← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

أَبدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيهِ، حَتَّى رَأَى البَيتَ فَاستَقبَلَ القِبلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، ــ وهو حجر أملس، وهو الصفوان. و (المروة) من الحجارة ما لان وصغر. قال (١): كأن صليل المروحين تُشِدُّه ... صليل زُيُوف يُنتَقَدنَ بِعَبقَرَا وقال آخر: وَيُوالي الأرض خُفًّا ذَابِلاً ... فإذا ما صادَفَ (٢) المَروَ رَضَخ وهما هنا اسمان لصفحين معلومين. وقيل: سُمِّيا بذلك لجلوس الصفي وامرأته عليهما. و(الشعائر): المعالم التي للحج، جمع شعيرة، سميت بذلك لما تُشعِر به تلك المواضع من أعمال الحج؛ أي: تُعلِم، أو لما يستشعر هناك من تعظيم الله تعالى، والقيام بوظائفه. والطواف بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة عند جمهور العلماء، ما خلا أبا حنيفة؛ فإنه لم يره فيهما واجبًا في الحج. وسيأتي استيفاء الكلام عليهما إن شاء الله تعالى. وقوله: (أبدأ بما بدأ الله به) فبدأ بالصَّفا فرقى عليها حتى رأى البيت فاستقبله، هكذا المشروعية المستحبة مهما أمكنت. ولذلك يمنع الابتداء بالمروة، فإن فعل ألغي ذلك الشَّوط عند الجمهور. وقال عطاء: إن جهل ذلك أجزأه.

стр. 1577

لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ، أَنجَزَ وَعدَهُ وَنَصَرَ عَبدَهُ، وَهَزَمَ الأَحزَابَ وَحدَهُ. ثُمَّ دَعَا بَينَ ذَلِكَ. قَالَ مِثلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى المَروَةِ حَتَّى انصَبَّت قَدَمَاهُ فِي بَطنِ الوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى المَروَةَ، فَفَعَلَ عَلَى المَروَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِ عَلَى المَروَةِ قَالَ: إِنِّي لَو استَقبَلتُ مِن أَمرِي مَا استَدبَرتُ لَم أَسُق الهَديَ، ولَجَعَلتُهَا عُمرَةً، فَمَن كَانَ مِنكُم لَيسَ مَعَهُ هَديٌ، فَليَحِلَّ وَليَجعَلهَا عُمرَةً، فَقَامَ سُرَاقَةُ بنُ مَالِكِ بنِ جُعشُمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلِعَامِنَا هَذَا أَم لِأَبَدٍ، فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الأُخرَى، وَقَالَ: دَخَلَت العُمرَةُ فِي الحَجِّ، مَرَّتَينِ: لَا بَل لِأَبَدٍ أَبَدٍ. وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِن اليَمَنِ بِبُدنِ النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدَ ــ ويكره الجلوس على الصفا والمروة، والدعاء عليهما كذلك، ويؤخذ من قوله ﷺ : (أبدأ بما بدأ الله به): أن الذي يقدَّم ليعطف عليه أوكد من المعطوف في مقصود المقدَّم بوجه ما، كما يفهم من قوله تعالى: ﴿إِنَّ المُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ وَالمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ﴾ ومن قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فإن المعطوف عليه في هذه المواضع مقدَّم لمزية له على المعطوف. ومثل هذا كثير، وله موضع آخر يُعرف به. ولا يُفهَم منه: أن الواو ترتب؛ لأنه إنما أخذه بالابتداء لا بالترتيب. وقد تقدم القولُ على تحلُّلهم بعمل العمرة. وقول سراقة بن جعشُم: (أَلِعَامِنا هذا أم لأبد؟ فقال: دخلت العمرة في الحج، لا، بل لأبد أبد) ظاهر هذا السؤال والجواب: أنهما في فسخ الحج في العمرة، فيقتضي أن ذلك جائز مطلقًا مُؤبدًا، وليس مخصوصًا بالصحابة. وبهذا استدل من قال بجواز ذلك مطلقًا، وهم أهل الظاهر. وقد صرف هذا الظاهر الجمهور إلى: أن السؤال إنما كان عن فِعل العمرة في أشهر الحج، فأجاب بذلك. وعلى هذا: فيكون معنى (دخلت العمرة في الحج)؛ أي: في أشهر الحج. وقيل:

стр. 1578

فَاطِمَةَ مِمَّن حَلَّ وَلَبِسَت ثِيَابًا صَبِيغًا، وَاكتَحَلَت، فَأَنكَرَ ذَلِكَ عَلَيهَا، فَقَالَت: إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا، قَالَ: فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ بِالعِرَاقِ: فَذَهَبتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ، لِلَّذِي صَنَعَت، مُستَفتِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا ذَكَرَت عَنهُ. فَأَخبَرتُهُ أَنِّي أَنكَرتُ ذَلِكَ عَلَيهَا. فَقَالَ: صَدَقَت صَدَقَت، مَاذَا قُلتَ ــ دخلت العمرة بالحج؛ أي: في حق القارن. والذي حملهم على هذه التأويلات ما تقدَّم من أن الأصل وجوب الإتمام لما دخل فيه من الحج والعمرة، وأن الصحابة قد قالوا: إن ذلك كان مخصوصا بهم كما تقدَّم، والله تعالى أعلم. وقوله: (حتى انصبَّت قدماه في بطن الوادي)؛ هكذا صحَّت روايتي فيه. وقال القاضي عياض: حتى إذا انصبَّت قدماه في بطن الوادي، بـ (إذا) وقال: هكذا في جميع النسخ الواصلة إلينا من مسلم، ليس في أصول شيوخنا فيها اختلاف، وفيه وَهمٌ، وإسقاط لفظة: (رمل)، وبها يتم الكلام، وكذا جاء في غير مسلم: (حتى إذا انصبَّت قدماه في بطن الوادي رَمَل. قلت: هذا الوهم الذي أبداه لازم على روايته هو؛ إذ رواه بـ (إذا) فيحتاج إلى الجواب، فأبداه. وأما على ما رويته أنا من إسقاط: (إذا) فلا يحتاج إلى تقدير ذلك؛ إذ ليس في الكلام ما يستلزمه. فتأمله. و(الرَّمَل): سنَّة في السعي في بطن الوادي، واختلف فيمن تركه؛ هل يلزمه دم أم لا؟ واختلف في تعليل الرَّمل، وفي سبب اختصاصه بذلك المحل؛ فقيل: فعله ﷺ هناك ليرى المشركون جَلَدَه وجَلَد أصحابه. قلت: وهذا إنما كان في عمرة القضاء، غير أنه دام على فعله في حجته، فدلَّ على أنه سُنَّة راتبة. وقيل: بل اقتدى فيه بهَاجَر في سعيها لطلب الماء لولدها، على ما جاء في الحديث. ويقال للطواف بينهما: طواف وسعي، ولا يقال: شوط، ولا دور، وقد كرهه جماعة من السلف والشافعي. وقوله: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، ولجعلتها عمرة) هذا يرد على من قال: إن النبي ﷺ أحرم متمتعًا، ويدل على أنه إنما

стр. 1579

حِينَ فَرَضتَ الحَجَّ؟ قَالَ: قُلتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ. قَالَ: فَإِنَّ مَعِيَ الهَديَ فَلَا تَحِلُّ. قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الهَديِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِن اليَمَنِ وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِائَةً، قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُم وَقَصَّرُوا، إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ وَمَن كَانَ مَعَهُ الهَديُ، فَلَمَّا كَانَ يَومُ التَّروِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالحَجِّ، ــ أحرم بما أحرم به مختارًا له، وإنه خُيّر في أنواع الإحرام الثلاثة، ولم يُعَيّن له واحد فيها؛ فأمر به. لكنه اختار القران على ما تقدَّم، ثم إنه لما أمر أصحابه بالتحلل بعمل العمرة، فتوقفوا لأجل أنه لم يتحلل هو؛ أخبرهم بسبب امتناعه، وهو: سوقه الهدي، ثم أخبرهم: أنه ظهر له في ذلك الوقت ما لم يظهر له قبل ذلك من المصلحة التي اقتضت أن أباح لهم فسخ الحج، وأنه لو ظهر له من ذلك قبل إحرامه مما ظهر له بعد؛ لأحرم بعمرة حتى تطيب قلوبهم، وتسكن نفرتهم من إيقاع العمرة في أشهر الحج. وإنكار عليٍّ على فاطمة تحللها: إنما كان لأنه عَلِم أنها أحرمت بالحج، وأنها تحللت منه قبل إتمامه، وإنما أمرها النبي ﷺ بالتحلل؛ لأنها لم تسق الهدي، كما أمر غيرها ممن لم يسق الهدي. وقوله ﷺ لعليّ ﵁: (بم أهللت؟ ) يدل على أنه لم يكن عنده خبر بما به يُحرم النبي ﷺ ، ولم يتقدَّم له فيه عهد منه، وأنَّ عليًّا ﵁ هو الذي ابتدأ إحرامه محالاً به على إحرام النبي ﷺ من غير تعيين حجّ ولا عمرة، وأنه ﷺ أقرَّه على ذلك، فكان ذلك حجة على جواز الحوالة على إحرام الغير مطلقًا إذا تحقق أنه أحرم ولا بدَّ، وبه قال الشافعي، وأخذ منه جواز الإحرام من غير تعيين، ثم بعد ذلك يعيَّن، وسيأتي. وقوله: (فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلُّوا بالحج) يوم التروية: هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سُمِّي بذلك: لأن قريشًا كانت تحمل الماء من مكة إلى منى للحاجِّ تسقيهم، فيروون منه. و(توجهوا): قصدوا، وأخذوا في الأهبة

стр. 1580

وَرَكِبَ النبي ﷺ فَصَلَّى بِهَا الظُّهرَ وَالعَصرَ وَالمَغرِبَ وَالعِشَاءَ وَالفَجرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلاً حَتَّى طَلَعَت الشَّمسُ، فَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِن شَعَرٍ تُضرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ. فَسَارَ ــ إلى منى، لا أنَّهم توجهوا بمشيهم إلى منى، فأحرموا منها، فإن ذلك باطل بإجماع العلماء. على أنَّهم أحرموا من مكة. والمستحب عند أكثر العلماء فيمن أحرم من مكة بالحج أن يكون إحرامه من مكة متصلاً بسيره إلى منى يوم التروية؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث. واستحب بعضهم أن يكون ذلك أول هلال ذي الحجة ليلحقهم من الشعث إلى وقت الحج ما لحق غيرهم. والقولان عن مالك، وقد تقدَّم في حديث ابن عمر ﵄. وقوله: وركب النبي ﷺ إلى منى، فصلَّى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر؛ يعني: أنه صلَّى كل صلاة في وقتها، غير مجموعة، كما قد توهمه بعضهم، ممن لا يعرف. وإنما ذكر عدد الصلوات الخمس هنا ليعلم الوقت الذي وصل فيه إلى منى، والوقت الذي خرج فيه منها إلى عرفة، ولذلك قال مالك باستحباب دخوله إلى منى، وخروجه منها في ذينك الوقتين المذكورين. وقد استحب جميع العلماء الخروج إلى منى يوم التروية، والمبيت بها، والغدوَّ منها إلى عرفة، ولا حرج في ترك ذلك، والخروج من مكة إلى عرفة، ولا دم. و(نمرة): هو موضع بعرفة، وهو الجبل الذي عليه أنصاب الحرم، على يمين الخارج من مأزمي منى إلى الموقف. و (نمرة) أيضًا: موضع آخر بقُدَيد. وفيه دليل: على جواز المحرم في القباب والأخبية، ولا خلاف فيه. واختلف في استظلال الراكب في حال وقوفه، فكرهه مالك، وأهل المدينة، وأحمد بن حنبل. وأجاز ذلك غيرهم. وعليه عند مالك الفدية إذا انتفع به، وكذلك استظلاله عنده (١) في حال سيره. وكذلك لو كان نازلاً بالأرض أو راجلاً فاستظل بما يقربُ من رأسه. وسيأتي الكلام عليه.

стр. 1581

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا تَشُكُّ قُرَيشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقفٌ عِندَ المَشعَرِ الحَرَامِ كَمَا كَانَت قُرَيشٌ تَصنَعُ فِي الجَاهِلِيَّةِ. فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ القُبَّةَ قَد ضُرِبَت لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَت الشَّمسُ أَمَرَ بِالقَصوَاءِ، فَرُحِلَت لَهُ، فَأَتَى بَطنَ الوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَقَالَ: إِنَّ دِمَاءَكُم وَأَموَالَكُم ــ وقوله: (ولا تشكُّ قريش إلا أنَّه واقف عند المشعر الحرام)؛ يعني: كما كانت قريش تصنع في الجاهلية؛ فإنها كانت تقف بالمشعر الحرام بدل وقوف الناس بعرفة، وتقول: نحن أهل الحرم، لا نخرج منه إلى الحل. وكان هذا من جملة ما ابتدعت وغيرت من شريعة إبراهيم وسنته في الحج. وقوله: (فَرُحِّلَت له القصواء) أي: وضع عليها الرَّحل. و(القصواء): ناقته، وقد تقدَّم ذكرها. و (زاغت الشمس): مالت. و (بطن الوادي): المنخفض منه؛ ويعني به: وادي عُرَنة المعروف هناك، وهو موضع متسع جامع. ولذلك خصَّه بخطبته، والله تعالى أعلم. وقوله: (فخطب الناس) دليل لمالك وجميع المدنيين والمغاربة؛ إذ قالوا: ليوم عرفة خطبة قبل الصلاة، يذكر الناس فيها، ويُعَلِّمُهم ما يستقبلون من الوقوف وغيره من المناسك. وهو أيضًا حجة على الشافعي وأبي حنيفة؛ إذ قالا: ليس عرفة بموضع خطبة، وهو قول العراقيين من أصحابنا. وخطب الحج عندنا ثلاثة: يوم التروية بعد صلاة الظهر في المسجد الحرام، يذكر الناس، ويعلمهم أحكام إحرامهم، ويحضهم على الخروج إلى منى. والثانية: بعرفة قبل الصلاة بإجماع من القائلين بها. وأجمعوا: على أنه لو صلَّى ولم يخطب فصلاته جائزة. والثالثة: بعد يوم النحر، يُعلِّمُهم فيها أحكام الرمي والتعجيل.

стр. 1582

حَرَامٌ عَلَيكُم كَحُرمَةِ يَومِكُم هَذَا، فِي شَهرِكُم هَذَا، فِي بَلَدِكُم هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيءٍ مِن أَمرِ الجَاهِلِيَّةِ تَحتَ قَدَمَيَّ مَوضُوعٌ، وَدِمَاءُ الجَاهِلِيَّةِ مَوضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِن دِمَائِنَا دَمُ ابنِ رَبِيعَةَ بنِ الحَارِثِ، كَانَ مُستَرضِعًا فِي بَنِي سَعدٍ، فَقَتَلَتهُ هُذَيلٌ، وَرِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوضُوعٌ، وإنَّ أَوَّلُ رِبًا أَضَعُه رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُم أَخَذتُمُوهُنَّ بِأَمَانة اللَّهِ، ــ وقوله: (ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع)؛ يعني به: الأمور التي أحدثوها، والشرائع التي كانوا أشرعوها في الحج وغيره. وهذا كقوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) (١). وقوله: (وربا الجاهلية موضوع)؛ الرِّبا: الزيادة، والكثرة لغة، ثم إنهم كانت لهم بيوعات يسمُّونها: بيع الربا. منها: أنهم كانوا إذا حل أجل الدَّين يقول الغريم لرب الدَّين: أنظرني وأزيدك. فينظره إلى وقت آخر على زيادة مقررة، فإذا حل ذلك الوقت الآخر قال له أيضًا كذلك، وربما يؤدي ذلك إلى استئصال مال الغريم نزر يسير كان أخذه أوَّل مرة. فأبطل الله ذلك، وحرَّمه، وتوعَّد عليه بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ المَسِّ﴾ الآيات. وردهم فيه إلى رؤوس أموالهم، وبلَّغ ذلك رسول الله ﷺ قرآنًا وسنَّة، ووعظ الناس، وذكرهم بذلك في ذلك الموطن مبالغة في التبليغ، وبدأ ﷺ بربا العباس لخصوصيته بالنبي ﷺ ليقتدي الناس به قولاً وفعلاً؛ فيضعون عن غرمائهم ما كان من ذلك. وقوله: (فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله) أي: بأن الله ائتمنكم عليهن، فيجب حفظ الأمانة وصيانتها بمراعاة حقوقها، والقيام بمصالحها

стр. 1583

وَاستَحلَلتُم فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُم عَلَيهِنَّ أَلَّا يُوطِئنَ فُرُشَكُم أَحَدًا تَكرَهُونَهُ، فَإِن فَعَلنَ ذَلِكَ فَاضرِبُوهُنَّ ضَربًا غَيرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيكُم رِزقُهُنَّ، وَكِسوَتُهُنَّ بِالمَعرُوفِ، وَقَد تَرَكتُ فِيكُم مَا لَن ــ الدينية والدنيوية. وجاء في حديث آخر: (فإنهن عوان عندكم) (١) جمع: عانية، وهي الأسيرة. والعاني: الأسير، وذلك أنها محبوسة لحق الزوج، وله التصرف فيها، والسَّلطنة عليها. وقوله: (واستحللتم فروجهن بكلمة الله) قيل: إن كلمة الله كلمة: لا إله إلا الله، ومعنى هذا عند هذا القائل: إنه لولا الإسلام للزوج لما حلت له. وقيل: هي كلمة النكاح التي يستحل بها الفرج. وهي الصيغ التي ينعقد بها النكاح، وأشبه من هذه الأقوال: أنها عبارة عن حكمه تعالى بحليّة النكاح، وجوازه، وبيان شروطه، فإن حكم الله كلامه المتوجه للمحكوم عليه على جهة الاقتضاء أو التخيير على ما قدمناه في الأصول. وقوله: (ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه) معنى هذا: لا يدخلن منازلكم أحدًا ممن تكرهونه، ويدخل في ذلك الرجال والنساء، الأقرباء والأجانب. وقد بينا هذا المعنى فيما تقدم، ولا يُفهم من هذا الكلام: أنه النهي عن الزنى، فإن ذلك يحرم مع من يكرهه الزوج ومع من لا يكرهه. وقد قال: (أحدًا تكرهونه) ثم إنها تكون استعارة بعيدة. وأيضًا: فإن الزنى يترتب عليه الحدُّ. وقوله: (فاضربوهن ضربًا غير مبرح) ليس بالحدِّ، وإنما هو تأديب. والمبرِّح: الشديد الشاقّ. والبَرح: المشقة الشديدة، وفيه إباحة تأديب الرجل زوجته على وجه الرفق. وقوله: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)؛ أي: بما يعرف من

стр. 1584

تَضِلُّوا بَعدَهُ إِن اعتَصَمتُم بِهِ: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَنتُم تُسأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنتُم قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشهَدُ أَنَّكَ قَد بَلَّغتَ وَأَدَّيتَ وَنَصَحتَ. فَقَالَ بِإِصبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنكُبهَا إِلَى النَّاسِ: اللَّهُمَّ اشهَد اللَّهُمَّ اشهَد، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى العَصرَ، ــ حاله وحالها، وهو حجة لمالك؛ حيث يقول: إن النفقات على الزوجات غير مقدرات، وإنما ذلك بالنظر إلى أحوالهم وأحوالهن. وقوله: (فقال بأصبعه السَّبابة يرفعها إلى السَّماء، ويُنكِّبها إلى الناس) هذه الإشارة منه ﷺ إمَّا إلى السماء؛ لأنها قبلة الدعاء، وأما لعلو الله المعنوي؛ لأن الله تعالى لا يحويه مكان، ولا يختص بجهةٍ. وقد بين ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُم أَينَ مَا كُنتُم﴾ و(ينكُبُها): روايتي في هذه اللفظة، وتقييدي على من أعتمده من الأئمة المقيّدين؛ بضم الياء، وفتح النون، وكسر الكاف مشدَّدة، وضم الباء بواحدة؛ أي: يُعَدِّلها إلى الناس، وقد رويت: (يَنكُبها) مفتوحة الياء، ساكنة النون، وبضم الكاف؛ ومعناه: يقلبها، وهو قريب من الأول، وقد رويت: (ينكُتُها) باثنتين فوق، وهي أبعدها. وقوله بعد الفراغ من الخطبة: (ثم أذَّنَ، ثم أقام) دليل على تقديم الخطبة على الصلاة، وعلى أن الأذان بعد الخطبة. وبه أخذ مالك في أحد أقواله، فإنه روي عنه: أنه يؤذن بعد تمام الخطبة، فيجلس الإمام على المنبر، ويؤذن المؤذن. ورُوي عنه أيضًا: أنَّه يؤذن في آخر خطبة الإمام حتى يكون فراغ الإمام من الخطبة مع فراغ المؤذن من الأذان. وهو قول الشافعي. وروي عنه: أنه يؤذن لها إذا جلس بين الخطبتين. وقال أبو ثور: يؤذن المؤذن والإمام على المنبر قبل الخطبة؛ كالجمعة. وروي أيضًا مثله عن مالك. وقوله: (فصلَّى الظهر، ثم أقام فصلَّى العصر) فيه دليل: على أن الجمع بين

стр. 1585

وَلَم يُصَلِّ بَينَهُمَا شَيئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى المَوقفَ، ــ الصلاتين يُكتفى فيه بأذانٍ واحدٍ للصلاتين، وعلى أن كل صلاة منهما لا بدَّ لها من إقامة. وهذا قول أحمد، وأبي ثور، وابن الماجشون، والطحاوي. وقال مالك: يؤذن ويقيم لكل صلاة قياسًا على سائر الصلوات. وهو مذهب عمر، وابن مسعود ﵄، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف: إلى أذان واحدٍ، وإقامة واحدة. وقال الشافعي في أحد قوليه: بإقامتين دون أذان. وروي مثله عن القاسم، وسالم. ومثله في كتاب ابن الجلَاّب (١). وقال الثوري: تُجزئ إقامة واحدة لا أذان معها. قلت: والصحيح الأول؛ حسب ما دلَّ عليه الحديث، والجمع بعرفة والمزدلفة في ذلك سواء. وقوله: (ولم يُصَلِّ بينهما شيئًا) أي: لم يُدخِل بينهما صلاة أخرى، لا نفلاً ولا غيره. وبهذا قال مالك وغيره. وقال ابن حبيب: يجوز أن يتنفل بينهما، وليس بالبيِّن. ولا خلاف في جواز بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة. وإنما اختلفوا فيمن فاته الجمع مع الإمام بعرفة. فالجمهور على أنه يجمع بينهما اتباعًا لفعله ﷺ . وقال الكوفيون: يصليهما مَن فاتتاه لوقتهما، ولا يجوز الجمع إلا مع الإمام. ولم يختلف: أن من صلاهما في وقتهما أن صلاته جائزة إذا لم يكن إمامًا. واختلفوا فيمن صلَّى قبل أن يأتي المزدلفة، فذهب الكوفيون: إلى أنهما لا يجزيانه، ويعيدهما، وإن صلاهما بعد مغيب الشفق، وقاله ابن حبيب. وقال مالك: لا يصليهما قبل المزدلفة إلا مِن عُذرٍ به، أو بدابته، ولا يجمع هذا بينهما حتى يغيب الشفق. وقال مالك: يُصلِّيهما لوقتهما. وقيل: تجزئه صلاتهما في وقتهما قبل المزدلفة؛ كان إمام الحاجّ أو غيره، وهو مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، وقاله الشافعي، والأوزاعي، وأبو يوسف، وأشهب من أصحابنا.

стр. 1586

فَجَعَلَ بَطنَ نَاقَتِهِ القَصوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبلَ المُشَاةِ بَينَ يَدَيهِ، وَاستَقبَلَ القِبلَةَ، فَلَم يَزَل وَاقفًا حَتَّى غَرَبَت الشَّمسُ، وَذَهَبَت الصُّفرَةُ قَلِيلاً، ــ وسمِّيت المزدلفة بذلك؛ لاقتراب الناس بها إلى منى للإفاضة من عرفات، والازدلاف: القرب، يقال: ازدلف القوم؛ إذا اقتربوا. وقال ثعلب: لأنها منزلة قربة لله تعالى. وقال الهروي: سُمِّيت بذلك: لازدلاف الناس بها. والازدلاف: الاجتماع. وقيل سُمِّت بذلك: للنزول بها بالليل. وزلف الليل: ساعاته. وتسمَّى أيضًا المزدلفة: بالمشعر؛ لأنها من المشاعر، وهي المعالم، والصواب: أن المشعر موضع مخصوص من المزدلفة، وهو الذي كانت الحُمسُ تقف فيه، ولا تتعداه، ويَكتَفِي بالوقوف فيه عن عرفة. وسُمِّيت منى بذلك: لما يُمنى فيها من الدماء؛ أي: تراق. وقيل: لأن آدم تَمَنَّى الاجتماع مع حواء فيها. وسُمِّيت عرفة بذلك: لأن جبريل عرَّف آدم، فقال: عرفت عرفت؟ وقيل: لأن آدم تعرَّف فيه بحواء بعد إنزالهما إلى الأرض، وهي المعرَّف. والتعريف: الوقوف بها. وقوله: (وجعل حبل المشاة بين يديه) يريد: صفَّهم ومجتمعهم. وحبل الرَّمل: ما طال منه. وقيل: حبل المشاة: طريق الرَّجالة، حيث يسلكون. وقوله: (وجعل بطن ناقته إلى الصَّخرات)؛ يعني - والله أعلم - أنه علا على الصخرات ناحية منها، حتى كانت الصخرات تحاذي بطن ناقته. وقوله: (فلم يزل واقفًا بعرفة حتى غربت الشمس، وذهبت الصُّفرة قليلاً) لا خلاف في أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج، وأنه من بعد الزوال، وأنه لا يجزئ قبله، وأن وقوف الليل يجزئ. وأكثر العلماء: على أن وقوف النهار يُجزئ إلا مالكًا، فإنه في معروف مذهبه كمن لم يقف، ولا خلاف في أفضلية

стр. 1587

حَتَّى غَابَ القُرصُ، وَأَردَفَ أُسَامَةَ خَلفَهُ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَد شَنَقَ لِلقَصوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأسَهَا لَيُصِيبُ مَورِكَ رَحلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ اليُمنَى: ــ الجمع بين الوقوفين ليلاً ونهارًا. وفيه دليل: على الاحتياط بأخذ جزء من الليل زائد على مغيب الشمس. قلت: وقد روى الترمذي حديثًا صحيحًا يرفع الخلاف في هذه المسألة: عن عروة بن مُضرَّس ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصَّلاة، فقلت: يا رسول الله! إني جئت من جبلي طيء، أكلَلتُ راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : (من شهد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهارًا فقد تم حجه، وقضى تفثه) (١). قال: هذا حديث حسن صحيح. وزاد النسائي: (ومن لم يدرك مع الإمام والناس؛ فلم يدرك) وظاهر هذا: أنه لا يلزم الجمع بين وقوف الليل والنهار، بل أيُّهما فعل أجزأ؛ لأن الرواية فيه بـ (أو) التي هي لأحد الشيئين، غير أنه قد جاء في كتاب النسائي من حديث عبد الرحمن بن يعمر ﵁ قال: شهدت النبي ﷺ بعرفة، وأتاه ناس من نجد، فأمروا رجلاً، فسأله عن الحج؟ فقال: (الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل صلاة الصبح، فقد أدرك حجه). وقال الترمذي: (من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر). قال وكيع: هذا الحديث أُمُّ المناسك. وقال: حديث حسن صحيح (٢). و(شنق الزمام): ضمَّه وضيَّقه على ناقته. وقد فسَّره بقوله: حتى إنَّ رَأسَها لَيُصِيب مَورِكَ رَحلِهِ، وهو قطعة من أدم يتورك عليها الراكب، تجعل في مقدمة الرَّحل، شِبه المِخَدَّة. قال القاضي عياض: مَورِك؛ بفتح الراء.

стр. 1588

أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ. كُلَّمَا أَتَى جَبلاً مِن الجبَالِ أَرخَى لَهَا قَلِيلاً، حَتَّى تَصعَدَ. حَتَّى أَتَى المُزدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا المَغرِبَ وَالعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ، وَإِقَامَتَينِ، وَلَم يُسَبِّح بَينَهُمَا شَيئًا، ثُمَّ اضطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى طَلَعَ الفَجرُ، فَصَلَّى الفَجرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ القَصوَاءَ حَتَّى أَتَى المَشعَرَ الحَرَامَ، فَاستَقبَلَ القِبلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَم يَزَل وَاقفًا حَتَّى أَسفَرَ جِدًّا. فَدَفَعَ قَبلَ أَن تَطلُعَ الشَّمسُ، وَأَردَفَ الفَضلَ بنَ عَبَّاسٍ وَكَانَ رَجُلاً حَسَنَ الشَّعرِ، وأَبيَضَ وَسِيمًا، فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّت ظُعُنٌ يَجرِينَ، فَطَفِقَ الفَضلُ يَنظُرُ إِلَيهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى وَجهِ الفَضلِ، فَحَوَّلَ الفَضلُ وَجهَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ ــ وقوله: (ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلَّى حتى تبيَّن له الصبح)؛ فيه سُنَّةُ المبيت بالمزدلفة، وصلاة الصبح بها بغلس، وسيأتي: أنه أرخص لبعض نسائه في النَّفر منها إلى منى قبل طلوع الفجر. وفيه: الأذان في السفر؛ خلافًا لمن قال: يقتصر المسافر على الإقامة. وقوله: (ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام)؛ فيه: أن الوقوف بالمشعر إلى الإسفار من المناسك. وقد ذكره الله تعالى في قوله: ﴿فَاذكُرُوا اللَّهَ عِندَ المَشعَرِ الحَرَامِ﴾ وقد اختلف في وجوب الوقوف فيه: فذهب أبو عبيد القاسم بن سلَاّم: إلى وجوبه. والجمهور على أنه مُستحب. و(الظُّعُن): النساء في الهوادج. و (يجرين) بضم الياء وفتحها، وكلاهما واضح المعنى. و (طفق): أخذ، وجعل. ووضع يد رسول الله ﷺ على وجه الفضل: إنما كان خوفًا من الفتنة عليه، وكونه ﷺ لم ينهه عن ذلك ولم يزجره؛ دليل: على أنه لم يفعل محرمًا. وقال بعض مشايخنا: ستر الوجه عن النساء سُنَّة. وكان الحجاب على أزواج النبي ﷺ واجبًا.

стр. 1589

يَنظُرُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ مِن الشِّقِّ الآخَرِ عَلَى وَجهِ الفَضلِ، فَصرِف وَجهَهُ مِن الشِّقِّ الآخَرِ يَنظُرُ. حَتَّى أَتَى بَطنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلاً، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الوُسطَى الَّتِي تَخرُجُ عَلَى الجَمرَةِ الكُبرَى، حَتَّى أَتَى الجَمرَةَ الَّتِي عِندَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنهَا، حَصَى الخَذفِ، رَمَى مِن بَطنِ الوَادِي، ثُمَّ انصَرَفَ إِلَى المَنحَرِ، ــ وقوله: (حتى أتى بطن محسِّر فحرَّك قليلاً) محسِّر: واد معروف هناك، يُستحب للحاج أن يحرك دابته هنالك، كما فعله النبي ﷺ . وقوله: (كل حصاة منها حصى الخذف) هكذا صحَّت الرواية فيه في كتاب مسلم. وكان في كتاب القاضي ابن عيسى: (كل حصاة منها مثل حصى الخذف) وهذا هو الصواب. وكذا رواه غير مسلم. والخذف: رميك حصاة، أو نواة تأخذها بين سبابتيك، أو تجعل مِخذَفَةً من خشب ترمي بها بين إبهامك والسَّبابة. وقوله: (رمى من بطن الوادي) يعني من أسفلها، كما يأتي من حديث ابن مسعود، وهو المستحب. فلو رمى من أي مكان صحَّ رميه؛ إذا رمى في موضع المرمى. وقوله: (ثم انصرف إلى المنحر) أي: الموضع الذي نحر هو فيه. وموضع نحره أولى من غيره؛ على أن كل منى منحر، كما قاله ﷺ . قال مالك: إلا ما خلف العقبة وقُدَيد. والنحر بمنى عند مالك له ثلاثة شروط: أحدها: أن يوقف بالهدي بعرفة. الثاني: أن يكون النَّحر في أيام منى. الثالث: أن يكون النَّحر في حج لا في عمرة. فإذا اجتمعت هذه الشروط؛ فلا يجوز النَّحر إلا بمنى، لا بغيرها. وقال

стр. 1590

فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشرَكَهُ فِي هَديِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِن كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضعَةٍ، فَجُعِلَت فِي قِدرٍ، فَطُبِخَت فَأَكَلَا مِن لَحمِهَا، وَشَرِبَا مِن مَرَقِهَا، ــ القاضي إسماعيل: إنه يجوز أن ينحر بمكة أيام منى، وقد حكى أنه مذهب مالك. فأما في العمرة فالنحر بها بمكة في بيوتها، وطرقها، وفجاجها. ويجزئ عند مالك النحر في العمرة بمنى، فإن نحر بغير منى ومكة في الحج والعمرة لم يجز عنده. وجاز عند أبي حنيفة، والشافعي بأي موضع كان من الحرم، قالا: والمقصود: مساكين الحرم، لا الموضع منه. وأجمعوا: أنه لا يجوز فيما عدا الحرم، ولا يجوز في البيت والمسجد نحر ولا ذبح. وقوله: (فنحر ثلاثًا وستين بيده) هكذا رواية الجماعة، وعند ابن ماهان: (بدنة) مكان (بيده)، وكلٌّ صواب. وفيه ما يدل على أن الأولى للمهدي أو للمضحي أن يتولى ذلك بيده. وإعطاؤه ما بقي لعليٍّ لينحرها دليل على صحة النيابة في ذلك، غير أنه روي في غير كتاب مسلم: أنه إنّما أعطاه إياها ليهديها عن نفسه. ويدل عليه قوله: وأشركه في هديه. وعلى هذا: فلا يكون فيه حجة على الاستنابة. وقيل: إنما نحر النبي ﷺ ثلاثًا وستين بدنة؛ لأنها هي التي أتى بها من المدينة، كما ذكره الترمذي. وقيل: إنما خصَّ النبي ﷺ ذلك العدد؛ لأنه منتهى عمره ﷺ على ما هو الأصح في ذلك، فكأنه أهدى عن كل سنة من عمره بدنة. وقوله: (ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدرٍ، فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها) إنما فعل هذا ليمتثل قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنهَا﴾ وهما وإن لم يأكلا من كل بضعة، فقد شربا من مرق كل ذلك. وخصوصية عليّ بالمؤاكلة دليل على أنه أشركه في الهدي. وفيه دليل: على أن من حَلَف لا يأكل لحمًا فشرب مرقه: أنه يحنث. وفيه دليل على استحباب أكل

стр. 1591

ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى البَيتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهرَ، فَأَتَى بَنِي عَبدِ المُطَّلِبِ يَسقُونَ عَلَى زَمزَمَ، فَقَالَ: انزِعُوا بَنِي عَبدِ المُطَّلِبِ، فَلَولَا أَن يَغلِبَكُم النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُم لَنَزَعتُ مَعَكُم، فَنَاوَلُوهُ دَلوًا فَشَرِبَ مِنهُ. زاد في رواية: وَكَانَت العَرَبُ يَدفَعُ بِهِم أَبُو سَيَّارَةَ عَلَى حِمَارٍ عُريٍ، ــ الأقل من الهدايا والضحايا، والتصدق بالأكثر. وفيه دليل على جواز أكل المهدي من هدي القران. وقد قدَّمنا: أنه كان قارنًا، وسيأتي حكم الأكل من الهدايا. وقوله: (ثم ركب فأفاض إلى البيت) هذا هو الإفاضة. ويسُمّى: طواف الزيارة. وهو واجب بإجماع. وهو الذي تناوله قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ليَقضُوا تَفَثَهُم وَليُوفُوا نُذُورَهُم وَليَطَّوَّفُوا بِالبَيتِ العَتِيقِ﴾ ولا خلاف أن إيقاعه يوم النحر أولى وأفضل. فلو أوقعه بعد يوم النحر، فهل يلزم الدم بتأخيره أم لا يلزم؟ واختلف فيه، وسيأتي. والجمهور على أن: من ترك طواف الإفاضة أن طواف الوداع لا يجزئ عنه إلا مالكًا، فإنه قال: يجزئ عنه إذا رجع إلى بلده. قال القاضي عياض: وكذلك طواف التطوُّع. وقوله: (لولا أن يغلبكم النَّاس على سقايتكم لنزعت معكم) يعني أنه لو استقى هو بيده لاقتدى الناس به في ذلك، فاستقوا بأيديهم، فتزول خصوصية بني عبد المطلب، وهي ثابتة لهم، كولاية الحجابة لبني شيبة، كما يأتي إن شاء الله تعالى. ويقال: نزع، بفتح الزاي، ينزع بكسرها لا غير، وإن كان الأصل فيها الفتح في المضارع؛ لأن ما كان على: فَعَل، وعينه أو لامه حرف حلق، فالأصل في مضارعه أن يأتي على: يَفعُل، بفتح العين أو بضمها. والنزع: الاستقاء بالرِّشا. والنزح بالحاء: الاستقاء بالدَّلو. و(وأبو سَيَّارة) هو: عميرة (١) بن الأعزل.

стр. 1592

فَلَمَّا أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن المُزدَلِفَةِ بِالمَشعَرِ الحَرَامِ، لَم تَشُكَّ قُرَيشٌ أَنَّهُ سَيَقتَصِرُ عَلَيهِ، وَيَكُونُ مَنزِلُهُ ثَمَّ، فَأَجَازَ وَلَم يَعرِض لَهُ، حَتَّى أَتَى عَرَفَاتٍ فَنَزَلَ. وفي أخرى: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: نَحَرتُ هَاهُنَا وَمِنًى كُلُّهَا مَنحَرٌ، فَانحَرُوا فِي رِحَالِكُم، وَوَقفتُ ــ وقوله: (فلما أجاز رسول الله ﷺ بالمشعر الحرام لم تشكَّ قريشٌ أنَّه سيقتصر عليه، ويكون منزله ثمَّ) يعني: أنهم توهَّموا أنه يفعل كما كانت هي تفعل في الجاهلية، فإنهم كانوا يرون لأنفسهم أنهم لا يقفون بعرفة، ولا يخرجون من الحرم، ويقفون بالمشعر الحرام بدل وقوف الناس بعرفة، وهذا مما كانوا ابتدعوه في الحج، فلما حجَّ النبي ﷺ أحكم الله الحجَّ، وأزال ما ابتدعته الجاهلية، وأنزل الله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِن حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ يخاطب قريشًا، ويأمرهم بأن يقفوا بعرفة حيث يقف غيرهم من الناس، وكذلك فعل النبي ﷺ ، فعدل عن المشعر الحرام إلى عرفة، فوقف بها، وهي سُنَّة إبراهيم المعروفة عند العرب وغيرهم. وقوله: (نحرت هاهنا، ومنى كلها منحر)؛ يعني: أنه وإن كان قد نحر في ذلك الموضع المخصوص من منى، فالنحر واسع في كل مواضعها، وهو متفق عليه، وكذلك عرفة ومزدلفة. غير أن توخي موقف رسول الله ﷺ ومنحره أولى تبرُّكًا بالنبي ﷺ وبآثاره، وفي حديث مالك: (عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عُرَنَة) (١) وهو وادي عرفة. قال ابن حبيب: وفيه مسجد عرفة، وهو من الحرم. واتفق العلماء: على أنه لا موقف فيه. واختلفوا فيمن وقف في عُرَنَة: فقال أبو مصعب: هو كمن لم يقف، وحكي عن الشافعي. وقال مالك: حَجُّه صحيح وعليه دم. حكاه عنه ابن المنذر. ومن وقف في المسجد أجزأه عند مالك. وقال

стр. 1593

هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوقفٌ، وَوَقفتُ هَاهُنَا، وَجَمعٌ كُلُّهَا مَوقفٌ. رواه أحمد (٣/ ٢١٧)، والبخاري (١٥٥٧)، ومسلم (١٢١٨) (١٤٧ و ١٤٨ و ١٤٩ و ١٥٠)، والنسائي (٥/ ٢٠٢). * * * (١٨) باب في قوله تعالى: ﴿أَفِيضُوا مِن حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [١٠٩٥] عَن هِشَام بن عروة، عَن أَبِيهِ قَالَ: كَانَت العَرَبُ تَطُوفُ بِالبَيتِ عُرَاةً إِلَّا الحُمسَ، وَالحُمسُ: قُرَيشٌ وَمَا وَلَدَت، كَانُوا يَطُوفُونَ ــ أصبغ: لا يجزئ. و (عُرَنة) بضم العين والراء، وذكره ابن دريد بفتح الراء، وهو الصواب. وقوله: (وجمع كلها موقف) في رواية مالك: (وارتفعوا عن بطن محسِّر) اتفق العلماء على الأخذ بهذا الحديث، وترك الوقوف به، واستحبُّوا الوقوف حيث المنارة، وحيث تقف الأئمة بين الجبلين، ومُحَسِّر ليس من المزدلفة، والله أعلم. (١٨) ومن باب قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِن حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ أي: تفرَّقوا. والإفاضة: التفرق في كثرة، من إفاضة الماء. قال (١): فأَفَضن بَعدَ كُظُومِهِنَّ بِجِرة ... مِن ذِي الأَبارِقِ إِذ رَعَينَ حَقِيلا (٢)

стр. 1594

عُرَاةً، إِلَّا أَن يُعطِيَهُم الحُمسُ ثِيَابًا، فَيُعطِي الرِّجَالُ الرِّجَالَ، وَالنِّسَاءُ النِّسَاءَ. وَكَانَت الحُمسُ لَا يَخرُجُونَ مِن المُزدَلِفَةِ، وَكَانَ النَّاسُ كُلُّهُم يَبلُغُونَ عَرَفَاتٍ، قَالَ هِشَامٌ: فَحَدَّثَنِي أَبِي عَن عَائِشَةَ قَالَت: الحُمسُ هُم الَّذِينَ أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِم: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِن حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ قَالَت: كَانَ النَّاسُ يُفِيضُونَ مِن عَرَفَاتٍ، وَكَانَت الحُمسُ يُفِيضُونَ مِن المُزدَلِفَةِ. يَقُولُونَ لَا نُفِيضُ إِلَّا مِن الحَرَمِ. فَلَمَّا نَزَلَت: ﴿أَفِيضُوا مِن حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ رَجَعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ. رواه البخاري (٤٥٢٠)، ومسلم (١٢١٩) (١٥٢)، وأبو داود (١٩١٠)، والترمذي (٨٨٤)، والنسائي (٥/ ٢٥٥)، وابن ماجه (٣٠١٨). * * * ــ وقال الأصمعي: الإفاضة: الدَّفعة، ومنه: فيض الدمع. وقال الخطابي: أصل الفيض: السيلان. واختلف المفسِّرون فيمن المراد: بـ: ﴿النَّاسُ﴾؟ فقيل: آدم، وقيل: إبراهيم. وقيل: سائر الناس غير الحُمس. وهم قريش، ومن ولدت، وكنانة وجديلة. وسُمُّوا حُمسًا؛ لأنهم تحمَّسوا في دينهم؛ أي: تشدَّدوا، ولذلك كانوا ابتدعوا أمرًا دانت لهم العرب به. وقال الحربي: سُمُّوا حمسًا بالكعبة؛ لأنها حمساء؛ حجرها أبيض يضرب إلى السَّواد. وكان مِمَّا ابتدعته الحُمس: أنه لا يطوف أحدٌ بالبيت وعليه أثوابه إلا الحُمس، فكان الناس يطوفون عراة إلا الحُمس، أو من يعطيه أحمسي ثوبًا، وإن طاف أحدٌ في ثوبه ألقاه بالأرض، ولم يعد له، ولا يأخذه أحدٌ، لا هو، ولا غيره، ولا ينتفع به. وكانت تُسمِّى تلك الثياب: اللُّقى؛ لإلقائها بالأرض، فأنزل الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُم عِندَ كُلِّ مَسجِدٍ﴾ وقال رسول الله ﷺ : (لا يطوف بالبيت عُريان) (١). وكذلك يُفيضون من مزدلفة

стр. 1595

(١٩) باب الإهلال بما أهل به الإمام [١٠٩٦] عَن أَبِي مُوسَى قَالَ: قَدِمتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُنِيخٌ بِالبَطحَاءِ. فَقَالَ لِي: أَحَجَجتَ؟ فَقُلتُ: نَعَم، فَقَالَ: بِمَ أَهلَلتَ؟ قَالَ: قُلتُ: لَبَّيكَ، بِإِهلَالٍ كَإِهلَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، فقَالَ: فَقَد أَحسَنتَ. - وَفِي رِوَايَةٍ: قال: هل سقت من هدي؟ قلت: لا - قال: طُف ــ والناس من عرفة، فأنزل الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِن حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ فأحكم الله آياته، والله تعالى أعلم. (١٩) ومن باب: الإهلال بما أهل به الإمام قوله: (وهو مُنِيخٌ بالبطحاء) أي: مضطجع ببطحاء مكة. وهي المسمَّاة بالأبطح والمحصب. وقوله: (لبيك بإهلالٍ كإهلال النبي ﷺ ) وهذا كما تقدَّم من إهلال عليٍّ ﵁، وظاهره: أنه يجوز أن يهل من غير تعيين حج ولا عمرة، ويحيل في التعيين على إحرامِ فلان إذا تحقق: أنه أحرم بأحدهما. وقد اختلف في هذا، فقال بمنعه مالك، وأجازه الشافعي، كما تقدَّم. قلت: ولا تتم حجة الشافعي بهذا الحديث، ولا بحديث عليّ ﵁ حتى يتبين أنهما حين ابتدأ الإحرام لم يعلما عين ما أحرم به النبي ﷺ ؛ إذ يجوز أن يكون كل واحد منهما نُقِل إليه عين ما أحرم به النبي ﷺ . ولفظهما محتمل، والله تعالى أعلم.

стр. 1596

بِالبَيتِ وَبِالصَّفَا وَالمَروَةِ، وَأَحِلَّ، قَالَ: فَطُفتُ بِالبَيتِ وَبِالصَّفَا وَالمَروَةِ، ثُمَّ أَتَيتُ امرَأَةً مِن بَنِي قَيسٍ، فَفَلَت رَأسِي. - وَفِي رِوَايَةٍ: فمشطتني وغسلت رأسي - ثُمَّ أَهلَلتُ بِالحَجِّ، قَالَ: فَكُنتُ أُفتِي بِهِ النَّاسَ حَتَّى كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا مُوسَى (أَو: يَا عَبدَ اللَّهِ بنَ قَيسٍ) رُوَيدَكَ بَعضَ فُتيَاكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدرِي مَا أَحدَثَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ فِي النُّسُكِ بَعدَكَ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَن كُنَّا أَفتَينَاهُ فُتيَا فَليَتَّئِد، فَإِنَّ أَمِيرَ المُؤمِنِينَ قَادِمٌ عَلَيكُم، فَبِهِ فَأتَمُّوا، قَالَ: فَقَدِمَ عُمَرُ، فَذَكَرتُ ذَلِكَ له. فَقَالَ: إِن نَأخُذ بِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنَّ كِتَابَ اللَّهِ يَأمُرُ بِالتَّمَامِ، ــ وقوله: (وكنت أفتي الناس به) يعني: بالتحلل لمن أحرم بالحجِّ بعمل العمرة، وكأن أبا موسى ﵁ -اعتقد - عموم مشروعية ما أمر به النبي ﷺ من التحلل، وتعديه لغير الصحابة، ولم ير أن ذلك خاص بالصحابة ﵃ كما اعتقد غيره منهم. و(رويدك) أي: ارفق رفقك، أو كُفَّ بعض فتياك، فيصحّ أن يكون مصدرًا ومفعولاً، فيكون مثل قول امرئ القيس: أَفَاطمُ مَهلاً بَعضَ هذا التَّدَلُّلِ (١) ... . . . . . . . . . . . . . . و(فليتئد): فليرفق. وقول عمر: (إن نأخذ بكتاب الله فإن كتاب الله يأمر بالتمام) يعني في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرَةَ لِلَّهِ﴾ وقوله: (وإن نأخذ بسُنَّة رسول الله ﷺ فإن رسول الله ﷺ لم يحل حتى نحر الهدي) يعني: أن حجَّة الوداع لم يحل النبي ﷺ منها حتى رمى جمرة العقبة، ولم يحل بعمرة، كما فعل أصحابه.

стр. 1597

وَإِن نَأخُذ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَم يَحِلَّ حَتَّى بَلَغَ الهَديُ مَحِلَّهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ عُمَرُ: قَد عَلِمتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَد فَعَلَهُ، وَأَصحَابُهُ، وَلَكِن كَرِهتُ أَن يَظَلُّوا مُعرِسِينَ بِهِنَّ فِي الأَرَاكِ، ثُمَّ يَرُوحُونَ فِي الحَجِّ تَقطُرُ رُؤوسُهُم. رواه البخاري (١٥٥٩)، ومسلم (١٢٢١) (١٥٤ و ١٥٥) و (١٢٢٢)، والنسائي (٥/ ١٥٣). * * * ــ وقوله: (قد فعله النبي ﷺ وأصحابه)؛ يعني به: فسخ الحج في العمرة. ونسبة الفسخ إلى النبي ﷺ لأنه أمر بفعله. واعتلاله بقوله: (كرهت أن يظلُّوا بهن مُعرِسِين في الأراك) يعني: أنه كره أن يحلُّوا من حجهم بالفسخ المذكور، فيطؤون نساءهم قبل تمام الحج الذي كانوا أحرموا به. ولا يظن بمثل عمر ﵁، الذي جعل الله الحق على لسانه وقلبه أنه منع ما جوَّزه رسول الله ﷺ بالرأي والمصلحة، فإن ذلك ظنُّ مَن لم يعرف عمر، ولا فهم استدلاله المذكور في الحديث، وإنما تمسَّك بقول الله : ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرَةَ لِلَّهِ﴾؛ ففهم: أن من تلبس بشيء منهما وجب عليه إتمامه، ثم ظهر له: أن ما أمر به النبي ﷺ أصحابه قضية معينة مخصوصة على ما ذكرناه فيما تقدَّم، فقضى بخصوصية ذلك لأولئك. ثم إنه أطلق الكراهية وهو يريد بها التحريم، وتجنب لفظ التحريم؛ لأنه مما أداه إليه اجتهاده. وهذه طريقة كبراء الأئمة: كمالك، والشافعي. وكثيرًا ما يقولون: أكره كذا ... وهم يريدون التحريم، وهذا منهم تحرُّز وحَذَر، من قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ (مُعرِسِين): جمع مُعرِس، وهو الذي يخلو بِعِرسِهِ؛ أي: بزوجته. ولا يصحُّ

стр. 1598

(٢٠) باب الاختلاف في أي أنواع الإحرام أفضل [١٠٩٧] عن عَبدُ اللَّهِ بنُ شَقِيقٍ: كَانَ عُثمَانُ يَنهَى عَن المُتعَةِ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَأمُرُ بِهَا، فَقَالَ عُثمَانُ لِعَلِيٍّ كَلِمَةً، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: لَقَد عَلِمتَ أَنَّا قَد تَمَتَّعنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ: أَجَل، وَلَكِنَّا كُنَّا خَائِفِينَ. وَفِي رِوَايَةٍ، فَقَالَ عَلِيُّ: مَا تُرِيدُ إِلَى أَمرٍ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَنهَى عَنهُ، فَقَالَ عُثمَانُ: دَعنَا مِنكَ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَستَطِيعُ أَن أَدَعَكَ، فَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ ذَلِكَ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا. رواه مسلم (١٢٢٣) (١٥٨ و ١٥٩)، والنسائي (٥/ ١٥٢). ــ أن يكون من التعريس؛ لأن الرواية بتخفيف العين والراء؛ ولأن التعريس إنما هو: النزول من آخر الليل، كما تقدَّم. ويناقضه قوله: (يظلُّون ويروحون) فإنهما إنما يقالان على عمل النهار، والله تعالى أعلم. (٢٠) ومن باب: الاختلاف في أيّ أنواع الإحرام أفضل قد تقدَّم أن أنواع الإحرام ثلاثة: إفراد، وقران، وتمتع، وأنها مجمع عليها. وإنما الخلاف في الأفضل منها. واختلف المتأولون في هذه المتعة التي اختلف فيها عثمان وعلي ﵄: هل هي فسخ الحج في العمرة، وهي التي يجمع فيها بين حجّ وعمرة في عمل واحد، وسفر واحد؟ فمن قال بالأول صرف خلافهما إلى: أن عثمان كان يراها خاصَّة بمن كان مع النبي ﷺ في حجة الوداع. وكان عليّ لا يرى خصوصيتهم في ذلك. ويستدلُّ على هذا بقول عثمان: (أجل؛ ولكنا كنا خائفين) أي: من فسخ الحج في العمرة، فإنه على خلاف الإتمام الذي

стр. 1599

[١٠٩٨] وعَن مُطَرِّفٍ قَالَ: قَالَ لِي عِمرَانُ بنُ حُصَينٍ: إِنِّي لَأُحَدِّثُكَ بِالحديث اليَومَ يَنفَعُكَ اللَّهُ بِهِ بَعدَ اليَومِ، وَاعلَم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَد أَعمَرَ طَائِفَةً مِن أَهلِهِ فِي العَشرِ. فَلَم تَنزِل آيَةٌ تَنسَخُ ذَلِكَ، وَلَم يَنهَ عَنهُ حَتَّى مَضَى لِوَجهِهِ ارتَأَى كُلُّ امرِئٍ بَعدُ، مَا شَاءَ أَن يَرتَئِيَ. ــ أمر الله به، وفيه بُعدٌ. والأظهر: القول الثاني، وعليه: فخلافهما إنما كان في الأفضل، فعثمان كان يعتقد: أن إفراد الحج أفضل، وعلي ﵁ كان يعتقد: أن التمتع أفضل. إذ الأمة مجمعة: على أن كل واحد منهما جائز، وعليه فقوله: (ولكنَّا كنَّا خائفين) أي: من أن يكون أجر من أفرد أعظم من أجر من تمتع منهم. فالخوف من التمتع. ولما ظنَّ علي أن ذلك يتلقى من عثمان، ويقتدى به، فيؤدي ذلك إلى ترك التمتع والقِران؛ أهل بالقران ليبين: أن كل واحد منهما مسوغ، أو لأنهما عنده أفضل من الإفراد، من حيث إن كل واحدة منهما في عملين، والمفرد في عمل واحد، والله تعالى أعلم. وهذا الذي ظهر لعثمان هو الذي كان ظهر لعمر ﵄ من قبله، كما قال عمران بن حصين ﵁، فإنه ظهر من استدلال عمر - بأن رسول الله ﷺ جَمَع بين حج وعُمرة - أنَّ الذي منعه عمر هو ما عدا الإفراد. وهذا منه محمول على أنَّه كان يعتقد: أن الإفراد أفضل من التمتع والقِرَان. وكان عمران يعتقد: أن الإفراد أفضل، ولذلك قال: (قال رجل برأيه ما شاء) يعني به: عمر، بعد أن روى: أن النبي ﷺ قرن. وليست هذه المتعة التي منعها ابن عمر -هنا - هي التي منعها هو في حديث ابن الزبير، بل تلك فَسخ الحج في العمرة، كما تقدَّم. وعلى الجملة: فأحاديث هذا الباب كثيرة الاختلاف والاضطراب. وما ذكرناه أشبهُ بالصواب. والله الموفق الملهم. وقول عمران: (إن رسول الله ﷺ قد أعمر طائفة من أهله في العشر) أي:

стр. 1600

وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ رسول اللَّهِ ﷺ جَمَعَ بَينَ حَجَّ وَعُمرَةٍ، ثُمَّ لَم يَنهَ عَنهُ حَتَّى مَاتَ، وَلَم يَنزِل فِيهِ قُرآنٌ يُحَرِّمُهُ، وَقَد كَانَ يُسَلَّمُ عَلَيَّ حَتَّى اكتَوَيتُ فَتُرِكتُ، ثُمَّ تَرَكتُ الكَيَّ فَعَادَ. وفي أخرى: قَالَ عِمرَانُ بنُ حُصَينٍ: نَزَلَت آيَةُ المُتعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ (يَعنِي: مُتعَةَ الحَجِّ) وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ لَم تَنزِل آيَةٌ تَنسَخُ آيَةَ مُتعَةِ الحَجِّ وَلَم يَنهَ عَنهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى مَاتَ، قَالَ رَجُلٌ بِرَأيِهِ بَعدُ مَا شَاءَ. رواه البخاري (٤٥١٨)، ومسلم (١٢٢٦) (١٦٥ و ١٦٧ و ١٧٢)، والنسائي (٥/ ١٤٩ و ١٥٥)، وابن ماجه (٢٩٧٨). * * * ــ أباح لهم أن يحرموا بالعمرة حين أحرموا من ذي الحليفة، فيعني بالعشر: عشر ذي القعدة الأخير، فإنهم أحرموا لست بقين منه، ويحتمل أن يريد به (١): عشر ذي الحجة، فإنهم حلوا بفراغهم من عمل العمرة في الخامس منه، على ما تقدَّم في حديث عائشة، والله أعلم. وقوله: (قال عثمان لعلي كلمة) يعني: كلمة أغلظ له فيها. ولعلَّها التي قال في الرواية الأخرى: (دعنا منك) فإن فيها غِلَظًا وجفاء بالنسبة إلى أمثالهما، والله تعالى أعلم. وقول عمران: (وقد كان يسلم علي حتى اكتويت) يعني: أن الملائكة كانت تسلم عليه إكرامًا له، واحترامًا إلى أن اكتوى، فتركت السَّلام عليه. ففيه: إثبات كرامات الأولياء، وأن الكي ليس بمحرم كما قدَّمنا في الإيمان، ولكن تركه أولى.

стр. 1601

(٢١) باب الهدي للمتمتع والقارن [١٠٩٩] عن ابنَ عُمَرَ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِالعُمرَةِ إِلَى الحَجِّ، وَأَهدَى وَسَاقَ مَعَهُ الهَديَ مِن ذِي الحُلَيفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَهَلَّ بِالعُمرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالحَجِّ، وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ ــ (٢١) ومن باب: الهدي للمتمتع والقارن قول ابن عمر: (تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج) هذا الذي روي هنا عن ابن عمر: من أنه ﷺ تمتع، مخالفٌ لما جاء عنه في الرواية الأخرى من أنه أفرد الحج. واضطراب قوليه يدلُّ على أنه لم يكن عنده من تحقيق الأمر ما كان عند من جزم بالأمر، كما فعل أنس على ما تقدَّم؛ حيث قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لبيك بحجة وعمرة) (١). ثم اعلم: أن كل الرواة الذين رووا إحرام النبي ﷺ ليس منهم من قال: إنه ﷺ حَلَّ من إحرامه ذلك حتى فرغ من عمل الحج، وإن كان قد أطلق عليه لفظ التمتُّع، بل قد قال ابن عمر في هذا الحديث: إنَّه ﷺ بدأ بالعمرة، ثم أهل بالحج، ولم يقل: إنه حَلَّ من عمرته، بل قال في آخر الحديث: بعد أن فرغ من طواف القدوم، أنه ﷺ لم يَحلُل من شيء حَرُمَ عليه حتى قضى حجَّه. وهذا نصٌّ في أنه لم يكن متمتعًا. فتعيَّن تأويل قوله: تمتع رسول الله ﷺ ، فيحتملُ أن يكون معناه: قرن؛ لأن القارن يترفَّه بإسقاط أحد العملين، وهو الذي يدلُّ عليه قوله بعد هذا: فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، ويحتمل أن يكون معناه: أنه ﷺ لَمَّا أذن في التمتع أضافه إليه، وفيه بُعد. وقوله: (فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج)؛ ظاهره: أنه أردف. وظاهر حديث

стр. 1602

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالعُمرَةِ إِلَى الحَجِّ. فَكَانَ مِن النَّاسِ مَن أَهدَى فَسَاقَ الهَديَ. وَمِنهُم مَن لَم يُهدِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ: مَن كَانَ مِنكُم أَهدَى، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِن شَيءٍ حَرُمَ مِنهُ حَتَّى يَقضِيَ حَجَّهُ، وَمَن لَم يَكُن مِنكُم أَهدَى، فَليَطُف بِالبَيتِ وَبِالصَّفَا وَالمَروَةِ وَليُقَصِّر، وَليَحلِل، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالحَجِّ وَليُهدِ. فَمَن لَم يَجِد هَديًا، فَليَصُم ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ، ــ أنس: أنه قرنهما معًا. فإنه حكى فيه لفظه فقال: سمعته يقول: (لبيك عمرة وحجًّا)، وقد استحب مالك للقارن أن يقدِّم العمرة في لفظه؛ اقتداء بهذه الأخبار. وقوله للمتمتعين: (فمن لم يجد هَديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع) هذا نصٌّ ما تضمنته آية المتعة. وقد اختلف في مواضع منها: أوَّلها: قوله: ﴿فَمَا استَيسَرَ مِنَ الهَديِ﴾ ذهب جماعة من (١) السَّلف إلى أنه شاة، وهو قول مالك. وقالت جماعة أخرى: هو بقرة دون بقرة، وبدنة دون بدنة. وقيل: المراد بدنة، أو بقرة، أو شاة، أو شرك في دم. وقوله: (فليصم ثلاثة أيام في الحج) ذهب مالك والشافعي إلى أن ذلك لا يكون إلا بعد الإحرام بالحج، وهو مقتضى الآية والحديث، وقال أبو حنيفة والثوري: يصحُّ صوم الثلاثة الأيام بعد الإحرام بالعمرة، وقبل الإحرام بالحج، ولا يصومها بعد أيام الحج، وهو مخالف لنصّ الكتاب والسُّنة. والاختيار عندنا: تقديم صومها في أوَّل الإحرام، وآخر وقتها: آخر أيام التشريق عندنا، وعند الشافعي. فمن فاته صومها في هذه الأيام صامها عندنا بَعدُ. وقال أبو حنيفة: آخر وقتها يوم عرفة، فمن لم يصمها إلى يوم عرفة فلا صيام عليه، ووجب عليه الهدي. وقال مثله الثوري؛ إذا ترك صيامها أيام الحج. وللشافعي قول كقول أبي حنيفة.

стр. 1603

وَسَبعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهلِهِ، وَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاستَلَمَ الرُّكنَ أَوَّلَ شَيءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطوَافٍ مِن السَّبعِ، وَمَشَى أَربَعَةَ أَطوَافٍ، ثُمَّ رَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالبَيتِ عِندَ المَقَامِ رَكعَتَينِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَانصَرَفَ، فَأَتَى الصَّفَا، فَطَافَ بِالصَّفَا وَالمَروَةِ سَبعَةَ أَطوَافٍ، ثُمَّ لَم يَحلِل مِن شَيءٍ حَرُمَ مِنهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَديَهُ يَومَ النَّحرِ، وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالبَيتِ، ثُمَّ حَلَّ مِن كُلِّ شَيءٍ حَرُمَ مِنهُ، وَفَعَلَ مِثلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَن أَهدَى فَسَاقَ الهَديَ مِن النَّاسِ. رواه البخاري (١٦٩١)، ومسلم (١٢٢٧)، وأبو داود (١٨٠٥)، والنسائي (٥/ ١٥١ و ١٥٢). [١١٠٠] وعن حَفصَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَزوَاجَهُ أَن يَحلِلنَ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ. قَالَت حَفصَةُ: فَقُلتُ: مَا يَمنَعُكَ أَن تَحِلَّ؟ قَالَ: إِنِّي لَبَّدتُ رَأسِي، وَقَلَّدتُ هَديِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنحَرَ هَديِي. ــ وقوله: (وسبعة أيام (١) إذا رجع)؛ حَمَله مالك والشافعي في أحد قوليهما على الرجوع من منى، وأنه يصومها إن شاء بمكة، أو ببلده. وهو قول أبي حنيفة. وللشافعي ومالك قول آخر: إنه الرجوع إلى بلده، ولا يصومها حتى يرجع إلى أهله. وقول حفصة: (إن النبي ﷺ أمر أزواجه أن يحللن عام حجَّة الوداع) إنما فعل ذلك ﷺ ليسوِّي بينهن وبين من لم يسق الهدي من الناس؛ الذين أهلُّوا بالحج؛ لأن أزواجه ﷺ لم يسقن الهدي. وقولها: (ما يمنعك أن تحل؟ ) كذا في رواية ابن جريج عن نافع، عن

стр. 1604

رواه أحمد (٦/ ٢٨٣ و ٢٨٥)، والبخاري (١٥٦٦)، ومسلم (١٢٢٩) (١٧٩)، وأبو داود (١٨٠٦)، والنسائي (٥/ ١٣٦)، وابن ماجه (٣٠٤٦). [١١٠١] وعَن نَافِعٍ: أَنَّ ابنَ عُمَرَ أَرَادَ الحَجَّ عَامَ نَزَلَ الحَجَّاجُ بِابنِ الزُّبَيرِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كَانٌ بَينَهُم قِتَالٌ، وَإِنَّا نَخَافُ أَن يَصُدُّوكَ، فَقَالَ: ــ ابن عمر، عنها. ولم يذكر فيها: (من عمرتك) وذكره مالك وغيره عن نافع، ويظهر من قولها هذا: أنه ﷺ أحرم بعمرة وحدها، كما سيأتي في حديث ابن عباس: أنه ﷺ أحرم بعمرة (١)، وظاهر هذه الروايات حجة لمن قال: إن النبي ﷺ كان متمتعًا. وقد بينَّا صحيح ما أحرم به. وقد تأوَّل من قال: إنه ﷺ كان قارنًا، هذه الروايات: بأن حفصة وابن عبَّاس عبَّرا بالإحرام بالعمرة عن القِرَان؛ لأنها السَّابقة في إحرام القارن، قولاً ونية، أو نية. ولا سيَّما على ما ظهر من حديث ابن عمر: أنه ﷺ كان مردفًا، وهذا واضح. وأما من روى: أنه ﷺ كان مفردًا بالحج فتأوَّل ذلك تأويلات بعيدة، أقربها: أن معنى قولها: (من عمرتك) أي: بعمرتك. كما قال تعالى: ﴿يَحفَظُونَهُ مِن أَمرِ اللَّهِ﴾؛ أي: بأمر الله. وكقوله: ﴿مِن كُلِّ أَمرٍ﴾؛ أي: بكل أمر. فكأنها قالت: ما يمنعك أن تحل بعمرة تصنعها؟ فأخبرها بسبب منعه (٢) من ذلك. وقد ذكرنا ذلك المعنى مِرارًا. وقال محمد بن أبي صفرة: مالك يقول في هذا الحديث: (من عمرتك)، وغيره يقول: (من حجك). وقوله: (إنَّ ابن عمر أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير) وكان من شأن ابن الزبير: أنَّه لما مات معاوية بن يزيد بن معاوية، ولم يستخلف، بقي الناس

стр. 1605

﴿لَقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أَصنَعُ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أُشهِدُكُم أَنِّي قَد أَوجَبتُ عُمرَةً، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ ــ لا خليفة لهم جمادين، وأيامًا من رجب من سنة أربع وستين، فاجتمع من كان بمكة من أهل الحل والعقد، فبايعوا عبد الله بن الزبير لتسع ليالٍ بقين من رجب من السنة المذكورة، واستوسق له سلطان الحجاز (١)، والعراق، وخراسان، وأعمال المشرق. وبايع أهل الشام ومصر مروان بن الحكم في شهر رجب المذكور، ثم لم يزل أمرهما كذلك إلى أن توفي مروان وولي ابنه عبد الملك، فمنع الناس من الحج لئلا يبايعوا ابن الزبير. ثم إنه جيَّش الجيوش إلى الحجاز، وأمَّرَ عليهم الحجَّاج، فقاتل أهل مكة، وحاصرهم إلى أن تغلَّب عليهم، وقتل ابن الزبير، وصلبه الحجَّاج، وذلك يوم الثلاثاء لثلاث ليالٍ، وقيل: لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين. و(الأسوة): القدوة. يقال بضم الهمزة وكسرها. وقد قرئ بهما في قوله تعالى: ﴿لَقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. و(الصدّ): المنع. وقوله: (أصنع كما صنع رسول الله ﷺ ) يعني: أنه إن صدَّ عن البيت حل من إحرامه، كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بالحديبية؛ إذ صدَّه كفار قريش. وقوله: (إني أوجبت عُمرة) إنما أخبرهم بذلك؛ ليقتدوا به في ذلك. و (أوجبت): التزمت (٢) وأهللت.

стр. 1606

بِظَاهِرِ البَيدَاءِ قَالَ: مَا شَأنُ الحَجِّ وَالعُمرَةِ إِلَّا وَاحِدٌ، أُشهِدُكُم أَنِّي قَد أَوجَبتُ حَجًّا مَعَ عُمرَتِي، وَأَهدَى هَديًا اشتَرَاهُ بِقُدَيدٍ، ثُمَّ انطَلَقَ يُهِلُّ بِهِمَا جَمِيعًا، حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالبَيتِ وَبِالصَّفَا وَالمَروَةِ، وَلَم يَزِد عَلَى ذَلِكَ وَلَم يَنحَر، وَلَم يَحلِق، وَلَم يُقَصِّر وَلَم يَحلِل مِن شَيءٍ حَرُمَ مِنهُ، حَتَّى كَانَ يَومُ النَّحرِ فَنَحَرَ، وَحَلَقَ، وَرَأَى أَن قَد قَضَى طَوَافَ الحَجِّ، وَالعُمرَةِ بِطَوَافِهِ الأَوَّلِ. ــ وقوله: (ما شأن الحج والعمرة إلا واحد) أي: في حكم الصدِّ. يعني: أنه من صُدَّ عن البيت بعدوٍّ، فله أن يحل من إحرامه، سواء كان محرمًا بحج، أو عمرة، وإن كان النبي ﷺ إنما صُدَّ عن عمرة؛ لكن لما كان الإحرام بالحج مساويًا للإحرام بالعمرة في الحكم حمله عليه. وقوله: (أشهدكم أني قد أوجبت حجًّا مع عمرتي) يعني: أنه أردف الحج على عمرته المتقدَّمة، فصار قارنًا. وفيه حجة على جواز الإرداف. وهو مذهب الجمهور. وقوله: (وأهدى هديًا اشتراه بقُديد) يعني: أنه قلَّده هناك وأشعره (١)، ويعني به: الهدي الذي وجب عليه لأجل قرانه. وقوله: (حتى قدم مكة، فطاف بالبيت) يعني: طواف القدوم. وحصل منه: أنه لم يقع له ما توهمه من الصَّد. وفيه دليل: على جواز من توقع الصد، وتوهمه، بخلاف من تحققه، فإنه لا يكون له حكم المصدود على ما يأتي. وقوله: (ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول) يعني: الطواف بين الصفا والمروة. وأما الطواف بالبيت: فلا يصح أن يُقال فيه: إنه اكتفى

стр. 1607

وقال ابن عمر: كذلك فعل رسول الله ﷺ . رواه البخاريُّ (١٨١٣)، ومسلم (١٢٣٠) (١٨٢)، والنسائي (٥/ ١٥٨). * * * (٢٢) باب الاختلاف فيما به أحرم النبي ﷺ - [١١٠٢] عَن بَكرٍ، عَن أَنَسٍ قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يُلَبِّي بِالحَجِّ وَالعُمرَةِ جَمِيعًا. ــ بطواف القدوم عن طواف الإفاضة؛ لأنه هو الركن الذي لا بدَّ منه للمفرد، والقارن، ولا قائل: بأن طواف القدوم يجزئ عن طواف الإفاضة بوجه. وقوله: (كذلك فعل رسول الله ﷺ ) يعني: أنه اكتفى بالطواف بين الصَّفا والمروة حين طاف للقدوم، ولم يعد السعي. وفيه حجة على أبي حنيفة؛ إذ قال: إن القارن لا يكتفي بعمل واحد، بل لا بدَّ من عمل كل واحد من الحج والعمرة. (٢٢) ومن باب: الاختلاف فيما به أحرم النبي ﷺ قد قدمنا ذكر الاختلاف فيما به أحرم النبي ﷺ ، وذكرنا ما يرد عليه، والمختار في ذلك. وحديث أنس هذا: في أن النبي ﷺ أحرم قارنًا، ولا يلتفت لقول من قال: إن أنسًا لعلَّه لم يضبط القضية لصغره حينئذ؛ لأنه قد أنكر ذلك بقوله: (ما تعدُّوننا إلا صبيانًا). ولأنه وإن كان صغيرًا حال التحمُّل؛ فقد حدَّث به، وأداه كبيرًا متثبتًا ناقلاً للفظ النبي ﷺ نقل الجازم، المحقق، المنكر على من يظن به شيئًا من ذلك، فلا يحل أن يقال شيء من ذلك، ولأنه قد وافقه البراء بن عازب على

стр. 1608

قَالَ بَكرٌ: فَحَدَّثتُ بِذَلِكَ ابنَ عُمَرَ، فَقَالَ: لَبَّى بِالحَجِّ وَحدَهُ، فَلَقِيتُ أَنَسًا فَحَدَّثتُهُ بِقَولِ ابنِ عُمَرَ، فَقَالَ أَنَسٌ: مَا تَعُدُّونَنَا إِلَّا صِبيَانًا، سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَبَّيكَ عُمرَةً وَحَجًّا. رواه أحمد (٣/ ٢٨٢)، ومسلم (١٢٥١)، وأبو داود (١٧٩٥)، والترمذي (٨٢١)، والنسائي (٥/ ١٥٠)، وابن ماجه (٢٩٦٨). [١١٠٣] وعن ابنَ عَبَّاسٍ قال: أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ بِعُمرَةٍ، وَأَهَلَّ أَصحَابُهُ بِحَجٍّ، فَلَم يَحِلَّ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَا مَن سَاقَ الهَديَ مِن أَصحَابِهِ، وَحَلَّ بَقِيَّتُهُم. رواه مسلم (١٢٣٩) (١٩٦). ــ نقل لفظ النبي ﷺ الدَّال على قرانه؛ إذ قال لعلي ﵁: (إني سقت الهدي، وقرنت) (١) على ما خرَّجه النسائي، وهو صحيح. ووافقهما حديث عمر بن الخطاب الذي قال فيه: (إن الملك أتاه فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجَّة) (٢). وفي معنى ذلك حديث ابن عمر المتقدم الذي قال فيه: (إنه ﷺ أهل بالعمرة، ثم أهل بالحج) (٣). وقد قدَّمنا: أن معنى قول ابن عباس: إنه ﷺ أحرم بعمرة: أنه أردف كما قال ابن عمر. وبدليل الإجماع من النقلة على أن النبي ﷺ لم يحلَّ من إحرامه ذلك حتى قضى حجَّه، ويمكن أن تحمل رواية من روى: أنه ﷺ أفرد الحج. على أن الراوي سمع إردافه بالحج على العمرة المتقدَّمة، فسمعه يقول: (لبيك بحجة) ولم يكن عنده علم من إحرامه المتقدَّم

стр. 1609

[١١٠٤] وعن عائشة أن رسول الله ﷺ أفرد الحج. رواه مسلم (١٢١١) (١٢٢)، وأبو داود (١٧٧٧)، والترمذي (٨٢٠)، وابن ماجه (٢٩٦٤). [١١٠٥] ونحوه عن ابن عمر. رواه مسلم (١٢٣١). * * * (٢٣) باب الطواف عند القدوم [١١٠٦] عِن ابنِ عُمَرَ، وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَيَصلُحُ لِي أَن أَطُوفَ بِالبَيتِ قَبلَ أَن آتِيَ المَوقِفَ. فَقَالَ: نَعَم. فَقَالَ: فَإِنَّ ابنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَا تَطُف بِالبَيتِ حَتَّى تَأتِيَ المَوقِفَ، فَقَالَ ابنُ عُمَرَ: قَد حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ــ بالعمرة. وقد استدل من قال: بتفضيل الإفراد: بأن أبا بكر وعمر وعثمان رأوا ذلك، وأحرموا به مدَّة ولايتهم. والجواب: بأن ذلك رأيهم لا روايتهم. ومن نصَّ وحكى حُجَّةٌ على من ظنَّ ورأى. وقد تقدَّم ذكر من قال بتفضيل القِران على الإفراد، وعمل به من الصحابة ﵃. (٢٣) ومن باب: الطواف عند القدوم سؤال السَّائل لابن عمر: إنما كان عن طواف القدوم؛ هل يؤخر إلى أن يوقف بعرفة؟ فأجابه بمنع ذلك. وهو الصحيح الذي لا يعلم من مذاهب العلماء غيره. وما حكاه هذا الرجل عن ابن عبَّاس لا يعرف من مذهبه. وكيف وهو أحد

стр. 1610

فَطَافَ بِالبَيتِ قَبلَ أَن يَأتِيَ المَوقِفَ، فَبِقَولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَقُّ أَن تَأخُذَ، أَو بِقَولِ ابنِ عَبَّاسٍ إِن كُنتَ صَادِقًا؟ رواه مسلم (١٢٣٣) (١٨٧). [١١٠٧] وعن عروة بن الزبير قال: أَخبَرَتنِي عَائِشَةُ أَنَّ أَوَّلَ شَيءٍ بَدَأَ بِهِ رسول الله ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالبَيتِ، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكرٍ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالبَيتِ، ثُمَّ لَم يَكُن غَيرُهُ، ثُمَّ عُمَرُ مِثلُ ذَلِكَ، ثُمَّ حَجَّ عُثمَانُ فَرَأَيتُهُ أَوَّلُ شَيءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالبَيتِ، ثُمَّ لَم يَكُن غَيرُهُ، ثُمَّ ــ الرُّواة: أن النبي ﷺ بدأ بالطواف عند قدومه مكة (١). وقد حمل بعض متأخري (٢) العلماء هذا السؤال: على أنه فيمن أحرم بالحج من مكة؛ هل يطوف طواف القدوم قبل أن يخرج إلى عرفات؟ قال: فمذهب أبي حنيفة والشافعي: أنه يطوف حين يحرم، كما قال ابن عمر. قال: والمشهور (٣) من مذهب أحمد: أنه لا يطوف حتى يخرج إلى منى وعرفات، ثم يرجع ويطوف، كما قال ابن عباس. وعن أحمد رواية كمذهب ابن عمر. وقوله: (إن كنت صادقًا) ورع منه لئلا يذكر ابن عباس بشيء ما ثبت عنه. ويمكن أن يحمل إطلاق فتيا ابن عباس على المراهق (٤)، فإنه لا يخاطب بطواف القدوم، أو يكون ابن عباس سُئل عن طواف الإفاضة فأجاب: بأنه لا يفعل إلا بعد الوقوف. وهو الحق، والله أعلم. وقد تقدَّم ذكر حكم طواف القدوم وغيره. وقوله: (ثم لم يكن غيره) في المواضع كلَّها، كذا وقع في جميع نسخ مسلم عند جميع رواته. قال القاضي عياض: وهو تغيير، وصوابه: (ثم لم تكن عُمرةٌ).

стр. 1611

مُعَاوِيَةُ، وَعَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ، ثُمَّ حَجَجتُ مَعَ أَبِي، الزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالبَيتِ، ثُمَّ لَم يَكُن غَيرُهُ، ثُمَّ آخِرُ مَن رَأَيتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابنُ عُمَرَ، ثُمَّ لَم يَنقُضهَا بِعُمرَةٍ، وَلَا أَحَدٌ مِمَّن مَضَى مَا كَانُوا يَبدَءُونَ بِشَيءٍ حِينَ يَضَعُونَ أَقدَامَهُم أَوَّلَ مِن الطَّوَافِ بِالبَيتِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّونَ، وَقَد رَأَيتُ أُمِّي وَخَالَتِي حِينَ تَقدَمَانِ لَا تَبدَآنِ بِشَيءٍ أَوَّلَ مِن البَيتِ، تَطُوفَانِ بِهِ، ثُمَّ لَا تَحِلَّانِ، وَقَد أَخبَرَتنِي أُمِّي أَنَّهَا أَقبَلَت هِيَ وَأُختُهَا وَالزُّبَيرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ بِعُمرَةٍ قَطُّ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكنَ حَلُّوا. رواه البخاري (١٦١٤)، ومسلم (١٢٣٥). * * * ــ وهكذا رواه البخاري، وبه يستقيم الكلام. قال: ويدلُّ على صحَّة هذا قوله في الحديث نفسه: (وآخر من فعل ذلك ابن عمر، ولم ينقضها بعمرة). قلت: ويحتمل أن يحمل لفظ مسلم على معنى صحيح من غير احتياج إلى تقدير تغيير وتوهيم للرُّواة الحفاظ، بأن يقال: إن قوله: ثم لم يكن غيره. يعني: إنه لم يكن تحلل بعمرة؛ أي: لم يحدث غير الإحرام الأول. وأفاد ذلك: أن طوافهم الأول لم يكن للعمرة بل للقدوم. وعلى هذا الذي ذكرناه تكون رواية من رواه: (ثم لم تكن عمرة)؛ مقيدة لهذه الرواية: (ثم لم يكن غيره). ولا تكون هذه تصحيفًا. وقوله: (فلمَّا مسحوا الرُّكن حلُّوا) يعني بذلك: لمس الحجر في آخر الطَّوَافِ، ولم يذكر السعي بين الصفا والمروة؛ لأنه قد صار من المعلوم ملازمة السعي للطواف، فاكتفى بذكره عنه. وأيضًا: فقد وردت أخبار عن هؤلاء المذكورين: بأنهم سعوا بعد طوافهم. فتكمل الرواية الناقصة، ويرتفع الإشكال.

стр. 1612

(٢٤) باب إباحة العمرة في أشهر الحج [١١٠٨] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانُوا يَرَونَ العُمرَةَ فِي أَشهُرِ الحَجِّ مِن أَفجَرِ الفُجُورِ فِي الأَرضِ، وَيَجعَلُونَ المُحَرَّمَ صَفَرًا، وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَر، وَعَفَا الأَثَر، وَانسَلَخَ صَفَر، حَلَّت العُمرَةُ لِمَن اعتَمَر. قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ، ــ (٢٤) ومن باب: إباحة العمرة في أشهر الحج قوله: (كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور) أي: من أفحش الفواحش، ويعني أهل الجاهلية، وكان ذلك من تحكماتهم المبتدعة. وقوله: (ويجعلون المُحرم صفر) أي: يسمونه به، وينسبون تحريمه إليه، لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر حرم، فتضيق عليهم بذلك أحوالهم. وحاصله: أنهم كانوا يحلون من الأشهر الحرم ما احتاجوا إليه، ويحرمون مكان ذلك غيره، وكان الذين يفعلون ذلك يسمَّون: النَّسأة، وكانوا أشرافهم. وفي ذلك قال شاعرهم (١): أَلَسنا النَّاسِئِين على معَدٍّ ... شُهُورَ الحلِّ نَجعَلُها حَرامًا فردَّ الله تعالى كل ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفرِ﴾ الآية. وقوله: (ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر) فـ (برأ): أفاق. و (الدَّبر) يعني به: دبر ظهور الإبل عند انصرافها من الحج. و (عفا الأثر): انمحى ودرس. الخطابي: يعني أثر الدبر. وفيه بُعد. وقال غيره: يعني أثر الحاج من الطرق. و (عفا) من الأضداد. يقال: عفا الشيء: كثر، وقل، وظهر وخفي، مثله.

стр. 1613

وَأَصحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ، مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، فَأَمَرَهُم أَن يَجعَلُوهَا عُمرَةً. فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِندَهُم فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الحِلِّ؟ قَالَ: الحِلُّ كُلُّهُ. رواه أحمد (١/ ٢٥٢)، والبخاري (١٥٦٤)، ومسلم (١٢٤٠) (١٩٨)، وأبو داود (١٩٨٧)، والنسائي (٥/ ١٨٠). * * * (٢٥) باب تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام [١١٠٩] عن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهرَ بِذِي الحُلَيفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ فَأَشعَرَهَا فِي صَفحَةِ سَنَامِهَا الأَيمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ، ــ (٢٥) ومن باب: تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام (١) (الإشعار): الإعلام. وإشعار الهدي: هو أن يُفعل فيه علامة يعلم بها أنه هدي. و (شعائر الحج): معالمه، وهي مواضع أفعاله. ومنه سُمِّي المشعر الحرام. و (صفحة السَّنام): جانبه. و (السَّنام): أعلى ظهر البعير. وحديث ابن عباس هذا يدل على أن الإشعار يكون في الجانب الأيمن، وبه أخذ الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وروي عن ابن عمر. وقالت طائفة: يشعر (٢) في الجانب الأيسر، وبه قال مالك. وقال أيضًا: لا بأس به في الأيمن. وقال مجاهد: من أي الجانبين شاء (٣)، وبه قال أحمد في أحد قوليه. وفيه ردٌّ على أبي حنيفة؛ حيث لا يرى الإشعار، ويقول: إنه مثلة. ولا حجة لمن قال: إن الإشعار تعذيب للحيوان، فإن ذلك يجري مجرى

стр. 1614

وَقَلَّدَهَا نَعلَينِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا استَوَت بِهِ عَلَى البَيدَاءِ أَهَلَّ بِالحَجِّ. رواه أحمد (١/ ٢١٦)، ومسلم (١٢٤٣)، وأبو داود (١٧٥٢)، والترمذي (٩٠٦)، والنسائي (٥/ ١٧٠)، وابن ماجه (٣٠٩٧). [١١١٠] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: أَهدَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّةً إِلَى البَيتِ غَنَمًا فَقَلَّدَهَا. رواه البخاري (١٧٠١)، ومسلم (١٣٢١) (٣٦٧)، وأبو داود (١٧٥٥)، والترمذي (٩٠٩)، والنسائي (٥/ ١٧٣ - ١٧٤)، وابن ماجه (٣٠٩٦). * * * ــ الوسم الذي يُعرف به الملك (١) وغيره مما في معناه. ثم هو أمر معمول به من كافة المسلمين وجماهيرهم من الصحابة وغيرهم. وهذا في البدن واضح. فأما البقر: فإن كانت لها أسنمة أشعرت كالبدن، قاله ابن عمر. وبه قال مالك. وقال الشافعي، وأبو ثور: تُقلَّد، وتشعر مطلقًا، ولم يفرقوا. وقال سعيد بن جبير: تُقلَّد البقر ولا تشعر. فأما الغنم: فلا تشعر. وهل تقلَّد أم لا؟ قولان. فممن صار إلى تقليدها جماعة من السلف، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن حبيب. وأنكره مالك، وأصحاب الرأي. وكأن هؤلاء لم يبلغهم حديث عائشة في تقليد الغنم، أو بلغهم، لكنهم تركوه (٢) لانفراد الأسود به عن عائشة، ولم يرو ذلك غيره عنها. وقوله: (وقلَّدها نعلين)؛ النعلان أفضل عندهم. وأجاز مالك والشافعي نعلاً واحدةً. وأجاز الثوري فم القِربة وشبهها. ومقصودُ التقليد والإشعار: أن يجبَ الهديُ ويُعرف، فلا يتعرض له أحدٌ، وإنّ ضلَّ نُحر، ولا يُنحر دون مَحِلِّه.

стр. 1615

(٢٦) باب كم اعتمر النبي ﷺ وكم حج ؟ [١١١١] عن قتادة، قال: سألت أنسا: كم حج رسول الله ﷺ قال: حجة واحدة، واعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته: عمرة من الحديبية، أو زمن الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من ــ (٢٦) ومن باب: كم اعتمر النبي ﷺ ؟ قوله: (عمرة من الحديبية) يعني: التي صدَّه فيها المشركون عن البيت، فحل منها في الحديبية، وحلق، ونحر، ورجع إلى المدينة؛ كما صالحهم عليه. ثم إنه اعتمر في السَّنة الثانية عمرة القضاء. وسُمِّيت بذلك، وبعمرة القضية أيضًا؛ لأنه إنما اعتمرها (١) في السَّنة الثانية على ما كان قاضاهم عليه؛ أي: صالحهم، وذلك: أنهم كانوا اشترطوا عليه ألا يدخل عليهم مكة في سنتهم تلك، بل في السَّنة الثانية، ولا يدخلها عليهم بشيء من السِّلاح إلا بالسيف وقرابه، وأنه لا يمكث فيها أكثر من ثلاثة أيام، إلى غير ذلك من الشروط التي هي مذكورة في كتب السِّير، فوفَّى لهم النبي ﷺ بذلك. وأما عمرته من جعرانة فكانت بعد منصرفه من حنين، ومن الطائف، وبعد قسم غنائم حنين (٢) بجعرانة. وأما عمرته مع حجته فهي التي قرنها مع حجته على رواية أنس، أو أردفها (٣) على ما ذكرناه عن ابن عمر. واعتمد مالك في موطئه: على أنه ﷺ اعتمر ثلاث عُمَر: إحداها في شوال، فأسقط التي مع حجته بناءً منه (٤)
следующие страницы →