أَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيهِم خَمسَ صَلَوَاتٍ فِي يَومِهِم وَلَيلَتِهِم، فَإِذَا فَعَلُوا،
ــ
الواجباتِ التلفُّظُ بكلمتَيِ الشهادةِ، مُصَدِّقًا بها.
وقد اختلف المتكلِّمون في أوَّل الواجبات على أقوالٍ كثيرةٍ، منها ما يَشنُعُ ذكره، ومنها ما ظَهَرَ ضعفه، والذي عليه أئمَّةُ الفتوى، وبهم يُقتَدَى كمالكٍ، والشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، وأحمدَ بن حنبل، وغيرِهِم من أئمَّةِ السلف: أنَّ أوَّلَ الواجباتِ على المكلَّف: الإيمانُ التصديقيُّ الجَزمِيُّ الذي لا رَيبَ معه بالله تعالى ورسلِهِ وكُتُبِه، وما جاءت به الرسلُ، على ما تقرَّرَ في حديثِ جبريلَ، كيفما حصَلَ ذلك الإيمان، وبأيِّ (١) طريقٍ إليه تُوُصِّلَ، وأما النطقُ باللسان: فمُظهِرٌ لما استَقَرَّ في القلب من الإيمان، وسَبَبٌ ظاهرٌ تترتَّبُ عليه أحكامُ الإسلام. وتفصيلُ ما أجملناه يستدعي تفصيلاً وتطويلاً يُخرِجُ عن المقصود، ولعلَّنَا بِعَونِ الله تعالى نكتُبُ في هذه المسألة جزءًا؛ فإنها حَرِيَّةٌ بذلك.
وقد احتَجَّ بهذا الحديث مَن قال بأنَّ الكفَّارَ ليسوا مخاطَبِينَ بفروع الشريعة؛ وهو أحدُ القولَينِ لأصحابنا وغيرِهم؛ من حيثُ إنّهُ ﵊ إنما خاطبهم بالتوحيد أوَّلاً، فلمَّا التزموا ذلك خاطبهم بالفروع التي هي الصلاةُ والزكاة، وهذا لا حجة فيه؛ لوجهين:
أحدهما: أنّه لم يَنُصَّ النبيُّ ﷺ على أنَّه إنما قدّم الخطابَ بالتوحيد لِمَا ذكروه، بل يَحتَمِلُ ذلك، ويحتملُ أن يقال: إنَّه إنَّما قدَّمه لكونِ الإيمانِ شَرطًا مصحِّحًا للأعمالِ الفروعيَّة، لا للخطابِ بالفروع؛ إذ لا يَصِحُّ فِعلُهَا شرعًا إلا بتقدُّم وجوده، ويصحُّ الخطابُ بالإيمانِ وبالفروعِ معًا في وقتٍ واحد، وإن كانت في الوجودِ متعاقبةً؛ كما بيَّناه في الأصول؛ وهذا الاحتمالُ أظهَرُ مما تمسَّكوا به، ولو لم يكن أظهَرَ، فهو مساو له؛ فيكونُ ذلك الخطابُ مجمَلاً بالنسبةِ إلى هذا الحكم.
وثانيهما: أنَّ النبيَّ ﷺ إنما رتَّب هذه القواعدَ؛ ليبيِّن الأوكَدَ فالأوكد، والأهَمَّ فالأهم؛ كما بيَّنَّاه في حديثِ ابن عمر الذي قبل هذا، والله تعالى أعلم.
стр. 177
فَأَخبِرهُم أَنَّ اللهَ قَد فَرَضَ عَلَيهِم زَكَاةً تُؤخَذُ مِن أَغنِيَائِهِم، وتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِم، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذ مِنهُم وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَموَالِهِم.
ــ
واقتصارُ النبي ﷺ على ذِكرِ القواعد الثلاث؛ لأنَّها كانت هي المتعيِّنَةَ عليهم في ذلك الوقتِ المتأكِّدَ فيه؛ ولا يُظَنُّ أنّ الصومَ والحجَّ لم يكونا فُرِضَا إذ ذاك؛ لأنَّ إرسالَ معاذٍ إلى اليمن كان في سنة تِسعٍ، وقد كان فُرِضَ الحَجُّ، وأما الصوم: ففُرِضَ في السنة الثانية من الهجرة، ومات النبي ﷺ ومعاذٌ باليمن على الصحيح.
وقولُ مَن قال: إنَّ الرواةَ سَكَتُوا عن ذكر الصومِ والحجِّ؛ قولٌ فاسد؛ لأنَّ الحديث قد اشتهر، واعتنى الناسُ بنقله سلفًا وخلفًا؛ فلو ذكر رسولُ الله ﷺ له شيئًا مِن ذلك لَنُقِلَ.
و(قوله: إنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيهِم زَكَاةً تُؤخَذُ مِن أَغنِيَائِهِم، فتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِم) دليلٌ لمالك على أنَّ الزكاةَ لا تجبُ قِسمتها على الأصنافِ المذكورين في الآية، وأنَّه يجوزُ للإمامِ أن يصرفها إلى صِنفٍ (١) واحد من الأصناف المذكورين في الآية (٢)؛ إذا رآه نَظَرًا ومصلحةً دينيَّة، وسيأتي هذا كاملا (٣) في كتاب الزكاة، إن شاء الله تعالى.
وفيه دليلٌ لمن يقول: يدفعها مَن وجبَت عليه للإمامِ العدل، الذي يضعها مواضعها، ولا يجوزُ لمن وجبَت عليه أن يَلِيَ تفرقتَهَا بنفسه إذا أقام الإمامُ من تُدفَعُ إليه، ومن ذلك تفصيلٌ يُعرَفُ في الفروع.
و(قوله: وَإيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَموَالِهِم) أي: خيارَهَا ونفائسَهَا؛ حذَّرَهُ مِن ذلك؛ نظرًا لأربابِ الأموال، ورِفقًا بهم، وكذلك أيضا: لا يأخُذُ مِن شرارِ المال ولا مَعِيبِهِ؛ نظرًا للفقراء؛ فلو طابَت نفسُ رَبِّ المال بشيءٍ من كرائم أمواله؛ جاز
стр. 178
وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، عَن مُعَاذٍ، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: إِنَّكَ تَأتِي قَومًا مِن أهل الكِتَابِ، فَادعُهُم إِلَى شَهَادَةِ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِن هُم أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعلِمهُم أَنَّ اللهَ افتَرَضَ. . . وَذَكَرَ الحَدِيثَ نَحوَهُ، وَزَادَ: وَاتَّقِ دَعوَةَ المَظلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيسَ بَينَهَا وَبَينَ اللهِ حِجَابٌ.
رواه أحمد (١/ ٢٣٣)، والبخاري (١٤٥٨) و (٤٣٤٧) و (٧٣٧١)، ومسلم (١٩)، وأبو داود (١٥٨٤)، والترمذي (٦٢٥)، والنسائي (٥/ ٥٢ و ٥٥)، وابن ماجه (١٧٨٣).
* * *
ــ
للمُصَدِّقِ أخذُهَا منه، ولو أن المُصَدِّقُ رأى أن يَأخُذَ مَعِيبَةً على وجه النظر والمصلحةِ للفقراء جاز.
و(قوله: وَاتَّقِ دَعوَةَ المَظلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيسَ بَينَهَا وَبَينَ اللهِ حِجَابٌ) الروايةُ الصحيحة في فإنَّه بضمير المذكَّر؛ على أن يكونَ ضميرَ الأمر والشأن، ويَحتملُ: أن يعودَ على مذكَّرِ الدعوة؛ فإنَّ الدعوةَ دعاءٌ.
ووقع في بعض النسخ: فإنَّها بهاء التأنيث، وهو عائدٌ على لفظ الدعوة. ويستفادُ منه: تحريمُ الظُّلمِ، وتخويفُ الظالم، الدعاء للمظلوم عليه، والوَعدُ الصِّدقُ بأنَّ الله تعالى يستجيبُ للمظلومِ فيه، غيرَ أنَّهُ قد تعجِّلُ الإجابةَ فيه، وقد يؤخِّرها إملاءً للظالم؛ كما قال ﵊: إِنَّ اللهَ يُملِي للِظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَم يُفلِتهُ (١)، ثُمَّ قرأ: وَكَذَلِكَ أَخذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ، وكما قد رُوِيَ عن النبي ﷺ أنه قال: إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَرفَعُ دَعوَةَ المَظلُومِ عَلَى الغَمَامِ، وَيَقُولُ لَهَا: لَأَنصُرَنَّكِ وَلَو بَعدَ حِينٍ (٢).
стр. 179
(٧) بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ إِلَى أَن يُوَحِّدُوا الله وَيَلتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ
[١٧] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ وَاستُخلِفَ أبو بَكرٍ ﵁ بَعدَهُ، وَكَفَرَ مَن كَفَرَ مِنَ العَرَبِ،
ــ
(٧) ومِن بَابٍ يُقَاتَلُ النَّاسُ إِلَى أَن يُوَحِّدُوا الله، وَيَلتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ
(قوله: وَكَفَرَ مَن كَفَرَ مِنَ العَرَبِ) قال ابنُ إسحاق: لمَّا قُبِضَ رسولُ الله ﷺ ارتدَّتِ العربُ إلَاّ ثلاثةَ مساجدَ: مسجدَ المدينةِ، ومسجدَ مَكَّةَ، ومسجدَ جُؤاثَا.
قال القاضي أبو الفضلِ عِيَاضٌ: كان أهلُ الردَّةِ ثلاثةَ أصناف: فصنفٌ كفَرَ بعد إسلامه، وعاد لجاهليته، واتَّبَعَ مُسَيلِمَة والعَنسِيَّ، وصدَّقَ بهما. وصنفٌ أقرَّ بالإسلام إلا الزكاة فجحدها، وتأوَّلَ بعضُهُم أنَّ ذلك كان خاصًّا للنبيِّ ﷺ ؛ لقولِهِ تعالى: خُذ مِن أَموَالِهِم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُم وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيهِم إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُم وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، وصنفٌ اعترَفَ بوجوبِها، ولكنِ امتنع مِن دفعها إلى أبي بكر، فقال: إنما كان قَبضُهَا للنبيِّ ﷺ خاصَّةً لا لغيره، وفرَّقوا صدقاتِهم بأيديهم، فرأى أبو بَكرٍ والصحابةُ قتالَ جميعِهم، الصِّنفانِ الأَوَّلانِ لِكُفرهم، والثالثُ لامتناعهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: وهذا الصنفُ الثالثُ هم الذين أشكَلَ أمرُهم على عمر، فباحَثَ أبا بكرٍ في ذلك حتَّى ظهَرَ له الحقُّ الذي كان ظاهرًا لأبي بكر، فوافقه على ذلك؛ ولذلك قال: فَوَاللهِ! مَا هو إِلا أَن رَأَيتُ اللهَ قَد شَرَحَ صَدرَ أَبِي بَكرٍ لِلقِتَالِ؛ فَعَرَفتُ أنّهُ الحَقُّ، أي: ظَهَرَ له من الدليل، وحصَلَ له من ثَلَجِ الصدر وانشراحِهِ لذلك، مثلُ الذي حصَلَ لأبي بكر، لأنَّه قلَّده واتَّبَعَهُ بعد ظهور الدليل؛ لأنَّ التقليد لا ينشرحُ به الصدرُ، ولا يُعرَفُ به الحقُّ، ولأنه لا يجوزُ لمجتهدٍ أن
стр. 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يقلِّد مجتهدًا عند تمكُّنِهِ من الاجتهادِ؛ كما بيَّنَّاه في أصول الفقه، ثُمَّ إنَّ أبا بكر قاتَلَ جميعَ المرتدِّين الثلاثة الأصناف (١)، وسَبَى ذراريهم؛ قال القاضي: وحكَمَ فيهم بحكم الناقضين للعهد، فلمَّا تُوُفِّيَ أبو بكرٍ ووَلِيَ عمر رَدَّ عليهم سَبيَهُم، وحكَمَ عليهم (٢) بحكم المرتدِّين، وكان أبو بكر يرى سَبيَ أولاد المرتدِّين؛ وبذلك قال أصبَغُ بن الفَرَجِ (٣) من أصحابنا، وكان عمر يرى أنهم لا يُسبَونَ، ولذلك ردَّ سبيهم؛ وبهذا قال جمهورُ العلماءِ وأئمَّةُ الفتوى.
ويستفاد مِن فعل عمر وحُكمِهِ: أنَّ الإمام المجتِهدَ العدلَ إذا أمَرَ بأمر، أو حكم بحكم، وجبَت موافقتُهُ على الجميع، وإن كان فيهم مَن يرى خلافَ رأيه، بل يجبُ عليه تركُ العمل والفُتيَا بما عنده، وإن اعتقَدَ صِحَّته، فإن عاد الأمرُ إليه، عَمِلَ على رأيه الذي كان يعتقده صوابًا.
ويحصَّل من قضيَّة أبي بكر وعمر: أنَّ سَبيَ أولادِ المرتدِّين لم يكن مُجمَعًا عليه، وأنَّ عمر إنَّما وافق أبا بكرٍ ظاهرًا وباطنًا على قتال الجميعِ لا غيرُ، وأمَّا سبيُ الذراري، فلم يوافقهُ عليه عمرُ باطنًا، لكنَّه تركَ العملَ بما ظهَرَ له والفُتيَا به؛ لِمَا يجبُ عليه مِن طاعة الإمام وموافقتِهِ، فلمَّا وَلِيَ عمل بما كان عنده؛ هذا هو الظاهرُ من حال عمر. ولا يجوزُ أن يقال: إنَّهُ كان قد ظهَرَ له مِن جواز السَّبيِ ما ظهر لأبي بكر، ثمّ تغيَّر اجتهاده؛ لأنّ ذلك يلزمُ منه خرقُ إجماعِ الصحابة السابق؛ فإنَّهم كانوا قد أجمعوا مع أبي بكر على السَّبيِ، وَعَمِلُوا بذلك مِن غير مخالفة ظهرَت من أحد منهم ولا إنكارٍ ظاهرٍ؛ غير أنَّهم منقسمون في ذلك إلى
стр. 181
قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ لأبِي بَكر ﵁: كَيفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَد قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : أُمِرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلهَ إِلا اللهُ، فَمَن قَالَ: لا إِلهَ إِلا اللهُ،
ــ
مَن ظَهَرَ له جوازُ ذلك؛ فسكَتَ لذلك، ومنهم: مَن ظهر له خلافُ ذلك؛ فسكَتَ بحكم ترجيحِ قول الإمام العدل المجتَهِدِ على رأيه، ولوجوبِ اتَّبَاعِ الإمامِ على ما يراه، والعمل به؛ فإذا فُقِدَ ذلك الإمامُ، تعيَّن على ذلك المجتهدِ أن يعمَلَ على ما كان قد ظهر له، لكن بعد تجديد النظر، لا أنّه يعتمدُ على ذلك الرأيِ الأوَّلِ مِن غير إعادة البحث ثانيةً؛ لإمكانِ التغييُّر على ما بَيَّنتُه في عِلم الأصول.
وقد حكى بعضُ الناس: أنّ الإجماع انعقد بعد أبي بكر على أنّ المرتدَّ لا يُسبَى؛ وليس ذلك بصحيح؛ لوجودِ الخلاف في ذلك؛ كما قد حكيناه عن أصبَغَ، ولأنَّه يؤدِّي إلى تناقُضِ الإجماعَينِ، وهو محالٌ؛ كما يُعرَفُ في الأصول. ولمَّا اعتقَدَ بعضُ الأصوليِّين في هذه المسألة إجماعَين متناقَضَين رأى أنَّ المُخَلِّصَ من ذلك: اشتراطُ انقراضِ العَصرِ في صحَّة الإجماع، فلم ينعقد عند هذا القائل فيها إجماعٌ أوَّلاً ولا آخرًا؛ لأنَّ عصر الصحابة لم يكنِ انقرَضَ في زمان عمر.
قال المؤلف - رحمه الله تعالى -: واشتراطُ انقراضِ العصر في دلالة الإجماعِ باطلٌ؛ لأنَّهُ زيادةُ شرطٍ في دلالات الإجماعِ الصحيحِة، من غير أن يَشهَدَ لتلك الزيادةِ عَقلٌ ولا نقل، والصحيحُ من هذه المسألة: أنَّه لا إجماعَ فيها أوَّلاً ولا آخِرًا؛ لإضمارِ الخلاف فيها في عَصرِ أبي بكر، والتصريح به بعده، والله تعالى أعلم.
و(قولُ عمر لأبي بكر: كَيفَ تُقَاتِلُ النَّاس وَقَد قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : أُمِرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلهَ إلا اللهُ)؟ ظاهره: أنَّ مَن نطق بكلمة التوحيد فقط حُكِمَ له بِحُكمِ الإسلام. وهذا الظاهرُ متروكٌ قطعًا؛ إذ لا بدَّ مع ذلك من
стр. 182
فَقَد عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفسَهُ، إِلَاّ بِحَقِّهِ،
ــ
النطقِ بالشهادة بالرسالةِ أو بما يدلُّ عليها، لكنَّهُ سكَتَ عن كلمة الرسالة؛ لدلالة كلمة التوحيد عليها؛ لأنَّهما متلازمان، فهي مرادةٌ قطعًا.
ثُمَّ النطقُ بالشهادتَين يدلُّ على الدخولِ في الدِّينِ والتصديقِ بكلِّ ما تضمَّنه؛ وعلى هذا: فالنطقُ بالكلمةِ الأولى يفيدُ إرادةَ الثانية، كما يقال: قرأتُ: الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ والمرادُ جميعُ السورة. ويدلُّ على صِحَّةِ ما قلناه: الرواياتُ الأُخَرُ التي فيها: أُمِرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ، وفي لفظٍ آخر: أُمِرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ، وَيُؤمِنُوا بِي، وَبِمَا جِئتُ بِهِ. غير أنَّ أبا بكر وعمر لم يَحضر لهما في وقتِ هذه المناظرة غيرُ ذلك اللفظِ الذي ذكراه؛ إذ لو حضر لهما قولُهُ ﵊: أُمِرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ، لارتفَعَ البحثُ بينهما؛ لأنَّ هذا اللفظَ نَصُّ في المطلوب، وأوضَحُ في الدلالة ممَّا استدَلَّ به أبو بكر مِن قوله: لَأُقَاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بَينَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ.
ويعني بهذا أبو بكر - واللهُ أعلَم -: أنَّ الله تعالى قد سوَّى بين الصلاة والزكاة في الوجوب في قولِهِ تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ؛ وفي غيرها، فقد جمَعَ اللهُ تعالى بينهما في الأمر بهما، والصلاةُ المأمورُ بها واجبةٌ قطعًا؛ فالزكاةُ مثلُهَا، فمَن فرَّقَ بينهما قُوتِلَ.
ويمكنُ أَن نشِيرَ بذلك إلى قولِهِ تعالى: فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُم، ودليلُ خطابها: أنَّ مَن لم يفعَل جميعَ ذلك لَم يُخَلَّ سبيلُهُ، فيقاتَلُ إلى أن يُقتَلَ أو يتوبَ، وبهذه الآية وبذلك الحديث استدلَّ الشافعيُّ ومالك ومَن قال بقولهما على قَتلِ تاركِ الصلاة وإن كان معتقدًا لوجوبها؛ على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
و(قوله: فَقَد عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ ونَفسَهُ إِلَاّ بِحَقِّهِ) عصَمَ: منع، وَالعِصمَةُ: المنعُ والاِمتناع، والعِصَامُ: الخيطُ الذي يُشَدُّ به فَمُ القِربةِ، سُمِّيَ بذلك؛ لمنعه الماءَ
стр. 183
وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ، فَقَالَ أبو بَكرٍ ﵁: وَاللهِ! لَأُقَاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بَينَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ؛ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللهِ! لَو مَنَعُونِي عِقَالاً كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ لَقَاتَلتُهُم عَلَى مَنعِهِ، فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: فَوَاللهِ مَا هو إِلَاّ أَن رَأَيتُ اللهَ قَد شَرَحَ صَدرَ أَبِي بَكرٍ لِلقِتَالِ؛ فَعَرَفتُ أَنَّهُ الحَقُّ.
ــ
من السَّيلان، والحقُّ المستثنَى: هو ما بيَّنه ﷺ في الحديث الآخر بقوله: زنًى بَعدَ إِحصَانٍ، أو كُفرٌ بَعدَ إِيمَانٍ، أو قَتلُ النَّفسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ (١)، وسيأتي ذكره في الحدود.
و(قوله: وَحِسَابُهُم عَلَى اللهِ) أي: حسابُ سرائرهم على الله؛ لأنَّه تعالى هو المُطَّلِعُ عليها؛ فَمَن أخلَصَ في إيمانه وأعماله جازاه الله عليها جزاءَ المُخلِصين، ومن لم يُخلِص في ذلك كان من المنافقين، يُحكَمُ له في الدنيا بأحكامِ المسلمين، وهو عند الله مِن أسوأ الكافرين.
ويستفادُ منه: أنَّ أحكامَ الإسلامِ إِنَّما تُدَارُ على الظواهرِ الجليَّة، لا الأسرارِ الخفيَّة.
و(قوله: وَاللهِ لَو مَنَعَونِي عِقَالاً كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلى رَسُولِ الله ﷺ لَقَاتَلتُهُم عَلى مَنعِهِ) اختُلِفَ في هذا العِقَال على أقوال: أولها: أنه الفريضةُ من الإبل؛ رواه ابن وَهبٍ عن مالك، وقاله النَّضرُ بن شُمَيل. وثانيها: أنَّه صَدَقةُ عامٍ؛ قاله الكسائيُّ؛ وأنشد:
سَعَى عِقَالاً فَلَم يَترُك لَنَا سَبَدًا (٢) ... فَكَيفَ لَو قَد سَعَى عَمرٌو عِقَالَين؟ !
стр. 184
وعنه، عَن رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: أُمِرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ، وَيُؤمِنُوا بِي، وَبِمَا جِئتُ بِهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَموَالَهُم، إِلا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُم عَلَى اللهِ.
رواه أحمد (٣٧٧/ ٢ و ٤٢٣ و ٤٧٥ و ٥٠٢ و ٥٢٧ و ٥٢٨)، والبخاري (٢٩٤٦)، ومسمم (٢١)، وأبو داود (١٥٥٦) و (٢٦٤٠)، والترمذي (٢٦١٠)، والنسائي (٥/ ١٤)، وابن ماجه (٣٩٢٧).
ــ
وثالثهما: أنَّه كُلُّ شيءٍ يؤخذُ في الزكاةِ مِن أنعامٍ وثمار؛ لأنَّهُ يُعقَلُ عن مالكه؛ قاله أبو سَعِيدٍ الضريرُ.
ورابعها: هو ما يأخُذُهُ المصدِّق من الصدقة بعينها، فإن أخَذَ عِوَضَها، قيل: أخَذَ نقدًا؛ ومنه قولُ الشاعر:
وَلَم يَأخُذ عِقَالاً وَلَا نَقدًا
وخامسها: أنه اسمٌ لما يُعقَلُ به البعير؛ قاله أبو عُبَيد، وقال: قد بعَثَ رسول الله ﷺ محمَّد بن مَسلَمة على الصدقة، فكان يأخذ مع كُلِّ قَرينَينِ عِقَالاً ورِوَاءً (١).
قال المؤلف - رحمه الله تعالى -: والأشبه بمساق قول أبي بكر أن يراد بالعِقَال: ما يُعقَلُ به البعير؛ لأنه خرج مَخرَجَ التقليل، والله أعلم.
وقد رُوِيَ في غير كتاب مسلم (٢): لَو مَنَعُونِي عَنَاقًا مكان عِقَالاً، وهو الجَذَعُ مِن أولاد المَعز. وقد روي: جَذعًا مكانَ عَنَاقًا، وهو تفسيرٌ له، والجذَعُ من أولاد الغنم: هو الذي جاوز ستةَ أشهر إلى آخر السنة، ثم هو ثَنِيٌّ. وبهذه الروايةِ تمسَّك مَن أجاز أَخذَ الجذَعَ
стр. 185
[١٨] وَفِي رِوَايَةِ ابنِ عُمَرَ: حَتَّى يَشهَدُوا أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَموَالَهُم، وَحِسَابُهُم عَلَى اللهِ.
رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢).
* * *
ــ
من المعز في الزكاة إذا كانت سِخَالاً كلُّها؛ وهو قولُ الشافعيِّ، وأحدُ قولَي مالك، وليس بالمشهور عنه. ولا حُجَّةَ في ذلك؛ لأنَّه خرج مَخرَجَ التقليل؛ فإنَّ عادةَ العرب إذا أَغيَت (١) تقليل شيء، ذَكَرَت في كلامها ما لا يكونُ مقصودًا؛ كما قال رسول الله ﷺ : لَا تَحقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَو فِرسِنَ شَاةٍ (٢)، وفي أخرى: وَلَو ظِلفًا مُحرَقًا (٣)، وليسا مما ينتفعُ به، وكذلك قولُهُ ﵊: مَن بَنَى مَسجِدًا لله وَلَو مِثلَ مَفحَصِ قَطَاةٍ (٤)؛ وذلك القَدرُ لا يكونُ مسجدًا، ونحو من هذا في الإغيَاء قولُ امرئ القيس:
مِنَ القَاصِرَاتِ الطَّرفِ لَو دَبَّ مُحوِلٌ ... مِنَ الذَّرِّ فَوقَ الإتبِ مِنهَا لأثَّرا
ونحوُهُ كثيرٌ في كلامهم في التقليل والتكثيرُ والتعظيم والتحقير.
وفي الحديث: حُجَّةٌ على أنَّ الزكاةَ لا تسقُطُ عن المرتدِّ بردَّته، بل يؤخذُ منه ما وجَبَ عليه منها، فإن تاب، وإلا قُتِلَ وكان ماله فَيئًا.
стр. 186
(٨) بَابٌ فِي قَولِهِ تَعَالَى: إِنَّكَ لَا تَهدِي مَن أَحبَبتَ
[١٩] عَن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عَن أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَت أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ الله ﷺ ، فَوَجَدَ عِندَهُ أَبَا جَهلٍ، وَعَبدَ اللهِ بنَ أَبِي أُمَيَّةَ بنِ
ــ
(٨) وَمِن بَابِ قَولِهِ تَعَالَى: إِنَّكَ لَا تَهدِي مَن أَحبَبتَ
(قوله: لَمَّا حَضَرَت أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ) أبو طالب هذا: هو ابنُ عبد المطَّلبِ بنِ هاشمِ بنِ عبدِ مَنَافِ بنِ قُصَيٍّ، وهو عمُّ النبيِّ ﷺ ، ووالدُ عليّ بن أبي طالبِ، واسمُهُ: عبد مناف، وقيل: اسمه كنيته، والأوَّل أصحّ، واسمُ عبد المطَّلب: شَيبَةُ، وكان يُقالُ له: شيبةُ الحمد، واسمُ هاشمٍ: عمرو، وهاشمٌ لَقَبٌ له؛ لأنَّه أوّلُ من هَشَمَ الثريدَ لقومه. واسمُ عبد منافٍ: المغيرة، واسمُ قُصَيٍّ: زيدٌ، وقيل له: مجمِّعٌ؛ لأنَّه جَمَّعَ إليه قومَهُ.
وكان والدُ النبيِّ ﷺ وهو عبدُ الله قد توفِّيَ ورسولُ الله ﷺ حَملٌ في بطنِ أمِّه على الأصحِّ، فوُلِدَ رسولُ الله ﷺ ، ونشَأَ في كَفَالَةِ جَدِّهِ عبد المُطَّلِبِ إلى أن تُوُفِّي، فكفله عمُّه أبو طالب، ولم يَزَل يحبُّه حُبًّا شديدًا، ويحوطُهُ ويحفظه إلى أن بعَثَ اللهُ محمَّدًا ﷺ بالنبوَّة، فنصره أبو طالب وأعانه وأجارَهُ ممَّن يريدُ به سوءًا، وقامَ دونه، وعادى في حَقَّهِ قريشًا وجميعَ العرب، إلى أن ناصبوه القتالَ وجاهروه بالعداوة والأذى؛ وطلبوا أن يُسَلِّمَهُ لهم، فلم يفعَل. ثُمَّ إنَّ قريشًا وجميعَ أهلِ مَكَّةَ تعاقدوا فيما بينهم، وتحالفوا على هَجرِهِ وجميعِ بني هاشمٍ ومقاطعتهم، وعلى ألَاّ يقاربوهم، ولا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، ولا يَصِلُوهُم بشيء من وجوه الرفق كلِّها، حتَّى يُسَلِّموا إليهم رسولَ الله ﷺ ، وكتبوا بذلك صحيفةً وعلَّقوها في الكعبة، فانحاز أبو طالب وبنو هاشم في شِعبهم، وأقاموا على ذلك نحو ثَلَاثِ سنين في جَهدٍ جهيد، وحالٍ شديد، إلى أن نقَضَ اللهُ أمرَ الصحيفة، وأظهر أمرَ نبيِّه على ما هو مذكورٌ في كتب
стр. 187
المُغِيرَةِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : يَا عَمِّ، قُل: لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، كَلِمَةً أَشهَد لَكَ بِهَا عِندَ اللهِ، فَقَالَ أبو جَهلٍ وَعَبدُ اللهِ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرغَبُ عَن مِلَّةِ عَبدِ المُطَّلِبِ؟ ! فَلَم يَزَل رَسُولُ الله ﷺ يَعرِضُهَا عَلَيهِ، وَيُعِيدُ لَهُ تِلكَ المَقَالَةَ، حَتَّى قَالَ أبو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُم: هو عَلَى مِلَّةِ عَبدِ المُطَّلِبِ، وَأَبَى أَن يَقُولَ: لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : أَمَا وَاللهِ لأستَغفِرَنَّ لَكَ
ــ
السير. وكان أبو طالب يَعرِفُ صدقَ رسول الله ﷺ في كلِّ ما يقوله، ويقولُ لقريش: تَعلمُون واللهِ أنّ محمّدًا لم يكذب قطُّ، ويقولُ لابنه عليٍّ: اتَّبِعهُ، فإنَّه على الحقِّ. غير أنَّه لم يدخُل في الإسلام، ولم يَتَلفَّظ به، ولم يَزَل على ذلك إلى أن حَضَرتهُ الوفاةُ، فدخل عليه رسولُ الله ﷺ طامعًا في إسلامه، وحريصًا عليه، باذلاً في ذلك جُهده، مستفرغًا ما عنده، لكن عاقت عن ذلك عوائقُ الأقدار، التي لا ينفَعُ معها حرصٌ ولا اقتدار.
و(قوله: يَا عَمِّ، قُل: لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، كَلِمَةً أَشهَد لَكَ بِهَا عِندَ اللهِ) أحسنُ ما تُقيَّد به كلمة النصبُ؛ على أن تكون بدلاً من لا إله إلاّ الله، ويجوزُ رفعُها (١) على إضمار المبتدأ. وأَشهَد: مجزومٌ على جواب الأمر، أي: إن تقل أشهد.
وكلُّ ذلك ترغيبٌ وتذكيرٌ لأبي طالب، وحِرصٌ على نجاته، ويأبى الله إلَاّ ما يريد.
و(قوله: فَلَم يَزَل رَسُولُ الله ﷺ يَعرِضُهَا عَلَيهِ، وَيُعِيدُ لَهُ تِلكَ المَقَالَةَ) هكذا هو في الأصول وعند أكثر الشيوخ، ويعني بذلك أنَّ النبيَّ ﷺ أقبَلَ على أبي طالب يعرضُ عليه الشهادة، ويكرِّرها عليه.
ووقع في بعض النسخ: وَيُعِيدَانِ لَهُ تِلكَ المَقَالَةَ، ووجههما: أنّ أبا جهل وعبد الله بن أبي أُميَّة أعادا على أبي طالب قولهما له: أَتَرغَبُ عَن مِلَّةِ عَبدِ المُطَّلِبِ؟ ! حتَّى أجابهما إلى ذلك.
و(قوله: وأبى أن يقولَ: لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، أي: امتنع من قولها.
стр. 188
مَا لَم أُنهَ عَنكَ، فَأَنزَلَ اللهُ : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَستَغفِرُوا لِلمُشرِكِينَ وَلَو كَانُوا أُولِي قُربَى مِن بَعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُم أَصحَابُ الجَحِيمِ، وَأَنزَلَ اللهُ فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ الله ﷺ : إِنَّكَ لَا تَهدِي مَن أَحبَبتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعلَمُ بِالمُهتَدِينَ.
رواه البخاري (٤٦٧٥)، ومسلم (٢٤)، والنسائي (٤/ ٩٠ - ٩١).
[٢٠] وَفِي رِوَايَةٍ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ: قَالَ أبو طَالِبٍ: لَولَا أَن تُعَيِّرَنِي قُرَيشٌ؛ يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الجَزَعُ، لَأَقرَرتُ بِهَا عَينَكَ،
ــ
و(قوله: يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الجَزَعُ) (١) بالجيم والزاي: صحيحُ لرواية؛ لا يُعرَفُ في كتاب مسلم غيرها، وهو بمعنى: الخَوفِ من الموت.
وفي كتاب أبي عُبَيد: الخَرَع - بالخاء المعجمة والراء المهملة - وقال: يعني: الضعفَ والخَوَر، وكذلك قال ثعلبٌ وفسَّره به، قال شَمِرٌ: يقال: جزعَ الرجلُ؛ إذا ضَعُف، وكلُّ رِخو ضعيفٍ: خَريعٌ وخرِعٌ، والخَرِعُ: الفصيلُ الضعيف، قال: والخَرَعُ: الدَّهَشُ. وفي الصحاح: الخَرَعُ، بالتحريك: الرَّخَاوة في الشيء، وقد خَرِعَ الرجلُ، بالكسر، أي: ضَعُف، فهو خَرِعٌ، ويقال لِمِشفَرِ البعير إذا تدلَّى: خَرِيعٌ.
و(قوله: لَولَا أَن تُعَيِّرَنِي قُرَيشٌ؛ لَأَقرَرتُ بِهَا عَينَكَ) أي: تَسُبَّني وتقبِّحَ عليَّ؛ يقال: عَيَّرتُهُ بكذا تعييرا، والعامَّةُ تقولُ بالباء، والأوَّل كلامُ العرب؛ كما قال النابغة:
وَعَيَّرَتنِي بَنُو ذُبيَانَ خَشيَتَهُ ... وَمَا عَلَيَّ بِأَن أَخشَاكَ مِن عَارِ
стр. 189
فَأَنزَلَ اللهُ: إِنَّكَ لَا تَهدِي مَن أَحبَبتَ الآية.
رواه مسلم (٢٥)، والترمذي (٣١٨٧).
* * *
ــ
ومعنى: أقرَرتُ عينَك بها، أي: سرَرتُك بقولها، وأبلغتُكَ أُمنيتك: قال ثعلب: يقال: أقرَّ اللهُ عينَكَ، أي: بلَّغه أمنيتَهُ حتَّى ترضَى نفسُهُ، وتَقرَّ عيناُهُ؛ ومنه قولهم فيمن أدرَكَ ثأرَهُ: وَقَعتَ بِقُرِّك، أي: أدرَكَ قلبُكَ ما كان يتمنَّى. وقال الأصمعيُّ: معناه: بَرَّدَ الله دمعته؛ لأنَّ دمعةَ الفرح باردةٌ.
قال غيره: ودمعةُ الحزن حارَّة؛ ولذلك يقال: أسخَنَ اللهُ عينَهُ، أي: أراه ما يسوؤُهُ فيبكي فتَسخَنُ عينُهُ.
وقوله: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَستَغفِرُوا لِلمُشرِكِينَ أي: ما يجوزُ ولا ينبغي لهم ذلك، مِن بَعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُم أَصحَابُ الجَحِيمِ أي: الموت على الكفر.
والجحيمُ: اسمٌ من أسماء النار المُعَدَّة للكفَّار، وكل نارٍ في مَهواة، فهي جحيمٌ؛ ومنه قوله تعالى: ابنُوا لَهُ بُنيَانًا فَأَلقُوهُ فِي الجَحِيمِ. والجاحمُ: المكانُ الشديد الحرِّ، وأصحابُ الجحيم مَستَحِقُّوها وملازموها.
ثَمَّ بيَّن الله عُذرَ إبراهيم عن استغفاره في قوله: وَاغفِر لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ بأنَّ ذلك: إنما كان منه لأجلِ وَعدِ إبراهيمَ لأبيه حين قال له سَأَستَغفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا وقيل: إنَّ الموعدة هي مِن أبي إبراهيم له بِأن يُسلِم، فلمَّا لم يَفِ بها، وتبيَّن له أنَّه لا يُسلِم إمَّا بالوحي وإمَّا بموته على الكفر؛ تبرَّأ منه، كما قال تعالى: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنهُ، والقولان لأهل التفسير.
قال القاضي أبو بَكرِ بنُ العَرَبِيِّ: يروى عن عمرو بن دينار أنَّ النَّبي ﷺ قال: استغفَرَ إبراهيمُ لأبيه وهو مشركٌ؛ فلا أَزَالُ أستغفرُ لأبي طالبٍ حتّى ينهاني الله (١)، وقال أصحابُهُ: استغفِرُوا
стр. 190
(٩) بَابُ مَن لَقِيَ اللهَ تَعَالَى عَالِمًا بِهِ، دَخَلَ الجَنَّةَ
٢٦ - [٢١] عَن عُثمَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : مَن مَاتَ وهو يَعلَمُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ.
رواه أحمد (١/ ٦٥ و ٦٩)، ومسلم (٢٦).
ــ
لآبائكم كما استغفَرَ النبيُّ ﷺ لأبي طالب عمِّه، فأنزَلَ الله تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا الآية. . .
وقوله تعالى: إِنَّكَ لَا تَهدِي مَن أَحبَبتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهدِي مَن يَشَاءُ أي: لا تقدرُ على توفيقِ مَن أراد الله خِذلانه، وكَشفُ ذلك: بأنَّ الهداية الحقيقيَّة هي خلقُ القُدرَة على الطاعة، وقبولُهَا، وليس ذلك إلاّ لله تعالى، والهدايةُ التي تَصِحُّ نسبتُها لغير الله تعالى بوجهٍ ما: هي الإرشادُ والدَّلَالَة؛ كما قال تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهدِي إِلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ أي: ترشدُ وتبيِّن؛ كما قال: إِن عَلَيكَ إِلَّا البَلَاغُ و: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِم وما ذكرناه: هو مذهبُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة، وهو الذي تدُلُّ عليه البراهينُ القاطعة.
(٩) وَمِن بَابِ مَن لَقِيَ اللهَ عَالِمًا بِهِ، دَخَلَ الجَنَّةَ
(قوله: مَن مَاتَ وهو يَعلَمُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلا اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ) حقيقةُ العلم: هي وضوحُ أمرٍ ما، وانكشافُهُ على غايته، بحيثُ لا يَبقَى له بعد ذلك غايةٌ في الوضوح،
стр. 191
[٢٢] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسِيرٍ، قَالَ: فَنَفِدَت أَزوَادُ القَومِ، حَتَّى هَمَّ بِنَحرِ بَعضِ حَمَائِلِهِم، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَو جَمَعتَ مَا بَقِيَ مِن أَزوَادِ القَومِ، فَدَعَوتَ اللهَ عَلَيهَا، قَالَ:
ــ
ولا شكَّ في أنَّ من كانت معرفتُهُ بالله تعالى ورسولِهِ كذلك، كان في أعلى درجات الجَنَّة، وهذه الحالةُ هي حالةُ (١) النبيِّين والصِّدِّيقين. ولا يلزمُ فيمن لم يكن كذلك ألَاّ يدخُلُ الجَنَّة؛ فإنَّ من اعتقد الحقَّ وصدَّقَ به تصديقًا جازمًا لا شَكَّ فيه ولا ريبَ، دخل الجَنَّةَ؛ كما قدَّمناه، وكما دَلَّ عليه قولُهُ ﵊ في حديث أبي هريرة: مَن لَقِيَ اللهَ وهو يشهَدُ أن لا إلهَ إلَاّ اللهُ وأَنِّي رسولُ الله غَيرَ شَاكٍّ فيهما، دخَلَ الجَنَّةَ. وكما قال: مَن كَانَ آخِرَ قوله: لَا إلهَ إلَاّ اللهُ دخَلَ الجَنَّةَ (٢).
فحاصلُ هذَينِ الحديثَين: أنَّ مَن لقي الله تعالى وهو موصوفٌ بالحالة الأولى والثانية دخَلَ الجنَّة؛ غير أنَّ هناك فرقا (٣) بين الدرجتَينِ كما بين الحالتَين، كما صرَّحَت به الآياتُ الواضحات؛ كقوله تعالى: يَرفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ دَرَجَاتٍ.
و(قوله: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسِيرٍ، فَنَفِدَت أَزوَادُ القَومِ) المسير: السيرُ، يريدُ به السفر، ونَفدَت: فَرَغَت وفَنِيَت؛ ومنه قولُهُ تعالى: لَنَفِدَ البَحرُ قَبلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي.
والحمائلُ جمع حَمُولَةٍ بفتح الحاء؛ ومنه قوله تعالى ﴿حَمُولَةً وَفَرشًا﴾، وهي: الإبلُ التي تُحمَلُ عليها الأثقالُ، وتسمَّى رواحلَ؛ لأنها يُرحَلُ عليها، وتسمَّى نواضحَ؛ إذا استُقِيَ عليها.
والبعيرُ ناضحٌ، والناقةُ ناضحةٌ؛ قاله أبو عُبَيد.
стр. 192
فَفَعَلَ، قَالَ: فَجَاءَ ذُو البُرِّ بِبُرِّهِ، وَذُو التَّمرِ بِتَمرِهِ، قَالَ: وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ، قُلتُ: وَمَا كَانُوا يَصنَعُونَ بِالنَّوَاةِ؟ قَالَ: يَمُصُّونَهُ وَيَشرَبُونَ عَلَيهِ المَاءَ، قَالَ: فَدَعَا عَلَيهَا، حَتَّى مَلأ القَومُ أَزوِدَتَهُم، قَالَ: فَقَالَ عِندَ ذَلِكَ: أَشهَدُ أَن لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، لَا يَلقَى اللهَ بِهِمَا عَبدٌ غَيرَ شَاكٍّ فِيهِمَا، إِلا دَخَلَ الجَنَّةَ.
ــ
و(قوله: وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ) كذا الرواية، ووجهُهُ: وذو النَّوَى بنواه، كما قال: وذُو البُرِّ بِبُرِّهِ، وَذُو التَّمرِ بِتَمرِهِ.
و(قوله: حَتَّى مَلأ القَومُ أَزوِدَتَهُم) هكذا الرواية، وصوابُهُ: مَزَاوِدَهُم؛ فإنّها هي التي تُملَأُ بالأَزوِدة، وهي جمعُ زاد، فسمَّى المزاودَ أزودةً باسمها؛ لأنَّها تُجعَلُ فيها على عادتهم في تَسمِيَتِهِمُ الشيءَ باسمِ الشيء إذا جاوره، أو كان منه بسبب، وقد عبَّر عنها في الرواية الأخرى بالأَوعِيَةِ.
و(قوله: حَتَّى هَمَّ بِنَحرِ بَعضِ حَمَائِلِهِم) يعني: النبيَّ ﷺ ، كان هذا الهمُّ من النبي ﷺ بحكم النظر المَصلَحيِّ لا بالوحي؛ أَلَا تَرَى كيف عرَضَ عمرُ بن الخطَّاب عليه مصلحةً أخرى، ظهر للنبيِّ ﷺ (١) رجحانُهَا؛ فوافقَهُ عليها وعمل بها.
ففيه: دليلٌ على العمل بالصالح، وعلى سماعِ رأي أهلِ العَقل والتجارب، وعلى أنَّ الأزواد والمياه إذا نَفِدَت أو قلَّت، جمَعَ الإمامُ ما بقي منها، وقَوَّتَهُم به شرعًا سواءً؛ وهذا كنحو ما مدَحَ به النبيُّ ﷺ الأشعريِّين، فقال: الأَشعَرِيُّونَ إذا قَلَّ زَادُهُم، جَمَعُوهُ، فَاقتَسَمُوهُ بَينَهُم بِالسَّوِيَّةِ، فَهُم مِنِّي وَأَنَا مِنهُم (٢)، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
و(قوله: لَا يَلقَى اللهَ بِهِمَا عَبدٌ غَيرَ شَاكٍّ فِيهِمَا، فَيُحجَبَ عَنِ الجَنَّةِ) يعني: كلمتَيِ التوحيدِ المتقدِّمَتَينِ. ويُحجَبُ: يُمنَع، ورويناه بفتح الباء ورفعها، فالنصبُ
стр. 193
وَفِي رِوَايَةٍ: فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رسولَ الله، إِن فَعَلتَ، قَلَّ الظَّهرُ، وَلَكِنِ ادعُهُم بِفَضلِ أَزوَادِهِم، ثُمَّ ادعُ اللهَ لَهُم عَلَيهَا بِالبَرَكَةِ. وفيها: حَتَّى اجتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِن ذَلِكَ شَيءٌ يَسِيرٌ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ الله ﷺ بِالبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ لَهم: خُذُوا فِي أَوعِيَتِكُم، قَالَ: فَأَخَذُوا فِي أَوعِيَتِهِم حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي العَسكَرِ وِعَاءً إِلا مَلَؤوهُ، قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضَلَت فَضلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : أَشهَدُ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، لَا يَلقَى اللهَ بِهِمَا عَبدٌ غَيرَ شَاكٍّ، فَيُحجَبَ عَنِ الجَنَّةِ.
رواه مسلم (٢٧).
ــ
بإضمار أن بعد الفاء في جواب النفي، وهو الأظهر والأجود، وفي الرفع إشكال؛ لأنه يرتفعُ على أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوفٍ تقديره: فهو يُحجَبُ، وهو نقيضُ المقصود، فلا يستقيمُ المعنى حتى تقدَّر لا النافيةُ، أي: فهو لا يُحجَبُ، ولا تحذف لا النافية في مِثلِ هذا، والله أعلم.
وظاهرُ هذا الحديث: أنَّ مَن لقي الله وهو يشهَدُ أن لا إله إلا الله وحده (١)، دخَلَ الجنة، ولا يدخُلُ النار، وهذا صحيحٌ فيمن لقي اللهَ تعالى بَرِيئا من الكبائر. فأمَّا مَن لقي الله تعالى مرتكبَ كبيرةٍ ولم يَتُب منها، فهو في مشيئة الله تعالى التي دَلَّ عليها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ وقد جاءتِ الأحاديثُ الكثيرة الصحيحة المفيدةُ بكثرتها حصولَ العلم القطعيِّ: أنَّ طائفةً كثيرة مِن أهلِ التوحيد يَدخُلُونَ النار، ثُمَّ يُخرَجُونَ منها بالشفاعةِ، أو بالتفضُّلِ المعبَّرِ عنه بالقَبضَةِ في الحديث الصحيح (٢)، أو بما شاء الله تعالى، فدلَّ ذلك على أنَّ الحديثَ المتقدِّمَ ليس على ظاهره، فيتعيَّن تأويلُهُ، ولأهل العلم فيه تأويلان:
стр. 194
[٢٣] وعَن عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : مَن قَالَ أَشهَدُ أَن لَا إِلهَ إِلا اللهُ وَحدَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبدُ اللهِ، وَابنُ أَمَتِهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلقَاهَا إِلَى مَريَمَ، وَرُوحٌ مِنهُ، وَأَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ
ــ
أحدهما: أنَّ هذا العموم يرادُ به الخصوصُ مِمَّن يعفو اللهُ تعالى عنه مِن أهلِ الكبائر ممَّن يشاء الله تعالى أن يَغفِرَ له ابتداءً مِن غير توبةٍ كانت منهم، ولا سَبَبٍ يقتضي ذلك غيرَ محضِ كَرَمِ الله تعالى وفضله؛ كما دَلَّ عليه قوله تعالى: وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ. وهذا على مذهبِ أهلِ السُّنَّة والجماعة؛ خلافًا للمبتدعة المانعين تَفَضُّلَ الله تعالى بذلك، وهو مذهبٌ مردودٌ بالأدلَّة القطعية العقليَّة والنقلية، وبسطُ ذلك في عِلمِ الكلام.
وثانيهما: أنَّهم لا يُحجَبون عن الجنّةِ بعد الخروج من النار، وتكونُ فائدتُهُ الإخبارَ بخلودِ كلِّ مَن دخل الجنةَ فيها، وأنَّه لا يُحجَبُ عنها، ولا عن شيءٍ مِن نعيمها، والله تعالى أعلم.
و(قوله: وَأَنَّ عِيسَى عَبدُ اللهِ، وَابنُ أَمَتِهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلقَاهَا إِلَى مَريَمَ) هذا الحديثُ مقصودُهُ إفادةُ التنبيه على ما وقَعَ للنصارَى من الغلط في عيسى وأُمِّهِ ﵉، والتحذيرُ عن ذلك، بأنَّ عيسى عبد الله لا إلهٌ ولا وَلَدٌ، وأُمُّهُ أَمَةٌ الله تعالى، ومملوكةٌ له لا زوجةٌ، تعالى الله عما يقولُ الجاهلون علوًّا كبيرًا! .
ويستفادُ من هذا ما يُلَقَّنُهُ النصرانيُّ إذا أسلم. وقد اختُلِفَ في وصف عيسى بكونِهِ كلمةً، فقيل: لأنَّه تكوَّنَ بكلمة كن من غير أبٍ. وقيل: لأنَّ المَلَكَ جاء أُمَّهُ بكلمة البِشَارة به عن أمر الله تعالى. وهذان القولان أشبَهُ ما قيل في ذلك.
ومعنى ألقاها، أي: أعلَمَهَا بها، يقالُ: ألقَيتُ عليكَ كلمةً، أي: أعلمتُكَ بها.
وسمِّي عيسى رُوحَ الله؛ لأنَّه حدَثَ عن نَفخَةِ المَلَك، وإضافَة الله تعالى إليه؛ لأنَّ ذلك النفخَ كان عَن أمره وقدره، وسُمِّيَ (١) النفخُ رُوحًا؛ لأنّه ريحٌ يخرُجُ من
стр. 195
حَقٌّ، أَدخَلَهُ اللهُ مِن أَيِّ أَبوَابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ.
وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَى مَا كَانَ مِن عَمَلٍ.
رواه مسلم (٢٨).
* * *
ــ
الرُّوح؛ قاله المَكِّيُّون. وقيل: سُمِّي بذلك عيسى؛ لأنَّه رُوحٌ لمن اتَّبعه. وقيل: لأنَّه تعالى خلَقَ فيه الرُّوحَ مِن غير واسطة أب؛ كما قال في آدم: وَنَفَختُ فِيهِ مِن رُوحِي قاله الحَربِيُّ.
و(قوله: أَدخَلَهُ اللهُ مِن أَيِّ أَبوَابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ) ظاهر هذا يقتضي أنَّ قولَ هذه الكلماتِ يقتضي دخولَ الجنَّة، والتخييرَ في أبوابها، وذلك بخلافِ ما ظَهَر من حديث أبي هريرة الآتي في كتاب الزكاة؛ فإنَّ فيه ما يقتضي أنَّ كلَّ مَن كان مِن أهل الجنَّة إنما يدخُلُ من الباب المعيَّن للعمل الذي كان يعمله غالبًا الداخُل؛ فإنَّه قال فيه: فَمَن كَانَ مِن أهل الصَّلَاةِ، دُعِيَ مِن بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَن كَانَ مِن أهل الصِّيَامِ، دُعِيَ مِن بَابِ الصِّيَامِ، وَهَكَذَا الجِهَادُ (١).
والتوفيقُ بين الظاهرَين: أنَّ كُلَّ مَن يدخلُ الجَنَّةَ مخيَّرٌ في الدخول من أيِّ بابٍ شاء، غيرَ أنَّهُ إذا عُرِضَ عليه الأفضلُ في حقِّه، دخَلَ منه مختارًا للدخولِ منه مِن غير جَبرٍ عليه، ولا مَنعٍ له مِنَ الدخولِ من غيره؛ ولذلك قال أبو بكر ﵁: مَا عَلَى مَن يُدعَى مِن تِلكَ الأَبوابِ مِن ضُرُورَةٍ، والله أعلم.
و(قوله: عَلَى مَا كَانَ مِن عَمَلٍ) أي: يدخُله الجنَّةَ ولا بُدَّ، سواء كان عملُهُ صالحًا أو سيِّئًا، وذلك بأن يَغفِرَ له السَّيِّئ؛ بسبب هذه الأقوال، أو يُربِيَ ثوابَهَا على ذلك العمل السيِّئ. وكُلُّ ذلك يحصُلُ إن شاء الله لمن مات على تلك الأقوال، إمَّا مع السلامة المُطلَقَةِ، وإمَّا بعد المؤاخَذَة بالكبائِرِ على ما قرَّرناه آنفًا.
стр. 196
(١٠) بَابُ حَقِّ الله تعالى عَلَى العِبَادِ
[٢٤] عَن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، قَالَ: كُنتُ رِدفَ النَّبِيِّ ﷺ لَيسَ بَينِي وَبَينَهُ إِلَاّ مُؤَخَّرَةُ الرَّحلِ - وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ: عُفَيرٌ، ولَم يَذكُر: لَيسَ بَينِي وَبَينَهُ إِلا مُؤَخَّرَةُ الرَّحلِ - فَقَالَ: يَا مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ! قُلتُ:
ــ
(١٠) وَمِن بَابِ حَقِّ الله عَلَى العِبَادِ
(قوله: كُنتُ رِدفَ رَسُول الله ﷺ ) يُروَى: رِدفَ بسكون الدال من غير ياء، وبكسر الراء، ويُروَى: رَدِيفَ بفتح الراء وكسر الدال وياء بعدها، وكلاهما صحيحٌ روايةً ولغةً، وهما اسمان للراكب خَلفَ الراكب، يقالُ منه: رَدِفتُهُ أَردَفُهُ، بكسر الدال في الماضي، وفتحها في المستقبل، وأَردَفتُهُ أنا بألفٍ، وذلك الموضعُ يسمَّى الرِّدف. ورواه الطبريُّ: رَدِف بفتح الراء وكسر الدال مِن غير ياء، كـ: عَجِل وحذِر وزمِن، وليس بمعروفٍ في الأسماء.
و(قوله: لَيسَ بَينِي وَبَينَهُ إِلا مُؤَخَّرَةُ الرَّحلِ) كذا وقع هاهنا: مُؤَخَّرة، وقَرَأنَاه على مَن يُوثَقُ بعلمه بضمِّ الميم، وفتح الراء، والخاءُ مشدَّدة على أنَّه اسمُ مفعولٍ؛ لأنَّها تؤخَّر. وأنكَرَ هذا اللفظ يعقوب، وابنُ قُتَيبة، وقالا: المعروفُ عند العرب: أخِرَةُ الرَّحل، وهي العُودُ الذي خَلفَ الراكب، وتقابله: قادِمَتُهُ. وقيل فيها: مُؤخِرَةٌ، بهمزِ الواو خفيفةً وكسرِ الخاء، حكاها صاحبُ الصحاح، وأبو عُبَيد. والرَّحلُ للبعير كالسَّرجِ للفَرَس، والإكافِ للحمار.
وعُفَير: تصغيرُ أَعفَرَ تصغيرَ الترخيم؛ كَسُوَيد تصغيرُ أسود، وتصغيره غير مرخم: أعيفر. والعُفرة: بياضٌ يخالطه صُفرة كعُفرة الأرض والظِّبَاء. والمشهورُ في اسمِ حمارِ النبيِّ ﷺ يَعفُور.
стр. 197
لَبَّيكَ رسولَ الله وَسَعدَيكَ! ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ! قُلتُ: لَبَّيكَ رسولَ الله وَسَعدَيكَ! ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ! قُلتُ: لَبَّيكَ رسولَ الله وَسَعدَيكَ! قَالَ: هَل تَدرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ؟ قَالَ: قُلتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى العِبَادِ: أَن يَعبُدُوهُ وَلا يُشرِكُوا بِهِ شَيئًا، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ! قُلتُ: لَبَّيكَ رسولَ الله وَسَعدَيكَ، قَالَ: هَل تَدرِي مَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ قَالَ: قُلتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، قَالَ: أَلَاّ يُعَذِّبَهُم.
رواه أحمد (٥/ ٢٣٨)، والبخاري (٧٣٧٣)، ومسلم (٣٠)، والترمذي (٢٦٤٥)، وابن ماجه (٤٢٩٦).
* * *
ــ
تنبيه: إِن كانت هاتان الروايتان قضيةً واحدةً، فقد تجَوَّزَ بعضُ الرواة في تسميته الإكافِ رَحلاً، ويَحتَمِلُ أن تكونَ تلك قضيةً واحدةً تكرَّرت مرتين، والله أعلم.
وفيه ما يدلُّ على جواز ركوبِ اثنَينِ على حمار، وعلى تواضع النبي ﷺ ، وإنما كرّر النبي ﷺ نداءَ معاذ ثلاثًا (١)؛ ليستحضرَ ذهنَهُ وفهمه، ولِيُشعِرَه بِعِظَمِ ما يلقيه عليه.
وحقُّ الله على عباده: ما أوجبَهُ عليهم بحُكمه، وألزمهم إيّاه بخطابه. وحقُّ العبادِ على الله: هو ما وعدَهُم به مِنَ الثواب والجزاء؛ فحَقَّ ذلك ووجَبَ بحكم وعده الصِّدقِ، وقولِهِ الحقِّ الذي لا يجوزُ عليه الكذبُ في الخبر، ولا الخُلفُ في الوعد؛ فالله تعالى لا يجبُ عليه شيءٌ بِحُكمِ الأمر؛ إذ لا أمرَ فوقه، ولا بحُكمِ العقل؛ إِذِ العقلُ كاشفٌ لا مُوجِبٌ، كما بيَّنَّاهُ في الأصول.
стр. 198
(١١) بَابٌ لَا يَكفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَينِ، بَل لَا بُدَّ مِنِ استِيقَانِ القَلبِ
[٢٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: كُنَّا قُعُودًا حَولَ رَسُولِ الله ﷺ ، مَعَنَا أبو بَكرٍ وَعُمَرُ ﵄ فِي نَفَرٍ، فَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ مِن بَينِ أَظهُرِنَا، فَأَبطَأَ عَلَينَا، وَخَشِينَا أَن يُقتَطَعَ دُونَنَا، فَفَزِعنَا وَقُمنَا، فَكُنتُ أَوَّلَ مَن فَزِعَ، فَخَرَجتُ أَبتَغِي رسولَ الله ﷺ حَتَّى أَتَيتُ حَائِطًا لِلأنصَارِ لِبَنِي
ــ
(١١) وَمِن بابِ لَا يَكفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَينِ، بَل لَا بُدَّ مِنِ استِيقَانِ القَلبِ
هذه الترجمةُ تنبيهٌ على فسادِ مذهبِ غُلَاةِ المرجئةِ القائلين: إنَّ التلفُّظَ بالشهادتين كافٍ في الإيمان، وأحاديثُ هذا الباب تَدُلُّ على فساده، بل هو مذهبٌ معلومٌ الفساد من الشريعة لمن وَقَفَ عليها، ولأنَّهُ يَلزَمُ منه تسويغُ النفاقِ، والحُكمُ للمنافق بالإيمانِ الصحيح، وهو باطلٌ قطعًا.
و(قوله: وَخَشِينَا أَن يُقتَطَعَ دُونَنَا) أي: يحالَ بيننا وبينه بِأَخذٍ أو هلاك.
و(قوله: فَفَزِعنَا وَقُمنَا) أي: تَرَكنَا ما كنا فيه، وأقبلنا على طلبه؛ من قولهم: فَزِعتُ إلى كذا: إذا أقبَلتَ عليه، وتفرَّغتَ له؛ ومنه قول الشاعر:
فَزِعتُ إليكُم من بَلَايَا تَنُوبُنِي ... فَأَلفَيتُكُم منها كَرِيمًا مُمَجَّدَا
وقد دلَّ على ذلك قوله: فَكُنتُ أَوَّلَ مَن فَزِعَ، أي: أوَّلَ مَن أخذ في طلبه، وليس هو من الفَزَعِ الذي هو (١) الذُّعرُ والخوف؛ لأنَّه قد قال قبل هذا: فَخَشِينَا أَن
стр. 199
النَّجَّارِ، فَدُرتُ بِهِ، هَل أَجِدُ لَهُ بَابًا؟ فَلَم أَجِد، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدخُلُ فِي جَوفِ حَائِطٍ مِن بِئرٍ خَارِجَةٍ - وَالرَّبِيعُ: الجَدوَلُ - فَاحتَفَزتُ، فَدَخَلتُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ: أبو هُرَيرةَ؟ فَقُلتُ: نَعَم يَا رسولَ الله، قَالَ: مَا شَأنُكَ؟ قُلتُ: كُنتَ بَينَ أَظهُرِنَا، فَقُمتَ، فَأَبطَأتَ عَلَينَا، فَخَشِينَا أَن تُقتَطَعَ دُونَنَا، فَفَزِعنَا، فَكُنتُ أَوَّلَ مَن فَزِعَ، فَأَتَيتُ هَذَا الحَائِطَ، فَاحتَفَزتُ كَمَا يَحتَفِزُ الثَّعلَبُ، وَهَؤُلاءِ النَّاسُ وَرَائِي، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيرَةَ! - وَأَعطَانِي
ــ
يُقتَطَعَ دُونَنَا، ثم رتَّب فَزِعنَا عليه بفاء التعقيب المُشعِرَةِ بالتسبُّب، والفَزَعُ: لفظٌ مشترك ينطلقُ على ذَينِكَ المعنيَينِ، وعلى الإغاثة.
و(قوله: فَاحتَفَزتُ كَمَا يَحتَفِزُ الثَّعلَبُ) رواه عامَّةُ الشيوخ في المواضع الثلاثة بالراء من الحَفر، ورُوِيَ عن الجُلُوديِّ: بالزاي؛ وكأنَّه الصواب، ويعني به: أنَّه تضامَمَ وتصاغَرَ ليسعه الجدول، ومنه حديث عليٍّ: إذا صَلَّتِ المرأةُ، فلتحتَفِز (١)، أي: لِتَضَامَّ وتَنزَو (٢) إذا سجدَت.
و(قوله: كُنتَ بَينَ أَظهُرِنَا) أي: بيننا، ورواه الفارسي: ظَهرَينَا. وقال الأصمعي: العربُ تقولُ: بين ظَهرَيكُم وظَهرَانَيكُم؛ قال الخليل: أي: بينكم.
و(قوله: وَهَؤُلاءِ النَّاسُ من وَرَائِي) يعني به: النفر الذين كانوا مع النبي ﷺ ، فقام عنهم، وأخذوا في طلبه، وهم المعنيُّون للنبيِّ ﷺ تسليما كثيرا - بقوله: فَمَن لَقِيتَ مِن وَرَاءِ هَذَا الحَائِطِ يَشهَدُ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ مُستَيقِنًا بِهَا قَلبُهُ، فَبَشِّرهُ بِالجَنَّةِ؛ فإنَّه قيَّده بقوله: مَن لَقِيتَ مِن وَرَاءِ هَذَا الحَائِطِ، ولا شكَّ في أنَّ أولئك هم (٣) مِن
стр. 200
نَعلَيهِ - فقَالَ: اذهَب بِنَعلَيَّ هَاتَينِ، فَمَن لَقِيتَ مِن وَرَاءِ هَذَا الحَائِطِ يَشهَدُ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ مُستَيقِنًا بِهَا قَلبُهُ، فَبَشِّرهُ بِالجَنَّةِ، وكَانَ أَوَّلَ مَن لَقِيتُ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا هَاتَانِ النَّعلَانِ يَا أَبَا هُرَيرَةَ؟ ! قُلتُ: هَاتَانِ نَعلَا رَسُولِ الله ﷺ ، بَعَثَنِي بِهِمَا، مَن لَقِيتُ يَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ مُستَيقِنًا بِهَا قَلبُهُ، بَشَّرتُهُ بِالجَنَّةِ. قَالَ: فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِيهِ بَينَ ثَديَيَّ، فَخَرَرتُ لاِستِي، فَقَالَ: ارجِع يَا أَبَا هُرَيرَةَ! فَرَجَعتُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَأَجهَشتُ بُكَاءً، وَرَكِبَنِي عُمَرُ، فَإِذَا هو عَلَى أَثَرِي، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيرَةَ؟ ! قُلتُ: لَقِيتُ عُمَرَ،
ــ
أهل الجنة، وهذا ظاهرُ اللفظ. ويَحتمِلُ أن يقال: إنَّ ذلك القيدَ مُلغًى، والمراد: هم وكُلُّ مَن شاركهم في التَّلفُّظِ بالشهادتَينِ واستيقانِ القلبِ بهما؛ وحينئذٍ: يُرجَعُ إلى التأصيلِ والتفصيل الذي ذكرناه في البابِ قبلَ هذا.
وفي دفع النبيِّ ﷺ لأبي هريرة بنعلَيه: دليلٌ على جوازِ عَضدِ المُخبِرِ الواحد بالقرائن؛ تقويةً لخبره وإن كان لا يُتَّهَمُ. وفيه اعتبارُ القرائنِ والعلامات، والعملُ على ما يقتضيه من الأعمالِ والأحكام.
واليَقِينُ: هو العلمُ الراسخُ في القلب الثابتُ فيه، يقال منه: يقِنتُ الأمرَ، بالكسر، معناه أيقنتُ واستيقَنتُ وتيقَّنتُ، كلُّه بمعنًى واحدٍ، وربَّما عبَّروا عن الظنِّ باليقين، وباليقين عن الظن؛ قال الشاعر (١):
تَحَسَّبَ هَوَّاسٌ وَأَيقَنَ أَنَّنِي ... بِهَا مُفتَدٍ مِن وَاحِدٍ لَا أُغَامِرُه
يقولُ: تشمَّم الأَسَدُ ناقتي يظُنُّ أنَّني أفتدي بها مِنهُ وأتركُهَا له ولا أقاتلُهُ، قاله الجوهريُّ.
وقال غيره: اليقينُ هو السكونُ مع الوضوح؛ يقال: يَقِنَ الماءُ، أي: سَكَنَ وظهَرَ ما تحته.
و(قوله: وَرَكِبَنِي عُمَرُ) أي: اتَّبَعَنِي في الحالِ مِن غير تربُّص، وضَربُ عُمَرَ
стр. 201
فَأَخبَرتُهُ بِالَّذِي بَعَثتَنِي بِهِ، فَضَرَبَ بَينَ ثَديَيَّ ضَربَةً خَرَرتُ لاِستِي، فقَالَ: ارجِع، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : يَا عُمَرُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلتَ؟ فقَالَ: يَا رسولَ الله - بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي! - أَبَعَثتَ أَبَا هُرَيرَةَ بِنَعلَيكَ: مَن لَقِيَ يَشهَدُ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ مُستَيقِنًا بِهَا قَلبُهُ، بَشَّرَهُ بِالجَنَّةِ؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: فَلا تَفعَل؛ فَإِنِّي أَخشَى أَن يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيهَا، فَخَلِّهِم يَعمَلُونَ! قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : فَخَلِّهِم.
رواه مسلم (٣١).
ــ
أبي هريرةَ حتى سقطَ لم يكن ليؤذيَهُ ويوقعه، لكن إنما كان ليوقفَهُ ويمنَعَهُ من النهوضِ بالبشرى حتى يراجعَ النبيَّ ﷺ ، ولم يكن ذلك من عمر اعتراضًا على رسول الله ﷺ ، ولا ردًّا لأمره، وإنما كان ذلك سعيًا في استكشافٍ عَن مصلحةٍ ظهرَت له، لم يعارض بها حكمًا ولا شرعًا؛ إذ ليس فيما أَمَرَهُ به إلا تطييبُ قلوب أصحابه أو أمَّته بتلك البشرى، فرأى عُمَرُ أنَّ السكوتَ عن تلك البشرى أصلَحَ لهم؛ لئلا يتَّكلوا على ذلك، فتقلَّ أعمالهم وأجورهم.
ولعلَّ عمر قد كان سَمِعَ ذلك من النبي ﷺ كما سمعه معاذٌ على ما يأتي في حديثه (١)، فيكونَ ذلك تذكيرًا للنبيِّ ﷺ بما قد سمع منه، ويكونُ سكوت النبيِّ ﷺ عن ذلك تعديلاً على ما قد كان تعذر لهم تبيانه لذلك، ويكونُ عمر لِمَا خصَّه الله تعالى به من الفِطنة وحضور الذهن تذكَّر ذلك. واستبلَدَ أبا هريرة؛ إذ لم يتفطَّن لذلك ولا تذكره، فضربه تلك الضربةَ؛ تأديبًا وتذكيرًا، والله تعالى أعلم.
و(قوله: فَخَرِرتُ لاِستِي) أي: على استي؛ كما قال تعالى: يَخِرُّونَ لِلأَذقَانِ أي: عليها، وكأنَّه وَكَزَهُ في صدره فوقَعَ على استه، وليس قولُ من قال: خرَّ على وَجهه بشيء.
стр. 202
[٢٦] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ وَمُعَاذُ بنُ جَبَلٍ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحلِ - قَالَ: يَا مُعَاذُ، قَالَ: لَبَّيكَ رسولَ الله وَسَعدَيكَ! قَالَ: يَا مُعَاذُ، قَالَ: لَبَّيكَ رسولَ الله وَسَعدَيكَ! قَالَ: يَا مُعَاذُ، قَالَ: لَبَّيكَ رسولَ الله وَسَعدَيكَ! قَالَ: مَا مِن عَبدٍ يَشهَدُ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ - فِي البُخَارِيِّ: صِدقًا مِن قَلبِهِ - إِلَاّ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّار،
ــ
و(قوله: أَجهَشتُ بُكَاءً) أي: تهيَّأتُ له وأخذتُ فيه؛ قال أبو عُبَيد: الجَهشُ: أن يفزعَ الإنسانُ إلى الإنسان مريدًا للبكاء؛ كالصبيِّ يَفزَعُ لأمه، فقال: جَهَشتُ، وأجهشتُ: لغتان، وقال أبو زيد: جَهَشتُ للبكاء والحُزنِ والشوقِ جُهُوشًا.
وفي هذا الحديث: دليلٌ على جواز تخصيصِ العموم بالمصلحةِ المشهودِ لها بالاعتبار، وقد اختلَفَ فيه الأصوليُّون، وفيه: عَرضُ المصالح على الإمام وإن لم يستَدعِ ذلك، وفيه أبوابٌ لا تخفى.
و(قوله في حديث معاذ: مَا مِن عَبدٍ يَشهَدُ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَاّ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّار) هكذا وقع هذا الحديث في كتاب مسلم عن جميع رواته فيما عَلِمتُهُ، وقد زاد البخاريُّ فيه: صِدقًا مِن قَلبِهِ، وهي زيادةٌ حسنةٌ تنُصُّ على صحَّةِ ما تضمَّنَتهُ الترجمة المتقدِّمة، وعلى فساد مذهب المرجئة؛ كما قد قدَّمناه.
ومعنى صدق القلب: تصديقُهُ الجازمُ بحيث لا يخطُرُ له نقيضُ ما صدَّق به، وذلك إمَّا عن برهان، فيكونُ عِلمًا، أو عن غيره، فيكونُ اعتقادًا جَزمًا. ويجوز: أن يحرِّم اللهُ مَن مات على الشهادتين على النار مطلقًا، ومَن دخلَ النارَ مِن أهل الشهادتين بكبائرِهِ، حرَّم على النارِ جميعَهُ أو بعضَهُ؛ كما قال في الحديث الآخر: فَيحَرَّمُ صُوَرُهُم على النارِ (١)، وقال: حرَّم اللهُ على النار أن تَأكُلَ أَثَرَ
стр. 203
قَالَ: يَا رسولَ الله، أَفَلَا أُخبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَستَبشِرُوا؟ قَالَ: إِذَن يَتَّكِلُوا؛ فَأَخبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِندَ مَوتِهِ تَأَثُّمًا.
رواه البخاري (١٢٨)، ومسلم (٣٢).
* * *
ــ
السجود (١). ويجوز أن يكون معناه: إنَّ الله يحرِّمه على نارِ الكفَّار التي تُنضِجُ جلودَهُم، ثمَّ تُبَدَّل بعد ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَت جُلُودُهُم بَدَّلنَاهُم جُلُودًا غَيرَهَا﴾ الآية.
وقد قال ﷺ : أمَّا أهلُ النار الذين هُم أهلُهَا، فإنَّهم لا يموتون فيها ولا يَحيَونَ، ولكن ناسا أصابتهم النارُ بذنوبهم، فأماتَهُم اللهُ إماتةً، حتى إذا كانوا فَحَمًا، أُذِنَ لهم في الشفاعة .. (٢) الحديثَ، وسيأتي.
و(قوله: فَأَخبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِندَ مَوتِهِ تَأَثُّمًا) أي: تحرُّجًا من الإثم، وخوفًا منه؛ قال الهرويُّ وغيره. وتَفَعَّل كثيرًا ما يأتي لإلقاء الرَّجُل الشيءَ عن نفسه، وإزالتِهِ عنه؛ يقال: تحنَّت، وتحرَّج، وتحوَّب: إذا ألقَى عن نفسه ذلك، ومنه: فلانٌ يَتهجَّدُ، أي: يُلقِي الهُجُودَ عن نفسه، ومنه: امرأةٌ قَذُوّرٌ: إذا كانت تتَجَنَّبُ الأقذارَ؛ حكاه الثعالبيُّ.
* * *
стр. 204
(١٢) بَابُ مَن يَذُوقُ طَعمَ الإِيمَانِ وَحَلَاوَتَهُ
[٢٧] عَنِ العَبَّاسِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: ذَاقَ طَعمَ الإِيمَانِ مَن رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً.
رواه أحمد (١/ ٢٠٨)، ومسلم (٣٤)، والترمذي (٢٧٥٨).
ــ
(١٢) وَمِن بَابِ مَن يَذُوقُ طَعمَ الإِيمَانِ وَحَلَاوَتَهُ
(قوله: ذَاقَ طَعمَ الإِيمَانِ) أي: وَجَدَ حَلَاوَتَهُ، كما قال في حديث أنس: ثَلَاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ، وهي عبارةٌ عمَّا يجده المؤمنُ المحقِّقُ في إيمانه، المطمئنُّ قلبه به؛ من انشراحِ صدره، وتنويرِهِ بمعرفةِ الله تعالى، ومعرفةِ رسوله، ومعرفةِ مِنَّةِ الله تعالى عليه: في أن أنعَمَ عليه بالإسلام، ونظَمَهُ في سلك أمَّةِ محمَّدٍ خيرِ الأنام، وحبَّب إليه الإيمانَ والمؤمنين، وبَغَّض إليه الكُفرَ والكافرين، وأنجَاهُ من قبيح أفعالهم، ورَكَاكةِ أحوالهم.
وعند مطالعةِ هذه المِنَن، والوقوفِ على تفاصيل تلك النِّعَم، تطيرُ القلوبُ فرحًا وسرورَا، وتمتلئُ إشراقًا ونورَا، فيا لها مِن حلاوةٍ ما ألذَّها، وحالةٍ ما أشرفَها! ! فنسأله - الله - تعالى أن يَمُنَّ بدوامها وكمالِهَا، كما مَنَّ بابتدائها وحُصُولِهَا؛ فإنَّ المؤمن عند تذكُّرِ تلك النِّعَمِ والمِنَن لا يخلو عن إدراك تلك الحلاوة؛ غير أنَّ المؤمنين في تمكُّنها ودوامها متفاوتون، وما منهم إلا وله منها شِربٌ مَعلُوم، وذلك بِحَسَبِ ما قُسِمَ لهم من هذه المجاهدة الرياضيّة، والمِنَحِ الربَّانيَّة، وللكلام في تفاصيلِ ما أجملناه مَقَامٌ آخرُ.
و(قوله: مَن رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا. . .) الحديثَ؛ الرضا بهذه الأمورِ الثلاثة على قسمَين:
رِضًا عامٌّ: وهو ألا يَتَّخِذَ غيرَ الله ربًّا، ولا غيرَ دين الإسلام دينًا، ولا غيرَ محمَّد ﷺ رسولاً؛ وهذا الرضا لا يخلو عنه مسلم؛ إذ لا يَصِحُّ التديُّنُ بدين الإسلام إلا بذلك الرضا.
стр. 205
[٢٨] وعَن أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: ثَلَاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ:
ــ
والرضا الخاصُّ: هو الذي تكلَّم فيه أربابُ القلوب، وهو ينقسم على قسمَين: رضًا بهذه الأمور، ورضًا عن مُجرِيها تعالى؛ كما قال أبو عبد الله بنُ خَفِيف (١): الرضا قسمان: رضًا به، ورضًا عنه؛ فالرضا به مدبِّرًا، والرضا عنه فيما قضى، وقال أيضًا: هو سكونُ القلب إلى أحكامِ الرَّبّ، وموافقتُهُ على ما رَضِيَ واختار، وقال الجُنَيد: الرضا رفعُ الاختيار، وقال المُحَاسِبِيُّ: هو سكونُ القلب تحتَ مجاري الأحكام، وقال أبو عليٍّ الرُّوذبَارِيُّ: ليس الرضا ألَاّ يُحِسَّ بالبلاء، إنما الرضا ألَاّ يَعتَرِضَ على الحكم.
قال المؤلف - رحمه الله تعالى -: وما ذكره هؤلاءِ المشايخُ هو مبدأُ الرضا عندهم، وقد ينتهي الرضا إلى ما قاله النُّورِيُّ (٢): هو سرورُ القلبِ بِمُرِّ القضاء، وَسُئِلَت رابعةُ عن الرضا؟ فقالت: إذا سرَّتهُ المصيبةُ كما سرَّتهُ النعمةُ.
وقد غلا بعضهم وهو أبو سُلَيمَانَ الداراني، فقال: أرجو أن أكونَ عَرَفتُ طَرَفًا من الرضا، لو أنَّه أدخلني النارَ، لَكُنتُ به راضيًا. وقال رُوَيم: الرضا هو: لو جعَلَ جهنَّمَ عن يمينه، ما سَأَلَ أن يحَوَّلَ عن شماله.
قال المؤلف - رحمه الله تعالى -: وهذا غلو، وفيه إشكالٌ، والكلامُ فيه يُخرِجُ عن مقصودِ كتابنا. وعلى الجملة: فالرضا بابُ اللهِ الأعظمُ، وفيه جماعُ الخيرِ كلِّه؛ كما قال عمر لأبي موسى فيما كتب إليه: أما بعدُ! فإنَّ الخَيرَ كلَّه في الرضا؛ فإنِ استطَعَتَ أن ترضَى، وإلَاّ فاصبر.
و(قوله: ثَلَاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ) إنما خصَّ هذه
стр. 206
مَن كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِمَّا سِوَاهُمَا،
ــ
الثلاثَ بهذا المعنى؛ لأنَّها لا توجدُ إلا ممَّن تنوَّرَ قلبُه بأنوار الإيمان واليقين، وانكشَفَت له محاسنُ تلك الأمور التي أوجَبَت له تلك المَحَبَّةَ التي هي حالُ العارفين.
و(قوله: مَن كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِمَّا سِوَاهُمَا) دليلٌ على جواز إضافةِ المحبَّةِ لله تعالى، وإطلاقِهَا عليه، ولا خلافَ في إطلاقِ ذلك عليه صحيح مُحِبًّا ومحبوبًا؛ كما قال تعالى: فَسَوفَ يَأتِي اللَّهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُ وهو في السُّنَّة كثير.
ولا يختلف النُّظَّار من أهل السُّنَّة وغيرِهِم: أنَّها مُؤَوَّلةٌ في حق الله تعالى؛ لأنَّ المحبة المتعارَفَةَ في حقِّنا إنَّما هي مَيلٌ لما فيه غَرَضٌ يَستَكمِلُ به الإنسانُ ما نقصَهُ، وسكونٌ لما تَلتَذُّ به النفس، وتكمُلُ بحصوله، والله تعالى منزَّهٌ عن ذلك.
وقد اختلف أئمَّتنا في تأويلها في حَقِّ الله تعالى: فمنهم مَن صرفها إلى إرادتِهِ تعالى إنعامًا مخصوصًا على مَن أخبَرَ أنَّه يحبُّه من عباده؛ وعلى هذا تَرجِعُ إلى صفة ذاته. ومنهم: مَن صرفها إلى نفس الإنعام والإكرام؛ وعلى هذا فتكون من صفات الفعل. وعلى هذا المنهاج: يتمشَّى القولُ في الرحمة والنَّعمَة والرضا، والغضبِ والسَّخَط وما كان في معناها، ولِبَسطِ ذلك موضعٌ آخر.
فأما محبَّةِ العبد لله تعالى فقد تأوَّلها بعضُ المتكلِّمين؛ لأنَّهم فسَّروا المحبَّة بالإرادةُ، والإرادة إنما تتعلَّق بالحادث لا بالقديم، ومنهم مَن قال: لأنَّ محبتَنا إنَّما تتعلَّق بمستَلَذٍّ محسوسٍ، واللهُ تعالى منزَّهٌ (١) عن ذلك. وهؤلاءِ تأوَّلوا محبةَ العبدِ لله تعالى بطاعتِهِ له، وتعظيمِهِ إياه، وموافقتِهِ له على ما يريد منه. وأما أربابُ
стр. 207
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القلوب، فمنهم مَن لم يتأوَّل محبَّةَ العبدِ لله تعالى، حتى قال: المحبةُ لله تعالى هي الميلُ الدائم بالقلبِ الهائم، وقال أبو القاسم القُشَيرِيُّ: أما محبةُ العبدِ لله تعالى، فحالةٌ يجدها العبدُ من قلبه تَلطُفُ عن العبارة، وقد تحملُهُ تلك الحالةُ على التعظيمِ لله تعالى، وإيثارِ رضاه، وقلَّةِ الصبر عنه، والاحتياج إليه، وعَدَمِ الفرَارِ عنه، ووجودِ الاستئناسِ بدوامِ ذكره.
قال المؤلف - رحمه الله تعالى -: فهؤلاءِ قد صرَّحوا بأنَّ محبَّة العبد (١) لله تعالى: هي مَيلٌ من العبد وتَوَقَان، وحالٌ يَجِدُها المُحِبُّ مِن نفسه مِن نوعِ ما يجده في محبوباتِهِ المعتادةِ له، وهو صحيحٌ.
والذي يوضِّحه: أنَّ الله تعالى قد جَبَلَنا على الميل إلى الحُسنِ والجمال والكمال، فبقدر ما ينكشفُ للعاقل من حُسنِ الشيء وجمالِهِ، مالَ إليه وتعلَّقَ قلبُهُ به حتى يُفضِيَ الأمرُ إلى أن يستولي ذلك المعنَى عليه؛ فلا يَقدِرُ على الصبر عنه، وربَّما لا يشتغلُ بشيءٍ دونه.
ثم الحُسنُ والكمالُ نوعان: محسوسٌ، ومعنويٌّ: فالمحسوسُ: كالصور الجميلة المشتهاة نيلِ اللذَّةِ الجِسمَانية، وهذا في حقِّ الله تعالى محالٌ قطعًا. وأما المعنويُّ: فكمَنِ اتَّصَفَ بالعلومِ الشريفة، والأفعالِ الكريمة، والأخلاقِ الحميدة، فهذا النوعُ تميلُ إليه النفوسُ الفاضلة، والقلوب الكاملة ميلاً عظيمًا؛ فترتاحُ لذكرِه، وتتنعم بخُبرِهِ وخَبَرِهِ، وتهتزّ لسماعِ أقوالِه، وتتشوَّف (٢) لمشاهدة أحواله، وتلتذُّ بذلك لذةً رُوحَانيةً لا جِسمَانِيَّةً، كما تجده عند ذِكرِ الأنبياءِ والعُلَمَاء والفُضلَاءِ والكُرَمَاء من الميلِ واللذَّة والرِّقَّة والأنس، وإن كنَّا لا نَعرِفُ صورهم المحسوسة، وربَّما قد نَسمَعُ أنَّ بعضَهم مِن غير الأنبياء قبيحُ الصورة الظاهرة أو أعمَى أو أجذَم،
стр. 208
وَأَن يُحِبَّ المَرءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَاّ للهِ تعالى،
ــ
ومع ذلك: فذلك الميلُ والأُنسُ والتشوُّقُ موجودٌ لنا (١)؛ ومَن شَكَّ في وِجدانِ ذلك، أو أنكَرَهُ، كان عن جِبِلَّةِ الإنسانيَّةِ خارجَا، وفي غِمَارِ المعتوهين والجَا.
وإذا تقرَّر ذلك: فإذا كان هذا الموصوفُ بذلك الكمال قد أحسنَ إلينا، وفاضَت نعمُهُ علينا، ووصَلَنَا ببِرِّه، وعطفِهِ ولُطفِه، تضاعَفَ ذلك الميلُ، وتجدَّد ذلك الأُنس، حتَّى لا نصبرَ عنه، بل يستغرقنا ذلك الحال، إلى أن نُذهَلَ عن جميعِ الأشغال، بل ويطرأُ على المُشتَهرِ بذلك نوعُ اختلال.
وإذا كان ذلك في حَقِّ مَن كمالُهُ وجمالُهُ مُقيَّدًا مَشُوبًا بالنقص مُعَرَّضًا للزوال، كان مَن كمالُهُ وجمالُهُ واجبًا مطلقًا (٢) لا يشوبُهُ نقصٌ ولا يعتريه زوال، وكان إنعامُهُ وإحسانُهُ أكثرَ بحيثُ لا ينحصرُ ولا يُعَدّ، أولَى بذلك الميل وأحقَّ بذلك الحبّ، وليس ذلك إلَاّ لله وحده، ثُمَّ لمن خصَّه الله تعالى بما شاء مِن ذلك الكمال، وأكملُ نوع الإنسان محمَّدٌ عليه أفضل الصلاةِ والسلام.
فَمَن تَحَقَّق ما ذكرناه، واتّصَفَ بما وصفناه، كان اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه ممَّا سواهما، ومن كان كذلك تأهَّلَ للقائهما، بالاتِّصَافِ بما يُرضِيهما، واجتنابِ ما يُسخِطُهُمَا؛ ويستلزمُ ذلك كلُّه الإقبالَ بالكُلِّيَّة عليهما، والإعراضَ عمَّا سواهما إلاّ بإذنهما وأمرهما، ولتفصيلِ ذلك موضعٌ آخر.
و(قوله: وَأَن يُحِبَّ المَرءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَاّ للهِ) يعني: بالمرء هنا: المُسلِمَ المؤمنَ؛ لأنَّه هو الذي يمكنُ أن يُخلَصَ لله تعالى في محبَّتِه، وأن يُتَقَرَّبَ لله تعالى باحترامِهِ وحُرمَتِه؛ فإنه هو الموصوفُ بالأخوَّة الإيمانيَّة، والمحبَّة الدينيَّة؛ كما قال تعالى: إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ، وكما قال تعالى: فَأَصبَحتُم بِنِعمَتِهِ إِخوَانًا.
стр. 209
وَأَن يَكرَهَ أَن يَعُودَ فِي الكُفرِ بَعدَ أَن أَنقَذَهُ اللهُ مِنهُ كَمَا يَكرَهُ أَن يُقذَفَ فِي النَّارِ.
رواه أحمد (٣/ ١٠٣ و ١٧٤ و ٢٣٠)، والبخاري (١٦)، ومسلم (٤٣)، والترمذي (٢٦٢٦)، والنسائي (٨/ ٩٦)، وابن ماجه (٤٠٣٣).
* * *
ــ
وقد أفاد هذا الحديثُ: أنَّ محبَّةَ المؤمنِ الموصِّلَةَ لحلاوة (١) الإيمان لا بدَّ أن تكونَ خالصةً لله تعالى، غيرَ مشوبةٍ بالأَغراض الدنيويَّة، ولا الحظوظِ البشريَّة؛ فإنَّ مَن أحبَّه لذلك، انقطعَت محبَّته إن حصَلَ له ذلك الغرَضُ أو يئِسَ مِن حصوله.
ومحبَّةُ المؤمن وظيفةٌ متعيِّنة (٢) على الدوام، وُجِدَتِ الأغراضُ أو عُدِمَت، ولمَّا كانتِ المحبَّةُ للأغراضِ هي الغالبة، قَلَّ وِجدانُ تلك الحلاوة، بل قد انعدم، لا سيَّما في هذه الأزمان التي قد امَّحَى فيها أكثَرُ رسومِ الإيمان. وعلى الجملة: فمحبَّةُ المؤمنين من العبادات، التي لا بُدَّ فيها من الإخلاصِ في حُسنِ النيَّات.
و(قوله: وَأَن يَكرَهَ أَن يَعُودَ فِي الكُفرِ كَمَا يَكرَهُ أَن يُقذَفَ فِي النَّارِ) معنى يُقذَفَ: يُرمَى، والقذفُ: الرمي. وهذه الكراهةُ مُوحيَةٌ؛ لما انكشَفَ للمؤمن من محاسن الإسلام، ولِمَا دخَلَ قلبَهُ من نور الإيمان، ولِمَا خلّصه الله مِن رذائلِ الجهالاتِ وقُبحِ الكفران، والحمدُ لله.
* * *
стр. 210
(١٣) بَابٌ الإِيمَانُ شُعَبٌ، وَالحَيَاءُ شُعبَةٌ مِنهَا
[٢٩] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَ: الإِيمَانُ بِضعٌ وَسَبعُونَ شُعبَةً، وَالحَيَاءُ شُعبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: بِضعٌ وَسَبعُونَ - أو بِضعٌ وَسِتُّونَ - شُعبَةً، فَأَفضَلُهَا: قَولُ لا إِلهَ إِلا اللهُ، وَأَدنَاهَا: إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ،
ــ
(١٣) وَمِن بَابِ الإِيمَانُ شُعَبٌ، وَالحَيَاءُ شُعبَةٌ مِنهَا
(قوله: الإِيمَانُ بِضعٌ وَسَبعُونَ شُعبَةً) الإيمانُ في هذا الحديث يرادُ به: الأعمالُ، بدليل أنَّه ذكَرَ فيه أعلى الأعمال، وهو قولُ: لا إلهَ إلَاّ الله، وأدناها، أي: أقرَبَها، وهو إماطةُ الأذى، وهما عملان؛ فما بينهما مِن قبيل الأعمال. وقد قدَّمنا القولَ في حقيقة الإيمان شرعًا ولغةً، وأنَّ الأعمالَ الشرعيَّةَ تسمَّى إيمانًا مجازًا وتوسُّعًا؛ لأنَّها عن الإيمان تكونُ غالبًا. والبِضعُ والبِضعَةُ واحدٌ، وهو من العَدَدِ بكسر الباء، وقد تُفتَح وهو قليلٌ؛ ذكره الجوهريُّ. فأمَّا مِن بَضعِ اللحم فبِفَتح الباء لا غير، والبَضعَةُ من اللحم، بالفتح القطعةُ منه، واستعملَتِ العربُ البِضعَ في المشهور مِن كلامها: فيما بين الثلاثِ إلى العَشر، وقيل: إلى التِّسع، وقال الخليلُ: البِضعُ: سبع، وقيل: هو ما بين اثنَينِ إلى عَشر، وما بين عشَرَ إلى عشرين، ولا يقالُ في أحدَ عشَرَ، ولا في اثنَي عشر، وقال الخليلُ أيضًا: هو ما بين نِصفِ العَقد، يريد مِن واحدٍ إلى أربع.
والشُّعبَةُ في أصلها: واحدةُ الشُّعَب، وهي أغصانُ الشجر، وهي بضمِّ الشين، فأمَّا شُعَبُ القبائل، فواحدُهَا: شَعبٌ بفتحها، وقال الخليل: الشَّعب: الاجتماعُ والافتراق. وفي الصحاح: هو من الأضداد. فيُراد بالشُّعبة في الحديث
стр. 211
وَالحَيَاءُ شُعبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ.
رواه أحمد (٢/ ٤١٤ و ٤٤٥)، والبخاري (٩)، ومسلم (٣٥)، وأبو داود (٤٦٧٦)، والترمذي (٢٦١٤)، والنسائي (٨/ ١١٠)، وابن ماجه (٥٧).
ــ
الخَصلة، ويعني: أنَّ الإيمانَ ذو خصال معدودة، وقد ذكَرَ الترمذيُّ هذا الحديثَ، وسمَّى الشُّعبة بابًا (١)، فقال: بِضعٌ وستون أو بضع وسَبعُونَ، ولا يُلتَفَتُ لهذا الشكِّ؛ فإنَّ غيره من الثقات قد جَزَمَ بأنَّه بِضعٌ وسبعون، وروايةُ مَن جزَمَ أولى.
ومقصودُ هذا الحديثِ: أنَّ الأعمالَ الشرعيَّةَ تسمَّى إيمانًا على ما ذكرناه آنفًا، وأنَّها منحصرةٌ في ذلك العدد، غيرَ أنَّ الشرع لم يُعيِّن ذلك العدد لنا (٢) ولا فصَّله.
وقد تكلَّف بعضُ المتأخِّرين تعديدَ ذلك؛ فتصفَّحَ خِصَالَ الشريعةِ وعدَّدها، حتَّى انتهَى بها - في زعمه - إلى ذلك العَدَد، ولا يصحُّ له ذلك؛ لأنَّه يمكنُ الزيادةُ على ما ذكَرَ، والنقصانُ ممَّا ذكَرَ؛ ببيانِ التداخل.
والصحيحُ: ما صار إليه أبو سُلَيمان الخَطَّابيُّ وغيره: أنَّها منحصرةٌ في علمِ الله تعالى، وعِلمِ رسوله، وموجودةٌ في الشريعة، مفصَّلَةٌ فيها، غير أنَّ الشرعَ لم يُوقِفنَا على أشخاص تلك الأبواب، ولا عيَّن لنا عدَدَهَا، ولا كيفيَّةَ انقسامها، وذلك لا يَضُرُّنَا في عِلمنا بتفاصيلِ ما كُلِّفنا به مِن شريعتنا ولا في عملنا؛ إذ كلُّ ذلك مفصَّلٌ مُبيَّنٌ في جملةِ الشريعة، فما أُمِرنَا بالعَمَلِ به عَمِلنَاه، وما نُهِينَا عنه انتهَينَا، وإن لم نُحِط بِحَصرِ أعداد ذلك، والله تعالى أعلم.
والحياءُ: انقباضٌ وحِشمَةٌ يجدها الإنسانُ مِن نفسه عندما يُطَّلَعُ منه على
стр. 212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما يُستَقبَحُ ويُذَمُّ عليه، وأصلُهُ غريزيٌّ في الفطرة، ومنه مكتسَبٌ للإنسان؛ كما قال بعضُ الحكماء في العقل:
رَأَيتُ العَقلَ عَقلَينِ ... فَمَطبُوعٌ وَمَصنُوعُ
وَلَا يَنفَعُ مَصنُوعٌ ... إِذَا لَم يَكُ مَطبُوعُ
كَمَا لَا تَنفَعُ العَينُ ... وَضَوءُ الشَّمسِ مَمنُوعُ (١)
وهذا المكتَسَبُ: هو الذي جعلَهُ الشرعُ من الإيمان، وهو الذي يُكلَّفُ به.
وأمَّا الغريزيُّ فلا يكلَّفُ به؛ إذ ليس ذلك مِن كسبنا، ولا في وُسعنا، ولم يكلِّفِ اللهُ نفسًا إلَاّ وسعها؛ غير أنَّ هذا الغريزيَّ يَحمِلُ على المكتسب، ويُعِينُ عليه؛ ولذلك قال ﵊: الحَيَاءُ لَا يَأتِي إِلَاّ بِخَيرٍ، والحَيَاءُ خَيرٌ كُلُّهُ (٢). وأوَّلُ الحياءِ وأَولَاه: الحياءُ من الله تعالى، وهو ألَاّ يراك حيثُ نهاك، وذلك لا يكونُ إلَاّ عن معرفةٍ بالله تعالى كاملة، ومراقبةٍ له حاصلَة، وهي المعبَّرُ عنها بقوله: أَن تَعبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ؛ فَإِن لَم تَكُن تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ (٣).
وقد رَوَى الترمذيُّ مِن حديث ابن مسعود أَنَّهُ ﵊ قال: استَحيُوا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ، فَقَالُوا: إِنَّا نَستَحيِي وَالحَمدُ للهِ، فَقَالَ: لَيسَ ذَلِكَ، ولكنَّ الاستِحياءَ من الله حقَّ الحَيَاءِ: أَن تَحفَظَ الرَّأسَ وَمَا حَوَى، وَالبطنَ وما وَعَى، وَتَذكُرَ المَوتَ وَالبِلَى، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدِ استَحيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ (٤).
стр. 213
[٣٠] وَعَنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ مِنَ الأَنصَارِ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ، فَقَالَ: الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ.
رواه أحمد (٢/ ٥٦ و ١٤٧)، والبخاري (٢٤)، ومسلم (٣٦)، وأبو داود (٤٧٩٥)، والترمذي (٢٦١٨)، والنسائي (٨/ ١٢١)، وابن ماجه (٥٨).
ــ
قال الشيخ: وأهلُ المعرفة في هذا الحياءِ منقسمون؛ كما أنّهم في أحوالهم متفاوتون كما تقدم، وقد كان النبيُّ ﷺ جُمِعَ له كمالُ نوعَيِ الحياء، فكان في الحياءِ الغريزيِّ أشدَّ حياءً من العَذراء في خِدرها، وفي حيائِهِ الكسبيِّ في ذِروتها.
و(قوله: مر بِرَجُلٍ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ) أي: يَعذِلُهُ على كثرته، ويزجُرُهُ عنه.
و(قوله ﵊: دَعهُ) زجرٌ للواعظ؛ لأنَّه ﵊ عَلِمَ أنّ ذلك الشخصَ لا يضرُّهُ الحياءُ في دينه، بل ينفعُهُ؛ ولذلك قال له: دَعهُ، فَإِنَّ الحَيَاءَ لَا يَأتِي إِلَاّ بِخَير.
وقد يُفرِطُ الحياءُ على بعضِ الناس، حتَّى يمنعَهُ ذلك من القيامِ بحقِّ الله تعالى من الأمرِ بالمعروفِ وتغييرِ المنكر، ويحملَهُ على المداهنة في الحَقِّ، وكلُّ ذلك حياءٌ مذمومٌ شرعًا وطبعًا (١) يحرُمُ استعمالُهُ، ويجب الانكفافُ عنه؛ فإنَّ ذلك الحياءَ أحقُّ باسم الجُبنِ والخَوَر، وأَولَى منه باسمِ الحياءِ والخَفَر.
стр. 214
[٣١] وعَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: الحَيَاءُ لَا يَأتِي إِلَاّ بِخَير، فَقَالَ بُشَيرُ بنُ كَعبٍ: إِنَّهُ مَكتُوبٌ فِي الحِكمَةِ: أَنَّ مِنهُ وَقَارًا، وَمِنهُ سَكِينَةً، فَقَالَ عِمرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَن رَسُولِ الله ﷺ ، وَتُحَدِّثُنِي عَن صُحُفِكَ؟ !
رواه أحمد (٤/ ٤٢٧)، والبخاري (٦١١٧)، ومسلم (٣٧)، وأبو داود (٤٧٩٦).
* * *
ــ
و(قولُ بُشَير بن كعب: إِنَّ مِنهُ وَقَارًا، وَمِنهُ سَكِينَةً) يعني: إنَّ منه ما يحملُ صاحبَهُ على أن يُوَقِّرَ الناسَ ويتوقَّرُ هو في نفسه، ومنه: ما يحملُهُ على أن يَسكُنَ عن كثيرٍ ممَّا يتحرَّكُ الناسُ إليه مِنَ الأمورِ التي لا تليقُ بذوي المروءات.
ولم يُنكِر عِمرَانُ على بُشَيرٍ هذا القولَ مِن حيثُ معناه، وإنَّما أنكرَهُ عليه مِن حيثُ إنَّه (١) أتى به في مَعرِضِ مَن يعارضُ كلامَ رسولِ الله ﷺ بكلامِ الحكماءِ، ويقاومُهُ به؛ ولذلك قال له: أُحَدِّثُكَ عَن رَسُولِ الله ﷺ وَتُحَدِّثُنِي عَن صُحُفِكَ! وقيل: إنَّما (٢) أنكَرَه عليه؛ لأنَّه خافَ أن يَخلِطَ بالسُّنَّة ما ليس منها؛ فَسَدَّ ذريعةَ ذلك بالإنكار، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 215
(١٤) بَابُ الاِستِقَامَةِ فِي الإِسلَامِ، وَأَيُّ خِصَالِهِ خَيرٌ
[٣٢] عَن سُفيَانَ بنِ عَبدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: قُلتُ: يَا رسولَ الله، قُل لِي فِي الإِسلَامِ قَولاً لَا أَسأَلُ عَنهُ أَحَدًا بَعدَكَ - وَفِي رِوَايَةٍ: غَيرَكَ - قَالَ: قُل: آمَنتُ بِاللهِ، ثُمَّ استَقِم.
رواه أحمد (٣/ ٤١٣) و (٤/ ٣٨٥)، ومسلم (٣٨).
ــ
(١٤) وَمِن بَابِ الاِستِقَامَةِ فِي الإِسلَامِ، وَأَيُّ خِصَالِهِ خَيرٌ
(قوله: قُل لِي فِي الإِسلَامِ قَولاً لَا أَسأَلُ عَنهُ أَحَدًا بَعدَكَ) أي: علِّمني قولاً جامعًا لمعاني الإسلام، واضحًا في نفسه، بحيثُ لا يحتاجُ إلى تفسيرِ غيرك، أعمَلُ عليه، وأكتفي به؛ وهذا نحو ممَّا قاله له الآخر: عَلِّمنِي شَيئًا أَعِيشُ بِهِ فِي النَّاسِ، وَلَا تُكثِر عَلَيَّ فَأَنسَى، فَقَالَ: لَا تَغضَب (١). وهذا الجوابُ، وجوابُهُ بقوله: قُل: آمَنتُ بِاللهِ، ثُمَّ استَقِم؛ دليلٌ على أنَّ النبيَّ ﷺ أُوتِيَ جوامعَ الكَلِمِ، واختُصِرَ له القول اختصارًا؛ كما قال النبيُّ ﷺ مُخبِرًا بذلك عن نفسه (٢)؛ فإنّه ﵊ جمَعَ لهذا السائلِ في هاتَين الكلمتَين معانيَ الإسلام والإيمانِ كلَّها؛ فإنَّه أمره أن يجدِّدَ إيمانَهُ متذكِّرًا بقلبه، وذاكرًا بلسانه.
ويقتضي هذا استحضارَ تفصيلِ معاني الإيمانِ الشرعيِّ بقلبه، التي تقدَّم ذكرُهَا في حديثِ جبريل (٣)، وأَمرِهِ بالاِستقامةِ على