[٩٣٤] وَعَن عَلِيٍّ قَالَ: إِذَا حَدَّثتُكُم عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلأَن أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن أَن أَقُولَ عَلَيهِ مَا لَم يَقُل، وَإِذَا حَدَّثتُكُم فِيمَا بَينِي وَبَينَكُم فَإِنَّ الحَربَ خَدعَةٌ، سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (سَيَخرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَومٌ أَحدَاثُ الأَسنَانِ سُفَهَاءُ الأَحلامِ يَقُولُونَ مِن خَيرِ قَولِ البَرِيَّةِ، يَقرَءُونَ القُرآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُم، يَمرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُم فَاقتُلُوهُم، فَإِنَّ فِي قَتلِهِم أَجرًا لِمَن قَتَلَهُم عِندَ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ).
ــ
خير [الفرق]، وقد قال ﷺ : (تقتلهم أَولى الطائفتين بالحق) (١)، ولا خلاف في أن عليًّا قتلهم، ففرقته خير فرقة. وهذا اللفظ يدل على أن ما وقع بين علي وبين معاوية فيه لله تعالى حكمٌ معين، وأن عليًّا ﵁ هو الذي أصابه، والله أعلم.
وقوله: (سبق الفرث والدم)، الفرث: ما يخرج من الكرش. وهذا لسرعة السهم وشدة النزع. وظاهره: أنه لم يصبه شيء، إلا أنه مقيَّد بالحديث الآخر الذي قال فيه: (يتمارى في الفوق).
وقوله: الحرب خَدعة؛ اللغة الفصيحة في خَدعة فتح الخاء وسكون الدال، وهو الذي حكاه ابن السكيت وأبو عبيد، وهي لغة النبي ﷺ ، وحكى فيها بعض اللغويين ضم الخاء وسكون الدال، وحكي فيها لغة ثالثة، وهي أقلها: - بضم الخاء، وفتح الدال -، فخدعة - بالفتح -؛ أي: ذات خداع، فإنها مصدر محدود بالهاء. فأما خَدعة وخُدعة، فنحو: ضَحكة وضُحكة، كما تقدم.
وقوله: (يقولون من خير قول البرية)، قال بعض العلماء: يعني بذلك ما صدر عنهم من قولهم: لا حكم إلا لله، وذلك حين التحكيم، ولما سمعهم علي
стр. 1367
رواه أحمد (١/ ١٣١)، والبخاري (٦٩٣٠)، ومسلم (١٠٦٦)، وأبو داود (٤٧٦٧)، والنسائي (٧/ ١١٩).
[٩٣٥] وَعَن زَيدِ بنِ وَهبٍ الجُهَنِيِّ أَنَّهُ كَانَ فِي الجَيشِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِيٍّ، الَّذِينَ سَارُوا إِلَى الخَوَارِجِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (يَخرُجُ قَومٌ مِن أُمَّتِي يَقرَءُونَ القُرآنَ لَيسَ قِرَاءَتُكُم إِلَى قِرَاءَتِهِم بِشَيءٍ، وَلا صَلاتُكُم إِلَى صَلاتِهِم بِشَيءٍ وَلا صِيَامُكُم إِلَى صِيَامِهِم بِشَيءٍ يَقرَءُونَ القُرآنَ يَحسِبُونَ أَنَّهُ لَهُم وَهُوَ عَلَيهِم لا تُجَاوِزُ صَلاتُهُم تَرَاقِيَهُم، يَمرُقُونَ مِنَ الإِسلامِ كَمَا يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ لَو يَعلَمُ الجَيشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُم مَا قُضِيَ لَهُم عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِم لاتَّكَلُوا عَلى العَمَلِ وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِم رَجُلاً لَهُ عَضُدٌ وَلَيسَ لَهُ ذِرَاعٌ، عَلَى رَأسِ عَضُدِهِ مِثلُ حَلَمَةِ الثَّديِ، عَلَيهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ، فَتَذهَبُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَأَهلِ الشَّامِ، وَتَترُكُونَ هَؤُلاءِ يَخلُفُونَكُم فِي ذَرَارِيِّكُم وَأَموَالِكُم، وَاللهِ إِنِّي لأَرجُو أَن يَكُونُوا هَؤُلاءِ القَومَ، فَإِنَّهُم قَد سَفَكُوا الدَّمَ الحَرَامَ وَأَغَارُوا فِي سَرحِ النَّاسِ، فَسِيرُوا عَلَى اسمِ اللهِ.
ــ
﵁ قال: كلمةُ حقٍّ أريد بها باطل.
وقوله: (لا تجاوز صلاتُهم تراقيَهم)؛ هو كناية عن أنها لا تقبل، ولا ينتفعون بها، أو يعني بذلك: أن دعاءهم لا يسمع، والله أعلم.
وقوله: (لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم لاتَّكلوا على العمل)، قضي معناه: حكم به، وأخبر عن ثوابه، والعمل: يعني به: قتلهم، والألف واللام في العمل للعهد، فكأنه قال: لاتَّكلوا على ثواب ذلك العمل، واعتَمدوا عليه في النجاة من النار، والفوز بالجنة، وإن كانت الأعمال
стр. 1368
قَالَ سَلَمَةُ بنُ كُهَيلٍ: فَنَزَّلَنِي زَيدُ بنُ وَهبٍ مَنزِلاً. حَتَّى قَالَ: مَرَرنَا عَلَى قَنطَرَةٍ، فَلَمَّا التَقَينَا وَعَلَى الخَوَارِجِ يَومَئِذٍ عَبدُ اللهِ بنُ وَهبٍ الرَّاسِبِيُّ فَقَالَ لَهُم: أَلقُوا الرِّمَاحَ وَسُلُّوا سُيُوفَكُم مِن جُفُونِهَا، فَإِنِّي أَخَافُ أَن
ــ
لا تُحصّل ذلك، كما قال ﷺ : (لن ينجي أحدًا منكم عمله) (١)، لكن ذلك العمل الذي هو قتلهم عظيم، وثوابه جسيم، بحيث لو اطلع عليه صاحبه؛ لاعتمد عليه، وظن أنه هو الذي ينجيه.
والرواية في ذلك اللفظ: لاتَّكلوا بلام ألف، وبالتاء باثنتين، من التوكُّل، وقد صحّفه بعضهم فقال: لنكلوا بالنون من النكول عن العمل. أي: لا يعملون شيئًا؛ اكتفاء بما حصل لهم من ثواب ذلك. وهذا معنى واضح لو ساعدته الرواية.
والعضد: ما بين المنكب والمرفق. وحلمة الثدي: الأنبوبة التي يخرج منها اللبن، وتسمى السعدانة. وسرح الناس: مواشيهم.
وقول سلمة: فنزلني زيد منزلاً؛ أي: أخبرني بالمواضع التي نزلها علي مع جيشه منزلا منزلاً واحدًا واحدًا، وصوابه: منزلاً منزلاً مرتين؛ لأن معناه: أخبرني بالمنازل مفصَّلة، فهو منصوب على الحال، كما تقول العرب: علّمته الحساب بابًا بابًا. ولا يكتفى في هذا النوع بذكر مرة واحدة؛ لأنه لا يفيد ذلك المعنى، غير أنه وقع هنا منزلاً مرة واحدة، لجميع رواة مسلم فيما أعلم.
وقد جاء من كتاب النسائي: منزلاً منزلاً، وهو الصحيح.
وقول زعيم الخوارج: ألقُوا الرماح، وسُلُّوا السيوف؛ كان في هذا الرأي فتح للمسلمين، وصيانة لدمائهم، وتمكين من الخوارج؛ بحيث تُمُكّنَ منهم بالرماح، فَطُعِنُوا ولم يكن لهم بما يطعنون أحدًا، فَقُتِلوا عن بكرة أبيهم، ولم يقتل من المسلمين سوى رجلين، فنعوذ بالله من تدبير يقود إلى تدمير.
стр. 1369
يُنَاشِدُوكُم كَمَا نَاشَدُوكُم يَومَ حَرُورَاءَ، فَرَجَعُوا فَوَحَّشُوا بِرِمَاحِهِم، وَسَلُّوا السُّيُوفَ، وَشَجَرَهُمُ النَّاسُ بِرِمَاحِهِم. قَالَ: وَقُتِلَ بَعضُهُم عَلَى بَعضٍ، وَمَا أُصِيبَ مِنَ النَّاسِ يَومَئِذٍ إِلا رَجُلانِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: التَمِسُوا فِيهِمُ المُخدَجَ. فَالتَمَسُوهُ، فَلَم يَجِدُوهُ، فَقَامَ عَلِيٌّ بِنَفسِهِ حَتَّى أَتَى نَاسًا قَد قُتِلَ بَعضُهُم عَلَى بَعضٍ. قَالَ: أَخِّرُوهُم فَوَجَدُوهُ مِمَّا يَلِي الأَرضَ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللهُ وَبَلَّغَ رَسُولُهُ. قَالَ: فَقَامَ إِلَيهِ عَبِيدَةُ السَّلمَانِيُّ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، الله الَّذِي لا إِلهَ إِلا هُوَ لَسَمِعتَ هَذَا الحديث مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: إِي وَاللهِ الَّذِي لا إِلهَ إِلا هُوَ، حَتَّى استَحلَفَهُ ثَلاثًا، وَهُوَ يَحلِفُ لَهُ.
رواه مسلم (١٠٦٦)، وأبو داود (٤٧٦٨ - ٤٧٧٠).
ــ
وقوله: فوحَّشوا برماحهم؛ أي: صيروها كالوحش بعيدة منهم، وقد جاء في حديث آخر: فوحّشوا بأسنَّتِهم (١)، واعتنق بعضهم بعضًا. وهو مُشَدَّد الحاء، يقال: وحّش الرجل، إذا رمى بثوبه وبسلاحه مخافة أن يلحق، قال الشاعر (٢):
فإن أنتم لم تطلبوا بأخيكم ... فذروا السلاح، ووحِّشوا بالأبرق
وقوله: وشجرهم الناس برماحهم؛ أي: داخلوهم وطاعنوهم. قال ابن دريد: تشاجر القوم بالرماح، إذا تطاعنوا بها، ومنه: التشاجر في الخصومة.
وعبيدة السلماني - بفتح العين وكسر بائه -، والسلماني - بفتح اللام وسكونها معًا، وبالسكون وحده -؛ ذكره الجبّائي قال: هو منسوب إلى سلمان.
وقوله: آلله الذي لا إله إلا هو؛ بمد وهمزة، فالهمزة عوض من باء
стр. 1370
[٩٣٦] وَعَن عُبَيدِ اللهِ بنِ أَبِي رَافِعٍ مَولَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّ الحَرُورِيَّةَ لَمَّا خَرَجَت وَهُوَ مَعَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ قَالُوا: لا حُكمَ إِلا لِلَّهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَصَفَ نَاسًا إِنِّي لأَعرِفُ صِفَتَهُم فِي هَؤُلاءِ، يَقُولُونَ الحَقَّ بِأَلسِنَتِهِم لا يَجُوزُ هَذَا مِنهُم - وَأَشَارَ إِلَى حَلقِهِ - مِن أَبغَضِ خَلقِ اللهِ إِلَيهِ مِنهُم أَسوَدُ، إِحدَى يَدَيهِ طُبيُ شَاةٍ أَو حَلَمَةُ ثَديٍ، فَلَمَّا قَتَلَهُم عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: انظُرُوا، فَنَظَرُوا فَلَم يَجِدُوا شَيئًا. فَقَالَ: ارجِعُوا. فَوَاللهِ مَا كَذَبتُ وَلا كُذِبتُ مَرَّتَينِ أَو ثَلاثًا. ثُمَّ وَجَدُوهُ فِي خَرِبَةٍ. فَأَتَوا بِهِ حَتَّى وَضَعُوهُ بَينَ يَدَيهِ. قَالَ عُبَيدُ اللهِ: وَأَنَا حَاضِرُ ذَلِكَ مِن أَمرِهِم وَقَولِ عَلِيٍّ فِيهِم.
رواه أحمد (١/ ٨٣ و ٨٤)، ومسلم (١٠٦٦)(١٥٧).
[٩٣٧] وَمِن حديث عَبدِ اللهِ بنِ الصَّامِتِ: يَخرُجُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَخرُجُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ، هُم شَرُّ الخَلقِ وَالخَلِيقَةِ).
رواه أحمد (٥/ ٣١)، ومسلم (١٠٦٧)(١٥٨)، وابن ماجه (١٧٠).
[٩٣٨] وَمِن حديث سَهلَ بنَ حُنَيفٍ، عَنِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (يَتِيهُ قَومٌ قِبَلَ المَشرِقِ،
ــ
القسم، وهو قسم أُقسم عليه به؛ لتزيد طمأنينة قلبه، لا ليدفع شكًّا عن نفسه.
وقوله: (يتيه قوم قِبَل المشرق)؛ أي: يتحيّرون ويذهبون في غير وجه صحيح، يقال: تاه الرجل: إذا ذهب في الأرض غير مهتدٍ. ومنه تيه بني إسرائيل. وقيل: المشرق يدل على صحة تأويل من تأول: قرن الشيطان بأنهم الخوارج، والفتن التي طلعت من هناك، والله تعالى أعلم.
стр. 1371
مُحَلَّقَةٌ رُءُوسُهُم، يَقرَءُونَ القُرآن) نَحوَ مَا تَقَدَم.
رواه مسلم (١٠٦٨)(١٥٩).
* * *
ــ
وقوله: (مُحَلّقة رءوسهم)، وفي حديث آخر: (سيماهم التحليق)؛ أي: جعلوا ذلك علامةً لهم على رفضهم زينة الدّنيا، وشعارًا ليعرفوا به، كما يفعل البعض من رهبان النصارى، يفحصون عن أوساط رءوسهم. وقد جاء في وصفهم مرفوعًا: (سيماهم التسبيد) (١)؛ أي: الحلق، يقال: سَبَّدَ رأسه، إذا حلقه.
وهذا كلُّه منهم جهل بما يُزهد فيه، وما لا يُزهد فيه، وابتداع منهم في دين الله تعالى شيئًا كان النبي ﷺ والخلفاء الراشدون وأتباعهم على خلافه. فلم يُرو عن واحد منهم: أنهم اتسموا بذلك، ولا حلقوا رءوسهم، في غير إحلال ولا حاجة.
وقد كان لرسول الله ﷺ شعر، فتارة فرقه، وتارة صيَّره جمَّة، وأخرى لِمَّة.
وقد روي عنه ﷺ أنه قال: (من كانت له شعرة أو جمة فليكرمها) (٢)، وقد كره مالك الحلاق في غير إحرام، ولا حاجة ضرورية.
* * *
стр. 1372
(٢٨) باب لا تَحِلُّ الصدقة لمحمد ولا لآلِ محمد، ومن يستعمل على الصدقة
[٩٣٩] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: أَخَذَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ تَمرَةً مِن تَمرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (كِخ كِخ، ارمِ بِهَا، أَمَا عَلِمتَ أَنَّا لا نَأكُلُ الصَّدَقَةَ).
رواه أحمد (٢/ ٤٠٩ و ٤١٠)، والبخاري (١٤٩١)، ومسلم (١٠٦٩).
[٩٤٠] وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : (وَاللهِ إِنِّي لأَنقَلِبُ إِلَى أَهلِي فَأَجِدُ التَّمرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي - أَو فِي بَيتِي - فَأَرفَعُهَا لآكُلَهَا، ثُمَّ أَخشَى أَن تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلقِيهَا).
رواه مسلم (١٠٧٠)(١٦٣).
ــ
(٢٨) ومن باب: لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد
قوله: (كخ، كخ)؛ روايتنا فيه بكسر الكاف وسكون الخاء. وقد يقال بفتح الكاف وتسكين الخاء وتنوينها. وهي لغات، وهي كلمة يزجر بها الصبيان عن أخذ شيء، قال الداودي: هي كلمة أعجمية عرّبتها العرب، وإلى هذا أشار البخاري حيث ترجم على هذا الحديث: من تكلم بالفارسية. والصحيح الأول.
وفي هذا الحديث ما يدل على أن الصغار يمنعون مما يحرم على الكبار المكلَّفين حتى يُتدرَّبوا على آداب الشريعة، ويتأدبوا بها ويعتادوها. وعلى هذا فلا يلبس الذكور الصغار الحرير، ولا يحلون الذهب. ويخاطب الأولياء بأن يجنبوهم ذلك، كما
стр. 1373
[٩٤١] وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِتَمرَةٍ بِالطَّرِيقِ، فَقَالَ: (لَولا أَن تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكَلتُهَا).
رواه أحمد (٣/ ١١٩)، والبخاري (٢٠٥٥)، ومسلم (١٠٧١)، وأبو داود (١٦٥١ و ١٦٥٢).
ــ
يخاطبون بأن يجنبوهم شرب الخمور وأكل ما لا يحل.
وقوله ﷺ وقد وجد تمرة في الطريق -: (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها)؛ هذا منه ﷺ ورع وتنزّه. وإلا فالغالب تمر غير الصدقة؛ لأنه الأصل، وتمر الصدقة قليل، والحكم للغالب في القواعد الشرعية.
وفيه دليل: على أن اللُّقَطَة اليسيرة التي لا تتعلّق بها نفس فاقدها لا تحتاج إلى تعريف. وأنها تستباح من غير ذلك؛ لأنه علّل امتناعه من أكلها: هو خوفه أن تكون من الصدقة، ثم إن دليل خطابه أنها لو سلمت من ذلك المانع لأكلها.
وهذه الأحاديث كلها مع قوله: (إن الصدقة لا تنبغي لمحمد، ولا لآل محمد)؛ تدل على أن الصدقة على رسول الله ﷺ وعلى آله محرّمة. وهل يعمّ التحريم الواجبات وغيرها، أو يخص الواجبة؟ اختلف فيه: فذهب مالك وأبو حنيفة في أحد قوليه: إلى أن المحرّم الواجبة فقط.
وحكى ابن القصار عن بعض أصحابنا: أن المحرّم صدقة التطوع دون الفريضة؛ لأنها لا مِنَّةَ فيها.
وقال أبو حنيفة أيضًا: إنها كلّها حلال لبني هاشم وغيرهم. وإنما كان ذلك محرمًا عليهم؛ إذ كانوا يأخذون سهم ذي القربى، فلما قطع عنهم حلت لهم، ونحوه عن الأبهري من شيوخنا. وروي عن أبي يوسف: أنها حرام عليهم من غيرهم، حلال لهم صدقة بعضهم على بعض.
قلت: والظاهر من هذه الأحاديث أنها محرمة على رسول الله ﷺ وعلى آله، فرضُها ونفلُها؛ تمسُّكًا بالعمومات. ومن جهةِ المعنى: بأن الصدقة أوساخ
стр. 1374
[٩٤٢] وَعَن عَبدِ المُطَّلِبِ بنِ رَبِيعَةَ بنِ الحَارِثِ وَالعَبَّاسُ بنُ عَبدِ المُطَّلِبِ فَقَالا: وَاللهِ لَو بَعَثنَا هَذَينِ الغُلامَينِ - قَالَ لِي وَلِلفَضلِ بنِ عَبَّاسٍ - إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَكَلَّمَاهُ، فَأَمَّرَهُمَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ فَأَدَّيَا مَا يُؤَدِّي النَّاسُ وَأَصَابَا مِمَّا يُصِيبُ النَّاسُ، قَالَ: فَبَينَمَا هُمَا فِي ذَلِكَ جَاءَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، فَوَقفَ عَلَيهِمَا. فَذَكَرَا لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ عَلِيُّ: لا تَفعَلا. فَوَاللهِ
ــ
الناس، وبأن اليد العليا خير من اليد السفلى، ولا يد أعلى من يد رسول الله ﷺ
، ولا أيدي آله. فقد أكرمهم الله، وأعلى مقاديرهم، وجعل أيديهم فوق كل يد. وسهم ذي القربى واجب إخراجه وإيصاله إليهم على كل من ولي شيئًا من أمور المسلمين إلى يوم القيامة. فلو منعوا ولم يقدروا على إيصالهم إلى حقوقهم وجب سدّ خلاتهم، والقيام بحاجاتهم على أهل القدرة من المسلمين لا على وجه الصدقة، بل على جهة القيام بالحقوق الواجبة في الأموال، ويكون حكمهم كحكم الحقوق المرتبة على بيت مال المسلمين، فلا يوصل إليها لفكاك الأسارى ونفقة اللقطاء، وسدّ خلات الضعفاء والفقراء إذا لم يوصل إلى أخذ ذلك من بيت المال.
واختلف في: مَن آل النبي ﷺ ؟ فقال مالك وأكثر أصحابه: هم بنو هاشم خاصة، ومثله عن أبي حنيفة، واستثني آل أبي لهب. وقال الشافعي: هم بنو هاشم، ويدخل فيهم بنو المطلب أخي هاشم دون سائر بني عبد مناف؛ لقول النبي ﷺ : (أنا وبنو المطلب شيء واحد) (١)، ولقسم النبي ﷺ لهم مع بني هاشم سهم ذي القربى دون غيرهم. ونحا إلى هذا بعض شيوخنا المالكية. وقال أصبغ: هم عشيرة النبي ﷺ الأقربون الذين أُمِر بإنذارهم: آل قصي، قال: وقيل: قريش كلّها.
قلت: وفي الأم: أن زيد بن أرقم سئل عن أهل بيت النبي ﷺ من هم؟ فقال: أهل بيته من حُرِمَ الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل عليٍّ، وآل
стр. 1375
مَا هُوَ بِفَاعِلٍ، فَانتَحَاهُ رَبِيعَةُ بنُ الحَارِثِ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا تَصنَعُ هَذَا إِلا نَفَاسَةً مِنكَ عَلَينَا، فَوَاللهِ لَقَد نِلتَ صِهرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَمَا نَفِسنَاهُ عَلَيكَ. قَالَ عَلِيٌّ أَرسِلُوهُمَا فَانطَلَقَا. وَاضطَجَعَ عَلِيٌّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الظُّهرَ سَبَقنَاهُ إِلَى الحُجرَةِ، فَقُمنَا عِندَهَا حَتَّى جَاءَ، فَأَخَذَ بِآذَانِنَا، ثُمَّ قَالَ: (أَخرِجَا مَا تُصَرِّرَانِ) ثُمَّ دَخَلَ وَدَخَلنَا عَلَيهِ، وَهُوَ يَومَئِذٍ عِندَ زَينَبَ بِنتِ جَحشٍ، قَالَ: فَتَوَاكَلنَا الكَلامَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ أَحَدُنَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنتَ
ــ
عَقيل، وآل جعفر، وآل عباس، فقال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم (١).
وهذا يؤيد قول مالك. فإن هؤلاء كلُّهم بنو هاشم.
واختلف في مواليهم، فمالك والشافعي يبيحانها (٢) لهم، والكوفيون وكثير من أصحاب مالك يحرمونها عليهم.
وقوله: فانتحاه ربيعة بن الحارث؛ أي: عرض له وقصده. والنحو: القصد، ومنه علم النحو.
وقوله: والله ما يفعل هذا إلا نفاسة علينا، هذه يمين وقعت من ربيعة على اعتقاده، فهي من قبيل اللغو، والنفاسة: في الخير، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَليَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ﴾
وقوله: فما نفسناه عليك؛ أي: ما تمنينا أن يكون لنا دونك.
وقوله: (أخرجا ما تَصُرَّران)؛ أي: ما تجمعانه في صدوركما، وكل شيء جمعته فقد صررته، ومنه: صرُّ الدراهم، وهو جمعها في الصرة.
стр. 1376
أَبَرُّ النَّاسِ وَأَوصَلُ النَّاسِ، وَقَد بَلَغنَا النِّكَاحَ، فَجِئنَا لِتُؤَمِّرَنَا عَلَى بَعضِ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ، فَنُؤَدِّيَ إِلَيكَ كَمَا يُؤَدِّي النَّاسُ، وَنُصِيبَ كَمَا يُصِيبُونَ. قَالَ:
ــ
وقوله: قد بلغنا النكاح؛ أي: الحلم، ومنه قوله تعالى: حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ.
وقول علي في الأم: أنا أبو حسن القَرم، والله لا أَريم مَكَاني حتى يرجعَ إليكما ابناكما بِحَور ما بَعَثتُما به؛ إنما قال: أبو حسن القرم؛ لأجل الذي كان عنده من علم ذلك، وكان ﵁ يقول هذه الكلمة عند الأخذ في قضية تشكل على غيره وهو يعرفها، ولذلك جرى كلامه هذا مجرى المثل، حتى قالوا: قضية ولا أبا حسن؛ أي: هذه قضية مشكلة، وليس هناك من يبينها، كما كان يفعل أبو حسن الذي هو علي بن أبي طالب ﵁، وأتوا بأبي حسن بعد لا النافية للنكرة على إرادة التنكير. أي: ليس هناك واحد ممن يسمى أبا حسن، كما قالوا:
أرى الحاجات عند أبي خُبَيب ... نُكِدنَ ولا أمية في البلاد
أي: لا واحدٌ ممن يُسمى أمية.
والقَرم: أصله الفحل من الإبل، ويستعار للرجل الكبير المجرّب الأمور. وهذه رواية القاضي الشهير - بالراء - والرفع على النعت لأبي حسن. وقد روي: بالواو مكان الراء بإضافة حسن إليه، وهي رواية ابن أبي جعفر، ووجهها: كأنه ق ل: أنا عالم القوم وذو رأيهم. وقد رُوي عن أبي بحر: أبو حسنٌ، بالتنوين، وبعده: القرم، بالرفع؛ أي: أنا من علمتم أيها القوم، وهذه الرواية أبعدها.
وقوله: لا أريم؛ أي: لا أزال ولا أبرح من مكاني هذا. قال زهير:
стр. 1377
فَسَكَتَ طَوِيلاً، ثم أَرَدنَا أَن نُكَلِّمَهُ، قَالَ: وَجَعَلَت زَينَبُ تُلمِعُ إِلَينَا مِن وَرَاءِ الحِجَابِ أَن لا تُكَلِّمَاهُ قَالَ: ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ الصَّدَقَةَ لا تَنبَغِي لآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوسَاخُ النَّاسِ، ادعُوَا لِي مَحمِيَةَ - وَكَانَ عَلَى الخُمُسِ - وَنَوفَلَ بنَ
ــ
لِمَن طَللُ بِرَامَةَ لا يرَيم ... عَفَا وخَلاله عُقبٌ (١) قديم؟
وبحور ما بعثتما به؛ أي: بجوابه. يقال: كلَّمتُه فما ردّ حورًا ولا حويرًا؛ أي: جوابًا.
قلت: وأصل الحور: الرجوع، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَن يَحُورَ﴾؛ أي: أن لن يرجع. وابناكما على التثنية هو الصحيح، ووقع لبعض الشيوخ: أبناؤكما على الجمع، وهو وهم، فإنه قد نصّ على أنهما اثنان.
وقوله: فتواكلنا الكلام؛ أي: وكل بعضهم إلى بعض الكلام، فكأنهما توقفا قليلاً إلى أن بدر أحدهما فتكلم.
وقوله: فجعلت زينب تُلمع من وراء الحجاب؛ أي: تشير، يقال: ألمع بثوبه وبيده، وأومأ برأسه، وأومض بعينه.
وقوله: (إنما هي أوساخ الناس)، إنما كانت الصدقة كذلك؛ لأنها تطهرهم من البخل، وأموالهم من إثم الكنز، فصارت كماء (٢) الغسالة التي تعاب.
ومساق الحديث والتعليل يقتضي أنها لا تحل لأحد من آل النبي ﷺ على ما قدمناه، وإن كانوا عاملين عليها، وهو رأي الجمهور وقد ذهب إلى جوازها لهم إذا كانوا عاملين عليها (٣)؛ أبو يوسف والطحاوي، والحديث ردّ عليهم.
ومحمية مخففة الياء على وزن مَفعِلة، من حميت المكان، أحميه. وهو ابن جَزء، بهمزة بعد
стр. 1378
الحَارِثِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ. قَالَ: فَجَاءَاهُ فَقَالَ لِمَحمِيَةَ: (أَنكِح هَذَا الغُلامَ ابنَتَكَ لِلفَضلِ بنِ عَبَّاسٍ) فَأَنكَحَهُ، وَقَالَ لِنَوفَلِ بنِ الحَارِثِ: (أَنكِح هَذَا الغُلامَ ابنَتَكَ - لِي، فَأَنكَحَنِي، وَقَالَ لِمَحمِيَةَ: (أَصدِق عَنهُمَا مِنَ الخُمُسِ كَذَا وَكَذَا).
وَفِي رِوَايَةٍ: (وَإِنَّهَا لا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلا لآلِ مُحَمَّدٍ).
رواه مسلم (١٠٧٢)، وأبو داود (٢٩٨٥)، والنسائي (٥/ ١٠٥ و ١٠٦).
* * *
(٢٩) باب الصدقة إذا بلغت مَحِلَّها جاز لمن كان قد حَرُمت عليه أن يأكل منها
[٩٤٣] عَن جُوَيرِيَةَ زَوجَ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيهَا فَقَالَ: (هَل مِن طَعَامٍ؟ ) قَالَت: لا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عِندَنَا طَعَامٌ إِلا عَظمٌ مِن شَاةٍ أُعطِيَتهُ مَولاتِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: (قَرِّبِيهِ قَد بَلَغَت مَحِلَّهَا).
رواه أحمد (٦/ ٤٣٠)، ومسلم (١٠٧٣)(١٦٩).
ــ
الزاي الساكنة - على وزن: كلب، كذا قاله الحفاظ المتقنون. قال عبد الغني: ويقال: جَزِي - بكسر الزاي -، وقال أبو عبيد: هو عندنا: جزّ مشدد الزاي، وقال مسلم: إنه من بني أسد. والمشهور المحفوظ: أنه من بني زبيد.
(٢٩) ومن باب: الصدقة إذا بلغت محلها
قوله: (قربيها فقد بلغت محلها)؛ يعني: أن المتصدق عليها قد ملكت تلك
стр. 1379
[٩٤٤] وَعَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلاثُ قَضِيَّاتٍ: كَانَ النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيهَا وَتُهدِي لَنَا، فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: (هُوَ عَلَيهَا صَدَقَةٌ، وَلَكُم هَدِيَّةٌ فَكُلُوهُ).
وَفِي رِوَايَةٍ: (وَلَنَا هَدِيَّةٌ).
رواه البخاري (٥٠٩٧)، ومسلم (١٠٧٥)(١٧٣)، والنسائي (٦/ ١٠٢).
[٩٤٥] وَعَن أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَت: بَعَثَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَاةٍ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَبَعَثتُ إِلَى عَائِشَةَ مِنهَا بِشَيءٍ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى عَائِشَةَ قَالَ: (هَل عِندَكُم شَيءٌ؟ قَالَت: لا إِلا أَنَّ نُسَيبَةَ بَعَثَت إِلَينَا مِنَ الشَّاةِ الَّتِي بَعَثتُم بِهَا إِلَيهَا. قَالَ: (إِنَّهَا قَد بَلَغَت مَحِلَّهَا).
رواه أحمد (٦/ ١٠٧ - ١٠٨)، والبخاري (١٤٤٦)، ومسلم (١٠٧٦)(١٧٤).
ــ
الصدقة بوجه صحيح جائز، فقد صارت كسائر ما تملكه بغير جهة الصدقة، وإذا كان كذلك، فمن تناول ذلك الشيء المتصدَّق به من يد المتصدَّق عليه بجهة جائزة غير الصدقة جاز له ذلك، وخرج ذلك الشيء عن كونه صدقة بالنسبة إلى الآخذ من يد المتصدَّق عليه، وإن كان ممن لا تحل له الصدقة في الأصل، ويُخَرَّج عليه: صحة أحد القولين فيمن تُصُدِّق عليه بلحم أضحية، فإنه يجوز له أن يبيعه.
والقول الثاني: لا يجوز فيه ذلك؛ لأن أصل مشروعية الأضحية ألا يباع منها شيء مطلقًا.
وقوله ﷺ لجويرية: (قربيه)، إنما قال ذلك فيه لعلمه بطيب قلب المولاة بذلك، أو تكون المولاة قد أهدت ذلك لجويرية، كما جاء في حديث بريرة الآتي بعد هذا.
وفي حديث عائشة ما يدل: على جواز الصدقة على موالي قريش؛ لأن عائشة تيمية، وتيم من قريش، وجويرية مولاة النبي ﷺ ، وحكم مولاتها حكمها.
стр. 1380
[٩٤٦] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنهُ، فَإِن كان هَدِيَّةٌ أَكَلَ مِنهَا، وَإِن قِيلَ: صَدَقَةٌ لَم يَأكُل مِنهَا.
رواه أحمد (٢/ ٤٩٢)، ومسلم (١٠٧٧).
* * *
(٣٠) باب دعاء المصدق لِمن جاء بصدقته، والوصاة بالمصدق
[٩٤٧] عَن عَبدُ اللهِ بنُ أَبِي أَوفَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا أَتَاهُ قَومٌ
ــ
والثلاث القضيات التي كانت في بريرة إحداها: ما ذكره في هذه الطريق.
والثانية: قوله: (إنما الولاء لمن أعتق).
والثالثة: تخييرها في زوجها. وسيأتي الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى.
وكونه ﷺ يسأل عن الطعام، هل هو صدقة أو هدية؟ يدل على أن للمتقي أن يسأل عما خفي عليه من أحوال الهدية والمُهدِي؛ حتى يكون على بصيرة من أمره، لكن هذا ما لم يؤذ المهدي والمُطعم، فإن أدّى إلى ذلك فالأولى ترك السؤال إلا عند الريبة.
وهذا الحديث يدل على أنه ﷺ ما كان يأكل صدقة التطوّع، كما كان لا يأكل صدقة الواجب، وأنها لا تحلُّ له كما قدمنا.
(٣٠) ومن باب: الدعاء للمتصدق وإرضاء المصدق
لما أمر الله تعالى نبيه ﷺ بأخذ الصدقة من الأموال والدعاء للمتصدق بقوله تعالى: خُذ مِن أَموَالِهِم صَدَقَةً الآية، امتثل ذلك، فكان يدعو
стр. 1381
بِصَدَقَتِهِم قَالَ: (اللهُمَّ صَلِّ عَلَيهِم فَأَتَاهُ أَبِو أَوفَى بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوفَى).
رواه أحمد (٤/ ٣٥٣ و ٣٥٥)، والبخاري (١٤٩٧)، ومسلم (١٠٧٨)، وأبو داود (١٥٩٠)، والنسائي (٢/ ١٥٢).
ــ
لمن أتاه بصدقته، ولذلك كان يقول لهم: (اللهم صلِّ عليهم)؛ أي: ارحمهم، وقال: (اللهم صلِّ على آلِ أبي أوفى).
وقال كثير من علمائنا: إنه أراد بآل أبي أوفى: نفس أبي أوفى، وجعلوا هذا مثل قوله ﷺ لأبي موسى: (لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود) (١)، وإنما أراد: داودَ نفسه، وهو محتمل لذلك. ويحتمل أن يريد به: مَن عمل مثل عمله من عشيرته وقرابته، فيكون مثل: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)، والله تعالى أعلم.
وهل يتعدى الأمر لكل مصدق عند أخذه الصدقة؟ أو هو خاص بالنبي ﷺ ؟ قولان لأهل العلم.
فذهب الجمهور: إلى أنهم يندبون إلى ذلك؛ للاقتداء بفعل النبي ﷺ لما يحصل عند ذلك من تطييب قلوب المتصدقين.
وقال أهل الظاهر: هو واجب؛ أخدًا بظاهر قول الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيهِم﴾ ولا يسلم لهم ذلك؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُم﴾ يشعر بخصوصيته ﷺ بالدعاء. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُم﴾ تعليل للأمر بالدعاء، لا لأخذ الصدقة، كما قد توهمه أهلُ الردة الذين تقدَّم ذكرهم في كتاب الإيمان.
وعلى هذا فلا يكون للظاهرية مُتمسَّكٌ في الآية، ويتجه قولُ
стр. 1382
[٩٤٨] وَعَن جَرِيرِ بنِ عَبدِ اللهِ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الأَعرَابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ أنَاسًا مِنَ المُصَدِّقِينَ يَأتُونَنَا فَيَظلِمُونَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (أَرضُوا مُصَدِّقِيكُم).
قَالَ جَرِيرٌ: مَا صَدَرَ عَنِّي مُصَدِّقٌ مُنذُ سَمِعتُ هَذَا مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلا هُوَ عَنِّي رَاضٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ: (إِذَا أَتَاكُم المُصَدِّق فليَصِدُر عَنكُم وَهوَ عَنكُم رَاضٍ).
رواه أحمد (٤/ ٣٦٢)، ومسلم (٩٨٩) و (٩٨٩/ ١٧٧)، وأبو داود (١٥٨٩)، والنسائي (٥/ ٣١).
* * *
ــ
من ادّعى خصوصية ذلك بالنبي ﷺ .
وقال كثير من المفسرين في معنى سَكَنٌ لَهُم؛ أي: طمأنينة وتثبيت وبركة وتزكية.
وقول جرير: جاء ناس من الأعراب؛ يريد: أهل البادية. وقد ذكرنا الفرق بين الأعرابي والعربي، ولا شك أن أهل البادية أهل جفاء وجهل غالبًا، ولذلك قال تعالى: ﴿الأَعرَابُ أَشَدُّ كُفرًا وَنِفَاقًا وَأَجدَرُ أَلا يَعلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾، ولذلك نسبوا الظلم إلى مُصَدِّقي النبي ﷺ ، وإلى فضلاء أصحابه، فإنه ما كان يستعمل على ذلك إلا أعلم الناس وأعدلهم، لكن لجهل الأعراب بحدود الله ظنوا: أن ذلك القدر الذي كانوا يأخذونه منهم هو ظلم، فقال لهم ﷺ : (أرضوا مصدِّقيكم وإن ظُلِمتم)؛ أي على زعمكم وظنكم، لا أن النبي ﷺ سوّغ للعمال الظلم، وأمر الأعراب بالانقياد لذلك؛ لأنه كان يكون ذلك منه إقرارًا على
стр. 1383
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منكر، وإغراءً بالظلم، وذلك محال قطعًا.
وإنما سلك النبي ﷺ مع هؤلاء هذا الطريق دون أن يبين لهم أن ذلك الذي أخذه المصدقون ليس ظلمًا؛ لأن هذا يحتاج إلى تطويل وتقرير، وقد لا يفهم ذلك أكثرهم.
وأيضًا فليحصل منهم الانقياد الكلي بالتسليم وترك الاعتراض الذي لا يحصل الإيمان إلا بعد حصوله، كما قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِم حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسلِيمًا﴾ والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1384
(١٠) كتاب الصوم
(١) باب فضل شهر رمضان والصوم والفطر لرؤية الهلال
[٩٤٩] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ
ــ
(١٠) كتاب الصيام
قد تقدَّم الكلام على الصوم اللغوي، وأنه الإمساك مطلقًا، وهو في العرف الشرعي: إمساك مخصوص عن أشياء مخصوصة في زمان مخصوص، بشرط مخصوص. وهذه القيود تحتاج إلى تفصيل يذكر في كتب الفقه. وعلى الجملة: فهذه القيود منها متفق عليه، ومنها مختلف فيه. فأما حدَّه على مذهب مالك: فهو إمساك جميع أجزاء اليوم عن أمور مخصوصة، بنيّة موقعة قبل الفجر.
(١) ومن باب: فضل شهر رمضان (١)
قوله ﷺ : (إذا جاء رمضان)؛ دليل على من قال: لا يقال إلا شهر رمضان، متمسكًا بأنه ﷺ قال: (لا تقولوا: رمضان؛ فإن رمضان اسمٌ من أسماء
стр. 1385
فُتِّحَت أَبوَابُ الجَنَّةِ وَغُلِّقَت أَبوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَت الشَّيَاطِينُ.
رواه أحمد (٢/ ٣٥٧)، والبخاري (١٨٩٨)، ومسلم (١٠٧٩).
ــ
الله تعالى) (١)؛ وليس بصحيح، فإنه من حديث: أبي معشر نجيح؛ وهو ضعيف.
و(رمضان): مأخوذ من: رَمَضَ الصائم، يرمض: إذا حَرَّ جوفه من شدة العطش. والرَّمضاء: شدَّة الحر؛ قاله أبو عبيد الهروي.
وقوله: (فُتِّحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين)، فتحت: بتخفيف التاء، وتشديدها. ويصح حمله على الحقيقة، ويكون معناه: أن الجنة قد فتحت وزخرفت لمن مات في شهر رمضان؛ لفضيلة هذه العبادة الواقعة فيه، وغلقت عنهم أبواب النَّار؛ فلا يدخلها منهم أحدٌ مات فيه. وصفدت الشياطين: غُلِّت وقُيِّدت. والصفد: الغل، وذلك لئلا تفسد الشياطين على الصائمين.
فإن قيل: فنرى الشرور والمعاصي تقع في رمضان كثيرًا؛ فلو كانت الشياطين مصفدة لما وقع شرٌ؟ فالجواب من أوجه:
أحدها: إنما تغل عن الصائمين الصوم الذي حُوفظ على شروطه، ورُوعيت آدابه، أما ما لم يحافظ عليه فلا يغل عن فاعله الشيطان.
والثاني: أنا لو سلمنا أنها صُفِّدت عن كل صائم، لكن لا يلزم من تصفيد جميع الشياطين، ألا يقع شر؛ لأن لوقوع الشر أسبابًا أخر غير الشياطين، وهي: النفوس الخبيثة، والعادات الرَّكيكة، والشياطين الإنسية.
والثالث: أن يكون هذا الإخبار عن غالب الشياطين (٢)، والمردة منهم، وأما من ليس من المردة فقد لا يصفد. والمقصود: تقليل الشرور. وهذا موجود في شهر رمضان؛ لأن وقوع الشرور والفواحش فيه قليل بالنسبة إلى غيره من الشهور.
стр. 1386
[٩٥٠] وَعَن ابنِ عُمَرَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ: لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوا الهِلَالَ، وَلَا تُفطِرُوا حَتَّى تَرَوهُ، فَإِن أُغمِيَ عَلَيكُم فَاقدرُوا لَهُ.
رواه البخاري (١٩٠٧)، ومسلم (١٠٨٠)(٩).
ــ
وقيل: إن فتح أبواب الجنة وإغلاق أبواب النار علامة على دخول هذا الشهر العظيم للملائكة وأهل الجنة؛ حتى يستشعروا عظمة هذا الشهر (١)، وجلالته.
ويحتمل أن يقال: إن هذه الأبواب المفتحة في هذا الشهر هي: ما شرع الله فيه من العبادات، والأذكار، والصَّلوات، والتلاوة؛ إذ هي كلها تؤدي إلى فتح أبواب الجنة للعاملين فيه، وغلق أبواب النار عنهم.
وتصفيد الشياطين: عبارة عن كسر شهوات النفوس التي بسببها تتوصل الشياطين إلى الإغواء والإضلال، ويشهد لهذا قوله: (الصوم جُنَّة) (٢)، وقوله: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيقوا مجاريه بالجوع والعطش) (٣)، على ما قد ذكر، وقد تقدَّم اشتقاق الشيطان.
وقوله: (فإن أُغمي عليكم فاقدروا له)، في أُغمي ضمير يعود على الهلال، فهو المغمى عليه لا الناظرون. وتقديره: فإن أغمي الهلال عليكم. وأصل الإغماء: التغطية، والغم. ومنه: المغمى عليه؛ كأنه غطي عقله عن مصالحه. ويقال: أغمي الهلال، وغمي - مشدد الميم - وكلاهما مبني لما لم يُسم فاعله. ويقال أيضًا: غمَّ، مبنيًا لما لم يُسم فاعله مشددًا. وكذلك جاءت رواية أبي هريرة. فعلى هذا يقال: أُغمي، وغُمِّي - مخففًا ومشددًا، رباعيًّا وثلاثيًّا -، وغُمَّ، فهي أربع
стр. 1387
[٩٥١] وعَنه عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكتُبُ وَلَا نَحسُبُ، الشَّهرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَعَقَدَ الإِبهَامَ فِي الثَّالِثَةِ وَالشَّهرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا (يَعنِي تَمَامَ الثَلَاثِينَ).
رواه أحمد (٢/ ٤٣ و ٥٢)، ومسلم (١٠٨٠)(١٥)، وأبو داود (٢٣١٩)، والنسائي (٥/ ١٣٩).
[٩٥٢] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: صُومُوا لِرُؤيَتِهِ وَأَفطِرُوا لِرُؤيَتِهِ، فَإِن غُمّ عَلَيكُم فَأَكمِلُوا العَدَدَ.
ــ
لغات. ويقال: قد غامت السَّماء، تغيم، غيمومة، فهي غائمة، وغيمة، وأغامت، وتغيمت، وغيمت، وأغمت، وغمت.
وفي حديث أبي هريرة: (فإن غمي)؛ أي: خفي. يقال: غمي عليَّ الخبر؛ أي: خفي. وقيل: هو مأخوذ من الغماء، وهو السَّحاب الرقيق. وقد وقع للبخاري: (غَبِي) - بالباء، وفتح الغين -؛ أي: خفي. ومنه الغباوة.
وقوله: (فاقدروا له)؛ أي: قدِّروا تمام الشهر بالعدد ثلاثين يومًا. يقال: قدَّرت الشيء أقدُرُه وأقدِره - بالتخفيف - بمعنى: قدَّرته (بالتشديد)؛ كما تقدَّم في أول كتاب الإيمان. وهذا مذهب الجمهور في معنى هذا الحديث. وقد دلَّ على صحة ما رواه أبو هريرة مكان: فاقدروا له: (فأكملوا العدَّة ثلاثين).
وهذا الحديث حجة على من حمل: (فاقدروا له) على معنى: تقدير المنازل القمرية، واعتبار حسابها، وإليه صار ابن قتيبة من اللغويين، ومطرف بن عبد الله بن الشخير من كبراء التابعين.
ومن الحجة أيضًا على هؤلاء قوله ﷺ : (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)، فألغى الحساب، ولم يجعله طريقًا لذلك.
وقوله ﷺ : (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)؛ يقتضي لزوم حكم الصوم
стр. 1388
وفي لفظ آخر: فَإِن غُمِّيَ عَلَيكُم الشَّهرُ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ.
رواه أحمد (٢/ ٤٥٤ و ٤٥٦)، والبخاري (١٩٠٩)، ومسلم (١٠٨١)(١٨)، والنسائي (٤/ ١٣٣).
ــ
والفطر لمن صحت له الرؤية، سواء شورك في رؤيته، أو انفرد بها. وهو مذهب الجمهور. وذهب عطاء وإسحاق: إلى أنه لا يلزمه حكم شيء من ذلك إذا انفرد بالرؤية. وهذا الحديث ردٌّ عليهما.
وقوله ﷺ : (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب (١))؛ أي: لم نكلف في تعرف مواقيت صومنا ولا عباداتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة، وإنما ربطت عباداتنا بأعلام واضحة، وأمور ظاهرة، يستوي في معرفة ذلك الحُسَّاب وغيرهم. ثم تمم هذا المعنى وكمَّله حيث بيَّنه بإشارته بيديه، ولم يتلفظ بعبارة عنه نزولاً إلى ما يفهمه الخُرصُ (٢) والعجم. وحصل من إشارته بيديه ثلاث مرات: أن الشهر يكون ثلاثين، ومن خَنسِهِ (٣) إِبهامه في الثالثة: أن الشهر يكون تسعًا وعشرين؛ كما قد نصَّ عليه في الحديث الآخر.
وعلى هذا الحديث: من نذر أن يصوم شهرًا غير معين؛ فله أن يصوم تسعًا وعشرين؛ لأن ذلك يقال عليه: شهر، كما أن من نذر صلاة أجزأه من ذلك ركعتان؛ لأنه أقل ما يصدق عليه الاسم. وكذلك من نذر صومًا فصام يومًا أجزأه. وهو خلاف ما ذهب إليه مالك. فإنه قال: لا يجزئه إذا صامه بالأيام إلا ثلاثون يومًا؛ فإن صامه بالهلال فعلى ما يكون ذلك الشهر من رؤية هلاله.
стр. 1389
[٩٥٣] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: لَمَّا مَضَت تِسعٌ وَعِشرُونَ لَيلَةً أَعُدُّهُنَّ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَت: بَدَأَ بِي فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَقسَمتَ أَلَّا تَدخُلَ عَلَينَا شَهرًا وَإِنَّكَ دَخَلتَ مِن تِسعٍ وَعِشرِينَ أَعُدُّهُنَّ. قَالَ: إِنَّ الشَّهرَ تِسعٌ وَعِشرُونَ.
رواه أحمد (١/ ٣٣ - ٣٤)، والبخاري مختصرًا (٨٩)، ومسلم (١٤٧٥)(٣٥)، والترمذي (٣٣١٨)، والنسائي (٤/ ١٣٧ - ١٣٨).
ــ
وفيه من الفقه: أن يوم الشك محكوم له بأنه من شعبان، وأنه لا يجوز صومه عن رمضان؛ لأنه علق صوم رمضان بالرؤية، ولَم فلا.
وقول عائشة: (لما مضت تسع وعشرون ليلة)؛ هذا الحديث هو جزء من حديث طويل يتضمن: أن نساء النبي ﷺ كثرن عليه، وطالبنه بتوسعة النفقة، واجتمعن في ذلك، وخضن فيه، فوجد عليهن، فأدبهن بأن أقسم ألا يدخل عليهن شهرًا، فاعتزلهن في غرفة تسعًا وعشرين، فدخل عليه عمر فكلمه في ذلك، وتلطف فيه، إلى أن زالت موجدته عليهن، وأنزل الله آية التخيير، فنزل رسول الله ﷺ ليلة ثلاثين، فبدأ بعائشة، فذكرته بمقتضى يمينه، وأنه أقسم على شهر ظانَّةً أن الشهر لا يكون أقل من ثلاثين، فبيَّن لها النبي ﷺ أن الشهر يكون تسعًا وعشرين (١)، وظاهره: أنه اعتزلهن في أول ليلة من ذلك الشهر، وأن ذلك الشهر كان تسعًا وعشرين، ويشهد له قوله: (إن الشهر تسع وعشرون)؛ أي: هذا الشهر؛ لأنه هو المتكلم فيه. ويحتمل أن يكون اعتبر أول زمان اعتزاله بالأيام، وكمل تسعًا وعشرين بالعدد، واكتفى بأقل ما ينطلق عليه اسم الشهر. وعليه يخرج الخلاف فيمن نذر صوم شهر غير معين، فصامه بالعدد؛ فهل يصوم ثلاثين؟ أو
стр. 1390
[٩٥٤] ومن حديث جابر، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ الشَّهرَ يَكُونُ تِسعًا وَعِشرِينَ، ثُمَّ طَبَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدَيهِ ثَلَاثًا مَرَّتَينِ، بِأَصَابِعِ يَدَيهِ كُلِّهَا، وَالثَّالِثَةَ بِتِسعٍ مِنهَا.
رواه أحمد (٣/ ٣٢٩)، ومسلم (١٠٨٤)(٢٤).
* * *
(٢) باب لأهل كل بلد رؤيتهم عند التباعد وفي الهلال يرى كبيرا وشهران لا ينقصان والنهي عن أن يتقدم رمضان بصوم
[٩٥٥] عَن كُرَيبٍ أَنَّ أُمَّ الفَضلِ بِنتَ الحَارِثِ بَعَثَتهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، قَالَ: فَقَدِمتُ الشَّامَ فَقَضَيتُ حَاجَتَهَا وَاستُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ، وَأَنَا
ــ
يكفيه تسع وعشرون كما تقدَّم؟ وإخبار عائشة للنبي ﷺ بعدد تلك الليالي، يفهم منه: أنها اعتبرت ذلك الشهر بالعدد، واعتناؤها بعدد الأيام استطالة لزمان الهجر، وذلك يدلُّ على فرط محبتها، وشدة شوقها للنبي ﷺ ، وأنه كان عندها من ذلك ما لم يكن عند غيرها، وبذلك استوجبت أن تكون أحب نساء النبي ﷺ إليه، كما قد صرَّح به ﷺ حيث قيل له: من أحب الناس إليك؟ فقال: (عائشة) (١).
(٢) ومن باب: لأهل كل بلد رؤيتهم عند التباعد
قوله: (واستهل عليَّ هلال رمضان)؛ مبنيًا لما لم يُسم فاعله. أصل استهل: من الإهلال الذي هو رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم غلب عرف الاستعمال
стр. 1391
بِالشَّامِ فَرَأَيتُ الهِلَالَ لَيلَةَ الجُمُعَةِ ثُمَّ قَدِمتُ المَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهرِ، فَسَأَلَنِي عَبدُ اللَّهِ بنُ العَبَّاسٍ ثُمَّ ذَكَرَ الهِلَالَ وقَالَ: مَتَى رَأَيتُم الهِلَالَ؟ فَقُلتُ: رَأَينَاهُ لَيلَةَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: أرَأَيتَهُ؟ قُلتُ: نَعَم، وَرَآهُ النَّاسُ وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ فَقَالَ: لَكِنَّا رَأَينَاهُ لَيلَةَ السَّبتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكمِلَ ثَلَاثِينَ، أَو نَرَاهُ فَقُلتُ: أَوَلَا تَكتَفِي بِرُؤيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقَالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . شَكّ فِي نَكتَفِي أَو تَكتَفِي.
رواه مسلم (١٠٨٧)، وأبو داود (٢٨٣٢)، والترمذي (٦٩٣)، والنسائي (٤/ ١٣١).
ــ
فصار يفهم منه رؤية الهلال، ومنه سُمِّي الهلال لَمَّا كان يُهَلُّ عنده.
وقول ابن عباس: (فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه)، ثم قال في آخره: (هكذا أمرنا رسول الله ﷺ )؛ كلمة تصريح برفع ذلك للنبي ﷺ ، وبأمره به. فهو حجة على أن البلاد إذا تباعدت كتباعد الشام من الحجاز أو ما قارب ذلك، فالواجب على أهل كل بلد أن تعمل على رؤيته دون رؤية غيره، وإن ثبت ذلك عند الإمام الأعظم، ما لم يحمل الناس على ذلك فلا تجوز مخالفته؛ إذ المسألة اجتهادية مختلف فيها، ولا يبقى مع حكم الإمام اجتهاد، ولا تحل مخالفته. ألا ترى أن معاوية أمير المؤمنين قد صام بالرؤية وصام الناس بها بالشام، ثم لم يلتفت ابن عباس إلى ذلك، بل بقي على حكم رؤيته هو. ووجه هذا يعرف من علم الهيئة (١) والتعديل، وذلك أنه يتبيَّن فيها: أن ارتفاعات الأقاليم مختلفة، فتختلف مطالع الأهلة ومغاربها، فيطلع الهلال، ويغرب على قوم قبل طلوعه وغروبه على آخرين. وعلى هذا: فلا يظهر تأثير هذا إلا فيما بَعُدَ جدًّا، لا فيما قرب، والله
стр. 1392
[٩٥٦] وعَن أَبِي البَختَرِيِّ قَالَ: خَرَجنَا لِلعُمرَةِ، فَلَمَّا نَزَلنَا بِبَطنِ
ــ
تعالى أعلم.
وإلى ذلك صار ابن عباس، وسالم، والقاسم، وعكرمة. وبه قال إسحاق. وإليه أشار الترمذي، حيث بوَّب: لأهل كل بلد رؤيتهم. وحكى أبو عمر بن عبد البر: الإجماع على أنه لا تراعى الرؤية فيما بَعُد من البلدان كالأندلس من خراسان، قال: ولكل بلد رؤيتهم، إلا ما كان كالمصر الكبير، وما تقاربت أقطاره من بلدان المسلمين.
قلت (١): وهذا الإجماع الذي حكاه أبو عمر يدلُّ على أن الخلاف الواقع في هذه المسألة إنما هو فيما تقارب من البلاد. ولم يكن في حكم القطر الواحد. ونحن نذكره إن شاء الله تعالى.
قال ابن المنذر: اختلف في الهلال يراه أهل بلد ولا يراه غيرهم: فقال قوم: لأهل كل بلد رؤيتهم، وذكر من تقدَّم ذكر أكثرهم.
وقال آخرون: إذا ثبت أن أهل بلد رأوه فعليهم قضاء ما أفطروا. وهو قول الليث، والشافعي، وأحمد. ولا أعلم إلا قول المزني والكوفي.
وقال شيوخنا: إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع، ثم نقل إلى غيرهم بشهادة شاهدين لزمهم الصوم. وقال عبد الملك: أما ثبوته بالشهادة فلا يلزم فيها الصوم إلا لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشهادة، إلا أن يثبت عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم الصيام. وعلل هذا: بأن البلاد كلها كبلد واحد؛ إذ حكمه نافذ في الجميع.
قلت: هكذا وقع نقل المشايخ لهذه المسألة، ولم يفرِّقوا بين البعيد والقريب من الأقاليم. والصواب: الفرق (٢)؛ بدليل الإجماع الذي حكاه أبو عمر، فيحمل
стр. 1393
نَخلَةَ قَالَ: تَرَاءَينَا الهِلَالَ، وَقَالَ بَعضُ القَومِ: هُوَ ابنُ لَيلَتَينِ. وَقَالَ بَعضُ القَومِ: هُوَ ابنُ ثَلَاثٍ، قَالَ: فَلَقِينَا ابنَ عَبَّاسٍ فَقُلنَا: إِنَّا ترَاءَينَا الهِلَالَ، فَقَالَ بَعضُ القَومِ: هُوَ ابنُ ثَلَاثٍ، وَقَالَ بَعضُ القَومِ: هُوَ ابنُ لَيلَتَينِ فَقَالَ:
ــ
إطلاق المشايخ على البلاد المتقاربة، والله تعالى أعلم.
وفي قوله: (صوموا لرؤيته)؛ دليل على أن يوم الشكّ لا يلزم صومه. وهو مذهب الجمهور خلافًا لأحمد بن حنبل، فإنه أوجب صومه احتياطًا، فإن صح أنه من رمضان أجزأه. ونحوه قال الكوفيون؛ إلا أنهم لم يوجبوا صومه. والجمهور على أنه لا يصومه عن رمضان، ولا يجزئه إن صامه، وكان بعض الصحابة يأمر بالفصل ما بين رمضان وشعبان بفطر يوم أو يومين. وكره محمد بن مسلمة تحرِّي فطره، كما كره تحرِّي صومه.
قلت: والأصل: أنه محكوم له بأنه من شعبان حتى يدل الدليل على أنه من رمضان. والأدلة الناقلة عن حكم شعبان: الرؤية، أو الشهادة، أو إكمال عدة شعبان بثلاثين، ولم يوجد واحد منها في يوم الشك، غير أنه يستحب أن يمسك فيه من غير صوم ليسلم من الأكل في زمان رمضان. ثم قوله: (صوموا لرؤيته)؛ يقتضي وجوب الصَّوم حين الرؤية متى وجدت، لكن منع الإجماع من الصوم حينئذ؛ فكان محمولاً على اليوم المستقبل؛ لأنه هلال ليلة ذلك اليوم، ولا فرق بين رؤيته قبل الزوال، أو بعده، وهو المشهور من مذاهب العلماء، ومن مذهب مالك. وقال ابن وهب، وابن حبيب، وعيسى بن دينار: إذا رؤي قبل الزوال فهو لليلة الماضية، ويفطرون ساعة رؤيته إن كان هلال شوال. وقال بعض أهل الظاهر: أما في الصوم فيجعل للماضية، وأما في الفطر فيجعل للمستقبلة، وهو أخذ بالاحتياط منهم. والحديث المتقدِّم حجة عليهم على ما قررناه.
و(بطن نخلة): موضع معروف بذات عرق، ولذلك قال في رواية أخرى في الأصل: قال أبو البختري: أهللنا رمضان ونحن بذات عرق.
стр. 1394
أَيَّ لَيلَةٍ رَأَيتُمُوهُ؟ قَالَ: قُلنَا: لَيلَةَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ مَدَّهُ لِلرُّؤيَةِ فَهُوَ لِلَيلَةٍ رَأَيتُمُوهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: إن الله قد أمده لرؤيته، فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة.
رواه مسلم (١٠٨٨)(٢٩).
[٩٥٧] وعَن أَبِي بَكرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: شَهرَا عِيدٍ لَا يَنقُصَانِ: رَمَضَانُ وَذُو الحِجَّةِ.
رواه أحمد (٥/ ٤٧ - ٤٨)، والبخاري (١٩١٢)، ومسلم (١٠٨٩)(٣١)، وأبو داود (٢٨٢٣)، والترمذي (٦٩٢)، وابن ماجه (١٦٥٩).
ــ
وقوله: فقال: إن رسول الله ﷺ قال: (إن الله مدَّه للرؤية)؛ هكذا صحت روايتنا فيه، وهكذا الأصول الصحيحة، والنسخ المقيَّدة، وقد سقط في بعض النسخ لمن لا يضبط ولا يحفظ: (قال: إن الله)، فيبقى اللفظ: (أن رسول الله ﷺ مدَّه للرؤية)؛ وهو خطأ صراح، لا يقبل الإصلاح. ووقع في إحدى الروايتين: (مدَّه) ثلاثيًّا. وفي الأخرى: (أمَدَّه) رباعيًّا.
قال القاضي أبو الفضل عياض: هما بمعنى: أطال له مدّة الرؤية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِخوَانُهُم يَمُدُّونَهُم فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقصِرُونَ﴾ وقرئ بالوجهين. أي: يطيلون لهم. وقال غيره: مدَّ: من الامتداد. وأمدَّ: من الإمداد، وهو الزيادة. ومنه: أمددت الجيش بمدد. ويجوز أن يكون: أمدَّه من المُدَّة. قال صاحب الأفعال: أمددتك مدة: أعطيتكها.
وقوله: (شهرا عيدٍ لا ينقصان) قيل فيه أقوال:
أحدها: لا ينقصان من الأجر، وإن نقصا في العدد.
стр. 1395
[٩٥٨] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَومِ يَومٍ وَلَا يَومَينِ، إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَومًا فَليَصُمهُ.
رواه أحمد (٢/ ٢٣٤ و ٣٤٧)، والبخاري (١٩١٤)، ومسلم (١٠٨٢)، وأبو داود (٢٣٣٥)، والترمذي (٦٨٥)، والنسائي (٤/ ١٥٤)، وابن ماجه (١٦٥٠).
* * *
ــ
وثانيها: لا ينقصان في عام بعينه.
وثالثها: لا يجتمعان ناقصين في سنة واحدة في غالب الأمر.
ورابعها: ما قاله الطحاوي: لا ينقصان في الأحكام، وإن نقصا في العدد؛ لأن في أحدهما الصيام، وفي الآخر الحج، وأحكام ذلك كله كاملة غير ناقصة.
وخامسها: ما قاله الخطابي: لا ينقص أجر ذي الحجة عن أجر رمضان؛ لفضل العمل في العشر.
وقوله: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين)؛ هذا النهي لما يخاف من الزيادة في شهر رمضان، وهو من أدلة مالك على قوله بسدِّ الذرائع، لا سيما وقد وقع لأهل الكتابين من الزيادة في أيام الصوم غلط (١) حتى أنهوا ذلك إلى ستين يومًا، كما هو المنقول عنهم. وقد وسع في المنع في الحديث الذي خرَّجه الترمذي عن أبي هريرة وصححه فقال: (٢) قال رسول ﷺ : (إذا بقي نصف من شعبان فأمسكوا عن الصوم حتى يأتي رمضان) (٣).
ومَحمَلُ هذا النهي ما يخاف من الزيادة
стр. 1396
(٣) باب في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ الأَبيَضُ مِنَ الخَيطِ الأَسوَدِ﴾ وقوله ﵊: إن بلالا ينادي بليل
[٩٥٩] عَن عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَت ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ الأَبيَضُ مِنَ الخَيطِ الأَسوَدِ مِنَ الفَجرِ﴾ قَالَ لَهُ عَدِيُّ:
ــ
في رمضان، فإن أمن ذلك جاز بدليل قوله: (إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه)؛ وبدليل ما قالت عائشة ﵂: (كان ﷺ يصوم شعبان كله) (١)، (كان يصوم شعبان إلا قليلاً) (٢)، وسيأتي الكلام على هذا الحديث إن شاء الله تعالى.
وفي هذا الحديث ما يدل: على أن صوم يوم الشك جائز. وقد اختلف في ذلك.
(٣) ومن باب: قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ الأَبيَضُ مِنَ الخَيطِ الأَسوَدِ﴾
حديث عدي هذا يقتضي: أن قوله تعالى: ﴿مِنَ الفَجرِ﴾ نزل (٣) متصلاً بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ الأَبيَضُ مِنَ الخَيطِ الأَسوَدِ﴾ وأن عدي بن حاتم حمل الخيط على حقيقته، وفهم من قوله: ﴿مِنَ الفَجرِ﴾ من أجل الفجر. ففعل ما فعل بالعقال الأبيض والأسود. وهذا بخلاف حديث سهل بن سعد، فإن فيه: أن الله لم ينزل ﴿مِنَ الفَجرِ﴾ إلا منفصلاً عن قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ الأَبيَضُ مِنَ الخَيطِ الأَسوَدِ﴾ ولما وقع لهم الإشكال حينئذ أنزل الله تعالى:
стр. 1397
يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي جعَلُت تَحتَ وِسَادَتِي عِقَالَينِ: عِقَالاً أَبيَضَ وَعِقَالاً أَسوَدَ، أَعرِفُ اللَّيلَ مِن النَّهَارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ، إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ.
رواه أحمد (٤/ ٣٧٧)، والبخاري (١٩١٦)، ومسلم (١٠٩٠)، والترمذي (٢٩٧٠).
ــ
﴿مِنَ الفَجرِ﴾ رَافِعًا لذلك الإشكال، وكأن الحديثين واقعتان في وقتين.
ويصح الجمع بأن يكون حديث عدي متأخرًا عن حديث سهل، وأن عديًّا لم يسمع ما جرى في حديث سهل، وإنما سمع الآية مجردة، ففهمها على ما قررناه، فبين له النبي ﷺ : أن الخيط الأبيض كناية عن بياض الفجر، والخيط الأسود كناية عن سواد الليل، وأن معنى ذلك أن يفصل أحدهما عن الآخر. وعلى هذا فيكون ﴿مِنَ الفَجرِ﴾ متعلقًا في ﴿يَتَبَيَّنَ﴾
وعلى مقتضى حديث سهل يكون في موضع الحال متعلقًا بمحذوف، وهكذا هو معنى جوابه في حديث سهل، ويحتمل أن يكون الحديثان قضية واحدة. وذكر بعض الرواة: ﴿مِنَ الفَجرِ﴾ متصلاً بما قبله، كما ثبت في القرآن وإن كان قد نزل متفرقًا؛ كما بينه حديث سهل، والله تعالى أعلم.
وقوله: (إني جعلت تحت وسادتي عقالين)؛ إنما جعلهما تحت وساده لاعتنائه بهما، ولينظر إليهما وهو على فراشه من غير كلفة قيام ولا طلب، فكان يرفع الوساد إذا أراد أن ينظر إليهما. والعقال: الخيط. سمِّي بذلك: لأنه يعقل به؛ أي: يربط به ويحبس.
وقوله: (إن وسادك لعريض)؛ حمله بعض الناس على الذمِّ له على ذلك الفهم، وكأنه فهم منه: أن النبي ﷺ [نسبه إلى الجهل والجفاء وعدم الفقه. وربما عضدوا هذا بما روي: أنه ﷺ (١) قال له: (إنك لعريض القفا)، وليس الأمر
стр. 1398
[٩٦٠] وَعَن سَهلِ بنِ سَعدٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَكُلُوا وَاشرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ الأَبيَضُ مِنَ الخَيطِ الأَسوَدِ﴾ قَالَ: فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ الصَّومَ رَبَطَ أَحَدُهُم فِي رِجلَيهِ الخَيطَ الأَبيَضَ والخَيطَ الأَسوَدَ، فَلَا يَزَالُ يَأكُلُ وَيَشرَبُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رِئيُهُمَا، فَأَنزَلَ اللَّهُ بَعدَ ذَلِكَ: ﴿مِنَ الفَجرِ﴾ فَعَلِمُوا أَنَّمَا يَعنِي بِذَلِكَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ.
ــ
كذلك؛ فإنه حمل اللفظ على حقيقته اللسانية؛ إذ هي الأصل؛ إذ لم يتبين له دليل التجوز. ومن تمسَّك بهذا الطريق لم يستحق ذمًّا، ولا ينسب إلى جهل، وإنما عنى بذلك النبي ﷺ والله أعلم: أن وسادك إن غطى الخيطين اللذين أراد الله، اللذين هما الليل والنهار، فهو إذًا وساد عريض واسع؛ إذ قد شملهما وعلاهما، ألا تراه قد قال على إثر ذلك: (إنما هو سواد الليل وبياض النهار)؛ فكأنه قال: فكيف يدخلان تحت وساد؟ ! وإلى هذا يرجع قوله: (إنك لعريض القفا)؛ لأن هذا الوساد الذي قد غطى الليل والنهار بعرضه لا يرقد عليه، ولا يتوسده إلا قفا عريض، حتى يناسب عرضُه عرضَه، وهذا عندي أشبه ما قيل فيه وأليق. [ويدل أيضًا عليه: ما زاده البخاري قال: (إن وسادك إذًا لعريض إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادك) (١)، وقد أكثر الناس فيه.
وقوله: (حتى يتبين له رِئيهما) - بكسر الراء وهمزة ساكنة، وياء باثنتين من أسفل مرفوعة -: وهو المنظر. ومنه: ﴿أَحسَنُ أَثَاثًا وَرِئيًا﴾ قال في كتاب العين: الرئي: ما رأيته من حال حسنة، وربما صحَّف بعض الناس: رئيهما، بفتح الراء وكسر الهمزة، ولا وجه له لأن الرِّئيِّ هو التابع من الجن، يقال فيه: بفتح الراء وبكسرها.
وقوله: (فأنزل الله تعالى بعد ذلك ﴿مِنَ الفَجرِ﴾، روي: أنه كان بينهما
стр. 1399
رواه البخاري (١٩١٧)، ومسلم (١٠٩١).
[٩٦١] وَعَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُؤَذِّنَانِ: بِلَالٌ، وَابنُ أُمِّ مَكتُومٍ الأَعمَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ بِلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيلٍ فَكُلُوا
ــ
عام. والفجر مأخوذ من تفجر الماء؛ لأنه ينفجر شيئًا بعد شيء.
وقوله: (إن بلالاً ينادي بليل)؛ هذا النداء هو أذان الفجر عند الجمهور. وحكمته عندهم: الهبوب من النوم، والتأهب لصلاة الصبح. واختصت الصبح بذلك؛ لأن الأفضل فيها إيقاعها في أول وقتها مطلقًا، فيلزم من المحافظة على إيقاعها في أول وقتها التأهب لها قبل وقتها، وقبلها نوم الليل المستصحب، فاقتضى مجموع ذلك أن يُنصَب من يوقظ الناس قبل وقتها، فكان ذلك بالأذان.
وذهب أبو حنيفة والثوري: إلى أن هذا الأذان إنما فائدته ما نص عليه في الحديث الآخر: (ليوقظ نائمكم، ويرجع قائمكم)، والإعلام بوقت السّحور لا يكتفى به للفجر، بل لا بدَّ من آذان آخر إذا طلع الفجر، كما كان يؤذن ابن أم مكتوم. ومتمسكهما من حديث بلال وابن أم مكتوم واضح، غير أن العمل المنقول بالمدينة على تقديم أذان الفجر قبله.
ثم اختلف الجمهور في الوقت الذي يؤذن فيه للفجر: فأكثرهم قال: السدس الأخير من الليل. وقيل: النصف. وقيل: بعد خروج وقت العشاء الآخرة. وهذه الأقاويل الثلاثة في مذهبنا.
وقوله: (ولم يكن بينهما إلا أن يرقى هذا وينزل هذا). وفي البخاري من حديث عائشة ﵂، عن ابن أم مكتوم: فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر، وقال فيه: قال القاسم: ولم يكن بين أذانهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا (١).
وفي الموطأ: وكان ابن أم مكتوم رجلاً أعمى، لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت، أصبحت. ومثله في البخاري أيضًا (٢).
стр. 1400
وَاشرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابنُ أُمِّ مَكتُومٍ قَالَ: وَلَم يَكُن بَينَهُمَا إِلَّا أَن يَنزِلَ هَذَا وَيَرقَى هَذَا.
ــ
قلت: وقد أشكل قول القاسم مع مساق حديث بلال وابن أم مكتوم؛ وذلك: أن حديث بلال يقتضي: أن بين وقت أذانه وطلوع الفجر زمانًا طويلاً يتسع لصلاة الليل وللسّحور، وأذان ابن أم مكتوم يقتضي: أنه كان لا يؤذن حتى يطلع الفجر، ثم قال القاسم: لم يكن بين أذانهما إلا أن يرقى ذا، وينزل ذا. وهذا الوقت لا يتسع لشيء من الصلاة، ولا من السّحور، فتناقضا. وقد انفصل عنه من وجهين:
أحدهما: أن هذا كان من بلال في بعض الأوقات، لا في غالبها، بل كان غالب أحواله: أن يوسع بين أذانه وبين طلوع الفجر. وقد روي: أنه أذن عند طلوع الفجر.
وثانيهما - وهو الأشبه -: أن بلالاً كان يؤذن قبل طلوع الفجر، فيجلس في موضع أذانه يذكر الله ويدعو حتى ينظر إلى تباشير الفجر ومقدماته، فينزل، فيعلم ابن أم مكتوم بالفجر، ولعله هو الذي كان يقول له: أصبحت، أصبحت؛ أي: قاربت الصباح. وعند ذلك يرقى ابن أم مكتوم، فيؤذن، والله تعالى أعلم.
فقول القاسم في رواية البخاري: (بين أذانهما)؛ معناه: بينهما، كما قال في حديث ابن عمر: (ولم يكن بينهما)؛ أي: لم يكن بين نزول بلال وصعود ابن أم مكتوم طويل زمن، بل بنفس ما ينزل أحدهما يصعد الآخر من غير تراخ، والله تعالى أعلم.
وقوله: (إن بلالاً ينادي بليل)؛ دليل على أن ما بعد الفجر لا يقال عليه ليل، بل هو أول اليوم المأمور بصومه.
وقوله: (حتى يؤذن ابن أم مكتوم)؛ أي: حتى يشرع في الأذان، وهذا
стр. 1401
رواه أحمد (٢/ ١٠٧)، ومسلم (١٠٩٢)(٣٨) والترمذي (٢٠٣)، والنسائي (٢/ ١٠).
ــ
ظاهره. ويحتمل: حتى يفرغ من الأذان. ويؤيد هذا الاحتمال: ما ذكره أبو داود من حديث أبي هريرة الذي قال فيه رسول الله ﷺ : (إذا سمع أحدُكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه) (١). وهذا هو أذان ابن أم مكتوم، فإنه مشعر بأن هذا إنما يفعل عند ضيق الوقت، ولا يصح أن يرد إلى حديث ابن عمر؛ لأن ذلك صرح فيه بالتراخي والتوسعة تقتضي أكثر من هذا الوقت، وعلى هذا: فيكون قوله في أذان ابن أم مكتوم: (حتى يطلع الفجر)؛ أي: يقارب. وكذلك (أصبحت)؛ أي: قاربت الدخول في الصباح. وهذا التأويل على ما قررناه في حدِّ الصوم: من أن الواجب إمساك جميع أجزاء اليوم، وحالة: طلوع الفجر من اليوم، فلا بد من إمساكها، ويلزم من إمساكها: إمساك جزء من الليل حتى يأمن من الأكل فيما هو جزء من اليوم، وعلى هذا فأول التبين هو المحرم بنفسه، لكن اختلف في هذا التبين بالنسبة إلى ماذا يكون: فذهب الجمهور وفقهاء الأمصار والأعصار: إلى أنه أول تبين الفجر في الأفق الذاهب فيه عرضًا. وروي عن عثمان، وحذيفة، وابن عباس، وطلق بن علي، وعطاء بن أبي رباح، والأعمش، وغيرهم: أن الإمساك يجب لتبين الفجر بالطرق وعلى رؤوس الجبال.
وقد قيل لحذيفة: إني حين تسحرت مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع (٢).
وروي عن علي ﵁: أنه صلى الصبح، ثم قال: الآن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود (٣).
قال الطبري: ومما قادهم إلى هذا القول: أن الصوم إنما هو في النهار، والنهار عندهم: من طلوع الشمس، وآخره غروبها، [فأوله
стр. 1402
[٩٦٢] وعَن ابنِ مَسعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَمنَعَنَّ أَحَدًا مِنكُم أَذَانُ بِلَالٍ (أَو قَالَ: نِدَاءُ بِلَالٍ) مِن سُحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ (أَو قَالَ: يُنَادِي) لِيَرجِعَ قَائِمَكُم، وَيُوقِظَ نَائِمَكُم. وَقَالَ: لَيسَ أَن يَقُولَ: هَكَذَا وَهَكَذَا (وَصَوَّبَ يَدَهُ وَرَفَعَهَا) حَتَّى يَقُولَ: هَكَذَا (وَفَرَّجَ بَينَ إِصبَعَيهِ).
ــ
طلوعها] (١)، وحكى النقاش عن الخليل: أن النَّهار من طلوع الفجر. ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾
قلت: وما قاله الطبري ليس بصحيح؛ لأن الله تعالى: إنما أمر بصوم ما يقال عليه يوم، لا بما يقال عليه نهار، وكأنه لم يسمع قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعدُودَاتٍ﴾
وقوله: (لا يمنعنكم أذان بلال من سحوركم)؛ ، بفتح السين: هو ما يؤكل في السَّحر، وقد تقدَّم في أول كتاب الطهارة: أن الفتح للاسم، والضم للمصدر.
وقوله: (فإنه يؤذن ليرجع قائمكم)؛ أي: ليرد قائمكم إلى راحته وجمام نفسه، كي ينشط لصلاة الصبح.
(ويوقظ نائمكم)؛ أي ينبه من استولى عليه النوم؛ لئلا يفوته.
وقوله: (ليس أن يقول: هكذا - وصوَّب يده، ورفعها -)؛ أي: مدَّ يده صَوبَ مخاطبه، ثم رفعها نحو السماء. وفي الرواية الأخرى: (إن الفجر ليس الذي يقول: هكذا)، وجمع أصابعه، ثم نكسها إلى الأرض.
وتحصل من الروايتين: أنه ﷺ أشار إلى أن الفجر الأول يطلع في السماء، ثم يرتفع طرفه الأعلى وينخفض طرفه الأسفل. وقد بيَّن هذا بقوله: (ولا بياض الأفق المستطيل)؛ يعني: الذي يطلع
стр. 1403
وَفِي رِوَايَةٍ، قال: إِنَّ الفَجرِ لَيسَ يَطُوُلُ هَكَذَا وَجَمعَ أَصَابعه، ثم نكسها إلى الأرض، ولكن الذي يقول هكذا، ووضع المسبحة على المسبحة ومد يده.
رواه أحمد (١/ ٣٩٢)، والبخاري (٦٢١)، ومسلم (١٠٩٣)(٣٩)، وأبو داود (٢٣٤٧)، والنسائي (٢/ ١١).
[٩٦٣] وعَن سَمُرَةَ بنِ جُندُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَغُرَّنَّكُم مِن سَحُورِكُم أَذَانُ بِلَالٍ، وَلَا بَيَاضُ الأُفُقِ المُستَطِيلُ هَكَذَا بيديه، حَتَّى يَستَطِيرَ هَكَذَا، وَحَكَاهُ بِيَدَهِ، فقَالَ: يَعنِي مُعتَرِضًا.
رواه مسلم (١٠٩٤)، وأبو داود (٢٣٤٦)، والترمذي (٧٠٦)، والنسائي (٤/ ١٤٨).
* * *
ــ
طويلاً. فهذا البياض هو المسمى: بالفجر الكاذب.
وشبه بذنب السرحان، وهو الذئب، وسُمِّي به. وهذا الفجر لا يتعلق عليه حكم، لا من الصيام، ولا من الصلاة، ولا من غيرهما.
وأما الفجر الصادق: فهو الذي أشار النبي ﷺ حيث وضع المسبِّحَة على المسبحة، ومدَّ يديه. وهو إشارة إلى أنه: يطلع معترضًا، ثم يعمَّ الأفق ذاهبًا فيه عرضًا.
ويستطير؛ أي: ينتشر.
* * *
стр. 1404
(٤) باب الحث على السحور، وتأخيره وتعجيل الإفطار
[٩٦٤] عَن أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً.
رواه أحمد (٣/ ٩٩ و ٢٢٩)، والبخاري (١٩٢٣)، ومسلم (١٠٩٥)، والترمذي (٧٠٨)، والنسائي (٤/ ١٦١)، وابن ماجه (١٦٩٢).
[٩٦٥] وعَن عبد الله بن عَمرِو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَصلُ مَا بَينَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهلِ الكِتَابِ أَكلَةُ السَّحَرِ.
رواه أحمد (٤/ ٢٠٢)، ومسلم (١٠٩٦)، وأبو داود (٢٣٤٣)، والترمذي (٧٠٩)، والنسائي (٤/ ٤٦).
ــ
(٤) ومن باب: الحث على السَّحور
قوله: (تسحروا فإن في السَّحور بركة)؛ هذا الأمر على جهة الإرشاد إلى المصلحة، وهي حفظ القوة التي يخاف سقوطها مع الصوم الذي لا يُتسحَّر فيه. وقد نبه على ذلك بقوله: (تسحروا، فإن في السَّحور بركة)؛ وهي: القوة على الصيام، وقد جاء مفسرًا في بعض الآثار، وقد لا يبعد أن يكون من جملة بركة السحور ما يكون في ذلك الوقت من ذكر المتسحرين لله تعالى، وقيام القائمين، وصلاة المتهجدين؛ فإن الغالب ممن قام ليتسحر أنه يكون منه ذكر ودعاء، وصلاة واستغفار، وغير ذلك مما يفعل في رمضان.
وقوله: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور)، روايتنا عن مُتقني شيوخنا: أَكلة، بفتح الهمزة، وهي مصدر: أكل أكلة، كضرب ضربة.
стр. 1405
[٩٦٦] وعَن أَنَسٍ، عَن زَيدِ بنِ ثَابِتٍ، قَالَ: تَسَحَّرنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قُمنَا إِلَى الصَّلَاةِ. قُلتُ: كَم كَانَ قَدرُ مَا بَينَهُمَا؟ قَالَ: خَمسِينَ آيَةً.
رواه البخاري (١٩٢١)، ومسلم (١٠٩٧)(٤٧) والنسائي (٤/ ١٤٣)، والترمذي (٧٠٣)، وابن ماجه (١٦٩٤).
[٩٦٧] وعَن سَهلِ بنِ سَعدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطرَ.
رواه أحمد (٥/ ٣٣٧ و ٣٣٩)، والبخاري (١٩٥٧)، ومسلم (١٠٩٨)(٤٨) والترمذي (٦٩٩).
ــ
والمراد بها: أكل ذلك الوقت. وقد روي: أُكلة، بضم الهمزة. وفيه بُعد؛ لأن الأُكلة بالضم، هي: اللقمة. وليس المراد: أن المتسحر يأكل لقمة واحدة. ويصح أن يقال: إنه عبَّر عما يُتسحّر به: باللقمة؛ لقِلَّته، والله تعالى أعلم.
و(الفصل): الفرق. و (أهل الكتاب): اليهود والنصارى.
وهذا الحديث يدل: على أن من خصائص هذه الأمة، ومما خفف به عنهم.
وقول زيد بن ثابت: (تسحرنا مع رسول الله ﷺ ، ثم قمنا إلى الصلاة)؛ يعني: صلاة الفجر.
وقوله: (خمسين آية) كذا الرواية بالياء لا بالواو، وهو على حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه مخفوضًا، وهو شاذ، لكن سوَّغه دلالة السؤال المتقدِّم؛ لأنه لما قال: كم قدر ما بينهما؟ فقال: خمسين. كأنه قال: قدر خمسين. فحذف: قدر، وبقي ما بعده مخفوضًا على حاله معه.
وهذا الحديث يدل: على أنه كان يفرغ من السحور قبل طلوع الفجر. وهو