رواه البخاري (٦٦٦٩)، ومسلم (١١٥٥)، وأبو داود (٢٣٩٨)، والترمذي (٧٢١)، وابن ماجه (١٦٧٣).
* * *
(٢١) باب كيف كان صوم رسول الله ﷺ في التطوع ؟
[١٠٢٤] عن عَبدِ اللَّهِ بنِ شَقِيقٍ قَالَ: سَأَلتُ عَائِشَةَ عَن صَومِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَت: كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: قَد صَامَ، قَد صَامَ، وَيُفطِرُ حَتَّى نَقُولَ: قَد أَفطَرَ، قَد أَفطَرَ، قَالَت: وَمَا رَأَيتُهُ صَامَ شَهرًا كَامِلاً مُنذُ قَدِمَ المَدِينَةَ إِلَّا أَن يَكُونَ رَمَضَانَ.
وَفِي رِوَايَةٍ: وَلَم أَرَهُ صَائِمًا مِن شَهرٍ قَطُّ أَكثَرَ مِن صِيَامِهِ مِن شَعبَانَ،
ــ
(٢١) ومن باب: كيف صوم رسول الله ﷺ في التطوُّع
سؤال شقيق لعائشة إنما كان عن زمن صوم رسول الله ﷺ ، وعن مقداره، ولذلك أجابته بهما، فقالت: (كان يصوم حتى نقول: قد صام، قد صام، ويفطر حتى نقول: قد أفطر، قد أفطر)؛ ومعنى هذا: أنه كان يصوم متطوِّعًا، فيكثر، ويوالي حتى تتحدَّث نساؤه وخاصته بصومه، ويفطر كذلك. ومثل هذا: حديث ابن عبَّاس: كان يصوم حتى يقول القائل: لا يفطر، ويفطر حتى يقول القائل: لا يصوم.
وبمثل هذا أخبر ﷺ به عن نفسه، فقال: (بل أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، فمن رغب عن سنتي فليس مني (١).
стр. 1472
كَانَ يَصُومُ شَعبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعبَانَ إِلَّا قَلِيلاً.
زَادَ فِي أُخرَى: وَكَانَ يَقُولُ: خُذُوا مِن الأَعمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَن يَمَلَّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ يَقُولُ: أَحَبُّ العَمَلِ إِلَى اللَّهِ مَا دَاوَمَ عَلَيهِ صَاحِبُهُ وَإِن قَلَّ.
رواه أحمد (٦/ ١٨٩)، والبخاري (١٩٧٠)، ومسلم (١١٥٦) (١٧٤ و ١٧٦ و ١٧٧)، والترمذي (٧٦٨)، والنسائي (٤/ ١٩٩).
[١٠٢٥] وَعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهرًا كَامِلاً قَطُّ غَيرَ رَمَضَانَ، وَكَانَ يَصُومُ إِذَا صَامَ حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: لَا وَاللَّهِ لَا يُفطِرُ وَيُفطِرُ إِذَا أَفطَرَ حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: لَا وَاللَّهِ! لَا يَصُومُ.
رواه أحمد (١/ ٢٧١)، والبخاري (١٩٧١)، ومسلم (١١٥٧)، والنسائي (٤/ ١٩٩).
* * *
ــ
وقولها: (كان يصوم شعبان كله، كان يصوم (١) شعبان إلا قليلاً). قيل: إن الكلام الأول يفسره الثاني، ويخصصه، وحينئذ يتوافق قولها هذا مع قولها: (ما رأيته أكثر صومًا منه في شعبان). وكذلك قال ابن عبَّاس: إنه ﷺ ما صام شهرًا غير رمضان. وقيل: معنى ذلك: أنه كان يصومه مرة كله، ومرة ينقص منه لئلا يتوهم وجوبه.
وقيل في قولها: كان يصوم شعبان كله)؛ أي: يصوم في أوله، ووسطه، وآخره. ولا يخص شيئًا منه، ولا يعمُّه بصيام. وهذا أبعدها. وقد مضى القول على ما تضمنه أكثر هذا الحديث.
стр. 1473
(٢٢) باب كراهية سرد الصوم، وبيان أفضل الص وم
[١٠٢٦] عَن عَبدَ اللَّهِ بنَ عَمرِو بنِ العَاصِ، قال: بَلَغَ نَّبِيَّ ﷺ أَنِّي أَصُومُ أَسرُدُ، وَأُصَلِّي اللَّيلَ، فَإِمَّا أَرسَلَ إِلَيَّ وَإِمَّا لَقِيتُهُ فَقَالَ: أَلَم أُخبَر بك أَنَّكَ تَصُومُ وَلَا تُفطِرُ وَتُصَلِّي اللَّيلَ؟ فَلَا تَفعَل.
وَفِي رِوَايَةٍ: قال:
ــ
(٢٢) ومن باب: كراهية سرد الصوم
حديث عبد الله بن عمرو اشتهر وكثر رواته، فكثر اختلافه حتى ظن من لا بصيرة عنده: أنه مضطرب. وليس كذلك؛ فإنه إذا تتبع اختلافه، وضم بعضه إلى بعض انتظمت صورته، وتناسب مساقه؛ إذ ليس فيه اختلاف تناقض، ولا تهاتر، بل يرجع اختلافه إلى أن ذكر بعضهم ما سكت عنه غيره، وفصل بعض ما أجمله غيره. وسنشير إلى بعضه إن شاء الله تعالى.
وقوله: (ألم أُخبَر أنك تصوم ولا تفطر، وتصلي)؛ هذا إنما فعله عبد الله بعد أن التزمه بقوله: (لأصومن النهار، ولأقومن الليل ما عشت - كما جاء في الرواية الأخرى (١) - فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فحكى بعض الرواة الفعل، وحكى بعضهم القول.
وقوله: (لا تفعل) نهي عن الاستمرار في فعل ما التزمه لأجل ما يؤدي إليه من المفسدة التي نبه عليها بقوله: (فإنك إذا فعلت ذلك هجمت عيناك)؛ قال المفسرون: أي: غارتا ودخلتا.
قلت: وتحقيقه: هجمت على الضرر دفعة واحدة. فإن الهجم هو: أخذ الشيء بسرعة بغتة. ويحتمل أن يكون معناه: هجمت العين عليه بغلبة النوم لكثرة السَّهر السابق، فينقطع عما التزم، فيدخل في ذمّ من ابتدع رهبانية ولم يرعها، وكما قال له: (يا عبد الله! لا تكن مثل فلان؛ كان يقوم الليل، فترك قيام الليل).
стр. 1474
فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلتَ ذَلِكَ هَجَمَت عَينَاكَ وَنَفِهَت نَفسُكَ، فَإِنَّ لِعَينِكَ حَظًّا، وَلِنَفسِكَ حَظًّا، وَلِأَهلِكَ حَظًّا، فَصُم وَأَفطِر، وَصَلِّ وَنَم، وَصُم مِن كُلِّ عَشرَةِ أَيَّامٍ يَومًا، وَلَكَ أَجرُ تِسعَةٍ. قَالَ: إِنِّي أَجِدُنِي أَقوَى مِن ذَلِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ! قَالَ: صُم صِيَامَ دَاوُدَ قَالَ: وَكَيفَ كَانَ دَاوُدُ يَصُومُ
ــ
وقوله: (ونفهت نفسك)؛ أي: أعيت (١)، وضعفت عن القيام بذلك، كما قال في لفظ آخر: (نهكت نفسك).
وقوله: (فإن لعينك حظًّا، ولنفسك حظًّا)؛ أي: من الرفق بهما، ومراعاة حقهما، وقد سمى في الرواية الأخرى: الحظ: (حقا)؛ إذ هو بمعناه، وزاد: (فإن لزوجك عليك حقًّا، ولزورك عليك حقًّا)، وفي لفظ آخر: (ولأهلك) مكان (ولزوجك).
وأما حق الزوجة فهو في الوطء، وذلك إذا سرد الصوم، ووالى القيام بالليل منعها بذلك حقها منه.
وأما حق الزور - وهو الزائر والضيف - فهو: القيام بإكرامه، وخدمته، وتأنيسه بالأكل معه.
وأما الأهل فيعني به هنا: الأولاد، والقرابة. وحقهم: هو في الرفق بهم، والإنفاق عليهم، ومؤاكلتهم، وتأنيسهم. وملازمة ما التزم من سرد الصوم، وقيام الليل يؤدي إلى امتناع تلك الحقوق كلها.
ويفيد: الحقوق إذا تعارضت قدم الأولى.
وقوله: (صم من كل عشرة يومًا)؛ هذا في المعنى موافق للرواية التي قال فيها: (صم من كل شهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها)؛ وكذلك قوله في الرواية الأخرى: (صم يومًا ولك أجر ما بقي)، على ما يأتي. وهذا الاختلاف وشبهه من باب النقل بالمعنى.
وقوله: (فصم صوم داود)؛ هكذا جاء في هذه الرواية، سكت فيها عن المراتب التي ثبتت في الرواية الآتية بعد هذا، وذلك أن فيها نقلة من صيام ثلاثة
стр. 1475
يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ ! قَالَ: كَانَ يَصُومُ يَومًا وَيُفطِرُ يَومًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى. قَالَ: مَن لِي بِهَذِهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ ! قَالَ: عَطَاءٌ: فَلَا أَدرِي كَيفَ ذَكَرَ صِيَامَ الأَبَدِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا صَامَ مَن صَامَ الأَبَدَ، لَا صَامَ مَن صَامَ الأَبَدَ.
رواه أحمد (٢/ ١٩٨)، والبخاري (١٩٧٤)، ومسلم (١١٥٩)(١٨٦) وأبو داود (١٣٨٩)، والترمذي (٧٧٠)، والنسائي (٤/ ٢٠٩ و ٢١٥).
ــ
أيام في الشهر إلى أربعة فيها، ومنها إلى صوم يومين وإفطار يومين، ثم منها إلى صوم يوم وإفطار يوم. وهذا محمول على أن النبي ﷺ دَرَّجَه في هذه المراتب هكذا، لكن بعض الرواة سكت عن ذكر بعض المراتب إما نسيانًا، أو اقتصارًا على قدر ما يحتاج إليه في ذلك الوقت، ثم في وقت آخر ذكر الحديث بكماله.
وقوله: (فصم صوم داود؛ فإنه كان أعبد الناس)؛ إنما أحاله على صوم داود، ووصفه: بأنه كان أعبد الناس لقوله تعالى: ﴿وَاذكُر عَبدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال ابن عباس: ﴿الأَيدِ﴾ هنا: القوة على العبادة. و (الأوَّاب): الرجَّاع إلى الله تعالى وإلى عبادته، وتسبيحه.
وقوله: (ولا يفرُّ إذا لاقى)؛ تنبيه على أن صوم يوم، وإفطار يوم لا يضعف ملتزمه، بل يحفظ قوته، ويجد من الصوم مشقته كما قدمناه، وذلك بخلاف سرد الصوم فإنه ينهك البدن والقوة، ويزيل روح الصوم؛ لأنه يعتاده، فلا يبالي به، ولا يجد له معنى.
وقول عبد الله بن عمرو: (من لي بهذه)؛ إشارة إلى استبعاد عدم الفرار، وتمني أن لو كانت له تلك القوة. ومعنى قوله: (من لي بهذا الشيء)؛ أي: من يتكفل لي به؟ أو من يحصله لي؟ .
وقول عطاء: (فلا أدري كيف ذكر صيام الأبد؟ ). هو شكٌّ عرض للراوي، ثم
стр. 1476
[١٠٢٧] وعنه قَالَ: أُخبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يَقُولُ: لَأَقُومَنَّ اللَّيلَ، وَلَأَصُومَنَّ النَّهَارَ مَا عِشتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أنتَ الَّذِي تَقُولُ ذَلِكَ؟ فَقُلتُ لَهُ: قَد قُلتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَإِنَّكَ لَا تَستَطِيعُ ذَلِكَ فَصُم وَأَفطِر وَنَم وَقُم، صُم مِن الشَّهرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشرِ أَمثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثلُ صِيَامِ الدَّهرِ. قَالَ: قُلتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفضَلَ مِن ذَلِكَ قَالَ: صُم يَومًا وَأَفطِر يَومَينِ. قَالَ: قُلتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفضَلَ مِن ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: صُم يَومًا وَأَفطِر يَومًا، وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ، وَهُوَ أَعدَلُ الصِّيَامِ، قَالَ: قُلتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفضَلَ مِن ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا أَفضَلَ مِن ذَلِكَ. قَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عَمرٍو: لَأَن أَكُونَ قَبِلتُ الثَّلَاثَةَ الأَيَّامَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَحَبُّ إِلَيَّ مِن أَهلِي وَمَالِي.
ــ
قال بعد أن عرض له ذلك الشك: (لا صام من صام الأبد)، فأتى بصوم الأبد على هذا اللفظ من غير شك ولا تردد، بل حقق نقله، وحرر لفظه.
وأما الذي تقدم في حديث أبي قتادة: فإنه شك في أي اللفظين قال، فذكرهما، فقال فيه: قال: يا رسول الله! كيف من يصوم الدهر؟ ! قال: (لا صام، ولا أفطر)، أو: (لم يصم، ولم يفطر). وقد تقدم القول على صوم الدهر.
و(الأبد): من أسماء الدهر. والمراد به هنا: سرد الصوم دائمًا، والله تعالى أعلم.
وقوله في صوم داود: (هو أعدل الصيام)؛ من جهة حفظ القوة، ووجدان صوم مشقة العبادة، وإذا كان أعدل في نفسه فهو عند الله أفضل وأحب، ولا صوم فوقه في الفضل، كما جاءت هذه الألفاظ، وهي كلها متقاربة في مدلولها، وهو بلا شك نقل بالمعنى. ومضمون هذه الألفاظ: أن هذا الصوم أعدل في نفسه وأكثر في ثوابه.
وقوله: (لأن أكون قبلت الثلاثة الأيام أحب إلي من أهلي)؛ هذا إنما قاله
стр. 1477
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: فَإِنَّ بِحَسبِكَ أَن تَصُومَ مِن كُلِّ شَهرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قُلتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنِّي أُطِيقُ أَفضَلَ مِن ذَلِكَ. قَالَ: فَإِنَّ لِزَوجِكَ عَلَيكَ حَقًّا وَلِزَورِكَ عَلَيكَ حَقًّا وَلِجَسَدِكَ عَلَيكَ حَقًّا، قَالَ: فَصُم صَومَ دَاوُدَ نَبِيِّ اللَّهِ، فَإِنَّهُ كَانَ أَعبَدَ النَّاسِ قَالَ: قُلتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! وَمَا صَومُ دَاوُدَ؟ قَالَ: كَانَ يَصُومُ يَومًا وَيُفطِرُ يَومًا قَالَ: وَاقرَأ القُرآنَ فِي كُلِّ شَهرٍ، قَالَ: قُلتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنِّي أُطِيقُ أَفضَلَ مِن ذَلِكَ، قَالَ: فَاقرَأهُ فِي كُلِّ عِشرِينَ قَالَ: قُلتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي أُطِيقُ أَفضَلَ مِن ذَلِكَ. قَالَ: فَاقرَأهُ فِي عَشرٍ
ــ
عبد الله لما انتهى من العمر إلى الكبر، الذي كان النبي ﷺ قد أخبره به بقوله: (إنك لا تدري لعله يطول بك عمر)؛ قال: فصرت للذي قال النبي ﷺ . قال: فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة رسول الله ﷺ . وهذا من عبد الله يدل على: أنه كان قد التزم الأفضل مما نقله إليه النبي ﷺ والأكثر إما بحكم التزامه الأول إذ قال: (لأصومن الدهر، ولأقومن الليل ما عشت)، وإما بحكم أنه هو الحال الذي فارق النبي ﷺ عليه، وكره أن ينقص من عمل فارق النبي ﷺ عليه، فلم ير أن يرجع عنه وإن كان قد ضعف عنه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (اقرأ القرآن في كل شهر)، ثم قال بعد ذلك: (فاقرأه في كل عشرين)، ثم قال: (فاقرأه في سبع)؛ هكذا في أكثر روايات مسلم. ووقع في كتاب ابن أبي جعفر (١)، وابن عيسى (٢) زيادة: (قال: فاقرأه في عشر)، وبعد ذلك قال له: (اقرأه في سبع). ومقصود هذه الرواية بيان تجزئة القرآن على ليالي الشهر
стр. 1478
قَالَ: قُلتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنِّي أُطِيقُ أَفضَلَ مِن ذَلِكَ. قَالَ: فَاقرَأهُ فِي سَبعٍ، وَلَا تَزِد عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ لِزَوجِكَ عَلَيكَ حَقًّا. قَالَ: فَشَدَّدتُ، فَشُدِّدَ عَلَيَّ. قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّكَ لَا تَدرِي لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ عُمر قَالَ: فَصِرتُ إِلَى الَّذِي قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا كَبِرتُ وَدِدتُ أَنِّي كُنتُ قَبِلتُ رُخصَةَ النَبِيِّ ﷺ .
زاد في رواية: بَعدُ قَولِهِ ثَلَاثَةَ أَيامٍ: فَإِن بكل حسنة عشر أمثالها، فذلك الدهر كله.
رواه أحمد (٢/ ١٨٨)، والبخاري (٣٤١٨)، ومسلم (١١٥٩) (١٨١ و ١٨٢).
ــ
بالنسبة إلى التخفيف والتثقيل. فالمخفف يقرؤه في كل شهر؛ لا أقل من ذلك، والمثقل لا يزيد على سبع؛ كما قد نهاه عنه، ولم يتعرض الراوي في هذه الرواية لبيان مقدار زمان القيام من الليل، وقد بينه راو آخر في الرواية التي قال فيها: (أحب الصلاة إلى الله صلاة داود: كان يرقد شطر الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه).
وقوله: (فاقرأه في سبع ولا تزد)؛ ذهب إلى منع الزيادة على السبع (١) كثير من العلماء. واختار بعضهم قراءته في ثمان، وكان بعضهم يختم في خمس، وآخر في ست، وبعضهم يختم في كل ليلة. وكأن من لم يمنع الزيادة على السبع حمل قوله: (لا تزد) على أنه من باب الرفق، وخوف الانقطاع، فإن أمن ذلك جاز بناءً على: أن ما كثر من العبادة والخير فهو أحب إلى الله. والأولى ترك الزيادة أخذًا بظاهر المنع، واقتداءً برسول الله ﷺ فلم يرو عنه: أنه ختم القرآن كله في
стр. 1479
[١٠٢٨] وعنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، يَصُومُ نِصفَ الدَّهرِ، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَرقُدُ شَطرَ اللَّيلِ، ثُمَّ يَقُومُ، ثُمَّ يَرقُدُ آخِرَهُ، يَقُومُ ثُلُثَ اللَّيلِ بَعدَ شَطرِهِ.
وَفِي رُوَايَةٍ: كَانَ يَنَامُ نِصفَ اللَّيلِ، وَيَقُومُ ثُلثَهُ، وَيَنَامُ سُدسَهُ.
رواه أحمد (٢/ ١٦٠)، والبخاري (١١٣١)، ومسلم (١١٥٩)(١٩٠)، وأبو داود (٢٤٤٨)، والنسائي (٣/ ٢١٤ - ٢١٥)، وابن ماجه (١٧١٢).
[١٠٢٩] وعنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: صُم يَومًا وَلَكَ أَجرُ مَا بَقِيَ. قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكثَرَ مِن ذَلِكَ، قَالَ: صُم يَومَينِ وَلَكَ أَجرُ مَا بَقِيَ.
ــ
ليلة، ولا في أقل من سبع، وهو أعلم بالمصالح والأجر. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فقد يعطي على القليل ما لا يعطي على الكثير، لا سيما وقد تبينت مصلحة القلة، والمداومة. وآفة الكثرة الانقطاع.
وقوله: (صم يومًا ولك أجر ما بقي)، قال بعضهم: يعني: لك أجر ما بقي من العشر، كما تقدم من قوله: (صم من كل عشرة يومًا، ولك أجر تسعة)، وكذلك قال في قوله: (صم يومين ولك أجر ما بقي)؛ أي: من الشهر.
قلت: وهذا الاعتبار حسن، جار على قياس تضعيف الحسنة بعشر أمثالها، غير أنه يفرغ تضعيف الشهر عند صوم الثلاثة، فيبقى قوله: (صم أربعة أيام ولك أجر ما بقي)، لم يبق له من الشهر شيء فيضاف له عشر من الشهر الآخر، فكأن قوله: (ولك أجر ما بقي)؛ يعني: من أربعين، والله تعالى أعلم.
وقال بعض المتأخرين: إنه يعني بذلك: من الشهر. وعلى هذا يكون صوم الرابع لا أجر فيه. وهو مخالف لقياس تضعيف الحسنة بعشر أمثالها. وما ذكرناه أولى.
стр. 1480
قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكثَرَ مِن ذَلِكَ، قَالَ: صُم ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَكَ أَجرُ مَا بَقِيَ. قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكثَرَ مِن ذَلِكَ. قَالَ: صُم أَربَعَةَ أَيَّامٍ وَلَكَ أَجرُ مَا بَقِيَ. قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكثَرَ مِن ذَلِكَ قَالَ: صُم أَفضَلَ الصِّيَامِ عِندَ اللَّهِ صَومَ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَومًا وَيُفطِرُ يَومًا.
رواه مسلم (١١٥٩)(١٩٢).
* * *
ــ
وقوله ﷺ في فطر يومين وصوم يومين: (وددت أني طُوِّقتُ ذلك) (١)؛ أي: أُقدرت عليه، وذلك أنه ﷺ (٢) كانت عليه حقوق كثيرة لأهله مع كثرتهم، ولضيفانه، وأصحابه، وللناس خاصة وعامة، فكان يتوقع إن التزم ذلك أن يضعف عن تلك الوظائف أو بعضها؛ فيقع خلل في تلك الحقوق، فتمنى أن يقدر على ذلك مع الوفاء بتلك الحقوق. والله تعالى أعلم.
لا يقال: فقد كان قادرًا على الوصال، وهو أشق. ولم يضعف عن القيام بشيء من تلك الحقوق؛ لأنا نقول: لم يكن وصاله دائمًا، وإنما كان في وقت من الأوقات بخلاف ما تمنى، فإنه تمناه دائمًا. ويحتمل: أن هذا كان منه في أوقات مختلفة، ففي وقت: كان يطيق فيواصل، وفي وقت يخاف الضعف فيتمنى حتى يحصل له الحظ الأوفر من قوله: (نية المؤمن خير من عمله) (٣)، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1481
(٢٣) باب فضل صوم ثلاثة أيام من كل شهر وسرر شعبان، وصوم المحرم وستة أيام من شوال
وقد تقدم قوله ﵊: صِيَامُ ثَلَاثَةٍ مِن كُلِّ شَهرٍ صِيَامُ الدَّهرِ.
[١٠٣٠] وعن مُعَاذَةُ العَدَوِيَّةُ، أَنَّهَا سَأَلَت عَائِشَةَ زَوجَ النَّبِيِّ ﷺ أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ مِن كُلِّ شَهرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قَالَت: نَعَم فَقُلتُ لَهَا: مِن أَيِّ أَيَّامِ الشَّهرِ كَانَ يَصُومُ؟ قَالَت: لَم يَكُن يُبَالِي مِن أَيِّ أَيَّامِ الشَّهرِ يَصُومُ.
رواه أحمد (٦/ ١٤٥ و ١٤٦)، ومسلم (١١٦٠)، وأبو داود (٢٤٥٣)، والترمذي (٧٦٣)، وابن ماجه (١٧٠٩).
ــ
(٢٣) ومن باب: فضل صوم ثلاثة أيام
قول عائشة ﵂: (لم يكن يبالي من أي أيام الشهر كان يصوم)؛ تعني: أنه لم يكن يعين لصوم الثلاثة زمانًا مخصوصًا من الشهر يداوم عليه، وإنما كان يصومها مرَّة في أوله، ومرَّة في آخره، ومرَّة في وسطه. وهذا - والله أعلم - لئلا يتخيل متخيِّل وجوبها لو لُوزمت في وقت بعينه، أو ليبين فرق ما بين الواجب والتطوع، فإن الواجبات في الغالب معينة بأوقات، أو ذلك بحسب تمكنه، والله تعالى أعلم. غير أنه قد جاء في حديث صحيح ذكره النسائي من حديث جرير بن عبد الله: تخصيص أيام البيض بالذكر المعين؛ فقال ﷺ : (صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر؛ أيام البيض صبيحة ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس
стр. 1482
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عشرة) (١). روينا هذا اللفظ عن متقني مشايخنا؛ برفع (أيام) و (صبيحة) على إضمار المبتدأ، كأنه قال: هي أيام البيض، عائدًا على ثلاثة أيام، و (صبيحة) يرتفع على البدل من (أيام). وأما الخُفّض فيهما: فعلى البدل من (أيام) المتقدمة. هذا أولى ما يوجه في إعرابها.
وعلى التقديرين: فهذا الحديث مفيد لمطلق الثلاثة الأيام التي صومها كصوم الدهر، على أنه يحتمل أن يكون النبي ﷺ عين هذه الأيام لأنها وسط الشهر وأعدله، كما قال: (خير الأمور أوساطها) (٢).
وعلى هذا يدل قوله ﷺ : (هل صمت من سُرَّة هذا الشهر شيئًا)؛ على ما يأتي إن شاء الله.
وقد اختلف في أي أيام الشهر أفضل للصوم؟ فقالت جماعة من الصحابة والتابعين؛ منهم: ابن عمر، وابن مسعود، وأبو ذر: أن صوم أيام البيض أفضل؛ تمسكًا بالحديث المتقدم. وقال آخرون؛ منهم: النخعي: آخر الشهر أفضل. وقالت فرقة ثالثة: أول الشهر أفضل؛ منهم: الحسن. وذهب آخرون: إلى أن الأفضل صيام أول يوم من السبت والأحد والإثنين في شهر، ثم الثلاثاء والأربعاء والخميس؛ منهم عائشة. واختار آخرون الإثنين والخميس. وفي حديث ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان يصوم ثلاثة من كل شهر: أول إثنين، والخميس الذي بعده، والخميس الذي يليه (٣). وعن أم سلمة: أول خميس، والإثنين، والإثنين (٤). واختار بعضهم: صيام أول يوم من الشهر، ويوم العاشر، ويوم العشرين. وبه قال أبو الدرداء. ويروى أنه كان صيام مالك. واختاره ابن شعبان. وقد روي عن مالك كراهة تعمد صيام أيام البيض، وقال: ما هذا ببلدنا. والمعروف من مذهبه كراهة
стр. 1483
[١٠٣١] وَعَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: هَل صُمتَ مِن سُرَرِ هَذَا الشَّهرِ شَيئًا؟ وَفِي رِوَايَةٍ: من سرر شعبان قَالَ:
ــ
تعيين أيام مخصوصة للنفل، وأن يجعل الرجل لنفسه يومًا، أو شهرًا يلتزمه.
والحاصل: أن ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدَّهر حيث صامها، وفي أي وقت أوقعها. واختلاف الأحاديث في هذا عن النبي ﷺ تدل على أن النبي ﷺ لم يكن يرتب على زمان بعينه من الشهر، كما قالته عائشة ﵂، وأن كل ذلك قد فعله النبي ﷺ . ويرحم الله مالكًا لقد فهم وغنم.
وقوله ﷺ للرجل: (هل صمت من سرر شعبان شيئًا؟ ) المعروف عند اللغويين وغيرهم: أن سرار الشهر: آخره. يقال: سَرَاره، وسَرَرُه، وسره وهو حين يستسرُّ الهلال. وقال أبو داود عن الأوزاعي: سره: أوله. وقيل: وسطه.
قال ابن السكيت: سرار الأرض: أكرمها وأوسطها. وسرار كل شيء: وسطه وأفضله.
قال القاضي عياض: وقد يكون سرر الشهر من هذا؛ أي: أفضل أيامه، كما جاء في حديث جرير في ذكر الأيام البيض كما تقدم.
قلت: فإن حملنا السرار في هذا الحديث على أول الشهر لم يكن فيه إشكال، وإن حملناه على آخر الشهر عارضه قوله ﷺ : (لا تقدموا رمضان بصوم يوم، ولا يومين) (١). ويرتفع ما يتوهم من المعارضة بأن يحمل النهي على من لم تكن له عادة بصوم شيء من شعبان فيصومه لأجل رمضان، وأما من كانت له عادة أن يصوم (٢)، فليستمر على عادته. وقد جاء هذا أيضًا في بقية الخبر، فإنه قال: (إلا أن يكون أحدكم يصوم صومًا فليصمه)، كما تقدم.
стр. 1484
لَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَإِذَا أَفطَرتَ مِن رَمَضَانَ فَصُم يَومَينِ مَكَانَهُ.
رواه أحمد (٤/ ٤٤٣ - ٤٤٤)، ومسلم (١١٦١) (١٩٩ و ٢٠٠)، وأبو داود (٢٣٢٨).
[١٠٣٢] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَفضَلُ الصِّيَامِ بَعدَ رَمَضَانَ شَهرُ اللَّهِ المُحَرَّمُ، وَأَفضَلُ الصَّلَاةِ بَعدَ الفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيلِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: الصَّلَاةُ فِي جَوفِ اللَّيلِ.
رواه أحمد (٢/ ٣٤٤)، ومسلم (١١٦٣)(٢٠٢)، وأبو داود (٢٤٢٩)، والترمذي (٤٣٨)، والنسائي (٣/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، وابن ماجه (١٧٤٢).
ــ
وقوله: (فصم يومين مكانه)؛ هذا منه ﷺ حمل على ملازمة عادة الخير حتى لا تقطع، وحض على ألا يمضي على المكلف مثل شعبان فلم يصم منه شيئًا، فلما فاته صومه، أمره أن يصوم من شوال يومين ليحصل له أجر من الجنس الذي فوَّته على نفسه.
قلت: ويظهر لي: أنه إنما أمره بصوم يومين للمزية التي يختص بها شعبان، فلا بُعد في أن يقال: إن صوم يوم منه كصوم يومين في غيره. ويشهد لهذا: أنه ﷺ كان يصوم منه أكثر مما كان يصوم من غيره، اغتنامًا لمزية فضيلته، والله تعالى أعلم.
وقوله: (أفضل الصيام بعد رمضان صيام شهر الله المحرم)؛ هذا إنما كان - والله تعالى أعلم - من أجل: أن المحرم أول السنة المستأنفة التي لم (١) يجئ بعد رمضانها، فكان استفتاحها بالصوم الذي هو من أفضل الأعمال، والذي أخبر عنه ﷺ : بأنه ضياء. فإذا استفتح سنته بالضياء مشى فيه بقيتها، والله تعالى أعلم.
стр. 1485
[١٠٣٣] وَعَن أَبِي أَيُّوبَ الأَنصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتبَعَهُ سِتًّا مِن شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهرِ.
رواه أحمد (٥/ ٤١٧)، ومسلم (١١٦٤)، وأبو داود (٢٤٣٣)،
والترمذي (٧٥٩)، وابن ماجه (١٧١٦).
* * *
ــ
وقوله ﷺ : (من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر)؛ هذا الحديث خرَّجه النسائي من حديث ثوبان، وقال فيه: قال ﷺ : (صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة بشهرين، فذلك صيام سنة) (١)، وفي رواية أخرى: (الحسنة بعشر، فشهر رمضان بعشرة أشهر، وستة بعد الفطر تمام السَّنة) (٢). وذكره أيضًا أبو عمر بن عبد البر هكذا (٣).
فإن قيل: فيلزم على هذا مساواة الفرض النفل في تضعيف الثواب، وهو خلاف المعلوم من الشرع؛ إذ قد تقرر فيه: أن أفضل ما تقرب به المتقربون إلى الله تعالى ما افترض عليهم. وبيان ذلك: أنه قد تقدم: أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدَّهر؛ أي: السَّنة، وهذه الثلاثة تطوّع بالاتفاق، فقد لزم مساواة الفرض للنفل في الثواب.
والجواب: على تسليم ما ذكر - من أن ثواب الفرض أكثر - أن نقول: إن صيام ثلاثة من كل شهر إنما صار بمنزلة صيام سنة بالتضعيف؛ لأن المباشر من أيامها بالصوم ثلاثة أعشارها، ثم لما جعل كل يوم بمنزلة عشر كملت السنة بالتضعيف. وأما صوم رمضان مع الستة: فيصح أن يقال فيه أنه بمنزلة سنة بوشرت بالصوم أيامها، ثم ضوعفت كل يوم من أيام السَّنة بعشرة، فيضاعف العدد، فصارت هذه السنة بمنزلة
стр. 1486
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عشر سنوات (١) بالتضعيف، وذلك أن السنة ثلاثمائة وستون يومًا، فإذا ضَرَبتَ ثلاثمائة وستين في عشرة صارت ثلاثة آلاف وستمائة.
وإنما صرنا إلى هذا التأويل للحديث الصحيح المتقدم في تفضيل الفرض على غيره، ولما علم من الشرع: أن أجر الثواب على العمل على القرب محدود بعشر، وأما أكثره فليس بمحدود؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ بعد ذكر مراتب التضعيف المذكورة في الآية؛ التي هي: عشر، وسبعون، وسبعمائة، والمضاعفة المطلقة (٢)، وكذا قال ﷺ فيما رواه ابن عباس ﵄: (الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة) (٣)، والله تعالى أعلم (٤).
وقد أخذ بظاهر هذا الحديث - أعني: حديث أبي - جماعة من العلماء، فصاموا هذه الستة إثر يوم الفطر؛ منهم: الشافعي، وأحمد بن حنبل. وكره مالك وغيره ذلك، وقال في موطئه: لم أر أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السَّلف، وأهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته، وأن يُلحق برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالة والجفاء.
قلت: ويظهر من كلام مالك هذا: أن الذي كرهه هو وأهل العلم، الذين أشار إليهم، إنما هو أن توصل تلك الأيام الستة بيوم الفطر، لئلا يظن أهل الجهالة والجفاء أنها بقية من صوم رمضان. وأما إذا باعد بينها وبين يوم الفطر فيبعد ذلك التوهم، وينقطع ذلك التخيل.
ومما يدل على اعتبار هذا المعنى: أن النبي ﷺ قد
стр. 1487
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حمى حماية الزيادة في رمضان من أوله بقوله: (إذا دخل النصف من شعبان فأمسكوا عن الصوم) (١)، وبقوله: (لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم ولا يومين) (٢). وإذا كان هذا في أوله فينبغي أن تحمى الذريعة أيضًا من آخره، فإن توهم الزيادة فيه أيضًا متوقع، فأما صومها متباعدة عن يوم الفطر، بحيث يؤمن ذلك المتوقع فلا يكرهه مالك ولا غيره. وقد روى مُطَرِّف عن مالك: أنه كان يصومها في خاصة نفسه. قال مُطَرِّف: وإنما كره صيامها لئلا يلحق أهل الجهالة ذلك برمضان، فأما من رغب في ذلك لما جاء فيه فلم ينهه.
وقال بعض علمائنا: لو صام هذه الستة في غير شوال لكانت إذا ضُمَّت إلى صوم (٣) رمضان صيام (٤) الدَّهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، كما ذكره في الحديث، وإنما خصَّ شوال بالذكر لسهولة الصوم فيه؛ إذ كانوا قد تعودوه في رمضان.
وقوله: (ثم أتبعه ستًّا من شوال)؛ ليس فيه دليل على أنها تكون متصلة بيوم الفطر، بل لو أوقعها في وسط شوال، أو آخره، لصلح تناول هذا اللفظ له؛ لأن (ثم) للتراخي، وكل صوم يقع في شوال فهو متبع لرمضان، وإن كان هنالك مهلة. وقد دل على صحة هذا قوله في حديث النسائي: (وستة بعد الفطر)، ولذلك نقول: إن الأجر المذكور حاصل لصائمها؛ مجموعة أوقعها أو مفترقة؛ لأن كل يوم بعشرة مطلقًا، والله تعالى أعلم.
قلت: وحديث أبي أيوب المتقدم، وإن كان قد خرَّجه مسلم ليس بصحيح،
стр. 1488
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهو من جملة الأحاديث الضعيفة الواقعة في كتابه (١)؛ وذلك لأن في إسناده: سعد بن سعيد بن قيس؛ قال فيه النسائي: ليس بالقوي، وغيره يضعفه، كما ذكره الترمذي، وقد انفرد به عن عمر بن ثابت، قال أبو عمر بن عبد البر: أظن أن الشيخ عمر بن ثابت لم يكن عند مالك ممن يعتمد عليه.
وإنما أنَّث (ستًّا)، وكان حقها أن تذكر من حيث: إن الصوم إنما يوقع في الأيام، واليوم مذكر؛ لأنه غلَّب على الأيام الليالي، كما تفعله العرب؛ لأن أول الشهر ليلهِ، وكذلك الصوم: إنما يعزم عليه غالبًا بالليل، وفيه حجة للمالكية في اشتراط نية التبييت في صوم النفل، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1489
(١١) أبواب الاعتكاف وليلة القدر
(١) باب لا اعتكاف إلا في مسجد وبصوم
[١٠٣٤] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعتَكَفَ
ــ
(١١) أبواب الاعتكاف وليلة القدر
الاعتكاف في اللغة: هو ملازمة الشيء والإقامة فيه. ولما كان المعتكف ملازمًا للعمل بطاعة الله مدة اعتكافه؛ لزمه هذا الاسم. وهو في عرف الشرع: ملازمة طاعةٍ مخصوصة، على شرط مخصوص، في موضع مخصوص، على ما يأتي تفصيله.
وأجمع على: أنه ليس بواجب، وهو قربة من القرب، ونافلة من النوافل، عمل بها رسول الله ﷺ وأصحابه وأزواجه، ويكره الدخول فيه لمن يخاف عليه العجز عن الوفاء بحقوقه.
واختلف منه في مسائل:
المسألة الأولى: هل من شرطه الصوم، أم لا؟ فذهب مالك وجمهور العلماء إلى أنه شرط فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُم عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾؛ ولأنه ﷺ لم يعتكف قط إلا وهو صائم. قال مالك: وعلى ذلك: الأمر عندنا. قال أبو إسحاق التونسي: ودليلنا على ذلك: ما رواه سفيان بن حسين عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال: (لا اعتكاف إلا
стр. 1490
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بصوم) (١). قال: ومثله عن علي، وابن عبَّاس، وابن عمر.
قال أبو عمر بن عبد البر: وبه قال عروة بن الزبير، والشعبي، والزهري، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن حَييّ، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، وأحمد، وقال الشافعي: الاعتكاف جائز بغير صيام. وهو قول علي، وابن مسعود، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، وعمر بن عبد العزيز، وابن أبي عَبلَة، وداود.
واختلف فيه عن ابن عباس، وأحمد، وإسحاق.
قلت: والصحيح: الاشتراط؛ لأنه إن صح حديث عائشة فهو نصٌّ فيه، وإن لم يصح وإلا فالأفضل (٢) في العبادات والقرب أنها إنما تفعل على نحو ما قررها الشارع، وعلى ما فعلها، وقد تقررت مشروعية الاعتكاف مع الصوم في قوله: ﴿وَأَنتُم عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾؛ ولأن النبي ﷺ لم يعتكف قط إلا صائمًا، فمن ادعى جوازه من غير صوم دفع إلى إقامة دليل على ذلك (٣).
المسألة الثانية: اشتراط المسجد. وهو شرط في الجملة للرجال والنساء عند الجمهور. وقد شذَّ ابن لبابة من متأخري أصحابنا، فجوَّزه بغير صوم ولا مسجد. وقال الكوفيون: لا يعتكف النساء إلا في بيوتهن. وذهب بعض السَّلف: إلى أنه
стр. 1491
العَشرَ الأَوَّلَ مِن رَمَضَانَ، ثُمَّ اعتَكَفَ العَشرَ الأَوسَطَ فِي قُبَّةٍ تُركِيَّةٍ، عَلَى سُدَّتِهَا حَصِيرٌ، قَالَ: فَأَخَذَ الحَصِيرَ بِيَدِهِ فَنَحَّاهَا فِي نَاحِيَةِ القُبَّةِ، ثُمَّ أَطلَعَ رَأسَهُ فَكَلَّمَ النَّاسَ، فَدَنَوا مِنهُ، فَقَالَ: إِنِّي اعتَكَفتُ العَشرَ الأَوَّلَ أَلتَمِسُ هَذِهِ اللَّيلَةَ، ثُمَّ اعتَكَفتُ العَشرَ الأَوسَطَ، ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لِي إِنَّهَا فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ فَمَن أَحَبَّ مِنكُم أَن يَعتَكِفَ فَليَعتَكِف، فَاعتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ قَالَ: وَإِنِّي أُريتُهَا لَيلَةَ وِترٍ، وَإِنِّي أَسجُدُ صَبِيحَتَهَا فِي طِينٍ وَمَاءٍ. فَأَصبَحَ مِن
ــ
لا يعتكف إلا في أحد المساجد الثلاثة، وذُكر عن حذيفة.
وذهب بعضهم: إلى أنه لا يعتكف، إلا في مسجد تُجَمَّع فيه الجمعة. ورُوي عن مالك من مذهبه: أن ذلك إنما يشترط فيمن أراد أن يعتكف أيامًا تتخللها الجمعة؛ لأنه إن خرج إلى الجمعة بطل اعتكافه.
والصحيح: اشتراط المسجد للرِّجال والنساء لقوله تعالى: ﴿وَأَنتُم عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ ولأن النبي ﷺ وأصحابه لم يعتكفوا إلا في المسجد، رجالهم ونساؤهم.
المسألة الثالثة: قال أئمتنا: الاعتكاف الشرعي هو: ملازمة المسجد ليتفرغ لعبادة الله تعالى مع صوم، إما له وإما لغيره في مدة أقل واجبها يوم وليلة، وأقل مستحبها عشرة أيام ولياليها.
وقد خولف أئمتنا في كثير من هذه القيود على ما يأتي في تضاعيف الكلام على الأحاديث إن شاء الله تعالى.
(١) ومن باب: لا اعتكاف إلا في مسجد وبصوم (١)
قوله: (في قبة تركية على سدتها حصير)، القبة التركية: التي لها باب واحد. والسُّدة: الباب الذي يُسدُّ. وهذه القبة هي المعبَّر عنها في الحديث الآخر: بالبناء. وفي الآخر: بالخيمة.
стр. 1492
لَيلَةِ إِحدَى وَعِشرِينَ، وَقَد قَامَ إِلَى الصُّبحِ فَمَطَرَت السَّمَاءُ فَوَكَفَ المَسجِدُ فَأَبصَرتُ الطِّينَ وَالمَاءَ، فَخَرَجَ حِينَ فَرَغَ مِن صَلَاةِ الصُّبحِ وَجَبِينُهُ وَرَوثَةُ أَنفِهِ فِيهِمَا الطِّينُ وَالمَاءُ، وَإِذَا هِيَ لَيلَةُ إِحدَى وَعِشرِينَ مِن العَشرِ الأَوَاخِر.
رواه مسلم (١١٦٧)(٢١٥)، والنسائي (٣/ ٧٩ - ٨٠).
[١٠٣٥] وعنه قَالَ: اعتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَشرَ الأَوسَطَ مِن رَمَضَانَ، يَلتَمِسُ لَيلَةَ القَدرِ قَبلَ أَن تُبَانَ لَهُ، قال: فَلَمَّا انقَضَينَ أَمَرَ بِالبِنَاءِ فَقُوِّضَ، ثُمَّ أُبِينَت لَهُ أَنَّهَا فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ، فَأَمَرَ بِالبِنَاءِ فَأُعِيدَ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهَا كَانَت أُبِينَت لِي لَيلَةُ القَدرِ، وَإِنِّي خَرَجتُ لِأُخبِرَكُم بِهَا، فَجَاءَ رَجُلَانِ يَحتَقَّانِ، مَعَهُمَا الشَّيطَانُ فَنُسِّيتُهَا، فَالتَمِسُوهَا فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ التَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالخَامِسَةِ قَالَ: قُلتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ إِنَّكُم أَعلَمُ بِالعَدَدِ مِنَّا قَالَ: أَجَل نَحنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنكُم، قَالَ: قُلتُ: مَا التَّاسِعَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالخَامِسَةُ؟ قَالَ: إِذَا مَضَت وَاحِدَةٌ وَعِشرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا ثِنتَانِ وَعِشرِونَ فَهِيَ التَّاسِعَةُ، فَإِذَا مَضَت ثَلَاثٌ وَعِشرُونَ، فَالَّتِي تَلِيهَا السَّابِعَةُ، فَإِذَا مَضَى خَمسٌ وَعِشرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا الخَامِسَةُ.
ــ
و(وكف المسجد): قطر.
و(الرَّوثة): طرف الأرنبة.
و(يلتمس): يطلب.
و(تقويض البناء): هدمه.
و(أبينت): روايتنا فيه من البيان. قال أبو الفرج: وضبطه المحققون: (أثبتت) من الإثبات.
(يحتقان): يطالب كل واحد منها صاحبه بحقه. وقد تقدَّم الكلام في تسمية ليلة القدر في صلاة الليل من كتاب الصلاة.
وقول الرجل لأبي سعيد: (إنكم أعلم بالعدد منَّا)؛ أي: بهذا العدد الذي ذكر، وذلك لأنه محتمل لأن يعتبر بكمال الشهر أو بنقصه، وقد اعتبره أبو سعيد هنا بالباقي على كمال الشهر.
стр. 1493
رواه أحمد (٣/ ١٠)، ومسلم (١١٦٧)(٢١٧)، وأبو داود (١٣٧٣).
* * *
(٢) باب للمعتكف أن يختص بموضع من المسجد فيضرب خيمة ومتى يدخلها، واعتكاف النساء في المسجد وأن المعتكف لا يخرج من معتكفه إلا لحاجته الضرورية
[١٠٣٦] عَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَن يَعتَكِفَ صَلَّى الفَجرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعتَكَفَهُ،
ــ
(٢) ومن باب: للمعتكف أن يختص بموضع من المسجد
قول عائشة: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل في معتكفه)؛ أخذ بظاهره الأوزاعي، والثوري، والليث في أحد قوليه. وقال أبو ثور: يفعل هذا من نذر عشرة أيام، فإن زاد عليها فقبل غروب الشمس من الليلة. وقال مالك: لا يدخل اعتكافه إلا قبل غروب الشمس. وقال أحمد، ووافقهما الشافعي وأبو حنيفة، وأبو ثور في الشهر، واختلفوا في الأيام: فقال الشافعي: يدخل فيها قبل طلوع الفجر، وبه قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب في الأيام وفي الشهر. وقال عبد الملك: لا يعتد بذلك اليوم.
وسبب هذا الخلاف هو: هل أول ليلة أيام الاعتكاف داخلة فيها أم لا تدخل؟ وإن اليوم هو المقصود بالاعتكاف، والليل تابع؛ قولان: ومن قال بالأول تأول الحديث المتقدم، على أن معناه: أنه كان إذا صلَّى الصبح في الليلة التي دخل من أولها في اعتكافه، دخل قبة
стр. 1494
وَأنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ، أَرَادَ الِاعتِكَافَ فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ فَأَمَرَت زَينَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ، وَأَمَرَ غَيرُهَا مِن أَزوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الفَجرَ نَظَرَ فَإِذَا الأَخبِيَةُ فَقَالَ:
ــ
اعتكافه التي ينزوي فيها نهاره، لا أن وقت دخوله قُبَّته كان أول اعتكافه، والله تعالى أعلم.
وقولها: (وإنه أمر بخبائه فضرب)؛ هذا إنما كان قبل أن يشرع في الاعتكاف، بدليل قولها: (أراد الاعتكاف في العشر الأواخر)؛ ففي كلامها هذا تقديم وتأخير، فإن أول ما فعل لما أراد الاعتكاف ضرب له الخباء، ثم إن أزواجه لما رأين عزمه على الاعتكاف، وأخذه فيه؛ شرعن فيه رغبة منهن في الاقتداء به، وفي تحصيل الأجر، غير أنهن لم يستأذنه، فلذلك أنكر عليهن، ويحتمل أن يكون إنكاره لأوجه أخر:
منها: أن يكون خاف أن يكون الحامل لهن على الاعتكاف غيرتهن عليه، وحرصهن على القرب منه.
ومنها: أن يكون كره لهن ملازمتهن المسجد مع الرِّجال، أو يكن ضيقن المسجد على الناس بأخبيتهن، أو يؤدي مكثهن في المسجد إلى أن يطلع عليهن المنافقون لكثرة خروجهن لحاجتهن، أو يؤدي ذلك إلى أن تنكشف منهن عورة، أو يؤدي ذلك إلى تضييع حقوق النبي ﷺ وحوائجه في بيوتهن.
وكل هذه الاحتمالات مناسبة، وبعضها أقرب من بعض، ولا يبعد أن يكون مجموعها هو المراعى عنده، أو شيء آخر لم يُطَّلع عليه، والله تعالى أعلم.
وأما استئذان المرأة زوجها في الاعتكاف المتطوع به، فلا بدَّ منه عند العلماء للذي تقدم في استئذانها إيَّاه في الصوم، وللزوج أن يمنعها منه ما لم يكن نذرًا معينًا، فلو كان مطلقًا، فله أن يمنعها من وقت إلى وقت ما لم تخف الفوت. وكذلك العبد والأمة.
стр. 1495
آلبِرَّ تُرِدنَ فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ، وَتَرَكَ الِاعتِكَافَ فِي شَهرِ رَمَضَانَ حَتَّى اعتَكَفَ فِي العَشرِ الأَوَّلِ مِن شَوَّالٍ.
رواه أحمد (٦/ ٨٤)، والبخاري (٢٠٣٣)، ومسلم (١١٧٢)(٦).
[١٠٣٧] وعنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان.
رواه أحمد (٦/ ٨١)، والبخاري (٢٠٢٩)، ومسلم (٢٩٧)(٦)، وأبو داود (٢٤٦٨)، والنسائي (١/ ١٩٣)، وابن ماجه (١٧٧٦).
* * *
ــ
وقوله: (آلبِرَ تُرِدنَ؟ ) بهمزة الاستفهام، ومده على جهة الإنكار، ونصب (البر) على أنه مفعول (تردن) مقدمًا.
وأمره ﷺ بتقويض خبائه، وتركه الاعتكاف؛ إنما كان ذلك - والله أعلم - قبل أن يدخل في الاعتكاف، وهو الظاهر من مساق الحديث، فلا يكون فيه حجة لمن يقول: إن من دخل في تطوع جاز له أن يخرج منه، وإنه إنما كان عزم عليه، وأراده، لا أنه دخل فيه.
وتركه ﷺ الاعتكاف في ذلك العشر الذي كان قد عزم على اعتكافه: إنما كان مواساة لأزواجه، وتطييبًا لقلوبهن، وتحسينًا لعشرتهن، أو لعله توقع من تماديه على الاعتكاف ظن أنه هو المخصوص بالاعتكاف دونهن.
وكونه اعتكف في شوال يدل: على أن الاعتكاف ليس مخصوصًا برمضان، ولا يقال فيه ما يدل على قضاء التطوع؛ لأنا لا نسلم أنه قضاء، بل هو ابتداء؛ إذ لم يجب عليه لا بالأصل، ولا بالنذر، ولا بالدخول فيه؛ إذ لم يكن دخل فيه بعد.
كيف ومعقولية القضاء إنما تتحقق فيما اشتغلت الذمة به، فإذا لم يكن شُغل ذمةٍ، فأي شيء يقضي؟ غاية ما في الباب: أنه ابتدأ عبادة هي من نوع ما فاته.
стр. 1496
(٣) باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان
[١٠٣٨] عَن ابنِ عُمَرَ أَنَّ رسول الله ﷺ كَانَ يَعتَكِفُ العَشرِ الأَوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ.
قال نافع: وقد أراني عبد الله المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله ﷺ من المسجد.
رواه البخاري (٢٠٢٥)، ومسلم (١١٧١)(٢)، وأبو داود (٢٤٦٥)، وابن ماجه (١٧٧٣).
ــ
(٣) ومن باب: اعتكاف العشر الأواخر من رمضان (١)
قول نافع: (وقد أراني عبد الله المكان الذي كان رسول الله ﷺ يعتكف فيه)؛ يعني: الموضع الذي كان اختصه لنفسه؛ الذي كانت عليه القبة التركية، ومع أنه اختص بموضع من المسجد فهو كان الإمام في حال اعتكافه، فكان يصلِّي بهم في موضعه المعتاد، ثم يرجع إلى معتكفه بعد انقضاء صلاته.
وتحصل منه: جواز إمامة المعتكف، وقد منعها سحنون في أحد قوليه في الفرض والنفل. والجمهور على جواز ذلك.
واختلف من هذا الباب في مسائل:
منها: أذان المعتكف، منعه مالك مرة وأجازه أخرى. والكافة على جوازه، وهذا في المنار. أما في غيره فلا خلاف في جوازه، فيما أعلم.
وأما خروجه لعيادة المرضى، أو لصلاة على جنازة: فمنع ذلك مالك، وكافتهم، وأجازه الحسن، والنخعي، وغيرهما. وأجاز إسحاق، والشافعي اشتراط ذلك عند دخوله في التطوع لا النذر. واختلف فيه قول أحمد. ومنع ذلك مالك وغيره.
стр. 1497
[١٠٣٩] وَعَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعتَكِفُ العَشرَ الأَوَاخِرَ مِن رَمَضَانَ حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده.
ــ
ومنع مالك اشتغاله في المسجد بسماع علم، وكتابته، أو بالأمور المباحة كالعمل في الخياطة وشبه ذلك، إلا فيما خفَّ من هذا كله.
وأباح له الشافعي وأبو حنيفة الشغل في المسجد بما يباح من ذلك كله، أو يرغب فيه من طلب العلم.
وأما خروج المعتكف من المسجد فلا يجوز إلا لقضاء حاجته، أو شراء طعام، أو شراب مما يحتاج إليه ولم يجد من يكفيه ذلك؛ لقول عائشة: (كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان)؛ تعني به: الحدث. ويلحق به ما يكون محتاجًا إليه كشراء طعام وشراب على ما تقدم.
وإدامته ﷺ الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان؛ إنما كان لما أبين له: أن ليلة القدر فيه، وإلا فقد اعتكف في العشر الأول وفي الوسط على ما تقدَّم من حديث أبي سعيد.
ثم من اعتكف في العشر الأواخر من رمضان؛ فهل يبيت ليلة الفطر في معتكفه ولا يخرج منه إلا إذا خرج لصلاة العيد؛ فيصلي، وحينئذ يرجع إلى منزله؟ أو يجوز له أن يخرج عند غروب الشمس من آخر يوم رمضان؟ قولان للعلماء؛ والأول هو قول مالك، وأحمد بن حنبل، وغيرهما. وهو محكي عن السَّلف.
واختلف أصحاب مالك إذا لم يفعل؛ هل يبطل اعتكافه؟ أم لا يبطل؟ قولان. وذهب الشافعي، والليث، والأوزاعي، والزهري في آخرين: إلى أنه يجوز خروجه ليلة الفطر، ولا يلزمه شيء مما قاله مالك.
وظاهر مذهب مالك: أن ذلك على وجه الاستحباب؛ لأن بعض السَّلف فعله، ولأنه قد روي عن النبي ﷺ .
وكون أزواجه اعتكفن بعده حجة على من منع اعتكاف النساء في المسجد، فإنهن إنما اعتكفن على نحو ما كان النبي ﷺ يعتكف؛ لأن الراوي عنهن
стр. 1498
رواه البخاري (٢٠٢٦)، ومسلم (١١٧٢)(٥)، وأبو داود (٢٤٦٢)، والترمذي (٧٩٠)، والنسائي (٢/ ٤٤).
[١٠٤٠] وعنها قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ العَشرُ أَحيَا اللَّيلَ وَأَيقَظَ أَهلَهُ وَجَدَّ وَشَدَّ المِئزَرَ.
رواه أحمد (٦/ ٤٠ - ٤١)، والبخاري (٢٠٢٤)، ومسلم (١١٧٤)، وأبو داود (١٣٧٦)، والنسائي (٣/ ٢١٧ - ٢١٨)، وابن ماجه (١٧٦٨).
* * *
ــ
ساق اعتكاف النبي ﷺ واعتكافهن مساقًا واحدًا، ولو خالفنه في المسجد لذكره، وكان يقول: غير أن ذلك في بيوتهن.
وقول عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ إذا دخل العشر أحيا الليل)؛ أي: بالصلاة، و (أيقظ أهله) لذلك. وفيه: حث الأهل على القيام للنوافل، وحملهم على تحصيل الخير والثواب. ويفهم منه تأكيد القيام في هذا العشر على غيره.
و(جدَّ)؛ أي: اجتهد. و (شدَّ المِئزَر)؛ أي: امتنع عن النساء. وهذا أولى من قول من قال: إنه كناية عن الجد والاجتهاد؛ لأنه قد ذكر ذلك، فحمل هذا على فائدة مستجدة أولى.
وقد ذهب بعض أئمتنا: إلى أنه عبارة عن الاعتكاف. وفيه بُعد؛ لقولها: أيقظ أهله. وهذا يدل على أنه كان معهم في البيت، وهو كان في حال اعتكافه في المسجد، وما كان يخرج منه إلا لحاجة الإنسان، على أنه يصح أن يوقظهن من موضعه من باب الخوخة التي كانت له إلى بيته في المسجد، والله أعلم.
فإن حملناه على الاعتكاف فهم منه: أن المعتكف لا يجوز له أن يقرب النساء بمباشرة، ولا استمتاع فما فوقهما، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُم عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ فإن وقع منه الجماع فسد اعتكافه ليلاً كان أو نهارًا بالإجماع.
ثم: هل عليه كفارة؟ فالجمهور: على أن لا.
стр. 1499
(٤) باب الأمر بالتماس ليلة القدر
[١٠٤١] عن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِلَيلَةِ القَدرِ: إِنَّ نَاسًا مِنكُم قَد أُرُوا أَنَّهَا فِي السَّبعِ الأُوَلِ، وَأُرِيَ نَاسٌ مِنكُم أَنَّهَا فِي السَّبعِ الغَوَابِرِ، فَالتَمِسُوهَا فِي العَشرِ الغَوَابِرِ.
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: مَن كَانَ مُلتَمِسَهَا فَليَلتَمِسهَا فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ.
وَفي أخرى: التَمِسُوهَا فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ (يَعنِي: لَيلَةَ القَدرِ) فَإِن ضَعُفَ أَحَدُكُم، أَو عَجَزَ فَلَا يُغلَبَنَّ عَلَى السَّبعِ البَوَاقِي.
رواه أحمد (٢/ ٤٤ و ٧٥)، ومسلم (١١٦٥) (٢٠٨ و ٢٠٩ و ٢١٠).
ــ
وذهب الحسن والزهري: إلى أن عليه ما على المُواقِع أهله في نهار رمضان. ورأى مجاهد: أن يتصدق بدينارين. وأجرى مالك، والشافعي في أحد قوليه؛ الجماع فيما دون الفرج، وجميع التلذذات: من القبلة، والمباشرة مجرى الجماع في الإفساد؛ لعموم قوله: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ ورأى أبو حنيفة وأصحابه: إفساده بالإنزال كيفما كان.
(٤ و ٥ و ٦) ومن باب: الأمر بالتماس ليلة القدر (١)
قوله: (التمسوها)؛ هو أمر على جهة الإرشاد إلى وقتها، وترغيب في اغتنامها، فإنها ليلة عظيمة، تغفر فيها الذنوب، ويُطلع الله تعالى فيها من شاء من ملائكته على ما شاء من مقادير خليقته، على ما سبق به علمه، ولذلك عظمها سبحانه بقوله: ﴿وَمَا أَدرَاكَ مَا لَيلَةُ القَدرِ﴾ إلى آخر السورة، وبقوله:
стр. 1500
[١٠٤٢] وعنه أَنَّ رِجَالاً مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُرُوا لَيلَةَ القَدرِ فِي المَنَامِ فِي السَّبعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرَى رُؤيَاكُم قَد تَوَاطَأَت فِي السَّبعِ الأَوَاخِرِ، فَمَن كَانَ مُتَحَرِّيَهَا، فَليَتَحَرَّهَا فِي السَّبعِ الأَوَاخِرِ.
ــ
تعالى: ﴿حم﴾، ﴿وَالكِتَابِ المُبِينِ﴾، ﴿إِنَّا أَنزَلنَاهُ فِي لَيلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفرَقُ كُلُّ أَمرٍ حَكِيمٍ * أَمرًا مِن عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرسِلِينَ * رَحمَةً مِن رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾
معنى (يفرق): يفصل ويبين. و (حكيم) محكم؛ أي: متقن. و (أمرًا): منصوب على القطع، ويصح بنزع الخافض؛ أي: يفرق بأمر. فلما أسقط الخافض تعدى الفعل فنصب.
واختلف الناس اختلافًا كثيرًا في ليلة القدر: هل كانت مخصوصة بزمن النبي ﷺ ، أو لا؟ فالجمهور: على أنها ليست مخصوصة. ثم اختلفوا: هل هي متنقلة في الأعوام، أوليست متنقلة؟ ثم الذين قالوا: إنها ليست متنقلة اختلفوا في تعيينها، فمن معين ليلة النصف من شعبان. ومن قائل: هي ليلة النصف من رمضان. ومن قائل: هي ليلة سبع عشرة. ومن قائل: هي ليلة تسع عشرة. ثم ما من ليلة من ليالي العشر إلا وقد قال قائل: بأنها ليلة القدر. وقيل: هي آخر ليلة منه. وقيل: هي معينة عند الله تعالى غير معينة عندنا. وهذه الأقوال كلها للسَّلف والعلماء. وسبب اختلافهم اختلاف الأحاديث كما ترى.
قلت: والحاصل من مجموع الأحاديث، ومما استقر عليه أمر رسول الله ﷺ في طلبها: أنها في العشر الأواخر من رمضان، وأنها متنقلة فيه، وبهذا يجتمع شتات الأحاديث المختلفة الواردة في تعيينها. وهو قول مالك، والشافعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وغيرهم على ما حكاه أبو الفضل عياض. فاعتَمِد عليه، وتَمَسَّك به.
وقوله أرى رؤياكم قد تواطأت أي: توافقت، والمواطأة: الموافقة. وقوله فمن كان متحريها، أي: طالبها، مجتهدا فيها.
стр. 1501
رواه أحمد (٢/ ١٧)، والبخاري (١١٥٨)، ومسلم (١١٦٥)(٢٠٥) و (٢٠٧).
* * *
(٥) باب لَيلَةُ القَدرِ لَيلَةُ ثَلَاثُ وَعشرين
[١٠٤٣] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ أُنَيسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أُرِيتُ لَيلَةَ القَدرِ، ثُمَّ أُنسِيتُهَا وَأَرَانِي صُبحَهَا أَسجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ قَالَ: فَمُطِرنَا صبيحتها لَيلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشرِينَ، فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَانصَرَفَ وَإِنَّ أَثَرَ المَاءِ وَالطِّينِ عَلَى جَبهَتِهِ وَأَنفِهِ.
رواه مسلم (١١٦٨).
* * *
ــ
قوله: (أنسيتها)؛ أي: أنسيت تعينها في تلك السنة، ومثل هذا النسيان جائز عليه؛ إذ ليس بتبليغ حكم يجب العمل به. ولعل عدم تعيُّنها أبلغ في الحكمة، وأكمل في تحصيل المصلحة، كما قال: (وعسى أن يكون خيرًا لكم) (١).
ووجه ذلك: أنها إذا لم تعين، أو كانت متنقلة في العشر، حرص الناس على طلبها طول ليال العشر، فحصل لهم أجرها، وأجر قيام العشر كله. وهذا نحو مما جرى في تعين الصلاة الوسطى، وساعة الجمعة، وساعة الليل، - والله أعلم - وقد تقدم الكلام على علامات ليلة القدر في كتاب الصلاة.
стр. 1502
(٦) باب ليلة القدر ليلة سبع وعشرين وما جاء في علاماتها
[١٠٤٤] عن زِرَّ بنَ حُبَيشٍ، قَالَ: سَأَلتُ أُبَيَّ بنَ كَعبٍ، فَقُلتُ: إِنَّ أَخَاكَ ابنَ مَسعُودٍ يَقُولُ: مَن يَقُم الحَولَ يُصِب لَيلَةَ القَدرِ. فَقَالَ: ﵀! أَرَادَ أَن لَا يَتَّكِلَ النَّاسُ، أَمَا إِنَّهُ قَد عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ، وَأَنَّهَا لَيلَةُ سَبعٍ وَعِشرِينَ، ثُمَّ حَلَفَ لَا يَستَثنِي أَنَّهَا لَيلَةُ سَبعٍ وَعِشرِينَ، فَقُلتُ: بِأَيِّ شَيءٍ تَقُولُ: ذَلِكَ يَا أَبَا المُنذِرِ؟ قَالَ: بِالعَلَامَةِ، أَو بِالآيَةِ الَّتِي أَخبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهَا تَطلُعُ يَومَئِذٍ لَا شُعَاعَ لَها.
رواه مسلم (٧٦٢)(٢٢٠) في الصيام، وأبو داود (١٣٧٨)، والترمذي (٧٩٣).
[١٠٤٥] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: تَذَاكَرنَا لَيلَةَ القَدرِ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَيُّكُم يَذكُرُ حِينَ طَلَعَ القَمَرُ وَهُوَ مِثلُ شِقِّ جَفنَةٍ.
رواه مسلم (١١٧٠).
[١٠٤٦] عَن عَائِشَةَ قَالَت: مَا رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَائِمًا فِي العَشرِ قَطُّ.
ــ
قول عائشة: (ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا في العشر قط)؛ تعني به: عشر ذي الحجة. ولا يفهم منه: أن صيامه مكروه، بل أعمال الطاعات فيه أفضل منها في غيره؛ بدليل ما رواه الترمذي من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من أيَّام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر)، قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل
стр. 1503
رواه مسلم (١١٧٦)، وأبو داود (٢٤٣٩)، والترمذي (٧٥٦)، وابن ماجه (١٧٢٩)(٩).
* * *
ــ
خرج بنفسه وبماله، فلم يرجع من ذلك بشيء) (١)، قال: هذا حديث حسن صحيح.
وترك النبي ﷺ صومه إنما كان - والله أعلم - لما قالته عائشة ﵂ في صلاة الضحى: أنه ﷺ كان يدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم (٢).
ويحتمل أن يكون ﷺ لم يوافق عشرًا خاليًا عن مانع يمنعه من الصيام فيه، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1504
(١٢) كتاب الحج
(١) باب ما يجتنبه المحرم من اللباس والطيب
[١٠٤٧] عَن ابنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا يَلبَسُ المُحرِمُ مِن الثِّيَابِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَلبَسُوا القُمُصَ وَلَا العَمَائِمَ
ــ
(١٢) كتاب الحج
قد تقدَّم الكلام على الحج من حيث اللغة والعُرف في أول كتاب الإيمان، واختلف في زمان فرض الحج؛ فقيل: سنة خمس من الهجرة. وقيل: سنة تسع، وهو الصحيح؛ لأن فتح مكة كان في التاسع عشر من رمضان سنة ثماني سنين من الهجرة، وحجُّ بالناس في تلك السنة عتَّاب بن أسيد، ووقف بالمسلمين، ووقف المشركون على ما كانوا يفعلون في الجاهلية، فلما كانت سنة تسع فرض الحج، ثم إن النبي ﷺ أمر أبا بكر فحجَّ بالناس تلك السنة، ثم أتبعه علي بن أبي طالب بسورة براءة، فقرأها على الناس في الموسم، ونبذ للناس عهدهم، ونادى في الناس: ألَاّ يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان. ووافقت حجة أبي بكر في تلك السنة أن كانت في شهر ذي القعدة؛ على ما كانوا يديرون الحج في كل شهر من شهور السنة، فلما كانت سنة عشر حجَّ رسول الله ﷺ حجَّته المسماة: بحجة الوداع، على ما يأتي في حديث جابر وغيره. ووافق النبي ﷺ تلك السنة أن وقع الحج في ذي الحجة، في زمانه ووقته الأصلي الذي فرضه الله
стр. 1505
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيه، ولذلك قال ﷺ : (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض) (١)، وسيأتي لهذا مزيد بيان.
وأجمع المسلمون على وجوب الحج في الجملة، وأنه مرَّة في العمر. ولوجوبه شروط؛ وهي: العقل، والبلوغ، والاستطاعة، على ما يأتي تفصيلها. وهذه الشروط هي المتفق عليها، فأما الإسلام فقد اختلف العلماء فيه: هل هو من شروط الوجوب؟ أو من شروط الأداء؟ وأما الحرية: فالجمهور على اشتراطها في الوجوب، وفيها خلاف.
واختلف أصحابُ مالك، والشافعي في وجوب الحج: هل هو على الفور، أو على التراخي، فذهب العراقيون من أصحابنا: إلى أنه على الفور. وهو قول المزني، وأبي يوسف. وذهب أكثر المغاربة، وبعض العراقيين: إلى أنه على التراخي. وهو قول محمد بن الحسن. وكلهم اتفقوا: على أنه يجوز تأخيره السنة والسنتين.
وسبب الخلاف اختلافهم في مطلق الأمر؛ هل يقتضي الفور، أو لا يقتضيه؟ وهذا الأصل تنكشف حقيقته في علم الأصول. وأيضًا: فإن رسول الله ﷺ أخَّر الحج سنة بعد إيجابه؛ كما قدمنا.
(١) ومن باب: ما يجتنبه المحرم من اللباس
قوله وقد سُئل عما يَلبسه المُحرِم من الثياب -: (لا تلبسوا القمص. . .) الحديث؛ إنما أجاب ﷺ بما لا يُلبَس، وإن كان قد سُئل عما يَلبس؛ لأن لا يَلبَس المُحرِم منحصر، وما يَلبَسه غير منحصر، فعدل إلى المنحصر فأجابه به، وقد أجمع المسلمون على أن ما ذكره في هذا الحديث لا يلبسه المحرم مع الرفاهية والإمكان، وقد نبَّه ﷺ في هذا الحديث بالقميص والسراويل: على كل مخيط، وبالعمائم والبَرَانِس: على كل ما يغطي الرأس؛ مخيطًا كان أو غيره، وبالخفاف:
стр. 1506
وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا البَرَانِسَ، وَلَا الخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ النَّعلَينِ فَليَلبَس خُفَّينِ، وَليَقطَعهُمَا أَسفَلَ مِن الكَعبَينِ، وَلَا تَلبَسُوا مِن الثِّيَابِ شَيئًا مَسَّهُ الزَّعفَرَانُ، وَلَا الوَرسُ.
رواه أحمد (٢/ ٣ و ٤٧)، والبخاري (١٣٣)، ومسلم (١١٧٧)(١)، وأبو داود (١٧٣٧)، والترمذي (٨٣١)، والنسائي (٥/ ٢٢)، وابن ماجه (٢٩١٤).
ــ
على كل ما يستر الرِّجل مما يلبس عليها، وإنَّ لباس هذه الأمور جائز في غير الإحرام.
وقوله: (إلا أحدٌ لا يجد النعلين فليلبس الخُفّين، وليقطعهما أسفل من الكعبين)؛ هذا الحديث ردٌّ على من قال: إن المحرم لا يقطع الخفين لأنه إضاعة مال، وهذا مِن هذا القائل حكم بالعموم على الخصوص، وهو عكس ما يجب؛ إذ هو: إعمال المرجوح وإسقاط الرَّاجح، وهو فاسد بالإجماع، ثم من قال بإباحة قطع الخُفّ، فإذا لبسه فهل تلزمه فدية، أم لا تلزمه؟ قولان:
الأول: لأبي حنيفة. والثاني: لمالك، وهو الأولى؛ لأنه لو لزمته لبيَّنه النبي ﷺ للسَّائل حين سأله؛ إذ ذاك محل البيان ووقته، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة بالإجماع، وأيضًا فحينئذ يكون قطع الخُفّ لا معنى له؛ إذ الفدية ملازمة بلباسه غير مقطوع، فأما لو لبس الخُفّين المقطوعين مع وجود النعل للزمه الفدية بلبسهما، فإنه إنما أباح الشارع له لباسهما مقطوعين بشرط عدم النعلين، فلِبسُهُما كذلك غير جائز، هذا قول مالك، واختلف فيه قول الشافعي.
وقوله: (ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسَّه الزعفران ولا الورس)؛ هذا مما أجمعت الأمَّة عليه؛ لأن الزَّعفَران والوَرس من الطيب، واستعمالهما ينافي بذاذة الحاجِّ، وشعثه المطلوب منه، وأيضًا فإنهما من مقدمات الوطء ومهيجاته، والمحرم ممنوع من الوطء ومقدماته، ويستوي في المنع منهما: الرِّجال والنِّساء،
стр. 1507
[١٠٤٨] وَعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَخطُبُ يَقُولُ: السَّرَاوِيلُ لِمَن لَا يَجِد الإِزَارَ، وَالخُفَّانِ لِمَن لا يَجِد النَّعلَينِ يَعنِي: المُحرِمَ.
رواه مسلم (١١٧٨)(٤)، وأبو داود (١٨٢٩)، والنسائي (٥/ ١٣٢ - ١٣٣).
[١٠٤٩] وَعَن يَعلَى بن أمية، وقال لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: لَيتَنِي أَرَى
ــ
وعلى لابس ذلك الفدية عند مالك، وأبي حنيفة، ولم يرها الثوري، ولا الشافعي، وإسحاق، وأحمد إذا لبس ذلك ناسيًا، فأما المعصفر فرآه الثوري وأبو حنيفة طيبًا كالمزعفر، ولم يره مالك، ولا الشافعي طيبًا، وكره مالك المقدَّم منه، واختلف عنه: هل على لابسه فدية، أم لا؟ وأجاز مالك سائر الثياب المصبَّغة بغير هذه المذكورات، وكرهها بعضهم لمن يُقتدى به.
وقوله: (السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفان لمن لم يجد النعلين)، قال بظاهره أحمد بن حنبل، فأباح لباس الخُفّ والسَّراويل لمن لم (١) يجد النعلين والإزار غير مقطوعين، والجمهور على أنه لا يلبسهما حتى يقطع الخُفّ، ويفتق السِّراويل، ويصيره كالإزار، فأما لو لبسها كذلك للزمته الفدية، ودليل صحة هذا التأويل: قوله فيما تقدم في الخُفّ: (وليقطعهما أسفل من الكعبين)، والأصل المقرر: حمل المطلق على المقيد، ولا سيما إذا اتحدت القضية، وحكم السراويل في الفتق ملحق بالخُفّ في القطع؛ لمساقهما مقترنين في الحديث، ولاستوائهما في الشرط، ولشهادة المعنى لذلك، وقد تقدم في كتاب الصلاة: أن الورس: نبات أصفر يصبغ به.
стр. 1508
نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حِينَ يُنزَلُ عَلَيهِ، فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بِالجِعرَانَةِ وَعَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثَوبٌ قَد أُظِلَّ بِهِ عَلَيهِ، مَعَهُ فيه نَاسٌ مِن أَصحَابِهِ، فِيهِم عُمَرُ إِذ جَاءَهُ رَجُلٌ عَلَيهِ جُبَّةُ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحرَمَ بِعُمرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعدَ مَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فَنَظَرَ إِلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً ثُمَّ سَكَتَ، فَجَاءَهُ الوَحيُ. فَأَشَارَ عُمَرُ بِيَدِهِ إِلَى يَعلَى بنِ أُمَيَّةَ: تَعَالَ فَجَاءَ يَعلَى فَأَدخَلَ رَأسَهُ فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ مُحمَرُّ الوَجهِ يَغِطُّ سَاعَةً، ثُمَّ سُرِّيَ عَنهُ، فَقَالَ: أَينَ الَّذِي يسَأَلَنِي عَن العُمرَةِ آنِفًا؟ فَالتُمِسَ الرَّجُلُ فَجِيءَ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ
ــ
و(الجعرانة): ميقات من مواقيت العمرة، وفيه لغتان: التشديد في الراء، والكسر في العين، والتخفيف في الراء والإسكان في العين.
و(المتضمخ): المتدهن بالطيب. و (الخلوق): بفتح الخاء: أخلاط من الطيب تجمع بالزعفران. و (الغَطُّ والغَطِيط): هو صوت النفس المتردد الذي يخرج من النائم، وهو البُهرُ الذي كان يغشاه عند معاينة المَلَك، وكانت تلك الحالة أشدُّ الوحي عليه. و (سُرِّيَ عنه): كُشِف عنه. و (آنفًا)؛ أي: الساعة. و (يلتمس): يطلب.
وقوله: (أما الطيب فاغسله)؛ دليل على منع المُحرِم من استعمال الطيب في جسده، ووجه هذا المنع أن الطيب داعية من دواعي النكاح - على ما قدمناه -، ولا خلاف في منعه من الطيب بعد تلبسه بالإحرام، واختلف في استعماله قبل الإحرام، واستدامته بعد الإحرام: فمنعه مالك تمسّكًا بهذا الحديث، وأجاز ذلك الشافعي تمسكًا بحديث عائشة؛ قالت: كنت أطيِّب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم (١). وفي أخرى: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله ﷺ وهو محرم (٢)، واعتذر عن الحديث الأول بأن قال: إنما أمره بغسل ما عليه منه
стр. 1509
فَاغسِلهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَمَّا الجُبَّةُ فَانزِعهَا، ثُمَّ اصنَع فِي عُمرَتِكَ مَا تَصنَعُ فِي حَجِّكَ. وقد رواه من طرق، ولم يذكر في شيء منها ثلاث مرات.
ــ
لأن ذلك الطيب كان زعفرانًا، وقد نهى رسول الله ﷺ الرَّجل عن المَّزَعُفُر، وإن لم يكن مُحرِمًا. وهذا التأويل يأباه مساق الحديث، فتأمله. وقد تأول أصحابنا حديث عائشة تأويلات؛ أقربها تأويلان:
أحدهما: أن ذلك الوبيص الذي أبصرته عائشة إنما كان بقايا دهن ذلك الطيب، تعذَّر قلعها، فبقيت بعد أن غُسِلت.
وثانيهما: قاله أبو الفرج من أصحابنا: إن ذلك من خواصه ﷺ ؛ لأن المحرم إنما مُنِع من الطيب لئلا يدعوه إلى الجماع، والنبي ﷺ أملك الناس لإِربِه؛ كما قالت عائشة ﵂، وقد ظهرت خصائصه في باب النكاح كثيرًا.
وقوله: (فاغسله ثلاث مرات)؛ دليل على المبالغة في غسله، حتى يذهب ريحه، وأثره، لا أن ثلاثًا حدٌّ في هذا الباب. ويحتمل: أن ثلاثًا راجع إلى تكرار قوله: (فاغسله)، فكأنه قال: اغسله، اغسله، اغسله. يدل على صحته ما قد روي من عادته ﷺ في كلامه، فإنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا.
وقوله: (وأما الجبة فانزعها)؛ ردٌّ على الشعبي، والنخعي حيث قالا: إن ذلك الثوب يُشق؛ لأنه إذا خلعه من رأسه غطى رأسه، والمحرم ممنوع من تغطية رأسه. وهذا ليس بشيء؛ لأنا لا نسلم أن هذه التغطية منهي عنها؛ لأنه لا ينفك عن المنهي إلا بها، فصار هذا الخَلع مأمورًا به، فلا يكون هو الذي نُهي عنه المحرم. ويجري هذا مجرى من حَلَفَ ألا يلبس ثوبًا هو لابسه، ولا يركب دابَّة هو راكب ا. وأيضًا: فإن هذه التغطية لا ينتفع بها، فلا تكون هي المنهي عنها للمحرم، فإنه إنما نهي عن تغطية ينتفع بها على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
وقوله: (ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك)؛ هذا اللفظ جاء في أكثر
стр. 1510
وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ السائل: إِنِّي أَحرَمتُ بِالعُمرَةِ وَعَلَيَّ هَذَا، وَأَنَا مُتَضَمِّخٌ بِالخَلُوقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا كُنتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ؟ فقَالَ: أَنزِعُ عَنِّي هَذه الثِّيَابَ، وَأَغسِلُ عَنِّي هَذَا الخَلُوقَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : مَا كُنتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ فَاصنَعهُ فِي عُمرَتِكَ.
رواه أحمد (٤/ ٢٢٢)، والبخاري (١٥٣٦)، ومسلم (١١٨٠)، وأبو داود (١٨١٩)، والترمذي (٨٣٦)، والنسائي (٥/ ١٣٠ و ١٣٢).
* * *
ــ
الروايات غير مبين المراد، ناقصًا، مقلوبًا. وقد تَخَبَّط فيه كثير ممن تأوَّله على انفراده. والذي يوضح المراد منه على غايته رواية ابن أبي عمر في الأم؛ وفيها: أن الرجل السَّائل قال للنبي ﷺ : إني أحرمت بالعمرة وعليّ هذا، وأنا مُتَضَمِّخ بالخلوق. فقال له النبي ﷺ : (ما كنت صانعًا في حجك؟ ) قال: أنزع عني هذه الثياب، وأغسل عني هذا الخلوق. فقال له النبي ﷺ : (ما كنت صانعًا في حجك، فاصنعه في عمرتك) (١). وهذا سياق حسن. ومعنى واضح، تلخيصه: أن الرجل كان يعرف: أن المحرم بالحج يجتنب المخيط، والطيب. وظن: أن حكم المحرم بالعمرة ليس كذلك، فلبس، وتطيب، ثم أحرم وهو كذلك، ثم وقع في نفسه من ذلك شيء، فسأل النبي ﷺ عن ذلك؛ فقال له: (ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عمرتك)؛ يعني: من اجتناب ما كنت تَجتَنِبُه فيه. وهذا معنى واضح، ومساق حسن للحديث، فَليُغتَبَط به. وقد يستدل به للشافعي على قوله: إنه لا فدية على المتضمخ المحرم، ولا على اللابس؛ إذ لم يرو في طريقٍ من طرق هذا الحديث: أنه ﷺ أمره بفدية. وقد اعتذر من يُلزِمه الفدية على ذلك عن هذا الحديث، وهو أبو حنيفة، فإنه يُلزمها إياه مطلقًا. ومالك، وهو يلزمها إياه إذا انتفع بذلك،