رواه أحمد (٢/ ١٠٧)، ومسلم (١٠٩٢)(٣٨) والترمذي (٢٠٣)، والنسائي (٢/ ١٠).
ــ
ظاهره. ويحتمل: حتى يفرغ من الأذان. ويؤيد هذا الاحتمال: ما ذكره أبو داود من حديث أبي هريرة الذي قال فيه رسول الله ﷺ : (إذا سمع أحدُكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه) (١). وهذا هو أذان ابن أم مكتوم، فإنه مشعر بأن هذا إنما يفعل عند ضيق الوقت، ولا يصح أن يرد إلى حديث ابن عمر؛ لأن ذلك صرح فيه بالتراخي والتوسعة تقتضي أكثر من هذا الوقت، وعلى هذا: فيكون قوله في أذان ابن أم مكتوم: (حتى يطلع الفجر)؛ أي: يقارب. وكذلك (أصبحت)؛ أي: قاربت الدخول في الصباح. وهذا التأويل على ما قررناه في حدِّ الصوم: من أن الواجب إمساك جميع أجزاء اليوم، وحالة: طلوع الفجر من اليوم، فلا بد من إمساكها، ويلزم من إمساكها: إمساك جزء من الليل حتى يأمن من الأكل فيما هو جزء من اليوم، وعلى هذا فأول التبين هو المحرم بنفسه، لكن اختلف في هذا التبين بالنسبة إلى ماذا يكون: فذهب الجمهور وفقهاء الأمصار والأعصار: إلى أنه أول تبين الفجر في الأفق الذاهب فيه عرضًا. وروي عن عثمان، وحذيفة، وابن عباس، وطلق بن علي، وعطاء بن أبي رباح، والأعمش، وغيرهم: أن الإمساك يجب لتبين الفجر بالطرق وعلى رؤوس الجبال.
وقد قيل لحذيفة: إني حين تسحرت مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع (٢).
وروي عن علي ﵁: أنه صلى الصبح، ثم قال: الآن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود (٣).
قال الطبري: ومما قادهم إلى هذا القول: أن الصوم إنما هو في النهار، والنهار عندهم: من طلوع الشمس، وآخره غروبها، [فأوله
стр. 1402
[٩٦٢] وعَن ابنِ مَسعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَمنَعَنَّ أَحَدًا مِنكُم أَذَانُ بِلَالٍ (أَو قَالَ: نِدَاءُ بِلَالٍ) مِن سُحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ (أَو قَالَ: يُنَادِي) لِيَرجِعَ قَائِمَكُم، وَيُوقِظَ نَائِمَكُم. وَقَالَ: لَيسَ أَن يَقُولَ: هَكَذَا وَهَكَذَا (وَصَوَّبَ يَدَهُ وَرَفَعَهَا) حَتَّى يَقُولَ: هَكَذَا (وَفَرَّجَ بَينَ إِصبَعَيهِ).
ــ
طلوعها] (١)، وحكى النقاش عن الخليل: أن النَّهار من طلوع الفجر. ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾
قلت: وما قاله الطبري ليس بصحيح؛ لأن الله تعالى: إنما أمر بصوم ما يقال عليه يوم، لا بما يقال عليه نهار، وكأنه لم يسمع قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعدُودَاتٍ﴾
وقوله: (لا يمنعنكم أذان بلال من سحوركم)؛ ، بفتح السين: هو ما يؤكل في السَّحر، وقد تقدَّم في أول كتاب الطهارة: أن الفتح للاسم، والضم للمصدر.
وقوله: (فإنه يؤذن ليرجع قائمكم)؛ أي: ليرد قائمكم إلى راحته وجمام نفسه، كي ينشط لصلاة الصبح.
(ويوقظ نائمكم)؛ أي ينبه من استولى عليه النوم؛ لئلا يفوته.
وقوله: (ليس أن يقول: هكذا - وصوَّب يده، ورفعها -)؛ أي: مدَّ يده صَوبَ مخاطبه، ثم رفعها نحو السماء. وفي الرواية الأخرى: (إن الفجر ليس الذي يقول: هكذا)، وجمع أصابعه، ثم نكسها إلى الأرض.
وتحصل من الروايتين: أنه ﷺ أشار إلى أن الفجر الأول يطلع في السماء، ثم يرتفع طرفه الأعلى وينخفض طرفه الأسفل. وقد بيَّن هذا بقوله: (ولا بياض الأفق المستطيل)؛ يعني: الذي يطلع
стр. 1403
وَفِي رِوَايَةٍ، قال: إِنَّ الفَجرِ لَيسَ يَطُوُلُ هَكَذَا وَجَمعَ أَصَابعه، ثم نكسها إلى الأرض، ولكن الذي يقول هكذا، ووضع المسبحة على المسبحة ومد يده.
رواه أحمد (١/ ٣٩٢)، والبخاري (٦٢١)، ومسلم (١٠٩٣)(٣٩)، وأبو داود (٢٣٤٧)، والنسائي (٢/ ١١).
[٩٦٣] وعَن سَمُرَةَ بنِ جُندُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَغُرَّنَّكُم مِن سَحُورِكُم أَذَانُ بِلَالٍ، وَلَا بَيَاضُ الأُفُقِ المُستَطِيلُ هَكَذَا بيديه، حَتَّى يَستَطِيرَ هَكَذَا، وَحَكَاهُ بِيَدَهِ، فقَالَ: يَعنِي مُعتَرِضًا.
رواه مسلم (١٠٩٤)، وأبو داود (٢٣٤٦)، والترمذي (٧٠٦)، والنسائي (٤/ ١٤٨).
* * *
ــ
طويلاً. فهذا البياض هو المسمى: بالفجر الكاذب.
وشبه بذنب السرحان، وهو الذئب، وسُمِّي به. وهذا الفجر لا يتعلق عليه حكم، لا من الصيام، ولا من الصلاة، ولا من غيرهما.
وأما الفجر الصادق: فهو الذي أشار النبي ﷺ حيث وضع المسبِّحَة على المسبحة، ومدَّ يديه. وهو إشارة إلى أنه: يطلع معترضًا، ثم يعمَّ الأفق ذاهبًا فيه عرضًا.
ويستطير؛ أي: ينتشر.
* * *
стр. 1404
(٤) باب الحث على السحور، وتأخيره وتعجيل الإفطار
[٩٦٤] عَن أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً.
رواه أحمد (٣/ ٩٩ و ٢٢٩)، والبخاري (١٩٢٣)، ومسلم (١٠٩٥)، والترمذي (٧٠٨)، والنسائي (٤/ ١٦١)، وابن ماجه (١٦٩٢).
[٩٦٥] وعَن عبد الله بن عَمرِو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَصلُ مَا بَينَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهلِ الكِتَابِ أَكلَةُ السَّحَرِ.
رواه أحمد (٤/ ٢٠٢)، ومسلم (١٠٩٦)، وأبو داود (٢٣٤٣)، والترمذي (٧٠٩)، والنسائي (٤/ ٤٦).
ــ
(٤) ومن باب: الحث على السَّحور
قوله: (تسحروا فإن في السَّحور بركة)؛ هذا الأمر على جهة الإرشاد إلى المصلحة، وهي حفظ القوة التي يخاف سقوطها مع الصوم الذي لا يُتسحَّر فيه. وقد نبه على ذلك بقوله: (تسحروا، فإن في السَّحور بركة)؛ وهي: القوة على الصيام، وقد جاء مفسرًا في بعض الآثار، وقد لا يبعد أن يكون من جملة بركة السحور ما يكون في ذلك الوقت من ذكر المتسحرين لله تعالى، وقيام القائمين، وصلاة المتهجدين؛ فإن الغالب ممن قام ليتسحر أنه يكون منه ذكر ودعاء، وصلاة واستغفار، وغير ذلك مما يفعل في رمضان.
وقوله: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور)، روايتنا عن مُتقني شيوخنا: أَكلة، بفتح الهمزة، وهي مصدر: أكل أكلة، كضرب ضربة.
стр. 1405
[٩٦٦] وعَن أَنَسٍ، عَن زَيدِ بنِ ثَابِتٍ، قَالَ: تَسَحَّرنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قُمنَا إِلَى الصَّلَاةِ. قُلتُ: كَم كَانَ قَدرُ مَا بَينَهُمَا؟ قَالَ: خَمسِينَ آيَةً.
رواه البخاري (١٩٢١)، ومسلم (١٠٩٧)(٤٧) والنسائي (٤/ ١٤٣)، والترمذي (٧٠٣)، وابن ماجه (١٦٩٤).
[٩٦٧] وعَن سَهلِ بنِ سَعدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطرَ.
رواه أحمد (٥/ ٣٣٧ و ٣٣٩)، والبخاري (١٩٥٧)، ومسلم (١٠٩٨)(٤٨) والترمذي (٦٩٩).
ــ
والمراد بها: أكل ذلك الوقت. وقد روي: أُكلة، بضم الهمزة. وفيه بُعد؛ لأن الأُكلة بالضم، هي: اللقمة. وليس المراد: أن المتسحر يأكل لقمة واحدة. ويصح أن يقال: إنه عبَّر عما يُتسحّر به: باللقمة؛ لقِلَّته، والله تعالى أعلم.
و(الفصل): الفرق. و (أهل الكتاب): اليهود والنصارى.
وهذا الحديث يدل: على أن من خصائص هذه الأمة، ومما خفف به عنهم.
وقول زيد بن ثابت: (تسحرنا مع رسول الله ﷺ ، ثم قمنا إلى الصلاة)؛ يعني: صلاة الفجر.
وقوله: (خمسين آية) كذا الرواية بالياء لا بالواو، وهو على حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه مخفوضًا، وهو شاذ، لكن سوَّغه دلالة السؤال المتقدِّم؛ لأنه لما قال: كم قدر ما بينهما؟ فقال: خمسين. كأنه قال: قدر خمسين. فحذف: قدر، وبقي ما بعده مخفوضًا على حاله معه.
وهذا الحديث يدل: على أنه كان يفرغ من السحور قبل طلوع الفجر. وهو
стр. 1406
[٩٦٨] وعَن أَبِي عَطِيَّةَ قَالَ: دَخَلتُ أَنَا وَمَسرُوقٌ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلت: يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ! رَجُلَانِ مِن أَصحَابِ مُحَمَّدٍ ﵊: أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الإِفطَارَ، وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ، وَالآخَرُ يُؤَخِّرُ الإِفطَارَ وَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ قَالَت: أَيُّهُمَا الَّذِي يُعَجِّلُ الإِفطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: قُلنَا: عَبدُ اللَّهِ (يَعنِي ابنَ مَسعُودٍ) قَالَت: كَذَلِكَ كَانَ يَصنَعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وَفي رواية: والآخر أبو موسى.
رواه مسلم (١٠٩٩)(٤٩) وأبو داود (٢٣٥٤)، والترمذي (٧٠٢)، والنسائي (٤/ ١٤٣ - ١٤٤).
* * *
ــ
معارض بظاهر حديث حذيفة، حيث قال: (هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع). فيمكن أن يحمل حديث حذيفة: على أنه قصد الإخبار بتأخير السحور، فأتى بتلك العبارة.
وقوله: (لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر)؛ إنما كان ذلك؛ لأن التعجيل. أحفظ للقوَّة، وأرفع للمشقة، وأوفق للسنة (١)، وأبعد عن الغلو والبدعة، وليظهر الفرق بين الزمانين في حكم الشرع. وأما تعجيل المغرب: فقد تقدَّم الكلام عليها في الأوقات.
* * *
стр. 1407
(٥) باب إذا أقبل الليل وغابت الشمس أفطر الصائم
[٩٦٩] عَن عُمَرَ قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا أَقبَلَ اللَّيلُ وَأَدبَرَ النَّهَارُ وَغَابَت الشَّمسُ فَقَد أَفطَرَ الصَّائِمُ.
رواه أحمد (١/ ٢٨ و ٣٥)، والبخاري (١٩٥٤)، ومسلم (١١٠٠)، وأبو داود (٢٣٥١)، والترمذي (٦٩٨).
ــ
(٥) ومن باب: إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغربت الشمس فقد أفطر الصائم
هذه الثلاثة الأمور متلازمة؛ إذا حصل الواحد منها حصل سائرها. وإنما جمعها في الذكر - والله أعلم -؛ لأن الناظر قد لا يرى عين غروب الشمس لحائل. ويرى ظلمة الليل في المشرق، فيحل له إذ ذاك الفطر.
وإقبال الليل: إقبال ظلمته. وإدبار النهار: إدبار ضوئه. ومجموعهما: إنما يحصل بغروب الشمس.
وقوله: (فقد أفطر الصائم)؛ يحتمل أن يكون معناه: دخل في وقت الفطر. كما تقول العرب: أظهر: دخل في وقت الظهر. وأشهر: دخل في الشهر. وأنجد وأتهم: إذا دخل فيهما. أعني: الموضعين. وعلى هذا: لا يكون فيه تعرض للوصال، لا بنفي ولا بإثبات. ويحتمل أن يكون معناه: فقد صار مفطرًا حكمًا. ومعنى هذا: أن زمان الليل يستحيل فيه الصوم الشرعي. وعلى هذين التأويلين، يخرج خلاف العلماء: هل يصح إمساك ما بعد الغروب؟ فمنهم من قال: لا يصح، وهو كيوم الفطر، ومنع الوصال، وقال: لا يصح. ومنهم من جوَّز إمساك ذلك الوقت، ورأى: أن له أجر الصائم محتجًّا بأحاديث الوصال، وبقوله ﷺ : (فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر) (١). قالوا: وإنما نهاهم عن الوصال رحمة لهم
стр. 1408
[٩٧٠] وَعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ أَبِي أَوفَى، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فِي شَهرِ رَمَضَانَ، فَلَمَّا غَابَت الشَّمسُ قَالَ: يَا فُلَانُ! انزِل فَاجدَح لَنَا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ عَلَيكَ نَهَارًا، قَالَ: انزِل فَاجدَح لَنَا، فَنَزَلَ فَجَدَحَ فَأَتَاهُ بِهِ، فَشَرِبَ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ: إِذَا غَابَت الشَّمسُ مِن هَاهُنَا وَجَاءَ اللَّيلُ مِن هَاهُنَا فَقَد أَفطَرَ الصَّائِمُ.
وفي رِواية: إذا رأيتم الليل قد أقبل من هاهنا، وأشار بيده نحو المشرق فقد أفطر الصائم.
رواه أحمد (٤/ ٣٨١)، والبخاري (١٩٥٦)، ومسلم (١١٠١) (٥٢ و ٥٣) وأبو داود (٢٣٥٢)، والنسائي في الكبرى (٣٣١١).
* * *
ــ
ورفقًا بهم؛ لما يخاف من الضعف فيه، ولما يوجد من مشقته. وسيأتي لهذا مزيد.
وقوله: (يا فلان! انزل فاجدح لنا)؛ أي: اخلط اللبن بالماء. والجدح: خلط الشيء بغيره. والمجدح: المخوَّض، قالوا: وهو عود في طرفه عودان.
وقوله: (إن عليك نهارًا)؛ أي: إن النهار باق عليك؛ وإنما قال له ذلك؛ لأنه رأى ضوء الشمس ساطعًا، وإن كان جرمها غائبًا، فأعرض رسول الله ﷺ عن الضوء، واعتبر غيبوبة جرم الشمس، ثم بيَّن ما يعتبره من لم يتمكن من رؤية جرم الشمس، وهو: إقبال الظلمة من المشرق.
* * *
стр. 1409
(٦) باب النهي عن الوصال في الصوم
[٩٧١] عن أبي هُرَيرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن الوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِن المُسلِمِينَ: فَإِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! تُوَاصِلُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَأَيُّكُم مِثلِي؟ إِنِّي أَبِيتُ يُطعِمُنِي رَبِّي وَيَسقِينِي. فَلَمَّا أَبَوا أَن يَنتَهُوا عَن الوِصَالِ، وَاصَلَ بِهِم يَومًا، ثُمَّ يَومًا، ثُمَّ رَأَوا الهِلَالَ. فَقَالَ: لَو تَأَخَّرَ الهِلَالُ لَزِدتُكُم كَالمُنَكِّلِ لَهُم حِينَ أَبَوا أَن يَنتَهُوا.
ــ
(٦) ومن باب: النهي عن الوصال
اختلف في نهي رسول الله ﷺ عن الوصال: فذهب قوم: إلى أنه محرم. وهو مذهب بعض أهل الظاهر في علمي. وذهب الجمهور: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والثوري، وجماعة من أهل الفقه: إلى كراهته. وقد واصل جماعة من السَّلف، منهم: ابن الزبير وغيره. وأجازه ابن وهب، وإسحاق، وابن حنبل من سحر إلى سحر.
وسبب هذا الخلاف هو: هل محمل هذا النهي على الظاهر وهو التحريم، أو يصرف عن ظاهره إلى الكراهية؛ لأن النبي ﷺ قد واصل بأصحابه بعد أن نهاهم فلم ينتهوا، ثم إذا حملناه على الكراهة فإنما هي لأجل ما يلحق من المشقة والضعف، فإذا أمن من ذلك، فهل يجوز أم تسدُّ الذريعة فلا يجوز.
وأما من خص جوازه بالسحر؛ فلما جاء في الحديث المذكور في الأصل؛ ولأن أَكلَةَ السحر يؤمن معها الضعف والمشقة التي لأجلها كره الوصال.
وقوله: (إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني)؛ حمله قوم على ظاهره، وهو: أن الله يطعمه طعامًا، ويسقيه شرابًا حقيقة من غير تأويل. وليس بصحيح؛ لأنه لو كان كذلك لما صدق عليه قولهم: (إنك تواصل)، ولا ارتفع اسم الوصال عنه؛ لأنه حينئذ كان يكون مفطرًا، وكان يخرج كلامه عن أن يكون جوابًا لما سُئل عنه؛ ولأن
стр. 1410
وَفِي رِوَايَةٍ: لَستُم في ذلك مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فاكلفوا من العمل ما تطيقون.
رواه أحمد (٢/ ٥١٦)، والبخاري (١٩٦٥)، ومسلم (١١٠٣) (٥٧ و ٥٨).
[٩٧٢] وعَن أَنَسٍ قَالَ: وَاصَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي آخر شَهرِ رَمَضَانَ، فَوَاصَلَ نَاسٌ مِن المُسلِمِينَ فَبَلَغَهُ ذَلِكَ،
ــ
في بعض ألفاظ هذا الخبر: (إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني)؛ و (ظل)؛ إنَّما تقال فيمن فعل الشيء نهارًا. و (بات) فيمن فعله ليلاً، وحينئذ كان يلزم عليه فساد صومه، وذلك باطل بالإجماع.
ولذلك قيل في معنى الحديث: إن الله تعالى يخلق فيه من الشبع والرِّي مثل ما يخلقه فيمن أكل وشرب. وهذا القول يبعده أيضًا النظر إلى حاله ﷺ فإنه كان يجوع أكثر مما يشبع، ويربط على بطنه الحجارة من الجوع، وكان يقول: (الجوع حرفتي) (١)؛ على ما روي عنه، ويبعده أيضًا النظر إلى المعنى، وذلك أنه لو خُلِقَ فيه الشبعُ والرِّيُّ لما وجد لعبادة الصوم روحها الذي هو الجوع والمشقة، وحينئذ كان يكون ترك الوصال أولى.
وقيل: معنى ذلك: أن الله تعالى يحفظ عليه قُوَته من غير طعام ولا شراب، كما يحفظها بالطعام والشراب، فكأنه قال: إن الله تعالى يحفظ عليّ قُوَتِي بقدرته، كما يحفظها بالطعام والشراب (٢)، والله تعالى أعلم.
وقوله: (واصل رسول الله ﷺ في آخر شهر رمضان)؛ كذا الصواب،
стр. 1411
فَقَالَ: لَو مُدَّ لَنَا الشَّهرُ لَوَاصَلت وِصَالاً يَدَعُ المُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُم، إِنَّكُم لَستُم مِثلِي، إِنِّي أَظَلُّ يُطعِمُنِي رَبِّي وَيَسقِينِي.
رواه أحمد (٣/ ١٢٤ و ٢٣٥)، والبخاري (٧٢٤١)، ومسلم (١١٠٤)(٦٠) والترمذي (٧٧٨).
[٩٧٣] وَعَن عَائِشَةَ قَالَت: نَهَاهُم النَّبِيُّ ﷺ عَن الوِصَالِ رَحمَةً لَهُم، قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ: إِنِّي لَستُ كَهَيئَتِكُم إِنِّي يُطعِمُنِي رَبِّي وَيَسقِينِي.
رواه البخاري (١٩٦٤)، ومسلم (١١٠٥).
* * *
ــ
وكذلك رواه الهروي، ووقع للعذري والطبري والسجزي، والباجي، وفي أكثر النسخ: (أول شهر رمضان)، وهو وهم، والصحيح ما تقدم، بدليل قوله في الرواية الأخرى عن أنس: (وذلك في آخر الشهر).
والتعمق: الانتهاء إلى عمق الشيء وغايته، مأخوذ من عمق البئر، وهو أقصى قعرها.
وكونه ﷺ واصل بهم يدل: على أن الوصال ليس بحرام، ولا مكروه، من حيث هو وصال، لكن من حيث يذهب بالقوة. وكان نهيه ﷺ عنه رحمة لهم، ورفقًا بهم، كما نصت عليه عائشة.
وقوله: (لو مُدَّ لنا (١) الشهر)؛ أي لو كمل ثلاثين، لزاد اليوم الآخر إلى اليومين المتقدمين. ولو واصل بهم باقي ذلك الشهر؛ لظهر ضعفه عليهم لصدق حجته ﷺ .
* * *
стр. 1412
(٧) بَابُ ما جاء فِي القُبلَة للصائم
[٩٧٤] عَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُنِي وَهُوَ صَائِمٌ
ــ
(٧) وَمِن بَابِ: القبلة للصائم
قول عائشة: (كان رسول الله ﷺ يقبلني وهو صائم)؛ هذا الحديث، وحديث عمر (١) الآتي بعد هذا، وحديث عمر بن الخطاب حيث سأل النبي ﷺ عن القبلة؟ فقال له: (أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم؟ ) قال: لا بأس به. قال: (فمه) (٢)؛ يدل: على إباحة القبلة للصائم مطلقًا. وهو مذهب جماعة من الصحابة والتابعين، وأحمد، وإسحاق، وداود. وكرهها قوم مطلقًا. وهو مشهور مذهب مالك. وفرَّق قوم: فكرهوها للشاب، وأجازوها للشيخ؛ وهو مروي عن ابن عباس، وإليه ذهب أبو حنيفة، والشافعي، والثوري، والأوزاعي. وحكاه الخطابي عن مالك.
وقد روى ابن وهب عن مالك: أنه أباحها في النفل، ومنعها في الفرض. وسبب هذا الخلاف معارضة تلك الأحاديث لقاعدة سدِّ الذريعة. وذلك: أن القبلة قد يكون معها الإنزال؛ فيفسد الصوم، فينبغي أن يمنع ذلك حماية للباب.
ووجه الفرق بين الشيخ والشاب: أن المظنة في حق الشاب مُحَققة غالبًا، فيترتب الحكم عليها، ويشهد لصحة الفرق: ما رواه أبو داود من حديث قيس مولى تجيب (٣): أن النبي ﷺ أرخص في قبلة الصائم للشيخ ونهى عنها
стр. 1413
وَأَيُّكُم يَملِكُ إِربَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَملِكُ إِربَهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: وَلِكِنَّهُ أَملَكَكُم لِإِربِهِ.
وِفِي رِوَايَةٍ أُخرَى: كَانَ يُقبلُ فِي شَهرِ الصَّومِ.
رواه أحمد (٦/ ٤٠٠)، ومسلم (١١٠٦) (٦٤ و ٦٥ و ٧٠) وابن ماجه (١٦٨٤).
[٩٧٥] وعَن عُمَرَ بنِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُقَبِّلُ الصَّائِمُ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : سَل هَذِهِ - لِأُمِّ سَلَمَةَ - فَأَخبَرَتهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصنَعُ ذَلِكَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَد غَفَرَ اللَّهُ لك مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ
ــ
للشاب، وفي معناه عن أبي هريرة (١)، ولا يصح منها شيء.
وقولها: (وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله ﷺ يملك إربه)؛ قد تقدم الكلام في الإرب، وأنه يقال: بفتح الهمزة وكسرها، وأن أصله: العضو. وهو هنا كناية عن الجماع. وهذا يدل: على أن مذهبها منع القبلة مطلقًا في حق غير النبي ﷺ ، وأنها فهمت خصوصيته بجواز ذلك، وهو خلاف ما في حديث أم سلمة، فإنه ﷺ سوَّى بينه وبين غيره في إباحة ذلك. والأخذ بحديث أم سلمة أولى؛ لأنه مبين للقاعدة، ونص في الواقعة. وقول عائشة اجتهاد منها.
وقوله: (قد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك)؛ قول من خطر بباله: أنه يلزم من كونه مغفورًا له مسامحته في بعض الممنوعات، وهذا الخاطر مهما أصغي إليه
стр. 1414
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَاللَّهِ إِنِّي لَأَتقَاكُم لِلَّهِ وَأَخشَاكُم لَهُ.
رواه مسلم (١١٠٨).
* * *
ــ
لزم منه إسقاط التكاليف، وكذلك قد يقع مثله أيضًا عند سماع قوله ﷺ في حق التائب بعد الثالثة: (اعمل (١) ما شئت فقد غفرت لك) (٢). وهذا الخاطر باطل بدليل قوله ﷺ : (إني لأتقاكم لله وأشدُّكم له خشية)، وبدليل الإجماع المعلوم: على أن التكاليف لا تسقط عمن حصلت له شروطها.
وإنما محمل هذه الظواهر الموجبة للغفران في المستقبل على المعونة على الطاعات، والحفظ عن المخالفات، بحيث لا تقع الذنوب منه فيما يأتي، ويصح أن يعبر عن هذا المعنى بالمغفرة؛ لأن المغفرة هي الستر، وهذا قد ستر بالطاعات عن المعاصي؛ بحيث لا تقع منه، أو لأن حاله حال المغفور له، من حيث إنه لا ذنب له، والله تعالى أعلم.
وقوله: (إني لأتقاكم لله وأخشاكم له)؛ أي: لأكثركم تقوى. وقد قدمنا: أن التقوى بمعنى الوقاية. والخشية: الخوف. وقد فرق بعض الناس بينهما. فقال: الخشية أشد الخوف. وقيل: الخوف: التطلع لنفس الضرر، والخشية: التطلع لفاعل الضرر. وإنما كان النبي ﷺ أشد الناس لله خشية؛ لأنه أعظمهم له معرفة.
* * *
стр. 1415
(٨) باب صوم من أدركه الفجر وهو جنب
[٩٧٦] عَن أَبِي بَكرٍ بن عبد الرحمن، قَالَ: سَمِعتُ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ، يَقُصُّ فِي قَصَصِهِ: مَن أَدرَكَهُ الفَجرُ جُنُبًا فَلَا صوم له قال: فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِعَبدِ الرَّحمَنِ بنِ الحَارِثِ فَأَنكَرَ ذَلِكَ، فَانطَلَقَ عَبدُ الرَّحمَنِ، وَانطَلَقتُ مَعَهُ، حَتَّى دَخَلنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلَهُمَا عَبدُ الرَّحمَنِ عَن ذَلِكَ،
ــ
(٨) ومن باب: صوم من أدركه الفجر وهو جنب
قوله: (سمعت أبا هريرة يقص)؛ أي: يتتبع الأحاديث والأخبار، ويذكرها، ويُعلِّم العِلم.
وقوله: (من أدركه الفجر جنبًا فلا صوم له)؛ هذه الفتيا من أبي هريرة، وهو قوله الأول.
وقد اختلف في ذلك: فروي عن الحسن بن صالح مثل قول أبي هريرة. وعن الحسن والنخعي: لا يجزئه إذا أصبح عالِمًا بجنابته، وإن لم يعلم أجزأه.
وروي عن الحسن والنخعي: لا يجزئه في الفرض، ويجزئه في النفل. وروي عن الحسنين: يصومه ويقضيه.
ومذهب الجمهور، وهو الصحيح: الأخذ بحديث أم سلمة وحديثي عائشة الآتيين. ومقتضاها: أن صوم الجنب صحيح. وهو الذي يفهم من ضرورة قوله تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُم وَكُلُوا وَاشرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ الأَبيَضُ مِنَ الخَيطِ الأَسوَدِ مِنَ الفَجرِ﴾؛ فإنه لما مدَّ إباحة الجماع إلى طلوع الفجر فبالضرورة يعلم: أن الفجر يطلع عليه وهو جنب، وإنما يتأتى الغسل بعد الفجر. وفي معنى هذه المسألة: الحائض تطهر قبل الفجر، وتترك التطهر حتى تصبح، فجمهورهم على وجوب تمام الصوم عليها وإجزائه، سواء تركته عمدًا، أو سهوًا. وشذَّ محمد بن مسلمة فقال: لا يجزئها، وعليها القضاء والكفارة. وهذا في المفرطة المتوانية، فأما التي رأت الطهر
стр. 1416
قَالَ: فَكِلتَاهُمَا قَالَت: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصبِحُ جُنُبًا مِن غَيرِ حُلُمٍ، ثُمَّ يَصُومُ قَالَ: فَانطَلَقنَا حَتَّى دَخَلنَا عَلَى مَروَانَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ عَبدُ الرَّحمَنِ، فَقَالَ مَروَانُ: عَزَمتُ عَلَيكَ إِلَّا مَا ذَهَبتَ إِلَى أَبِي هُرَيرَةَ، فَرَدَدتَ عَلَيهِ مَا يَقُولُ. قَالَ: فَجِئنَا أَبَا هُرَيرَةَ، وَأَبُو بَكرٍ حَاضِرُ ذَلِكَ كُلِّهِ. قَالَ: فَذَكَرَ لَهُ عَبدُ الرَّحمَنِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: أَهُمَا قَالَتَاهُ لك؟ قَال: نَعَم. قَالَ: هُمَا أَعلَمُ.
ــ
فبادرت، فطلع الفجر قبل تمامه، فقد قال مالك: هي كمن طلع عليها وهي حائض، يومها يوم فطر، وقاله عبد الملك. وقد ذكر بعضهم قول عبد الملك هذا في المتوانية. وهو أبعد من قول ابن مسلمة.
وقولهما: (كان يصبح جنبًا من غير حلم)؛ يفيد فائدتين:
إحداهما: أن النبي ﷺ كان يجامع ويؤخر غسله حتى يطلع الفجر، ليبين المشروعية، كما قال: (عمدًا فعلته يا عمر) (١).
وثانيهما: دفع توهم من يتوهم: أن النبي ﷺ كان يحتلم في منامه، فإن الحلم من الشيطان (٢)، والله قد عصمه منه.
وقول أبي هريرة: (هما أعلم)؛ يدل على رجوعه في قوله الأول. وقد صرَّح بالرِّجوع في آخر الحديث.
стр. 1417
ثُمَّ رَدَّ أَبُو هُرَيرَةَ مَا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ إِلَى الفَضلِ بنِ العَبَّاسِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: سَمِعتُ ذَلِكَ مِن الفَضلِ، وَلَم أَسمَعهُ مِن النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ: فَرَجَعَ أَبُو هُرَيرَةَ عَمَّا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ.
رواه البخاري (١٩٢٥)، ومسلم (١١٠٩)(٧٥).
[٩٧٧] وعن عَائِشَةَ قَالَت: قَد كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُدرِكُهُ الفَجرُ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ جُنُبٌ مِن غَيرِ حُلُمٍ فَيَغتَسِلُ وَيَصُوم.
رواه أحمد (٦/ ٢٨٩)، والبخاري (١٩٢٦)، ومسلم (١١٠٩)(٧٦)، والترمذي (٧٧٩).
[٩٧٨] وعنها أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَستَفتِيهِ، وَهِيَ تَسمَعُ مِن وَرَاءِ البَابِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تُدرِكُنِي الصَّلَاةُ وَأَنَا جُنُبٌ فَأَصُومُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَأَنَا تُدرِكُنِي الصَّلَاةُ وَأَنَا جُنُبٌ فَأَصُومُ فَقَالَ: لَستَ مِثلَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَد غَفَرَ اللَّهُ لك مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ
ــ
وقوله: (ثم رده إلى الفضل)؛ يعني بذلك: أنه سمعه من الفضل، كما قد نص عليه بعد. وفي النسائي (١): أنه سمعه من أسامة بن زيد. وهذا محمول على أنه سمعه منهما. وحديث الفضل وأسامة كان متقدِّمًا.
قال بعض العلماء: كان ذلك في أول الإسلام، في الوقت الذي كان الحكم فيه: أن إذا نام بالليل حرم عليه الأكل والشرب والنكاح أن يمد ذلك إلى طلوع الفجر، كما جاء في البخاري (٢) من حديث البراء بن عازب في قصة قيس بن صِرمَة. وعلى الجملة:
стр. 1418
إِنِّي لَأَرجُو أَن أَكُونَ أَخشَاكُم لِلَّهِ وَأَعلَمَكُم بِمَا أَتَّقِي.
رواه أحمد (٦/ ٦٧ و ١٥٦)، ومسلم (١١١٠)، وأبو داود (٢٣٨٩).
* * *
(٩) باب كفارة من أفطر متعمدا في رمضان
[٩٧٩] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: (وَمَا أَهلَكَكَ) قَالَ: وَقَعتُ عَلَى امرَأَتِي فِي
ــ
فذلك الحكم متروك عند جمهور العلماء بظاهر القرآن، وبصحيح الأحاديث. والخلاف فيه من قبيل الخلاف الشاذ المتقدم.
(٩) ومن باب: كفارة من أفطر متعمدًا في رمضان
(قول المجامع في رمضان: هلكت! احترقت! )؛ استدل به الجمهور على أنه كان متعمدًا، وقصروا الكفارة على المتعمد دون الناسي، وهو مشهور قول مالك وأصحابه. وذهب أحمد، وبعض أهل الظاهر، وعبد الملك، وابن حبيب: إلى إيجابها على الناسي. وروي ذلك عن عطاء ومالك متمسكين بترك استفسار النبي ﷺ السائل، وإطلاق الفتيا مع هذا الاحتمال. وهذا كما قاله الشافعي في الأصول: ترك الاستفصال مع الاحتمال يتنزل منزلة العموم في المقال. وهذا ضعيف؛ لأنه يمكن أن يقال: إنه ترك استفصاله لأنه قد تبين حاله، وهو: أنه كان عامدًا، كما يدل عليه ظاهر قوله: (هلكت! واحترقت).
стр. 1419
رَمَضَانَ قَالَ: (هَل تَجِدُ مَا تُعتِقُ رَقَبَةً؟ ) قَالَ: لَا قَالَ: هَل تَستَطِيعُ أَن تَصُومَ شَهرَينِ مُتَتَابِعَينِ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَهَل تَجِدُ مَا تُطعِمُ سِتِّينَ مِسكِينًا؟ قَالَ: لَا
ــ
وقوله: (هل تجد ما تعتق رقبة)، رقبة: نصب على البدل من (ما) الموصولة (١)، وهي مفعولة بتجد. وإطلاق الرقبة يقتضي جواز الكافرة، وهو مذهب أبي حنيفة، وجواز المعيبة، وهو مذهب داود، والجمهور على خلافهما؛ فإنهم شرطوا في إجزاء الرقبة بالإيمان، بدليل تقييدها به في كفارة القتل، وهي مسألة حمل المطلق على المقيد، المعروفة في الأصول، وبدليل: أن مقصود الشرع الأول بالعتق تخليص الرِّقاب من الرق؛ ليتفرغوا إلى عبادة الله، ولنصر المسلمين. وهذا المعنى مفقود في حق الكافر، وقد دلَّ على صحة هذا المعنى قوله في حديث السوداء: (أعتقها فإنها مؤمنة) (٢).
وأما العيب: فنقص في المعنى وفي القيمة، فلا يجوز له؛ لأنه في معنى عتق الجزء كالثلث، والربع. وهو ممنوع بالاتفاق.
وقوله: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ ) تستطيع: تقوى وتقدر. والتتابع: التوالي. وهو حجة للجمهور في اشتراط التتابع في الكفارة على ابن أبي ليلى؛ إذ لم يشترطه.
وقوله: (فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا)؛ حجة للجمهور في اشتراط عدد الستين على الحسن؛ إذ قال: يطعم أربعين. وعلى أبي حنيفة؛ إذ يقول بجواز إعطاء طعام ستين مسكينًا لمسكين واحد. وهو أصله في هذا الباب.
стр. 1420
قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمرٌ، فَقَال: تَصَدَّق بِهَذَا قَالَ: على أَفقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَينَ لَابَتَيهَا أَهلُ بَيتٍ أَحوَجُ إِلَيهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ
ــ
وقوله ﷺ للأعرابي: (اجلس)؛ انتظار منه لوجه يتخلص به مما حصل فيه، أو ليوحى إليه في ذلك.
وقوله: (فأتي النبي ﷺ (١) بعرَق فيه تمر)؛ العرَق، بفتح الراء لا غير، وسُمِّي بذلك لأنه جمع عرقة، وهي الظفيرة من الخوص، وهو الزِّنبيل، بكسر الزاي على رواية الطبري، وبفتح الزاي لغيره، وهما صحيحان. وسُمِّي بذلك لأنه يحمل فيه الزبل، ذكره ابن دريد. وهذا العرق تقديره عندهم: خمسة عشر صاعًا، وهو مفسر في الحديث، وقد تقدَّم: أن الصاع أربعة أمداد. فيكون مبلغ أمداد العرق ستين مدًّا، ولهذا قال الجمهور: إن مقدار ما يدفع لكل مسكين من الستين مُدّ.
وفيه حجة للجمهور على أبي حنيفة، والثوري؛ إذ قالا: لا يجزئ أقل من نصف صاع لكل مسكين.
وقوله: (تصدَّق بهذا)؛ يلزم منه أن يكون قد ملكه إياه؛ ليتصدق به عن كفارته، ويكون هذا كقول القائل: أعتقت عبدي عن فلان، فإنه يتضمن سبقية الملك عند قوم. وأباه أصحابنا، مع الاتفاق على أن الولاء للمعتق عنه، وأن الكفارة تسقط بذلك.
وقوله: (على أفقر منا؟ ) هو محذوف همزة الاستفهام. تقديره: أَعَلَى أفقر منا؟ والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: أنتصدق به على أحدٍ أفقر منا؟ وقد جاء في طريق أخرى: بحذف على، والرواية فيه حينئذ بالنصب على إضمار الفعل: أتجد أفقر منا؟ وقد يجوز رفعه على خبر مبتدأ؛ أي: أأحدٌ أفقر منا؟ واللابتان: حرتا المدينة، وقد تقدم.
وضحك النبي ﷺ تعجب من حاله، وسرعة
стр. 1421
حَتَّى بَدَت أَنيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: اذهَب فَأَطعِمهُ أَهلَكَ.
رواه أحمد (٢/ ٢٨١)، والبخاري (٢٦٠٠)، ومسلم (١١١١)(٨١)، وأبو داود (٢٨٩١).
ــ
قسمه، وإغيائه في ذلك.
والأنياب: جمع ناب، وهي الأسنان الملاصقة للثنايا، وهي: أربعة.
وقوله: (اذهب فأطعمه أهلك)؛ تخيل قوم من هذا الكلام سقوط الكفارة عن هذا الرجل. فقالوا: هو خاص به. وليس فيه ما يدل على ذلك. بل نقول: إن النبي ﷺ لما بين له ما يترتب على جنايته من الكفارة لزم الحكم، وتقرر في الذمِّة، ثم لما تبين من حال هذا: أنه عاجز عن الكفارة سقط عنه القيام بما لا يقدر عليه في تلك الحال، وبقي الحكم في الذمة على ما رتبه أولاً، فبقيت الكفارة عليه إلى أن يستطيع شيئًا من خصالها. وهذا مذهب الجمهور، وأئمة الفتوى. وقد ذهب الأوزاعي، وأحمد: إلى أن حكم من لم يجد الكفارة من سائر الناس سقوطها عنه. ولم يتعرض النبي ﷺ في هذا الحديث لقضاء ذلك اليوم، ولذلك قال بسقوط القضاء عنه طائفة من أهل العلم. وأنه ليس عليه إلا الكفارة.
والجمهور على لزوم القضاء مع الكفارة؛ إذ الصوم المطلوب منه لم يفعله، فهو باقٍ عليه، كالصلوات وغيرها إذا لم تُفعَل بشروطها.
ويتم النظر في هذا الحديث برسم مسائل اختلف فيها:
الأولى: إن هذه الكفارة هل هي على الجاني وحده؟ وهذا كما هو مذهب الجمهور. أو عنه وعن موطوءته؟ كما صار إليه الشافعي وأهل الظاهر. وليس في الحديث ما يدل على ذلك، لكن الحديث إنما تعرض للرَّجل، وسكت عن المرأة، فيؤخذ حكمها من دليل آخر. ولعله إنما سكت عنها؛ لأنها كانت غير صائمة؛ لأنها طهرت من حيضتها في أضعاف اليوم، أو كتابية.
وعلى الجملة: فحالها مجهول، ولا سبيل إلى التحكم بأنها كانت مكرهة، أو مختارة أو غير ذلك.
стр. 1422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومشهور مذهب مالك في المكرهة: أن مكرهها يكفر عنها؛ لأنه هتكَ صومين بالنسبة إليها وإليه. فكأنه هتك يومين. قال سحنون: لا شيء عليه لها ولا عليها. وبه قال أبو ثور، وابن المنذر، ولم يختلف المذهب في أن عليها القضاء.
المسألة الثانية: إن قوله: (هل تجد؟ ) وبعده: (فهل تستطيع؟ ) وبعده: (فهل تجد ما تطعم؟ ) ظاهر هذا: الترتيب في هذه الخصال. بدليل عطف الجمل بالفاء المرتبة المعقبة. وإليه ذهب الشافعي، والكوفيون، وابن حبيب من أصحابنا. وذهب مالك وأصحابه: إلى التخيير في ذلك، إلا أنه استحب الإطعام لشدَّة الحاجة إليه، وخصوصًا بالحجاز. واستدل أصحابنا لمذهبهم بحديث أبي هريرة الآتي بعد هذا، وهو: أنه قال: أفطر رجل في رمضان فأمره النبي ﷺ أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكينًا. فخيره بـ (أو) التي هي موضوعة للتخيير.
المسألة الثالثة: هذه الكفارة، هل هي خاصة بمن أفطر بالجماع؟ وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وجماعة من السَّلف، أو هل يلحق بذلك كل هاتك لصوم نهار رمضان بأي وجه كان من أكل، أو شرب، أو غيره؟ وهو مذهب مالك وجماعة. واستدل أصحابنا بحديث أبي هريرة الآتي، وبالنظر إلى المعنى. وتحقيقه في الفروع، وبسط ذلك في الفقه.
المسألة الرابعة: ذهب جمهورهم: إلى أن الكفارة ثلاثة أنواع، كما جاء في الحديث. وذهب الحسن وعطاء: إلى أن المكفر إن لم يجد رقبة أهدى بدنة إلى مكة. قال عطاء: أو بقرة. وتمسَّكوا بما رواه مالك في الموطأ من مرسل سعيد بن المسيب: أن النبي ﷺ قال له: (هل تستطيع أن تعتق رقبة؟ ) (١) قال: لا. قال: (فهل تستطيع أن تهدي بدنة؟ ) قال: لا (٢). والصحيح: المسند من الأحاديث، وليس
стр. 1423
[٩٨٠] وعنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ رَجُلاً أَفطَرَ فِي رَمَضَانَ أَن يُعتِقَ رَقَبَةً، أَو يَصُومَ شَهرَينِ، أَو يُطعِمَ سِتِّينَ مِسكِينًا.
رواه البخاري (٦١٦٤)، ومسلم (١١١١)(٨٤).
[٩٨١] وعن عَائِشَةَ قالت: أَتَى رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي المَسجِدِ فِي رَمَضَانَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! احتَرَقتُ احتَرَقتُ. فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا شَأنُهُ؟ فَقَالَ: أَصَبتُ أَهلِي. قَالَ: تَصَدَّق. فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا لِي شَيءٌ، وَمَا أَقدِرُ عَلَيهِ قَالَ: اجلِس فَجَلَسَ فَبَينَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ أَقبَلَ رَجُلٌ يَسُوقُ حِمَارًا عَلَيهِ طَعَامٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَينَ المُحتَرِقُ آنِفًا؟ فَقَامَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
ــ
فيه شيء من ذلك.
وقوله: (إن رسول الله ﷺ أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكينًا)؛ هذا هو متمسك أصحابنا: على أن الكفارة معلقة على كل فطر قُصد به هتك الصيام، على ما تقدَّم.
ووجه استدلالهم: أنه علق الكفارة على من أفطر مجردًا عن القيود، فيلزم مطلقًا، وهذا على قول الشافعي في مسألة ترك الاستفصال. فإن قيل: فهذا الحديث هو الحديث الأول، والقضية واحدة فترد إليها، قلنا: لا نسلم. بل هما قضيتان مختلفتان؛ لأن مساقهما مختلف. وهذا هو الظاهر، والله تعالى أعلم.
وقوله ﷺ في حديث عائشة: (تصدق)، ولم يذكر غيره؛ دليل لمالك على اختياره الطعام. بل وظاهر هذا الحديث: الاقتصار عليه. وهو أيضًا ظاهر قول مالك في المدونة، فإنه قال: قلت: وكيف الكفارة في قول مالك؟ قال: الطعام، لا يعرف غير الطعام، لا يأخذ مالك بالعتق ولا بالصيام.
стр. 1424
تَصَدَّق بِهَذَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغَيرَنَا؟ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَجِيَاعٌ مَا لَنَا شَيءٌ قَالَ: فَكُلُوه.
رواه أحمد (٦/ ٢٧٦)، والبخاري (١٩٣٥)، ومسلم (١١١٢)(٨٧)، وأبو داود (٢٣٩٤).
* * *
(١٠) باب جواز الصوم، والفطر في السفر والتخيير في ذلك
[٩٨٢] عَن ابنِ عَبَّاسٍ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الفَتحِ فِي
ــ
وقوله: (أَغَيرنا؟ ) منصوب بفعل مضمر، تقديره: أتعطيه غيرنا؟
(١٠) ومن باب: جواز الصوم والفطر في السفر
(الكديد) ما بينه وبين مكة اثنان وأربعون ميلاً. و (عُسفان) قرية جامعة على ستة وثلاثين ميلاً من مكة. وفي الحديث الآتي: (كراع الغميم). والغميم - بفتح الغين -: واد أمام عُسفان بثمانية أميال. و (كراع): جبل أسود هناك يضاف إلى الغميم. والكراع لغة: هو كل أنف مال من جبل أو غيره.
وهذه الأحاديث المشتملة على ذكر هذه المواضع الثلاثة كلها ترجع إلى معنى واحد. وهي حكاية حاله ﷺ عن سفر في قدومه إلى فتح مكة. وكان في رمضان في ستة عشر منه، كما جاء في حديث أبي سعيد. وهذه المواضع متقاربة. ولذلك عبَّر كل واحد من الرواة بما حضر له من تلك المواضع لتقاربها واختلف في الفطر في السفر؛ فالجمهور على أن المسافر إن صام في سفره أجزأه. وذهب بعض أهل الظاهر:
стр. 1425
رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ، ثُمَّ أَفطَرَ،
ــ
إلى أنه لا يجزئه، ولا ينعقد، وعليه القضاء أبدًا. وحكي عن ابن عمر: أنه قال: من صام في السفر قضى في الحضر. وحكي أنه مذهب عمر. ومتمسك هؤلاء: ظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَرِيضًا أَو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أَيَّامٍ أُخَرَ﴾؛ أي: فعليه عدة، أو فالواجب عدة. وتأوَّله الجمهور: بأن هناك محذوفًا، تقديره: فأفطر. واستدلوا على صحته بما يأتي بعد هذا من الأحاديث الآتية في هذا الباب. وكره أحمد بن حنبل الصوم في السَّفر، ولم يأمر بالقضاء.
واختلف الجمهور في الأفضل: هل هو الصوم أو الفطر؟ أو لا فضيلة لأحدهما على الآخر. وممن ذهب إلى الأول أنس بن مالك، ومالك في المشهور عنه، والشافعي، على أن الفطر من باب الرُّخص، وأن فعل الصوم مبادرة إلى تخليص الذمم، ومسابقة إلى الخيرات، وقد أمر الله بذلك في قوله: ﴿فَاستَبِقُوا الخَيرَاتِ﴾ وإلى الثاني ذهب ابن عباس، وابن عمر، وغيرهما. وعلى الثالث جل أهل المذهب، وهو التخيير، وعليه تدل الأحاديث المذكورة في هذا الباب.
ثم هل هذا في كل سفر: طاعة كان أو معصية، طويلاً كان أو قصيرًا؟ وقد تقدَّم ذكر الخلاف فيه في باب: قصر الصلاة في السفر.
وقوله: (خرج رسول الله ﷺ عام الفتح في رمضان؛ فصام، فلما بلغ الكديد أفطر)؛ هذا حجة على من يقول: إن الصوم لا ينعقد في السَّفر، فإن النبي ﷺ قد صام من خروجه من المدينة إلى أن بلغ الكديد، وصام الناس معه. وهو حجة لمن يقول: إن من بَيَّت الصوم في السفر فله أن يفطر، وإن لم يكن له عذر، وإليه ذهب مطرف، وهو أحد قولي الشافعي. وعليه جماعة من أصحاب الحديث.
والجمهور على منع ذلك إلا لعذر، متمسكين بأنه قد شرع في أَخذِ ما خير فيه؛ فيلزمه المُضي فيه؛ إذ قد عَيَّنه بفعله، وحملوا فِطر النبي ﷺ على وجود العذر المسوِّغ من حصول الضعف بالصوم عن مقاومة العدو، وعن القيام بوظائف
стр. 1426
وَكَانَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَّبِعُونَ الأَحدَثَ فَالأَحدَثَ مِن أَمرِهِ.
قال الزُّهرِيِّ: وَكَانَ الفِطرُ آخِرَ الأَمرِينِ، وَإِنَّمَا يُؤخَذُ مِن أَمرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالآخِرِ فَالآخِرِ، وَيَرَونَهُ النَّاسِخَ المُحكَمَ.
رواه أحمد (١/ ٢١٩)، والبخاري (٢٩٥٤)، ومسلم (١١١٣)(٨٨)، والنسائي (٤/ ١٨٩).
[٩٨٣] وعَنه قَالَ: سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ فَشَرِبَهُ نَهَارًا لِيَرَاهُ النَّاسُ، ثُمَّ أَفطَرَ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَفطَرَ، فَمَن شَاءَ صَامَ، وَمَن شَاءَ أَفطَرَ.
ــ
الجهاد، ولما حصل لهم من الجهل والمشقة بالصوم، كما قال: فسقط الصوَّام، وقد روى البزار من حديث أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ لما رأى ما هم فيه، ووصل إلى الماء، قال لهم: (اشربوا)، فقالوا: لا نشرب حتى تشرب. قال: (إني لست مثلكم، إني راكب وأنتم مشاة)، فقالوا: لا نشرب حتى تشرب، فشرب، وشربوا (١).
وعلى مذهب المنع فلو أفطر من غير عذر فهل تلزمه الكفارة، أو لا تلزمه؟ ثلاثة أقوال: يفرق في الثالث بين أن يفطر بجماع، فتجب، أو بغيره فلا تجب. وكذلك اختلف فيمن طرأ عليه السفر، وقد بيَّت الصوم في الحضر. فالجمهور على أنه لا يجوز أن يفطر إلا مع العذر. فلو أفطر من غير عذر ففي الكفارة ثلاثة أقوال: يفرق في الثالث بين المتأوّل، فتسقط عنه، وبين غيره، فلا تسقط.
وقوله: (وكان صحابته ﷺ يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره)؛ وهو قول الزهري كما فسَّره في الرواية الأخرى ونسبه إليه. ولذلك ذكره مسلم بعده. وظاهر
стр. 1427
رواه أحمد (١/ ٢٥٩)، والبخاري (٤٢٧٩)، ومسلم (١١١٣)(٨٨)، وأبو داود (٢٤٠٤)، والنسائي (٤/ ١٨٤)، وابن ماجه (١٦٦١).
[٩٨٤] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: غَزَونَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِسِتَّ عَشرَةَ مَضَت مِن رَمَضَانَ، فَمِنَّا مَن صَامَ وَمِنَّا مَن أَفطَرَ، فَلَم يَعِب الصَّائِمُ عَلَى المُفطِرِ، وَلَا المُفطِرُ عَلَى الصَّائِمِ.
رواه أحمد (٣/ ٤٥ و ٧٤)، ومسلم (١١١٦)(٩٣).
[٩٨٥] وعن حَمزَةَ بنَ عَمرٍو الأَسلَمِيَّ أنه سَأَلَ النبي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي رَجُلٌ أَسرُدُ الصَّومَ. أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: صُم إِن شِئتَ وَأَفطِر إِن شِئتَ.
ــ
كلام ابن شهاب: أن الذي استقر عليه أمره ﷺ إنما كان: الفطر في اسفر، وأن الصوم السابق منسوخ.
وهذا الظاهر ليس بصحيح بدليل الأحاديث الآتية بعد هذا؛ فإنها تدل على أن النبي ﷺ صام بعد ذلك في السفر، وأصحابه كذلك، وجد فيه. ومن أدل ذلك قول أبي سعيد: ثم لقد رأيتنا نصوم بعد ذلك في السفر مع رسول الله ﷺ . وما خرَّجه النسائي عن عائشة: أنها سافرت مع رسول الله ﷺ في عمرته، فقالت: يا رسول الله! قصرتَ وأتممتُ، وأفطرتَ وصمتُ. فقال: (أحسنتِ يا عائشة! )، وما عابه عليّ (١).
ويمكن أن يحمل قول الزهري: على أنه أراد أن يخبر بقاعدتهم الكلية الأصولية في الاقتداء بأفعال النبي ﷺ فيما تحققت فيه المعارضة، لا في هذا الموضع؛ فإنه لم يتحقق فيه المعارضة، والله تعالى أعلم.
وقوله ﷺ لحمزة بن عمرو: (إن شئت صم، وإن شئت فأفطر (٢))؛ نصٌّ في
стр. 1428
رواه البخاري (١٩٤٣)، ومسلم (١١٢١)(١٠٤)، وأبو داود (٢٤٠٢)، والنسائي (٤/ ١٨٥)، والترمذي (٧١١)، وابن ماجه (١٦٦٢).
[٩٨٦] وعنه أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَل عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هِيَ رُخصَةٌ مِن اللَّهِ فَمَن أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ وَمَن أَحَبَّ أَن يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِ.
ــ
التخيير. ولا يقال: يحتمل أنه سأله عن سرد صوم التطوع لوجهين:
أحدهما: قوله في الرواية الأخرى: (هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه). ولا يقال في التطوع مثل هذا.
والثاني: أن حديثه هذا خرَّجه أبو داود، وقال فيه: يا رسول الله! إني صاحب ظهر أسافر عليه، وأكريه في هذا الوجه، وأنه ربما صادفني هذا الشهر - يعني: رمضان - وأنا أجد القوة، وأنا شاب، وأجدني أن أصوم أهون من أن أؤخره فيكون دينًا عليّ، أفأصوم يا رسول الله! أعظم لأجري أو أفطر؟ فقال: (أي ذلك شئت يا حمزة) (١). وهذا نصٌّ: في أنه صوم رمضان.
وقوله ﷺ : (هو رخصة من الله)؛ دليلٌ على أن الخطاب بالصوم متوجه لجميع المكلفين - مسافرين وغيرهم - ثم رخص لأهل الأعذار بسببها. وبيان ذلك: أن الرخصة حاصلها راجع إلى تخلف الحكم الجزم مع تحقق سببه لأمر خارج عن ذلك السبب، كما تقوله في إباحة الميتة عند الضرورة. وبهذا يتحقق بطلان قول من قال: إن صوم المسافر لا ينعقد، والله تعالى أعلم.
وقوله: (غزونا مع رسول الله ﷺ لست عشرة من رمضان)؛ قد اختلف الرواة في هذا، ففي حديث التيمي، وعمر بن عامر، وهشام: (لثماني عشرة خلت من
стр. 1429
رواه أحمد (٣/ ٤٩٤)، ومسلم (١١٢١/ م) (١٠٧)، وأبو داود (٢٤٠٣)، والنسائي (٤/ ١٨٦ - ١٨٧).
* * *
(١١) باب من أجهده الصوم حتى خاف على نفسه وجب عليه الفطر
[٩٨٧] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الفَتحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِن مَاءٍ، فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعضَ النَّاسِ قَد صَامَ. فَقَالَ: أُولَئِكَ العُصَاةُ، أُولَئِكَ العُصَاةُ.
رواه مسلم (١١١٤)(٩٠)، والترمذي (٧١٥)، والنسائي (٤/ ١٧٧).
ــ
رمضان). وفي حديث سعيد: (في ثنتي عشرة). وفي حديث شعبة: (لسبع عشرة، أو: تسع عشرة). وقال الزهري: (صبح رسول الله ﷺ مكة لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان). وهذه أقوال مضطربة. والذي أطبق عليه أصحاب السير: أن خروج النبي ﷺ لغزوة الفتح كان لعشر خلون من رمضان، ودخوله مكة كان في تسع عشرة. وهو أحسنها، والله تعالى أعلم.
(١١) ومن باب: من أجهده وأضعفه الصوم وجب عليه الفطر
هذه الترجمة معضودة بقاعدة الشريعة المقررة في رفع ما لا يطاق. وبأن للمريض أن يفطر. ومن أجهده الصوم وهو (١) مريض؛ فإن خاف على نفسه التلف
стр. 1430
[٩٨٨] وعَنهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَرَأَى رَجُلاً قَد اجتَمَعَ النَّاسُ عَلَيهِ، وَقَد ظُلِّلَ عَلَيهِ، فَقَالَ: مَا لَهُ؟ قَالُوا: رَجُلٌ صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَيسَ مِن البِرِّ أَن تَصُومُوا فِي السَّفَرِ.
رواه أحمد (٣/ ٣١٩)، والبخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥)، وأبو داود (٢٤٠٧)، والنسائي (٤/ ١٧٧).
* * *
ــ
من الصوم عصى بصومه، وعلى هذا يحمل قوله ﷺ : (أولئك العصاة).
وقوله: (ليس من البر الصيام في السفر)؛ فإنه خرج على قوم سقطوا من جهد الصوم، حتى ظلل عليهم. فيتناول من كان على مثل حالهم. وأما من لم يكن كذلك، فحكمه ما تقدم من التخيير. وبهذا يرتفع التعارض بين الأحاديث، وتجتمع الأدلة كلها، ولا يحتاج إلى فرض النسخ؛ إذ لا تعارض، والله تعالى أعلم.
وقوله: (ليس من البر الصيام في السفر)، هذا القول، وقوله: (أولئك العصاة) من حديث جابر. الظاهر: أن القضية واحدة، وأن النبي ﷺ قال القولين في تلك القضية الواحدة. وقد تأوَّل بعض علمائنا قوله: (ليس من البر)؛ أي: البر الواجب. وهذا التأويل إنما يحتاج إليه من قطع الحديث عن سببه، وحمله على عمومه. وأما على ما قررناه؛ فلا حاجة إليه.
وروي هذا الحديث هنا: (ليس البر) بغير (من)، وقد روي من طريق أخرى: (ليس من البر)، وهي (من) الزائدة التي تزاد لتأكيد النفي.
وقد ذهب بعض الناس إلى أنها مبعضة هنا. وليس بشيء. وقد روى أهل الأدب: (ليس من امبَر امصيام في امسفر)، فأبدلوا من اللام ميمًا، وهي لغة قوم من العرب. وهي قليلة، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1431
(١٢) باب الفطر أفضل لمن تأهب إلى لقاء العدو
[٩٨٩] عَن أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي السَّفَرِ فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا المُفطِرُ، قَالَ: فَنَزَلنَا مَنزِلاً فِي يَومٍ حَارٍّ، أَكثَرُنَا ظِلًّا صَاحِبُ الكِسَاءِ، وَمِنَّا مَن يَتَّقِي الشَّمسَ بِيَدِهِ، قَالَ: فَسَقَطَ الصُّوَّامُ، وَقَامَ المُفطِرُونَ فَضَرَبُوا الأَبنِيَةِ، وَسَقَوا الرِّكَابَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ذَهَبَ المُفطِرُونَ اليَومَ بِالأَجرِ.
رواه البخاري (٢٨٩٠)، ومسلم (١١١٩)(١٠٠)، والنسائي (٤/ ١٨٢).
[٩٩٠] وعن أبي سعيد الخدري، قَالَ: سَافَرنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
ــ
(١٢) ومن باب: الفطر أفضل لمن تأهب للقاء العدو
قوله: (أكثرنا ظلاًّ صاحب الكساء)؛ يعني: أنهم لم يكن لهم فساطيط ولا أخبية. و (يتقي الشمس بيده): يستتر منها. و (الأبنية): جمع بناء؛ يعني بها: الخصوص. و (الركاب): الإبل.
وقوله: (ذهب المفطرون اليوم بالأجر)؛ يعني: أنهم لما قاموا بوظائف ذلك الوقت، وما يحتاج إليه فيه؛ كان أجرهم على ذلك أكثر من أجر من صام ذلك اليوم، ولم يقم بتلك الوظائف.
وفيه ردٌّ على من يقول: إن المسافر لا يصح صومه.
стр. 1432
إِلَى مَكَّةَ وَنَحنُ صِيَامٌ قَالَ: فَنَزَلنَا مَنزِلاً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّكُم قَد دَنَوتُم مِن عَدُوِّكُم وَالفِطرُ أَقوَى لَكُم، وَكَانَت رُخصَةً فَمِنَّا مَن صَامَ، وَمِنَّا مَن أَفطَرَ، ثُمَّ نَزَلنَا مَنزِلاً آخَرَ، فَقَالَ: إِنَّكُم مُصَبِّحُو عَدُوِّكُم، وَالفِطرُ أَقوَى
ــ
وقوله: (إنكم قد دنوتم من عدوِّكم والفطر أقوى لكم)؛ دليل على أن حفظ القوة بالفطر أفضل لمن هو منتظر (١) للقاء العدوِّ.
وقوله: (فكانت رخصة)؛ يعني: أنهم لم يفهموا من هذا الكلام الأمر بالفطر، ولا الجزم به. وإنما نبَّه به على أن الفطر أولى لمن خاف الضعف.
وسُمِّي هذا: رخصة بناء على أن كل مكلف مخاطب بصوم رمضان، كما قد أفهمه قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ﴾ أو بالنسبة إليهم؛ إذ كان النبي ﷺ قد صام من حين خروجه من المدينة، وصام الناس معه إلى أن بلغ الكديد، كما تقدَّم، فلما خاف عليهم الضعف نبههم على جواز الفطر، وأنه الأفضل. فسُمي ذلك رخصة بالنسبة إلى ترك ما كانوا قد اختاروه من الصوم، ولما فهموا: أن هذا من باب الرُّخص كان منهم من هو موفور القوة فصام، وكان منهم من خاف على نفسه فأفطر.
ثم بعد ذلك قال لهم: (إنكم مُصَبِّحو عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا). قال: (وكانت عزمة)؛ أي: أنهم فهموا من أمره بالفطر أنه جزم، ولا بدَّ منه، وأنه واجب، فلم يصم منهم أحد عند ذلك فيما بلغنا، ولو قدر هنالك صائم لاستحقوا أن يقال لهم: (أولئك العصاة).
وقد حمل بعض علمائنا قوله: (أولئك العصاة) على هذا، بناءً على أن منهم من صام بعد الأمر بالفطر. ولم يسمع ذلك في حديث مروي، وإنما هو تقدير من هذا القائل.
стр. 1433
لَكُم فَأَفطِرُوا، وَكَانَت عَزمَةً فَأَفطَرنَا، ثُمَّ لَقَد رَأَيتُنَا نَصُومُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعدَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ.
رواه مسلم (١١٢٠)، وأبو داود (٢٤٠٦)، والترمذي (٧١٢ و ٧١٣)، والنسائي (٣/ ١٨٨ - ١٨٩).
[٩٩١] وَعَن أَبي الدَّردَاءِ قال: لَقَد رَأَيتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعضِ أَسفَارِهِ فِي يَومٍ شَدِيدِ الحَرِّ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأسِهِ مِن شِدَّةِ الحَرِّ وَمَا مِنَّا أَحَدٌ صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَبدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ.
رواه البخاري (١٩٤٤)، ومسلم (١١٢٢)(١٠٩)، وأبو داود (٢٤٠٩)، وابن ماجه (١٦٦٣).
* * *
ــ
وقوله: ثم لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر، دليل على أن الصوم هو الأصل والأفضل، وأن الفطر إنما كان لعلّة وسبب، ولما زال ذلك رجع (١) إلى الأفضل، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وما منا أحد صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة)؛ يدل على أن الصوم أفضل، كما قد صار إليه مالك، ومن سمينا معه.
* * *
стр. 1434
(١٣) باب فضل صيام يوم عرفة وترك صيامه لمن كان بعرفة
[٩٩٢] عَن أَبِي قَتَادَةَ الأَنصَارِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَن صَومِهِ، قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ،
ــ
(١٣) ومن باب: فضل صيام يوم عرفة
قول أبي قتادة: (سئل رسول الله ﷺ عن صومه فغضب)؛ غضبه عند هذا السؤال يحتمل أوجهًا:
أحدها: أنه فهم عن السائل: أنه إنما سأل عن صومه ليلتزمه، وربما يعجز عنه، فغضب لذلك، ولم يجبه.
وثانيها: أنه فهم أن السَّائل إنما سأل ليعلم مقدار ذلك فيزيد عليه، كما قد سأل نفر عن عبادة رسول الله ﷺ فتقالّوها، وقالوا: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك.
فقال أحدهم: أما أنا: فأصوم ولا أفطر. وقال الآخر: أما أنا: فأصلي الليل ولا أنام. وقال الآخر: أما أنا: فلا أنكح النساء. فقال النبي ﷺ : (أما أنا فأصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأنكح النساء، فمن رغب عن سنَّتي فليس منِّي) (١).
وثالثها: لعلَّه إنما غضب لما يؤدي إليه من إظهار عمل السرّ، كما قال ﷺ : (إن من شرِّ الناس المجاهرين)؛ قيل: ومن هم؟ قال: (الرجل يعمل العمل بالليل، فيقول: يا فلان! عملت البارحة كذا. فيبيت يستره ربُّه، ويصبح فيكشف ستر الله عنه) (٢).
وقد ذكر في ذلك أوجه هذه أقربها، والله تعالى أعلم.
стр. 1435
فَقَالَ عُمَرُ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً، وَبَيعَتُنَا بَيعَةٌ.
زاد في رواية: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن غَضَبِ اللَّهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ، فَجَعَلَ عُمَرُ يُرَدِّدُ هَذَا الكَلَامَ حَتَّى سَكَنَ غَضَبُهُ. قَالَ: فَسُئِلَ عَن صِيَامِ الدَّهرِ؟ فَقَالَ: لَا صَامَ وَلَا أَفطَرَ (أَو مَا صَامَ وَمَا أَفطَرَ) قَالَ: فَسُئِلَ عَن صيامِ يَومَينِ وَإِفطَارِ يَومين قَالَ: وَمَن يُطِيقُ ذَلِكَ؟ ! قَالَ: وَسُئِلَ عَن صَومِ يَومٍ وَإِفطَارِ يَومَينِ؟ قَالَ: لَيتَ أَنَّ اللَّهَ قَوَّانَا على ذَلِكَ، قَالَ: وَسُئِلَ عَن صَيامِ يَومٍ
ــ
وقول عمر: (رضينا. . . .) إلخ؛ يقتضي تسكين غضب رسول الله ﷺ من حيث: إنه يقتضي الطواعية الكلية، والانقياد التام، ويتضمن ذلك: مرنا بأمرك ننفذه على أي وجه، وفي أي محل، ومن حيث: التعوذ بالله وبرسوله، وهو الالتجاء إليهما، والاستجارة بهما من غضبهما.
وقد كان عمر ﵁ جعل هذا الكلام هِجِّيراه (١) مع رسول الله ﷺ كلما غضب، فإنه قد روي: أنه قال له هذا الكلام مرارًا في مواطن متعددة.
وقوله ﷺ وقد سئل عن صيام الأبد فقال -: (لا صام ولا أفطر)؛ يحتمل أن يكون دعا عليه، لا أنه أخبر عنه، ويحتمل أن يكون خبرًا عن أنه لم يأت بشيء. ووجه ذلك: أن من سرد الصوم صار له عادة، ولم يجد له مشقة، فيعود النهار في حقه كالليل في حق غيره، فكأنه ما صام؛ إذ لم يجد ما يجده الصائم، ولا أفطر لصورة الصوم، وتكون (لا) بمعنى (ما)؛ كما قال تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾ وحمل كثير من العلماء هذا على ما إذا صام الأيام المحرمة، فأما لو أفطرها: فكرهه قوم، وأجازه آخرون. وقال أبو الطاهر بن بشير: وهو مستحب. وهذا أبعدها.
وقوله - وقد سئل عن صوم يوم وإفطار يومين: (ليت أن الله قوَّانا على ذلك)؛ يشكل مع وصاله، وقوله: (إني أبيت أطعم وأسقى). ويرتفع الإشكال: بأن
стр. 1436
وَإِفطَارِ يَومٍ؟ قَالَ: ذَلكَ صيامُ أَخِي دَاوُدَ، قَالَ: وَسُئِلَ عَن صَومِ يَومِ الإثنَينِ؟ قَالَ: ذَلكَ يَومٌ وُلِدتُ فِيهِ، وَيَوم بُعِثتُ (أَو أُنزِلَ عَلَيَّ فِيهِ) قَالَ: فَقَالَ: صَومُ ثَلَاثَةٍ مِن كُلِّ شَهرٍ، وَرَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ صَومُ الدَّهرِ، قَالَ:
ــ
هذا كان منه ﷺ في أوقات مختلفة: ففي وقت: يواصل الأيام بحكم القوَّة الإلهية. وفي آخر: يضعف؛ فيقول هذا بحكم الطباع البشرية. ويمكن أن يقال: تمنَّى ذلك دائمًا، بحيث لا يخل بحق من الحقوق التي يخل بها من أدام صومه: من القيام بحقوق الزوجات، واستبقاء القوة على الجهاد، وأعمال الطاعات، والله تعالى أعلم.
وقوله في يوم الإثنين: (فيه ولدتُّ، وفيه أنبئتُ، وفيه أُنزل عليَّ (١)). قلت: وفيه مات. وكل هذا دليل على فضل هذا اليوم مع ما قد ثبت: أنه ﷺ كان يصوم يوم الخميس، ويقول فيه وفي يوم الإثنين: (إنهما يومان تعرض فيهما الأعمال على ربِّ العالمين، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم) (٢).
وقوله: (صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ورمضان إلى رمضان صوم الدهر)؛ هذا إنما كان لأن الحسنة بعشر أمثالها. فثلاث من كل شهر كالشهر بالتضعيف، ورمضان بغير تضعيف شهر، فيكمل دهر السنة. فإن اعتبر رمضان بتضعيفه كان بإزاء عشرة أشهر، فإذا أضيفت ستة أيام شوال كان له صوم ستين بالتضعيف.
وعلى مقتضى مساق هذا الحديث، وعلى ما تقرر من معناه: تستوي أيام الشهر كلها، ولا فرق بين أن يصوم هذه الثلاثة أيام أول الشهر، أو وسطه، أو آخره. وكذلك قالت عائشة: لم يكن يبالي من أي أيام الشهر كان يصومها (٣). غير أن
стр. 1437
وَسُئِلَ عَن صَومِ يَومِ عَرَفَةَ فَقَالَ: يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ وَالبَاقِيَةَ قَالَ: وَسُئِلَ عَن صَومِ يَومِ عَاشُورَاءَ. فَقَالَ: يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ.
رواه أحمد (٥/ ٢٩٦ - ٢٩٧)، ومسلم (١١٦٢) (١٩٦ و ١٩٧)، وأبو داود (٢٤٢٦)، والنسائي (٤/ ٢٠٧).
ــ
النسائي روى هذا الحديث عن جرير (١)، وقال فيه: صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر (٢)، (أيام البيض) صبيحة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة.
وهذا يقتضي تخصيص الثلاثة بأيام الليالي البيض، وهذا - والله تعالى أعلم - لأن الليالي البيض، وقت كمال القمر، ووسط الشهر، وخير الأمور أوساطها، وقد قال رسول الله ﷺ لرجل: (هل صمت من سرة شعبان شيئًا؟ ) (٣). يعني: وسطه وفي رواية أخرى: (من سُرَر)، مكان (سُرة)، وسيأتي.
وقال ابن حبيب: تصام الثلاثة الأيام: أول يوم من الشهر، والعاشر، والعشرين. قال: وبلغني أن هذا صوم مالك.
وفي تسمية عرفة: بعرفة، قولان:
أحدهما: أن جبريل كان يُري إبراهيم المناسك، فيقول: عرفتُ، عرفتُ.
وثانيهما: أن آدم وحواء تعارفا هنالك.
وقوله في صيام يوم عرفة: (يكفر السنة التي قبله)؛ يعني السنة التي هو
стр. 1438
[٩٩٣] وَعَن أُمِّ الفَضلِ بِنتِ الحَارِثِ، أَنَّ نَاسًا تَمَارَوا عِندَهَا يَومَ عَرَفَةَ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ بَعضُهُم: هُوَ صَائِمٌ وَقَالَ بَعضُهُم: لَيسَ بِصَائِمٍ، فَأَرسَلتُ إِلَيهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ، وَهُوَ وَاقفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَهُ.
رواه أحمد (٦/ ٣٤٠)، والبخاري (١٩٨٨)، ومسلم (١١٢٣)(١١٠)، وأبو داود (٢٤٤١).
* * *
ــ
فيها؛ لأنه في أواخر السَّنة، والتي بعدها: يعني التي تأتي متصلة بشهر يوم عرفة.
وعاشوراء: يكفر السَّنة التي بعده؛ لأنه في أوائل السَّنة الآتية.
وقول أم الفضل: (إن الناس تماروا يوم عرفة في صيام رسول الله ﷺ يوم عرفة)؛ معنى تماروا: اختلفوا وتجادلوا. وسبب هذا الاختلاف: أنه تعارض عندهم ترغيب النبي ﷺ في صوم يوم عرفة، وسبب الاشتغال بعبادة الحج. فشكُّوا في حاله، فارتفع الشك لما شرب، وفهم منه: أن صوم عرفة إنما يكون فيه ذلك الفضل بغير عرفة، وأن الأولى ترك صومه بعرفة؛ لمشقة عبادة الحج. وقد روى النسائي عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن صيام يوم عرفة بعرفة (١). وهذا لما قلناه، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1439
(١٤) باب في صيام يوم عاشوراء وفضله
[٩٩٤] عَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَت قُرَيشٌ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ صَامَهُ، وَأَمَرَ
ــ
(١٤) ومن باب: صيام عاشوراء
وزنه: فاعولاء، والهمزة. فيه للتأنيث، وهو معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل: صفة لليلة العاشرة؛ لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم للعقد الأول. واليوم مضاف إليها، فإذا قلت: يوم عاشوراء. فكأنك قلت: يوم الليلة العاشرة. إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسمية. فاستغنوا عن الموصوف، فحذفوا الليلة، وعلى هذا: فيوم عاشوراء هو العاشر؛ قاله الخليل وغيره. وقيل: هو التاسع.
وسُمِّي: عاشوراء على عادة العرب في الإظماء. وذلك أنهم: إذا وردوا الماء لتسعة سموه: عشرًا؛ وذلك أنهم: يحسبون في الإظماء يوم الورود، فإذا أقامت الإبل في الرعي يومين، ثم وردت في الثالث قالوا: وردت رِبعًا. وإذا وردت في الرابع قالوا: وردت خمسًا؛ لأنهم حسبوا في كل هذا بقية اليوم الذي وردت فيه قبل الرعي وأول اليوم الذي ترد فيه بعده. وهذا فيه بُعد؛ إذ لا يمكن أن يعتبر في عدد ليالي العشر وأيامه ما يعتبر في الإظماء، فتأمله.
وعلى القول الأول سعيد والحسن ومالك وجماعة من السَّلف. وذهب قوم: إلى أنه التاسع. وبه قال الشافعي متمسِّكًا بما ذكر في الإظماء، وبحديث ابن عباس الآتي إن شاء الله.
وذهب جماعة من السَّلف: إلى بين صيام التاسع والعاشر. وبه قال الشافعي في قوله الآخر، وأحمد، وإسحاق. وهو قول من أشكل عليه التعيين، فجمع بين الأمرين احتياطًا.
وقول عائشة ﵂: (كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية)؛ يدل على أن صوم هذا اليوم كان عندهم معلوم المشروعية والقدر،
стр. 1440
بِصِومِهِ فَلَمَّا فُرِضَ شَهرُ رَمَضَانَ، قَالَ: مَن شَاءَ صَامَهُ وَمَن شَاءَ تَرَكَهُ.
رواه أحمد (٦/ ١٦٢)، والبخاري (٣٨٣١)، ومسلم (١١٢٥)(١١٣)، والترمذي (٧٥٣).
[٩٩٥] ومثله عن ابن عمر، وقال: لَمَّا افتُرِضَ رَمَضَانُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ يوم عَاشُورَاءَ يَومٌ مِن أَيَّامِ اللَّهِ فَمَن شَاءَ صَامَهُ، وَمَن شَاءَ تَرَكَهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ عَبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صيامه.
رواه أحمد (٥٧ و ١٤٣)، والبخاري (٤٥٠١)، ومسلم (١١٢٦) (١١٧ و ١١٩)، وأبو داود (٢٤٤٣).
ــ
ولعلهم كانوا يستندون في صومه: إلى أنه من شريعة إبراهيم وإسماعيل صلوات الله وسلامه عليهما؛ فإنهم كانوا ينتسبون إليهما، ويستندون في كثير من أحكام الحج وغيره إليهما.
وصوم رسول الله ﷺ له يحتمل أن يكون بحكم الموافقة لهم عليه، كما وافقهم على أن حج معهم على ما كانوا يحجون: أعني: حجته الأولى التي حجها قبل هجرته، وقبل فرض الحج؛ إذ كل ذلك فعل خير.
ويمكن أن يقال: أذن الله تعالى له في صيامه، فلما قدم المدينة وجد اليهود يصومونه، فسألهم عن الحامل لهم على صومه؟ فقالوا ما ذكره ابن عباس: إنه يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرَّق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه. فقال النبي ﷺ : (فنحن أحق وأولى بموسى منكم)؛ فحينئذ صامه بالمدينة، وأمر بصيامه. أي: أوجب صيامه، وأكد أمره؛ حتى كانوا يُصَّومون الصغار، فالتزمه ﷺ وألزمه أصحابه إلى أن فرض شهر رمضان، ونسخ وجوب صوم يوم عاشوراء، فقال إذ ذاك: (إن الله لم يكتب عليكم صيام هذا اليوم)، ثم خَيَّر في صومه وفطره، وأبقى عليه الفضيلة بقوله: (وأنا صائم)، كما جاء في حديث