة، والتعفُّف عن المسألة؛ أي: يحضُّ الغني على الصدقة، والفقير على التعفُّف عن المسألة.
وقوله: (اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى)، ثم فسّر اليد العليا بالمُنفِقَة والسُّفلى بالسائلة، وهو نصٌّ يرفع تعسُّف من تعسَّف في تأويله، غير أنه وقع هذا الحديث في كتاب أبي داود، وقال فيه في بعض طرقه بدل المنفقة: المتعففة. قال: وقال أكثرهم: اليد العليا: المنفقة.
وذكر أبو داود أيضًا من حديث مالك بن نضلة مرفوعًا: (الأيدي ثلاث: فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى، فأعطِ الفضلَ، ولا تعجز عن نفسك) (١).
стр. 1329
[٩٠٢] وَعَن حَكِيمَ بنَ حِزَامٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (أَفضَلُ الصَّدَقَةِ، أَو خَيرُ الصَّدَقَةِ عَن ظَهرِ غِنًى، وَاليَدُ العُليَا خَيرٌ مِنَ اليَدِ السُّفلَى، وَابدَأ بِمَن تَعُولُ).
رواه البخاري (١٤٧٢)، ومسلم (١٠٣٤)، والنسائي (٥/ ٦٩).
ــ
وقوله: (وابدأ بمن تعول)؛ يعني: أنه يبدأ بكفاية من تلزمه كفايته، ثم بعد ذلك يدفع لغيرهم؛ لأن القيام بكفاية العيال واجب، والصدقة على الغير مندوبٌ إليها، ولا يدخل في ذلك ترفيه العيال الزائد على الكفاية، فإن الصدقة بما يرفه به العيال أولى؛ لأن من لم تندفع حاجته أولى بالصدقة ممن اندفعت حاجته في مقصود الشرع.
وقوله: (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)؛ أي: ما كان من الصدقة بعد القيام بحقوق النفس وحقوق العيال. وقال الخطابي: أي: متبرعًا، أو عن غنى يعتمده، ويستظهر به على النوائب. والتأويل الأول أولى، غير أنه يبقى علينا النظر في درجة الإيثار التي أثنى الله بها على الأنصار؛ إذ قال: ﴿وَيُؤثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِم وَلَو كَانَ بِهِم خَصَاصَةٌ﴾ وقد روي: أن هذه الآية نزلت بسبب رجل من الأنصار ضافه ضيف فنوَّم صبيته وأطفأ السِّراج، وآثر (١) الضيف بقوتهم. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيُطعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾؛ أي: على شدّة الحاجة إليه والشهوة له، ولا شكّ أن صدقة مَن هذه حالُه أفضل.
وفي حديث أبي ذر: (أفضل الصدقة جهد من مقل) (٢). وفي حديث أبي هريرة: (سبق درهم مائة ألف)، قالوا: وكيف؟ قال: (رجل له درهمان، فتصدق بأحدهما، ورجل له مال كثير، فأخذ من
стр. 1330
[٩٠٣] وَعَنهُ قَالَ: سَأَلتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعطَانِي، ثُمَّ سَأَلتُهُ فَأَعطَانِي، ثُمَّ سَأَلتُهُ فَأَعطَانِي، ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلوَةٌ، فَمَن أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَن أَخَذَهُ بِإِشرَافِ نَفسٍ لَم يُبَارَك لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأكُلُ وَلا يَشبَعُ، وَاليَدُ العُليَا خَيرٌ مِنَ اليَدِ السُّفلَى).
ــ
عرض ماله مائة ألف فتصدّق بها) (١). فقد أفاد مجموع ما ذكرنا: أن صدقة المؤثر والمُقِل أفضل، وحينئذ يثبت التعارض بين هذا المعنى وبين قوله: (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)؛ على تأويل الخطابي.
فأما على ما أوَّلنا به الغنى، فيرتفع التعارض، وبيانه: أنَّ الغنى يعني به في الحديث: حصول ما تدفع به الحاجات الضرورية؛ كالأكل عند الجوع المشوِّش الذي لا صبر عليه، وستر العورة، والحاجة إلى ما يدفع به عن نفسه الأذى، وما هذا سبيله، فهذا ونحوه مما لا يجوز الإيثار به، ولا التصدُّق، بل يحرم؛ وذلك: أنه إن آثر غيره بذلك، أدى إلى هلاك نفسه، أو الإضرار بها، أو كشف عورته، فمراعاة حقَّه أولى على كل حال، فإذا سقطت هذه الواجبات صحّ الإيثار، وكأن صدقته هي الأفضل؛ لأجل ما يحمله من مضض الحاجة وشدَّة المشقة، والله تعالى أعلم.
وقوله: (إن هذا المال خضرة حلوة)؛ أي: روضة خضراء، أو شجرة ناعمة غضَّة مستحلاة الطعم.
وقوله: (فمن أخذه بطيب نفس)؛ أي: بسخاوتها، وقلة حرصها، بورك له فيه؛ أي: انتفع صاحبه في الدّنيا بالتنمية، وفي الآخرة بأجر النفقة. وإشراف النفس: هو حرصها وتشوُّفها.
وقوله: (ولم يبارك له فيه)؛ أي: لا ينتفع به صاحبه؛ إذ لا يجد لذة نفقته،
стр. 1331
رواه أحمد (٣/ ٣٣٤)، ومسلم (١٠٣٥)، والنسائي (٥/ ٦٠ و ١٠٠).
[٩٠٤] وَعَن أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (يَا ابنَ آدَمَ إِنَّكَ أَن تَبذُلَ الفَضلَ خَيرٌ لك، وَأَن تُمسِكَهُ شَرٌّ لك، وَلا تُلامُ عَلَى كَفَافٍ، وَابدَأ بِمَن تَعُولُ، وَاليَدُ العُليَا خَيرٌ مِنَ اليَدِ السُّفلَى).
رواه مسلم (١٠٣٦)، والترمذي (٢٣٤٤).
ــ
ولا ثواب صدقته، بل يتعب بجمعه، ويُذمّ بمنعه، ولا يصل إلى شيء من نفعه. ولا شك في أن الحرص على المال وعلى الحياة الدنيا مذموم، مفسد للدين، كما قال ﷺ : (ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم، بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) (١).
وقوله: (إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسك شرٌّ لك)، الفضل يعني به: الفاضل عن الكفاية (٢)، ولا شكَّ في أن إخراجه أفضل من إمساكه. فأما إمساكه عن الواجبات فشرٌّ على كل حال، وإمساكه عن المندوب إليه فقد يقال فيه شرٌّ؛ بالنسبة إلى ما فوَّت الممسك على نفسه من الخير. وقد تقدّم بيان هذا المعنى في قوله ﷺ : (وشرُّ صفوف الرجال آخرها) (٣)؛ وأن معنى ذلك: أنها أقل ثوابًا.
وقوله: (ولا تلام على كفاف)، يفهم منه بحكم دليل الخطاب: أن ما زاد على الكفاف يتعرض صاحبه للذمّ.
стр. 1332
[٩٠٥] وَعَن مُعَاوِيَةَ بنَ أَبِي سُفيَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (لا تُلحِفُوا فِي المَسأَلَةِ، فَوَاللهِ لا يَسأَلُنِي أَحَدٌ مِنكُم شَيئًا فَتُخرِجَ لَهُ مَسأَلَتُهُ مِنِّي شَيئًا، وَأَنَا لَهُ كَارِهٌ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيمَا أَعطَيتُهُ).
رواه أحمد (٤/ ٩٨)، ومسلم (١٠٣٨)، والنسائي (٥/ ٩٧ - ٩٨).
* * *
ــ
وقوله: (لا تُلحِفوا في المسألة)؛ هكذا صحيح الرواية، ومعناه: لا تنزلوا بي المسألة الملحف فيها؛ أي: لا تُلِحُّوا علي في السؤال. والإلحاف: الإلحاح.
وإنما نهى عن الإلحاح؛ لما يؤدي إليه من الإبرام واستثقال السائل، وإخجال المسئول، حتى أنه إن أخرج شيئًا أخرجه عن غير طيب نفس، بل عن كراهة وتبرُّم، وما استخرج كذلك لم يبارك فيه؛ لأنه مأخوذ على غير وجهه، ولذلك قال: (فَتُخرِجَ له المسألة شيئًا وأنا كاره له).
ثم قد كانوا - أعني المنافقين - يكثرون سؤال رسول الله ﷺ ليُبَخّلوه، فكان يعطي العطايا الكثيرة بحسب ما يُسأل؛ لئلا يتم لهم غرضهم من نسبته إلى البخل؛ كما قال: (إن قومًا خيَّروني بين أن يَسألوني بالفحش، وبين أن يُبَخّلوني ولست بباخل) (١).
* * *
стр. 1333
(٢٠) باب من أحق باسم المسكنة وكراهة المسألة للناس
[٩٠٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (لَيسَ المِسكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ فَتَرُدُّهُ اللُّقمَةُ وَاللُّقمَتَانِ وَالتَّمرَةُ وَالتَّمرَتَانِ) قَالُوا: فَمَا المِسكِينُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (الَّذِي لا يَجِدُ غِنًى يُغنِيهِ وَلا يُفطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيهِ وَلا يَسأَلُ النَّاسَ شَيئًا).
رواه أحمد (٢/ ٢٦٠ و ٤٦٩)، والبخاري (١٤٧٦)، ومسلم (١٠٣٩)(١٠٢)، وأبو داود (١٦٣١)، والنسائي (٥/ ٨٤ - ٨٥).
[٩٠٧] وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لا تَزَالُ المَسأَلَةُ
ــ
(٢٠) ومن باب: من أحق باسم المسكنة
المسكين مِفعِيل من السكون، فكأنه من عدم المال سكنت حركاته ووجوه مكاسبه، ولذلك قال تعالى: أَو مِسكِينًا ذَا مَترَبَةٍ؛ أي: لاصقًا بالتراب. وعند الأصمعي: أنه أسوأ حالاً من الفقير. وعند غيره: عكس ذلك. وقيل: هما اسمان لمسمى واحد.
ومعنى قوله: (ليس المسكين بالطَّواف عليكم. . .)، إلى آخره؛ أي: الأحق باسم المسكين هذا الذي لا يجد غنى، ولا يتصدّق عليه، وهذا كقوله: (ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) (١)، ومثل هذا كثير.
стр. 1334
بِأَحَدِكُم حَتَّى يَلقَى اللهَ وَلَيسَ فِي وَجهِهِ مُزعَةُ لَحمٍ).
رواه البخاري (١٤٧٤)، ومسلم (١٠٤٠)، والنسائي (٥/ ٩٤).
[٩٠٨] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَن سَأَلَ النَّاسَ أَموَالَهُم تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسأَلُ جَمرًا، فَليَستَقِلَّ أَو لِيَستَكثِر).
رواه أحمد (٢/ ٢٣١)، ومسلم (١٥٤١)، وابن ماجه (١٨٣٨).
ــ
وقوله: (وليس في وجهه مُزعة لحم)؛ أي: قطعة لحم، ومنه: مَزَعَت المرأة الصوف، إذا قطعته لتهيئه للغزل، وتمزَّع أنفه؛ أي: تشقَّق. وهذا كما قيل في الحديث الآخر: (المسائل كدوح، أو خدوش، يخدش بها الرجل وجهه يوم القيامة) (١). وهذا محمول على كل من سأل سؤالاً لا يجوز له، وخصَّ الوجه بهذا النوع؛ لأن الجناية به وقعت، إذ قد بذل من وجهه ما أُمر بصونه عنه، وتصرف به في غير ما سوِّغ له.
وقوله: (من سأل الناس أموالهم تكثرًا)؛ أي: استكثارًا منها من غير حاجة ولا ضرورة.
وقوله: (فإنما يسأل جمرًا)؛ أي: يعذب بحسب مسائله التي هي غير جائزة.
وقوله: (فليستكثر من ذلك أو ليستقلل)، هو أمر على جهة التهديد، أو على جهة الإخبار عن مآل حاله. والمعنى أنه يُعاقب عن القليل من ذلك والكثير.
стр. 1335
[٩٠٩] وَعَنهُ، قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (لأَن يَغدُوَ أَحَدُكُم فَيَحتطِبَ عَلَى ظَهرِهِ فَيَتَصَدَّقَ بِهِ وَيَستَغنِيَ بِهِ مِنَ النَّاسِ خَيرٌ مِن أَن يَسأَلَ رَجُلاً أَعطَاهُ أَو مَنَعَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّ اليَدَ العُليَا أَفضَلُ مِنَ اليَدِ السُّفلَى، وَابدَأ بِمَن تَعُولُ).
رواه أحمد (٢/ ٤٧٥)، ومسلم (١٠٤٢)، والترمذي (٦٨٠).
[٩١٠] وَعَن عَوفُ بنُ مَالِكٍ الأَشجَعِيُّ، قَالَ: كُنَّا عِندَ رَسُولِ اللهِ ﷺ تِسعَةً أَو ثَمَانِيَةً أَو سَبعَةً فَقَالَ: (أَلا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ ). وَكُنَّا حَدِيثَي عَهدٍ بِبَيعَةٍ فَقُلنَا: قَد بَايَعنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ! ثُمَّ قَالَ: (أَلا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ ) فَقُلنَا: قَد بَايَعنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: (أَلا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ ). قَالَ: فَبَسَطنَا أَيدِيَنَا، وَقُلنَا: قَد بَايَعنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَعَلامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: (عَلَى أَن تَعبُدُوا اللهَ وَلا تُشرِكُوا بِهِ شَيئًا، وَالصَّلَوَاتِ الخَمسِ، وَتُطِيعُوا الله. وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً. وَلا تَسأَلُوا النَّاسَ شَيئًا) فَلَقَد رَأَيتُ بَعضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسقُطُ سَوطُ أَحَدِهِم فَمَا يَسأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ.
رواه أحمد (٦/ ٢٧)، ومسلم (١٠٤٣)، وأبو داود (١٦٤٢)، والنسائي (١/ ٢٢٩)، وابن ماجه (٢٨٦٧).
* * *
ــ
وأخذه ﷺ على أصحابه في البيعة: (ألا يسألوا أحدًا شيئًا)، حَملٌ منه على مكارم الأخلاق، والترفع عن تحمّل مِنَن الخلق وتعليم الصبر على مضض الحاجات، والاستغناء عن الناس، وعزّة النفوس.
ولما أخذهم بذلك التزموه في جميع الأشياء، وفي كل الأحوال، حتى فيما لا تلحق فيه مِنَّة، طردًا للباب، وحسمًا للذرائع.