وَإِفطَارِ يَومٍ؟ قَالَ: ذَلكَ صيامُ أَخِي دَاوُدَ، قَالَ: وَسُئِلَ عَن صَومِ يَومِ الإثنَينِ؟ قَالَ: ذَلكَ يَومٌ وُلِدتُ فِيهِ، وَيَوم بُعِثتُ (أَو أُنزِلَ عَلَيَّ فِيهِ) قَالَ: فَقَالَ: صَومُ ثَلَاثَةٍ مِن كُلِّ شَهرٍ، وَرَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ صَومُ الدَّهرِ، قَالَ:
ــ
هذا كان منه ﷺ في أوقات مختلفة: ففي وقت: يواصل الأيام بحكم القوَّة الإلهية. وفي آخر: يضعف؛ فيقول هذا بحكم الطباع البشرية. ويمكن أن يقال: تمنَّى ذلك دائمًا، بحيث لا يخل بحق من الحقوق التي يخل بها من أدام صومه: من القيام بحقوق الزوجات، واستبقاء القوة على الجهاد، وأعمال الطاعات، والله تعالى أعلم.
وقوله في يوم الإثنين: (فيه ولدتُّ، وفيه أنبئتُ، وفيه أُنزل عليَّ (١)). قلت: وفيه مات. وكل هذا دليل على فضل هذا اليوم مع ما قد ثبت: أنه ﷺ كان يصوم يوم الخميس، ويقول فيه وفي يوم الإثنين: (إنهما يومان تعرض فيهما الأعمال على ربِّ العالمين، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم) (٢).
وقوله: (صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ورمضان إلى رمضان صوم الدهر)؛ هذا إنما كان لأن الحسنة بعشر أمثالها. فثلاث من كل شهر كالشهر بالتضعيف، ورمضان بغير تضعيف شهر، فيكمل دهر السنة. فإن اعتبر رمضان بتضعيفه كان بإزاء عشرة أشهر، فإذا أضيفت ستة أيام شوال كان له صوم ستين بالتضعيف.
وعلى مقتضى مساق هذا الحديث، وعلى ما تقرر من معناه: تستوي أيام الشهر كلها، ولا فرق بين أن يصوم هذه الثلاثة أيام أول الشهر، أو وسطه، أو آخره. وكذلك قالت عائشة: لم يكن يبالي من أي أيام الشهر كان يصومها (٣). غير أن
стр. 1437
وَسُئِلَ عَن صَومِ يَومِ عَرَفَةَ فَقَالَ: يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ وَالبَاقِيَةَ قَالَ: وَسُئِلَ عَن صَومِ يَومِ عَاشُورَاءَ. فَقَالَ: يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ.
رواه أحمد (٥/ ٢٩٦ - ٢٩٧)، ومسلم (١١٦٢) (١٩٦ و ١٩٧)، وأبو داود (٢٤٢٦)، والنسائي (٤/ ٢٠٧).
ــ
النسائي روى هذا الحديث عن جرير (١)، وقال فيه: صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر (٢)، (أيام البيض) صبيحة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة.
وهذا يقتضي تخصيص الثلاثة بأيام الليالي البيض، وهذا - والله تعالى أعلم - لأن الليالي البيض، وقت كمال القمر، ووسط الشهر، وخير الأمور أوساطها، وقد قال رسول الله ﷺ لرجل: (هل صمت من سرة شعبان شيئًا؟ ) (٣). يعني: وسطه وفي رواية أخرى: (من سُرَر)، مكان (سُرة)، وسيأتي.
وقال ابن حبيب: تصام الثلاثة الأيام: أول يوم من الشهر، والعاشر، والعشرين. قال: وبلغني أن هذا صوم مالك.
وفي تسمية عرفة: بعرفة، قولان:
أحدهما: أن جبريل كان يُري إبراهيم المناسك، فيقول: عرفتُ، عرفتُ.
وثانيهما: أن آدم وحواء تعارفا هنالك.
وقوله في صيام يوم عرفة: (يكفر السنة التي قبله)؛ يعني السنة التي هو
стр. 1438
[٩٩٣] وَعَن أُمِّ الفَضلِ بِنتِ الحَارِثِ، أَنَّ نَاسًا تَمَارَوا عِندَهَا يَومَ عَرَفَةَ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ بَعضُهُم: هُوَ صَائِمٌ وَقَالَ بَعضُهُم: لَيسَ بِصَائِمٍ، فَأَرسَلتُ إِلَيهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ، وَهُوَ وَاقفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَهُ.
رواه أحمد (٦/ ٣٤٠)، والبخاري (١٩٨٨)، ومسلم (١١٢٣)(١١٠)، وأبو داود (٢٤٤١).
* * *
ــ
فيها؛ لأنه في أواخر السَّنة، والتي بعدها: يعني التي تأتي متصلة بشهر يوم عرفة.
وعاشوراء: يكفر السَّنة التي بعده؛ لأنه في أوائل السَّنة الآتية.
وقول أم الفضل: (إن الناس تماروا يوم عرفة في صيام رسول الله ﷺ يوم عرفة)؛ معنى تماروا: اختلفوا وتجادلوا. وسبب هذا الاختلاف: أنه تعارض عندهم ترغيب النبي ﷺ في صوم يوم عرفة، وسبب الاشتغال بعبادة الحج. فشكُّوا في حاله، فارتفع الشك لما شرب، وفهم منه: أن صوم عرفة إنما يكون فيه ذلك الفضل بغير عرفة، وأن الأولى ترك صومه بعرفة؛ لمشقة عبادة الحج. وقد روى النسائي عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن صيام يوم عرفة بعرفة (١). وهذا لما قلناه، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1439
(١٤) باب في صيام يوم عاشوراء وفضله
[٩٩٤] عَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَت قُرَيشٌ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ صَامَهُ، وَأَمَرَ
ــ
(١٤) ومن باب: صيام عاشوراء
وزنه: فاعولاء، والهمزة. فيه للتأنيث، وهو معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل: صفة لليلة العاشرة؛ لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم للعقد الأول. واليوم مضاف إليها، فإذا قلت: يوم عاشوراء. فكأنك قلت: يوم الليلة العاشرة. إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسمية. فاستغنوا عن الموصوف، فحذفوا الليلة، وعلى هذا: فيوم عاشوراء هو العاشر؛ قاله الخليل وغيره. وقيل: هو التاسع.
وسُمِّي: عاشوراء على عادة العرب في الإظماء. وذلك أنهم: إذا وردوا الماء لتسعة سموه: عشرًا؛ وذلك أنهم: يحسبون في الإظماء يوم الورود، فإذا أقامت الإبل في الرعي يومين، ثم وردت في الثالث قالوا: وردت رِبعًا. وإذا وردت في الرابع قالوا: وردت خمسًا؛ لأنهم حسبوا في كل هذا بقية اليوم الذي وردت فيه قبل الرعي وأول اليوم الذي ترد فيه بعده. وهذا فيه بُعد؛ إذ لا يمكن أن يعتبر في عدد ليالي العشر وأيامه ما يعتبر في الإظماء، فتأمله.
وعلى القول الأول سعيد والحسن ومالك وجماعة من السَّلف. وذهب قوم: إلى أنه التاسع. وبه قال الشافعي متمسِّكًا بما ذكر في الإظماء، وبحديث ابن عباس الآتي إن شاء الله.
وذهب جماعة من السَّلف: إلى بين صيام التاسع والعاشر. وبه قال الشافعي في قوله الآخر، وأحمد، وإسحاق. وهو قول من أشكل عليه التعيين، فجمع بين الأمرين احتياطًا.
وقول عائشة ﵂: (كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية)؛ يدل على أن صوم هذا اليوم كان عندهم معلوم المشروعية والقدر،
стр. 1440
بِصِومِهِ فَلَمَّا فُرِضَ شَهرُ رَمَضَانَ، قَالَ: مَن شَاءَ صَامَهُ وَمَن شَاءَ تَرَكَهُ.
رواه أحمد (٦/ ١٦٢)، والبخاري (٣٨٣١)، ومسلم (١١٢٥)(١١٣)، والترمذي (٧٥٣).
[٩٩٥] ومثله عن ابن عمر، وقال: لَمَّا افتُرِضَ رَمَضَانُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ يوم عَاشُورَاءَ يَومٌ مِن أَيَّامِ اللَّهِ فَمَن شَاءَ صَامَهُ، وَمَن شَاءَ تَرَكَهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ عَبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صيامه.
رواه أحمد (٥٧ و ١٤٣)، والبخاري (٤٥٠١)، ومسلم (١١٢٦) (١١٧ و ١١٩)، وأبو داود (٢٤٤٣).
ــ
ولعلهم كانوا يستندون في صومه: إلى أنه من شريعة إبراهيم وإسماعيل صلوات الله وسلامه عليهما؛ فإنهم كانوا ينتسبون إليهما، ويستندون في كثير من أحكام الحج وغيره إليهما.
وصوم رسول الله ﷺ له يحتمل أن يكون بحكم الموافقة لهم عليه، كما وافقهم على أن حج معهم على ما كانوا يحجون: أعني: حجته الأولى التي حجها قبل هجرته، وقبل فرض الحج؛ إذ كل ذلك فعل خير.
ويمكن أن يقال: أذن الله تعالى له في صيامه، فلما قدم المدينة وجد اليهود يصومونه، فسألهم عن الحامل لهم على صومه؟ فقالوا ما ذكره ابن عباس: إنه يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرَّق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه. فقال النبي ﷺ : (فنحن أحق وأولى بموسى منكم)؛ فحينئذ صامه بالمدينة، وأمر بصيامه. أي: أوجب صيامه، وأكد أمره؛ حتى كانوا يُصَّومون الصغار، فالتزمه ﷺ وألزمه أصحابه إلى أن فرض شهر رمضان، ونسخ وجوب صوم يوم عاشوراء، فقال إذ ذاك: (إن الله لم يكتب عليكم صيام هذا اليوم)، ثم خَيَّر في صومه وفطره، وأبقى عليه الفضيلة بقوله: (وأنا صائم)، كما جاء في حديث
стр. 1441
[٩٩٦] وعن حُمَيدُ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ خَطبهم بِالمَدِينَةِ فِي قَدمَةٍ قَدِمَهَا يَومَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: أَينَ عُلَمَاؤُكُم يَا أَهلَ المَدِينَةِ؟ سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لِهَذَا اليَومِ: هَذَا يَومُ عَاشُورَاءَ وَلَم يَكتُب اللَّهُ عَلَيكُم صِيَامَهُ وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَن أَحَبَّ مِنكُم أَن يَصُومَ فَليَصُم، وَمَن أَحَبَّ أَن يُفطِرَ فَليُفطِر.
رواه أحمد (٤/ ٩٥)، والبخاري (٢٠٠٣)، ومسلم (١١٢٩).
[٩٩٧] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ فَوَجَدَ اليَهُودَ صِيَامًا يَومَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا هَذَا اليَومُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟ فَقَالُوا: هَذَا يَومٌ عَظِيمٌ أَنجَى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَقَومَهُ، وَغَرَّقَ فِرعَونَ وَقَومَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكرًا، وَنَحنُ نَصُومُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَنَحنُ أَحَقُّ وَأَولَى بِمُوسَى مِنكُم فَصَامَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ.
رواه أحمد (١/ ٢٩١ و ٣١٠)، والبخاري (٢٠٠٤)، ومسلم (١١٣٠)(١٢٨)، وأبو داود (٢٤٤٤)، وابن ماجه (١٧٣٤).
ــ
معاوية.
وعلى هذا: فلم يصم النبي ﷺ عاشوراء اقتداء باليهود؛ فإنه كان يصومه قبل قدومه عليهم، وقبل علمه بحالهم، لكن الذي حدث له عند ذلك إلزامه والتزامه استئلافًا لليهود، واستدراجًا لهم، كما كانت الحكمة في استقباله قبلتهم، وكان هذا الوقت هو الوقت الذي كان النبي ﷺ يحب فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه.
وقول معاوية لأهل المدينة: (أين علماؤكم؟ ) إنما خصَّ العلماء بالنداء ليلقِّنوا عنه، وليصدِّقوه؛ إذ قد كان عِلمُ ذلك عند كثير منهم، وذلك لأنهم أعلم بأحاديث رسول الله ﷺ وأحواله من غيرهم. وسؤال النبي ﷺ لليهود عن يوم
стр. 1442
[٩٩٨] وعنه: وَسُئِلَ عَن صِيَامِ يَومِ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: مَا عَلِمتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَامَ يَومًا يَطلُبُ فَضلَهُ عَلَى الأَيَّامِ إِلَّا هَذَا اليَومَ، وَلَا شَهرًا إِلَّا هَذَا الشَّهرَ، يَعنِي: رَمَضَانَ.
رواه مسلم (١١٣٢)، والبخاري (٢٠٠٦) بنحوه، وانظره في الترغيب والترهيب برقم (١٥٠٦).
[٩٩٩] وعنه، قال حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَومَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ يَومٌ يُعَظِّمُهُ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَإِذَا كَانَ العَامُ المُقبِلُ إِن شَاءَ اللَّهُ صُمنَا اليَومَ التَّاسِعَ، قَالَ: فَلَم يَأتِ العَامُ المُقبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
ــ
عاشوراء إنما كان ليستكشف السبب الحامل لهم على الصوم، فلما علم ذلك قال لهم كلمة حق تقتضي تأنيسهم واستجلابهم، وهي: (نحن أحق وأولى بموسى منكم)؛ ووجه هذه الأولوية (١): أنه عَلِم من حال موسى وعظيم منزلته عند الله، وصحة رسالته وشريعته، ما لم يعلموه هم، ولا أحد منهم.
وفي حديث ابن عباس الآخر قول الصحابة للنبي ﷺ : (إن يوم عاشوراء يوم تعظمه اليهود. . .)؛ كان هذا القول من النبي ﷺ بعد أن تمادى على صومه عشر سنين أو نحوها، بدليل: أن أمره بصومه إنما كان حين قدم المدينة، وهذا القول الآخر كان في السَّنة التي توفي فيها في يوم عاشوراء من محرم تلك السنة، وتوفي هو ﷺ في شهر ربيع الأول منها، لم يختلف في ذلك؛ وإن كانوا اختلفوا في أي يوم منه. وأصح الأقوال: في الثاني عشر منه، والله تعالى أعلم.
وقوله ﷺ : (فإذا كان العام المقبل صمنا اليوم التاسع)؛ إنما قال هذا ﷺ
стр. 1443
وَفِي رِوَايَةٍ: لَئِن بَقَيت إلى قابل لأصومن التاسع.
رواه أحمد (١/ ٢٢٥ و ٢٣٦)، ومسلم (١١٣٤) (١٣٣ و ١٣٤)، وابن ماجه (١٧٣٦).
[١٠٠٠] وعَن الحَكَمِ بنِ الأَعرَجِ قَالَ: انتَهَيتُ إِلَى ابنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ رِدَاءَهُ فِي زَمزَمَ فَقُلتُ لَهُ: أَخبِرنِي عَن صَومِ عَاشُورَاءَ. فَقَالَ: إِذَا رَأَيتَ هِلَالَ المُحَرَّمِ فَاعدُد وَأَصبِح يَومَ التَّاسِعِ صَائِمًا. قُلتُ: هَكَذَا كَانَ محمد ﷺ يَصُومُهُ؟ قَالَ: نَعَم.
رواه أحمد (١/ ٢٣٩ و ٢٨٠)، ومسلم (١١٣٣)، وأبو داود (٢٤٤٦)، والترمذي (٧٥٤).
ــ
لحصول فائدة الاستئلاف المتقدم. وكانت فائدته: إصغاءهم لما جاء به حتى يتبين لهم الرشد من الغي، فيحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة. ولما ظهر عنادهم كان يحب مخالفتهم - أعني: أهل الكتاب - فيما لم يؤمر به. وبهذا النظر، وبالذي تقدَّم يرتفع التعارض المتوهم في كونه ﷺ كان يحب موافقة أهل الكتاب، وكان يحب مخالفتهم. وأن ذلك في وقتين وحالتين، لكن الذي استقر حاله عليه: أنه كان يحب مخالفتهم؛ إذ قد وضح الحق، وظهر الأمر ولو كره الكافرون.
وقوله: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع)؛ ظاهره: أنه كان عزم على أن يصوم التاسع بدل العاشر. وهذا هو الذي فهمه ابن عباس، حتى قال للذي سأله عن يوم عاشوراء: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائمًا. وبهذا تمسَّك من رآه التاسع. ويمكن أن يقول: من رأى صوم التاسع والعاشر: ليس فيه دليل على أنه يترك صوم العاشر، بل وعد بأن يصوم التاسع مضافًا إلى العاشر، وفيه بُعد عند تأمل مساق الحديث، مبنيًا على أنه جواب سؤالٍ سبق، فتأمَّله.
وقول ابن عباس: (هكذا كان رسول الله ﷺ يصومه)؛ يعني: أنه لو عاش
стр. 1444
[١٠٠١] وَعَن الرُّبَيِّعِ بِنتِ مُعَوِّذِ بنِ عَفرَاءَ، قَالَت: أَرسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنصَارِ الَّتِي حَولَ المَدِينَةِ: مَن كَانَ أَصبَحَ صَائِمًا فَليُتِمَّ صَومَهُ، وَمَن كَانَ أَصبَحَ مُفطِرًا فَليُتِمَّ بَقِيَّةَ يَومِهِ، فَكُنَّا
ــ
لصامه كذلك؛ لِوَعدِه الذي وعد به، لا أن رسول الله ﷺ صام اليوم التاسع بدل العاشر؛ إذ لم يسمع ذلك عنه، ولا رُوي قط.
وقول الرُّبَيع: (أرسل رسول الله ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار)؛ أي: إلى قرى المدينة. وإنما خصَّ هذا الوقت بالإرسال؛ لأنه الوقت الذي أوحي إليه فيه في شأن صوم عاشوراء. وهذا مما يدل على أنه كان واجبًا؛ إذ لا ينتهي الاعتناء بالندب غالبًا إلى أن يفعل فيه هكذا من الإفشاء، والأمر به، وبيان أحكامه، والإبلاغ لمن بَعُدَ، وشدة التهمم.
ولما فهمت الصحابة هذا التزموه، وحملوا عليه صغارهم الذين ليسوا بمخاطبين بشيء من التكاليف تدريبًا، وتمرينًا، ومبالغة في الامتثال والطواعية. على أن جمهور من قال من العلماء: إن الصغار يؤمرون بالصلاة وهم أبناء سبع، ويضربون عليها وهم أبناء عشر؛ ذهبوا إلى أنهم: لا يؤمرون بالصوم لمشقته عليهم، بخلاف الصلاة.
وقد شذَّ عروة فقال: إن من أطاق الصوم منهم وجب عليه. وهذا مخالف لما عليه جمهور المسلمين؛ ولقوله ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ) (١)، ولقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطفَالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَليَستَأذِنُوا﴾
وقوله في حديث سلمة بن الأكوع (٢): (من كان لم يصم فليصم، ومن كان أكل فليتم صومه إلى الليل)؛ ظاهر هذا: جواز إحداث نية الصوم في أضعاف
стр. 1445
بَعدَ ذَلِكَ نَصُومُهُ وَنُصَوِّمُ صِبيَانَنَا الصِّغَارَ مِنهُم إِن شَاءَ اللَّهُ، وَنَذهَبُ إِلَى المَسجِدِ فَنَجعَلُ لَهُم اللُّعبَةَ مِن العِهنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُم عَلَى الطَّعَامِ أَعطَينَاهَا إِيَّاهُ عِندَ الإِفطَارِ.
ــ
النهار، ولا يلزم التبييت.
وقد اختلف في ذلك: فذهب أبو حنيفة، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: إلى جواز ذلك في النفل. وخصَّ طائفة منهم جواز ذلك بما قبل الزوال؛ منهم: الشافعي في أحد قوليه. وذهب مالك، وابن أبي ذئب، والليث، والمزني: إلى أنه لا يصح صوم إلا بنية من الليل. وذهب الكوفيون: إلى أن كل ما فرض من الصوم في وقت معين؛ فإنه لا يحتاج إلى تبييت نية، ويجزئه إذا نواه قبل الزوال. وهو قول الأوزاعي، وإليه ذهب عبد الملك بن الماجشون، ورواه عن مالك فيمن لم يعلم برمضان إلا في يومه. وذهب مالك في المشهور عنه، والشافعي، وأحمد، وعامتهم: إلى أن الفرض لا يجزئ إلا بنية من الليل. وهذا هو الصحيح بدليل ما رواه النسائي عن حفصة، والدارقطني عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل) (١). وغاية ما قيل في هذا الحديث: أنه روي موقوفًا. والمسندون له (٢) ثقات. ولا حجة فيما تقدم من ابتداء الصيام في يوم عاشوراء؛ لأنه كان ذلك في أول الأمر، وهو منسوخ كما قد تقدم. ولو سلم أنه ليس بمنسوخ؛ لأمكن أن يقال بموجبه. فإن من تذكر فرض صوم يوم هو فيه، أو ثبت أنه صوم يومه لزمه إتمام صومه.
وهذا مما لا يختلف فيه، لكن عليه قضاؤه؛ إذ الصوم المطلوب منه لم يأت به؛ فإنه طلب منه صوم يوم كامل، وهذا بعض يوم. هذا مع ما قد رواه أبو داود من أنه قال ﷺ : (فأتموا بقية يومكم واقضوه) (٣)؛ يعني: عاشوراء.
وقولها: (ونصنع لهم اللعبة من العهن). اللعبة: ما يُلعب به. والعهن:
стр. 1446
وَفِي رِوَايَةٍ: وَنَصنَعُ لَهُم اللُّعبَةَ مِن العِهنِ، فَنَذهَبُ بِهِ مَعَنَا، فَإِذَا سَأَلُوا الطَّعَامَ أَعطَينَاهُم اللُّعبَةَ تُلهِيهِم حَتَّى يُتِمُّوا صَومَهُم.
رواه أحمد (٦/ ٣٥٩ - ٣٦٠)، والبخاري (١٩٦٠)، ومسلم (١١٣٦) (١٣٦ و ١٣٧).
* * *
(١٥) باب النهي عن صيام يوم الفطر ويوم الأضحى وكراهية صوم أيام التشريق
[١٠٠٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن صِيَامِ يَومَينِ: يَومِ الأَضحَى وَيَومِ الفِطر.
رواه أحمد (٤/ ٥١١)، والبخاري (١٩٩٣)، ومسلم (١١٣٨).
ــ
الصوف الأحمر. ونلهيهم: نشغلهم. وهذا أمر فعله النساء بأولادهن، ولعل النبي ﷺ لم يعرف ذلك، وبعيد أن يأمر النبي ﷺ بذلك؛ لأنه تعذيب صغير بعبادة شاقة غير متكررة في السَّنة.
(١٥) ومن باب: النهي عن صيام يوم الفطر ويوم الأضحى
نهيه ﷺ عن صيام يوم الفطر ويوم الأضحى محمول على التحريم عند كافة العلماء، فلا يجوز الإقدام على صومهما؛ أي نوع من أنواع الصوم كان، لا يختلف في ذلك. ثم لا ينعقد صومه إن وقع عند عامتهم غير أبي حنيفة؛ فإنه ينعقد عنده إذا أوقع.
واختلف فيمن نذرهما، هل يلزمه قضاؤهما أو لا يلزمه؟ قولان. وبالأول قال أبو حنيفة وصاحباه، والشافعي والأوزاعي في أحد قوليهما.
стр. 1447
[١٠٠٣] ونحوه عن أبي سعيد.
رواه مسلم (٨٢٧)(١٤١) في الصوم.
[١٠٠٤] وعَن عَائِشَةَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن صَومَينِ: يَومِ الفِطرِ وَيَومِ الأَضحَى.
رواه مسلم (١١٤٠).
[١٠٠٥] وعَن أَبِي عُبَيدٍ مَولَى ابنِ أَزهَرَ، أَنَّهُ قَالَ: شَهِدتُ العِيدَ مَعَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فَجَاءَ فَصَلَّى، ثُمَّ انصَرَفَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: إِنَّ هَذَينِ يَومَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن صِيَامِهِمَا؛ يَومُ فِطرِكُم مِن صِيَامِكُم وَالآخَرُ يَومٌ تَأكُلُونَ فِيهِ مِن نُسُكِكُم.
رواه البخاري (٥٥٧١)، ومسلم (١١٣٧)، وأبو داود (٢٤١٦)، والترمذي (٧٧١)، وابن ماجه (١٧٢٢).
[١٠٠٦] وعن أبي سعيد الخدري، قال: سَمِعتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
ــ
وبالثاني قال مالك، وزفر. وهو قول الشافعي. وسببه: هل النهي عن صومهما راجع إلى ذات المنهي عنه، أو إلى وصف فيه، كما يعرف في الأصول؟
وقول عمر: (يوم فطركم من صيامكم، ويوم تأكلون فيه من نسككم)؛ تنبيه على الحكمة التي لأجلها حرم صوم هذين اليومين. أما يوم الفطر: فيتحقق به انقضاء زمان مشروعية الصوم. ويوم النحر: فيه دعوة الله التي دعا عباده إليها من تضييفه، وإكرامه لأهل منى وغيرهم، بما شرع لهم من ذبح النسك والأكل منها. فمن يصوم هذا اليوم فإنه ردٌّ على الله كرامته. وإلى هذا أشار أبو حنيفة. والجمهور على أنه شرع غير معلل.
стр. 1448
يَقُولُ: لَا يَصلُحُ الصِّيَامُ فِي يَومَينِ: يَومِ الأَضحَى وَيَومِ الفِطرِ مِن رَمَضَانَ.
رواه البخاري (١٩٩٥)، ومسلم (٨٢٧)(١٤٠) في الصوم، وأبو داود (٢٤١٧)، والترمذي (٧٧٢)، وابن ماجه (٢٨٩٨).
[١٠٠٧] وَعَن نُبَيشَةَ الهُذَلِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيَّامُ التَّشرِيقِ أَيَّامُ أَكلٍ وَشُربٍ وَذِكرٍ لِلَّهِ.
رواه مسلم (١١٤١).
ــ
وقوله ﷺ : (لا يصلح الصيام في يوم الأضحى ويوم الفطر)؛ حجة للجمهور على أن الصوم فيهما لا ينعقد.
نبيشة الهذلي: بالنون المضمومة، والباء المفتوحة، وياء التصغير: كأنه تصغير نبشة، وهو صحابي معروف، وهو ابن عم سلمة بن المحبق، وهو نبيشة بن عمرو بن سلمة الهذلي، وسماه رسول الله ﷺ : نبيشة الخير.
ووقع في نسخة ابن ماهان: الهذلية، تخيله امرأة، وهو وهم، وليس في الصحابيات من تسمى بهذا الاسم، وإنما فيهن: نسيبة، بتقديم السين المهملة.
وقوله: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله)؛ هذا المساق يدل على أن صومها ليس محرمًا؛ كصوم يومي العيدين؛ إذ لم ينه عنها كما نهى عن صوم يوم العيدين، ولذلك قال بجواز صومها مطلقًا بعض السَّلف، ومنع أبو حنيفة صومها حتى للمتمتع الذي لا يجد الهدي، وروي عن الشافعي مثل ذلك. وأجاز مالك والشافعي - في أشهر قوليه - والأوزاعي صومها للمتمتع خاصة، وهو الصحيح؛ لما رواه البخاري عن عائشة، وابن عمر: أنهما قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي (١).
وفي مذهب مالك خلاف فيمن نذرها، أو
стр. 1449
[١٠٠٨] وعَن ابنِ كَعبِ بنِ مَالِكٍ، عَن أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ وَأَوسَ بنَ الحَدَثَانِ أَيَّامَ التَّشرِيقِ، فَنَادَيا: إِنَّهُ لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا مُؤمِنٌ، وَأَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكلٍ وَشُربٍ.
رواه مسلم (١١٤٢).
* * *
(١٦) باب النهي عن اختصاص يوم الجمعة بصيام واختصاص ليلته بقيام
[١٠٠٩] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَصُم أَحَدُكُم يَومَ الجُمُعَةِ إِلَّا أَن يَصُومَ قَبلَهُ، أَو يَصُومَ بَعدَه.
ــ
نذر صومًا هي فيه، هل يصومها أم لا؟ فإذا لم يصمها، فهل يلزمه قضاؤها أم لا؟ كل ذلك مفصل في كتب مذهبه.
وقوله: (وذكرٍ لله)؛ فيه حجة لندبية التكبير في أيام العيد. وسميت أيام التشريق: لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها. وأضافها إلى (منى)؛ لأن الحاج فيها في منى.
وإنما أمر ﷺ أن يُنادى في الموسم: (لا يدخل الجنَّة إلا مؤمن)؛ ليسمع من لم يحضر خطبة النبي ﷺ ، وليسمع من كان هنالك من المنافقين، حتى يحققوا إيمانهم، ويجددوا يقينهم.
(١٦) ومن باب: النهي عن اختصاص يوم الجمعة بصوم
قوله ﷺ : (لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله، أو يصوم بعده)
стр. 1450
رواه أحمد (٢/ ٤٩٥)، والبخاري (١٩٨٥)، ومسلم (١١٤٤)(١٤٧)، والترمذي (٧٤٣)، وابن ماجه (١٧٢٣).
[١٠١٠] وعنه، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تَختَصُّوا لَيلَةَ الجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِن بَينِ اللَّيَالِي وَلَا تَخُتصُّوا يَومَ الجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِن بَينِ الأَيَّامِ، إِلَّا أَن يَكُونَ فِي صَومٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُم.
رواه أحمد (٢/ ٣٩٤)، ومسلم (١١٤٤)(١٤٨).
* * *
ــ
بظاهر هذا الحديث قال الشافعي وجماعة. وأما مالك فقال في موطئه: لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسنٌ، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه وأراه كان يتحراه، وقيل: إنه محمد بن المنكدر.
قال الداودي: لم يبلغ مالكًا هذا الحديث، ولو بلغه لم يخالفه.
قلت: ومقصود هذا الحديث: ألا يُخص بصوم يعتقد وجوبه، أو لئلا يلتزم الناس من تعظيمه ما التزمه اليهود في سبتهم؛ من تركهم الأعمال كلها: يعظمونه بذلك.
والحديث الثاني نصٌّ في النهي عن خصوصية يوم الجمعة وليلته بصيام وقيام، فليعمل عليه.
* * *
стр. 1451
(١٧) باب نسخ الفدية، ومتى يقضى رمضان
[١٠١١] عَن سَلَمَةَ بنِ الأَكوَعِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِديَةٌ طَعَامُ مِسكِينٍ﴾ كَانَ مَن أَرَادَ أَن يُفطِرَ وَيَفتَدِيَ حَتَّى نَزَلَت الآيَةُ الَّتِي بَعدَهَا فَنَسَخَتهَا.
ــ
(١٧) ومن باب: نسخ الفدية
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِديَةٌ طَعَامُ مِسكِينٍ﴾ اختلف في قراءتها، وفي معناها، فأما قراءتها: فالجمهور على: (يُطِيقُونَهُ) بكسر الطاء وسكون الياء، وأصله: يطوقونه (١)، وكذلك قراءة حميد.
ومشهور قراءة ابن عباس: يُطوقُونه. وقد روي عنه: يطيقُونه. وقرأت عائشة وطاوس وعمرو بن دينار: يطوقُونه.
فأما قراءة الجمهور فمعناها: يقدرون عليه. وعلى هذا تكون الآية منسوخة كما قال سلمة بن الأكوع، وابن عمر، ومعاذ بن جبل، وعلقمة، والنخعي، والحسن، والشعبي، وابن شهاب.
وقال السُّدي: هم الذين كانوا يطيقونه وهم بحال الشباب ثم استحالوا بالشيخ فلا يستطيعون الصوم. وهي عنده محكمة، وتلزم الشيوخ عنده الفدية. ونحوه عن ابن عباس، وزاد: المريض الذي لا يقدر على الصوم، وعضد هذا بقراءته المذكورة قبل.
قال القاضي أبو محمد (٢) بن عطية: الآية عند مالك؛ إنما هي فيمن يدركه رمضان وعليه صوم من رمضان المتقدم، فقد كان يطيق في تلك المدة الصوم، فترك، فعليه الفدية.
وحكى الطبري عن عكرمة: أنه كان يقرؤها: وعلى الذين يطيقونه فأفطروا.
стр. 1452
وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَى أُنزِلَت هَذِهِ الآية: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهرَ فَليَصُمهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
رواه البخاري (٤٥٠٦)، ومسلم (١١٤٥) (١٤٩ و ١٥٠)، وأبو داود (٢٣١٥)، والترمذي (٧٩٨)، والنسائي (٤/ ١٩٠).
ــ
وأما قراءة: يُطوقُونه؛ فمعناه: يكلفونه مع المشقة اللاحقة لهم كالمريض والحامل؛ فإنهما يقدران عليه؛ لكن بمشقة تلحق رضيعها، فذهب بعض الناس: إلى أنها محكمة لهؤلاء، فإن صاموا أجزأهم، وإن افتدوا فلهم ذلك، وقاله ابن عباس فيما حكاه عنه البخاري، وأبو داود، ورأيا: أنها ليست بمنسوخة؛ لكنها مثبتة للشيخ والمرأة الكبيرة اللذين لا يستطيعان أن يصوما، وللحامل والمرضع.
و﴿يُطِيقُونَهُ﴾ بالياء مكان الواو مشددة، مبنيًّا للمفعول، مثل: (يَطَوَّقُونه) بالمعنى. فأما قراءة عائشة: فأصلها: (يَتَطَوَّقُونه) فأُدغمت التاء في الطاء، ومعناها: يتكلفون ذلك بأنفسهم مع المشقة، ويرجع ذلك لما تقدَّم في المريض ومن ذكر معه.
فأما قوله تعالى: ﴿فِديَةٌ طَعَامُ مِسكِينٍ﴾ ففدية: مرفوع بالابتداء، والخبر محذوف؛ أي: فعليهم فدية، أو خبر مبتدأ؛ أي: فحكمهم فدية. وقراءة نافع وابن عامر: ففديةُ طعامِ بإضافة فِديَةٌ إلى طَعَامٍ وجمع مَسَاكِينِ. وقرأ هشام: فِديَةٌ طَعَامُ (١)، بتنوين فِديَةٌ ورفع طَعَامُ على أن الطعام بدل منها. وقرأ بقية السبعة كذلك، إلا أنهم وحدوا مَسَاكِينِ وهي قراءة: حسنة؛ لأنها بيَّنت: أن الواجب في فطر يوم إطعام مسكين واحد، فأما الجمع فلا يعرف من مساق الآية هل هم أعني: المساكين - بإزاء يوم واحد، أو بإزاء أيام؟ وإنما يعلم ذلك من دليل آخر.
стр. 1453
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثم اختلفوا في مقدار هذا الطعام حيث يجب: فذهب مالك وجماعة من العلماء: إلى أنه مُدٌّ لكل مسكين بمد النبي ﷺ ، وقد تقدَّم في الزكاة.
وقال أشهب: مُدّ وثلث بمد أهل المدينة. وقال قوم: قوت يوم عشاء وسحور. وقال سفيان الثوري، وأبو حنيفة: نصف صاع من قمح، وصاع من تمر أو زبيب.
وقوله: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيرًا فَهُوَ خَيرٌ لَهُ﴾؛ أي: من تطوع بزيادة على إطعام مسكين، قاله ابن عباس وجماعة. وقال ابن شهاب: من أراد الإطعام مع الصوم. وقال مجاهد: من زاد في الإطعام على المد.
وخَيرٌ الأول والثاني بمعنى: أَخيَر، وأفضل، معناه: من تطوَّع بأكثر من ذلك فهو أفضل عند الله.
وقوله: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيرٌ لَكُم﴾؛ أي: الصوم خير. وكذلك قرأها أُبَيّ. ومعناه: أن الصوم أفضل وأولى من الفدية.
وقول سلمة بن الأكوع: إن ذلك نسخ بقوله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهرَ فَليَصُمهُ﴾ هذا مقبول من قول الصحابي؛ لأنه أعلم بالمقال، وأقعد بالحال، كما إذا قال: أمر ونهى. ووجه النسخ في هذا واضح؛ وهو: أن آية الفدية تقتضي التخيير بين الفدية والصوم مطلقًا، كما قال سلمة. وهذه الآية الأخرى جاءت جازمة بالصوم لمن شهد الشهر، رافعة لذلك التخيير.
ومعنى: شهد الشهر؛ أي: حضر فيه مقيمًا في المصر. هذا قول جمهور العلماء، وعلى هذا يكون الشَّهرَ منصوبًا على الظرف، ويكون معناه عندهم: أن من دخل عليه الشهر وهو مسافر، أو طرأ عليه فيه سفر؛ لم يجب عليه صومه.
وروي عن عليّ، وابن عباس، وعبيدة السلماني: أن معنى مَن شَهِدَ: من حضر دخول الشهر، وكان مقيمًا في أوله فليكمل صيامه، سافر بعد ذلك أو أقام؛ وإنما يفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو في السفر.
قلت: وهذا القول يردّه فطر النبي ﷺ وأصحابه في السَّفر الطارئ عليهم بفتح مكة، على ما تقدَّم. وقد كانوا ابتدؤوا الصوم في الحضر. وقال أبو حنيفة: من
стр. 1454
[١٠١٢] وعن عَائِشَةَ قالت: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّومُ مِن رَمَضَانَ فَمَا أَستَطِيعُ أَن أَقضِيَهُ إِلَّا فِي شَعبَانَ
ــ
شهد الشهر بشروط التكليف فليصمه، ومن دخل عليه وهو مجنون، وتمادى به طول الشهر فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يشهد الشهر بصفة يجب بها الصيام. ومن جُنَّ أول الشهر، أو آخره؛ فإنه يقضي أيام جنونه.
قال القاضي أبو محمد بن عطية: ونصب الشهر على هذا التأويل على المفعول الصريح: بـ (شَهِدَ).
قلت: وتكميله أن يكون شُهَدَ بمعنى: شاهد.
وقول عائشة ﵂: (أنها يكون عليها الصوم فما تستطيع أن تقضيه حتى يأتي شعبان)؛ فيه حجة على أن قضاء رمضان ليس على الفور؛ خلافًا لداود في إيجابه إياه ثاني شوال، ومن لم يصمه كذلك فهو آثم عنده. وهذا الذي صار إليه داود خلافًا لما يفهم من هذا الحديث ومن قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أَيَّامٍ أُخَرَ﴾؛ فإنه لم يعينها، ولا قيدها بقيدٍ، فتعيينها تحكم بغير دليل.
وحديث عائشة هذا وإن لم تصرح فيه برفعه إلى رسول الله ﷺ فإنه يعلم: أنه لا يخفى مثله عنه، ولا أن أزواجه ينفردن بآرائهن في مثل هذا الأمر المهم الضروري، فالظاهر: أن ذلك عن إذن النبي ﷺ وتسويفه لهن ذلك. فوقت قضائه على هذا: من شوال إلى شعبان. وهو قول مالك، والشافعي. فله أن يوقعه في أي وقت من أوقات المدة المذكورة شاء. وحينئذ يأثم مؤخره عن شعبان لتفريطه.
ثم هل تلزمه كفارة لذلك، أم لا تلزمه؟ فالأول قول مالك، والشافعي، ومعظمهم. وقال به ابن عباس، وعائشة. وذهب أبو حنيفة، وأصحابه، وداود: إلى أنه لا كفارة عليه.
ثم اختلف أصحابنا فيما به يكون مفرطًا: فمعظم الشيوخ: على أنه لا يكون مفرطًا إلا بترك القضاء عند خروج مقدار ما عليه من أيام الصوم من شعبان. ولو صح من سنته، ثم جاءه ما منعه حتى دخل عليه رمضان؛ لم تلزمه الكفارة.
وقال بعضهم: إنه تراعى صحته، وإقامته من أول عامه، فمن صح من
стр. 1455
الشُّغلُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَو بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَفِي رِوَايَةٍ: وذلك لمكان رسول الله ﷺ .
رواه البخاري (١٩٥٠)، ومسلم (١١٤٦)(١٥١)، وأبو داود (٢٣٩٩)، والترمذي (٧٨٣)، والنسائي (٤/ ١٩١).
ــ
شوال فما بعده مدة يمكنه فيه قضاء ما عليه فلم يفعل حتى جاءه ما منعه حتى دخل عليه رمضان؛ فقد لزمته الكفارة. ونحوه في المدونة.
قلت: والقول الأول جار على القياس في التوسيع لوقت الصلاة؛ فإنه لو صح في أول وقت الصلاة، ثم أغمي عليه مثلاً؛ حتى خرج الوقت؛ أعني: وقت الضرورة عند أصحابنا لم يلزمه قضاء، وعلى ذلك القياس: لو مات في أثناء السنة لم يقضِ. وقد حكى أبو حامد: إجماع السَّلف على ذلك القياس في الصلاة، اللهم إلا أن يخاف الفوت لحضور سببه؛ فيتعين الفعل إذ ذاك، فإن أخره أثم.
وأما القول الثاني: فإنما يتمشى على مذهب من يقول: إنه مُوسَّعٌ بشرط سلامة العاقبة، كما يقوله الكرخي. ولا نعلم أحدًا من أصحابنا قال به، غير أن هذا الفرع يقتضي مراعاة ذلك الأصل، والله تعالى أعلم.
ثم اختُلف في قضاء رمضان: هل من شرطه التتابع؟ وبه قال جماعة من الصحابة، والتابعين، وأهل الظاهر. أو ليس من شرطه ذلك. وهو مروي أيضًا عن جماعة من الصحابة، والتابعين، وكافة علماء الأمصار متمسكين بإطلاق قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ والتقييد لا بُدَّ فيه من دليل، ولا حجة في قراءة عبد الله متتابعات؛ إذ ليست تلك الزيادة بقرآن متواتر، ولا مرفوعة إلى النبي ﷺ ، فلا يعمل بها، وهي محمولة على أنها من تفسير ابن مسعود لرأي رآه. والله تعالى أعلم.
وقولها: (الشغل من رسول الله ﷺ ولمكان رسول الله ﷺ )، وفي الرواية
стр. 1456
[١٠١٣] وعَنهَا قَالَت: إِن كَانَت إِحدَانَا لَتُفطِرُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَا تَقدِرُ عَلَى أَن تَقضِيَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَأتِيَ شَعبَانُ.
رواه مسلم (١١٤٦)(١٥٢).
* * *
ــ
الثالثة: (فما نقدر أن نقضيه مع رسول الله ﷺ ؛ كل هذه الألفاظ محوِّمَةٌ على أن مراعاة حقوق رسول الله ﷺ في أزواجه كانت الموجبة لتأخير قضاء رمضان إلى شعبان.
وتفيد أن تأخير القضاء إلى شعبان مسوغ، وأن المبادرة به أولى، وأن ذلك التأخير كان عن إذنه ﷺ . وارتفع (الشغل) في الرواية الأولى على أنه فاعل بفعل مضمر، دلَّ عليه المساق؛ كأنها قالت: منعني الشغل.
وظاهر مساق الألفاظ: أنها من قول عائشة، وخصوصًا: في الرواية الثالثة، فإن ذلك نصٌّ؛ غير أن البخاري ذكر الرواية الأولى، ثم قال: (قال يحيى: الشغل برسول الله ﷺ ). فقال لذلك بعض علمائنا: إن ذلك القول في الرواية الأولى ليس من قول عائشة، وإنما هو من قول غيرها، وسكت عنه.
قلت: وَهَبكَ أن الرواية الأولى قابلة للاحتمال، لكن الثالثة لا تقبل شيئًا من ذلك، فتأملها.
وقولها: (إن كانت إحدانا لتفطر في زمن رسول الله ﷺ )؛ يفيد هذا اللفظ: أن التأخير لأجل الشغل لم يكن لها وحدها، بل لها ولغيرها من أزواج النبي ﷺ .
وقولها: (فما نقدر على أن نقضيه مع رسول الله ﷺ ؛ يعني: أنها كانت تتوقع حاجته إليها على الدوام. فإن قيل: وكيف لا تقدر على الصوم لحقه فيها وقد كان له تسع نسوة، وكان يقسم بينهن، فلا تصل النوبة لإحداهن إلا بعد ثمان، فكان يمكنها أن تصوم في هذه الأيام التي يكون فيها عند غيرها؟ ! فالجواب: أن القسم لم يكن عليه واجبًا لهن، وإنما كان يفعله بحكم تطييب قلوبهن، ودفعًا لما
стр. 1457
(١٨) باب قضاء الصيام عن الميت
[١٠١٤] عَن عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن مَاتَ وَعَلَيهِ صِيَامٌ صَامَ عَنهُ وَلِيُّهُ.
رواه أحمد (٦/ ٦٩)، والبخاري (١٩٥٢)، وسسلم (١١٤٧)، وأبو داود (٢٤٠٠).
ــ
يتوقع من الشرور، وفساد القلوب. ألا ترى قول الله تعالى: ﴿تُرجِي مَن تَشَاءُ مِنهُنَّ وَتُؤوِي إِلَيكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابتَغَيتَ مِمَّن عَزَلتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيكَ﴾ فلما علم نساؤه هذا - أو من سألته منهن - كن يتهيأن له دائمًا، ويتوقعن حاجته إليهن في أكثر الأوقات، والله تعالى أعلم.
ويستفاد من هذا: أن المرأة لا تصوم القضاء وزوجها شاهد إلا بإذنه، إلا أن تخاف الفوات، فيتعين، وترتفع التوسعة.
وقد قال بعض شيوخنا: لها أن تصوم القضاء بغير إذنه؛ لأنه واجب؛ وإنما محمل الحديث المقتضي لنهيها عن الصوم إلا بإذنه على التطوع. فأما الواجبات فلا يحتاج فيها إلى إذن واحد.
(١٨) ومن باب: قضاء الصوم عن الميت
قوله: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)؛ بظاهره قال جماعة منهم: إسحاق، وأبو ثور، وأهل الظاهر. وقال به أحمد، والليث، وأبو عبيد إلا أنهم خصصوه بالنذر. وروي مثله عن الشافعي ﵀ ورحمهم. وأما قضاء رمضان، فإنه يطعم عنه من رأس ماله، ولا يصام عنه، وهو قول جماعة من العلماء. ومالك لا يوجب عليه إطعامًا إلا أن يوصي به فيكون من الثلث كالوصايا. وأجمع المسلمون بغير خلاف: أنه لا يصلي أحدٌ عن أحدٍ في حياته ولا بعد موته، وأجمعوا:
стр. 1458
[١٠١٥] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ:
ــ
أنه لا يصوم أحدٌ عن أحدٍ في حياته (١)؛ وإنما الخلاف في ذلك بعد موته، وإنما لم يقل (٢) مالك بالخبر لأمور:
أحدها: أنه لم يجد عملهم عليه.
وثانيها: أنه اختلف واضطرب (٣) في إسناده.
وثالثها: أنه رواه أبو بكر البزار، وقال في آخره: (لمن شاء). وهذا يرفع الوجوب الذي قالوا به.
ورابعها: أنه معارض بقوله تعالى: ﴿وَلا تَكسِبُ كُلُّ نَفسٍ إِلا عَلَيهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى﴾ ولقوله: ﴿وَأَن لَيسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾.
وخامسها: أنه معارض بما خرَّجه النسائي عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يصلي أحدٌ عن أحد، ولا يصوم أحدٌ عن أحدٍ، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مُدًّا من حنطة) (٤).
وسادسها: أنه معارض للقياس الجلي، وهو: أنه عبادة بدنية لا مدخل للمال فيها (٥)؛ فلا تفعل عمن وجبت عليه، كالصلاة. ولا ينقض هذا بالحج؛ لأن للمال فيه مدخلاً.
стр. 1459
يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أُمِّي مَاتَت وَعَلَيهَا صَومُ شَهرٍ، أَفَأَقضِيهِ عَنهَا؟ فَقَالَ: لَو كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَينٌ أَكُنتَ قَاضِيَهُ عَنهَا؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: فَدَينُ اللَّهِ أَحَقُّ.
رواه أحمد (١/ ٢٥٨)، ومسلم (١١٤٨)(١٥٥).
[١٠١٦] وعَنه قَالَ: جَاءَت امرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أُمِّي مَاتَت وَعَلَيهَا صَومُ نَذرٍ -وَفِي رِوَايَةٍ: صوم شهر - أَفَأَصُومُ عَنهَا؟ قَالَ: أَرَأَيتِ لَو كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَينٌ فَقَضَيتِهِ أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكِ عَنهَا؟ قَالَت: نَعَم قَالَ: فَصُومِي عَن أُمِّكِ.
رواه أحمد (١/ ٢٥٨)، والبخاري (١٩٥٣)، ومسلم (١١٤٨)(١٥٦)، وأبو داود (٣٣١٠)، والترمذي (٧١٦)، وابن ماجه (١٧٥٨).
[١٠١٧] وَعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ بُرَيدَةَ، عَن أَبِيهِ قَالَ: بَينَا أَنَا جَالِسٌ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذ أَتَتهُ امرَأَةٌ، فَقَالَت: إِنِّي تَصَدَّقتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا
ــ
وقوله: (لو كان على أمك دين أكنت قاضيه؟ ) مشعر: بأن ذلك على الندب لمن طاعت به نفسه؛ لأنه لا يجب على ولي الميت أن يؤدي من ماله عن الميت دينًا بالاتفاق، لكن من تبرع به انتفع به الميت، وبرئت ذمته (١)، ويمكن أن يقال: إن مقصود الشرع: أن ولي الميت إذا عمل العمل بنفسه من صوم، أو حج، أو غيره، فصيَّره للميت انتفع به الميت، ووصل إليه ثوابه. ويعتضد ذلك: بأنه ﷺ شبَّه قضاء الصوم عن الميت بقضاء الدَّين عنه، والدَّين إنما يقضيه الإنسان عن غيره من مال حصَّله لنفسه، ثم بعد ذلك يقضيه عن غيره، أو يهبه له.
стр. 1460
مَاتَت قَالَ: فَقَالَ: وَجَبَ أَجرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيكِ المِيرَاثُ. قَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ كَانَ عَلَيهَا صَومُ شَهرٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ: صَوم شهرين، أفأصوم عنها؟ قال: صومي عنها، قالت: إنها لم تحج قط أفأحج عنها؟ قال: حجي عنها.
رواه مسلم (١١٤٩) (١٥٧ و ١٥٨)، وأبو داود (٣٣٠٩)، والترمذي (٦٦٧).
* * *
(١٩) باب فضل الصيام، والأمر بالتحفظ به من الجهل والرفث
[١٠١٨] عن أبي هُرَيرَةَ قَالَ: قال رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : قَالَ اللَّهُ : كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فإنه لِي وَأَنَا أَجزِي بِهِ،
ــ
وقوله: (وجب أجرك)؛ أي: في الصدقة، (وردَّها)؛ أي: إلى ملكك، وهذا لأن ملك الميراث جبري، بخلاف غيره من جميع التمليكات، ولذلك جعل النبي ﷺ المشتري لصدقته كالعائد فيها (١). وسيأتي الكلام على قوله: (حجي عنها) في الحج.
(١٩) ومن باب: فضل الصيام
قوله: (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي)؛ اختلف في معنى هذا على أقوال:
стр. 1461
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحدها: أن أعمال بني آدم يمكن الرياء فيها، فيكون لهم، إلا الصيام فإنه لا يمكن فيه إلا الإخلاص؛ لأن حال الممسك شبعًا، كحال الممسك تقربًا، وارتضاه المازري.
وثانيها: أن أعمال بني آدم كلها لهم فيها حظٌّ إلا الصيام فإنهم لا حظّ لهم فيه؛ قاله الخطابي.
وثالثها: أن أعمالهم هي أوصافهم، ومناسبة لأحوالهم إلا الصيام؛ فإنه استغناء عن الطعام، وذلك من خواص أوصاف الحق .
ورابعها: أن أعمالهم مضافة إليهم إلا الصيام فإن الله تعالى أضافه إلى نفسه تشريفًا، كما قال: (بيتي) و (عبادي).
وخامسها: أن أعمالهم يقتص منها يوم القيامة فيما عليهم إلا الصيام فإنه لله، ليس لأحد من أصحاب الحقوق أن يأخذ منه شيئًا. قاله ابن العربي. وقد كنت استحسنته إلى أن فكرت في حديث المقاصة، فوجدت فيه ذكر الصوم في جملة الأعمال المذكورة للأخذ منها، فإنه قال فيه: (هل (١) تدرون من المفلس؟ ) قالوا: (ل فلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: (المفلس هو الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة وصيام، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وضرب هذا (٢)، وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه؛ أُخِذ من سيئاتهم فطرح عليه، ثم طرح في النار) (٣). وهذا يدلُّ على أن الصوم يؤخذ كسائر الأعمال.
стр. 1462
وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ،
ــ
وسادسها: أن الأعمال كلَّها ظاهرة للملائكة، فتكتبها إلا الصوم، وإنما هو نية وإمساك، فالله يعلمه، ويتولى جزاءه؛ قاله أبو عبيد.
وسابعها: أن الأعمال قد كشفت لبني آدم مقادير ثوابها، وتضعيفها إلا الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير، ويشهد لهذا مساق الرواية الأخرى التي فيها: (كل عمل ابن آدم يضاعف؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله: إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به)؛ يعني - والله تعالى أعلم -: أنه يجازي عليه جزاء كثيرًا من غير أن يعين مقداره، ولا تضعيفه، وهذا كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجرَهُم بِغَيرِ حِسَابٍ﴾ وهم الصائمون في أكثر أقوال المفسرين. وهذا ظاهر قول الحسن، غير أنه قد تقدَّم، ويأتي في غير ما حديث: أن صوم اليوم بعشرة، وأن صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصيام رمضان صيام الدهر. وهذه نصوص في إظهار التضعيف، فَبَعُدَ هذا الوجه، بل بطل.
والأولى حمل الحديث على أحد الأوجه الخمسة المتقدمة؛ فإنها أبعد عن الاعتراضات الواقعة، والله تعالى أعلم.
وقوله: (يذر شهوته وطعامه من أجلي)؛ تنبيه على الجهة التي بها يستحق الصوم أن يكون كذلك، وهو الإخلاص الخاص به، كما قدمناه في الوجه الأول.
وقوله: (الصيام جنَّة)، مادة (١) هذه اللفظة التي هي: الجيم والنون كيف ما دارت صورها بمعنى: السترة؛ كالجن، والجنّة، والجنون، والمجن؛ فمعناه: أن الصوم سترة، فيصح أن يكون (جُنَّة) بحسب مشروعيته؛ أي: ينبغي للصائم أن يعريه مما يفسده، ومما ينقص ثوابه؛ كمناقضات الصيام، ومعاصي اللسان. وإلى هذه الأمور وقعت الإشارة بقوله: (فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا
стр. 1463
فَإِذَا كَانَ يَومُ صَومِ أَحَدِكُم فَلَا يَرفُث يَومَئِذٍ، وَلَا يَسخَب (وفي رواية: ولا يجهل) فَإِن سَابَّهُ أَحَدٌ، أَو قَاتَلَهُ فَليَقُل: إِنِّي امرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفسُ
ــ
يسخب) إلخ، ويصح أن يسمى: (جُنَّة) بحسب فائدته، وهو إضعاف شهوات النفس، وإليه الإشارة بقوله: (ويذر شهوته وطعامه من أجلي). ويصح أن يكون جنة بحسب ثوابه. وإليه التصريح بقوله: (من صام يومًا في سبيل الله باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا).
وقوله: (فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يسخب)، لا يفهم من هذا الشرط: أن غير يوم الصوم يباح فيه الرفث والسخب، فإنهما ممنوعان على الإطلاق، وإنما تأكد منعهما بالنسبة إلى الصوم.
والرفث: الفحش من الكلام، والسخب منه. يقال: (رَفَثَ) بفتح الفاء، (يَرفُث)، بضمها، وكسرها. و (رَفِثَ) بكسرها في الماضي (يَرفَث) بفتحها في المستقبل (رَفثًا) بسكونها في المصدر، وفتحها في الاسم. ويقال: (أَرفَث) أيضا، وهي قليلة.
و(السَّخب): اختلاط الأصوات، وكثرتها (١)، ورفعها بغير الصواب. يقال: بالسين والصاد. وعند الطبري: مكان: (لا يسخب) (لا يسخر)؛ يعني: السخرية بالناس، والأول هو المعروف.
والجهل في الصوم: هو العمل فيه على خلاف ما يقتضيه العلم. وقد روى النسائي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (من لم يدع قول الزور، والعمل به، والجهل في الصوم، فليس لله حاجة في ترك طعامه وشرابه) (٢).
وقوله: (فإن أحد سابَّه أو قاتله فليقل: إني صائم)؛ المسابة والمقاتلة مما لا تكون إلا من اثنين غالبًا، ولم تقع هنا إلا من أحدهما، لكنه لما عَرَّضَ أحدهما
стр. 1464
مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطيَبُ عِندَ اللَّهِ يَومَ القِيَامَةِ مِن رِيحِ المِسكِ،
ــ
الآخر لذلك صدق اللفظ عليهما.
وظاهره: أن الصائم يقول ذلك القول المأمور به للساب ليسمعه، وليعلمه اعتصامه بالصوم، فينكف عن سبه. ويحتمل أن يراد أنه يقول ذلك لنفسه مذكرًا لها بذلك، وزاجرًا عن السباب.
واختلف إذا سَبَّ الصائم أحدًا، أو اغتابه: فالجمهور على أن ذلك ليس بمفسد للصوم. وذهب الأوزاعي: إلى أن ذلك مفطرٌ مُفسدٌ. وبه قال الحسن فيما أحسب.
وقوله: (لَخُلُوف فم الصائم)، هكذا الرواية الصحيحة؛ بضم الخاء، ومن لا يحقق بقوله بفتح الخاء. وقال الخطابي: هو خطأ. قال الهروي: خلف فوه: إذا تغير، يخلف، خلوفًا. ومنه: حديث علي وسُئل عن قبلة الصائم فقال: (وما أَرَبُكَ إلى خلوف فيها؟ ).
ويقال: نومة الضحى مخلفة للفم؛ أي: مغيرة. قال صاحب الأفعال: خلف فوه، وأخلف.
وقد أخذ الشافعي من هذا الحديث منع الصائم من السِّواك من بعد الزوال. قال: لأن ذلك الوقت مبدأ الخلوف، قال: والسواك يذهبه. وربما نظم بعض الشافعية في هذا قياسًا، فقال: أثر عبادة فلا يُزَال كدم الشهيد.
وهذا القياس ترد عليه أسئلة من جملتها؛ القول: ومع أن السِّواك يزيل الخلوف، فإنه من المعدة والحلق، لا من محل السِّواك، وحينئذ لا يلزم شيء من ذلك. وقد أجاز كافة العلماء للصائم أن يتسوَّك بسواك لا طعم له، في أي أوقات النهار شاء.
وقوله: (أطيب عند الله من ريح المسك)؛ لا يتوهم: أن الله تعالى يستطيب الروائح، ويستلذها، كما يقع لنا من اللذة، والاستطابة؛ إذ ذاك من صفات افتقارنا، واستكمال نقصنا، وهو الغني بذاته، الكامل بجلاله وتقدسه. على أنا نقول: إن الله تعالى يدرك المدركات، ويبصر المبصرات، ويسمع المسموعات على الوجه اللائق بجماله وكماله وتقدسه عن شبه مخلوقاته، وإنما معنى هذه الأطيبية عند الله تعالى راجعة إلى أن الله تعالى يثيب على خلوف فم الصائم ثوابًا
стр. 1465
وَلِلصَّائِمِ فَرحَتَانِ يَفرَحُهُمَا: إِذَا أَفطَرَ فَرِحَ بِفِطرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَومِه.
وِفِي رِوَايَة: كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الحَسَنَةُ عَشرُ أَمثَالِهَا إِلَى سَبعمِائَة ضِعفٍ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ: إِلَّا الصَّومَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجزِي بِهِ، يَدَعُ شَهوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِن أَجلِي.
رواه أحمد (٢/ ٢٧٣)، والبخاري (١٩٠٤)، ومسلم (١١٥١) (١٦٣ و ١٦٤)، والنسائي (٤/ ١٦٢ - ١٦٣).
[١٠١٩] وعَن سَهلِ بنِ سَعدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدخُلُ مِنهُ الصَّائِمُونَ يَومَ القِيَامَةِ، لَا يَدخُلُ مَعَهُم
ــ
أكثر مما يثيب على استعمال روائح المسك، حيث ندب الشرع إلى استعماله فيها، كالجمع والأعياد وغير ذلك. ويحتمل أن يكون ذلك في حق الملائكة، فيستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك.
وقوله: (وللصائم فرحتان: إذا أفطر فرح بفطره)؛ أي: فرح بزوال عطشه وجوعه حين أبيح له الفطر. وهذا الفرح طبيعي، وهو السابق للفهم. وقيل: إن فرحه بفطره؛ إنما هو من حيث إنه: تمام صومه، وخاتمة عبادته، وتحقيق ريّه ومعونته على مستقبل صومه.
وأما قوله: (وإذا لقي ربه فرح بصومه)؛ أي: بجزاء صومه وثوابه.
وقوله: (إن في الجنة بابًا يقال له: الرَّيَّان)، وزن الرَّيَّان: فعلان، وهو الكثير الرِّيّ، الذي هو نقيض العطش. وسمِّي هذا الباب بهذا الاسم: لأنه جزاء الصائمين على عطشهم وجوعهم، واكتفي بذكر الرِّي عن الشبع؛ لأنه يدل عليه من حيث إنه يستلزمه.
стр. 1466
أَحَدٌ غَيرُهُم يُقَالُ: أَينَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَدخُلُونَ مِنهُ فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُم أُغلِقَ فَلَم يَدخُل مِنهُ أَحَدٌ.
رواه البخاري (١٨٩٦)، ومسلم (١١٥٢)، والترمذي (٧٦٥)، والنسائي (٤/ ١٦٨)، وابن ماجه (١٦٤٠).
[١٠٢٠] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن صَامَ يَومًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَاعَدَ اللَّهُ وَجهَهُ عَن النَّارِ سَبعِينَ خَرِيفًا.
رواه أحمد (٣/ ٨٣)، والبخاري (٢٨٤٠)، ومسلم (١١٥٣)(١٦٨)، والترمذي (١٦٢٢)، والنسائي (٤/ ١٧٣).
* * *
ــ
وقوله: (من صام يومًا في سبيل الله)؛ أي: في طاعة الله؛ يعني بذلك: قاصدًا به وجه الله تعالى. وقد قيل فيه: إنه الجهاد في سبيل الله.
وقوله: (سبعين خريفًا)؛ أي: سنَّة، وهو على جهة لمبالغة في البُعد عن النار، وكثيرًا ما تجيء (السبعون) عبارة عن التكثير، كما قال تعالى: ﴿إِن تَستَغفِر لَهُم سَبعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغفِرَ اللَّهُ لَهُم﴾
و(الخريف): فعيل بمعنى: مفتعل؛ أي: مخترف. وهو الزمان الذي تخترف فيه الثمار.
* * *
стр. 1467
(٢٠) باب فيمن أصبح صائمًا متطوعا ثم يفطر وفيمن أكل ناسيا
[١٠٢١] عَن عَائِشَةَ أُمِّ المُؤمِنِينَ قَالَت: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ: يَا عَائِشَةُ هَل عِندَكُم شَيءٌ؟ قَالَت: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا عِندَنَا
ــ
(٢٠) ومن باب: من أصبح صائمًا متطوّعًا ثم يفطر
قوله - وقد سأل -: (هل عندهم طعام؟ فقيل: لا، فقال (١): إني صائم)؛ حجة لمن قال: إن صوم التطوع يصح بغير نية تُبَيَّت، كما قدمنا الخلاف فيه، ولا حجة فيه؛ إذ يحتمل أن سؤاله أولا: هل عندهم (٢) شيء؟ كان لضعفه عن الصوم فاحتاج إلى الفطر، فسأل، فلما لم يجد بقي على ما قدَّم من صومه (٣)، أو سأل عن ذلك وهو صائم ليعلم هل عندهم ما يحتاج إليه عند إفطاره فتسكن نفسه إليه، فلا يحتاج إلى تكلف اكتسابه، ويحتمل أن يكون قوله: (أنا صائم)؛ أي: لم آكل بعد شيئًا (٤)، فيكون صائمًا لغة.
و(الزُّور): الزُوَّار، قال ابن دريد: وهو ما يكون الواحد والجماعة فيه سواء. وقيل: الزور: المصدر، وبه سُمي الواحد والاثنان والجميع، كما قالوا: رجل صوم وقوم صوم وعدل، ونحوه للخطابي.
و(الحيس) قال فيه الهروي: هو ثريدة من أخلاط. قال ابن دريد: هو التمر مع الأقط والسَّمن. قال الشاعر:
стр. 1468
شَيءٌ قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ. قَالَت: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُهدِيَت لَنَا هَدِيَّةٌ، أَو جَاءَنَا زَورٌ.
قَالَت: فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُهدِيَت لَنَا هَدِيَّةٌ، أَو جَاءَنَا زَورٌ، وَقَد خَبَأتُ لك شَيئًا. قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلتُ: حَيسٌ قَالَ: هَاتِيهِ فَجِئتُ بِهِ، فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ: قَد كُنتُ أَصبَحتُ صَائِمًا.
قَالَ طَلحَةُ بن يحيى: فَحَدَّثتُ مُجَاهِدًا بِهَذَا الحديث قَالَ: ذَاكَ بِمَنزِلَةِ الرَّجُلِ يُخرِجُ الصَّدَقَةَ مِن مَالِهِ، فَإِن شَاءَ أَمضَاهَا وَإِن شَاءَ أَمسَكَهَا.
رواه أحمد (٦/ ٢٠٧)، ومسلم (١١٥٤)(١٦٩)، وأبو داود (٢٤٥٥)، والترمذي (٧٣٣)، والنسائي (٤/ ١٩٥).
ــ
التمرُ والسَّمنُ جميعًا و (١) الأَقِط ... الحَيسُ إلا أنه لم يختلط.
وقولها في هذه الرواية: (فخرج رسول الله ﷺ فأهديت لنا هدية)؛ ظاهره: أن هذا وما قبله كان في يوم واحد، وليس كذلك، بدليل: ما جاء في الرواية الأخرى الآتية: (ثم أتانا يومًا آخر)، وذكر نحوه.
وقوله: (قد كنت أصبحت صائمًا، فأكل)؛ حجة لمن قال: إن صائم النافلة يجوز أن يفطر فيه، وأن يخرج منه. وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق مع جماعة من الصحابة، مع استحبابهم له إتمامه من غير وجوب. ومنعه ابن عمر وقال: هو كالملاعب بدينه. وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والحسن، والنخعي، ومكحول، وألزموه إتمامه إذا دخل فيه. فإن أفطر متعمدًا قضاه على
стр. 1469
[١٠٢٢] وعنها قَالَت: دَخَلَ عَلَيَّ رسول الله ﷺ ذَاتَ يَومٍ فَقَالَ: هَل عِندَكُم شَيءٌ؟ فَقُلنَا: لَا قَالَ: فَإِنِّي إِذَا صَائِمٌ، ثُمَّ أَتَانَا يَومًا آخَرَ، فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُهدِيَ لَنَا حَيسٌ فَقَالَ: أَرِينِيهِ، فَلَقَد أَصبَحتُ صَائِمًا فَأَكَلَ.
رواه أحمد (٦/ ٤٩)، ومسلم (١١٥٤)(١٧٠)، والترمذي (٧٣٤)، والنسائي (٤/ ١٩٤ - ١٩٥).
ــ
مذهب الملزمين لإتمامه. فلو أفطر ناسيًا، أو مغلوبًا، أو لعذر لم يلزم القضاء، وأسقط أبو حنيفة القضاء عن الناسي خاصة، وأوجبه عليه ابن عُلَيَّة. وحكى ابن عبد البر: الإجماع على أن المفطر فيه لعذر لا قضاء عليه؛ وكأنه لم يقف على ما ذكر عن ابن عُلَيَّة، فإنه خلاف شاذ. ويحمل الحديث عند هؤلاء على أنه ﷺ كان مجهودًا.
ومما يستدل به لمالك ومن قال بقوله: حديث النسائي عن عائشة ﵂ قالت: أصبحت صائمة أنا وحفصة، فأُهدي لنا طعام فأعجبنا، فأفطرنا، فدخل النبي ﷺ فبدرتني حفصة فسألته؟ فقال: (صوما يومًا مكانه) (١).
وقول مجاهد: ذلك بمنزلة الرَّجُل يخرج الصدقة من ماله، فإن شاء أمضاها، وإن شاء أمسكها (قياس) (٢)، ليس بصحيح، فإن الذي يخرج الصدقة من ماله ولم يعطها للفقير، ولم يعينها، لم يدخل في عمل يجب إتمامه، بخلاف الصائم؛ فإنه قد دخل في عمل الصوم، وقد تناوله نهي قوله تعالى: ﴿وَلا تُبطِلُوا أَعمَالَكُم﴾؛ وإنما يدخل في عمل الصدقة بدفعها لمستحقها، أو بتعيينها، وحينئذ تجب للفقير (٣)، ويحرم على مخرجها الرجوع فيها، وأخذها منه، فأما قبل
стр. 1470
[١٠٢٣] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ، أَو شَرِبَ فَليُتِمَّ صَومَهُ فَإِنَّمَا أَطعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ.
ــ
ذلك فغاية ما عنده نية الصدقة؛ لا الدخول فيها، فافترق الفرع من الأصل، ففسد القياس.
وقوله ﷺ : (من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)؛ احتج به من أسقط القضاء عمن أفطر ناسيًا في رمضان. وهو الشافعي وغيره. وخالفهم في ذلك مالك وغيره، ولهؤلاء أن يقولوا بموجب ذلك إذ لم يتعرض فيه للقضاء، بل الذي تعرض له: سقوط المؤاخذة عمن أفطر ناسيًا. والأمر يمضيه على صومه وإتمامه. وهم يقولون بكل ذلك. فأما القضاء فلا بدَّ له منه إذ المطلوب صيام يوم تام لا يقع فيه خرم، ولم يأت به، فهو باق عليه، هذا عذر أصحابنا عن هذا الحديث الذي جاء بنص كتاب مسلم، وفي كتاب الدارقطني لهذا الحديث مساقٌ أنصّ من هذا عن أبي هريرة مرفوعًا قال: (إذا أكل الصائم ناسيًا أو شرب ناسيًا، فإنما هو رزق ساقه الله إليه، ولا قضاء عليه) (١). قال الدارقطني في إسناده: إسناد صحيح، وكلهم ثقات. وفي طريق آخر: (من أفطر في شهر رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه، ولا كفارة) (٢)، وهو صحيح أيضًا.
وهذه النصوص لا تقبل ذلك الاحتمال. والشأن في صحتها، فإن صحّت وجب الأخذ بها، وحكم بسقوط القضاء.
وقوله: (فإنما أطعمه الله تعالى وسقاه)؛ يعني: أنَّه لما أفطر ناسيًا لم ينسب إليه من ذلك الفطر شيء، وتمحضت نسبة الإطعام والسقي إلى الله تعالى؛ إذ هو فعله، ولذلك قال في بعض رواياته: فإنما هو رزق ساقه الله إليه.
стр. 1471
رواه البخاري (٦٦٦٩)، ومسلم (١١٥٥)، وأبو داود (٢٣٩٨)، والترمذي (٧٢١)، وابن ماجه (١٦٧٣).
* * *
(٢١) باب كيف كان صوم رسول الله ﷺ في التطوع ؟
[١٠٢٤] عن عَبدِ اللَّهِ بنِ شَقِيقٍ قَالَ: سَأَلتُ عَائِشَةَ عَن صَومِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَت: كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: قَد صَامَ، قَد صَامَ، وَيُفطِرُ حَتَّى نَقُولَ: قَد أَفطَرَ، قَد أَفطَرَ، قَالَت: وَمَا رَأَيتُهُ صَامَ شَهرًا كَامِلاً مُنذُ قَدِمَ المَدِينَةَ إِلَّا أَن يَكُونَ رَمَضَانَ.
وَفِي رِوَايَةٍ: وَلَم أَرَهُ صَائِمًا مِن شَهرٍ قَطُّ أَكثَرَ مِن صِيَامِهِ مِن شَعبَانَ،
ــ
(٢١) ومن باب: كيف صوم رسول الله ﷺ في التطوُّع
سؤال شقيق لعائشة إنما كان عن زمن صوم رسول الله ﷺ ، وعن مقداره، ولذلك أجابته بهما، فقالت: (كان يصوم حتى نقول: قد صام، قد صام، ويفطر حتى نقول: قد أفطر، قد أفطر)؛ ومعنى هذا: أنه كان يصوم متطوِّعًا، فيكثر، ويوالي حتى تتحدَّث نساؤه وخاصته بصومه، ويفطر كذلك. ومثل هذا: حديث ابن عبَّاس: كان يصوم حتى يقول القائل: لا يفطر، ويفطر حتى يقول القائل: لا يصوم.
وبمثل هذا أخبر ﷺ به عن نفسه، فقال: (بل أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، فمن رغب عن سنتي فليس مني (١).
стр. 1472
كَانَ يَصُومُ شَعبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعبَانَ إِلَّا قَلِيلاً.
زَادَ فِي أُخرَى: وَكَانَ يَقُولُ: خُذُوا مِن الأَعمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَن يَمَلَّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ يَقُولُ: أَحَبُّ العَمَلِ إِلَى اللَّهِ مَا دَاوَمَ عَلَيهِ صَاحِبُهُ وَإِن قَلَّ.
رواه أحمد (٦/ ١٨٩)، والبخاري (١٩٧٠)، ومسلم (١١٥٦) (١٧٤ و ١٧٦ و ١٧٧)، والترمذي (٧٦٨)، والنسائي (٤/ ١٩٩).
[١٠٢٥] وَعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهرًا كَامِلاً قَطُّ غَيرَ رَمَضَانَ، وَكَانَ يَصُومُ إِذَا صَامَ حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: لَا وَاللَّهِ لَا يُفطِرُ وَيُفطِرُ إِذَا أَفطَرَ حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: لَا وَاللَّهِ! لَا يَصُومُ.
رواه أحمد (١/ ٢٧١)، والبخاري (١٩٧١)، ومسلم (١١٥٧)، والنسائي (٤/ ١٩٩).
* * *
ــ
وقولها: (كان يصوم شعبان كله، كان يصوم (١) شعبان إلا قليلاً). قيل: إن الكلام الأول يفسره الثاني، ويخصصه، وحينئذ يتوافق قولها هذا مع قولها: (ما رأيته أكثر صومًا منه في شعبان). وكذلك قال ابن عبَّاس: إنه ﷺ ما صام شهرًا غير رمضان. وقيل: معنى ذلك: أنه كان يصومه مرة كله، ومرة ينقص منه لئلا يتوهم وجوبه.
وقيل في قولها: كان يصوم شعبان كله)؛ أي: يصوم في أوله، ووسطه، وآخره. ولا يخص شيئًا منه، ولا يعمُّه بصيام. وهذا أبعدها. وقد مضى القول على ما تضمنه أكثر هذا الحديث.
стр. 1473
(٢٢) باب كراهية سرد الصوم، وبيان أفضل الص وم
[١٠٢٦] عَن عَبدَ اللَّهِ بنَ عَمرِو بنِ العَاصِ، قال: بَلَغَ نَّبِيَّ ﷺ أَنِّي أَصُومُ أَسرُدُ، وَأُصَلِّي اللَّيلَ، فَإِمَّا أَرسَلَ إِلَيَّ وَإِمَّا لَقِيتُهُ فَقَالَ: أَلَم أُخبَر بك أَنَّكَ تَصُومُ وَلَا تُفطِرُ وَتُصَلِّي اللَّيلَ؟ فَلَا تَفعَل.
وَفِي رِوَايَةٍ: قال:
ــ
(٢٢) ومن باب: كراهية سرد الصوم
حديث عبد الله بن عمرو اشتهر وكثر رواته، فكثر اختلافه حتى ظن من لا بصيرة عنده: أنه مضطرب. وليس كذلك؛ فإنه إذا تتبع اختلافه، وضم بعضه إلى بعض انتظمت صورته، وتناسب مساقه؛ إذ ليس فيه اختلاف تناقض، ولا تهاتر، بل يرجع اختلافه إلى أن ذكر بعضهم ما سكت عنه غيره، وفصل بعض ما أجمله غيره. وسنشير إلى بعضه إن شاء الله تعالى.
وقوله: (ألم أُخبَر أنك تصوم ولا تفطر، وتصلي)؛ هذا إنما فعله عبد الله بعد أن التزمه بقوله: (لأصومن النهار، ولأقومن الليل ما عشت - كما جاء في الرواية الأخرى (١) - فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فحكى بعض الرواة الفعل، وحكى بعضهم القول.
وقوله: (لا تفعل) نهي عن الاستمرار في فعل ما التزمه لأجل ما يؤدي إليه من المفسدة التي نبه عليها بقوله: (فإنك إذا فعلت ذلك هجمت عيناك)؛ قال المفسرون: أي: غارتا ودخلتا.
قلت: وتحقيقه: هجمت على الضرر دفعة واحدة. فإن الهجم هو: أخذ الشيء بسرعة بغتة. ويحتمل أن يكون معناه: هجمت العين عليه بغلبة النوم لكثرة السَّهر السابق، فينقطع عما التزم، فيدخل في ذمّ من ابتدع رهبانية ولم يرعها، وكما قال له: (يا عبد الله! لا تكن مثل فلان؛ كان يقوم الليل، فترك قيام الليل).
стр. 1474
فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلتَ ذَلِكَ هَجَمَت عَينَاكَ وَنَفِهَت نَفسُكَ، فَإِنَّ لِعَينِكَ حَظًّا، وَلِنَفسِكَ حَظًّا، وَلِأَهلِكَ حَظًّا، فَصُم وَأَفطِر، وَصَلِّ وَنَم، وَصُم مِن كُلِّ عَشرَةِ أَيَّامٍ يَومًا، وَلَكَ أَجرُ تِسعَةٍ. قَالَ: إِنِّي أَجِدُنِي أَقوَى مِن ذَلِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ! قَالَ: صُم صِيَامَ دَاوُدَ قَالَ: وَكَيفَ كَانَ دَاوُدُ يَصُومُ
ــ
وقوله: (ونفهت نفسك)؛ أي: أعيت (١)، وضعفت عن القيام بذلك، كما قال في لفظ آخر: (نهكت نفسك).
وقوله: (فإن لعينك حظًّا، ولنفسك حظًّا)؛ أي: من الرفق بهما، ومراعاة حقهما، وقد سمى في الرواية الأخرى: الحظ: (حقا)؛ إذ هو بمعناه، وزاد: (فإن لزوجك عليك حقًّا، ولزورك عليك حقًّا)، وفي لفظ آخر: (ولأهلك) مكان (ولزوجك).
وأما حق الزوجة فهو في الوطء، وذلك إذا سرد الصوم، ووالى القيام بالليل منعها بذلك حقها منه.
وأما حق الزور - وهو الزائر والضيف - فهو: القيام بإكرامه، وخدمته، وتأنيسه بالأكل معه.
وأما الأهل فيعني به هنا: الأولاد، والقرابة. وحقهم: هو في الرفق بهم، والإنفاق عليهم، ومؤاكلتهم، وتأنيسهم. وملازمة ما التزم من سرد الصوم، وقيام الليل يؤدي إلى امتناع تلك الحقوق كلها.
ويفيد: الحقوق إذا تعارضت قدم الأولى.
وقوله: (صم من كل عشرة يومًا)؛ هذا في المعنى موافق للرواية التي قال فيها: (صم من كل شهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها)؛ وكذلك قوله في الرواية الأخرى: (صم يومًا ولك أجر ما بقي)، على ما يأتي. وهذا الاختلاف وشبهه من باب النقل بالمعنى.
وقوله: (فصم صوم داود)؛ هكذا جاء في هذه الرواية، سكت فيها عن المراتب التي ثبتت في الرواية الآتية بعد هذا، وذلك أن فيها نقلة من صيام ثلاثة
стр. 1475
يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ ! قَالَ: كَانَ يَصُومُ يَومًا وَيُفطِرُ يَومًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى. قَالَ: مَن لِي بِهَذِهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ ! قَالَ: عَطَاءٌ: فَلَا أَدرِي كَيفَ ذَكَرَ صِيَامَ الأَبَدِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا صَامَ مَن صَامَ الأَبَدَ، لَا صَامَ مَن صَامَ الأَبَدَ.
رواه أحمد (٢/ ١٩٨)، والبخاري (١٩٧٤)، ومسلم (١١٥٩)(١٨٦) وأبو داود (١٣٨٩)، والترمذي (٧٧٠)، والنسائي (٤/ ٢٠٩ و ٢١٥).
ــ
أيام في الشهر إلى أربعة فيها، ومنها إلى صوم يومين وإفطار يومين، ثم منها إلى صوم يوم وإفطار يوم. وهذا محمول على أن النبي ﷺ دَرَّجَه في هذه المراتب هكذا، لكن بعض الرواة سكت عن ذكر بعض المراتب إما نسيانًا، أو اقتصارًا على قدر ما يحتاج إليه في ذلك الوقت، ثم في وقت آخر ذكر الحديث بكماله.
وقوله: (فصم صوم داود؛ فإنه كان أعبد الناس)؛ إنما أحاله على صوم داود، ووصفه: بأنه كان أعبد الناس لقوله تعالى: ﴿وَاذكُر عَبدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال ابن عباس: ﴿الأَيدِ﴾ هنا: القوة على العبادة. و (الأوَّاب): الرجَّاع إلى الله تعالى وإلى عبادته، وتسبيحه.
وقوله: (ولا يفرُّ إذا لاقى)؛ تنبيه على أن صوم يوم، وإفطار يوم لا يضعف ملتزمه، بل يحفظ قوته، ويجد من الصوم مشقته كما قدمناه، وذلك بخلاف سرد الصوم فإنه ينهك البدن والقوة، ويزيل روح الصوم؛ لأنه يعتاده، فلا يبالي به، ولا يجد له معنى.
وقول عبد الله بن عمرو: (من لي بهذه)؛ إشارة إلى استبعاد عدم الفرار، وتمني أن لو كانت له تلك القوة. ومعنى قوله: (من لي بهذا الشيء)؛ أي: من يتكفل لي به؟ أو من يحصله لي؟ .
وقول عطاء: (فلا أدري كيف ذكر صيام الأبد؟ ). هو شكٌّ عرض للراوي، ثم