← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

رواه أحمد (٣/ ٣٣٤)، ومسلم (١٠٣٥)، والنسائي (٥/ ٦٠ و ١٠٠). [٩٠٤] وَعَن أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (يَا ابنَ آدَمَ إِنَّكَ أَن تَبذُلَ الفَضلَ خَيرٌ لك، وَأَن تُمسِكَهُ شَرٌّ لك، وَلا تُلامُ عَلَى كَفَافٍ، وَابدَأ بِمَن تَعُولُ، وَاليَدُ العُليَا خَيرٌ مِنَ اليَدِ السُّفلَى). رواه مسلم (١٠٣٦)، والترمذي (٢٣٤٤). ــ ولا ثواب صدقته، بل يتعب بجمعه، ويُذمّ بمنعه، ولا يصل إلى شيء من نفعه. ولا شك في أن الحرص على المال وعلى الحياة الدنيا مذموم، مفسد للدين، كما قال ﷺ : (ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم، بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) (١). وقوله: (إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسك شرٌّ لك)، الفضل يعني به: الفاضل عن الكفاية (٢)، ولا شكَّ في أن إخراجه أفضل من إمساكه. فأما إمساكه عن الواجبات فشرٌّ على كل حال، وإمساكه عن المندوب إليه فقد يقال فيه شرٌّ؛ بالنسبة إلى ما فوَّت الممسك على نفسه من الخير. وقد تقدّم بيان هذا المعنى في قوله ﷺ : (وشرُّ صفوف الرجال آخرها) (٣)؛ وأن معنى ذلك: أنها أقل ثوابًا. وقوله: (ولا تلام على كفاف)، يفهم منه بحكم دليل الخطاب: أن ما زاد على الكفاف يتعرض صاحبه للذمّ.

стр. 1332

[٩٠٥] وَعَن مُعَاوِيَةَ بنَ أَبِي سُفيَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (لا تُلحِفُوا فِي المَسأَلَةِ، فَوَاللهِ لا يَسأَلُنِي أَحَدٌ مِنكُم شَيئًا فَتُخرِجَ لَهُ مَسأَلَتُهُ مِنِّي شَيئًا، وَأَنَا لَهُ كَارِهٌ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيمَا أَعطَيتُهُ). رواه أحمد (٤/ ٩٨)، ومسلم (١٠٣٨)، والنسائي (٥/ ٩٧ - ٩٨). * * * ــ وقوله: (لا تُلحِفوا في المسألة)؛ هكذا صحيح الرواية، ومعناه: لا تنزلوا بي المسألة الملحف فيها؛ أي: لا تُلِحُّوا علي في السؤال. والإلحاف: الإلحاح. وإنما نهى عن الإلحاح؛ لما يؤدي إليه من الإبرام واستثقال السائل، وإخجال المسئول، حتى أنه إن أخرج شيئًا أخرجه عن غير طيب نفس، بل عن كراهة وتبرُّم، وما استخرج كذلك لم يبارك فيه؛ لأنه مأخوذ على غير وجهه، ولذلك قال: (فَتُخرِجَ له المسألة شيئًا وأنا كاره له). ثم قد كانوا - أعني المنافقين - يكثرون سؤال رسول الله ﷺ ليُبَخّلوه، فكان يعطي العطايا الكثيرة بحسب ما يُسأل؛ لئلا يتم لهم غرضهم من نسبته إلى البخل؛ كما قال: (إن قومًا خيَّروني بين أن يَسألوني بالفحش، وبين أن يُبَخّلوني ولست بباخل) (١). * * *

стр. 1333

(٢٠) باب من أحق باسم المسكنة وكراهة المسألة للناس [٩٠٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (لَيسَ المِسكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ فَتَرُدُّهُ اللُّقمَةُ وَاللُّقمَتَانِ وَالتَّمرَةُ وَالتَّمرَتَانِ) قَالُوا: فَمَا المِسكِينُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (الَّذِي لا يَجِدُ غِنًى يُغنِيهِ وَلا يُفطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيهِ وَلا يَسأَلُ النَّاسَ شَيئًا). رواه أحمد (٢/ ٢٦٠ و ٤٦٩)، والبخاري (١٤٧٦)، ومسلم (١٠٣٩) (١٠٢)، وأبو داود (١٦٣١)، والنسائي (٥/ ٨٤ - ٨٥). [٩٠٧] وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لا تَزَالُ المَسأَلَةُ ــ (٢٠) ومن باب: من أحق باسم المسكنة المسكين مِفعِيل من السكون، فكأنه من عدم المال سكنت حركاته ووجوه مكاسبه، ولذلك قال تعالى: أَو مِسكِينًا ذَا مَترَبَةٍ؛ أي: لاصقًا بالتراب. وعند الأصمعي: أنه أسوأ حالاً من الفقير. وعند غيره: عكس ذلك. وقيل: هما اسمان لمسمى واحد. ومعنى قوله: (ليس المسكين بالطَّواف عليكم. . .)، إلى آخره؛ أي: الأحق باسم المسكين هذا الذي لا يجد غنى، ولا يتصدّق عليه، وهذا كقوله: (ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) (١)، ومثل هذا كثير.

стр. 1334

بِأَحَدِكُم حَتَّى يَلقَى اللهَ وَلَيسَ فِي وَجهِهِ مُزعَةُ لَحمٍ). رواه البخاري (١٤٧٤)، ومسلم (١٠٤٠)، والنسائي (٥/ ٩٤). [٩٠٨] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَن سَأَلَ النَّاسَ أَموَالَهُم تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسأَلُ جَمرًا، فَليَستَقِلَّ أَو لِيَستَكثِر). رواه أحمد (٢/ ٢٣١)، ومسلم (١٥٤١)، وابن ماجه (١٨٣٨). ــ وقوله: (وليس في وجهه مُزعة لحم)؛ أي: قطعة لحم، ومنه: مَزَعَت المرأة الصوف، إذا قطعته لتهيئه للغزل، وتمزَّع أنفه؛ أي: تشقَّق. وهذا كما قيل في الحديث الآخر: (المسائل كدوح، أو خدوش، يخدش بها الرجل وجهه يوم القيامة) (١). وهذا محمول على كل من سأل سؤالاً لا يجوز له، وخصَّ الوجه بهذا النوع؛ لأن الجناية به وقعت، إذ قد بذل من وجهه ما أُمر بصونه عنه، وتصرف به في غير ما سوِّغ له. وقوله: (من سأل الناس أموالهم تكثرًا)؛ أي: استكثارًا منها من غير حاجة ولا ضرورة. وقوله: (فإنما يسأل جمرًا)؛ أي: يعذب بحسب مسائله التي هي غير جائزة. وقوله: (فليستكثر من ذلك أو ليستقلل)، هو أمر على جهة التهديد، أو على جهة الإخبار عن مآل حاله. والمعنى أنه يُعاقب عن القليل من ذلك والكثير.

стр. 1335

[٩٠٩] وَعَنهُ، قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (لأَن يَغدُوَ أَحَدُكُم فَيَحتطِبَ عَلَى ظَهرِهِ فَيَتَصَدَّقَ بِهِ وَيَستَغنِيَ بِهِ مِنَ النَّاسِ خَيرٌ مِن أَن يَسأَلَ رَجُلاً أَعطَاهُ أَو مَنَعَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّ اليَدَ العُليَا أَفضَلُ مِنَ اليَدِ السُّفلَى، وَابدَأ بِمَن تَعُولُ). رواه أحمد (٢/ ٤٧٥)، ومسلم (١٠٤٢)، والترمذي (٦٨٠). [٩١٠] وَعَن عَوفُ بنُ مَالِكٍ الأَشجَعِيُّ، قَالَ: كُنَّا عِندَ رَسُولِ اللهِ ﷺ تِسعَةً أَو ثَمَانِيَةً أَو سَبعَةً فَقَالَ: (أَلا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ ). وَكُنَّا حَدِيثَي عَهدٍ بِبَيعَةٍ فَقُلنَا: قَد بَايَعنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ! ثُمَّ قَالَ: (أَلا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ ) فَقُلنَا: قَد بَايَعنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: (أَلا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ ). قَالَ: فَبَسَطنَا أَيدِيَنَا، وَقُلنَا: قَد بَايَعنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَعَلامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: (عَلَى أَن تَعبُدُوا اللهَ وَلا تُشرِكُوا بِهِ شَيئًا، وَالصَّلَوَاتِ الخَمسِ، وَتُطِيعُوا الله. وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً. وَلا تَسأَلُوا النَّاسَ شَيئًا) فَلَقَد رَأَيتُ بَعضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسقُطُ سَوطُ أَحَدِهِم فَمَا يَسأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ. رواه أحمد (٦/ ٢٧)، ومسلم (١٠٤٣)، وأبو داود (١٦٤٢)، والنسائي (١/ ٢٢٩)، وابن ماجه (٢٨٦٧). * * * ــ وأخذه ﷺ على أصحابه في البيعة: (ألا يسألوا أحدًا شيئًا)، حَملٌ منه على مكارم الأخلاق، والترفع عن تحمّل مِنَن الخلق وتعليم الصبر على مضض الحاجات، والاستغناء عن الناس، وعزّة النفوس. ولما أخذهم بذلك التزموه في جميع الأشياء، وفي كل الأحوال، حتى فيما لا تلحق فيه مِنَّة، طردًا للباب، وحسمًا للذرائع.

стр. 1336

(٢١) باب من تحل له المسألة ؟ [٩١١] عَن قَبِيصَةَ بنِ مُخَارِقٍ الهِلالِيِّ قَالَ: تَحَمَّلتُ حَمَالَةً فَأَتَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَسأَلُهُ فِيهَا فَقَالَ: (أَقِم حَتَّى تَأتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأمُرَ لك بِهَا قَالَ: ثُمَّ قَالَ يَا قَبِيصَةُ: (إِنَّ المَسأَلَةَ لا تَحِلُّ إِلا لأَحَدِ ثَلاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ ــ (٢١) ومن باب: من تحلُّ له المسألة قوله: تحمّلت حمالة؛ أي: ألزمتها نفسي. والحمالة: ما لزم الإنسان تحمله من غرم أو دية. وكانت العرب إذا وقعت بينهم ثائرة اقتضت غرمًا في دية أو غيرها، قام أحدهم فتبرّع بالتزام ذلك، والقيام به؛ حتى ترتفع تلك الثائرة، ولا شكّ أن هذا من مكارم الأخلاق، ولا يصدر مثله إلا عن سادات الناس وخيارهم. وكانت العرب لكرمها إذا علمت بأن أحدًا تحمّل حمالة بادروا إلى معونته، وأعطوه ما يتمّ به وجه مكرمته، وتبرأ به ذمته، ولو سأل المتحمل في تلك الحمالة لم يُعَد ذلك نقصًا، بل شرفًا وفخرًا، ولذلك سأل هذا الرجل رسول الله ﷺ في حمالته التي تحمّلها على عاداتهم، فأجابه ﷺ إلى ذلك بحكم المعونة على المكرمة، ووعده النبي ﷺ بمال من الصدقة؛ لأنه غارم من جملة الغارمين المذكورين في آية الصدقات. وقوله: (إن المسألة لا تحل [إلا] لأحد ثلاثة)؛ لما قرّر النبي ﷺ منع قاعدة المسألة من الناس، بما تقدّم من الأحاديث، وبمبايعتهم على ذلك، وكانت الحاجات والفاقات تنزل بهم، فيحتاجون إلى السؤال، بيّن لهم النبي ﷺ من يَخرج من عموم تلك القاعدة، وهم هؤلاء الثلاثة. والجائحة: ما اجتاحت المال وأتلفته إتلافًا ظاهرًا، كالسيل والمطر والحرق والسرق وغلبة العدو، وغير ذلك مما يكون إتلافه للمال ظاهرًا. والفاقة: الفقر. والقوام - بكسر القاف -: ما يقوم به

стр. 1337

حَمَالَةً فَحَلَّت لَهُ المَسأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتهُ جَائِحَةٌ اجتَاحَت مَالَهُ، فَحَلَّت لَهُ المَسأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِن عَيشٍ، أَو قَالَ: سِدَادًا مِن عَيشٍ، وَرَجُلٌ أَصَابَتهُ فَاقَةٌ، حَتَّى يَقُومَ ثَلاثَةٌ مِن ذَوِي الحِجَى مِن قَومِهِ: لَقَد أَصَابَت فُلانًا فَاقَةٌ فَحَلَّت لَهُ المَسأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِن عَيشٍ، أَو قَالَ: سِدَادًا مِن عَيشٍ فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ المَسأَلَةِ، يَا قَبِيصَةُ! سُحتًا يَأكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحتًا). ــ العيش، وبفتحها: الاعتدال. والسِّداد - بكسر السين -: ما يُسدّ به الشيء، كسد القارورة، وبفتحها: الإصابة. وقوله: (حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجَى من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة)؛ أي: يقوم ثلاثة فيقولون: لقد أصابت فلانا فاقة، وفي كتاب أبي داود: حتى يقول باللام من القول، فلا يحتاج إلى تقدير محذوف. والحجى: العقل. واشترطه؛ لأن من عدمه لا يحصل بقوله ثقة، ولا يصلح للشهادة، أو لعلّه عبّر به عما يشترط في المخبر والشاهد من الأمور التي توجب الثقة بأقوالهم، ويكون الموصوف بها عدلاً مرضيًا. وقوله: (من قومه)؛ لأنهم أعلم بدخيلة أمره، واستظهر بالثالث ليلحق بالمنتشر. ولم يحتج فيمن أصابته الجائحة إلى مثل هذا؛ لظهور أمر الجائحة، فأما الفاقة فتخفى. وقوله: (حتى يصيبها ثم يمسك، وحتى يصيب قوامًا)؛ فيه حد الإباحة إلى زوال الموجب لها، ثم عوده إلى الأصل السابق الممنوع. وقوله: (فما سواهن من المسألة سحت)، السُّحت: الحرام، وسمي به؛ لأنه يسحت ويمحق، وفيه لغتان: سكون الحاء وضمها. وروايتنا في سحت الأول الرفع على أنه خبر المبتدأ الذي هو ما الموصولة. وقد وقع لبعضهم سحتًا

стр. 1338

رواه أحمد (٣/ ٤٧٧)، ومسلم (١٠٤٤)، وأبو داود (١٦٤٠)، والنسائي (٥/ ٨٩). * * * (٢٢) باب إباحة الأخذ لمن أعطي من غير سؤال ولا استشراف [٩١٢] عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ يَقُولُ: قَد كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعطِينِي العَطَاءَ فَأَقُولُ: أَعطِهِ أَفقَرَ إِلَيهِ مِنِّي، حَتَّى ــ بالنصب، وليس وجهه ببيِّن. وهو عائدٌ على الحالات الثلاثة، لا على لفظ الثلاث فإنها للذكور. وقوله: (فما سواهن سحت)؛ أي: ما سوى هؤلاء الثلاثة، ثم هو بعد ذلك مخصوص بحديث سمرة الذي خرّجه أبو داود مرفوعًا: (المسائل كدوح يكدح الرجل بها وجهه، إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان، أو في أمر لا يجد منه بدًّا) (١)، وما تدعو الحاجة والضرورة إلى المسألة فيه [يزيد] على الثلاثة المذكورين في هذا الحديث الذي نحن باحثون فيه. (٢٢) ومن باب: إباحة الأخذ من غير سؤال قول عمر ﵁: أعطه أفقر إليه مني؛ دليل: على زهده، وإيثاره لغيره على نفسه. وقوله له: خذه؛ أمرٌ على جهة الندب والإرشاد للمصلحة.

стр. 1339

أَعطَانِي مَرَّةً مَالاً فَقُلتُ: أَعطِهِ أَفقَرَ إِلَيهِ مِنِّي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (خُذهُ وَمَا جَاءَكَ مِن هَذَا المَالِ وَأَنتَ غَيرُ مُشرِفٍ وَلا سَائِلٍ فَخُذهُ. وَمَا لا، فَلا تُتبِعهُ نَفسَكَ). رواه البخاري (٧١٦٤)، ومسلم (١٠٤٥)، وأبو داود (١٦٧١)، والنسائي (٥/ ١٠٥). ــ وقوله: (وأنت غير مشرف ولا سائل)؛ إشراف النفس: تطلعها، وتشوُّفها، وشرحها لأخذ المال. ولا شك أن هذه الأمور إذا كانت هي الباعثة على الأخذ للمال؛ كان ذلك من أدلِّ دليل على شدّة الرغبة في الدنيا والحب لها، وعدم الزهد فيها، والركون إليها، والتوسّع فيها، وكل ذلك أحوال مذمومة، فنهاه عن الأخذ على هذه الحالة، اجتنابًا للمذموم، وقمعًا لدواعي النفس، ومخالفة لها في هواها، فإن من لم يكن كذلك جاز له الأخذ للأمن من تلك العلل المذمومة. قال الطحاوي: وليس معنى هذا الحديث في الصدقات، وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام على أغنياء الناس وفقرائهم. وقال الطبريّ: اختلف الناس فيما أمر النبي ﷺ به عمر ﵁ من ذلك، بعد إجماعهم على أنه أمر ندب وإرشاد؛ فقيل: هو ندبٌ إلى عطية السلطان وغيره. وقيل: بل ذلك إلى عطية غير السلطان، وأما عطية السلطان فقد حرمها قوم وكرهها آخرون. فأما من حمل الحديث على عطية السلطان، وأنها مندوبٌ إليها، فذلك إنما يصحّ أن يقال: إذا كانت أموالهم كما كانت أموال سلاطين السلف؛ مأخوذة من وجوهها، غير ممنوعة من مستحقيها. فأما اليوم: فالأخذ إما حرام وإما مكروه، والله تعالى أعلم. وقوله: (فلا تتبعه نفسك)؛ أي: لا تُعَلِّقها، ولا تُطمِعها في ذلك، فإذا فعلت ذلك بها سكنت ويئست. وهذا النهي على الكراهة يرشد إلى المصلحة التي

стр. 1340

[٩١٣] وَعَن عَبدِ اللَّه بنِ السَّعدِيِّ المَالِكِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: استَعمَلَنِي عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا فَرَغتُ مِنهَا وَأَدَّيتُهَا إِلَيهِ، أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ، فَقُلتُ: إِنَّمَا عَمِلتُ لِلَّهِ وَأَجرِي عَلَى اللهِ، فَقَالَ: خُذ مَا أُعطِيتَ، فَإِنِّي عَمِلتُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَعَمَّلَنِي، فَقُلتُ مِثلَ قَولِكَ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِذَا أُعطِيتَ شَيئًا مِن غَيرِ أَن تَسأَلَ فَكُل وَتَصَدَّق). رواه أحمد (١/ ٥٢)، ومسلم (١٠٤٥) (١١٢)، وأبو داود (١٦٤٧)، والنسائي (٥/ ١٠٢). * * * ــ في الأعراض. والعُمَالة: ما يعطاه العامل على عمله، وهي الأجرة، وعَمَّلَني: أعطاني أجر عملي. وقوله: (فكل وتصدق)؛ يحصل منه: أنه حلال طيب، يصلح للأكل والتصدق وغيرهما. فأما ما لا يكون كذلك، فلا يصلح لشيء من ذلك كما تقدّم، وحديث عبد الله بن السعدي هذا فيه انقطاع، فإن مسلمًا رواه من حديث السائب بن يزيد عن ابن السعدي، وبينهما رجل، وهو: حويطب بن عبد العزى، قاله النسائي وغيره. وفي هذا الإسناد أربعة من الصحابة، يروي بعضهم عن بعض: السائب، وحويطب، وعبد الله بن السعدي. والسعدي اسمه: قدامة (١). وقيل: عمرو، وهو قرشي عامري، مالكي من بني مالك بن حسل. وهذا الحديث أصل في أن كل من عمل للمسلمين عملاً من أعمالهم العامة: كالولاية، والقضاء، والحسبة، والإمامة، فأرزاقهم في بيت مال المسلمين، وأنهم يُعطون ذلك بحسب عملهم.

стр. 1341

(٢٣) باب كراهية الحرص على المال والعُمر [٩١٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (قَلبُ الشَّيخِ شَابٌّ عَلَى حُبِّ اثنَتَينِ: طُولُ الحَيَاةِ، وَحُبُّ المَالِ). رواه أحمد (٢/ ٣٣٥ و ٣٣٨)، والبخاري (٦٤٢٠)، ومسلم (١٠٤٦)، والترمذي (٢٣٣٨)، وابن ماجه (٤٢٣٣). [٩١٥] وَعَن أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (يَهرَمُ ابنُ آدَمَ وَتَشِبُّ مِنهُ اثنَتَانِ: الحِرصُ عَلَى المَالِ وَالحِرصُ عَلَى العُمُرِ). رواه أحمد (٣/ ١٩٢ و ٢٥٦)، والبخاري (٦٤٢١)، ومسلم (١٠٤٧)، والترمذي (٢٤٥٥)، وابن ماجه (٤٢٣٤). ــ (٢٣) ومن باب: كراهية الحرص على المال والعمر أحاديث هذا الباب كلها متواردة على الإخبار عمّا جُبِل الإنسان عليه؛ من حب المال، والحرص على البقاء في الدنيا، وعلى أن ذينك ليسا بمحمودين؛ بل مذمومين، ويحقق الذمّ في ذلك قوله ﷺ : (ويتوب الله على من تاب). وقد نص الله تعالى على ذم ذلك في قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُم أَحرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾؛ وغيره مما في معناه. وقوله ﷺ : (ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) (١)، وقد تقدّم: أن القراء في الصدر الأول هم كانوا الفقهاء؛ لأنهم كانوا يتفقهون في القرآن، وحديث أبي موسى هذا يدلّ عليه.

стр. 1342

[٩١٦] وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (لَو كَانَ لابنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِن مَالٍ لابتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا، وَلا يَملأُ جَوفَ ابنِ آدَمَ إِلا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن تَابَ). رواه أحمد (٣/ ٢٤٣)، والبخاري (٦٤٣٩)، ومسلم (١٠٤٨)، والترمذي (٢٣٣٧). [٩١٧] وَعَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيُّ، أَنَهُ بَعَثَ إِلَى قُرَّاءِ البَصرَةِ، فَدَخَلَ عَلَيهِ ثَلاثُمَائَةِ رَجُلٍ قَد قَرَءُوا القُرآنَ، فَقَالَ: أَنتُم خِيَارُ أَهلِ البَصرَةِ وَقُرَّاؤُهُم، فَاتلُوهُ وَلا يَطُولَنَّ عَلَيكُمُ الأَمَدُ، فَتَقسُوَ قُلُوبُكُم كَمَا قَسَت قُلُوبُ مَن كَانَ قَبلَكُم، وَإِنَّا كُنَّا نَقرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا فِي الطُّولِ وَالشِّدَّةِ بِبَرَاءَةَ فَأُنسِيتُهَا؛ غَيرَ أَنِّي قَد حَفِظتُ مِنهَا: (لَو كَانَ لابنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِن مَالٍ ــ وقوله: ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم؛ يعني به: لا تستطيبوا (١) مدة البقاء في الدنيا، فإن ذلك مفسد للقلوب بما يجرُّه إليها من الحرص والقسوة، حتى لا تلين لذكر الله، ولا تنتفع بموعظة ولا زجر، كما قال ﷺ : (إن أخوف (٢) ما أخاف على أمتي اتباع الهوى، وطول الأمل، فاتباع الهوى يصرف قلوبكم عن الحق، وطول الأمل يصرف هممكم إلى الدنيا، وما بعدهما لأحد خير من دنيا ولا آخرة) (٣). وقوله: كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدّة ببراءة فأنسيتها، وهذا ضرب من النسخ، فإن النسخ على ما نقله علماؤنا على ثلاثة أضرب:

стр. 1343

لابتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا، وَلا يَملأُ جَوفَ ابنِ آدَمَ إِلا التُّرَابُ)، وَكُنَّا نَقرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا بِإِحدَى المُسَبِّحَاتِ فَأُنسِيتُهَا؛ غَيرَ أَنِّي حَفِظتُ مِنهَا: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة. رواه مسلم (١٠٥١). * * * ــ أحدها: نسخ الحكم وبقاء التلاوة. والثاني: عكسه، وهو: نسخ التلاوة وبقاء الحكم. والثالث: نسخ الحكم والتلاوة، وهو كرفع هاتين السورتين اللتين ذكرهما أبو موسى، فإنهما رُفِعَ حُكمَهُما وتلاوتُهما. وهذا النحو من النسخ هو الذي ذكر الله تعالى حيث قال: ﴿مَا نَنسَخ مِن آيَةٍ أَو نُنسِهَا﴾؛ على قراءة من قرأها بضم النون، وكسر السين. وكذلك قوله تعالى: ﴿سَنُقرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ وهاتان السورتان مما قد شاء الله تعالى أن يُنسِيَه بعد أن أنزله، وهذا لأن الله تعالى فعال لما يريد، قادر على ما يشاء؛ إذ كل ذلك ممكن. ولا يتوهم متوهم من هذا وشبهه أن القرآن قد ضاع منه شيء، فإن ذلك باطل؛ بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وبأن إجماع الصحابة ومن بعدهم انعقد على أن القرآن الذي تعبدنا بتلاوته وبأحكامه هو ما ثبت بين دفتي المصحف من غير زيادة ولا نقصان، كما قررناه في أصول الفقه. وقوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفعَلُونَ﴾ هو استفهام على حجة الإنكار والتوبيخ، على أن يقول الإنسان عن نفسه من الخير ما لا يفعله. أما في الماضي: فيكون كذابًا، أو في المستقبل: فيكون خُلفًا، وكلاهما مذموم. وهذا في قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفعَلُونَ﴾

стр. 1344

(٢٤) باب الغنى غِنَى النفس وما يخاف من زهرة الدنيا وفضل التعفف والقناعة [٩١٨] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (لَيسَ الغِنَى عَن كَثرَةِ العَرَضِ وَلَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفسِ). رواه أحمد (٢/ ٢٤٣ و ٣٨٩)، والبخاري (٦٤٤٦)، ومسلم (١٠٥١)، والترمذي (٢٣٧٣)، وابن ماجه (٤١٣٧). ــ وأما في هذا الحديث، فإنما يتناول أن يخبر عن نفسه بشيء فعله فيما مضى، ويتمدح به فقط، بدليل قوله ﷺ : (فتكتب شهادةً في أعناقكم). (٢٤) ومن باب: الغنى غنى النفس قوله ﷺ : (ليس الغنى عن كثرة العرض) - بفتح العين والراء -، وهو: حُطام الدنيا ومتاعها. فأما العَرض - بفتح العين وسكون الراء -، فهو: ما خلا العقار والحيوان فيما يدخله الكيل والوزن، هذا قول أبي عبيد في العَرَض والعَرض. وفي كتاب العين: العَرَض: ما نيل من الدنيا، ومنه قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنيَا﴾ وجمعه: عُروض. ومعنى هذا الحديث: أن الغنى النافع أو العظيم أو الممدوح، هو غنى النفس، وبيانه: أنه إذا استغنت نفسه كفّت عن المطامع، فعزّت وعظمت، فجعل لها من الحظوة والنزاهة والتشريف والمدح أكثر ممن كان غنيًا بماله، فقيرًا بحرصه وشرهه، فإن ذلك يورطه في رذائل الأمور، وخسائس الأفعال، لبخله ودناءة همّته، فيكثر ذامُّه من الناس، ويصغر قدره فيهم؛ فيكون أحقر من كل حقير، وأذل من كل صغير.

стр. 1345

[٩١٩] وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (أَخوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيكُم مَا يُخرِجُ اللهُ لَكُم مِن زَهرَةِ الدُّنيَا. قَالُوا: وَمَا زَهرَةُ الدُّنيَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (بَرَكَاتُ الأَرضِ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَهَل يَأتِي الخَيرُ بِالشَّرِّ؟ قَالَ: لا يَأتِي الخَيرُ إِلا بِالخَيرِ، لا يَأتِي الخَيرُ إِلا بِالخَيرِ، لا يَأتِي الخَيرُ إِلا بِالخَيرِ. وَفِي رِوَايَةٍ أَوَخَير هُوَ؟ ، إِنَّ كُلَّ مَا يَنبِتُ الرَّبِيعُ يَقتُلُ حَبِطًا أَو يُلِمُّ ــ و(زهرة الدنيا): زينتها، وما يزهر منها، مأخوذ من زهر الأشجار، وهو ما يصفر من نَوَّارها. والنور: هو الأبيض منها، وهذا قول ابن الأعرابي. وحكى أبو حنيفة: أن النورَ والزهر سواء. وقد فسّرها ﷺ : بأنها بركات الأرض؛ أي: ما تزهر به الأرض من الخيرات والخصب. و(قول السائل): وهل يأتي الخير بالشر؟ سؤال من استبعد حصول شرّ من شيء سماه رسول الله ﷺ : بركات، وسماه (١) خَيرًا في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخَيرِ لَشَدِيدٌ﴾ وشبهه مما سُمِّي المال فيه: خيرًا. فلما فهم ﷺ من سؤاله هذا الاستبعاد أجابه جواب من بقي عنده اعتقاد: أن الخير الذي هو المال قد يعرض له أن يحصل عنه شر؛ إذا تعدى به حده وأسرف فيه، ومنع من حقه، ولذلك قال: أوخير هو؟ بهمزة الاستفهام، وواو العطف الواقعة بعدها المفتوحة على الرواية الصحيحة، منكرًا على من توهم أنه لا يحصل منه شر أصلاً، لا بالذات، ولا بالعرض. وقوله: (إن كل ما ينبت الربيع يقتل حَبَطًا أو يُلِمُّ)، الربيع: الجدول الذي يسقى به. والجمع: أربعاء. والجدول: النهر الصغير، الذي ينفجر من النهر

стр. 1346

إِلا آكِلَةَ الخَضِرِ فَإِنَّهَا تَأكُلُ، حَتَّى إِذَا امتلأت خَاصِرَتَاهَا استَقبَلَتِ الشَّمسَ ثُمَّ اجتَرَّت. وَبَالَت وَثَلَطَت ثُمَّ عَادَت فَأَكَلَت، فإن هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلوَةٌ، فَمَن أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ، فَنِعمَ المَعُونَةُ هُوَ. وَمَن أَخَذَهُ بِغَيرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأكُلُ وَلا يَشبَعُ). ــ الكبير. والحبط: الانتفاخ، يقال: حبطت الدابة تَحبط، إذا انتفخ بطنها من كثرة الأكل، وربما تموت من ذلك، وأصل الحبط: الإبطال والإفساد. ومنه: ﴿فَحَبِطَت أَعمَالُهُم﴾؛ أي: بطلت. ويلم؛ أي: يقرب من الموت، وأصله: من ألم بالمكان؛ إذا نزل به. ومنه قول الشاعر: متى تأتنا تُلمِم بنا في ديارنا أي: تنزل. قال الأزهري: هذا الخبر إذا بتر لم يكد يفهم، وفيه مثلان، ضُرب أحدهما للمفرط في جمع الدنيا ومنعها من حقها، وضرب الآخر للمقتصد في أخذها والانتفاع بها. فأما قوله: (وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا)، فهو مثل للمفرط الذي يأخذها بغير حق؛ وذلك أن الربيع ينبت أحرار البقول (١) والعشب، فتستكثر منها الماشية، حتى تنتفخ بطونها لما جاوزت حدّ الاحتمال، فتنشق أمعاؤها وتهلك، وكذلك الذي يجمع الدنيا من غير حلها، ويمنع ذا الحقّ حقه، فيهلك في الآخرة بدخوله النار. وأما مثل المقتصد، فقوله ﷺ : (إلا آكلة الخَضِر) إلى آخره، وذلك أن الخَضِر ليست من أحرار البقول التي ينبتها الربيع، ولكنها من الجَنبَة التي ترعاها المواشي بعد تهيج البقول، فضرب النبي ﷺ آكلة الخضر من المواشي مثلا لمن

стр. 1347

وَفِي رِوَايَةٍ: (وَإِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرٌ حُلوٌ، وَنِعمَ صَاحِبُ المُسلِمِ هُوَ لِمَن أَعطَى مِنهُ المِسكِينَ وَاليَتِيمَ وَابنَ السَّبِيلَ - أَو كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَإِنَّهُ مَن يَأخُذُهُ بِغَيرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأكُلُ وَلا يَشبَعُ، وَيَكُونُ عَلَيهِ شَهِيدًا يَومَ القِيَامَةِ). رواه أحمد (٣/ ٧)، ومسلم (١٠٥٢) (١٢١ - ١٢٣)، وابن ماجه (٣٩٩٥). ــ يقتصد في أخذه الدنيا وجمعها، ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها، فهو ينجو من وبالها كما نجت آكلة الخضر، ألا تراه ﷺ قال: (فإنها إذا أصابت من الخضر استقبلت عين الشمس، فثلطت وبالت)؛ أراد أنها إذا شبعت منها بركت مستقبلة الشمس؛ لتستمرئ بذلك ما أكلت، وتجتر، وتثلط، وإذا ثلطت فقد زال عنها الحبط، وإنما تحبط الماشية لأنها لا تثلط، ولا تبول. هذا آخر كلام الأزهري. والثلط: ما تلقيه الماشية سهلاً رقيقًا، يقال منه: ثَلَطَ يثلط ثلطًا. واجترت؛ أي: مضغت جرتها، وهو ما أخرجته من جوفها إلى فيها مما رعته. والخَضِر: كلأ الصيف. قال الأزهري: هو - هنا - ضرب من الجَنبة. وهي من الكلأ ما له أصل غامض في الأرض، واحدتها خضرة. ووقع في رواية العذري: إلا آكلة الخَضِرة - بفتح الخاء، وكسر الضاد - على الإفراد. كما قال الأزهري. وعند الطبري: الخُضرَة: بضم الخاء، وسكون الضاد. والرواية الصحيحة: إلا آكلة الخضرة بإلَّا المشددة، للاستثناء، وهو الواضح. ووقع لبعضهم: ألا، التي للاستفتاح، وبُعدُها واضح، وفيها تكلُّف. وقوله: (ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة)؛ يحتمل البقاء على ظاهره، وهو أنه يجاء بماله يوم القيامة فينطق الصامت منه بما فعل فيه، أو يمثل له أمثال حيوانات، كما جاء في مال مانع الزكاة من أنه مثل له ماله شجاعًا أقرع، أو يشهد عليه الموكلون بكتب الكسب والإنفاق وإحصاء ذلك، والله تعالى أعلم.

стр. 1348

[٩٢٠] وَعَنهُ، أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَعطَاهُم، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعطَاهُم، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا عِندَهُ، قَالَ: (مَا يَكُن عِندِي مِن خَيرٍ فَلَن أَدَّخِرَهُ عَنكُم، وَمَن يَستَعفِف يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَن يَستَغنِ يُغنِهِ اللهُ، وَمَن يَصبِر يُصَبِّرهُ اللهُ، وَمَا أُعطِيَ أَحَدٌ مِن عَطَاءٍ خَيرا وَأَوسَعُ مِنَ الصَّبرِ). رواه أحمد (٣/ ٩٣)، والبخاري (١٤٦٩)، ومسلم (١٠٥٣)، وأبو داود (١٦٤٤)، والترمذي (٢٠٢٤)، والنسائي (٥/ ٩٥ - ٩٦). [٩٢١] وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (قَد أَفلَحَ مَن أَسلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ). رواه أحمد (٢/ ١٦٨ و ١٧٢)، ومسلم (١٠٥٤)، والترمذي (٢٣٤٨)، وابن ماجه (٤١٣٨). ــ وقوله: (ومن يستعفف)؛ أي: عن السؤال للخلق. (يعفه الله)؛ أي: يجازه على استعفافه بصيانة وجهه، ورفع فاقته. وقوله: (ومن يستغن)؛ أي: بالله، وبما أعطاه. (يغنه)؛ أي: يخلق في قلبه غنىً، أو يعطه ما يستغني به عن الخلق. وقوله: (ومن يتصبر)؛ أي: يستعمل الصبر. و (يصبّره): يقوه، ويمكنه من نفسه حتى تنقاد له، وتذعن لتحمّل الشدائد، وعند ذلك يكون الله معه، فيظفره بمطلوبه، ويوصله إلى مرغوبه. وقوله: (قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا)؛ قد قدّمنا بيان الفلاح ما هو لغةً وعرفًا في كتاب الإيمان. و(الكفاف): ما يكف عن الحاجات، ويدفع الضرورات والفاقات، ولا يلحق بأهل الترفهات. ومعنى هذا الحديث: أن من فعل تلك الأمور، واتصف بها، فقد حصل على مطلوبه، وظفر بمرغوبه في الدُّنيا والآخرة.

стр. 1349

[٩٢٢] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (اللهُمَّ اجعَل رِزقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا). رواه أحمد (٢/ ٤٤٦ و ٤٨١)، ومسلم (١٠٥٥) (١٢٦)، والترمذي (٢٣٦١)، وابن ماجه (٤١٣٩). * * * (٢٥) باب إعطاء السائل ولو أفحش في المسألة [٩٢٣] عَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَسمًا ــ وقوله: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا)؛ أي: ما يقوتهم ويكفيهم، بحيث لا يشوشهم الجهد، ولا تُرهقهم الفاقة، ولا تذلهم المسألة والحاجة، ولا يكون أيضًا في ذلك فضول يخرج إلى الترف والتبسط في الدنيا، والركون إليها. وهذا يدل على زهد النبي ﷺ في الدنيا، وعلى تقلله منها، وهو حجة لمن قال: إن الكفاف أفضل من الفقر والغنى. وقد تقدم القول في هذه المسألة في كتاب الصلاة، وستأتي. (٢٥) ومن باب: إعطاء السائل ولو أفحش في المسألة قوله: قسم رسول الله ﷺ قَسمًا، كذا رويناه بفتح القاف، وهو المصدر، ومعناه: فعل النبي ﷺ فعل القسم، والقسم بالكسر: الحظ والنصيب، وهو غير مراد هنا، فإنه لم يقسم نصيب أحد، وإنما فعل القسم في المقسوم.

стр. 1350

فَقُلتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ! لَغَيرُ هَؤُلاءِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنهُم، قَالَ: إِنَّهُم خَيَّرُونِي بَين أَن يَسأَلُونِي بِالفُحشِ أَو يُبَخِّلُونِي فَلَستُ بِبَاخِلٍ). رواه مسلم (١٠٥٦). [٩٢٤] وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنتُ أَمشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَلَيهِ رِدَاءٌ نَجرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فَأَدرَكَهُ أَعرَابِيٌّ، فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبذَةً شَدِيدَةً، نَظَرتُ إِلَى صَفحَةِ عُنُقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَد أَثَّرَت بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِن شِدَّةِ جَبذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُر لِي مِن مَالِ اللهِ الَّذِي عِندَكَ. فَالتَفَتَ إِلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. ــ وقوله: (إنهم خيروني. .)، إلخ؛ معناه: إنهم ألَحُّوا عليه في المسألة، واشتَطُّوا في السؤال، وقصدوا بذلك أحد شيئين: إما أن يصلوا إلى ما طلبوه، أو ينسبوه إلى البخل، فاختار النبي ﷺ ما يقتضيه كرمه من إعطائهم ما سألوه، وصبره على جفوتهم، فسلم من نسبة البخل إليه؛ إذ لا يليق به، وحلم عنهم كي يتألفهم. وكان عمر ﵁ عتب عليه في ذلك، نظرًا إلى أهل الدّين، والغَنَاء فيه أحق بالمعونة عليه، وهذا هو الذي ظهر لسعد بن أبي وقاص، فأعلمهم النبي ﷺ بمصالح أخر لم تحظر لهم، هي أولى مما ظهر لهم. وقوله: وعليه رداء نجراني؛ أي: من عمل أهل نجران، وهذا يدل على إيثاره ﷺ التقلُّل من الدنيا والتبلُّغ منها بما أمكن في اللباس والمطعم وغيره، وأنه لم يكن بالذي يترفه في الدنيا، ولا يتوسع فيها. وهذا الحديث يدل: على ما وصف الله به نبيّه ﷺ : أنه على خلق عظيم، وأنه رءوف رحيم. فإن هذا الجفاء العظيم الذي صدر من هذا الأعرابي، لا يصبر عليه، ولا يحلم عنه مع القدرة عليه إلا مثله، ثم ضحكه ﷺ عند هذه الجبذة

стр. 1351

وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ جَبَذَهُ إِلَيهِ جَبذَةً رَجَعَ نَبِيُّ اللهِ فِي نَحرِ الأَعرَابِيِّ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَجَاذَبَهُ حَتَّى انشَقَّ البُردُ، وَحَتَّى بَقِيَت حَاشِيَتُهُ فِي عُنُقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . رواه أحمد (٣/ ١٥٢ و ٢١٠)، والبخاري (٥٨٠٩)، ومسلم (١٠٥٧). * * * (٢٦) باب إعطاء المؤلفة قلوبهم ١٠٥٨ [٩٢٥] عَنِ المِسوَرِ بنِ مَخرَمَةَ، قَالَ: قَدِمَت عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَقبِيَةٌ، فَقَالَ لِي أَبِي مَخرَمَةُ: انطَلِق بِنَا إِلَيهِ عَسَى أَن يُعطِيَنَا مِنه شَيئًا، قَالَ: فَقَامَ ــ الشديدة التي انشق البرد لها، وتأثر عنقه بسببها، حتى انفلت (١) عن وجهته، ورجع إلى نحر الأعرابي؛ دليل على أن الذي تَمَّ له من مقام الصبر والحلم ما تم لأحد، وهذا نظير صبره وحلمه يوم أحد؛ حيث كسرت رباعيته، وشج في وجهه، وصرع على جنبه، وهو في هذا الحال يقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) (٢)، ﷺ ، وشرّف وكرّم. (٢٦) ومن باب: إعطاء من يخاف على إيمانه قوله: قدمت أقبية، فقال أبي: انطلق عسى أن يعطينا منه؛ كذا وقع من رواية: منه بضمير الواحد، وكأنه عائد على نوع الأقبية في المعنى. ووقع في رواية

стр. 1352

أَبِي عَلَى البَابِ فَتَكَلَّمَ فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ صَوتَهُ فَخَرَجَ وَمَعَهُ قَبَاءٌ، وَهُوَ يُرِيهِ مَحَاسِنَهُ وَهُوَ يَقُولُ: (خَبَأتُ هَذَا لك، خَبَأتُ هَذَا لَكَ). وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيهِ فَقَالَ: (رَضِيَ مَخرَمَةُ). وَقَد تَقَدَمَ قَولُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حديث سَعدٍ: (إَنِي لأُعطِي الرَجُلَ وَغَيرُهُ أَحَبُ إِلَيَّ مِنهُ خَشيَةَ أَن يُكَبُ فِي النَارِ عَلَى وَجهِه). تقدم تخريجه برقم (١١٩). رواه البخاري (٢٥٩٩)، ومسلم (١٠٥٨)، وأبو داود (٤٠٢٨)، والترمذي (٢٨١٨)، والنسائي (٨/ ٢٠٥). [٩٢٦] وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، أَنَّ ناسًا مِنَ الأَنصَارِ قَالُوا يَومَ حُنَينٍ حِينَ أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِن أَموَالِ هَوَازِنَ مَا أَفَاءَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ــ أخرى: (منها) وهي الظاهرة. والأقبية: جمع قباء، وهو فارسي معرَّب، وقيل: هو عربيّ، واشتقاقه: من القبو، وهو الضمُّ والجمع. حكاه أبو الفرج الجوزي عن شيخه أبي منصور اللغوي. وقوله: حين أفاء الله؛ أي ردّ ورجع، والفيء: الرجوع، ومنه سُمّي الظل بعد الزوال: فيئًا؛ لأنه رجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق. وكأن الأموال التي بأيدي الكفار كانت بالأصالة للمؤمنين، إذ الإيمان هو الأصل، والكفر طارئ عليه، فغلب الكفار على تلك الأموال، فإذا غنم المسلمون منها شيئًا رجعت إلى نوع من كان ملك أصلها (١). وقوله: فطفق رسول الله ﷺ ؛ أي: جعل، وهي من أخوات كاد، إلا أنها

стр. 1353

يُعطِي رِجَالاً مِن قُرَيشٍ المِائَةَ مِنَ الإِبِلِ، فَقَالُوا: يَغفِرُ اللهُ لِرَسُولِ اللهِ يُعطِي قُرَيشًا وَيَترُكُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقطُرُ مِن دِمَائِهِم. قَالَ أَنَسُ بنُ مالكٍ: فَحُدِّثَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن قَولِهِم، فَأَرسَلَ إِلَى الأَنصَارِ فَجَمَعَهُم فِي قُبَّةٍ مِن أَدَمٍ، فَلَمَّا اجتَمَعُوا جَاءَهُم رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: (مَا حديث بَلَغَنِي عَنكُم؟ ) فَقَالَ لَهُ فُقَهَاءُ الأَنصَارِ: أَمَّا ذَوُو رَأيِنَا يَا رَسُولَ اللهِ فَلَم يَقُولُوا شَيئًا، وَأَمَّا أُنَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسنَانُهُم قَالُوا: يَغفِرُ اللهُ لِرَسُولِهِ يُعطِي قُرَيشًا وَيَترُكُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقطُرُ مِن دِمَائِهِم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (فَإِنِّي أُعطِي رِجَالاً حَدِيثِي عَهدٍ بِكُفرٍ أَتَأَلَّفُهُم، أَفَلا تَرضَونَ أَن يَذهَبَ النَّاسُ بِالأَموَالِ وَتَرجِعُونَ إِلَى رِحَالِكُم بِرَسُولِ اللهِ؟ فَوَاللهِ لَمَا تَنقَلِبُونَ بِهِ خَيرٌ مِمَّا يَنقَلِبُونَ بِهِ). فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ! قَد رَضِينَا، قَالَ: (فَإِنَّكُم سَتَجِدُونَ أَثَرَةً شَدِيدَةً، فَاصبِرُوا حَتَّى تَلقَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنِّي عَلَى الحَوضِ) قَالُوا: سَنَصبِرُ. ــ متصلة بالفعل الذي هو خبرها، وكاد مقاربة مفارقة. وقد تقدم الكلام عليها. والأدم: الجلد. وقوله: (فإنكم ستجدون أثرة شديدة)، روي عن العذري والطبري، وهي روايتنا: أَثَرَة - بفتح الهمزة والثاء. قال أبو عبيد: أي: يُستَأثر عليكم فيفضل غيركم نفسه عليكم في الفيء. والأثرة: اسم من: آثر يؤثر إيثارًا. قال الأعشى: استأثر الله بالبقاء وبالـ ... ـعدل وولى الملامة الرجلا (١)

стр. 1354

وَفِي رِوَايَةٍ: جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الأَنصَارَ فَقَالَ: (أَفِيكُم أَحَدٌ مِن غَيرِكُم؟ ) فَقَالُوا: لا إِلا ابنُ أُختٍ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنَّ ابنَ أُختِ القَومِ مِنهُم)، فَقَالَ: (إِنَّ قُرَيشًا حديث عَهدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَمُصِيبَةٍ وَإِنِّي أَرَدتُ أَن أَجبُرَهُم وَأَتَأَلَّفَهُم، أَمَا تَرضَونَ أَن يَرجِعَ النَّاسُ بِالدُّنيَا وَتَرجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلَى بُيُوتِكُم؟ لَو سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا، وَسَلَكَ الأَنصَارُ شِعبًا لَسَلَكتُ شِعبَ الأَنصَارِ). وَفِي أُخرَى: فَانهَزَمَ المُشرِكُونَ وَأَصَابَ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، فَقَسَمَ فِي المُهَاجِرِينَ وَالطُّلَقَاءِ، وَلَم يُعطِ الأَنصَارَ شَيئًا، فَقَالَتِ الأَنصَارُ: إِذَا كَانَتِ الشِّدَّةُ فَنَحنُ نُدعَى وَيعطَى الغَنَائِمُ غَيرَنَا، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَجَمَعَهُم فِي قُبَّةٍ، فَقَالَ: مَا حديث بَلَغَنِي عَنكُم؟ وَذَكَرَ نَحوِ مَا تَقَدَم. رواه أحمد (٣/ ٢٤٦)، والبخاري (٤٣٣١)، ومسلم (١٠٥٩)، والترمذي (٣٩٠١). ــ قال: وسمعت الأزهري يقول: الأثرة: الاستئثار. والجمع: الأُثُر. وعند أبي بحر في هذا الحرف بضم الهمزة وسكون الثاء. وأصل الأثرة: الفضل. قال أبو عبيد: يقال: له عليّ أثرة؛ أي: فضل، ومعناها قريب من الأول. وقيد عن علي أبي الحسين بن سراج الوجهين. والوادي: مجرى الماء المتسع (١). والشعب: الطريق في الجبل. والشعار: الثوب الذي يلي الجسد. والدثار: الذي يلي الشعار. ومعناه: أن الأنصار هم خاصته ﷺ وبطانته. وليس كذلك غيرهم. والطُلَقاء: هم الذين

стр. 1355

[٩٢٧] وَمِن حديث عَبدِ اللهِ بنِ زَيدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا فَتَحَ حُنَينًا قَسَمَ الغَنَائِمَ، فَأَعطَى المُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُم، فَبَلَغَهُ أَنَّ الأَنصَارَ يُحِبُّونَ أَن يُصِيبُوا مَا أَصَابَ النَّاسُ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَخَطَبَهُم، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثنَى عَلَيهِ ثُمَّ: (قَالَ يَا مَعشَرَ الأَنصَارِ أَلَم أَجِدكُم ضُلالاً فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي؟ وَعَالَةً فَأَغنَاكُمُ اللهُ بِي؟ وَمُتَفَرِّقِينَ فَجَمَعَكُمُ اللهُ بِي؟ وَيَقُولُونَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ. فَقَالَ: (أَلا تُجِيبُونِني؟ فَقَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ فَقَالَ: أَمَا إِنَّكُم لَو شِئتُم أَن تَقُولُوا كَذَا وَكَذَا، وَكَانَ مِنَ الأَمرِ كَذَا لأَشيَاءَ عَدَّدَهَا. زَعَمَ عَمرٌو أَن لا يَحفَظُهَا. فَقَالَ: (أَلا تَرضَونَ أَن يَذهَبَ النَّاسُ بِالشَّاءِ وَالإِبِلِ وَتَذهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلَى رِحَالِكُم؟ الأَنصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ، وَلَولا الهِجرَةُ لَكُنتُ امرَأً مِنَ الأَنصَارِ، وَلَو سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعبًا لَسَلَكتُ وَادِيَ الأَنصَارِ وَشِعبَهُم. إِنَّكُم سَتَلقَونَ بَعدِي أَثَرَةً فَاصبِرُوا حَتَّى تَلقَونِي عَلَى الحَوضِ). رواه أحمد (٤/ ٤٢)، والبخاري (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١). [٩٢٨] وَعَن عَبدِ اللهِ بِن مَسعُودٍ: لَمَّا كَانَ يَومُ حُنَينٍ آثَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَاسًا فِي القِسمَةِ، فَأَعطَى الأَقرَعَ بنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، وَأَعطَى عُيَينَةَ مِثلَ ذَلِكَ. وَأَعطَى أُنَاسًا مِن أَشرَافِ العَرَبِ. وَآثَرَهُم يَومَئِذٍ فِي ــ مَنَّ عليهم النبي ﷺ ، وخلَّى سبيلهم يوم فتح مكة. وأصله: أنه أطلقهم، بعدما حصلوا في وثاقه. وقوله: (ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار)؛ أي: أتسمى باسمهم، وأنتسب إليهم، كما كانوا يتناسبون بالحلف. لكن خصوصية الهجرة ومرتبتها سبقت وعَلِقَت، فهي أعلى وأشرف، فلا تبدل بغيرها، ولا ينتفى منها من حصلت له.

стр. 1356

القِسمَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ هَذِهِ لَقِسمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجهُ اللهِ. قَالَ: فَقُلتُ: وَاللهِ لأخبرن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: فَأَتَيتُهُ فَأَخبَرتُهُ بِمَا قَالَ، ــ وقول القائل: في قسمة النبي ﷺ : هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، أو: ما عدل فيها؛ قول جاهل بحال النبي ﷺ ، غليظ الطبع، حريص، شره، منافق. وكان حقه أن يُقتل؛ لأنه آذى رسول الله ﷺ ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ والعذاب في الدنيا هو: القتل، لكن لم يقتله النبي ﷺ للمعنى الذي قاله، وهو من حديث جابر: (لا يتحدّث الناس: أن محمدًا يقتل أصحابه) (١)، ولهذه العلة امتنع النبي ﷺ من قتل المنافقين، مع علمه بأعيان كثير منهم، وبنفاقهم. ولا يلتفت لقول من قال بإبداء علة أخرى؛ لأن حديث جابر وغيره نصٌّ في تلك العلة، وقد أُمِنت تلك العلة بعد رسول الله ﷺ ، فلا نفاق بعده، وإنما هو الزندقة، كذلك قال مالك ﵀، فمن رسول الله ﷺ ، أو سبّه قتل ولا يستتاب، وهذا هو الحق والصواب. واختلف في هذا العطاء الذي النبي ﷺ لهؤلاء المؤلفة قلوبهم. هل كان من الخمس؟ أو كان من صلب الغنيمة؟ والإجراء على أصول الشريعة أن يكون من الخمس، ومنه أكثر عطاياه ﷺ . وقد قال ﷺ : (ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم) (٢). والظاهر من مراجعة الأنصار، وقول النبي ﷺ : (ألا ترضون أن يرجع الناس بالشاء والبعير، وترجعون برسوله لله إلى رحالكم)؛ أنه كان من صلب الغنيمة، وأن ذلك إنما كان لما يعلم من رضا أصحابه بذلك، ولطيب قلوبهم به، أو يكون هذا مخصوصًا بتلك الواقعة، وله أن يفعل ما شاء في الأموال والرقاب. والأصل: التمسك بقواعد الشريعة على ما تقررت، والله تعالى أعلم.

стр. 1357

فَتَغَيَّرَ وَجهُهُ حَتَّى كَانَ كَالصِّرفِ قَالَ: (فَمَن يَعدِلُ إِن لَم يَعدِلِ اللهُ وَرَسُولُهُ؟ ثُمَّ قَالَ: (يَرحَمُ اللهُ مُوسَى قَد أُوذِيَ بِأَكثَرَ مِن هَذَا فَصَبَرَ). رواه أحمد (١/ ٤١١)، والبخاري (٦٣٣٦)، ومسلم (١٠٦٢). * * * (٢٧) باب يَجِبُ الرضا بما قسم رسول الله ﷺ وبما أعطى ويكفر من نَسبَ إليه جَورًا وذكر الخوارج [٩٢٩] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِالجِعرَانَةِ مُنصَرَفَهُ مِن حُنَينٍ. وَفِي ثَوبِ بِلالٍ فِضَّةٌ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَقبِضُ مِنهَا يُعطِي النَّاسَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اعدِل. فَقَالَ: (وَيلَكَ فمن يَعدِلُ إِذَا لَم أَكُن أَعدِلُ؟ لَقَد خِبتَ وَخَسِرتَ إِن لَم أَكُن أَعدِلُ)، فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: ــ وقوله: فتغير وجهه حتى صار كالصِّرف - هو بكسر الصاد، وهو صبغ أحمر تصبغ به الجلود، وقد يسمى الدم: صرفًا، قاله ابن دريد. (٢٧) ومن باب: يجب الرضا بما قسم رسول الله ﷺ وبما حكم الجِعرَّانَة: موضع خارج مكة، وهو ميقات من مواقيت العمرة، يقال: بكسر العين وتشديد الراء، وبسكون العين وتخفيف الراء. ومُنصَرَفه - بفتح الراء -: وقت انصرافه. وقوله ﷺ : (لقد خبت وخسرت)؛ رويته بضم التاء وفتحها. فأما الضم:

стр. 1358

دَعنِي يَا رَسُولَ اللهِ فَأَقتُلَ هَذَا المُنَافِقَ. فَقَالَ: (مَعَاذَ اللهِ أَن يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقتُلُ أَصحَابِي، إِنَّ هَذَا وَأَصحَابَهُ يَقرَءُونَ القُرآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُم، يَمرُقُونَ مِنهُ كَمَا يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ). رواه أحمد (٣/ ٣٥٣ - ٣٥٤)، والبخاري (٣١٣٨) مختصرًا، ومسلم (١٠٦٣)، وابن ماجه (١٧٢). ــ فمعناه واضح. وأما الفتح: فعلى معنى: إني إن جرت، فيلزم أن تجور أنت من جهة أنك مأمور باتباعي، فتخسر باتباع الجائر، هذا معنى ما قاله الأئمة. قلت: ويظهر لي وجه آخر، وهو: أنه كأنه قال له: لو كنتُ جائرًا لكنت أنت أحق الناس بأن يجار عليك، وتلحقك بادرة الجور الذي صدر عنك، فتعاقب عقوبة معجلة في نفسك ومالك، وتخسر كلَّ ذلك بسببها، لكن العدل هو الذي منع من ذلك. وتلخيصه: لولا امتثال أمر الله تعالى في الرفق بك؛ لأدركك الهلاك والخسار. ويمرقون: يخرجون، كما قد فسّره في الحديث الآخر، وبهذا اللفظ سُمُّوا: المارقة والخوارج؛ لأنهم مرقوا من الدين، وخرجوا على خيار المسلمين. والخوارج: جمع خارجة؛ يعني به: الطائفة والجماعة. والرَّمِيَّة: المرمية، فعيلة؛ بمعنى مفعولة. والحناجر: الحلوق، جمع حنجرة، وهي الحلاقيم أيضًا. والضِّئضئ - بضادين معجمتين -، وهو: الأصل، وله أسماء كثيرة: النَّجَار، والنَحاز، والسِّنخ، والعنصر، والعيص، وغير ذلك مما ذكره اللغويون. ومعنى: (لا يجاوز حناجرهم): لا يفهمونه، ولا يعملون بمعناه. (ونصل السهم): حديدته، و (رصافه): مدخل السهم في النصل. و (نضيه): قدحه، وهو عوده. و (قذذه): ريشه، جمع قُذَّة. و (فُوقه): هو الحَزّ الذي يدخل فيه الوتر.

стр. 1359

[٩٣٠] وعَن أَبِي سَلَمَةَ وَعَطَاءِ بنِ يَسَارٍ، أَنَّهُمَا أَتَيَا أَبَا سَعِيدٍ الخُدرِيَّ فَسَأَلاهُ عَنِ الحَرُورِيَّةِ: هَل سَمِعتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذكُرُهَا؟ فقَالَ: لا أَدرِي مَنِ الحَرُورِيَّةُ، وَلَكِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (يَخرُجُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ - وَلَم يَقُل: مِنهَا - قَومٌ تَحقِرُونَ صَلاتَكُم مَعَ صَلاتِهِم، وصِيَامِكُم مَعَ صِيَامِهِم، فَيَقرَءُونَ القُرآنَ لا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُم أَو حَنَاجِرَهُم، يَمرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَيَنظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهمِهِ إِلَى نَصلِهِ إِلَى رِصَافِهِ، فَيَتَمَارَى فِي الفُوقَةِ. هَل عَلِقَ بِهَا مِنَ الدَّمِ شَيءٌ. رواه أحمد (٣/ ٦٠)، والبخاري (٥٠٥٨)، ومسلم (١٠٦٤/ ١٤٧)، وابن ماجه (١٦٩). ــ و(العقبة)، التي تجمع الفوق هي: الأُطرَة. قال ابن قتيبة: الرُّعظُ: مدخل النصل في السهم. والرصاف: العقب الذي فوق الرُّعظ. قال الهروي: والرَّصَفَةُ: عقبة تلوى على مدخل النصل والسهم. قلت: ومقصود هذا التمثيل: أن هذه الطائفة خرجت من دين الإسلام، ولم يتعلَّق بها منه شيء، كما خرج هذا السهم من هذه الرمية، الذي لشدَّة النزع، وسرعة السهم، سبق خروجُه خروج الدم، بحيث لا يتعلق به شيء ظاهر، كما قال: سبق الفرث والدم (١). وبظاهر هذا التشبيه تمسّك من حكم بتكفيرهم من أئمتنا، وقد توقف في تكفيرهم كثير من العلماء لقوله ﷺ : (فيتمارى في الفوق)، وهذا يقضي بأنه يشك في أمرهم فيتوقف فيهم، وكأن القول الأول أظهر من الحديث. فعلى القول بتكفيرهم يُقاتَلون ويُقتلون، وتُسبى أموالُهم، وهو قول طائفة من أهل الحديث في أموال الخوارج. وعلى قول من لا يكفرهم: لا يُجهز على جريحهم، ولا يتبع منهزمهم، ولا يُقتل أسراهم،

стр. 1360

[٩٣١] وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيَّ قَالَ: بَعَثَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ من اليَمَنِ بِذَهَبَةٍ فِي أَدِيمٍ مَقرُوظٍ، لَم تُحَصَّل مِن تُرَابِهَا قَالَ: فَقَسَمَهَا بَينَ أَربَعَةِ نَفَرٍ: بَينَ عُيَينَةَ بنِ بدر، وَالأَقرَعِ بنِ حَابِسٍ، وَزَيدِ الخَيلِ، وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلقَمَةُ بنُ عُلاثَةَ، وَإِمَّا عَامِرُ بنُ الطُّفَيلِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِن أَصحَابِهِ: كُنَّا نَحنُ أَحَقَّ بِهَذَا مِن هَؤُلاءِ، قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: (أَلا تَأمَنُونِي؟ وَأَنَا أَمِينُ مَن فِي السَّمَاءِ يَأتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ مَسَاءً ــ ولا تستباح أموالهم. وكل هذا إذا خالفوا المسلمين، وشقّوا عصاهم، ونصبوا راية الحرب. فأما من استتر ببدعته منهم، ولم ينصب راية الحرب، ولم يخرج عن الجماعة: فهل يُقتل بعد الاستتابة، أو لا يقتل؟ وإنما يجتهد في ردّ بدعته، وردّه عنها. اختُلف في ذلك، وسبب الخلاف في تكفير من هذه حاله: أن باب التكفير باب خطير، أقدم عليه كثير من الناس فسقطوا، وتوقف فيه الفحول فسلموا، ولا نعدل بالسلامة شيئًا. والحرورية: الخوارج. سُمّوا بذلك؛ لأنهم خرجوا من حروراء، وهي حرّة معروفة بالعراق. وقوله: (بَذَهَبة في أديم مقروظ)؛ الذهبة: تأنيث الذهب. وكأنه ذهب به إلى معنى القطعة، أو الجملة. والأديم: الجلد. والمقرظ: المدبوغ بالقَرَظ، وهو شجر يدبغ به. وقوله: والرابع إما علقمة، وإما عامر، هذا شكّ، وهو وهَمٌ. وذكر عامر هنا خطأ، فإن عامرًا هلك قبل ذلك بسنين، ولم يدرك هذا الحين. والصواب: علقمة بن علاثة، كما جاء في الحديث الآخر من غير شك. وقوله ﷺ : (أنا أمينُ من في السماء)؛ لا حجة فيه لمن يرى: أن الله مختص بجهة فوق؛ لما تقدم من استحالة الجسمية، وأيضًا: فيحتمل أن يراد بمن

стр. 1361

وَصَبَاحًا قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ العَينَينِ، مُشرِفُ الوَجنَتَينِ، نَاشِزُ الجَبهَةِ، كَثُّ اللِّحيَةِ، مَحلُوقُ الرَّأسِ، مُشَمَّرُ الإِزَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! اتَّقِ اللهَ. فَقَالَ: (وَيلَكَ أَوَلَستُ أَحَقَّ أَهلِ الأَرضِ أَن يَتَّقِيَ اللهَ؟ قَالَ: ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ. فَقَالَ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلا أَضرِبُ عُنُقَهُ؟ فَقَالَ: (لا. لَعَلَّهُ أَن يَكُونَ يُصَلِّي قَالَ خَالِدٌ: وَكَم مِن مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيسَ فِي قَلبِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنِّي لَم أُؤمَر أَن أَنقُبَ عَن قُلُوبِ النَّاسِ، وَلا أَشُقَّ بُطُونَهُم) قَالَ: ثُمَّ نَظَرَ إِلَيهِ وَهُوَ مُقفٍّ فَقَالَ: (إِنَّهُ يَخرُجُ مِن ضِئضِئِ هَذَا قَومٌ يَتلُونَ كِتَابَ اللهِ رَطبًا لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُم يَمرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: (لَئِن أَدرَكتُهُم لأَقتُلَنَّهُم قَتلَ ثَمُودَ). وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (فَمَن يُطِيع اللهَ إِن عَصَيتُهُ؟ ! أَيَأمَنُنِي الله عَلَى أَهلِ الأَرضِ وَلا تَأمَنُونِي؟ وَفِيهَا: (إِنَّ مِن ضِئضِئِ هَذَا قَومًا ــ في السماء): الملائكة، فإنه أمين عندهم، معروف بالأمانة. والسماء بمعنى العلو والرفعة المعنوية. وهكذا القول في قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَن فِي السَّمَاءِ﴾ وقد تقدّم أن التسليم في المشكلات أسلم. و(مشرف الوجنتين): مرتفعهما. و (كث اللحية): كثيفها، قصير شعرها، يقال: رجلٌ كث اللحية، بَيِّنُ الكثاثة والكثوثة، وأَكَثّ. و (ناشز الجبهة): باديها ومرتفعها. و (مُقف): مولٍ قفاه. وفي هذا الحديث: أن خالدًا قال: يا رسول الله! ألا أضرب عنقه. وفي حديث جابر: أن عمر بن الخطاب قال: دعني يا رسول الله، فأقتل هذا المنافق. لا إشكال فيه؛ إذ الجمع ممكن، بأن يكون كل واحد منهما قال ذلك. وأجيب كل واحد منهما بغير ما أجيب به الآخر، والله أعلم.

стр. 1362

يَقرَءُونَ القُرآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُم، يَقتُلُونَ أَهلَ الإِسلامِ وَيَدَعُونَ أَهلَ الأَوثَانِ، يَمرُقُونَ مِنَ الإِسلامِ كَمَا يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَئِن أَدرَكتُهُم لأَقتُلَنَّهُم قَتلَ عَادٍ). رواه أحمد (٣/ ٤)، والبخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٤) (١٤٤)، وأبو داود (٤٧٦٤)، والنسائي (٥/ ٨٧ - ٨٨). [٩٣٢] وَعَنهُ قَالَ: بَينَا نَحنُ عِندَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَقسِمُ قَسمًا، أَتَاهُ ذُو الخُوَيصِرَةِ وَهُوَ رَجُلٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! اعدِل. ــ وقوله: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)، وفي الأخرى: (قتل ثمود)، ووجه الجمع: أن يكون النبي ﷺ قال كليهما، فذكر أحد الرواة أحدهما، وذكر الآخرُ الآخرَ. ومعنى هذا: أنه ﷺ كان يقتلهم قتلاً عامًا؛ بحيث لا يبقي منهم أحدًا في وقت واحد، لا يؤخر قتل بعضهم عن بعض، ولا يقيل أحدًا منهم، كما فعل الله بعاد؛ حيث أهلكهم بالريح العقيم، وبثمود حيث أهلكهم بالصيحة. وقوله: (لعله أن يكون يصلي)؛ هو مردود للمعنى الذي قدّمناه؛ من أنه إنما امتنع من قتله؛ لئلا يُتَحدَّث: أنه يقتل أصحابه المصلّين، فيكون ذلك مُنَفِّرًا، وإلا فقد صدر عنه ما يوجب قتله لولا المانع. وقوله: (لم أومر أن أنقب على (١) قلوب الناس)؛ أي: إنما أُمرت أن آخذ بظواهر أمورهم، وأكل بواطنهم إلى الله تعالى. وهذا كما قال: (أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله).

стр. 1363

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (وَيلَكَ وَمَن يَعدِلُ إِن لَم أَعدِل؟ قَد خِبتُ وَخَسِرتُ إِن لَم أَعدِل)، فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: يَا رَسُولَ اللهِ! ائذَن لِي فِيهِ أَضرِب عُنُقَهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (دَعهُ فَإِنَّ لَهُ أَصحَابًا يَحقِرُ أَحَدُكُم صَلاتَهُ مَعَ صَلاتِهِم، ــ وقوله: (يتلون كتاب الله رطبًا)؛ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الحذق بالتلاوة، والمعنى: أنهم يأتون به على أحسن أحواله. والثاني: يواظبون على تلاوته، فلا تزال ألسنتهم رطبة به. والثالث: أن يكون من حسن الصوت بالقراءة. وقوله: (يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان)؛ هذا منه ﷺ إخبار عن أمر غيب وقع على نحو ما أخبر عنه، فكان دليلاً من أدلة نبوّته ﷺ ، وذلك: أنهم لما حكموا بكفر مَن خرجوا عليه من المسلمين، استباحوا دماءهم، وتركوا أهل الذمة، وقالوا: نَفِي لهم بذمتهم، وعدلوا عن قتال المشركين، واشتغلوا (١) بقتال المسلمين عن قتال المشركين. وهذا كله من آثار عبادات الجهّال، الذين لم يشرح الله صدورهم (٢) بنور العلم، ولم يتمسكوا بحبل وثيق، ولا صحبهم في حالهم ذلك توفيق. وكفى بذلك: أنّ مُقَدَّمهم ردّ على رسول الله ﷺ أَمرَه، ونسبه إلى الجور، ولو تبصّر لأبصر عن قرب أنه لا يتصوّر الظلم والجوّر في حق رسول الله ﷺ ، كما لا يتصوّر في حق الله تعالى؛ إذ الموجودات كلها ملك لله تعالى، ولا يستحق أحد عليه حقًّا، فلا يُتصوّر في حقه شيء من ذلك. والرسول ﷺ مبلغ حكم الله تعالى، فلا يُتصوّر في حقه من ذلك ما لا يتصور في حق مرسله. ويكفيك من جهلهم وغلوّهم في بدعتهم حكمهم بتكفير من شهد له رسول الله ﷺ بصحَّة إيمانه، وبأنه من أهل الجنة، كعليّ وغيره [من صحابة

стр. 1364

وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِم، يَقرَءُونَ القُرآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُم، يَمرُقُونَ مِنَ الإِسلامِ كَمَا يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يُنظَرُ إِلَى نَصلِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيءٌ، ثُمَّ يُنظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيءٌ، ثُمَّ يُنظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيءٌ وَهُوَ القِدحُ، ثُمَّ يُنظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيءٌ، سَبَقَ الفَرثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُم رَجُلٌ أَسوَدُ إِحدَى عَضُدَيهِ مِثلُ ثَديِ المَرأَةِ أَو مِثلُ البَضعَةِ تَدَردَر، . . . . . . . . ــ رسول الله ﷺ ، مع ما وقع في الشريعة، وعلم على القطع والثبات من شهادات الله ورسوله لهم، وثنائه على عليّ والصحابة عمومًا وخصوصًا] (١). وقوله في صفة المخدّج: (إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، ومثل البضعة تدردر)، وفي رواية: (طبي شاة، أو ضرع شاة). والضرع: للشاة والبقرة. والخلف: للناقة. قال أبو عبيد: الأخلاف لذوات الخفّ، ولذوات الظلف، والثدي: للمرأة. والثندوة للرجل. وتدردر؛ أي: تتحرك وتضطرب. قال ابن قتيبة: تذهب وتجيء. وصيغة تَفَعلَل تنبئ على التحرك والاضطراب، مثل: تقلقل، وتزلزل، وتَدَهدَهَ الحجر. وفي الأم: قال عليّ - وذكر الخوارج -: فيهم رجل مخدج اليد، أو مودن اليد، أو مثدن اليد، على لفظ الشك لجميع الرواة، وقال بعضهم: مثدون. وكذا هو عند العذري، والطبري، والباجي. فأما: مخدج اليد: فناقصها. ومثدن اليد ومثدونها: صغيرها ومجتمعها، بمنزلة ثندوة الرجل. وكان أصله مثند، فقدمت الدال على النون، كما قالوا: جبذ وجذب. وقيل معناه: كثير اللحم. قال ابن دريد: ثدن الرجل ثدنًا، إذا كثر لحمه وثقل. وعلى هذا فلا يكون في الحرف قلب. فأما مودن، فقال أبو مروان بن سراج: يهمز ولا يهمز. قال ابن دريد: رجل

стр. 1365

يَخرُجُونَ عَلَى خَيرِ فُرقَةٍ مِنَ النَّاسِ). قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَشهَدُ أَنِّي سَمِعتُ هَذَا مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَشهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَاتَلَهُم وَأَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالتُمِسَ فَوُجِدَ، فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرتُ إِلَيهِ عَلَى نَعتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي نَعَتَ. رواه البخاري (٦١٦٣)، ومسلم (١٠٦٤) (١٤٨). [٩٣٣] وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (تَمرُقُ مَارِقَةٌ عِندَ فُرقَةٍ مِنَ المُسلِمِينَ يَقتُلُهَا أَولَى الطَّائِفَتَينِ بِالحَقِّ). وَفِي لَفظٍ آخَر: تَكُونُ أُمَّتِي فِرقتَينِ فَيَخرُجُ مِن بَينِهِمَا مَارِقَةٌ يَلِي قَتلَهُم أَولاهُم بِالحَقِّ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَأَنتُم قَتَلتُمُوهُم يَا أَهلَ العِرَاقِ. رواه أحمد (٣/ ٣٢ و ٩٧)، ومسلم (١٠٦٥)، وأبو داود (٤٦٦٧). ــ مودن، ناقص الخَلق. وودن ومودن، وكله بالدال المهملة. والذي يجمع شتات هذه الأحاديث في صفة يد هذا المخدج، ويبين صفتها ما جاء في حديث زيد بن وهب الذي قال فيه: (وآية ذلك أن فيهم رجلاً له عضد، ليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض)، وهذه الرواية: هي أحسن الروايات وأكملها وأبينها. وقوله: (يخرجون على خير فرقة)؛ كذا لأكثر الرواة، وعند السمرقندي وابن ماهان: (على حين فرقة) - بالنون والحاء - وكلاهما صحيح. فإنهم خرجوا حين افترق الناس فرقتين، فكانت فرقة مع معاوية ترى رأيه، وتقاتل معه، وفرقة مع عليّ ﵁ ترى رأيه، وتقاتل معه. وخرجت هذه الطائفة على عليّ ومعه معظم الصحابة ﵃. ولا خلاف أنه الإمام العدل، وأنه أفضل من معاوية ومن كل من كان معه، فقد صدق على فرقة علي ﵁ أنهم

стр. 1366

[٩٣٤] وَعَن عَلِيٍّ قَالَ: إِذَا حَدَّثتُكُم عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلأَن أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن أَن أَقُولَ عَلَيهِ مَا لَم يَقُل، وَإِذَا حَدَّثتُكُم فِيمَا بَينِي وَبَينَكُم فَإِنَّ الحَربَ خَدعَةٌ، سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (سَيَخرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَومٌ أَحدَاثُ الأَسنَانِ سُفَهَاءُ الأَحلامِ يَقُولُونَ مِن خَيرِ قَولِ البَرِيَّةِ، يَقرَءُونَ القُرآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُم، يَمرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُم فَاقتُلُوهُم، فَإِنَّ فِي قَتلِهِم أَجرًا لِمَن قَتَلَهُم عِندَ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ). ــ خير [الفرق]، وقد قال ﷺ : (تقتلهم أَولى الطائفتين بالحق) (١)، ولا خلاف في أن عليًّا قتلهم، ففرقته خير فرقة. وهذا اللفظ يدل على أن ما وقع بين علي وبين معاوية فيه لله تعالى حكمٌ معين، وأن عليًّا ﵁ هو الذي أصابه، والله أعلم. وقوله: (سبق الفرث والدم)، الفرث: ما يخرج من الكرش. وهذا لسرعة السهم وشدة النزع. وظاهره: أنه لم يصبه شيء، إلا أنه مقيَّد بالحديث الآخر الذي قال فيه: (يتمارى في الفوق). وقوله: الحرب خَدعة؛ اللغة الفصيحة في خَدعة فتح الخاء وسكون الدال، وهو الذي حكاه ابن السكيت وأبو عبيد، وهي لغة النبي ﷺ ، وحكى فيها بعض اللغويين ضم الخاء وسكون الدال، وحكي فيها لغة ثالثة، وهي أقلها: - بضم الخاء، وفتح الدال -، فخدعة - بالفتح -؛ أي: ذات خداع، فإنها مصدر محدود بالهاء. فأما خَدعة وخُدعة، فنحو: ضَحكة وضُحكة، كما تقدم. وقوله: (يقولون من خير قول البرية)، قال بعض العلماء: يعني بذلك ما صدر عنهم من قولهم: لا حكم إلا لله، وذلك حين التحكيم، ولما سمعهم علي

стр. 1367

رواه أحمد (١/ ١٣١)، والبخاري (٦٩٣٠)، ومسلم (١٠٦٦)، وأبو داود (٤٧٦٧)، والنسائي (٧/ ١١٩). [٩٣٥] وَعَن زَيدِ بنِ وَهبٍ الجُهَنِيِّ أَنَّهُ كَانَ فِي الجَيشِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِيٍّ، الَّذِينَ سَارُوا إِلَى الخَوَارِجِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (يَخرُجُ قَومٌ مِن أُمَّتِي يَقرَءُونَ القُرآنَ لَيسَ قِرَاءَتُكُم إِلَى قِرَاءَتِهِم بِشَيءٍ، وَلا صَلاتُكُم إِلَى صَلاتِهِم بِشَيءٍ وَلا صِيَامُكُم إِلَى صِيَامِهِم بِشَيءٍ يَقرَءُونَ القُرآنَ يَحسِبُونَ أَنَّهُ لَهُم وَهُوَ عَلَيهِم لا تُجَاوِزُ صَلاتُهُم تَرَاقِيَهُم، يَمرُقُونَ مِنَ الإِسلامِ كَمَا يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ لَو يَعلَمُ الجَيشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُم مَا قُضِيَ لَهُم عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِم لاتَّكَلُوا عَلى العَمَلِ وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِم رَجُلاً لَهُ عَضُدٌ وَلَيسَ لَهُ ذِرَاعٌ، عَلَى رَأسِ عَضُدِهِ مِثلُ حَلَمَةِ الثَّديِ، عَلَيهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ، فَتَذهَبُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَأَهلِ الشَّامِ، وَتَترُكُونَ هَؤُلاءِ يَخلُفُونَكُم فِي ذَرَارِيِّكُم وَأَموَالِكُم، وَاللهِ إِنِّي لأَرجُو أَن يَكُونُوا هَؤُلاءِ القَومَ، فَإِنَّهُم قَد سَفَكُوا الدَّمَ الحَرَامَ وَأَغَارُوا فِي سَرحِ النَّاسِ، فَسِيرُوا عَلَى اسمِ اللهِ. ــ ﵁ قال: كلمةُ حقٍّ أريد بها باطل. وقوله: (لا تجاوز صلاتُهم تراقيَهم)؛ هو كناية عن أنها لا تقبل، ولا ينتفعون بها، أو يعني بذلك: أن دعاءهم لا يسمع، والله أعلم. وقوله: (لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم لاتَّكلوا على العمل)، قضي معناه: حكم به، وأخبر عن ثوابه، والعمل: يعني به: قتلهم، والألف واللام في العمل للعهد، فكأنه قال: لاتَّكلوا على ثواب ذلك العمل، واعتَمدوا عليه في النجاة من النار، والفوز بالجنة، وإن كانت الأعمال

стр. 1368

قَالَ سَلَمَةُ بنُ كُهَيلٍ: فَنَزَّلَنِي زَيدُ بنُ وَهبٍ مَنزِلاً. حَتَّى قَالَ: مَرَرنَا عَلَى قَنطَرَةٍ، فَلَمَّا التَقَينَا وَعَلَى الخَوَارِجِ يَومَئِذٍ عَبدُ اللهِ بنُ وَهبٍ الرَّاسِبِيُّ فَقَالَ لَهُم: أَلقُوا الرِّمَاحَ وَسُلُّوا سُيُوفَكُم مِن جُفُونِهَا، فَإِنِّي أَخَافُ أَن ــ لا تُحصّل ذلك، كما قال ﷺ : (لن ينجي أحدًا منكم عمله) (١)، لكن ذلك العمل الذي هو قتلهم عظيم، وثوابه جسيم، بحيث لو اطلع عليه صاحبه؛ لاعتمد عليه، وظن أنه هو الذي ينجيه. والرواية في ذلك اللفظ: لاتَّكلوا بلام ألف، وبالتاء باثنتين، من التوكُّل، وقد صحّفه بعضهم فقال: لنكلوا بالنون من النكول عن العمل. أي: لا يعملون شيئًا؛ اكتفاء بما حصل لهم من ثواب ذلك. وهذا معنى واضح لو ساعدته الرواية. والعضد: ما بين المنكب والمرفق. وحلمة الثدي: الأنبوبة التي يخرج منها اللبن، وتسمى السعدانة. وسرح الناس: مواشيهم. وقول سلمة: فنزلني زيد منزلاً؛ أي: أخبرني بالمواضع التي نزلها علي مع جيشه منزلا منزلاً واحدًا واحدًا، وصوابه: منزلاً منزلاً مرتين؛ لأن معناه: أخبرني بالمنازل مفصَّلة، فهو منصوب على الحال، كما تقول العرب: علّمته الحساب بابًا بابًا. ولا يكتفى في هذا النوع بذكر مرة واحدة؛ لأنه لا يفيد ذلك المعنى، غير أنه وقع هنا منزلاً مرة واحدة، لجميع رواة مسلم فيما أعلم. وقد جاء من كتاب النسائي: منزلاً منزلاً، وهو الصحيح. وقول زعيم الخوارج: ألقُوا الرماح، وسُلُّوا السيوف؛ كان في هذا الرأي فتح للمسلمين، وصيانة لدمائهم، وتمكين من الخوارج؛ بحيث تُمُكّنَ منهم بالرماح، فَطُعِنُوا ولم يكن لهم بما يطعنون أحدًا، فَقُتِلوا عن بكرة أبيهم، ولم يقتل من المسلمين سوى رجلين، فنعوذ بالله من تدبير يقود إلى تدمير.

стр. 1369

يُنَاشِدُوكُم كَمَا نَاشَدُوكُم يَومَ حَرُورَاءَ، فَرَجَعُوا فَوَحَّشُوا بِرِمَاحِهِم، وَسَلُّوا السُّيُوفَ، وَشَجَرَهُمُ النَّاسُ بِرِمَاحِهِم. قَالَ: وَقُتِلَ بَعضُهُم عَلَى بَعضٍ، وَمَا أُصِيبَ مِنَ النَّاسِ يَومَئِذٍ إِلا رَجُلانِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: التَمِسُوا فِيهِمُ المُخدَجَ. فَالتَمَسُوهُ، فَلَم يَجِدُوهُ، فَقَامَ عَلِيٌّ بِنَفسِهِ حَتَّى أَتَى نَاسًا قَد قُتِلَ بَعضُهُم عَلَى بَعضٍ. قَالَ: أَخِّرُوهُم فَوَجَدُوهُ مِمَّا يَلِي الأَرضَ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللهُ وَبَلَّغَ رَسُولُهُ. قَالَ: فَقَامَ إِلَيهِ عَبِيدَةُ السَّلمَانِيُّ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، الله الَّذِي لا إِلهَ إِلا هُوَ لَسَمِعتَ هَذَا الحديث مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: إِي وَاللهِ الَّذِي لا إِلهَ إِلا هُوَ، حَتَّى استَحلَفَهُ ثَلاثًا، وَهُوَ يَحلِفُ لَهُ. رواه مسلم (١٠٦٦)، وأبو داود (٤٧٦٨ - ٤٧٧٠). ــ وقوله: فوحَّشوا برماحهم؛ أي: صيروها كالوحش بعيدة منهم، وقد جاء في حديث آخر: فوحّشوا بأسنَّتِهم (١)، واعتنق بعضهم بعضًا. وهو مُشَدَّد الحاء، يقال: وحّش الرجل، إذا رمى بثوبه وبسلاحه مخافة أن يلحق، قال الشاعر (٢): فإن أنتم لم تطلبوا بأخيكم ... فذروا السلاح، ووحِّشوا بالأبرق وقوله: وشجرهم الناس برماحهم؛ أي: داخلوهم وطاعنوهم. قال ابن دريد: تشاجر القوم بالرماح، إذا تطاعنوا بها، ومنه: التشاجر في الخصومة. وعبيدة السلماني - بفتح العين وكسر بائه -، والسلماني - بفتح اللام وسكونها معًا، وبالسكون وحده -؛ ذكره الجبّائي قال: هو منسوب إلى سلمان. وقوله: آلله الذي لا إله إلا هو؛ بمد وهمزة، فالهمزة عوض من باء

стр. 1370

[٩٣٦] وَعَن عُبَيدِ اللهِ بنِ أَبِي رَافِعٍ مَولَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّ الحَرُورِيَّةَ لَمَّا خَرَجَت وَهُوَ مَعَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ قَالُوا: لا حُكمَ إِلا لِلَّهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَصَفَ نَاسًا إِنِّي لأَعرِفُ صِفَتَهُم فِي هَؤُلاءِ، يَقُولُونَ الحَقَّ بِأَلسِنَتِهِم لا يَجُوزُ هَذَا مِنهُم - وَأَشَارَ إِلَى حَلقِهِ - مِن أَبغَضِ خَلقِ اللهِ إِلَيهِ مِنهُم أَسوَدُ، إِحدَى يَدَيهِ طُبيُ شَاةٍ أَو حَلَمَةُ ثَديٍ، فَلَمَّا قَتَلَهُم عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: انظُرُوا، فَنَظَرُوا فَلَم يَجِدُوا شَيئًا. فَقَالَ: ارجِعُوا. فَوَاللهِ مَا كَذَبتُ وَلا كُذِبتُ مَرَّتَينِ أَو ثَلاثًا. ثُمَّ وَجَدُوهُ فِي خَرِبَةٍ. فَأَتَوا بِهِ حَتَّى وَضَعُوهُ بَينَ يَدَيهِ. قَالَ عُبَيدُ اللهِ: وَأَنَا حَاضِرُ ذَلِكَ مِن أَمرِهِم وَقَولِ عَلِيٍّ فِيهِم. رواه أحمد (١/ ٨٣ و ٨٤)، ومسلم (١٠٦٦) (١٥٧). [٩٣٧] وَمِن حديث عَبدِ اللهِ بنِ الصَّامِتِ: يَخرُجُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَخرُجُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ، هُم شَرُّ الخَلقِ وَالخَلِيقَةِ). رواه أحمد (٥/ ٣١)، ومسلم (١٠٦٧) (١٥٨)، وابن ماجه (١٧٠). [٩٣٨] وَمِن حديث سَهلَ بنَ حُنَيفٍ، عَنِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (يَتِيهُ قَومٌ قِبَلَ المَشرِقِ، ــ القسم، وهو قسم أُقسم عليه به؛ لتزيد طمأنينة قلبه، لا ليدفع شكًّا عن نفسه. وقوله: (يتيه قوم قِبَل المشرق)؛ أي: يتحيّرون ويذهبون في غير وجه صحيح، يقال: تاه الرجل: إذا ذهب في الأرض غير مهتدٍ. ومنه تيه بني إسرائيل. وقيل: المشرق يدل على صحة تأويل من تأول: قرن الشيطان بأنهم الخوارج، والفتن التي طلعت من هناك، والله تعالى أعلم.
следующие страницы →