بِيَدَيهِ فَأَقبَلَ بِهِمَا وَأَدبَرَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيتُهُ ﷺ يَفعَلُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: فَأَمَرَّ أَبُو أَيُّوبَ بِيَدَيهِ عَلَى رَأسِهِ جَمِيعًا عَلَى جَمِيعِ رَأسِهِ، فَأَقبَلَ بِهِمَا وَأَدبَرَ، فَقَالَ المِسوَرُ لِابنِ عَبَّاسٍ: لَا أُمَارِيكَ أَبَدًا.
رواه البخاري (١٨٤٠)، ومسلم (١٢٠٥)، وأبو داود (١٨٤٠)، والنسائي (٥/ ١٢٨)، وابن ماجه (٢٩٣٤).
* * *
ــ
الاستعانة بالصاحب والخادم في الطهارة.
وقوله: (ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر)؛ يدل لابن عباس على صحة ما ذهب إليه: من أن المحرم يغتسل، ويغسل رأسه، ويدلكه. وعليه الجمهور. وقد روي عن مالك كراهية ذلك لغير الجنابة. وذلك لما ذكر آنفًا. وفيه دليل لمالك على اشتراط التدلك بالغسل؛ لأنه لو جاز الغسل بغير تدلك لكان المحرم أحق بأن يجاز له ترك التدلك، ولَم فَلا. وفيه دليل: على أن حقيقة الغسل لغة لا يكفي فيه صب الماء فقط، بل لا بدَّ من الدلك، أو ما يتنزل منزلته.
وقوله: (لا أماريك أبدًا)؛ أي: لا أجادلك، ولا أخاصمك.
* * *
стр. 1542
(١١) باب المحرم يموت، ما يفعل به؟ وهل للحاج أن يشترط ؟
[١٠٧٦] عَن ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلاً كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحرِمًا، فَوَقَصَتهُ نَاقَتُهُ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اغسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوبَيهِ وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأسَهُ فَإِنَّهُ يُبعَثُ يَومَ القِيَامَةِ مُلَبِّدًا.
وفي رواية ملبيا.
ــ
(١١) ومن باب: المحرم يموت، ما يفعل به؟
قوله: (فوقصته ناقته (١))؛ أي: أوقعته فاندقت عنقه. يقال لمن اندقت عنقه: وُقِص، فهو موقوص، على بناء ما لم يسم فاعله. وروي: (فأوقصته) - رباعيًّا - وهما لغتان، والثلاثي أفصح. ويروى: (فقعصته)، بمعنى: قتلته لحينه. ومنه قعاص الغنم، وهو: موتها بداءٍ يأخذها فلا يلبثها.
وقوله: (فاغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه)؛ أي: لا تغطوه. قال بمقتضى ظاهر هذا الحديث الشافعي، وأحمد، وإسحاق. فقالوا: إذا مات المحرم لا يحنَّط، ولا يغطى رأسه. وقال مالك، والكوفيون، والحسن، والأوزاعي: إنه يُفعل به ما يُفعل بالحلال. وكأنهم رأوا: أن هذا الحكم مخصوص بذلك الرجل. واستُدل لهم بوجهين:
أحدهما: أن التكاليف إنما تلزم الأحياء، لا الأموات.
وثانيهما: أن قوله ﷺ : (فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا)؛ تصريح بالمقتضي لذلك، ولا يعلم ذلك غير النبي ﷺ ، فهو إذا تعليل قاصر على ذلك الرجل.
стр. 1543
وفي أخرى: فَأَمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن يُغسَلَوه بِمَاءٍ وَسِدرٍ، وأن يكشفوا وجهه، حسبته قال: ورأسه فإنه يبعث وهو يهل.
رواه أحمد (١/ ٢١٥)، والبخاري (١٨٥١)، ومسلم (١٢٠٦) (٩٨ و ٩٩)، والنسائي (٥/ ١٩٥)، وابن ماجه (٣٠٨٤).
ــ
وقد أجيب عن الأول: بأن الميت وإن كان غير مكلف؛ فالحي هو المكلف بأن يفعل به ذلك.
وعن الثاني: أنه وإن لم يعلم ذلك غير النبي ﷺ ، لكنه يرجي من فضل الله أن يفعل ذلك بكل من اتفق له من المحرمين مثل ذلك.
وهذا كما قد قال ﷺ في الشهيد: (إنه يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا، اللون لون دم، والعَرف عَرف مسك) (١). وقد سوَّى أبو حنيفة بين الشهيد والمحرم فقال: إن كل واحد منهما يغسل، ويكفن، ويصلَّى عليه على أصل المشروعية في الموتى. وسوَّى الشافعي في كونهما يدفنان في ثيابهما، غير أن المحرم يُغسل، ولا يصلَّى عليه. وقال مالك في المحرم بقول أبي حنيفة، وفي الشهيد بقول الشافعي.
وقوله: (ولا تخمروا رأسه) أو (اكشفوا وجهه)؛ حجة لمالك وأبي حنيفة على قولهما: إن إحرام الرجل في رأسه ووجهه. والجمهور: على أن الإحرام على الرجل في وجهه.
وقوله: (اغسلوه بماء وسدر)؛ يدل: على أن حكم الإحرام ساقط عنه؛ إذ لا يجوز أن يغتسل المحرم بالسِّدر، والخطمي، وشبههما؛ لأن ذلك يزيل الشعث، والدَّرن، وقد منعه مالك من الخطمي والتدليك الشديد، وقال: عليه الفدية إن فعل. ونحوه عن الشافعي، وأبي حنيفة، وأبي ثور. وقال محمد، وأبو يوسف - صاحبا أبي حنيفة: عليه صدقة. وقال أبو ثور: لا شيء عليه. ورخص
стр. 1544
[١٠٧٧] وَعَن عَائِشَةَ قَالَت: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنتِ الزُّبَيرِ بن عبد المطلب، فَقَالَ لَهَا: أَرَدتِ الحَجَّ؟ فقَالَت: وَاللَّهِ مَا أَجِدُنِي إِلَّا وَجِعَةً. فَقَالَ لَهَا: حُجِّي وَاشتَرِطِي، وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حيث حَبَستَنِي وَكَانَت تَحتَ المِقدَادِ.
ــ
طاوس، وعطاء، ومجاهد، وابن المنذر للمحرم في غسل رأسه بالخطمي.
وقوله: (في ثوبيه)، كذا في أكثر الرِّوايات، وفي بعضها: (في ثوبين)، فعلى الرواية الأولى: يحتج به الشافعي في بقاء حكم الإحرام عليه؛ لأنه أمر أن يكفن في ثيابه التي كانت عليه. ومن رواه: (في ثوبين)، فيحتمل أن يريد بهما: ثوبيه. ويحتمل أن يزيدوا على ثوبه الذي أحرم فيه ثوبين ليكون كفنه وترًا. والأول أولى؛ لأن إحدى الروايتين مفسرة للأخرى.
وقوله ﷺ : (حجي واشترطي، وقولي: اللهم! محلي حيث حبستني)؛ معناه: أنه ﷺ لما استفهمها عن إرادة الحج اعتلت بأنها مريضة، وأنها خافت إن اشتد مرضها أن يتعذر عليها الإحلال، بناءً منها على أن المحصر بالمرض لا يتحلل إلا بالطواف بالبيت، وإن طال مرضه، كما هو مذهب مالك وغيره. وسيأتي إن شاء الله تعالى. فلما خافت هذا أقرها رسول الله ﷺ على ذلك، ثم رخص لها في أن تشترط: أن لها التحلل حيث حبسها مرضها. وبظاهر هذا الحديث قال جماعة من العلماء من الصحابة، والتابعين، وغيرهم؛ منهم: عمر، وعلي، وابن مسعود، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور. وللشافعي قولان. فقال كل هؤلاء: يجوز (١) الاشتراط في الحج، وأنه له الفسخ إذا وقع شرطه. ومنع ذلك جماعة أخرى، وقالوا: إنه لا ينفع؛ منهم: ابن عمر، والزهري، ومالك، وأبو حنيفة؛ متمسكين بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرَةَ لِلَّهِ﴾
стр. 1545
وَفِي رِوَايَةٍ: فَفَعَلَت ذَلِكَ عَن أَمرِ رسول الله ﷺ .
رواه أحمد (٦/ ٣٦٠)، ومسلم (١٢٠٧) (١٠٤ و ١٠٧)، وابن ماجه (٢٩٣٧)، والنسائي (٥/ ٦٨).
* * *
(١٢) باب يغتسل المحرم على كل حال ولو كان امرأة حائضا، وإرداف الحائض
[١٠٧٨] عَن عَائِشَةَ قَالَت: نُفِسَت أَسمَاءُ بِنتُ عُمَيسٍ، بِمُحَمَّدِ بنِ
ــ
وبقوله: ﴿وَلا تُبطِلُوا أَعمَالَكُم﴾ واعتذروا عن هذا الحديث بوجهين:
أحدهما: ادعاء الخصوص بهذه المرأة.
وثانيهما: أنهم حملوه على التحلل بالعمرة، فإنها أرادت أن تحج؛ كما جاء مفسرًا من رواية ابن المسيب، وهو: أن رسول الله ﷺ أمر ضباعة أن تشترط وتقول: (اللهم! الحج أردت، فإن تيسر، وإلا فعمرة) (١). وروي عن عائشة: أنها كانت تقول: (للحج خرجت، وله قصدت، فإن قضيته فهو الحج، وإن حال دونه شيء فهو (٢) العمرة) (٣). والله تعالى أعلم.
(١٢) ومن باب: يغتسل المحرم ولو كان امرأة حائضًا
قوله: (نفست أسماء)؛ أي: ولدت. وقد تقدم؛ أنه يقال: نفست المرأة في الحيض والولادة بالضم والفتح. كما حكاهما صاحب الأفعال، غير أن الضم في
стр. 1546
أَبِي بَكرٍ بِالشَّجَرَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكرٍ ﵁ يَأمُرُهَا أَن تَغتَسِلَ وَتُهِلَّ.
رواه مسلم (١٢٠٩)، وأبو داود (١٨٣٤)، وابن ماجه (٢٩١١).
[١٠٧٩] وَعَنهَا، أَنَّهَا قَالَت: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ.
ــ
الولادة أكثر. والفتح في الحيض أكثر. وقيل: إنه لا يقال في الحيض إلا بالفتح، حكاه الحربي.
و(الشجرة): شجرة كانت هناك بذي الحليفة، و (البيداء) طرف منها، وكأنها إنما نزلت هناك لتبعد عن الناس لأجل الولادة.
وأمره ﷺ لها بأن تغتسل: إنما كان للإهلال، وهو الإحرام.
وفي الحج أغسال هذا أوكدها، وهو سنة عند الجمهور. وقال بوجوبه عطاء، والحسن في أحد قوليه، وأهل الظاهر. والغسل الثاني لدخول مكة. ومن أصحابنا من اكتفى بهذا الغسل عن غسل الطواف، وقال: إنه شرع لأجل الطواف؛ لأنه أول مبدوء به عند الدخول. ومنهم من لم يكتف به، وقال: لا بدَّ من غسل الطواف، وإنما ذلك للدخول فقط. والغسل الثالث: للوقوف بعرفة. وهذه الأغسال كلها سنن مؤكدة. وقد أطلق مالك على جميعها الاستحباب، وأوكدها غسل الإحرام.
وقول عائشة ﵂: (خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع)؛ سميت بذلك؛ لأنه ﷺ لما خطب الناس ودعهم فيها وقال: (لعلي لا أحج بعد عامي هذا)، وقال: (ألا هل بلغت؟ ) فقالوا: نعم. فقال: (اللهم! اشهد) (١). وكذلك كان، فإنه ﷺ وجازاه عنا خيرًا - توفي في ربيع الأول، في الثاني عشر منه - على أولى الأقوال وأشهرها - على رأس ثلاثة أشهر ونيف من موقفه ذلك. ولم يحج في الإسلام غير تلك الحجة، وحج فيها بجميع أزواجه ﷺ .
стр. 1547
وَفِي رِوَايَةٍ: موافين لهلال ذي الحجة - فَأَهلَلنَا بِعُمرَةٍ، ثُمَّ قَالَ
ــ
وقولها في الرواية الأخرى: (خرجنا موافين لهلال ذي الحجة)؛ أي: مطلين عليه ومشرفين. يقال: أوفى على ثنية كذا؛ أي: شارفها، وأطل عليها. ولا يلزم منه أن يكون دخل فيها. وقد دلَّ على صحة هذا: قولها في الرواية الأخرى: (خرجنا مع رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة، وكذلك كان. وقَدِم النبي ﷺ مكة لأربع أو خمس من ذي الحجة، فأقام النبي ﷺ في طريقه إلى مكة تسعة أيام، أو عشرة. والله تعالى أعلم.
وقولها: (فأهللنا بعمرة)؛ يعني: أنها هي أهلت بعمرة مع غيرها من أزواج النبي ﷺ ، أو تكون نون العظمة، وفيه بُعد، وقد أخبرت عن نفسها وحدها؛ إذ قالت: (فأهللت بعمرة)، و (كنت فيمن أهل بعمرة)؛ وهذا يعارضه قولها في الرواية الأخرى: (خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج)، وفي أخرى: (لا نرى إلا الحج).
فاختلف العلماء في تأويل هذه الألفاظ المختلفة المضطربة؛ فمنهم من رجح الروايات التي فيها: أنها أهلَّت بالحج، وغلط من روى: أنها أهلَّت بعمرة، وإليه ذهب إسماعيل - أظنه ابن علية -، ومنهم من ذهب مذهب الجمع بين هذه الرِّوايات، وهو الأولى؛ إذ الرواة لتلك الألفاظ المختلفة أئمة ثقات مشاهير، ولا سبيل إلى إطلاق لفظ الغلط على بعضهم بالوهم. فالجمع أولى من الترجيح إذا أمكن.
فمما ذكر في ذلك: أنها كانت أحرمت بالحج ولم تسق الهدي، فلما أمر النبي ﷺ من لم يسق الهدي بفسخ الحج في العمرة، فسخت فيمن فسخ، وجعلته عمرة، وأهلَّت بها، وهي التي حاضت فيها. ثم إنها لم تحل منها حتى حاضت، فأمرها النبي ﷺ أن تحرم بالحج، وتكون حينئذ مردفة، فأحرمت بالحج، ووقفت بعرفة وهي حائض، ثم إنها طهرت يوم النحر، فأفاضت، فلما كملت مناسك حجها اعتمرت عمرة أخرى مع أخيها من التنعيم. قال: فعن تلك العمرة التي دخلت فيها بعد الفسخ عبَّر بعض الرواة: بأنها أحرمت بعمرة، وعلى ذلك يحمل
стр. 1548
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن كَانَ مَعَهُ هَديٌ فَليُهِلل بِالحَجِّ مَعَ العُمرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنهُمَا جَمِيعًا. قَالَت:
ــ
قولها: أهللت بعمرة؛ تعني بعد فسخها الحج، فلما كان منها الأمران صدق كل قول من أقوالها، وكل راو روى شيئًا من تلك الألفاظ.
قلت: ويعتضد هذا التأويل بقولها في بعض رواياته: فأمر رسول الله ﷺ من لم يكن ساق الهدي أن يحل، قالت: فحل من لم يسق الهدي، ونساؤه لم يسقن الهدي؛ فأحللن. وهذا فيما يبدو تأويل حسن، غير أنه يبعده مساق قولها أيضًا في رواية أخرى قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ فقال: (من أراد أن يهل بحج وعمرة فليهل، ومن أراد أن يهل بحج فليفعل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليفعل)؛ قالت: فأهل رسول الله ﷺ بحج، وكنت فيمن أهل بعمرة. وظاهره: الإخبار عن مبدأ الإحرام للكل. وعلى هذا فيمكن التأويل على وجه آخر؛ وهو أن يبقى هذا الحديث على ظاهره، ويتأوَّل قولها: (لبينا بالحج)؛ على أن ذلك كان إحرام أكثر الناس؛ لأنه لما أحرم النبي ﷺ بالحج اقتدى به أكثر الناس في ذلك، وأما هي فإنما أحرمت كما نصَّت عليه، وناهيك من قولها: (ولم أهل إلا بعمرة).
وقولها: (خرجنا مع رسول الله ﷺ ، ولا نرى إلا أنه الحج)؛ يمكن أن يقال: كان ذلك منها ومنهم قبل أن يخبرهم النبي ﷺ في أنواع الإحرام، ويبينها لهم.
وقوله ﷺ : (من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة)؛ ظاهره: أنه أمرهم بالقران، فيكون قال لهم عند إحرامهم، ويحتمل أن يكون قال ذلك لمن قد كان أحرم بالعمرة، فيكون ذلك أمرًا بالإرداف.
وقوله: (ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا)، هذا بيان حكم القارن، فإنه لا يحل إلا بفراغه من طواف الإفاضة، ويجزئه لهما عمل واحد عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة؛ إذ يقول: يعمل لهما عملين. وسيأتي قوله ﷺ لعائشة: (يسعك
стр. 1549
فَقَدِمتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ لَم أَطُف بِالبَيتِ وَلَا بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ. فَشَكَوتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: انقُضِي رَأسَكِ، وَامتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالحَجِّ، وَدَعِي العُمرَةَ
ــ
طوافك لحجك وعمرتك) (١)، وهو نصٌّ في الرد عليه، وكذلك قولها: فأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة؛ فإنما طافوا طوافًا واحدًا.
وقولها: (فقدمت مكة وأنا حائض)؛ كانت حاضت بسَرَف، كما قالت في الرواية الأخرى، وتمادى الحيض بها إلى يوم النحر، كما تقدَّم. وكونها لم تطف بالبيت؛ لاشتراط الطهارة في الطواف، ولا بالصفا والمروة؛ لأن مشروعيته أن يكون على إثر طواف، وإنما امتنعت من ذلك لقول النبي ﷺ كما جاء في الرواية الأخرى: (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) (٢).
وقوله ﷺ : (انقضي رأسك، وامتشطي، ودعي العمرة)؛ ظاهر هذا: أنه أمرها بأن ترفض عمرتها، وتخرج منها قبل تمامها. وبهذا الظاهر قال الكوفيون في المرأة تحيض قبل الطواف، وتخشى فوت الحج: أنها ترفض العمرة. وقال الجمهور: إنها تردف الحج، وتكون قارنة. وبه قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأبو ثور. وقد حمل هذا أصحابنا: على أنه ﷺ أمرها بالإرداف، لا بنقض العمرة؛ لأن الحج والعمرة لا يتأتى الخروج منهما شرعًا إلا بإتمامهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرَةَ لِلَّهِ﴾ واعتذروا عن هذه الألفاظ بتأويلات:
أحدها: أنها كانت مضطرة إلى ذلك، فرخص لها فيها كما رخص لكعب بن عجرة.
стр. 1550
- وَفِي رِوَايَةٍ وأمسكي عن العمرة - قَالَت: فَفَعَلتُ ذلك، فَلَمَّا قَضَينَا الحَجَّ أَرسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أَبِي بَكرٍ إِلَى التَّنعِيمِ فَاعتَمَرتُ. فَقَالَ: هَذِهِ مَكَانُ عُمرَتِكِ، فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالعُمرَةِ بِالبَيتِ
ــ
وثانيها: أن ذلك خاص بها، ولذلك قال مالك: حديث عروة عن عائشة ليس عليه العمل عندنا، قديمًا ولا حديثًا.
وثالثها: أن المراد بالنقض والامتشاط: تسريح الشعر لغسل الإهلال بالحج، ولعلها كانت لبَّدت، ولا يتأتى إيصال الماء إلى البشرة مع التلبيد إلا بحل الضفرة وتسريح الشعر. ويتأيد بما في حديث جابر: أنه ﷺ قال لها: (فاغتسلي، ثم أهلي بالحج) (١). وقد تركنا من التأويلات ما فيه بُعد، واكتفينا بما ذكرناه؛ لأنه أوفقها، والله تعالى أعلم.
فأما قوله: (ودعي العمرة)؛ فمحمول على ترك عملها، لا على رفضها، والخروج منها؛ بدليل قوله في الرواية الأخرى: (وأمسكي) مكان (ودعي)، وهو ظاهر في استدامتها حكم العمرة التي أحرمت بها، وبدليل قوله ﷺ : (يسعك طوافك لحجك وعمرتك)؛ وهذا نصٌّ على أن حكم عمرتها باق عليها.
وقولها: (فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت)؛ هذا إنما كان بعد أن رغبت في أن تحرم بعمرة مفرقة (٢) بعد فراغها من حجتها وعمرتها المقرونتين، بدليل قولها في الرواية الأخرى: (يرجع الناس بحجة وعمرة وأرجع بحجة)؛ تعني المتمتعين من الناس، وكما قالت في الرواية الأخرى: (فأهللت منها بعمرة جزاءً بعمرة الناس التي اعتمروا).
وقوله عند فراغ هذه العمرة: (هذه مكان عمرتك)؛ إنما قال لها هذا: لأنها
стр. 1551
وَبِالصَّفَا وَالمَروَةِ ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعدَ أَن رَجَعُوا مِن مِنًى لِحَجِّهِم. وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا جَمَعُوا الحَجَّ وَالعُمرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا.
وفي طريق آخر: قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَهلَلَتُ بِعُمرَةٍ، ولم أكن سقت الهدي حتى قدمنا مكة، فقال رسول الله ﷺ : مَن أَحرَمَ بِعُمرَةٍ وَلَم يُهدِ فَليَحلِل، وَمَن أَحرَمَ بِعُمرَةٍ وَأَهدَى فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَنحَرَ هَديَهُ؛ وَمَن أَهَلَّ بِحَجٍّ فَليُتِمَّ حَجَّهُ. قَالَت
ــ
لم تطب نفسها بالعمرة التي أردفت عليها؛ لأنها طافت طوافًا واحدًا، وسعت سعيًا واحدًا. كما جاء عنها من حديث جابر: أنها قالت: يا رسول الله! إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت. فقال لعبد الرحمن: أعمرها من التنعيم، فلما فرغت منها، قال لها هذه المقالة تطييبًا لقلبها؛ ألا ترى أنه قد حكم بصحة العمرة المردف عليها؟ ! وعلى هذا فلا يكون فيه حجة لمن يقول: إنها رفضت العمرة المتقدمة، وهذه قضاء لتلك المرفوضة، لما قررناه. فتدبره.
وأنصّ ما يدلّ على صحة ما قلناه قولها: (وأمرني أن أعتمر من التنعيم مكان عمرتي التي أدركني الحج ولم أحلل منها).
وقوله: (ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه)؛ يعني: أنه لا يحلق حتى ينحر الهدي؛ كما قال تعالى: ﴿وَلا تَحلِقُوا رُءُوسَكُم حَتَّى يَبلُغَ الهَديُ مَحِلَّهُ﴾ وكذلك فعل النبي ﷺ في حجته: نحر، ثم حلق، وقال: (أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن ننحر، ثم نحلق، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا) (١)، وستأتي الرخصة في تقديم بعض هذه الأشياء على بعض.
وقوله: (ومن أهل بحج فليتم حجه)؛ هذا - والله أعلم - قاله لهم قبل أن
стр. 1552
عَائِشَةُ: فَحِضتُ فَلَم أَزَل حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَومُ عَرَفَةَ، وَلَم أُهلِل إِلَّا بِعُمرَةٍ، فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن أَنقُضَ رَأسِي وَأَمتَشِطَ وَأُهِلَّ بِالحَجٍّ، وَأَترُكَ العُمرَةَ. قَالَت: فَفَعَلتُ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا قَضَيتُ حَجَّتِي بَعَثَ مَعِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ أَبِي بَكرٍ، وَأَمَرَنِي أَن أَعتَمِرَ مِن التَّنعِيمِ مَكَانَ عُمرَتِي الَّتِي أَدرَكَنِي الحَجُّ، وَلَم أَحلِل مِنهَا.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَضَى اللَّهُ حَجَّنَا وَعُمرَتَنَا، وَلَم يَكُن فِي ذَلِكَ هَديٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا صَومٌ.
ــ
رخص لمن لم يسق الهدي بالتحلل، ثم بعد ذلك رخص فيه على ما يأتي، أو يكون هذا الخطاب متوجها لمن ساق الهدي.
وقولها: (فحضت، فلم أزل حائضًا حتى كان يوم عرفة)؛ مخالف لقولها في الرواية الأخرى: (فلما كان يوم النحر طهرت). ووجه التلفيق: أن يحمل على أنه تقارب انقطاع الدم عنها يوم عرفة. ورأت علامة الطهر يوم النحر، والله تعالى أعلم.
وقولها: (فقضى الله حجنا وعمرتنا، ولم يكن في ذلك هدي، ولا صدقة، ولا صوم)؛ هذا الكلام مشكل على من يقول: إنها كانت معتمرة، أو قارنة؛ لأنها إن كانت معتمرة فقد استباحت مشط رأسها، وإلقاء القمل؛ إن تنزلنا على تأويل من قال: إنها كان بها أذى، وإنها رُخِّص لها كما رُخِّص لكعب بن عجرة، فكانت تلزم الفدية كما نصَّ الله على ذلك. وأما إن كانت قارنة فليلزمها الهدي للقران عند جماعة العلماء إلا داود فإنه لا يرى في القران هديًا.
وقد أشكل هذا على أصحابنا حتى قال القاضي أبو الفضل عياض: لم تكن معتمرة ولا قارنة، وإنما كانت أحرمت بالحج، ثم نوت فسخه في عمرة، فلما حاضت ولم يتم لها ذلك رجعت
стр. 1553
رواه البخاري (١٥٥٦)، ومسلم (١٢١١) (١١٢ و ١١٣ و ١١٥)، وأبو داود (١٧٨١)، والنسائي (٥/ ٢٢٥ و ٢٢٦)، وابن ماجه (٢٩٧٤).
* * *
ــ
إلى حجها، فلما أكملت حجها اعتمرت عمرة مبتدأة، فلم تكن متمتعة، فلم يجب عليها هدي.
قلت: وكأن القاضي ﵀ لم يسمع قولها: (وكنت فيمن أهل بعمرة)، وقولها: (ولم أهل إلا بعمرة). ولا قوله ﷺ لها: (يسعك طوافك لحجك وعمرتك).
قلت: وهذا الكلام المشكل يهون إشكاله: أنه قد رواه وكيع موقوفًا على هشام بن عروة وأبيه فقال: قال عروة: إنه قضى الله حجها وعمرتها. قال هشام: ولم يكن في ذلك هدي، ولا صيام، ولا صدقة (١). وإذا كان الأمر كذلك سهل الانفصال؛ بأن يقال: إن عروة وهشامًا لما لم يبلغهما في ذلك شيء أخبرا عن نفي ذلك في علمهما، ولا يلزم من ذلك انتفاء ذلك الأمر في نفسه، فلعل النبي ﷺ أهدى عنها، ولم يبلغهما ذلك، وهذا التأويل أيضًا منقدح على تقدير: أن يكون هذا الكلام من قول عائشة. ويؤيده قول جابر: أن النبي ﷺ أهدى عن عائشة بقرة على ما يأتي (٢) إن شاء الله تعالى.
ويحتمل أن يكون معنى قولهم: (لم يكن في ذلك هدي، ولا صوم، ولا صدقة)؛ أي: لم يأمرها بذلك، ولم يكلفها شيئًا من ذلك؛ لأنه نوى أن يقوم به عنها، كما قد فعل على ما رواه جابر وغيره، والله تعالى أعلم.
стр. 1554
(١٣) باب تفعل الحائض والنفساء جميع المناسك إلا الطواف بالبيت
[١٠٨٠] عَن عَائِشَةَ قَالَت: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا نَذكُرُ إِلَّا الحَجَّ.
- وفي أخرى: لبينا بالحج - حَتَّى جِئنَا سَرِفَ فَطَمِثتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبكِي فَقَالَ: مَا يُبكِيكِ؟ فَقُلتُ: وَاللَّهِ لَوَدِدتُ أَنِّي لَم أَكُن خَرَجتُ العَامَ قَالَ: مَا لك لَعَلَّكِ نَفِستِ؟ قُلتُ: نَعَم. قَالَ: هَذَا شَيءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، افعَلِي مَا يَفعَلُ الحَاجُّ غَيرَ أَن لَا تَطُوفِي بِالبَيتِ حَتَّى تَطهُرِي.
ــ
(١٣) ومن باب: تفعل الحائض المناسك كلها إلا الطواف
قولها: (لا نذكر إلا الحج)، و (لبينا بالحج)، قد تقدم: أن هذا إخبار منها عن غالب أحوال الناس، أو عن أحوال (١) أزواج النبي ﷺ ، فأما هي، فقد قالت: إنها لم تهل إلا بعمرة.
و(طمثت): حاضت، ويقال: بفتح الميم وكسرها.
وقوله ﷺ : (هذا شيء كتبه الله على بنات آدم)؛ يعني: الحيض. وكتبه عليهن؛ أي: جبلهن عليه، وثبته عليهن. وهو تأنيس لها، وتسلية، وهو دليل على ميله لها، وحُنُوهِ عليها. وكم بين من يؤنَّس ويُستَرضَى، وبين من يقال له: (عقرى حَلقى) (٢)؟ ! .
وقوله: (غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري)؛ هذا يدل على اشتراط
стр. 1555
قَالَت: فَلَمَّا قَدِمتُ مَكَّةَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لِأَصحَابِهِ: اجعَلُوهَا عُمرَةً، فَأَحَلَّ النَّاسُ إِلَّا مَن كَانَ مَعَهُ الهَديُ، قَالَت: فَكَانَ الهَديُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ وَذَوِي اليَسَارَةِ، ثُمَّ أَهَلُّوا حِينَ رَاحُوا، قَالَت: فَلَمَّا كَانَ يَومُ النَّحرِ طَهَرتُ. فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَفَضتُ. قَالَت: فَأُتِيَنَا بِلَحمِ بَقَرٍ
ــ
الطهارة في الطواف. وهو مذهب الجمهور. فلا يجوز عندهم طواف المحدث. وصححه أبو حنيفة، وأحمد في أحد قوليه، ورأيا عليه الدَّم، واعتذرا عن الحديث: بأنه إنما أمرها باجتناب الطواف لأجل المسجد، وليس بصحيح؛ لأنه لو أراد ذلك لقال لها: لا تدخلي المسجد. ولما قال لها: لا تطوفي بالبيت، كان ذلك دليلًا على منع الطواف لنفسه. ويدل على ذلك أيضًا: ما خرَّجه النسائي، والترمذي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: (الطواف بالبيت صلاة) (١).
وإذا جعله الشرع صلاة اشترط فيه الطهارة؛ كما اشترطها فيها؛ إذ قد قال ﷺ : (لا تقبل صلاة بغير طهور) (٢)، والله تعالى أعلم.
وقوله ﷺ لأصحابه: (اجعلوها عمرة)؛ إنما قال هذا لمن أحرم بالحج ولم يسق الهدي على ما يأتي.
وقولها: (فحل الناس)؛ أي: من لم يكن معه هدي.
وقولها: (ثم أهلوا
стр. 1556
فَقُلتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: أَهدَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن نِسَائِهِ البَقَرَ.
_ وَفِي رِوَايَةٍ: فقيل: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن أزواجه - فَلَمَّا كَانَت لَيلَةُ الحَصبَةِ قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَرجِعُ النَّاسُ بِحَجَّةٍ وَعُمرَةٍ وَأَرجِعُ بِحَجَّةٍ؟ !
ــ
حين راحوا)؛ تعني: من حل منهم عند فراغه من العمرة أهل عند خروجه إلى منى بالحج.
وقولها: (أهدى رسول الله ﷺ عن نسائه البقر)؛ يدلّ على أن البقر مما يُهدَى، وعلى أنه يجوز أن يهدي الرجل عن غيره وإن لم يُعلِمُهُ، ولا أذن له. وكان هذا الهدي - والله أعلم - عنهن تطوّعًا عمن لم يجب عليها هدي، وقيامًا بالواجب عمن وجب عليها منهن هدي؛ كما قررناه في حديث عائشة، والله تعالى أعلم.
وقولها: (فلما كانت ليلة الحَصبة) - بسكون الصاد -، وهي: الليلة التي ينزل الناس فيها المحصَّب عند انصرافهم من منى إلى مكة. والتحصيب: إقامتهم بالمحصَّب، وهو الشِّعبُ الذي مخرجه إلى الأبطح، وهو منزل النبي ﷺ حين انصرف من حجته، وهو خيف بني كنانة؛ الذي تقاسمت فيه في الصحيفة التي كتبوها بمقاطعة بني هاشم، وهو بين مكة ومنى، وربما يسمَّى: الأبطح، والبطحاء: لقربه منه. ونزوله بعد النفر من منى، والإقامة به إلى أن يصلي الظهر والعصر والعشاءين ويخرج منه ليلًا سُنَّة عند مالك، والشافعي، وبعض السَّلف؛ اقتداءً بالنبي ﷺ ، ولم يره بعضهم، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
وأمره ﷺ لعبد الرحمن أن يُعمِر عائشة من التنعيم؛ دليلٌ على أن العمرة فيها الجمع بين الحل والحرم، وهو قول الجمهور. وقال قوم: إنه يتعين الإحرام بها من التنعيم خاصَّة، وهو ميقات المعتمرين من مكة أخذًا بظاهر هذا الحديث.
واختلف الجمهور فيمن أحرم بالعمرة من مكة، ولم يخرج إلى الحل، فقال عطاء: لا شيء عليه. وقال أصحاب الرأي، وأبو ثور، والشافعي في أحد قوليه: عليه
стр. 1557
قَالَت: فَأَمَرَ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ أَبِي بَكرٍ فَأَردَفَنِي عَلَى جَمَلِهِ. قَالَت: فَإِنِّي لَأَذكُرُ وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ أَنعَسُ فَيُصِيبُ وَجهِي مُؤخِرَةَ الرَّحلِ، حَتَّى جِئنَا إِلَى التَّنعِيمِ، فَأَهلَلتُ مِنهَا بِعُمرَةٍ جَزَاءً بِعُمرَةِ النَّاسِ الَّتِي اعتَمَرُوا.
رواه أحمد (٦/ ٢٧٣)، والبخاري (٢٩٤)، ومسلم (١٢١١) (١٢٠ و ١٢١ و ١٢٥)، وأبو داود (١٧٨٢)، وابن ماجه (٢٩٦٣).
* * *
(١٤) باب أنواع الإحرام ثلاثة
[١٠٨١] عَن عَائِشَةَ قَالَت: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَن أَرَادَ مِنكُم أَن يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمرَةٍ فَليَفعَل، وَمَن أَرَادَ أَن يُهِلَّ بِحَجٍّ فَليُهِلَّ، وَمَن أَرَادَ أَن يُهِلَّ بِعُمرَةٍ فَليُهِلَّ. قَالَت عَائِشَةُ: فَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَجٍّ، وَأَهَلَّ
ــ
الدَّم. وكأنه جاوز الميقات. وقال مالك والشافعي أيضًا: لا يجزئه، ويخر إلى الحل.
(١٤) ومن باب: أنواع الإحرام
قوله ﷺ : (من أراد أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل)؛ هذا يقضي: بأن أنواع الإحرام ثلاثة، وأن المكلف مخير في أيها أحب؛ وإنما خلاف العلماء في الأفضل من تلك الأنواع:
فذهب مالك وأبو ثور: إلى أن إفراد الحج أفضل، وهو أحد قولي الشافعي.
وقال أبو حنيفة، والثوري: القران أفضل.
стр. 1558
بِهِ نَاسٌ مَعَهُ، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِالعُمرَةِ وَالحَجِّ، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِعُمرَةٍ، وَكُنتُ فِيمَن أَهَلَّ بِالعُمرَةِ.
رواه البخاري (٣١٧)، ومسلم (١٢١١)(١١٤)، والنسائي (٥/ ١٤٥ - ١٤٦)، وابن ماجه (٣٠٠٠).
ــ
وقال أحمد، وإسحاق، والشافعي - في القول الآخر -، وأهل الظاهر: إن التمتع أفضل.
وسبب اختلافهم: اختلاف الروايات في إحرام النبي ﷺ ، فروت عائشة، وجابر بن عبد الله، وأبو موسى، وابن عمر ﵃: أنه ﷺ أحرم بالحج. وروى أنس، وعمران بن حصين، والبراء بن عازب، وعمر بن الخطاب ﵃: أنه قرن الحج والعمرة. وروى ابن عمر: أنه تمتع.
فلما تعارضت هذه الروايات الصحيحة؛ صار كل فريق إلى ما هو الأرجح عنده، فما اعتضد به لمالك: أن عائشة أعلم بدُخلَة (١) أمر رسول الله ﷺ من غيرها؛ لملازمتها له، ولبحثها وجدها في طلب ذلك. وكذلك جابر: هو أحفظ الناس لحديث حجته ﷺ ، ولأن الإفراد سلم عما يجبر بالدم؛ فخلاف التمتع والقران؛ إذ كل واحد منهما يجبر ما يقع فيهما من النقص بالدم. ومما اعتضد به لمن قال: إن (٢) القران أفضل: أن أنسًا خادم رسول الله ﷺ عنده من تحقيق ذلك ما ليس عند غيره؛ إذ قد نقل لفظ النبي ﷺ في ذلك، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لبيك عمرة وحجًّا) (٣). وفي حديث البراء الذي خرجه النسائي: أن النبي ﷺ قال لعلي
стр. 1559
[١٠٨٢] وعنها، قَالَت: مِنَّا مَن أَهَلَّ بالحج مفردا، ومنا من قرن، ومنا من تمتع.
ــ
﵁ حين سأله عن إحرامه، فقال له: (كيف صنعت؟ ) فقال: أهللت بإهلالك، فقال ﷺ : (إني سقت الهدي وقرنت) (١)؛ وهذا نصٌّ رافع للإشكال. وفي البخاري عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ بوادي العقيق يقول: (أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة) (٢).
وأما رواية ابن عمر في التمتع فلا يعوَّل عليها لوجهين:
أحدهما: أنه قد اضطرب قوله: فروى بكر بن عبد الله عنه: أنه قال: لبى رسول الله ﷺ بالحج وحده.
وثانيهما: أن الرواية التي قال فيها ابن عمر: تمتع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج (٣)، قال في أثنائها ما يدل على أنه سمى الإرداف تمتعًا. وسيأتي تحقيق ذلك. والذي يظهر لي: أن روايات القران أرجح؛ لأن رواتها نقلوا ألفاظ رسول الله ﷺ وإخباره عن نفسه وعن نيته، وغيرهم ليس كذلك، ولأن رواية القران يتأتى الجمع بينها وبين رواية الإفراد: بأن يقال: إن النبي ﷺ كان مردفًا، فيمكن أن يقال: إن مَن روى: أنه أفرد؛ إنما سمع إحرامه بالحج، ولم يسمع إردافه بالعمرة. ومن روى: أنه قرن، حقق الأمرين فنقلهما، والله أعلم.
وقد استهول بعض القاصرين هذا الخلاف الواقع في إحرامه ﷺ ، وقدره
стр. 1560
رواه البخاري (١٥٦٢)، ومسلم (١٢١١)(١٢٤)، وأبو داود (١٧٧٩).
* * *
(١٥) باب ما جاء في فسخ الحج في العمرة وأن ذلك كان خاصا بهم
[١٠٨٣] عَن عَائِشَةَ قَالَت: خَرَجنَا مع رَسُول اللَّهِ ﷺ مهِلِّينَ بِالحَجِّ فِي أَشهُرِ الحَجِّ، وَفِي حُرُمِ الحَجِّ وَلَيَالِي الحَجِّ، حَتَّى نَزَلنَا بِسَرِفَ، فَخَرَجَ
ــ
مطعنًا على الشريعة زاعمًا: أن العادة قاضية بتواتره، فلا يختلف فيه، ولم يوجد ذلك إلا بالآحاد، فيقطع بكذبها. وهذا لا يلتفت إليه. وإن ما تقتضي العادة تواتره تواتر وعلم، وهو: أنه ﷺ حج وأحرم من ذي الحليفة، وأنه تمادى في إحرامه إلى أن أكمل مناسك حجه، وحل من إحرامه عند طواف الإفاضة. وهذا كله معلوم بالنقل المتواتر الذي اشترك الجفلى (١) فيه؛ لأنه هو المحسوس لهم. وأما إحرامه فليس من الأمور التي يجب تواترها؛ لأنه راجع إلى نيته، ولا يطلع عليها إلا بالإخبار عنها، أو بالنظر في الأحوال التي تدل عليها.
ولما كان ذلك؛ فمنهم من نقل لفظه؛ لأنه سمعه منه في وقت ما، ومنهم من حدس وسبر؛ فأخبر عما وقع له، وحصل في ظنه. ولذلك قلنا: إن رواية من روى القران أولى، والله أعلم.
(١٥) ومن باب: ما جاء في فسخ الحج في العمرة
قول عائشة ﵂: خرجنا مع رسول الله ﷺ في أشهر الحج، وفي حرم الحج، وليالي الحج)؛ لم يختلف في أن أول أشهر الحج شوال، واختلف
стр. 1561
إِلَى أَصحَابِهِ فَقَالَ: مَن لَم يَكُن مَعَهُ مِنكُم هَديٌ فَأَحَبَّ أَن يَجعَلَهَا عُمرَةً فَليَفعَل، وَمَن كَانَ مَعَهُ هَديٌ فَلَا. فَمِنهُم الآخِذُ بِهَا، وَالتَّارِكُ لَهَا مِمَّن لَم يَكُن
ــ
في آخرها: فقال مالك: آخرها آخر ذي الحجة، وبه قال ابن عباس، وابن عمر. وذهب عامة العلماء: إلى أن آخرها عاشر ذي الحجة، وبه قال مالك أيضًا. وروي عن ابن عباس وابن عمر مثله. وقال الشافعي: شهران وتسعة أيام من ذي الحجة. وروي عن مالك: آخر ذلك أيام التشريق.
وسبب الخلاف: هل يعتبر مسمَّى الأشهر - وهي ثلاثة - أو يعتبر الزمان الذي يفرغ فيه عمل الحج - وهو أيام التشريق - أو معظم أركان الحج - وهو يوم عرفة - أو يوم النحر؛ وهو اليوم الذي يتأتى فيه إيقاع طواف الإفاضة. وأبعدها قول مَن قال: التاسع.
وفائدة هذا الخلاف تعلق الدَّم بمن أخر طواف الإفاضة عن الزمان الذي هو عنده آخر الأشهر. وبسط الفروع في كتب الفقه.
و(حرم الحج): أزمان شهوره. و (ليالي الحج): ليالي أيام شهوره. وكررت ذلك تفخيمًا وتعظيمًا، ولذلك أتت بالظاهر مكان المضمر، وصار هذا كقولهم:
لا أرى الموتَ يسبقُ الموتَ شيءٌ ... نغَّصَ الموتُ ذا الغِنى والفقيرا (١)
وقوله: (فمن أحب أن يجعلها عمرة فليفعل)؛ ظاهره التخيير، ولذلك كان منهم الآخذ، ومنهم التارك. لكن بعد هذا ظهر منه ﷺ عزم على الأخذ بفسخ الحج في العمرة لما غضب ودخل على عائشة، فقالت له: من أغضبك أغضبه الله. فقال: (أو ما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون). وعند هذا أخذ في ذلك كل من أحرم بالحج، ولم يكن ساق هديًا، وقالوا: فحللنا، وسمعنا، وأطعنا.
стр. 1562
مَعَهُ هَديٌ، فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ مَعَهُ الهَديُ، وَمَعَ رِجَالٍ مِن أَصحَابِهِ لَهُم قُوَّةٌ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبكِي، فَقَالَ: مَا يُبكِيكِ؟ قُلتُ: سَمِعتُ كَلَامَكَ مَعَ أَصحَابِكَ فَسَمِعتُ بِالعُمرَةِ. قَالَ: وَمَا لَكِ؟ قُلتُ: لَا أُصَلِّي، قَالَ: فَلَا يَضُرُّكِ فَكُونِي فِي حَجِّكِ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَرزُقَكِيهَا، وَإِنَّمَا أَنتِ مِن بَنَاتِ آدَمَ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيكِ مَا كَتَبَ عَلَيهِنَّ. قَالَت: فَخَرَجتُ فِي
ــ
وكان هذا التردد منهم: لأنهم ما كانوا يرون العمرة جائزة في أشهر الحج، وكانوا يقولون: إن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور. فبيَّن جواز ذلك لهم النبي ﷺ بقوله عند الإحرام بلفظ الإباحة، ثم إنه لما رأى أكثر الناس قد أحرم بالحج مجتنبًا للعمرة أمرهم بالتحلل بالعمرة عند قدومهم مكة، تأنيسًا لهم، فلما رأى استمرارهم على ذلك عزم عليهم في ذلك، فامتثلوا، فتبين بقوله، ويحملهم على ذلك الفعل: أن بالعمرة في أشهر الحج جائز، ولما كان ذلك التحلل لذلك المعنى فهم الصحابة أن ذلك مخصوص بهم، ولا يجوز لغيرهم ممن أحرم بالحج أن يحل بعمل العمرة، ولقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرَةَ لِلَّهِ﴾ كما قال عمر ﵁: إن القرآن نزل منازل فأتموا الحج والعمرة كما أمركم الله. ولذلك قال أبو ذر: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد خاصة؛ يعني بذلك: تمتعهم بتحللهم من حجهم بعمل العمرة. وقد ذهب بعض أهل الظاهر: إلى أن ذلك يجوز لآخر الدَّهر. والصحيح الأول؛ لما سبق.
وقولها: (فسمعت بالعمرة)؛ كذا لجمهور رواة مسلم. وفي كتاب ابن سعيد: (فمنعت العمرة)، وهو الصواب.
وقوله: (فعسى الله أن يرزقكيها)؛ أي: العمرة التي أردفت عليها الحجة، ولم تفرغ من عملها، فرجا النبي ﷺ أن يحرز الله لها أجر عمرتها وإن لم تعمل لها عملاً خاصًّا، كما قال لها: (يسعك طوافك لحجك وعمرتك).
стр. 1563
حَجَّتِي حَتَّى نَزَلنَا مِنًى فَتَطَهَّرتُ، ثُمَّ طُفنَا بِالبَيتِ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُحَصَّبَ، فَدَعَا عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ أَبِي بَكرٍ، فَقَالَ: اخرُج بِأُختِكَ مِن الحَرَمِ فَلتُهِلَّ بِعُمرَةٍ، ثُمَّ لِتَطُف بِالبَيتِ، فَإِنِّي أَنتَظِرُكُمَا هَاهُنَا. قَالَت: فَخَرَجنَا فَأَهلَلتُ، ثُمَّ طُفتُ بِالبَيتِ وَبِالصَّفَا وَالمَروَةِ، فَجِئنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي مَنزِلِهِ مِن جَوفِ اللَّيلِ، فَقَالَ: هَل فَرَغتِ؟ قُلتُ: نَعَم. فَأذَنَ فِي أَصحَابِهِ بِالرَّحِيلِ، فَخَرَجَ فَمَرَّ بِالبَيتِ، فَطَافَ بِهِ قَبلَ صَلَاةِ الصُّبحِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَدِينَةِ.
رواه البخاري (١٥٦٠)، ومسلم (١٢١١)(١٢٣).
[١٠٨٤] وعَنها قَالَت: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الحَجُّ، فَلَمَّا قَدِمنَا مَكَّةَ تَطَوَّفنَا بِالبَيتِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَن لَم يَكُن سَاقَ
ــ
وقولها: (حتى نزلت منى، فتطهرت) يوم النَّحر، كما قالت فيما تقدَّم.
وقولها: (فطفنا بالبيت)؛ تعني: طواف الإفاضة.
وقولها: (فخرج فمرَّ بالبيت فطاف به قبل صلاة الصبح، ثم خرج إلى المدينة)؛ تعني به طواف الوداع.
ولا خلاف في أنه مستحب مرغَّب فيه مأمور به، غير أن أبا حنيفة يوجبه. ومن سننه: أن يكون آخر عمل الحاج، ويكون سفره بأثره؛ حتى يكون آخر عهده بالبيت؛ وهذا قول جمهور العلماء.
لكن رخص مالك في شراء بعض جهازه وطعامه بعد طوافه. وقاله الشافعي؛ إذا اشترى ذلك في طريقه. وإقامة يوم وليلة بعده طولٌ عند مالك. وقيل: ليس بطول. وأجاز أبو حنيفة إقامته بعده ما شاء. وغيرهم لا يجيز الإقامة بعده لا قليلاً ولا كثيرًا.
وقولها: (خرجنا مع رسول الله ﷺ ولا نرى إلا أنه الحج)؛ أي: نظن، وكان هذا قبل أن يعلمهم بأحكام الإحرام وأنواعه.
وقولها: (فلما قدمنا مكة تطوفنا بالبيت)؛ تعني بذلك: النبي ﷺ والناس
стр. 1564
الهَديَ أَن يَحِلَّ قَالَت: فَحَلَّ مَن لَم يَكُن سَاقَ الهَديَ وَنِسَاؤُهُ لَم يَسُقنَ الهَديَ فَأَحلَلنَ قَالَت عَائِشَةُ: فَحِضتُ فَلَم أَطُف بِالبَيتِ فَلَمَّا كَانَت لَيلَةُ الحَصبَةِ قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَرجِعُ النَّاسُ بِعُمرَةٍ وَحَجَّةٍ وَأَرجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ قَالَ: أَو مَا كُنتِ طُفتِ لَيَالِيَ قَدِمنَا مَكَّةَ؟ قَالَت: قُلتُ: لَا قَالَ: فَاذهَبِي مَعَ أَخِيكِ إِلَى التَّنعِيمِ فَأَهِلِّي بِعُمرَةٍ، ثُمَّ مَوعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا، قَالَت صَفِيَّةُ: مَا أُرَانِي إِلَّا حَابِسَتَكُم قَالَ: عَقرَى حَلقَى أَو مَا كُنتِ طُفتِ يَومَ النَّحرِ؟ قَالَت: بَلَى قَالَ: لَا بَأسَ انفِرِي. قَالَت عَائِشَةُ: فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُصعِدٌ مِن مَكَّةَ وَأَنَا مُنهَبِطَةٌ عَلَيهَا، أَو أَنَا مُصعِدَةٌ وَهُوَ مُنهَبِطٌ مِنهَا.
ــ
غيرها؛ لأنها لم تطف بالبيت ذلك الوقت لأجل حيضتها. وعلى هذا المعنى يحمل قولها: (لبينا بالحج)، فإنها تريد به غيرها، وأما هي فلبت بعمرة كما تقدَّم.
وأما قول صفية: (ما أراني إلا حابستكم)؛ ظنت أنها لا بدَّ لها من طواف الوداع، وأنها لا تطوف حتى تطهر، ومن ضرورة ذلك أن يحتبس عليها، فلما سمعها النبي ﷺ ظنَّ أنها لم تطف طواف الإفاضة، فأجابها بما يدلُّ على استثقاله احتباسه بسببها، فقال: (عقرى، حلقى) الرواية فيه بغير تنوين، بألف التأنيث المقصورة.
قال القاضي: يقال للمرأة: (عقرى حلقى)؛ أي: مشوَّهة مؤذية. وقيل: تعقرهم وتحلقهم. وقيل: عقرى: ذات عقر.
و(حلقى): أصابها وجع الحلق. وقيل: هي كلمة تقولها اليهود للحائض. وقال أبو عبيد: صوابه: عقرًا، حلقًا - بالتنوين - لأن معناه: عقرها الله عقرًا. وهذا على مذهبهم - أعني: العرب - فيما يجري على ألسنتهم؛ مما ظاهره الدعاء بالمكروه، ولا يقصدونه، على ما تقدَّم في الطهارة.
وقوله: (لا بأس، انفري) دليل على: أن طواف الوداع ليس بواجب، ولا يجب بتركه دم.
стр. 1565
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَت: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ نلبي نذكر حجا ولا عمرة وساق الحديث.
رواه مسلم (١٢١١) (١٢٨ و ١٢٩).
[١٠٨٥] وعَنها قَالَت: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَربَعٍ مَضَينَ مِن ذِي الحِجَّةِ، أَو خَمسٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ وَهُوَ غَضبَانُ فَقُلتُ: مَن أَغضَبَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَدخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ؟ قَالَ: أَوَ مَا شَعَرتِ أَنِّي أَمَرتُ النَّاسَ بِأَمرٍ فَإِذَا هُم يَتَرَدَّدُونَ، وَلَو أَنِّي استَقبَلتُ مِن أَمرِي مَا استَدبَرتُ مَا سُقتُ الهَديَ مَعِي حَتَّى أَشتَرِيَهُ، ثُمَّ أَحِلُّ كَمَا حَلُّوا.
رواه مسلم (١٢١١)(١٣٠).
ــ
وقولها: (خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر حجًّا ولا عمرة)؛ يحتمل أن يكون معناه: لا نسمي واحدًا منهما. ويستفاد منه: أن الإحرام بالنية، لا بالقول. ويحتمل أن يكون معناه: أن ذلك كان عند خروجهم من المدينة قبل أن يُبَيِّن لهم أنواع الإحرام ويأمرهم بها، كما تقدَّم.
وقولها: (من أغضبك أدخله الله النَّار)؛ كأنها سبق لها: أن الذي يغضب النبي ﷺ إنما هو منافق، فدعت عليه بذلك.
وقوله ﷺ : (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة)؛ هذا يدل على أنه ﷺ ما أحرم به متحتمًا متعينًا عليه. وأنه كان مخيَّرًا بين أنواع الإحرام، فأحرم بأحدها، ثم إنه لما قلَّد الهدي لم يمكنه أن يتحلل حتى ينحره يوم النحر بمحله. فمعنى الكلام: لو ظهر لي قبل الإحرام ما ظهر عند دخول مكة من توقف الناس عن التحلل بالعمرة لأحرمت بعمرة، ولما سقت الهدي، وإنما قال ذلك تطييبًا لنفوسهم، وتسكينًا لهم.
وقوله: (حتى أشتريه)؛ يعني بمكة، أو ببعض جهاتها.
стр. 1566
[١٠٨٦] وعَن أَبِي نَضرَةَ قَالَ: كَانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَأمُرُ بِالمُتعَةِ، وَكَانَ ابنُ الزُّبَيرِ يَنهَى عَنهَا. قَالَ: فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِجَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ فَقَالَ: عَلَى يَدَيَّ دَارَ الحديث تَمَتَّعنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ ﵎ كَانَ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ بِمَا شَاءَ، وَإِنَّ القُرآنَ قَد نَزَلَ مَنَازِلَهُ،
ــ
وقوله: (كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها)؛ هذه المتعة التي اختلف فيها: هي فسخ الحج في العمرة التي أمرهم بها النبي ﷺ . فكان ابن عباس يرى أن ذلك جائز لغير الصحابة، وكان ابن الزبير يرى أن ذلك خاص بهم. وهي التي قال فيها جابر بن عبد الله: على يدي دار الحديث، تمتعنا مع رسول الله ﷺ ، وهي التي منعها عمر ﵁ واستدل على منعها بقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرَةَ لِلَّهِ﴾ ولا معنى لقول مَن قال: إن اختلافهما كان في الأفضل بين المتعة التي هي الجمع بين الحج والعمرة في عام واحد وسفر واحد، وبين غيرها من الإفراد والقران؛ لأنه لو كان اختلافهما في ذلك لكان استدلال عمر ضائعًا؛ إذ كان يكون استدلالاً في غير محله، غير أنه لما كان لفظ المتعة يقال عليهما بالاشتراك خفي على كثير من الناس، وكذلك يصلح هذا اللفظ لمتعة النكاح، ولذلك ذكرهما جابر عن عمر في نسق واحد. وكان ابن عباس أيضًا خالف في متعة النكاح، ولم يبلغه ناسخها على ما يأتي في النكاح إن شاء الله تعالى.
وقول جابر: (فعلناهما مع رسول الله ﷺ ثم نهى عنهما عمر ﵁، فلم نعد لهما)؛ هذا يدل على أن إجماع الصحابة انعقد على ترك العمل بتينك المتعتين، وأن تينك خاصتان بهم، ممنوعتان في حق غيرهم، كما قال أبو ذر.
وقول عمر ﵁: (إن القرآن قد نزل منازله)؛ أي: استقرت أحكامه، وثبتت معالمه، فلا يقبل النسخ ولا التبديل، بعد أن توفي رسول الله ﷺ ،
стр. 1567
فَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرَةَ كَمَا أَمَرَكُم اللَّهُ، وَأَبِتُّوا نِكَاحَ هَذِهِ النِّسَاءِ، فَلَن أُوتَى بِرَجُلٍ نَكَحَ امرَأَةً إِلَى أَجَلٍ إِلَّا رَجَمتُهُ بِالحِجَارَةِ.
رواه مسلم (١٢١٧).
[١٠٨٧] وعَن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: كَانَت المُتعَةُ فِي الحَجِّ لِأَصحَابِ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً.
رواه مسلم (١٢٢٤).
[١٠٨٨] وعنه قال: لَا تَصلُحُ المُتعَتَانِ إِلَّا لَنَا خَاصَّةً، يَعنِي مُتعَةَ النِّسَاءِ وَمُتعَةَ الحَجِّ.
رواه مسلم (١٢٢٤)(١٦٢).
ــ
ويعني بذلك: أن متعة الحج قد رفعت لما أمر الله بإتمام الحج والعمرة، ومتعة النكاح أيضًا كذلك؛ لما ذكر الله شرائط النكاح في كتابه، وبين أحكامه، فلا يزاد فيها، ولا ينقص منها شيء، ولا يغير.
وقوله: (وأبتوا نكاح هذه النساء)؛ يعني: اللاتي عقد عليهن نكاح المتعة؛ أي: اقطعوا نكاحهن. وهذا منه أمر، وتهديد، ووعيد شديد لمن استمر على ذلك بعد التقدمة.
وقوله: (إلا رجمته بالحجارة)؛ على جهة التغليظ. وظاهره: أنه كان يرجمه لأنه قد كان حصل عنده على القطع والبتات نسخ نكاح المتعة، ثم إنه تقدم بهذا البيان الواضح والتغليظ الشديد؛ فكأنه لو أتي بمن فعل ذلك بعد تلك الأمور لحكم له بحكم الزاني المحصن، ولم يقبل له اعتذارًا بجهل ولا غيره. قال أبو عمر بن عبد البر: لا خلاف بين العلماء في أن التمتع المراد بقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمرَةِ إِلَى الحَجِّ فَمَا استَيسَرَ مِنَ الهَديِ﴾ أنه الاعتمار في أشهر الحج
стр. 1568
[١٠٨٩] وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ جَابِرٌ: فَعَلنَاهُمَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ نَهَى عَنهُمَا عُمَرُ، فَلَم نَعُد لَهُمَا.
رواه مسلم (١٤٠٥)(١٧).
* * *
(١٦) باب يجزئ القارن بحجه وعمرته طواف واحد وسعي واحد
[١٠٩٠] عَن عَائِشَةَ، أَنَّهَا أَهَلَّت بِعُمرَةٍ فَقَدِمَت وَلَم تَطُف بِالبَيتِ حَتَّى حَاضَت، فَنَسَكَت المَنَاسِكَ كُلَّهَا، وَقَد أَهَلَّت بِالحَجِّ. فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ يَومَ النَّفرِ: يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمرَتِكِ. فَأَبَت فَبَعَثَ بِهَا مَعَ عَبدِ الرَّحمَنِ إِلَى التَّنعِيمِ، فَاعتَمَرَت بَعدَ الحَجِّ.
رواه مسلم (١٢١١)(١٣٢).
[١٠٩١] وعَنها أَنَّهَا حَاضَت بِسَرِفَ، فَتَطَهَّرَت بِعَرَفَةَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يُجزِئُ عَنكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا وَالمَروَةِ عَن حَجِّكِ وَعُمرَتِكِ.
رواه مسلم (١٢١١)(١٣٣).
ــ
قبل الحج، في عام واحد، وسفر واحد، من غير المكي. قال غيره: عليه كافة فقهاء الأمصار. وروي عن الحسن إسقاط شرط الحج من عامه، ورأى أن المعتمر في أشهر الحج هديًا حج أو لم يحج. وروي عنه إسقاط شرط العمرة في أشهر الحج، وقال: إن اعتمر في غير أشهر الحج ثم حج من عامه فعليه الهدي. وهذان القولان شاذان، لم يقل بهما أحد من العلماء غيره.
стр. 1569
[١٠٩٢] ومن حديث جابر بن عبد الله، أن عائشة حين طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال: قَد حَلَلتِ مِن حَجِّكِ وَعُمرَتِكِ جَمِيعًا، فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَجِدُ فِي نَفسِي أَنِّي لَم أَطُف بِالبَيتِ حَتَّى حَجَجتُ قَالَ: فَاذهَب بِهَا يَا عَبدَ الرَّحمَنِ فَأَعمِرهَا مِن التَّنعِيمِ، وَذَلِكَ لَيلَةَ الحَصبَةِ.
رواه مسلم (١٢١٣)(١٣٦).
[١٠٩٣] وعَنه قَالَ: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، مَعَنَا النِّسَاءُ وَالوِلدَانُ، فَلَمَّا قَدِمنَا مَكَّةَ طُفنَا بِالبَيتِ وَبِالصَّفَا وَالمَروَةِ فَقَالَ: لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَن لَم يَكُن مَعَهُ هَديٌ فَليَحلِل قَالَ: قُلنَا: أَيُّ الحِلِّ؟ فقَالَ: الحِلُّ كُلُّهُ. قَالَ: فَأَتَينَا النِّسَاءَ، وَلَبِسنَا الثِّيَابَ، وَمَسِسنَا الطِّيبَ. فَلَمَّا كَانَ يَومُ التَّروِيَةِ أَهلَلنَا بِالحَجِّ، وَكَفَانَا الطَّوَافُ الأَوَّلُ بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ، فَأَمَرَنَا
ــ
(١٦) ومن باب: يجزئ القارن بحجه وعمرته طواف واحد وسعي واحد (١)
قول جابر ﵁: (خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج معنا النساء والولدان)؛ دليل على جواز حج الصبي، وأنه ينتفع به، وأن حكمه في ذلك حكم الكبير فيما يفعله ويلزمه.
وقولهم لما أمرهم بالتحلل من الحج بالعمرة: (أيُّ الحِلّ)؛ سؤال من جوَّز أنه يحل من بعض الأشياء دون بعضها، فقال لهم رسول الله ﷺ : (الحل كله)؛ أي: لا يبقى معه شيء من ممنوعات الإحرام بعد التحلل المأمور به.
стр. 1570
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن نَشتَرِكَ فِي الإِبِلِ وَالبَقَرِ كُلُّ سَبعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ.
رواه مسلم (١٢١٣)(١٣٨).
* * *
(١٧) باب في حجة النبي ﷺ -
[١٠٩٤] عَن جَعفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: دَخَلنَا عَلَى جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ، فَسَأَلَ عَن القَومِ، حَتَّى انتَهَى إِلَيَّ، فَقُلتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ
ــ
وقوله: (أمرنا أن نشترك في الإبل والبقر، كل سبعة منَّا في بدنة)؛ يحتج به مَن يرى جواز الاشتراك في الهدايا، وهم الجمهور. وسيأتي إن شاء الله تعالى.
(١٧) ومن باب: حجة النبي ﷺ
حديث جابر هذا فيه أحكام كثيرة، وأبواب من الفقه غزيرة (١)، وقد استخرجها الأئمة، وصنفوها، وعددوها حتى بلغوها إلى نيف على مائة وخمسين حكمًا (٢)، وإذا تتبع وجد فيه أكثر من ذلك، لكن أكثرها لا يخفى على فَطِن، فلنعمد إلى بيان ما يشكل.
فمن ذلك: سؤال جابر عن القوم حين دخلوا عليه؛ إنما كان ذلك لأنه كان قد عمي. وفعل جابر ذلك الفعل به إنما كان تأنيسًا له ومبالغة في إكرامه على ما يفعل بالصغار، وعلى ذلك نبه بقوله: (وأنا يومئذٍ غلام شاب).
стр. 1571
حُسَينٍ فَأَهوَى بِيَدِهِ إِلَى رَأسِي، فَنَزَعَ زِرِّي الأَعلَى، ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الأَسفَلَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَينَ ثَديَيَّ، وَأَنَا يَومَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ فَقَالَ: مَرحَبًا بِكَ يَا ابنَ أَخِي، سَل عَمَّا شِئتَ، فَسَأَلتُهُ وَهُوَ أَعمَى، وَحَضَرَ وَقتُ الصَّلَاةِ، فَقَامَ فِي سَاجَةٍ مُلتَحِفًا بِهَا، كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنكِبِيهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيهِ مِن صِغَرِهَا، وَرِدَاؤُهُ إِلَى جَنبِهِ عَلَى المِشجَبِ، فَصَلَّى بِنَا، فَقُلتُ: أَخبِرنِي عَن حَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: بِيَدِهِ، فَعَقَدَ تِسعًا، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَكَثَ تِسعَ سِنِينَ لَم يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي العَاشِرَةِ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَاجٌّ، فَقَدِمَ المَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُم يَلتَمِسُ أَن يَأتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَعمَلَ مِثلَ عَمَلِهِ، فَخَرَجنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَينَا ذَا الحُلَيفَةِ، فَوَلَدَت أَسمَاءُ بِنتُ عُمَيسٍ مُحَمَّدَ بنَ أَبِي بَكرٍ، فَأَرسَلَت إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيفَ أَصنَعُ؟ قَالَ: اغتَسِلِي وَاستَثفِرِي بِثَوبٍ وَأَحرِمِي فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي المَسجِدِ، ثُمَّ
ــ
وقوله: (مرحبًا بك)؛ كلمة ترحيب وإكرام. وقد تقدَّم تفسيرها.
وقوله: (وقام في ساجة ملتحفًا بها)؛ السَّاجة: ثوب كالطيلسان، والمشجب: أعواد توضع عليها الثياب ومتاع البيت.
وقوله: (مكث رسول الله ﷺ تسع سنين لم يحج) يعني في المدينة. وأما بمكة فحج واحدة باتفاق، واختلف في ثانية: هل حجها أم لا؟
وقوله لأسماء: (استثفري)؛ أي: اجعلي لنفسك كثفر الدَّابة، ليمتنع سيلان الدَّم.
و(القصواء): اسم ناقته ﷺ بالمدِّ والهمز. ووقع عند العذري: القصوى؛ بضم القاف والقصر. وهو خطأ في هذا الموضع. قال ابن قتيبة: كانت للنبي ﷺ نوق؛ منها: القصواء، والجدعاء، والعضباء. قال غيره: والخرماء، ومخضرمة. وقال: هي كلها أسماء لناقةٍ واحدةٍ. قال الحربي: القصواء: التي قطع طرف أذنها. والجدع، والخرم، والقصو: قطع طرف أذنها. والجدع أكثر منه. قال
стр. 1572
رَكِبَ القَصوَاءَ حَتَّى إِذَا استَوَت بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى البَيدَاءِ نَظَرتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَينَ يَدَيهِ مِن رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَن يَمِينِهِ مِثلَ ذَلِكَ، وَعَن يَسَارِهِ مِثلَ ذَلِكَ، وَمِن خَلفِهِ مِثلَ ذَلِكَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَينَ أَظهُرِنَا، وَعَلَيهِ يَنزِلُ القُرآنُ، وَهُوَ يَعرِفُ تَأوِيلَهُ، وَمَا عَمِلَ بِهِ مِن شَيءٍ عَمِلنَا بِهِ، فَأَهَلَّ بِالتَّوحِيدِ: لَبَّيكَ اللَّهُمَّ لَبَّيكَ، لَبَّيكَ لَا شَرِيكَ لك لَبَّيكَ، إِنَّ الحَمدَ وَالنِّعمَةَ لك وَالمُلكَ، لَا شَرِيكَ لك، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَم يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيهِم شَيئًا مِنهُ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَلبِيَتَهُ، قَالَ جَابِرٌ: لَسنَا نَنوِي إِلَّا الحَجَّ، لَسنَا نَعرِفُ العُمرَةَ،
ــ
الأصمعي: كل قطع في الأذن جدع، فإن جاوز الربع؛ فهي عضباء. والمخضرم: المقطوع الأذنين، فإذا اصطلمتا؛ فهي صلماء. وقال أبو عبيدة: القصواء: المقطوعة الأذن عرضًا. والمخضرمة: المستأصلة. والعضباء: النصف فما فوقه.
وقوله: فنظرت إلى مدِّ بصري من راكب وماش)؛ لا خلاف في جواز الركوب والمشي في الحج، واختلف في الأفضل منهما:
فذهب مالك، والشافعي في آخرين: إلى أن الركوب أفضل اقتداءً بالنبي ﷺ ، ولكثرة النفقة، ولتعظيم شعائر الحج بأبَّهة الركوب.
وذهب غيرهم: إلى أن المشي أفضل؛ لما فيه من المشقة على النفس.
ولا خلاف في: أن الركوب في الوقوف بعرفة أفضل، واختلفوا في الطواف والسَّعي: والركوب عند مالك في المناسك كلها أفضل، للاقتداء بالنبي ﷺ . وقد تقدَّم الكلام على التلبية.
وقول جابر: (لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة)؛ هذا يحتمل أن يخبر به عن حالهم الأول قبل الإحرام، فإنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، كما تقدَّم. فلما كان عند الإحرام بيَّن لهم النبي ﷺ فقال: (من أراد أن
стр. 1573
حَتَّى إِذَا أَتَينَا البَيتَ مَعَهُ استَلَمَ الرُّكنَ،
ــ
يُهل بحج فليفعل، ومن أراد أن يُهل بعمرة فليفعل، ومن أراد أن يُهل بحج وعمرة فليفعل)، فارتفع ذلك الوهم الواقع لهم، كما سيأتي هذا إن شاء الله تعالى.
و(يستلم الركن) أي: يلمس الحجر الأسود بفيه، وسُمِّي الحجر: ركنًا؛ لأنه في الركن. و (الرَّمل): تقريب بين المشي والسير. وبفعله ﷺ هذا تقرر أن الرَّمل في الأشواط الثلاثة سنَّة راتبة، وإن كان أصل مشروعيته في عمرة القضاء ليرى أهل مكة قوَّتهم، وجلدهم، كما في حديث ابن عباس على ما يأتي؛ لكن لما فعله في حجة الوداع مع زوال ذلك المعنى تحقق أنه تعبد، وأنه سُنَّة. وهذا الطواف المذكور هنا؛ هو المسمَّى بطواف القدوم وهو سنَّة مؤكدة يجب بتركه دم على غير المراهق (١). وهو قول أبي ثور، وأحد قولي مالك. وقيل: لا يجب بتركه دم، ويجزئ عنه طواف الإفاضة، وهو قول الشافعي، وأصحاب الرأي. ولا يخاطب بطواف القدوم مكيِّ.
والأطواف الثلاثة: هذا، وطواف الإفاضة، ويسمَّى: طواف الزيارة؛ لأن الطائف يزور البيت من مِنى، فيطوفه. وقد أجاز الحنفي وغيره هذه التسمية، وكره مالك أن يقال: طواف الزيارة. وطواف الوداع، وهو الذي يفعل عند الصَّدر من مكة. ولا دم على تاركه، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
وقوله: (وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله) يعني: إنه إنما كان يفعل من أفعال الحج بحسب ما ينزل عليه به الوحي، فيفهمه هو ويبينه للناس بفعله، ولذلك قال ﷺ : (خذوا عنِّي مناسككم) (٢)، فكانوا كما قال جابر: إذا عمل شيئًا
стр. 1574
فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَربَعًا.
- وَفِي رِوَايَةٍ: لَمَّا قَدِمَ مَكةَ أَتَى الحَجَرَ فَاستَلَمَهُ، ثم مشى يمينه، فرمل ثلاثا، ومشى أربعا - ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبرَاهِيمَ، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَقَامِ إِبرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فَجَعَلَ المَقَامَ بَينَهُ وَبَينَ البَيتِ، فَكَانَ أَبِي
ــ
اقتدوا به فيه (١)، وعملوه على نحو ما عمل.
وقوله: (فأهل بالتوحيد) يعني: بقوله: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك. بخلاف ما كانت تُلبي الجاهلية؛ إذ كانت تشرك بالله، فتقول في تلبيتها: إلَاّ شريكًا هو لك تملكه وما مَلَك. وقد تقدَّم القول على التلبية.
وقوله: (وأهل الناس بهذا الذي يهلون به)؛ يعني: أنهم لم يلتزموا هذه التلبية الخاصَّة التي لبَّى بها رسول الله ﷺ ؛ إذ فهموا: أنها ليست مُتعيِّنَة، فإنه قد ترك ﷺ كل أحد على ما تيسر له من ألفاظها، ومع هذا فلا بدَّ أن يأتي الملبِّي ما يقال عليه تلبية لسانًا. ولا يجزئ منها التحميد، ولا التكبير، ولا غيره، عند مالك.
وقوله: (ثم نفذ إلى مقام إبراهيم) يعني: أنه صار إليه بعد أن فرغ من طوافه. والرواية هنا: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ بكسر الخاء على الأمر، وهي قراءة الكوفيين، وأبي عمرو، وهي أمر. وعلى قراءة الفتح، وهي قراءة الباقين، هو خبر عن الملتزمين لاستقبال الكعبة.
واختلف في مقام إبراهيم ما هو؟ فقال ابن عباس: هو مواقفُه كلها. وقال الشعبي وعطاء: هو عَرَفة، والمزدلفة، والجمار. وقال مجاهد: الحرم. وقال جابر وقتادة: الحجر الذي قام عليه للبناء، فكان يرتفع به كلما ارتفع البناء. ويرفع هذا الخلاف، ويبيِّن المراد بالمقام قوله: فجعل المقام
стр. 1575
يَقُولُ: وَلَا أَعلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَن النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَقرَأُ فِي الرَّكعَتَينِ: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُل يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكنِ فَاستَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِن البَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِن الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَروَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾
ــ
بينه وبين الكعبة؛ وهذا يدل على أنه هو الموضع المعروف هناك؛ الذي يستقبل باب البيت.
و(مُصَلًّى) أي: موضع صلاة ودعاء. وهاتان الركعتان هما المسنونتان للطُوَّاف. وهما سنتان مؤكدتان، يجب بتركهما دم عند مالك. ويدركهما ما لم يخرج من الحرم. فإن خرج ولم يركع؛ فهل يعيد الطواف لهما، أم لا؟ قولان. فإذا قلنا: لا يعيد الطواف لهما فقد وجب الدَّم، وكذلك إذا رجع إلى بلاده وجب الدَّم. وغير مالك لا يرى فيهما دمًا، ويركعهما متى ذكرهما.
وقوله: (ثم رجع إلى الركن واستلمه) يعني: بعد الصلاة، وهذا يدل على شدة العناية والتهمم باستلام الحجر.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَروَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الصفا: جمع صفاة، قال:
لها كِفلٌ كَصَفاةِ المَسِيل
أو واحدٌ، والجمع: صِفًى. قال (١):
. . . . . . . ... مواقع الطَّير من الصُّفِيِّ (٢)
стр. 1576
أَبدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيهِ، حَتَّى رَأَى البَيتَ فَاستَقبَلَ القِبلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ،
ــ
وهو حجر أملس، وهو الصفوان. و (المروة) من الحجارة ما لان وصغر. قال (١):
كأن صليل المروحين تُشِدُّه ... صليل زُيُوف يُنتَقَدنَ بِعَبقَرَا
وقال آخر:
وَيُوالي الأرض خُفًّا ذَابِلاً ... فإذا ما صادَفَ (٢) المَروَ رَضَخ
وهما هنا اسمان لصفحين معلومين. وقيل: سُمِّيا بذلك لجلوس الصفي وامرأته عليهما.
و(الشعائر): المعالم التي للحج، جمع شعيرة، سميت بذلك لما تُشعِر به تلك المواضع من أعمال الحج؛ أي: تُعلِم، أو لما يستشعر هناك من تعظيم الله تعالى، والقيام بوظائفه.
والطواف بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة عند جمهور العلماء، ما خلا أبا حنيفة؛ فإنه لم يره فيهما واجبًا في الحج. وسيأتي استيفاء الكلام عليهما إن شاء الله تعالى.
وقوله: (أبدأ بما بدأ الله به) فبدأ بالصَّفا فرقى عليها حتى رأى البيت فاستقبله، هكذا المشروعية المستحبة مهما أمكنت. ولذلك يمنع الابتداء بالمروة، فإن فعل ألغي ذلك الشَّوط عند الجمهور. وقال عطاء: إن جهل ذلك أجزأه.
стр. 1577
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ، أَنجَزَ وَعدَهُ وَنَصَرَ عَبدَهُ، وَهَزَمَ الأَحزَابَ وَحدَهُ. ثُمَّ دَعَا بَينَ ذَلِكَ. قَالَ مِثلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى المَروَةِ حَتَّى انصَبَّت قَدَمَاهُ فِي بَطنِ الوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى المَروَةَ، فَفَعَلَ عَلَى المَروَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِ عَلَى المَروَةِ قَالَ: إِنِّي لَو استَقبَلتُ مِن أَمرِي مَا استَدبَرتُ لَم أَسُق الهَديَ، ولَجَعَلتُهَا عُمرَةً، فَمَن كَانَ مِنكُم لَيسَ مَعَهُ هَديٌ، فَليَحِلَّ وَليَجعَلهَا عُمرَةً، فَقَامَ سُرَاقَةُ بنُ مَالِكِ بنِ جُعشُمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلِعَامِنَا هَذَا أَم لِأَبَدٍ، فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الأُخرَى، وَقَالَ: دَخَلَت العُمرَةُ فِي الحَجِّ، مَرَّتَينِ: لَا بَل لِأَبَدٍ أَبَدٍ. وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِن اليَمَنِ بِبُدنِ النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدَ
ــ
ويكره الجلوس على الصفا والمروة، والدعاء عليهما كذلك، ويؤخذ من قوله ﷺ : (أبدأ بما بدأ الله به): أن الذي يقدَّم ليعطف عليه أوكد من المعطوف في مقصود المقدَّم بوجه ما، كما يفهم من قوله تعالى: ﴿إِنَّ المُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ وَالمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ﴾ ومن قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فإن المعطوف عليه في هذه المواضع مقدَّم لمزية له على المعطوف. ومثل هذا كثير، وله موضع آخر يُعرف به. ولا يُفهَم منه: أن الواو ترتب؛ لأنه إنما أخذه بالابتداء لا بالترتيب. وقد تقدم القولُ على تحلُّلهم بعمل العمرة.
وقول سراقة بن جعشُم: (أَلِعَامِنا هذا أم لأبد؟ فقال: دخلت العمرة في الحج، لا، بل لأبد أبد) ظاهر هذا السؤال والجواب: أنهما في فسخ الحج في العمرة، فيقتضي أن ذلك جائز مطلقًا مُؤبدًا، وليس مخصوصًا بالصحابة. وبهذا استدل من قال بجواز ذلك مطلقًا، وهم أهل الظاهر. وقد صرف هذا الظاهر الجمهور إلى: أن السؤال إنما كان عن فِعل العمرة في أشهر الحج، فأجاب بذلك. وعلى هذا: فيكون معنى (دخلت العمرة في الحج)؛ أي: في أشهر الحج. وقيل:
стр. 1578
فَاطِمَةَ مِمَّن حَلَّ وَلَبِسَت ثِيَابًا صَبِيغًا، وَاكتَحَلَت، فَأَنكَرَ ذَلِكَ عَلَيهَا، فَقَالَت: إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا، قَالَ: فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ بِالعِرَاقِ: فَذَهَبتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ، لِلَّذِي صَنَعَت، مُستَفتِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا ذَكَرَت عَنهُ. فَأَخبَرتُهُ أَنِّي أَنكَرتُ ذَلِكَ عَلَيهَا. فَقَالَ: صَدَقَت صَدَقَت، مَاذَا قُلتَ
ــ
دخلت العمرة بالحج؛ أي: في حق القارن. والذي حملهم على هذه التأويلات ما تقدَّم من أن الأصل وجوب الإتمام لما دخل فيه من الحج والعمرة، وأن الصحابة قد قالوا: إن ذلك كان مخصوصا بهم كما تقدَّم، والله تعالى أعلم.
وقوله: (حتى انصبَّت قدماه في بطن الوادي)؛ هكذا صحَّت روايتي فيه. وقال القاضي عياض: حتى إذا انصبَّت قدماه في بطن الوادي، بـ (إذا) وقال: هكذا في جميع النسخ الواصلة إلينا من مسلم، ليس في أصول شيوخنا فيها اختلاف، وفيه وَهمٌ، وإسقاط لفظة: (رمل)، وبها يتم الكلام، وكذا جاء في غير مسلم: (حتى إذا انصبَّت قدماه في بطن الوادي رَمَل.
قلت: هذا الوهم الذي أبداه لازم على روايته هو؛ إذ رواه بـ (إذا) فيحتاج إلى الجواب، فأبداه. وأما على ما رويته أنا من إسقاط: (إذا) فلا يحتاج إلى تقدير ذلك؛ إذ ليس في الكلام ما يستلزمه. فتأمله.
و(الرَّمَل): سنَّة في السعي في بطن الوادي، واختلف فيمن تركه؛ هل يلزمه دم أم لا؟ واختلف في تعليل الرَّمل، وفي سبب اختصاصه بذلك المحل؛ فقيل: فعله ﷺ هناك ليرى المشركون جَلَدَه وجَلَد أصحابه.
قلت: وهذا إنما كان في عمرة القضاء، غير أنه دام على فعله في حجته، فدلَّ على أنه سُنَّة راتبة. وقيل: بل اقتدى فيه بهَاجَر في سعيها لطلب الماء لولدها، على ما جاء في الحديث.
ويقال للطواف بينهما: طواف وسعي، ولا يقال: شوط، ولا دور، وقد كرهه جماعة من السلف والشافعي.
وقوله: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، ولجعلتها عمرة) هذا يرد على من قال: إن النبي ﷺ أحرم متمتعًا، ويدل على أنه إنما
стр. 1579
حِينَ فَرَضتَ الحَجَّ؟ قَالَ: قُلتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ. قَالَ: فَإِنَّ مَعِيَ الهَديَ فَلَا تَحِلُّ. قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الهَديِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِن اليَمَنِ وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِائَةً، قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُم وَقَصَّرُوا، إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ وَمَن كَانَ مَعَهُ الهَديُ، فَلَمَّا كَانَ يَومُ التَّروِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالحَجِّ،
ــ
أحرم بما أحرم به مختارًا له، وإنه خُيّر في أنواع الإحرام الثلاثة، ولم يُعَيّن له واحد فيها؛ فأمر به. لكنه اختار القران على ما تقدَّم، ثم إنه لما أمر أصحابه بالتحلل بعمل العمرة، فتوقفوا لأجل أنه لم يتحلل هو؛ أخبرهم بسبب امتناعه، وهو: سوقه الهدي، ثم أخبرهم: أنه ظهر له في ذلك الوقت ما لم يظهر له قبل ذلك من المصلحة التي اقتضت أن أباح لهم فسخ الحج، وأنه لو ظهر له من ذلك قبل إحرامه مما ظهر له بعد؛ لأحرم بعمرة حتى تطيب قلوبهم، وتسكن نفرتهم من إيقاع العمرة في أشهر الحج.
وإنكار عليٍّ على فاطمة تحللها: إنما كان لأنه عَلِم أنها أحرمت بالحج، وأنها تحللت منه قبل إتمامه، وإنما أمرها النبي ﷺ بالتحلل؛ لأنها لم تسق الهدي، كما أمر غيرها ممن لم يسق الهدي.
وقوله ﷺ لعليّ ﵁: (بم أهللت؟ ) يدل على أنه لم يكن عنده خبر بما به يُحرم النبي ﷺ ، ولم يتقدَّم له فيه عهد منه، وأنَّ عليًّا ﵁ هو الذي ابتدأ إحرامه محالاً به على إحرام النبي ﷺ من غير تعيين حجّ ولا عمرة، وأنه ﷺ أقرَّه على ذلك، فكان ذلك حجة على جواز الحوالة على إحرام الغير مطلقًا إذا تحقق أنه أحرم ولا بدَّ، وبه قال الشافعي، وأخذ منه جواز الإحرام من غير تعيين، ثم بعد ذلك يعيَّن، وسيأتي.
وقوله: (فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلُّوا بالحج) يوم التروية: هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سُمِّي بذلك: لأن قريشًا كانت تحمل الماء من مكة إلى منى للحاجِّ تسقيهم، فيروون منه.
و(توجهوا): قصدوا، وأخذوا في الأهبة
стр. 1580
وَرَكِبَ النبي ﷺ فَصَلَّى بِهَا الظُّهرَ وَالعَصرَ وَالمَغرِبَ وَالعِشَاءَ وَالفَجرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلاً حَتَّى طَلَعَت الشَّمسُ، فَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِن شَعَرٍ تُضرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ. فَسَارَ
ــ
إلى منى، لا أنَّهم توجهوا بمشيهم إلى منى، فأحرموا منها، فإن ذلك باطل بإجماع العلماء. على أنَّهم أحرموا من مكة. والمستحب عند أكثر العلماء فيمن أحرم من مكة بالحج أن يكون إحرامه من مكة متصلاً بسيره إلى منى يوم التروية؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث. واستحب بعضهم أن يكون ذلك أول هلال ذي الحجة ليلحقهم من الشعث إلى وقت الحج ما لحق غيرهم.
والقولان عن مالك، وقد تقدَّم في حديث ابن عمر ﵄.
وقوله: وركب النبي ﷺ إلى منى، فصلَّى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر؛ يعني: أنه صلَّى كل صلاة في وقتها، غير مجموعة، كما قد توهمه بعضهم، ممن لا يعرف. وإنما ذكر عدد الصلوات الخمس هنا ليعلم الوقت الذي وصل فيه إلى منى، والوقت الذي خرج فيه منها إلى عرفة، ولذلك قال مالك باستحباب دخوله إلى منى، وخروجه منها في ذينك الوقتين المذكورين. وقد استحب جميع العلماء الخروج إلى منى يوم التروية، والمبيت بها، والغدوَّ منها إلى عرفة، ولا حرج في ترك ذلك، والخروج من مكة إلى عرفة، ولا دم.
و(نمرة): هو موضع بعرفة، وهو الجبل الذي عليه أنصاب الحرم، على يمين الخارج من مأزمي منى إلى الموقف. و (نمرة) أيضًا: موضع آخر بقُدَيد.
وفيه دليل: على جواز المحرم في القباب والأخبية، ولا خلاف فيه. واختلف في استظلال الراكب في حال وقوفه، فكرهه مالك، وأهل المدينة، وأحمد بن حنبل. وأجاز ذلك غيرهم. وعليه عند مالك الفدية إذا انتفع به، وكذلك استظلاله عنده (١) في حال سيره. وكذلك لو كان نازلاً بالأرض أو راجلاً فاستظل بما يقربُ من رأسه. وسيأتي الكلام عليه.