← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا البَرَانِسَ، وَلَا الخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ النَّعلَينِ فَليَلبَس خُفَّينِ، وَليَقطَعهُمَا أَسفَلَ مِن الكَعبَينِ، وَلَا تَلبَسُوا مِن الثِّيَابِ شَيئًا مَسَّهُ الزَّعفَرَانُ، وَلَا الوَرسُ. رواه أحمد (٢/ ٣ و ٤٧)، والبخاري (١٣٣)، ومسلم (١١٧٧) (١)، وأبو داود (١٧٣٧)، والترمذي (٨٣١)، والنسائي (٥/ ٢٢)، وابن ماجه (٢٩١٤). ــ على كل ما يستر الرِّجل مما يلبس عليها، وإنَّ لباس هذه الأمور جائز في غير الإحرام. وقوله: (إلا أحدٌ لا يجد النعلين فليلبس الخُفّين، وليقطعهما أسفل من الكعبين)؛ هذا الحديث ردٌّ على من قال: إن المحرم لا يقطع الخفين لأنه إضاعة مال، وهذا مِن هذا القائل حكم بالعموم على الخصوص، وهو عكس ما يجب؛ إذ هو: إعمال المرجوح وإسقاط الرَّاجح، وهو فاسد بالإجماع، ثم من قال بإباحة قطع الخُفّ، فإذا لبسه فهل تلزمه فدية، أم لا تلزمه؟ قولان: الأول: لأبي حنيفة. والثاني: لمالك، وهو الأولى؛ لأنه لو لزمته لبيَّنه النبي ﷺ للسَّائل حين سأله؛ إذ ذاك محل البيان ووقته، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة بالإجماع، وأيضًا فحينئذ يكون قطع الخُفّ لا معنى له؛ إذ الفدية ملازمة بلباسه غير مقطوع، فأما لو لبس الخُفّين المقطوعين مع وجود النعل للزمه الفدية بلبسهما، فإنه إنما أباح الشارع له لباسهما مقطوعين بشرط عدم النعلين، فلِبسُهُما كذلك غير جائز، هذا قول مالك، واختلف فيه قول الشافعي. وقوله: (ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسَّه الزعفران ولا الورس)؛ هذا مما أجمعت الأمَّة عليه؛ لأن الزَّعفَران والوَرس من الطيب، واستعمالهما ينافي بذاذة الحاجِّ، وشعثه المطلوب منه، وأيضًا فإنهما من مقدمات الوطء ومهيجاته، والمحرم ممنوع من الوطء ومقدماته، ويستوي في المنع منهما: الرِّجال والنِّساء،

стр. 1507

[١٠٤٨] وَعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَخطُبُ يَقُولُ: السَّرَاوِيلُ لِمَن لَا يَجِد الإِزَارَ، وَالخُفَّانِ لِمَن لا يَجِد النَّعلَينِ يَعنِي: المُحرِمَ. رواه مسلم (١١٧٨) (٤)، وأبو داود (١٨٢٩)، والنسائي (٥/ ١٣٢ - ١٣٣). [١٠٤٩] وَعَن يَعلَى بن أمية، وقال لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: لَيتَنِي أَرَى ــ وعلى لابس ذلك الفدية عند مالك، وأبي حنيفة، ولم يرها الثوري، ولا الشافعي، وإسحاق، وأحمد إذا لبس ذلك ناسيًا، فأما المعصفر فرآه الثوري وأبو حنيفة طيبًا كالمزعفر، ولم يره مالك، ولا الشافعي طيبًا، وكره مالك المقدَّم منه، واختلف عنه: هل على لابسه فدية، أم لا؟ وأجاز مالك سائر الثياب المصبَّغة بغير هذه المذكورات، وكرهها بعضهم لمن يُقتدى به. وقوله: (السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفان لمن لم يجد النعلين)، قال بظاهره أحمد بن حنبل، فأباح لباس الخُفّ والسَّراويل لمن لم (١) يجد النعلين والإزار غير مقطوعين، والجمهور على أنه لا يلبسهما حتى يقطع الخُفّ، ويفتق السِّراويل، ويصيره كالإزار، فأما لو لبسها كذلك للزمته الفدية، ودليل صحة هذا التأويل: قوله فيما تقدم في الخُفّ: (وليقطعهما أسفل من الكعبين)، والأصل المقرر: حمل المطلق على المقيد، ولا سيما إذا اتحدت القضية، وحكم السراويل في الفتق ملحق بالخُفّ في القطع؛ لمساقهما مقترنين في الحديث، ولاستوائهما في الشرط، ولشهادة المعنى لذلك، وقد تقدم في كتاب الصلاة: أن الورس: نبات أصفر يصبغ به.

стр. 1508

نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حِينَ يُنزَلُ عَلَيهِ، فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بِالجِعرَانَةِ وَعَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثَوبٌ قَد أُظِلَّ بِهِ عَلَيهِ، مَعَهُ فيه نَاسٌ مِن أَصحَابِهِ، فِيهِم عُمَرُ إِذ جَاءَهُ رَجُلٌ عَلَيهِ جُبَّةُ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحرَمَ بِعُمرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعدَ مَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فَنَظَرَ إِلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً ثُمَّ سَكَتَ، فَجَاءَهُ الوَحيُ. فَأَشَارَ عُمَرُ بِيَدِهِ إِلَى يَعلَى بنِ أُمَيَّةَ: تَعَالَ فَجَاءَ يَعلَى فَأَدخَلَ رَأسَهُ فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ مُحمَرُّ الوَجهِ يَغِطُّ سَاعَةً، ثُمَّ سُرِّيَ عَنهُ، فَقَالَ: أَينَ الَّذِي يسَأَلَنِي عَن العُمرَةِ آنِفًا؟ فَالتُمِسَ الرَّجُلُ فَجِيءَ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ ــ و(الجعرانة): ميقات من مواقيت العمرة، وفيه لغتان: التشديد في الراء، والكسر في العين، والتخفيف في الراء والإسكان في العين. و(المتضمخ): المتدهن بالطيب. و (الخلوق): بفتح الخاء: أخلاط من الطيب تجمع بالزعفران. و (الغَطُّ والغَطِيط): هو صوت النفس المتردد الذي يخرج من النائم، وهو البُهرُ الذي كان يغشاه عند معاينة المَلَك، وكانت تلك الحالة أشدُّ الوحي عليه. و (سُرِّيَ عنه): كُشِف عنه. و (آنفًا)؛ أي: الساعة. و (يلتمس): يطلب. وقوله: (أما الطيب فاغسله)؛ دليل على منع المُحرِم من استعمال الطيب في جسده، ووجه هذا المنع أن الطيب داعية من دواعي النكاح - على ما قدمناه -، ولا خلاف في منعه من الطيب بعد تلبسه بالإحرام، واختلف في استعماله قبل الإحرام، واستدامته بعد الإحرام: فمنعه مالك تمسّكًا بهذا الحديث، وأجاز ذلك الشافعي تمسكًا بحديث عائشة؛ قالت: كنت أطيِّب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم (١). وفي أخرى: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله ﷺ وهو محرم (٢)، واعتذر عن الحديث الأول بأن قال: إنما أمره بغسل ما عليه منه

стр. 1509

فَاغسِلهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَمَّا الجُبَّةُ فَانزِعهَا، ثُمَّ اصنَع فِي عُمرَتِكَ مَا تَصنَعُ فِي حَجِّكَ. وقد رواه من طرق، ولم يذكر في شيء منها ثلاث مرات. ــ لأن ذلك الطيب كان زعفرانًا، وقد نهى رسول الله ﷺ الرَّجل عن المَّزَعُفُر، وإن لم يكن مُحرِمًا. وهذا التأويل يأباه مساق الحديث، فتأمله. وقد تأول أصحابنا حديث عائشة تأويلات؛ أقربها تأويلان: أحدهما: أن ذلك الوبيص الذي أبصرته عائشة إنما كان بقايا دهن ذلك الطيب، تعذَّر قلعها، فبقيت بعد أن غُسِلت. وثانيهما: قاله أبو الفرج من أصحابنا: إن ذلك من خواصه ﷺ ؛ لأن المحرم إنما مُنِع من الطيب لئلا يدعوه إلى الجماع، والنبي ﷺ أملك الناس لإِربِه؛ كما قالت عائشة ﵂، وقد ظهرت خصائصه في باب النكاح كثيرًا. وقوله: (فاغسله ثلاث مرات)؛ دليل على المبالغة في غسله، حتى يذهب ريحه، وأثره، لا أن ثلاثًا حدٌّ في هذا الباب. ويحتمل: أن ثلاثًا راجع إلى تكرار قوله: (فاغسله)، فكأنه قال: اغسله، اغسله، اغسله. يدل على صحته ما قد روي من عادته ﷺ في كلامه، فإنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا. وقوله: (وأما الجبة فانزعها)؛ ردٌّ على الشعبي، والنخعي حيث قالا: إن ذلك الثوب يُشق؛ لأنه إذا خلعه من رأسه غطى رأسه، والمحرم ممنوع من تغطية رأسه. وهذا ليس بشيء؛ لأنا لا نسلم أن هذه التغطية منهي عنها؛ لأنه لا ينفك عن المنهي إلا بها، فصار هذا الخَلع مأمورًا به، فلا يكون هو الذي نُهي عنه المحرم. ويجري هذا مجرى من حَلَفَ ألا يلبس ثوبًا هو لابسه، ولا يركب دابَّة هو راكب ا. وأيضًا: فإن هذه التغطية لا ينتفع بها، فلا تكون هي المنهي عنها للمحرم، فإنه إنما نهي عن تغطية ينتفع بها على ما يأتي إن شاء الله تعالى. وقوله: (ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك)؛ هذا اللفظ جاء في أكثر

стр. 1510

وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ السائل: إِنِّي أَحرَمتُ بِالعُمرَةِ وَعَلَيَّ هَذَا، وَأَنَا مُتَضَمِّخٌ بِالخَلُوقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا كُنتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ؟ فقَالَ: أَنزِعُ عَنِّي هَذه الثِّيَابَ، وَأَغسِلُ عَنِّي هَذَا الخَلُوقَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : مَا كُنتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ فَاصنَعهُ فِي عُمرَتِكَ. رواه أحمد (٤/ ٢٢٢)، والبخاري (١٥٣٦)، ومسلم (١١٨٠)، وأبو داود (١٨١٩)، والترمذي (٨٣٦)، والنسائي (٥/ ١٣٠ و ١٣٢). * * * ــ الروايات غير مبين المراد، ناقصًا، مقلوبًا. وقد تَخَبَّط فيه كثير ممن تأوَّله على انفراده. والذي يوضح المراد منه على غايته رواية ابن أبي عمر في الأم؛ وفيها: أن الرجل السَّائل قال للنبي ﷺ : إني أحرمت بالعمرة وعليّ هذا، وأنا مُتَضَمِّخ بالخلوق. فقال له النبي ﷺ : (ما كنت صانعًا في حجك؟ ) قال: أنزع عني هذه الثياب، وأغسل عني هذا الخلوق. فقال له النبي ﷺ : (ما كنت صانعًا في حجك، فاصنعه في عمرتك) (١). وهذا سياق حسن. ومعنى واضح، تلخيصه: أن الرجل كان يعرف: أن المحرم بالحج يجتنب المخيط، والطيب. وظن: أن حكم المحرم بالعمرة ليس كذلك، فلبس، وتطيب، ثم أحرم وهو كذلك، ثم وقع في نفسه من ذلك شيء، فسأل النبي ﷺ عن ذلك؛ فقال له: (ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عمرتك)؛ يعني: من اجتناب ما كنت تَجتَنِبُه فيه. وهذا معنى واضح، ومساق حسن للحديث، فَليُغتَبَط به. وقد يستدل به للشافعي على قوله: إنه لا فدية على المتضمخ المحرم، ولا على اللابس؛ إذ لم يرو في طريقٍ من طرق هذا الحديث: أنه ﷺ أمره بفدية. وقد اعتذر من يُلزِمه الفدية على ذلك عن هذا الحديث، وهو أبو حنيفة، فإنه يُلزمها إياه مطلقًا. ومالك، وهو يلزمها إياه إذا انتفع بذلك،

стр. 1511

(٢) باب المواقيت في الحج والعمرة [١٠٥٠] عَن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَّتَ لِأَهلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيفَةِ وَلِأَهلِ الشَّامِ الجُحفَةَ، وَلِأَهلِ نَجدٍ قَرنَ المَنَازِلِ، وَلِأَهلِ اليَمَنِ يَلَملَمَ، ــ فإنه ﷺ لم يكن أوحي إليه في ذلك، ولا تقدم له فيه شيء. ولمالك: بأنه لم يطل ذلك عليه، ولم ينتفع به، والله أعلم. (٢) ومن باب: المواقيت قوله: (إن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجدة قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم)، وفي حديث أبي الزبير: (ومهل أهل العراق من ذات عِرق). معنى وقت: حدَّد وعيَّن، وظاهره يدل: على أن هذه الحدود لا يتعداها مريد الإحرام حتى يحرم عندها، وقد أجمع المسلمون على أن المواقيت مواضع معروفة في الجهات التي يدخل منها إلى مكة. فـ (ذو الحليفة): ماء من مياه بني جشم، على ستة أميال، أو سبعة من المدينة. و(الجحفة): بين مكة والمدينة، سُمِّي بذلك لأن السيول أجحفت بما حوله، وهو على ثمانية مراحل من المدينة. وتسمَّى أيضًا: (مَهيعة) بسكون الهاء، وقال بعضهم: بكسرها. و(قرن المنازل) بسكون الراء، وقد فتحها بعضهم، والأول أعرف. وقال القابسي: من قاله بالإسكان أراد الجبل، ومن فتح أراد الطريق الذي يقترب منه؛ فإنه موضع فيه طرق مختلفة. ويقال له أيضًا: قرن الثعالب، وهو جُبيل مستطيل تلقاء مكة بينه وبينها أربعون ميلاً. و(يلملم): جُبيل من جبال تهامة على ليلتين من مكة. ويقال فيه: (ألَملم) بالهمز. وأما: (ذات عِرق): فثنية، أو

стр. 1512

وَقَالَ: هُنَّ لَهُم وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيهِنَّ مِن غَيرِهِنَّ مِمَّن أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمرَةَ ــ هضبة بينها وبين مكة يومان وبعض يوم. فهذه مواقيت الحجِّ من المكان، لم يختلف في شيء منها إلا في ذات عِرق، والجمهور على أنه: ميقات لأهل العراق، وقد استحب الشافعي لأهل العراق أن يهلوا من العقيق، معتمدًا في ذلك على ما رواه ابن عباس قال: وقت رسول الله ﷺ لأهل المشرق العقيق (١)، خرَّجه أبو داود، وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف عندهم. وروي عن بعض السَّلف: أنه الرَّبَذَة. واختلف أيضًا فيمن وقت ذات عِرق؛ ففي البخاري: أن عمر بن الخطاب حدَّ لأهل العراق ذات عِرق (٢)، وقاله مالك. وحديث أبي الزبير عن جابر يدل على أنه بتوقيت رسول الله ﷺ ، غير أن فيه: (أحسبه) فلم يجزم بالرواية. وقد روى النسائي من حديث عائشة حديث المواقيت على ما جاء في حديث ابن عمر المتقدم، وقال: (ولأهل العراق ذات عِرق) (٣) فجزم في الرواية. وهو صحيح، ولا يستبعد هذا بأن يقال: بأن العراق إذ ذاك لم يكن فتح. فإن النبي ﷺ علم أنها ستفتح، وسيحج منها، فأعلم بذلك الميقات. وقد أقطع النبي ﷺ مواضع لقوم من المسلمين، وملكهم إيَّاها مع علمه بأنها في أيدي الكفار؛ بناءً منه على علمه: بأنها تفتح، كما أقطع تميمًا الداري بلد الخليل، وكتب له بذلك، وأشهد على نفسه أصحابه، على ما هو معروف مروي، وبعض تلك المواضع لم تزل بأيدي عَقِبِه حتى الآن. وقوله: (هن لهم ولكل آت أتى عليهن من غير أهلهن). هن: ضمير جماعة المؤنث العاقل في الأصل، وقد يعاد على ما لا يعقل، وأكثر ذلك في العشرة فدون، فإذا جاوزوها قالوه بهاء المؤنث، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ

стр. 1513

وَمَن كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِن حيث أَنشَأَ حَتَّى أَهلُ مَكَّةَ مِن مَكَّةَ. رواه أحمد (١/ ٢٤٩ و ٢٥٢)، والبخاري (١٥٢٦)، ومسلم (١١٨١) (١٢)، وأبو داود (١٧٣٧)، والترمذي (٨٣١)، والنسائي (١/ ٢٢) ــ اللَّهِ اثنَا عَشَرَ شَهرًا﴾ ثم قال: ﴿مِنهَا أَربَعَةٌ حُرُمٌ﴾ ثم قال: ﴿فَلا تَظلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُم﴾؛ ومعنى ذلك الكلام: أنها محدودة؛ لا يتعداها أحد يريد الإحرام بأحد النُّسُكَين. واختلف فيمن مرَّ على واحد من هذه المواقيت مريدًا للإحرام فجاوزه. فعن مالك: يرجع ما لم يحرم، أو يشارف مكة، فإذا رجع لم يلزمه دم، فلو أحرم لم يرجع لزمه الدم. وبه قال ابن المبارك، والثوري على خلاف عنه. وجماعة من (ل قهاء منهم أبو حنيفة يأمرونه بالرجوع؛ فإن رجع سقط عنه الدم. فأما من جاوز الميقات غير مريد للإحرام، ثم بدا له في النسك، فجمهور العلماء: على أنه يحرم من مكانه، ولا شيء عليه، وقال أحمد، وإسحاق: يرجع إلى الميقات. فأما من على الميقات قاصدًا دخول مكة من غير نسك، وكان ممن لا يتكرر دخوله إلى مكة، فهل يلزمه الإحرام منه، أو لا يلزمه؟ وإذا لم يلزمه، فهو على الاستحباب، ثم إذا لم يفعله، فهل يلزمه دم؛ أو لا يلزمه؟ اختلف فيه أصحابنا. وظاهر الحديث: أنه إنما يلزم الإحرام من أراد مكة لأحد النُّسكين خاصة. وهو مذهب الزهري، وأبي مصعب وجماعة من أهل العلم. وقوله: (فمن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ)؛ أي: من كان منزله دون المواقيت إلى مكة فيحرم من منزله، فخفف عنه الخروج إلى الميقات، فحينئذ يصير منزله ميقاتًا خاصًّا به؛ إذا ابتدأ الإحرام منه، فلو مرَّ من منزله بعد المواقيت بميقات من المواقيت المعينة العامة، وهو يريد الإحرام، وجب عليه أن يحرم منه،

стр. 1514

[١٠٥١] وعن ابن عمر نحوه. رواه أحمد (٢/ ٩ - ١١)، والبخاري (١٥٢٢)، ومسلم (١١٨٢) (١٣)، والنسائي (٥/ ١٢٥). [١٠٥٢] وعن أَبي الزُّبَيرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ يُسأَلُ عَن المُهَلِّ؟ فَقَالَ: سَمِعتُ أَحسَبُهُ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مُهَلُّ أَهلِ المَدِينَةِ مِن ذِي الحُلَيفَةِ، وَالطَّرِيقُ الآخَرُ الجُحفَةُ، وَمُهَلُّ أَهلِ العِرَاقِ مِن ذَاتِ عِرقٍ، وَمُهَلُّ أَهلِ نَجدٍ مِن قَرنٍ، وَمُهَلُّ أَهلِ اليَمَنِ مِن يَلَملَمَ. رواه مسلم (١١٨٣) (١٨). * * * ــ ولا يؤخر الإحرام إلى بيته لقوله ﷺ : (هن لهم (١)، ولكل آت أتى عليهن من غيرهن)، ويخالف هذا من كان ميقاته الجحفة ومرَّ بذي الحليفة؛ فإن له أن يؤخر الإحرام إلى الجحفة؛ لأن الجحفة ميقات منصوب نصبًا عاما، لا يتبدل، بخلاف المنزل، فإنه إضافي، يتبدل بتبدل الساكن، فانفصلا، والله تعالى أعلم. وقوله: (حتى أهل مكة من مكة)؛ يعني: أنهم يهلون منها، ولا يخرجون إلى ميقات من المواقيت المذكورة، فأما الإحرام بالحج فيصح من البلد نفسه، ومن أي موضع كان من الحل أو الحرم. وأما العمرة فلا بدَّ فيها من الجمع بين الحل والحرم. * * *

стр. 1515

(٣) باب الإحرام والتلبية [١٠٥٣] عَنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُهِلُّ مُلَبِّدًا، ــ (٣) ومن باب: الإحرام والتلبية قوله: (يهل مُلَبِّدًا (١))؛ أي: يرفع صوته بالتلبية. وأصل الإهلال: رفع الصوت عند رؤية الهلال. ثم يقال لكل من رفع صوته: أهل. والتلبيد: هو ضفر الرأس بالخطمي، أو الصمغ وشبهه مما يضم الشعر، ويلزق بعضه ببعض ليصير كاللبد، يمنعه بذلك من التَّمَعُّط والتقمل، وفعله جائز، وهو مستحب لمن يريد الحج أو العمرة، قاله عياض. و(الإحرام) هو: اعتقاد دخوله في أحد النسكين، وتقارنه أقوال: وهي: التلبية، وأفعال؛ منها: انبعاث الراحلة على ما يأتي. فأما التلبية: فاختلف في حكمها؛ فالجمهور: على أنها ليست بركن من أركان الحج، ولا شرط من شروطه، لكنها سنة مؤكدة يلزم بتركها الدم، ومن أصحابنا من عبَّر عنها: بأنها واجبة، ومراده: ما ذكرناه. وأبو حنيفة يعتقدها ركنًا وشرطًا في صحة الحج كالتكبير في إحرام الصلاة. وقاله ابن حبيب من أصحابنا، إلا أن أبا حنيفة على أصله في أنه: يجزئ عنها ما في معناها من التسبيح، والتهليل، وذكر الله تعالى؛ كما قال في التكبير. وحكمة مشروعية التلبية: إجابة الدَّاعي الذي دعا إلى الحج، وهو إبراهيم ﵇؛ إذ قال الله له: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالحَجِّ﴾ فصعد عرفة، فنادى: (ألا إن لله بيتًا فحجوه)، فبلَّغ الله دعوته كيف شاء، وعلى لسان نبيه ﷺ ، وأوجبه على المستطيعين. فأما (لبيك): فسيبويه، وأكثر النحويين على أنه: مثنى

стр. 1516

يَقُولُ: لَبَّيكَ اللَّهُمَّ لَبَّيكَ، لَبَّيكَ لَا شَرِيكَ لك لَبَّيكَ، إِنَّ الحَمدَ وَالنِّعمَةَ لك وَالمُلكَ لَا شَرِيكَ لَكَ. لَا يَزِيدُ عَلَى هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ. ــ للتكثير والمبالغة، ومعناه: إجابة بعد إجابة، وليس على حقيقة التثنية، وذهب يونس بن حبيب: إلى أنها اسم مفرد، وليس بمثنى، وإن ألفه انقلبت ياء لاتصالها بالضمير على حدِّ: لديّ. واختلفوا في اشتقاقها، فقيل: هي مأخوذة من قولهم: داري تلب دارك؛ أي: تواجهها، فكان الملبي قد توجه لمن دعاه وقصده. وقيل من قولهم: امرأة لبّةٌ: إذا كانت محبة لولدها، عاطفة عليه. وقيل: من لُبِّ الشيء وهو خالصه. وقيل: من لبَّ بالمكان، وألبَّ؛ أي: أقام ولزم. قال ابن الأنباري: وإلى هذا كان يذهب الخليل. وقيل: من الإلباب، وهو: القرب، قاله الحربي. وقيل: من قولهم: أنا ملبِّ بين يديك؛ أي: خاضع. وتكرارها ثلاثًا: توكيد. وقوله: (إن الحمد، والنعمة لك)؛ رويناها بكسر (إن) وفتحها، وهما روايتان مشهورتان عند أهل التقييد واللسان. قال الخطابي: الفتح رواية العامة. قال ثعلب: من فتح خصّ، ومن كسر عم. والاختيار: الكسر؛ لأن الذي يكسر يذهب إلى أن المعنى: إن الحمد على كل حال. والذي يفتح إلى أن المعنى: لبيك لهذا السبب؛ يعني: أن لبيك عمل فيها بواسطة لام الجر السببية، ثم حذف الجر لدلالة الكلام. والكلام على سعديك مثله على لبيك إلا في الاشتقاق. ومعناها: ساعدت يا رب طاعتك مساعدةً بعد مساعدةٍ. قال ابن الأنباري: معناه: أسعدك الله إسعادًا بعد إسعاد. وقوله: (والخير بيديك)؛ قد تقدم الكلام عليه. و (الرغباء) بفتح الراء والمد، وبضم الراء والقصر: هي الرغبة، ونظيرها: العلياء، والعليا. والنَّعماء والنُّعمى، ويعني بـ (العمل): أعمال الطاعات. أي: لا نعمل إلا لله وحده.

стр. 1517

وَإِنَّ عَبدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَركَعُ بِذِي الحُلَيفَةِ رَكعَتَينِ، ثُمَّ إِذَا استَوَت بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً عِندَ مَسجِدِ الحُلَيفَةِ أَهَلَّ بِهَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ. وَكَانَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ يُهِلُّ بِإِهلَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ، وَيَقُولُ: لَبَّيكَ اللَّهُمَّ لَبَّيكَ وَسَعدَيكَ، وَالخَيرُ فِي يَدَيكَ، لَبَّيكَ وَالرَّغبَاءُ إِلَيكَ وَالعَمَلُ. رواه أحمد (٢/ ٢٨ و ٤١)، والبخاري (١٥٤٩)، ومسلم (١١٨٤) (٢١)، وأبو داود (١٨١٢)، والترمذي (٨٢٥)، والنسائي (٥/ ١٥٩ - ١٦٥)، وابن ماجه (٢٩١٨). ــ وقوله: (كان ﷺ يركع بذي الحليفة ركعتين)؛ هاتان الركعتان للإحرام، ولذلك قلنا: إن من مشروعية الإحرام أن يكون بعد صلاة، فإن كانت للإحرام فهو أفضل، وإن أحرم بعد فريضة جاز. واستحب الحسن: أن يحرم بعد فريضة؛ لأنه روي: أن هاتين الركعتين كانتا صلاة الصبح، والأول أظهر. وإحرامه بعد صلاة الفرض أفضل منه بغير صلاة جملة (١)، ولا دم على من أحرم بغير صلاة عند مالك. وقوله: (ثم استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهلَّ بهؤلاء الكلمات)؛ إشارة إلى التلبية المتقدمة، وهذه الحالة هي التي عبَّر عنها في الروايات الأخرى؛ بانبعاث الراحلة، لا أنها أخذت في المشي. وبذلك أخذ مالك، وأكثر العلماء: أنه يهل إذا استوت به راحلته إن كان راكبًا، ويتوجه بعد ذلك. وإن كان راجلاً فحين يأخذ في المشي. وقال الشافعي: كذلك في الراكب إلا أنه ينتظرها

стр. 1518

[١٠٥٤] وَعَنهُ أَنَّ تَلبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : لَبَّيكَ اللَّهُمَّ لَبَّيكَ، لَبَّيكَ لَا شَرِيكَ لك، أنَّ الحَمدَ وَالنِّعمَةَ لك وَالمُلكَ لَا شَرِيكَ لك. قَالَ نافع: وَكَانَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا: لَبَّيكَ لَبَّيكَ لَبَّيكَ وَسَعدَيكَ، وَالخَيرُ بِيَدَيكَ، وَالرَّغبَاءُ إِلَيكَ وَالعَمَلُ. رواه مسلم (١١٨٤) (٢٠). [١٠٥٥] وَعَن ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ المُشرِكُونَ يَقُولُونَ: لَبَّيكَ لَا شَرِيكَ لك. قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيلَكُم قَد قَد، فَيَقُولُونَ: إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لك تَملِكُهُ وَمَا مَلَكَ، يَقُولُونَ: هَذَا وَهُم يَطُوفُونَ بِالبَيتِ. رواه مسلم (١١٨٥). * * * ــ حتى تنبعث. وقال أبو حنيفة: إذا سلم من الصلاة أهل. على ما جاء في حديث ابن عباس: أنه أحرم من المسجد بعد أن صلى فيه، وأوجبه في مجلسه (١). ولا شك في أن الأحسن في لفظ التلبية تلبية رسول الله ﷺ ، وتجوز الزيادة عليها، كما زاد ابن عمر، ولو لبَّى ملبٍّ بغير تلبية رسول الله ﷺ لم ينكر عليه، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يلبي منهم الملبي، فلا ينكر عليه، ويهل المهل، فلا ينكر عليه، على ما يأتي في حديث جابر. وقوله ﷺ للمشركين عند تلبيتهم بالتوحيد: (قدٍ، قدٍ)؛ أي: حسبُكم التوحيد، ينهاهم عن الشريك. ويقال: قط، قط، وقَد، قَد بالسكون، وهي: اسم من أسماء الأفعال، بمعنى: حسب.

стр. 1519

(٤) باب بيان المحل الذي أهل منه رسول الله ﷺ - [١٠٥٦] عن ابنُ عُمَرَ قَالَ: بيداؤكم هذه الَّتِي تَكذِبُونَ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا مِن عِندِ المسجد يعني ذا الحليفة، وَفِي رِوَايَةٍ: مَا أَهَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا مِن عِندِ الشَّجَرَةِ حِينَ قَامَ بِهِ بَعِيرُهُ. رواه أحمد (٢/ ١٠)، والبخاري (١٥٤١)، ومسلم (١١٨٦) (٢٣ و ٢٤)، وأبو داود (١٧٧١)، والنسائي (٥/ ١٦٢ - ١٦٣). ــ (٤) ومن باب: بيان المحل الذي أهل منه النبي ﷺ قوله: (بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها على رسول الله ﷺ )؛ البيداء: القفر الخالي عن العامر، ويسُمى: مفازة، على جهة التفاؤل، وهي مهلكة. وكل مفازة بيداء، والجمع: بيد، وهي هنا: عبارة عن المفازة التي بين مكة والمدينة. أولها شرف مرتفع قريب من مسجد ذي الحليفة، والشجرة هناك، وهذه المواضع كلها متقاربة. و(تكذبون) هنا: تخطئون. والكذب: الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه، فإن كان مع العمد فهو الكذب المذموم، وإن كان مع السهو والغلط فهو الخطأ. وقصد ابن عمر بإطلاق الكذب على هذا ليتثبت الناقل أو المفتي، حتى لا يقول أحد إلا ما يتحقق صحته، ووجهه. وقد اختلف النقلة في مَهِل النبي ﷺ ، فقال قائل: إنه أهل من المسجد بعد أن صلَّى ركعتين، وابن عمر يقول: من الشجرة، وغيره يقول: من البيداء. وقد صار الناس في الأخذ بهذه الأحاديث على طريقتين (١)؛ فمنهم من رجَّح بعض هذه الروايات. ومنهم من جمع؛ بأن قال: إن النبي ﷺ أهل في هذه المواضع كلها،

стр. 1520

[١٠٥٧] وَعَن عُبَيدِ بنِ جُرَيجٍ، أَنَّهُ قَالَ لِعَبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ يَا أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ! رَأَيتُكَ تَصنَعُ أَربَعًا لَم أَرَ أَحَدًا مِن أَصحَابِكَ يَصنَعُهَا، قَالَ: مَا هُنَّ يَا بنَ جُرَيجٍ؟ قَالَ: رَأَيتُكَ لَا تَمَسُّ مِن الأَركَانِ إِلَّا اليَمَانِيَينِ، وَرَأَيتُكَ تَلبَسُ النِّعَالَ السِّبتِيَّةَ، وَرَأَيتُكَ تَصبُغُ بِالصُّفرَةِ، وَرَأَيتُكَ إِذَا كُنتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوا الهِلَالَ، وَلَم تُهل أَنتَ حَتَّى يَكُونَ يَومُ التَّروِيَةِ. ــ فأخبر كل منهم بما سمعه، على ما يأتي من حديث ابن عباس. وقول ابن جريج لابن عمر: (رأيتك تصنع أربعًا، لم أر أحدًا من أصحابك يصنعها)؛ أي: يجمعها في فعله كما كان يجمعها ابن عمر، وإن كان يصنع بعضهم بعضها. واقتصار النبي ﷺ على استلام الركنين اليمانيين؛ لأن الركنين الآخرين، وهما اللذان يليان الحجر ليسا على تأسيس إبراهيم ﵇، ولما ردها ابن الزبير على قواعد إبراهيم استلم الأركان كلها. قاله القابسي. قال القاضي عياض: ولو بني الآن على ما بناه ابن الزبير لاستلمت كلها، كما فعل ابن الزبير. والجمهور على مس الركنين اليمانيين، وإن ذلك ليس بركن. والنعال السِّبتية بكسر السين: منسوبة إلى السبت - بالكسر -، هي التي أزال الدِّباغ شعرها. قال الشيباني: السِّبت: كل جلد مدبوغ. وقيل: السِّبت: دباغ يقلع الشعر، وهذا القول أحسن مِن قول مَن قال: إنها منسوبة إلى السبت - بفتح السين - وهو: الحلق؛ لأنه يلزم على القياس أن يقال: السَّبتية - بالفتح - ولم يسمع من يقوله هنا، ولا من يرويه. وكانت عادة العرب لباس النعال بشعرها، غير مدبوغة، وإنما كان يلبس المدبوغة مما كانت تصنع بالطائف وغيره أهل الرفاهية والسَّعة، كما قال شاعرهم (١): . . . . . . . . . . . . . . . . . ... يُحذَى نعَالَ السِّبتِ ليس بِتَوأَمِ (٢)

стр. 1521

فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ: أَمَّا الأَركَانُ فَإِنِّي لَم أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمَسُّ إِلَّا اليَمَانِيَينِ وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبتِيَّةُ فَإِنِّي رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيسَ فِيهَا شَعَرٌ، وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَن أَلبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفرَةُ فَإِنِّي رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَن أَصبُغَ بِهَا، وَأَمَّا الإِهلَالُ فَإِنِّي لَم أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ. رواه أحمد (٢/ ١٧ - ١٨)، والبخاري (١٦٦)، ومسلم (١١٨٧) (٢٥)، وأبو داود (١٧٧٢)، والترمذي في الشمائل (٧٤)، والنسائي (١/ ٨٠ - ٨١). ــ وأما صباغه بالصفرة، فقيل: المراد به: صباغ الشعر. وقيل: صباغ الثياب. قلت: وقد روى أبو داود من طرق صحاح ما يدل: على أن ابن عمر كان يصبغ لحيته وثيابه بالصفرة، وذلك أنه روي عن زيد بن أسلم: أن ابن عمر كان يصبغ لحيته بالصفرة حتى يملأ ثيابه، فقيل له: لم تصبغ بها؟ فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها، ولم يكن شيء أحبَّ إليه منها، كان يصبغ ثيابه كلها، حتى عمامته (١). قال أبو عمر بن عبد البر: لم يكن رسول الله ﷺ يصبغ بالصفرة إلا ثيابه. وأما الخضاب: فلم يكن ﷺ يخضب. قلت: وقد روى أبو داود عن أبي رِمثة ما يدل على خلاف ما قال أبو عمر. قال أبو رمثة: انطلقت مع أبي نحو النبي ﷺ فإذا هو ذو وفرة بها ردع من حِنَّاء، وعليه بُردان أخضران (٢). وأما اعتذار ابن عمر عن تأخيره الإهلال إلى يوم التروية فإنه لم ير رسول الله ﷺ يهل حتى تنبعث به راحلته. فوجهه: أنه لما رأى النبي ﷺ لم يحرم إلا إذا أخذ في أول عمل الحج، وهو المشي إليه إذا انبعثت به الراحلة؛ أخر

стр. 1522

[١٠٥٨] وعَن ابنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا وَضَعَ رِجلَهُ فِي الغَرزِ، وَانبَعَثَت بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً أَهَلَّ مِن ذِي الحُلَيفَةِ. رواه أحمد (٢/ ١٨ و ٣٩)، والبخاري (٢٨٦٥)، ومسلم (١١٨٧) (٢٧)، وابن ماجه (٢٩١٦). [١٠٥٩] وعنه قَالَ: بَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذِي الحُلَيفَةِ مَبدَأَهُ وَصَلَّى فِي مَسجِدِهَا. رواه مسلم (١١٨٨)، والنسائي (٥/ ١٢٦). * * * ــ هو الإحرام إلى يوم التروية، حتى يكون مشيه في عمل الحج عقب إحرامه. وقد أبعد من قال: إن هذا من باب القياس. بل هو تمسُّك بنوع الفعل الذي رآه يفعله على ما قررناه. وقد اختلف اختيار العلماء والسلف في ذلك على قولين: وهما عند مالك. واستحب بعض شيوخنا: أن يهل يوم التروية من كان خارجًا عن مكة، ولمن كان داخل مكة أن يهل من أول الشهر، وهو قول كثير من الصحابة والعلماء. وهو قول عمر بن الخطاب ﵁، قاله عياض. ويوم التروية: هو اليوم الثامن، وسُمي بذلك لأن الناس يتروون فيه للخروج إلى منى. وقيل: لأنهم كانوا يحملون معهم الروايا بالماء ليلة منى، فيروون من فيها. والغرز للناقة كالركاب للفرس. وهو ما توضع فيه الرِّجل للركوب. وقوله: (بات رسول الله ﷺ بذي الحليفة مبدأه، وصلَّى في مسجدها)؛ من فعل هذا فقد أحسن، وإن لم يكن عندهم من السنن. و(مبدأه) بضم الميم وفتحها؛ أي: ابتداء حجه.

стр. 1523

(٥) باب تطيب المحرم قبل الإحرام [١٠٦٠] عَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: كُنتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحرَامِهِ ــ (٥) ومن باب: التطيب للإحرام قول عائشة ﵂: (كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه)؛ أي: عند إحرامه. فاللام للتوقيت، كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمسِ﴾؛ أي: عند دلوك الشمس. وكذلك قولها: (ولحلِّه). فليست للتعليل هنا بالاتفاق؛ لأنهما كانا يكونان علة للتطيب؛ أعني: الإحرام والحل، بل هو نقيض مقصود الشرع من المحرم قطعًا. وهذه الرواية - أعني: لإحرامه - مفسِّرةٌ للرواية الأخرى التي قال فيها: لحرمه. ويقال: حُرم، وحِرم. بالضم والكسر. وأنكر ثابت الضم، وقال: إنما يقال: حِرمُه - بالكسر - كما يقال: حِلٌّ، وكما قرئ: وحِرمٌ - بالكسر -. وقد ذكرنا الخلاف في استدامة المحرم للطيب. و(وبيص الطيب): بريقه، وأثره. وهذا الطيب الذي ذكرته عائشة كان دهنًا له أثر فيه مسك. وبهذا يجتمع خلاف الروايات في ذلك؛ وإنما كان النبي ﷺ تطيب للطواف على نسائه في بيوتهن بالمدينة، في ليلة اليوم الذي خرج في بقيته إلى ذي الحليفة، فإنه بات بها، وأصبح محرمًا من صبيحة ليلتها، كما قد ذكرنا آنفًا، وأحرم بعد أن صلَّى الظهر، كما ظهر من حديث عبد الله بن عباس ﵄ الآتي: فاغتسل وغسل ما كان عليه من الطيب، غير أنه بقي عليه ما تعذر إزالته بعد الغسل من الرائحة (١). وعن هذا عبَّرت عائشة ﵂ بقولها: (ثم أصبح ينضخ طيبًا)، ومعنى (ينضخ): تعم رائحته، ويدرك إدراكًا كثيرًا، وأصله من: نضخ العين، وهو عبارة عن كثرة مائها، وفورانه. ومنه: ﴿فِيهِمَا عَينَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾

стр. 1524

قَبلَ أَن يُحرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبلَ أَن يَطُوفَ بِالبَيتِ. وَفِي رِوَايَةٍ: بطيب فيه مسك. رواه أحمد (٦/ ٣٩ و ١٨١)، والبخاري (١٧٥٤)، ومسلم (١١٨٩) (٣٣) و (١١٩١) (٤٦)، وأبو داود (١٧٤٥)، والنسائي (٥/ ١٣٧)، وابن ماجه (٢٩٢٦). [١٠٦١] وَعَنهَا قَالَت: كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ وَفِي رِوَايَةٍ: المسك - فِي مَفرِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحرِمٌ. رواه أحمد (٩/ ١٠٦ و ١٩١)، ومسلم (١١٩٠) (٣٩ و ٤٥)، والنسائي (٥/ ١٤٠)، وابن ماجه (٢٩٢٧). [١٠٦٢] وعن مُحَمَّدِ بنِ المُنتَشِرِ، قَالَ: سَمِعتُ ابنَ عُمَرَ يَقُولُ: لَأَن أُصبِحَ مُطَّلِيًا بِقَطِرَانٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن أَن أُصبِحَ أَنضَخُ طِيبًا قَالَ: فَدَخَلتُ ــ وقولها: (ولحلِّه قبل أن يطوف بالبيت)؛ أي: عند حله، كما تقدم، وقد نصَّت على أن ذلك قبل طواف الإفاضة، وذلك إنما كان بعد جمرة العقبة. وبظاهر هذه الأحاديث أخذ عامة العلماء، فأجازوا الطيب بعد التحلل الأصغر، وقبل الطواف، وكرهه مالك؛ لأنه لما لم يحل له وطء النساء بعد - بالاتفاق - فينبغي أن تمنع مقدمته التي هي الطيب. واعتذر بعض أصحابنا عن حديث عائشة هذا: بادعاء خصوصية النبي ﷺ بذلك. ولم ير مالك على من تطيب حينئذ دمًا؛ لأنه أوقعه بعد تحلل. و(مِفرق الرأس): موضع فرق الشعر. وقول ابن عمر ﵄: لأن أصبح مطليًّا بقطران أحب إلي من أن أصبح محرمًا أنضخ طيبًا)؛ موافق لقول النبي ﷺ للمتطيب المحرم: (اغسل عنك الطيب) كما تقدم. والتمسُّك به أولى من حديث عائشة؛ لأن الأول مقعد للقاعدة، وحديث عائشة قضية عينية، محتملة للخصوص، فالأول أولى.

стр. 1525

عَلي عَائِشَةَ فَأَخبَرتُهَا بِقَولِهِ، فَقَالَت: طَيَّبتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ فِي نِسَائِهِ ثُمَّ أَصبَحَ مُحرِمًا. وفي رواية: ينضخ طيبًا. رواه مسلم (١١٩٢) (٤٨ و ٤٩). * * * ــ وقولها: (فطاف في نسائه)؛ هو كناية عن الجماع، ويكون هذا مثل قول أبي رافع: طاف رسول الله ﷺ على نسائه ذات يوم، فجعل يغتسل عند هذه وعند هذه، فقلت: يا رسول الله! لو جعلته غسلاً واحدًا؟ قال: (هذا أزكى، وأطيب، وأطهر) (١) خرَّجه النسائي. ويقال على هذا: كيف دار عليهن في يوم واحد، واليوم لواحدة منهن؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أن العدل لم يكن عليه لهن واجبًا؛ بدليل قوله تعالى: ﴿تُرجِي مَن تَشَاءُ مِنهُنَّ وَتُؤوِي إِلَيكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابتَغَيتَ مِمَّن عَزَلتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيكَ﴾ والثاني: يحتمل أن التي كان في يومها أذنت له في ذلك. وهذا على تسليم أن ذلك كان عليه واجبًا، أو أنه ﷺ أخذ نفسه بذلك مجاملة، ومحاسنة، والله تعالى أعلم. ويحتمل أن يكون قولها: (طاف في نسائه)، بمعنى: تفقدهن في منازلهن لينظر فيما يحتجن إليه، لا سيما وكان في أهبة الخروج لسفره ذلك. * * *

стр. 1526

(٦) باب ما جاء في الصيد، وفي لحمه للمحرم [١٠٦٣] عَن ابنِ عَبَّاسٍ، عَن الصَّعبِ بنِ جَثَّامَةَ اللَّيثِيِّ أَنَّهُ أَهدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحشِيًّا وَهُوَ بِالأَبوَاءِ أَو بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا فِي وَجهِي، قَالَ: إِنَّا لَم نَردُدهُ عَلَيكَ ــ (٦) ومن باب: ما جاء في الصيد ولحمه للمحرم (الأبواء) - بفتح الهمزة، والمد -: بَرِّيَّة من عمل الفُرع، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً. و (وَدَان) بفتح الواو، وكذلك بينهما نحو ثمانية أميال بقرب من الجحفة. و(السُّقيا) قرية جامعة هناك، بينها وبين الفُرع مما يلي الجحفة تسعة عشر ميلاً. و (تعهن) بفتح التاء وكسرها، وسكون العين. وقد سمع من العرب من يقول: (بتُعَهِن) فيضم التاء، ويفتح العين، ويكسر الهاء. وروايتنا التقييد الأول. وهي: عين ماء على ميل من (السقيا) بالقاف لا بالفاء، وهو: وادي العباديد، على ثلاثة مراحل من المدينة. و(غيقة) بالغين معجمة مفتوحة، وبالقاف بينهما ياء، باثنتين من تحتها: موضع من بلاد بني غفار، بين مكة والمدينة. وقيل: هو قليب ماء لبني ثعلبة. وقوله: (إنا لم نردده عليك)، المحدِّثون يقيدون (لم نرده) بفتح الدال المضاعفة المجزومة، وإن كان متصلاً بهاء الضمير (١) المضمومة. وقيده المحققون: بضم الدال مراعاة للواو المتولدة عن ضمها لها، ولم يحفلوا بالهاء لخفائها، وكأنهم قالوا: (ردوا)؛ كما فتحوها مع هاء المؤنث مراعاة للألف، وكأنهم

стр. 1527

إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: أهدى الصعب بن جثامة إلى رسول الله ﷺ رجل حمار وحشي. وفي أخرى: عجز حمار وحشي يقطر دما. رواه أحمد (٤/ ٣٧ - ٣٨)، والبخاري (١٨٢٥)، ومسلم (١١٩٣) (٥٠) و (١١٩٤) (٥٤)، والنسائي (٥/ ١٨٣ - ١٨٤)، وابن ماجه (٣٠٩٠). ــ قالوا: (ردًّا)، وهذا مذهب سيبويه، وأبي علي الفارسي، وأهل التحقيق من أهل اللسان. وقوله: (إلا أنَّا حرم) بفتح (أنَّا) على أنه تعدَّى إليه الفعل بحرف التعليل. ولا خلاف في تحريم الصيد على المحرم. وفي تحريم ما صيد من أجله عليه. وعلى ذلك دلَّ قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيكُم صَيدُ البَرِّ مَا دُمتُم حُرُمًا﴾ وقوله: ﴿لا تَقتُلُوا الصَّيدَ وَأَنتُم حُرُمٌ﴾ ورد النبي ﷺ على الصَّعب هذا الصيد: إنما كان لأنه خاف أن يكون صاده من أجله، ألا تراه ﷺ كيف قَبِل حمار البَهزِيِّ (١) حين قال: هو لكم يا رسول الله! فأمر به رسول الله ﷺ فقُسمِّ بين الرفاق (٢). قال أبو محمد الأصيلي: إنما قَبِل رسول الله ﷺ حمار البهزي؛ لأنه كان مكتسبًا بالصيد، فحمله على عادته، ورد حمار الصَّعب لظنه أنه صاده من أجله. فإن قيل: فهذا يشكل على مذهب مالك؛ إذ يحكم: بأن ما صيد لأجل محرم لا يحل أكله، وهو ميتة عنده، ولم ينههم النبي ﷺ ، بل سوَّغه لهم بتركه في أيديهم،

стр. 1528

[١٠٦٤] وعنه وقَالَ لزَيدُ بنُ أَرقَمَ يَستَذكِرُهُ، كَيفَ أَخبَرتَنِي عَن لَحمِ صَيدٍ أُهدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ حَرَامٌ؟ قَالَ: قَالَ: أُهدِيَ لَهُ عُضوٌ مِن لَحمِ صَيدٍ فَرَدَّهُ فَقَالَ: إِنَّا لَا نَأكُلُهُ إِنَّا حُرُمٌ. رواه أحمد (٤/ ٣٦٧ و ٣٧٤)، ومسلم (١١٩٥)، وأبو داود (١٨٥٠)، والنسائي (٥/ ١٨٤). ــ وإقرارهم عليه! فالجواب: إن ذلك الحكم إنما يلزم على مذهبه فيما تحقق أنه صِيد لأجل المحرم، وليس في هذا الحديث ما يدل على أن النبي ﷺ قطع بذلك، ولا ظنه، وإنما امتنع من ذلك فيما يظهر ورعًا؛ كما قال في التمرة: (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها) (١)، والله أعلم. وقد أجاز غير واحد من العلماء أكل ما صاده حلال لمحرم لغير ذلك المحرم؛ منهم: عثمان ﵁. واختلفوا في حمار الصعب: هل أهداه للنبي ﷺ حيًّا أم ميتًا؟ وقد بوَّب البخاري على هذا الحديث ما يدل: على أنه فهم من الحديث أنه كان حيًّا، وعلى هذا الفهم يستدل به: على أن المحرم يرسل ما بيده من صيد؛ لأنه لم يسوغ لنفسه مُلكه لأجل الإحرام، وفيه أبواب من أحكام الهبات لا تخفى على متأمل. قلت: والروايات الأخر تدل على أنه كان ميتًا، وأنه أتاه بعضو منه. ويصح الجمع بين هذه الروايات المختلفة؛ إما على القول: بأنه ميت، فإنه جاء بالحمار ميتًا فوضعه بقرب النبي ﷺ ، ثم قطع منه ذلك العضو، فأتاه به، فصدق اللفظان. أو يكون أطلق اسم الحمار، وهو يريد بعضه، وهذا سائغ، وهو من باب التوسع والتجوز. وأما إن تنزلنا على أن الحمار كان حيًّا، فيكون قد أتاه به، فلما رده عليه، وأقره

стр. 1529

[١٠٦٥] وَعَن عَبدُ اللَّهِ بنُ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: انطَلَقَ أَبِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الحُدَيبِيَةِ فَأَحرَمَ أَصحَابُهُ وَلَم يُحرِم وَحُدِّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ عَدُوًّا بِغَيقَةَ فَانطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَبَينَمَا أَنَا مَعَ أَصحَابِهِ يَضحَكُ بَعضُهُم إِلَيَّ، إِذ نَظَرتُ فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِ وَحشٍ، فَحَمَلتُ عَلَيهِ فَطَعَنتُهُ فَأَثبَتُّهُ، فَاستَعَنتُهُم فَأَبَوا أَن يُعِينُونِي، فَأَكَلنَا مِن لَحمِهِا، وَخَشِينَا ــ بيده ذكاه، ثم أتاه منه بالعضو المذكور، ولعل الصعب ظن أنه إنما رده عليه لمعنى يخص الحمار بجملته، فلما جاءه بجزئه أعلمه بامتناعه أن حكم الجزء من الصيد كحكم الصيد، لا يحل للمحرم قبوله، ولا تملُّكه. وإنما احتجنا إلى هذه التكلفات لنرفع الاضطراب اللازم من تلك الروايات المختلفة على طريقتنا في روم الجمع بين الروايات المختلفة، فإنه الأحسن إذا أمكن، والله أعلم. وقوله في حديث أبي قتادة: (إن أصحابه أحرموا، ولم يحرم هو)، قيل في سبب بقاء أبي قتادة غير محرم أقوال: أحدها: أنه لم تكن وُقِّتت المواقيت، وفيه بُعد. وثانيها: أن النبي ﷺ بعثه في أصحابه لكشف عدوٍّ لهم بجهة السَّاحل، على ما ذكره مسلم. وثالثها: أن أهل المدينة أرسلوه إلى النبي ﷺ ليعلمه: أن بعض العرب عزم على غزو المدينة. وقوله: (فاستعنتهم، فأبوا أن يعينوني)؛ دليل على أبي حنيفة؛ إذ يرى: أن المعونة لا تؤثر إلا أن يكون الصيد لا يصح دونها. وامتناعهم من المعونة مطلقًا، ومن مناولة السَّوط ترد عليه، بل في الرواية الآتية قوله ﷺ : (أمنكم أحدٌ أمره أن

стр. 1530

أَن نُقتَطَعَ فَانطَلَقتُ أَطلُبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرفَعُ فَرَسِي شَأوًا وَأَسِيرُ شَأوًا، ــ يحمل عليها، أو أشار إليها؟ ) قالوا: لا. قال: (فكلوا)، ظاهره: أنه لو أعانه أحدٌ لمنعهم من أكلها. وقد اختلف في وجوب الجزاء على المحرم الدَّال للحلال، فقال مالك، والشافعي، وأبو ثور: لا شيء عليه. وقال الكوفيون، وأحمد، وإسحاق، وجماعة من الصحابة، والتابعين: عليه الجزاء. وكذلك اختلفوا في المحرم إذا دلَّ محرمًا آخر؛ فذهب الكوفيون، وأشهب من أصحابنا: إلى أن على كل واحد منهم جزاء. وقال مالك، والشافعي وأبو ثور: الجزاء على المحرم القاتل. وكذلك الخلاف فيما لو أعانه بالرمح، أو بالسَّوط، وبأي معونة كانت. وقال بعض شيوخنا: لو أشار إليه ليصيد؛ لكان دالاًّ، ويجري فيه الخلاف المتقدم. وقوله: (أرفع فرسي شأوًا، وأسير شأوًا)؛ أي: أرفع في سيره، وأجريه. و (الشأو): الطَّلق (١). وقوله: (خشينا أن نقتطع)؛ أي: خفنا أن يحال بيننا وبينهم، ويقطع بنا عنهم. وقوله: (أصدت)؛ أصله: أصطدت، فأدغمت الطاء في الصاد لتقاربهما. وقوله ﷺ للقوم: (كلوا) وهم محرمون، وأكله منه وهو محرم؛ دليل على من منع المحرم من أكل لحم الصيد. وهو مروي عن عطاء، وابن عبَّاس، وجماعة من السَّلف، وهو قول سفيان الثوري، وإسحاق. وذكر نحوه عن مالك والليث. وقوله: (فجعل بعضهم يضحك إلى بعض)؛ لم يكن ضحكهم لينبهوه على

стр. 1531

فَلَقِيتُ رَجُلاً مِن بَنِي غِفَارٍ فِي جَوفِ اللَّيلِ، فَقُلتُ: أَينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: تَرَكتُهُ بِتَعهِنَ، وَهُوَ قَائِلٌ السُّقيَا، فَلَحِقتُهُ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَصحَابَكَ يَقرَءُونَ عَلَيكَ السَّلَامَ وَرَحمَةَ اللَّهِ، وَإِنَّهُم قَد خَشُوا أَن يُقتَطَعُوا دُونَكَ انتَظِرهُم فَانتَظَرَهُم، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَصَدتُ وَمَعِي مِنهُ فَاضِلَةٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلقَومِ: كُلُوا وَهُم مُحرِمُونَ. رواه أحمد (٥/ ١٩٠ و ٣٠١)، والبخاري (١٨٢١)، ومسلم (١١٩٦) (٥٩)، والنسائي (٥/ ١٨٦)، وابن ماجه (٣٠٩٣). [١٠٦٦] وَعَن أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعضِ طَرِيقِ مَكَّةَ تَخَلَّفَ مَعَ أَصحَابٍ لَهُ مُحرِمِينَ، وَهُوَ غَيرُ مُحرِمٍ فَرَأَى حِمَارًا وَحشِيًّا، فَاستَوَى عَلَى فَرَسِهِ، فَسَأَلَ أَصحَابَهُ أَن يُنَاوِلُوهُ سَوطَهُ فَأَبَوا فَسَأَلَهُم رُمحَهُ فَأَبَوا عَلَيهِ، فَأَخَذَهُ، ثُمَّ شَدَّ عَلَى الحِمَارِ، فَأَكَلَ مِنهُ بَعضُ أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبَى بَعضُهُم، فَأَدرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلُوهُ عَن ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّمَا هِيَ طُعمَةٌ أَطعَمَكُمُوهَا اللَّهُ. ــ الصيد، وإنما كان - والله أعلم - تعجبًا من إتيان هذا الصيد، وتأتي صائده الحلال له ولم يفطن له. وأما لو ضحك منبهًا: فقال الداودي: لم يمنع من أكله. قلت: ولا بُعد في أن يقال: إن ذلك كالإشارة؛ إذ قد حصل منه ما يحصل من المشير من التنبيه. وقوله: (تركته بتعهن)، قائل السُّقيا. قائل: اسم فاعل من القول، ومن القائلة أيضًا، والأول هو المراد هنا، والسقيا: مفعول بفعل مضمر، كأنه قال: اقصدوا السقيا.

стр. 1532

وَفِي رِوَايَةٍ: فقال: هُوَ حَلَالٌ فَكُلُوهُ. وفي أخرى: فقال: هَل مَعَكُم مِن لَحمِهِ شَيءٌ؟ . فقَالُوا: مَعَنَا رِجلُهُ قَالَ: فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَكَلَهَا. وفي أخرى: أَمِنكُم أَحَدٌ أَمَرَهُ أَن يَحمِلَ عَلَيهَا، أَو أَشَارَ إِلَيهَا؟ قَالُوا لَا. قال: فكلوا ما بقي من لحمها. رواه أحمد (٥/ ٣٠١)، والبخاري (٢٩١٤) ومسلم (١١٩٦) (٥٦ و ٥٧ و ٥٨ و ٦٣)، وأبو داود (١٨٥٢)، والنسائي (٥/ ١٨٢). [١٠٦٧] وعن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عُثمَانَ التَّيمِيِّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ طَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ، وَنَحنُ حُرُمٌ فَأُهدِيَ لَهُ طَيرٌ، وَطَلحَةُ رَاقِدٌ فَمِنَّا مَن تَوَرَّعَ، فَلَمَّا استَيقَظَ طَلحَةُ وَفَّقَ مَن أَكَلَهُ، وَقَالَ: أَكَلنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رواه أحمد (١/ ١٦٢)، ومسلم (١١٩٧)، والنسائي (٥/ ١٨٢). * * * ــ وقوله: (هل معكم من لحمه شيء)، وأكله لما أعطوه منه؛ كل ذلك تطييب لقلوبهم، وتسكين لنفرة من نفر منهم، وإبانة لحلِّيته بأقصى الممكن. وقول عبد الرحمن التيمي: (فمنا من تورع)؛ أي: كفَّ ورعا؛ أي: لم يتوقف جازمًا بالمنع، ولكنه تردد وتخوَّف، فتورع. والورع، والرعة: الانكفاف عما يريب. وقوله: (فلما استيقظ طلحة وفَّق من أكله)؛ أي: صوبه، وقال: (هو موفق مسدد). وقوله: (أكلناه مع رسول الله ﷺ )؛ أي: ونحن محرمون.

стр. 1533

(٧) باب ما يقتل المحرم من الدواب [١٠٦٨] عَن عَائِشَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: خَمسٌ فَوَاسِقُ يُقتَلنَ فِي الحِلِّ وَالحَرَمِ: ــ (٧) ومن باب: ما يقتل المحرم من الدَّواب قوله: (خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم)، وقد تقدم: أن الفسق لغة هو الخروج مطلقًا. وهو في لسان الشرع: اسم ذم؛ إذ هو خروج عن الطاعة، أو عن الحرمة. وتسميته ﷺ هذه الخمس فواسق: لأنهن خرجن عن الحرمة التي لغيرهن من الحيوانات، لا سيما على المحرم، وفي الحرم، وفي الصلاة. ويحتمل أن يقال: سميت فواسق: لخروجهن من حجرتهن لإضرار بني آدم، وأذاهم. وهذا الحديث روي من طرق متعددة، فذكر في بعضها لفظ: (خمس)، ولم يذكره في بعضها. فالألفاظ التي ذكر فيها: (خمس) لم تزد، غير أنه ذكر في بعضها: الحية، وفي بعضها: العقرب بدل الحية. وهي في كل ذلك خمس. وأما التي لم يذكر فيها لفظ الخمس، فجمع فيها بين العقرب والحية. فصارت ستًّا. وفي غير كتاب مسلم ذكر الأفعى، فعددها لذلك بعضهم سبعًا، وليس كذلك؛ لأن الحية تناولت الأفعى وغيرها من جنسها، وإنما هو خلاف لفظي. والصحيح: أنها ست، كما جاء في الطريق التي لا حصر فيها. قال القاضي أبو الفضل: لا خلاف بين العلماء في استعمال الحديث، وجواز قتل ما ذكر فيه للمحرم، إلا شذوذًا، روي عن علي ﵁ أنه لا يقتل الغراب، لكن يرمى. ولا يصح عنه. وحكي عن النخعي: أنه لا يقتل المحرم الفأرة، فإن قتلها فداها. وهذا خلاف النص. واختلف العلماء: هل المراد بما سُمي في الحديث أعيانها، أم التنبيه على المعاني المتأذي بها منها؟ قال الإمام أبو عبد الله: فمالك، والشافعي يريان الحكم يتعلق بمعاني هذه الخمس دون أسمائها، وأنها إنما ذكرت لينبه بها على ما شركها في

стр. 1534

الحَيَّةُ، وَالغُرَابُ، الأَبقَعُ، وَالفَأرَةُ، وَالكَلبُ العَقُورُ، وَالحُدَيَّا. وَفِي رِوَايَةٍ: العَقرَبُ مَكَانَ الحية. رواه أحمد (٦/ ٢٥٩)، والبخاري (٣٣١٤)، ومسلم (١١٩٨) (٦٧ و ٦٨)، والنسائي (٥/ ٢٠٨)، وابن ماجه (٣٠٨٧). [١٠٦٩] وعن ابن عمر عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: خَمسٌ لَا جُنَاحَ عَلَى مَن قَتَلَهُنَّ فِي الحَرَمِ وَالإِحرَامِ: الفَأرَةُ، وَالغُرَابُ، وَالحِدَأَةُ، وَالعَقرَبُ، وَالكَلبُ العَقُورُ. رواه البخاري (١٨٢٦)، ومسلم (١١٩٩)، وأبو داود (١٨٤٦)، والنسائي (٥/ ١٨٧ - ١٨٨)، وابن ماجه (٣٠٨٨). ــ العلَّة. فقال الشافعي: العلَّة أن لحومها لا تؤكل، وكذلك: كل ما لا يؤكل لحمه من الصيد. ورأى مالك: أن العلَّة كونها مضرة، وأنه إنما ذكر الكلب العقور لينبه به على ما يضر بالأجسام على جهة الاختلاس، وذكر الحدأة والغراب للتنبيه على ما يضر بالأموال اختفاءً. وقد اختلف في المراد بالكلب العقور. فقيل: هو الكلب المألوف. وقيل: المراد به كل ما يفترس؛ لأنه يسمِّى في اللغة: كلبًا. ومذهب مالك أن ما لا يبتدئ جنسه بالأذى - كسباع الطير - لا يقتل إلا أن يخافه المرء على نفسه، فتؤدي مدافعته إلى قتله، فلا شيء عليه. وأما قتل صغار ما يجوز قتل كباره؛ فلا يجوز على قول. وعلى هذا: لو قتلها؛ فهل عليه جزاء أم لا؟ فقولان. وقوله: (الغراب الأبقع)؛ تقييد لمطلق الروايات الأخر التي ليس فيها الأبقع. وبذلك قالت طائفة، فلا يجيزون إلا قتل الأبقع، وهو الذي في بطنه وظهره بياض. وغير هذه الطائفة رأوا جواز قتل الأبقع وغيره من الغربان. ورأوا أن ذكر الأبقع إنما جرى لأنه الأغلب عندهم. و(الحدأة) بكسر الحاء، مهموز،

стр. 1535

[١٠٧٠] وعنه قال: حَدَّثَتنِي إِحدَى نِسوَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَأمُرُ بِقَتلِ الكَلبِ العَقُورِ وَالفَأرَةِ وَالحُدَيَّا وَالغُرَابِ وَالحَيَّةِ قَالَ: وَفِي الصَّلَاةِ أَيضًا. رواه مسلم (١٢٠٠) (٧٥). * * * ــ والجمع: حِداء: مقصور، مهموز. وكذا في بعض الروايات. وأما رواية: (الحديا)؛ فقال ثابت: صوابه: الهمز على معنى التذكير، وإلا فحقيقته: الحديئة، وكذا قيده في صحيح البخاري. أو: (الحدية) على التسهيل. وقول القاسم في الأم: تقتل بصغر لها؛ أي: بمذلة وقهر، كما قال تعالى: ﴿وَهُم صَاغِرُونَ﴾ و(العقور) في وصف الكلب: هو الذي يعقر كثيرًا؛ أي: يجرح. يقال: سرج معقر: إذا كان يجرح الدابة. قال الشاعر (١): . . . . . . فتنفست (٢) ... كتنفس الظبي العقير أي: المجروح. وقيل: الدَّهِش. وقد استدل مالك، والشافعي، وأصحابهما بإباحة قتل هذه الفواسق في الحرم؛ على أن الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًا بحدٍّ. وذهب أبو حنيفة إلى الفرق بين ما اجترحه فيه مما يوجب القتل، فيقام فيه، وبين ما اجترحه خارجًا فيلجأ إلى الخروج، بأن يضيق عليه حتى يخرج، فيقام عليه خارجه. وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى. وقوله: (وفي الصلاة أيضًا)؛ يعني: أنه يجوز لمن كان في الصلاة أن يقتل هذه الدواب في الصلاة، ولا يخرج عن الصلاة بقتلها؛ اللهم إلا أن يحتاج في محاولة ذلك إلى عمل كثير يخرج به عن سنة الصلاة وهيئتها، فإن فعل ذلك استأنف صلاته.

стр. 1536

(٨) باب الفدية للمحرم [١٠٧١] عَن كَعبِ بنِ عُجرَةَ قَالَ: أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الحُدَيبِيَةِ وَأَنَا أُوقِدُ تَحتَ قِدرٍ لِي: وَالقَملُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجهِي، فَقَالَ: أَتُؤذِيكَ هَوَامُّ رَأسِكَ؟ قَالَ: قُلتُ: نَعَم. قَالَ: فَاحلِق وَصُم ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ــ (٨) ومن باب: الفدية للمحرم قوله: (أتؤذيك هوام رأسك)؛ سؤال عن تحقيق العلَّة التي يترتب عليها الحكم. و (تؤذيك): تؤلمك. ولما أخبره بالمشقة التي هو فيها خفف عنه، وقد تبين بمجموع روايات هذا الحديث: أنه كان محرمًا، وأنه لما أباح له الحلق أعلمه بما يترتب على ذلك من الفدية، وأنها ثلاثة أنواع مخيَّر بينها، وأن الصيام ثلاثة أيام، وأن الإطعام لستة مساكين مُدَّين، مُدَّين لكل مسكين، وأن النسك شاة، فصار هذا الحديث مفسرًا لما في قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَرِيضًا﴾ الآية، من مجمل. وصار هذا الحديث مع الآية أصلاً: في أن المحرم إذا استباح شيئًا من ممنوعات الإحرام التي لا تفسده، فانتفع بذلك، لزمته الفدية. قال أحمد بن صالح: حديث كعب بن عجرة معمول به عند الجميع. قال القاضي أبو الفضل: ولم يقع في شيء منه خلاف إلا في الإطعام، فروي عن أبي حنيفة، والثوري: أن الصاع إنما هو في التمر والشعير، وأما البر: فنصف صاع. وعن أحمد رواية: مُدّ من البر، ونصف صاع من غيره، وكذلك روي عن الحسن، وعن بعض السَّلف: أن الإطعام لعشرة مساكين، والصيام عشرة أيام، ولم يتابعوا عليه. واتفق غير هؤلاء وكل من جاء بعدهم: على إطعام ستة مساكين، وصيام ثلاثة أيام.

стр. 1537

أَو أَطعِم سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَو انسُك نَسِيكَةً. قَالَ أبو قلابة: فَلَا أَدرِي بِأَيِّ ذَلِكَ بَدَأَ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهَ ﵊ مر به قبل أن يدخل مكة وهو محرم. وفي أخرى: فقال له النبي ﷺ : احلِق ثُمَّ اذبَح شَاةً نُسُكًا، أَو صُم ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَو أَطعِم ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِن تَمرٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ. وفي أخرى: قال كعب: فِيَّ خاصة نزِلَت هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَرِيضًا أَو بِهِ أَذًى مِن رَأسِهِ﴾ وهي لكم عامة. رواه أحمد (٤/ ٢٤١)، والبخاري (١٨١٧)، ومسلم (١٢٠١) (٨٠ و ٨٢ و ٨٣ و ٨٤)، والترمذي (٢٩٧٤)، والنسائي (٥/ ١٩٤)، وابن ماجه (٣٠٨٠). * * * ــ قلت: وتلك الأقوال كلها مخالفة لنص الحديث المتقدم، وهو حجة على كل من خالفه. ويستوي عندنا لزوم الفدية في حق العامد، والناسي، والمخطئ. وخالف (١) في الناسي الشافعي في أحد قوليه، وداود وإسحاق؛ فقالوا: لا دم عليه. وقوله: (أو انسك نسيكة)، وفي الأخرى: (ثم اذبح شاة نسكًا)؛ دليل على أنها ليست بهدي، وإذا كان كذلك، فيجوز أن يذبحها حيث شاء، وكذلك الإطعام يخرجه حيث شاء، وهو قول مالك وغيره. ولم يختلف قول الشافعي: في أن

стр. 1538

(٩) باب جواز مداواة المحرم بالحجامة وغيرها مما ليس فيه طيب [١٠٧٢] عن ابن عباس، أنَ النَّبِيُّ ﷺ احتجم وهو محرم. رواه أحمد (١/ ٢١٥)، والبخاري (١٩٣٩)، ومسلم (١٢٠٢)، وأبو داود (٢٣٧٢)، والترمذي (٧٧٧)، وابن ماجه (١٦٧٢). [١٠٧٣] وَعَن ابنِ بُحَينَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احتَجَمَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ وَهُوَ مُحرِمٌ وَسَطَ رَأسِهِ. رواه البخاري (١٨٣٦)، ومسلم (١٢٠٣)، والنسائي (٥/ ١٩٤)، وابن ماجه (٣٤٨١). ــ الدم، والإطعام لا يكون إلا بمكة. واختلف فيه قول أبي حنيفة، فقال مرة بقول الشافعي، ومرة قال بذلك في الدم دون الإطعام. ولم يختلف في الصيام: أنه يفعله حيث شاء. (٩) ومن باب: جواز مداواة المحرم بما ليس فيه طيب قوله: (احتجم رسول الله ﷺ في وسط رأسه)؛ لا خلاف بين العلماء في جواز الحجامة للمحرم، حيث كانت من رأس أو جسد للضرورة، وأما لغير الضرورة في جسده، حيث لا يحلق شعرًا: فجمهورهم على جوازه. ومالك يمنعه. واتفقوا: على أنه إذا احتجم برأسه، فحلق لها شعرًا: أنه يفتدي. وجمهورهم على أن حكم شعر الجسد كذلك، إلا داود فإنه لا يرى في حلق شعر الجسد لضرورة

стр. 1539

[١٠٧٤] وعن نُبَيهُ بنُ وَهبٍ، أَنَّ عُمَرَ بنَ عُبَيدِ اللَّهِ بنِ مَعمَرٍ رَمِدَت عَينُهُ، فَأَرَادَ أَن يَكحُلَهَا، فَنَهَاهُ أَبَانُ بنُ عُثمَانَ، وَأَمَرَهُ أَن يُضَمِّدَهَا بِالصَّبِرِ، وَحَدَّثَ عَن عُثمَانَ بنِ عَفَّانَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ. رواه أحمد (١/ ٦٠)، ومسلم (١٢٠٤) (٩٠)، وأبو داود (١٨٣٨)، والترمذي (٩٥٢)، والنسائي (٥/ ١٤٣). * * * ــ الحجامة دمًا. والحسن يوجب عليه الدم بالحجامة. و(وسط الرأس) - بفتح السين -: متوسطه، وهو ما فوق اليافوخ منه، وما بين القرنين. وقد روي في حديث مرفوع: (في حجامة وسط الرأس شفاء من النعاس، والصداع، والأضراس) (١). قال الليث: وليس في وسطه، لكن في فأس الرأس، وهو مؤخره. وأما في وسط الرأس فقد يعمي. وقوله: (رمدت عينه)؛ أي: أصابها الرَّمد، وهو مرض خاص بالعين. ونهي أبان بن عثمان للسائل أن يكحل عينيه ليس على إطلاقه، وكأنه إنما نهاه عن أن يكحلها بما فيه طيب. وتضميد العين: هو لطخها، و (الصبر) ليس بطيب، ولا خلاف في جواز مثل هذا مما ليس فيه طيب، ولا زينة. فلو اكتحل المحرم أو المحرمة بما فيه طيب افتديا. وكذلك المرأة إذا اكتحلت للزينة، وإن لم يكن فيه طيب، فلو اكتحل الرجل للزينة: فأباحه قوم، وكرهه آخرون؛ وهم: أحمد، وإسحاق، والثوري. وعلى القول بالمنع؛ فهل تجب الفدية أم لا؟ قولان. وبالثاني قال الشافعي رجلاً كان أو امرأة.

стр. 1540

(١٠) باب غسل المحرم رأسه [١٠٧٥] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ حُنَينٍ، عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ، وَالمِسوَرِ بنِ مَخرَمَةَ، أَنَّهُمَا اختَلَفَا بِالأَبوَاءِ، فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ: يَغسِلُ المُحرِمُ رَأسَهُ، وَقَالَ المِسوَرُ: لَا يَغسِلُ المُحرِمُ رَأسَهُ. فَأَرسَلَنِي ابنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الأَنصَارِيِّ أن أَسأَلُهُ عَن ذَلِكَ. فَوَجَدتُهُ يَغتَسِلُ بَينَ القَرنَينِ، وَهُوَ يَستَتِرُ بِثَوبٍ. قَالَ: فَسَلَّمتُ عَلَيهِ، فَقَالَ: مَن هَذَا؟ فَقُلتُ: أَنَا عَبدُ اللَّهِ بنُ حُنَينٍ أَرسَلَنِي إِلَيكَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ أَسأَلُكَ كَيفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغسِلُ رَأسَهُ وَهُوَ مُحرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوبِ فَطَأطَأَهُ حَتَّى بَدَا إلِي رَأسُهُ، ثُمَّ قَالَ: لِإِنسَانٍ يَصُبُّ: اصبُب فَصَبَّ عَلَى رَأسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأسَهُ ــ (١٠) ومن باب: غسل المحرم رأسه اختلاف ابن عباس والمسور لم يكن في جواز أصل غسل الرأس؛ لأنه من المعلوم عندهما وعند غيرهما: أنه يغتسل من الجنابة إن أصابته، ويغتسل لدخول مكة، وللوقوف بعرفة. وإنما كان الاختلاف بينهما في كيفيته. فهل يدلكه، أو لا يدلكه؟ لأنه يخاف منه قتل الهوام، أو إنقاؤها عن رأسه وجسده وإزالة الشعث. ولإمكان هذه الأمور منع منه المسور، ولم يلتفت ابن عباس إلى إمكان تلك الأمور؛ لأنه إذا ترفق في ذلك سلم مما يتقى من تلك الأمور. وقد كان ابن عباس علم ذلك من حديث أبي أيوب، ولذلك أحال عليه، وأرسل إليه، والله تعالى أعلم. و(القرنان): هما الخشبتان القائمتان على رأس البئر، أو شبههما من البناء، تمد بينهما خشبة يجر عليها الحبل؛ ليستقى عليه، أو لِتُعَلَّق عليه البكرة. وقوله: (ثم قال لإنسان يصب: اصبب (١) فصب)؛ دليل على جواز

стр. 1541

بِيَدَيهِ فَأَقبَلَ بِهِمَا وَأَدبَرَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيتُهُ ﷺ يَفعَلُ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: فَأَمَرَّ أَبُو أَيُّوبَ بِيَدَيهِ عَلَى رَأسِهِ جَمِيعًا عَلَى جَمِيعِ رَأسِهِ، فَأَقبَلَ بِهِمَا وَأَدبَرَ، فَقَالَ المِسوَرُ لِابنِ عَبَّاسٍ: لَا أُمَارِيكَ أَبَدًا. رواه البخاري (١٨٤٠)، ومسلم (١٢٠٥)، وأبو داود (١٨٤٠)، والنسائي (٥/ ١٢٨)، وابن ماجه (٢٩٣٤). * * * ــ الاستعانة بالصاحب والخادم في الطهارة. وقوله: (ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر)؛ يدل لابن عباس على صحة ما ذهب إليه: من أن المحرم يغتسل، ويغسل رأسه، ويدلكه. وعليه الجمهور. وقد روي عن مالك كراهية ذلك لغير الجنابة. وذلك لما ذكر آنفًا. وفيه دليل لمالك على اشتراط التدلك بالغسل؛ لأنه لو جاز الغسل بغير تدلك لكان المحرم أحق بأن يجاز له ترك التدلك، ولَم فَلا. وفيه دليل: على أن حقيقة الغسل لغة لا يكفي فيه صب الماء فقط، بل لا بدَّ من الدلك، أو ما يتنزل منزلته. وقوله: (لا أماريك أبدًا)؛ أي: لا أجادلك، ولا أخاصمك. * * *

стр. 1542

(١١) باب المحرم يموت، ما يفعل به؟ وهل للحاج أن يشترط ؟ [١٠٧٦] عَن ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلاً كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحرِمًا، فَوَقَصَتهُ نَاقَتُهُ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اغسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوبَيهِ وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأسَهُ فَإِنَّهُ يُبعَثُ يَومَ القِيَامَةِ مُلَبِّدًا. وفي رواية ملبيا. ــ (١١) ومن باب: المحرم يموت، ما يفعل به؟ قوله: (فوقصته ناقته (١))؛ أي: أوقعته فاندقت عنقه. يقال لمن اندقت عنقه: وُقِص، فهو موقوص، على بناء ما لم يسم فاعله. وروي: (فأوقصته) - رباعيًّا - وهما لغتان، والثلاثي أفصح. ويروى: (فقعصته)، بمعنى: قتلته لحينه. ومنه قعاص الغنم، وهو: موتها بداءٍ يأخذها فلا يلبثها. وقوله: (فاغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه)؛ أي: لا تغطوه. قال بمقتضى ظاهر هذا الحديث الشافعي، وأحمد، وإسحاق. فقالوا: إذا مات المحرم لا يحنَّط، ولا يغطى رأسه. وقال مالك، والكوفيون، والحسن، والأوزاعي: إنه يُفعل به ما يُفعل بالحلال. وكأنهم رأوا: أن هذا الحكم مخصوص بذلك الرجل. واستُدل لهم بوجهين: أحدهما: أن التكاليف إنما تلزم الأحياء، لا الأموات. وثانيهما: أن قوله ﷺ : (فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا)؛ تصريح بالمقتضي لذلك، ولا يعلم ذلك غير النبي ﷺ ، فهو إذا تعليل قاصر على ذلك الرجل.

стр. 1543

وفي أخرى: فَأَمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن يُغسَلَوه بِمَاءٍ وَسِدرٍ، وأن يكشفوا وجهه، حسبته قال: ورأسه فإنه يبعث وهو يهل. رواه أحمد (١/ ٢١٥)، والبخاري (١٨٥١)، ومسلم (١٢٠٦) (٩٨ و ٩٩)، والنسائي (٥/ ١٩٥)، وابن ماجه (٣٠٨٤). ــ وقد أجيب عن الأول: بأن الميت وإن كان غير مكلف؛ فالحي هو المكلف بأن يفعل به ذلك. وعن الثاني: أنه وإن لم يعلم ذلك غير النبي ﷺ ، لكنه يرجي من فضل الله أن يفعل ذلك بكل من اتفق له من المحرمين مثل ذلك. وهذا كما قد قال ﷺ في الشهيد: (إنه يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا، اللون لون دم، والعَرف عَرف مسك) (١). وقد سوَّى أبو حنيفة بين الشهيد والمحرم فقال: إن كل واحد منهما يغسل، ويكفن، ويصلَّى عليه على أصل المشروعية في الموتى. وسوَّى الشافعي في كونهما يدفنان في ثيابهما، غير أن المحرم يُغسل، ولا يصلَّى عليه. وقال مالك في المحرم بقول أبي حنيفة، وفي الشهيد بقول الشافعي. وقوله: (ولا تخمروا رأسه) أو (اكشفوا وجهه)؛ حجة لمالك وأبي حنيفة على قولهما: إن إحرام الرجل في رأسه ووجهه. والجمهور: على أن الإحرام على الرجل في وجهه. وقوله: (اغسلوه بماء وسدر)؛ يدل: على أن حكم الإحرام ساقط عنه؛ إذ لا يجوز أن يغتسل المحرم بالسِّدر، والخطمي، وشبههما؛ لأن ذلك يزيل الشعث، والدَّرن، وقد منعه مالك من الخطمي والتدليك الشديد، وقال: عليه الفدية إن فعل. ونحوه عن الشافعي، وأبي حنيفة، وأبي ثور. وقال محمد، وأبو يوسف - صاحبا أبي حنيفة: عليه صدقة. وقال أبو ثور: لا شيء عليه. ورخص

стр. 1544

[١٠٧٧] وَعَن عَائِشَةَ قَالَت: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنتِ الزُّبَيرِ بن عبد المطلب، فَقَالَ لَهَا: أَرَدتِ الحَجَّ؟ فقَالَت: وَاللَّهِ مَا أَجِدُنِي إِلَّا وَجِعَةً. فَقَالَ لَهَا: حُجِّي وَاشتَرِطِي، وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حيث حَبَستَنِي وَكَانَت تَحتَ المِقدَادِ. ــ طاوس، وعطاء، ومجاهد، وابن المنذر للمحرم في غسل رأسه بالخطمي. وقوله: (في ثوبيه)، كذا في أكثر الرِّوايات، وفي بعضها: (في ثوبين)، فعلى الرواية الأولى: يحتج به الشافعي في بقاء حكم الإحرام عليه؛ لأنه أمر أن يكفن في ثيابه التي كانت عليه. ومن رواه: (في ثوبين)، فيحتمل أن يريد بهما: ثوبيه. ويحتمل أن يزيدوا على ثوبه الذي أحرم فيه ثوبين ليكون كفنه وترًا. والأول أولى؛ لأن إحدى الروايتين مفسرة للأخرى. وقوله ﷺ : (حجي واشترطي، وقولي: اللهم! محلي حيث حبستني)؛ معناه: أنه ﷺ لما استفهمها عن إرادة الحج اعتلت بأنها مريضة، وأنها خافت إن اشتد مرضها أن يتعذر عليها الإحلال، بناءً منها على أن المحصر بالمرض لا يتحلل إلا بالطواف بالبيت، وإن طال مرضه، كما هو مذهب مالك وغيره. وسيأتي إن شاء الله تعالى. فلما خافت هذا أقرها رسول الله ﷺ على ذلك، ثم رخص لها في أن تشترط: أن لها التحلل حيث حبسها مرضها. وبظاهر هذا الحديث قال جماعة من العلماء من الصحابة، والتابعين، وغيرهم؛ منهم: عمر، وعلي، وابن مسعود، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور. وللشافعي قولان. فقال كل هؤلاء: يجوز (١) الاشتراط في الحج، وأنه له الفسخ إذا وقع شرطه. ومنع ذلك جماعة أخرى، وقالوا: إنه لا ينفع؛ منهم: ابن عمر، والزهري، ومالك، وأبو حنيفة؛ متمسكين بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرَةَ لِلَّهِ﴾

стр. 1545

وَفِي رِوَايَةٍ: فَفَعَلَت ذَلِكَ عَن أَمرِ رسول الله ﷺ . رواه أحمد (٦/ ٣٦٠)، ومسلم (١٢٠٧) (١٠٤ و ١٠٧)، وابن ماجه (٢٩٣٧)، والنسائي (٥/ ٦٨). * * * (١٢) باب يغتسل المحرم على كل حال ولو كان امرأة حائضا، وإرداف الحائض [١٠٧٨] عَن عَائِشَةَ قَالَت: نُفِسَت أَسمَاءُ بِنتُ عُمَيسٍ، بِمُحَمَّدِ بنِ ــ وبقوله: ﴿وَلا تُبطِلُوا أَعمَالَكُم﴾ واعتذروا عن هذا الحديث بوجهين: أحدهما: ادعاء الخصوص بهذه المرأة. وثانيهما: أنهم حملوه على التحلل بالعمرة، فإنها أرادت أن تحج؛ كما جاء مفسرًا من رواية ابن المسيب، وهو: أن رسول الله ﷺ أمر ضباعة أن تشترط وتقول: (اللهم! الحج أردت، فإن تيسر، وإلا فعمرة) (١). وروي عن عائشة: أنها كانت تقول: (للحج خرجت، وله قصدت، فإن قضيته فهو الحج، وإن حال دونه شيء فهو (٢) العمرة) (٣). والله تعالى أعلم. (١٢) ومن باب: يغتسل المحرم ولو كان امرأة حائضًا قوله: (نفست أسماء)؛ أي: ولدت. وقد تقدم؛ أنه يقال: نفست المرأة في الحيض والولادة بالضم والفتح. كما حكاهما صاحب الأفعال، غير أن الضم في
следующие страницы →