مُعَاوِيَةُ، وَعَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ، ثُمَّ حَجَجتُ مَعَ أَبِي، الزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالبَيتِ، ثُمَّ لَم يَكُن غَيرُهُ، ثُمَّ آخِرُ مَن رَأَيتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابنُ عُمَرَ، ثُمَّ لَم يَنقُضهَا بِعُمرَةٍ، وَلَا أَحَدٌ مِمَّن مَضَى مَا كَانُوا يَبدَءُونَ بِشَيءٍ حِينَ يَضَعُونَ أَقدَامَهُم أَوَّلَ مِن الطَّوَافِ بِالبَيتِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّونَ، وَقَد رَأَيتُ أُمِّي وَخَالَتِي حِينَ تَقدَمَانِ لَا تَبدَآنِ بِشَيءٍ أَوَّلَ مِن البَيتِ، تَطُوفَانِ بِهِ، ثُمَّ لَا تَحِلَّانِ، وَقَد أَخبَرَتنِي أُمِّي أَنَّهَا أَقبَلَت هِيَ وَأُختُهَا وَالزُّبَيرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ بِعُمرَةٍ قَطُّ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكنَ حَلُّوا.
رواه البخاري (١٦١٤)، ومسلم (١٢٣٥).
* * *
ــ
وهكذا رواه البخاري، وبه يستقيم الكلام. قال: ويدلُّ على صحَّة هذا قوله في الحديث نفسه: (وآخر من فعل ذلك ابن عمر، ولم ينقضها بعمرة).
قلت: ويحتمل أن يحمل لفظ مسلم على معنى صحيح من غير احتياج إلى تقدير تغيير وتوهيم للرُّواة الحفاظ، بأن يقال: إن قوله: ثم لم يكن غيره. يعني: إنه لم يكن تحلل بعمرة؛ أي: لم يحدث غير الإحرام الأول. وأفاد ذلك: أن طوافهم الأول لم يكن للعمرة بل للقدوم. وعلى هذا الذي ذكرناه تكون رواية من رواه: (ثم لم تكن عمرة)؛ مقيدة لهذه الرواية: (ثم لم يكن غيره). ولا تكون هذه تصحيفًا.
وقوله: (فلمَّا مسحوا الرُّكن حلُّوا) يعني بذلك: لمس الحجر في آخر الطَّوَافِ، ولم يذكر السعي بين الصفا والمروة؛ لأنه قد صار من المعلوم ملازمة السعي للطواف، فاكتفى بذكره عنه. وأيضًا: فقد وردت أخبار عن هؤلاء المذكورين: بأنهم سعوا بعد طوافهم. فتكمل الرواية الناقصة، ويرتفع الإشكال.
стр. 1612
(٢٤) باب إباحة العمرة في أشهر الحج
[١١٠٨] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانُوا يَرَونَ العُمرَةَ فِي أَشهُرِ الحَجِّ مِن أَفجَرِ الفُجُورِ فِي الأَرضِ، وَيَجعَلُونَ المُحَرَّمَ صَفَرًا، وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَر، وَعَفَا الأَثَر، وَانسَلَخَ صَفَر، حَلَّت العُمرَةُ لِمَن اعتَمَر. قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ،
ــ
(٢٤) ومن باب: إباحة العمرة في أشهر الحج
قوله: (كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور) أي: من أفحش الفواحش، ويعني أهل الجاهلية، وكان ذلك من تحكماتهم المبتدعة.
وقوله: (ويجعلون المُحرم صفر) أي: يسمونه به، وينسبون تحريمه إليه، لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر حرم، فتضيق عليهم بذلك أحوالهم. وحاصله: أنهم كانوا يحلون من الأشهر الحرم ما احتاجوا إليه، ويحرمون مكان ذلك غيره، وكان الذين يفعلون ذلك يسمَّون: النَّسأة، وكانوا أشرافهم. وفي ذلك قال شاعرهم (١):
أَلَسنا النَّاسِئِين على معَدٍّ ... شُهُورَ الحلِّ نَجعَلُها حَرامًا
فردَّ الله تعالى كل ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفرِ﴾ الآية.
وقوله: (ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر) فـ (برأ): أفاق. و (الدَّبر) يعني به: دبر ظهور الإبل عند انصرافها من الحج. و (عفا الأثر): انمحى ودرس. الخطابي: يعني أثر الدبر. وفيه بُعد. وقال غيره: يعني أثر الحاج من الطرق. و (عفا) من الأضداد. يقال: عفا الشيء: كثر، وقل، وظهر وخفي، مثله.
стр. 1613
وَأَصحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ، مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، فَأَمَرَهُم أَن يَجعَلُوهَا عُمرَةً. فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِندَهُم فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الحِلِّ؟ قَالَ: الحِلُّ كُلُّهُ.
رواه أحمد (١/ ٢٥٢)، والبخاري (١٥٦٤)، ومسلم (١٢٤٠)(١٩٨)، وأبو داود (١٩٨٧)، والنسائي (٥/ ١٨٠).
* * *
(٢٥) باب تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام
[١١٠٩] عن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهرَ بِذِي الحُلَيفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ فَأَشعَرَهَا فِي صَفحَةِ سَنَامِهَا الأَيمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ،
ــ
(٢٥) ومن باب: تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام (١)
(الإشعار): الإعلام. وإشعار الهدي: هو أن يُفعل فيه علامة يعلم بها أنه هدي. و (شعائر الحج): معالمه، وهي مواضع أفعاله. ومنه سُمِّي المشعر الحرام. و (صفحة السَّنام): جانبه. و (السَّنام): أعلى ظهر البعير.
وحديث ابن عباس هذا يدل على أن الإشعار يكون في الجانب الأيمن، وبه أخذ الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وروي عن ابن عمر.
وقالت طائفة: يشعر (٢) في الجانب الأيسر، وبه قال مالك. وقال أيضًا: لا بأس به في الأيمن. وقال مجاهد: من أي الجانبين شاء (٣)، وبه قال أحمد في أحد قوليه. وفيه ردٌّ على أبي حنيفة؛ حيث لا يرى الإشعار، ويقول: إنه مثلة.
ولا حجة لمن قال: إن الإشعار تعذيب للحيوان، فإن ذلك يجري مجرى
стр. 1614
وَقَلَّدَهَا نَعلَينِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا استَوَت بِهِ عَلَى البَيدَاءِ أَهَلَّ بِالحَجِّ.
رواه أحمد (١/ ٢١٦)، ومسلم (١٢٤٣)، وأبو داود (١٧٥٢)، والترمذي (٩٠٦)، والنسائي (٥/ ١٧٠)، وابن ماجه (٣٠٩٧).
[١١١٠] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: أَهدَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّةً إِلَى البَيتِ غَنَمًا فَقَلَّدَهَا.
رواه البخاري (١٧٠١)، ومسلم (١٣٢١)(٣٦٧)، وأبو داود (١٧٥٥)، والترمذي (٩٠٩)، والنسائي (٥/ ١٧٣ - ١٧٤)، وابن ماجه (٣٠٩٦).
* * *
ــ
الوسم الذي يُعرف به الملك (١) وغيره مما في معناه. ثم هو أمر معمول به من كافة المسلمين وجماهيرهم من الصحابة وغيرهم. وهذا في البدن واضح. فأما البقر: فإن كانت لها أسنمة أشعرت كالبدن، قاله ابن عمر. وبه قال مالك. وقال الشافعي، وأبو ثور: تُقلَّد، وتشعر مطلقًا، ولم يفرقوا. وقال سعيد بن جبير: تُقلَّد البقر ولا تشعر. فأما الغنم: فلا تشعر. وهل تقلَّد أم لا؟ قولان. فممن صار إلى تقليدها جماعة من السلف، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن حبيب. وأنكره مالك، وأصحاب الرأي. وكأن هؤلاء لم يبلغهم حديث عائشة في تقليد الغنم، أو بلغهم، لكنهم تركوه (٢) لانفراد الأسود به عن عائشة، ولم يرو ذلك غيره عنها.
وقوله: (وقلَّدها نعلين)؛ النعلان أفضل عندهم. وأجاز مالك والشافعي نعلاً واحدةً. وأجاز الثوري فم القِربة وشبهها. ومقصودُ التقليد والإشعار: أن يجبَ الهديُ ويُعرف، فلا يتعرض له أحدٌ، وإنّ ضلَّ نُحر، ولا يُنحر دون مَحِلِّه.
стр. 1615
(٢٦) باب كم اعتمر النبي ﷺ وكم حج ؟
[١١١١] عن قتادة، قال: سألت أنسا: كم حج رسول الله ﷺ قال: حجة واحدة، واعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته: عمرة من الحديبية، أو زمن الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من
ــ
(٢٦) ومن باب: كم اعتمر النبي ﷺ ؟
قوله: (عمرة من الحديبية) يعني: التي صدَّه فيها المشركون عن البيت، فحل منها في الحديبية، وحلق، ونحر، ورجع إلى المدينة؛ كما صالحهم عليه. ثم إنه اعتمر في السَّنة الثانية عمرة القضاء. وسُمِّيت بذلك، وبعمرة القضية أيضًا؛ لأنه إنما اعتمرها (١) في السَّنة الثانية على ما كان قاضاهم عليه؛ أي: صالحهم، وذلك: أنهم كانوا اشترطوا عليه ألا يدخل عليهم مكة في سنتهم تلك، بل في السَّنة الثانية، ولا يدخلها عليهم بشيء من السِّلاح إلا بالسيف وقرابه، وأنه لا يمكث فيها أكثر من ثلاثة أيام، إلى غير ذلك من الشروط التي هي مذكورة في كتب السِّير، فوفَّى لهم النبي ﷺ بذلك.
وأما عمرته من جعرانة فكانت بعد منصرفه من حنين، ومن الطائف، وبعد قسم غنائم حنين (٢) بجعرانة. وأما عمرته مع حجته فهي التي قرنها مع حجته على رواية أنس، أو أردفها (٣) على ما ذكرناه عن ابن عمر. واعتمد مالك في موطئه: على أنه ﷺ اعتمر ثلاث عُمَر: إحداها في شوال، فأسقط التي مع حجته بناءً منه (٤)
стр. 1616
العام المقبل، في ذي القعدة، وعمرة من جعرانة، حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته.
رواه البخاري (١٧٧٨)، ومسلم (١٢٥٣)، وأبو داود (١٩٩٤)، والترمذي (٨١٥).
[١١١٢] وعَن زَيدِ بنِ أَرقَمَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَزَا تِسعَ عَشرَةَ غَزوَةً، وَأنه حَجَّ بَعدَمَا هَاجَرَ حَجَّةً واحدة، حَجَّةَ الوَدَاعِ. قال أبو إسحاق: وبمكة أخرى.
رواه البخاري (١٧٨١)، ومسلم (١٢٥٤)، وأبو داود (١٩٩١ و ١٩٩٢)، والترمذي (٩٣٦).
[١١١٣] وعَن مُجَاهِدٍ، قَالَ: دَخَلتُ أَنَا، وَعُروَةُ بنُ الزُّبَيرِ المَسجِدَ، فَإِذَا عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ جَالِسٌ إِلَى حُجرَةِ عَائِشَةَ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ الضُّحَى فِي المَسجِدِ، فَسَأَلنَاهُ عَن صَلَاتِهِم؟ فَقَالَ: بِدعَةٌ، فَقَالَ: لَهُ عُروَةُ، يَا أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ كَم اعتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: أَربَعَ عُمَرٍ، إِحدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، فَكَرِهنَا أَن نُكَذِّبَهُ وَنَرُدَّ عَلَيهِ، وَسَمِعنَا استِنَانَ عَائِشَةَ فِي الحُجرَةِ، فَقَالَ عُروَةُ: أَلَا تَسمَعِينَ يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ! إِلَى مَا يَقُولُ أَبُو عَبدِ الرَّحمَنِ؟
ــ
على أن النبي ﷺ كان مفردًا، وأما هذه العُمرة المنسوبة إلى شوال فهي - والله أعلم -: عمرة الجعرانة، أحرم بها في أخريات شوال، وكلَها في ذي القعدة، فصدقت عليها النِّسبتان، والله تعالى أعلم.
ولا يُعلم للنبي ﷺ عُمرة غير ما ذكرناه مما اتفق عليه، واختلف فيه. وقد ذكر الدارقطني: أنه ﷺ خرج معتمرًا في رمضان (١). وليس بالمعروف.
وأما قول
стр. 1617
فَقَالَت: مَا يَقُولُ؟ قَالَ: يَقُولُ: اعتَمَرَ رسول الله ﷺ أَربَعَ عُمَرٍ إِحدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، فَقَالَت: يَرحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ، مَا اعتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا وَهُوَ مَعَهُ. وَمَا اعتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ: وَابنُ عُمَرِ يَسمَعُ، فَمَا قَالَ: لا، ولا نعم، سكت.
رواه مسلم (١٢٥٥) (٢١٩ و ٢٢٠).
* * *
(٢٧) باب فضل العمرة في رمضان
[١١١٤] عَن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِامرَأَةٍ مِن الأَنصَارِ يُقَالُ لَهَا أُمُّ سِنَانٍ: مَا مَنَعَكِ أَن تَكُونِي حَجَجتِ مَعَنَا؟ قَالَت: نَاضِحَانِ كَانَا
ــ
ابن عمر: أنه اعتمر في رجب؛ فقد غلَّطَتهُ في ذلك عائشة، ولم ينكر عليها، ولم ينتصر، فظهر: أنه كان على وَهم، وأنه رجع عن ذلك.
وأما حَجُّهُ ﷺ : فلم يختلف أنه إنما حج في الإسلام حجَّة واحدة، وهي المعروفة بحجَّة الوداع. وأما قبل هجرته: فاختلف هل حجَّ واحدة - كما قال أبو إسحاق السَّبيعي، أو حجَّتين؛ كما قال غيره؟ وسيأتي عدد غزواته في الجهاد.
(٢٧) ومن باب: فضل العُمرة في رمضان
قوله ﷺ للمرأة الأنصارية: (ما منعك أن تحجِّي معنا؟ ) كان هذا منه بعد رجوعه من حجَّته، وكان هذا السؤال منه (١) لينبِّه على المانع؛ إذ كان قد أذَّن في
стр. 1618
لِأَبِي فُلَانٍ (زَوجِهَا) حَجَّ هُوَ، وَابنُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا. وَكَانَ الآخَرُ يَسقِي عَلَيهِ غُلَامُنَا. قَالَ: فَعُمرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقضِي حَجَّةً أَو حَجَّةً مَعِي.
وفي لفظ آخر: فإذا جاء رمضان فاعتمري، فإن عمرة فيه تعدل حجة.
ــ
النَّاس بالحجِّ أذانًا يعم الرجال والنساء. وأيضًا فإنه قد كان حجَّ بأزواجه، فأخبرته بما اقتضى تعذر ذلك: من أنها لم تكن لها (١) راحلة، فلما تحقق عذرها، وعلم أنها متحسِّرة لما فاتها من ثواب الحجّ معه، حضَّها على العُمرة في رمضان، وأخبرها: أنها تعدلُ لها حجَّة معه. ووجه ذلك: أنها لما صحَّت نيتها في الحجِّ معه جعل ثواب ذلك في العُمرة في رمضان جَبرًا لها، ومُجازاة بنيَّتها. فإن قيل: فيلزم من هذا أن يكون ذلك الثواب خاصًّا بتلك المرأة. قلنا: لا يلزم ذلك؛ لأن من يساويها في تلك النيَّة والحال، ويعتمر في رمضان كان له مثل ذلك الثواب، والله تعالى أعلم.
و(الناضح): البعير الذي يُستقى عليه الماء.
وقولها: (يسقي عليه غلامُنا) كذا رواه ابن ماهان وغيره. وسقط للعذري والفارسي (عليه).
قال القاضي أبو الفضل: وأرى هذا كلّه تغييرًا، وإن صوابه: (نسقي عليه نخلاً لنا). فتصحَّف منه: (غلامنا). وكذا جاء في البخاري: (نسقي عليه نخلاً). وقد خرَّج النسائي معنى حديث ابن عباس من حديث معقل، وأنه هو الذي جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إن أم معقل جعلت عليها حجَّة معك، فلم يتيسَّر لها ذلك، فما يجزئ عنها؟ قال: (عمرة في رمضان). قال: فإن عندي جملاً، جعلته في سبيل الله حبيسًا، فأعطيه إيَّاها فتركبه؟ قال: (نعم) (٢). وهذا يدلُّ على صحة
стр. 1619
رواه أحمد (١/ ٢٢٩)، والبخاري (١٧٨٢)، ومسلم (١٢٥٦)، وأبو داود (١٩٩٠)، والنسائي (٤/ ١٣٠ - ١٣١)، وابن ماجه (٢٩٩٣).
* * *
(٢٨) باب من أين دخل النبي ﷺ مكة والمدينة، ومن أين خرج ؟
[١١١٥] عَن ابنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ يَخرُجُ مِن طَرِيقِ الشَّجَرَةِ، وَيَدخُلُ مِن طَرِيقِ المُعَرَّسِ، وَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ، دَخَلَ مِن الثَّنِيَّةِ العُليَا، وَيَخرُجُ مِن الثَّنِيَّةِ السُّفلَى.
ــ
ما ذهبنا إليه من معنى الحديث. وإنما عَظُمَ أجر العمرة في رمضان لحرمة الشهر، ولشدة النصب، والمشقة اللاحقة من عمل العُمرة في الصوم. وقد أشار إلى هذا قوله ﷺ لعائشة - وقد أمرها بالعُمرة -: (إنها على قدر نَصَبك - أو قال -: نفقتك) (١). والله تعالى أعلم.
وقوله: (جعلت عليها حجَّة معك) يعني: أنها همَّت بذلك، وعزمت عليه، لا أنها أوجبت ذلك عليها بالنَّذر؛ إذ لو كان ذلك لما أجزأها عن ذلك العُمرة، والله تعالى أعلم.
(٢٨) ومن باب: من أين دخل النبي ﷺ مكة والمدينة؟ ومن أين خرج؟
قوله: (كان يخرج من طريق الشجرة) يعني - والله أعلم -: الشجرة (٢) التي
стр. 1620
وَفِي رِوَايَةٍ: العليا التي بالبطحاء.
رواه البخاري (١٥٧٥)، ومسلم (١٢٥٧)، وأبو داود (١٨٦٦)، والنسائي (٥/ ٢٠٠)، وابن ماجه (٢٩٤٠).
ــ
بذي الحليفة؛ التي أحرم منها؛ كما قال ابن عمر في الحديث المتقدِّم، ولعلَّها هي الشجرة التي ولدت تحتها أسماء بنت عميس. و (المُعرَّس): موضع التعريس. وهو موضع معروف على ستة أميال هناك.
والتعريس: النزول من آخر الليل. و (الثنية) هي: الهضبة، وهي: الكوم الصغير. وهذه الثنية هي التي بأعلى مكة، وتسمى: كداء. وبأسفل مكة تثنية أخرى تسمى: كدى. وقد اختلف أهل التقييد (١) في ضبط هاتين الكلمتين: فالأكثر منهم: على أن التي بأعلى مكة: بفتح الكاف والمد. والسفلى: بضم الكاف والقصر. وقيل: عكس ذلك. وأما اللغويون: فقال أبو علي القالي: (كداء) ممدود: جبل بمكة. قال الشاعر (٢):
أَقفَرَت مِن عبد شَمس كداء ... وكدَى والركن والبطحاء (٣)
وقال غيره: كدى: جبل قريب من كداء. وقال الخليل: كداء وكدَي - بالضم وتشديد الياء -: جبلان بمكة، الأعلى منهما بالمد. وقال غيره: كدى - مضموم، مقصور -: بأسفل مكة، والمشدَّد لمن خرج إلى اليمن، وليس من طريق النبي ﷺ . ثم اختلف المتأولون في المعنى الذي لأجله خالف النبي ﷺ بين طريقيه. فقيل: ليتبرك به كل من في طريقيه، ويدعو لأهل تينك الطريقين. وقيل:
стр. 1621
[١١١٦] وعَن عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا جَاءَ إِلَى مَكَّةَ: دَخَلَهَا مِن أَعلَاهَا وَخَرَجَ مِن أَسفَلِهَا.
وَفِي رِوَايَةٍ دَخَلَ عَامَ الفَتح من كداء، من أعلى مكة.
رواه البخاري (١٥٧٨)، ومسلم (١٢٥٨)، وأبو داود (١٨٦٨)، والترمذي (٣٥٨).
* * *
(٢٩) باب المبيت بذي طوى، والاغتسال قبل دخول مكة، وتعيين مصلى رسول الله ﷺ -
[١١١٧] عن ابنَ عُمَرَ أنه كَانَ لَا يَقدَمُ مَكَّةَ إِلَّا بَاتَ بِذِي طَوًى، حَتَّى يُصبِحَ وَيَغتَسِلَ، ثُمَّ يَدخُلُ مَكَّةَ نَهَارًا، وَيَذكُرُ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَهُ.
رواه أحمد (٢/ ٨٧)، والبخاري (٤٨٤)، ومسلم (١٢٥٩)(٢٢٧).
ــ
ليغيظ المنافقين ومن في ذينك الطريقين منهم بإظهار الدِّين، وإعزاز الإسلام. وقيل: ليرى السَّعة في ذلك.
(٢٩) ومن باب: المبيت بذي طوى والاغتسال قبل دخول مكة (١)
(ذو طوى) - بفتح الطاء والقصر - هو: وادٍ بمكة، قاله الأصمعي. قال: والذي بطريق الطائف ممدود. وحكى بعض اللغويين: ذو طوى - بضم الطاء والقصر - الذي بمكة، وذو طواء - بالفتح والمد - حكاه ابن بطال، وكذا ذكره
стр. 1622
[١١١٨] وعنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَنزِلُ بِذِي طَوًى، وَيَبِيتُ بِهِ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبحَ، حِينَ يَقدَمُ مَكَّةَ، وَمُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ، لَيسَ فِي المَسجِدِ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ، وَلَكِن أَسفَلَ مِن ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ.
رواه البخاري (٤٩١)، ومسلم (١٢٥٩)(٢٢٨).
[١١١٩] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ استَقبَلَ فُرضَتَي الجَبَلِ الطَّوِيلِ الَّذِي بَينَهُ وَبَينَ الكَعبَةِ، الَّذِي بُنِيَ، ثَمَّ يَسَارَ المَسجِدِ الَّذِي بِطَرَفِ الأَكَمَةِ، وَمُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسفَلَ مِنهُ عَلَى الأَكَمَةِ السَّودَاءِ، يَدَعُ مِن الأَكَمَةِ عَشرَةَ أَذرُعٍ، أَو نَحوَهَا، ثُمَّ يُصَلِّي مُستَقبِلَ الفُرضَتَينِ مِن الجَبَلِ الطَّوِيلِ الَّذِي بَينَكَ وَبَينَ الكَعبَةِ.
رواه أحمد (٢/ ٨٧)، والبخاري (٤٩٢)، ومسلم (١٢٦٠).
* * *
ــ
ثابت، وضبطه الأصيلي بكسر الطاء، ولا خلاف في أن المبيت بذي طوى، ودخول مكة نهارًا ليس من المناسك، لكن إن فعل ذلك اقتداءً بالنبي ﷺ ، وتتبُّعًا لمواضعه، كان له في ذلك ثواب كثير، وخيرٌ جزيل. وقد تقدَّم الكلام على أفعال الحجِّ وأحكامها.
و(الأكمة): الكوم الغليظ الضخم. و (ثَمَّ) - بفتح الثاء المثلثة: إشارة إلى موضع مخصوص معروف. وهو مبني على الفتح، يوقف عليه بالهاء. فيقال: ثمه. و (فُرضَتا الجبل): موضعان منخفضان منه، وكأنهما نقبان أو طريقان. و (الفُرضة): الحز الذي يدخل فيه الوَتَر. وأصل الفَرض: القطع. وهذا التحديد والتحقيق الذي صَدَر من ابن عمر في تعيين مواضع النبي ﷺ دليلٌ على شدة عنايته، وتهمُّمه بآثار النبي ﷺ ، وعلى أنه مَن قصد تلك المواضع متبرِّكًا بآثار النبي ﷺ وبالصَّلاة فيها حَصَل على حظٍّ عظيمٍ وثوابٍ جزيلٍ.
стр. 1623
(٣٠) باب الرمل في الطواف والسعي
[١١٢٠] عَن ابنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ بِالبَيتِ الطَّوَافَ الأَوَّلَ، خَبَّ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَربَعًا، وَكَانَ يَسعَى بِبَطنِ المَسِيلِ إِذَا طَافَ بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ، وَكَانَ ابنُ عُمَرَ يَفعَلُ ذَلِكَ.
وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ إذا طاف في الحج والعمرة، أول ما يقدم، فإنه
ــ
(٣٠) ومن باب: الرَّمل في الطواف
(الرَّمَل): بتحريك الميم، وفتحها، و (الخبب): شدة الحركة في المشي. ومنه: الرمل في الأعاريض، وهو القصير منها. قال الجوهري: هو كالوثب الخفيف. وهو السَّعي أيضًا. وقد بين في الحديث سَبب مشروعيته. وتبيَّن أيضًا من مداومة النبي ﷺ : أنه ثابت دائمًا، وإن ارتفع أصل سبب مشروعيته. وهو سنة عند الفقهاء أجمعين. وروي في ذلك خلاف عن بعض الصحابة، وأن المشي أفضل. وهم محجوجون بفعل النبي ﷺ في حجة الوداع. وهو في ثلاثة أشواط، يبدأ من الحجر، ويختم به، كما جاء في حديث ابن عمر، وغيره.
وقول ابن عمر ﵄: (كان إذا طاف الطواف الأوَّل خبَّ ثلاثًا) دليل: على أن مشروعية الرَّمل إنما هو عند القدوم؛ حاجًّا كان، أو معتمرًا. وإن غير ذلك من الأطواف لا يشرع فيها الرَّمل، ويخاطب به المكيُّون وغيرهم إلا شيئًا روي عن ابن عمر: أنه لا يخاطب به مكيٍّ. ولا تخاطب به النساء اتفاقًا لما علمته في مشقته عليهن (١)؛ ولأنه يظهر منهن ما يجب ستره؛ كالرِّدف، والنَّهد، وغير ذلك.
стр. 1624
يسعى ثلاثة أطواف بالبيت، ثم يمشي أربعا، ثم يصلي سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة.
وفي أخرى قَالَ: رَملَ رسول الله ﷺ من الحجر إلى الحجر ثلاثا، ومشى أربعا.
رواه أحمد (٢/ ٣٠)، والبخاري (١٦٠٣)، ومسلم (١٢٦١)(٢٣٠) و (١٢٦٢)(٢٣٣)، وأبو داود (١٨٩٣)، والنسائي (٥/ ٢٢٩ - ٢٣٠)، وابن ماجه (٢٩٥٠).
[١١٢١] وعَن أَبِي الطُّفَيلِ، قَالَ: قُلتُ لِابنِ عَبَّاسٍ: أَرَأَيتَ هَذَا الرَّمَلَ بِالبَيتِ ثَلَاثَةَ أَطوَافٍ، وَمَشيَ أَربَعَةِ أَطوَافٍ. أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِنَّ قَومَكَ يَزعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ. قَالَ: فَقَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا. قَالَ: قُلتُ: مَا صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ مَكَّةَ. فَقَالَ المُشرِكُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا وَأَصحَابَهُ لَا يَستَطِيعُونَ أَن يَطُوفُوا بِالبَيتِ مِن الهُزَالِ، وَكَانُوا يَحسُدُونَهُ، قَالَ: فَأَمَرَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن يَرمُلُوا ثَلَاثًا، وَيَمشُوا أَربَعًا. قَالَ: قُلتُ لَهُ: أَخبِرنِي عَن الطَّوَافِ بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ رَاكِبًا. أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِنَّ قَومَكَ يَزعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ، قَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا. قَالَ: قُلتُ: وَمَا قَولُكَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟
ــ
وقول ابن عباس: (صدقوا وكذبوا) يعني: أنهم أصابوا من وجه، وغلطوا من وجه. فأصابوا من حيث إنهم نسبوه إلى النبي ﷺ ، وغلطوا من حيث ظنوا أن تلك أمور راتبة، لازمة؛ وإنما كان ذلك لأسباب نبَّه عليها فيما ذكر من الحديث. ويظهر من مساق كلام ابن عباس أنها ليست بسنن راتبة عنده، فارتفعت بارتفاع أسبابها. وهذا لا يمكن أن يُقال في الرَّمل في الطواف والسَّعي؛ إذ قد فعله النبي ﷺ مع فقد تلك الأسباب. فينبغي أن يُقال: هو سُنة مطلقًا، كما هو مذهب الجماهير.
стр. 1625
قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَثُرَ عَلَيهِ النَّاسُ يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ. هَذَا مُحَمَّدٌ. حَتَّى خَرَجَ العَوَاتِقُ مِن البُيُوتِ. قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُضرَبُ النَّاسُ بَينَ يَدَيهِ. فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيهِ رَكِبَ، وَالمَشيُ وَالسَّعيُ أَفضَلُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: قُلتُ لِابنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ قَومَكَ يَزعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَلَ بِالبَيتِ وَبَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ وَهِيَ سُنَّةٌ. قَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا.
رواه مسلم (١٢٦٤)، وأبو داود (١٨٨٥)، وابن ماجه (٢٩٥٣).
[١١٢٢] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصحَابُهُ مَكَّةَ، وَقَد وَهَنَتهُم حُمَّى يَثرِبَ. قَالَ المُشرِكُونَ: إِنَّهُ يَقدَمُ عَلَيكُم غَدًا قَومٌ قَد وَهَنَتهُم الحُمَّى وَلَقُوا مِنهَا شِدَّةً، فَجَلَسُوا مِمَّا يَلِي الحِجرَ، فَأَمَرَهُم النَّبِيُّ ﷺ أَن يَرمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشوَاطٍ، وَيَمشُوا مَا بَينَ الرُّكنَينِ، لِيَرَى المُشرِكُونَ جَلَدَهُم، فَقَالَ المُشرِكُونَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمتُم أَنَّ الحُمَّى قَد وَهَنَتهُم، هَؤُلَاءِ أَجلَدُ مِن كَذَا وَكَذَا. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: وَلَم يَمنَعهُ أَن يَأمُرَهُم أَن يَرمُلُوا الأَشوَاطَ كُلَّهَا، إِلَّا الإِبقَاءُ عَلَيهِم.
ــ
وقولهم: (وهَنَتهُم حُمَّى يثرب) أي: أضعفتهم، وهو ثلاثي. وقد يقال: رباعيًّا. قال الفراء: يُقال: وهنه الله، وأوهنه الله.
و(يثرب): اسم المدينة في الجاهلية، واسُتجد لها في الإسلام: المدينة، وطيبة. وسيأتي لذلك مزيد بيان. و (الجلَد): التَّجَلُّد والقوة.
و(الأشواط): الأطواف. وقد تقدم ذكر من كره لفظ الشوط، والأشواط.
وقوله: (فلم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط إلا الإبقاءُ عليهم) روايتنا: الإبقاءُ - بالرفع - على أنه فاعل يمنعهم. ويجوز نصبه على أن يكون مفعولاً من أجله، ويكون في: (يمنعهم)؛ ضمير عائد على النبي ﷺ هو فاعلُه. فتأمَّله.
стр. 1626
رواه البخاري (٤٢٥٦)، ومسلم (١٢٦٦)(٢٤٠)، وأبو داود (١٨٨٦ و ١٨٨٩)، والترمذي (٨٦٣)، والنسائي (٥/ ٢٣٠).
* * *
(٣١) باب استلام الركنين اليمانيين وتقبيل الحجر الأسود
[١١٢٣] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: لَم أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمسَحُ مِن البَيتِ إِلَّا الرُّكنَينِ اليَمَانِيَينِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: الرُّكنُ الأَسوَدُ وَالَّذي يليه، من نحو دور الجمحيين.
رواه أحمد (٢/ ١٢١)، والبخاري (١٦٠٩)، ومسلم (١٢٦٧)، وأبو داود (١٨٧٤)، والنسائي (٥/ ٢٣٢)، وابن ماجه (٢٩٤٦).
[١١٢٤] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ سَرجِسَ، قَالَ: رَأَيتُ الأَصيلَعَ (يَعنِي
ــ
(٣١) ومن باب: استلام الركنيين اليمانيين
قد تقدم القول على حكم مسِّ الأركان. وقد بيَّن في هذا الحديث: أن الركنين اليمانيين أحدهما: الحجر الأسود، والثاني: الذي يليه من نحو دور بني جُمَح، وكلاهما من جهة اليمن، ولذلك نُسِبا إليه.
وقول عبد الله بن سرجس: (رأيت الأصيلع)؛ يعني: عمر ﵁، وكان أصلع. وتصغيره في هذا الموضع كما قالوا:
. . . . . . . . . . . . . . . . . ... دُويهيةٌ تصفرُّ منها الأنامل (١)
стр. 1627
عُمَرَ) يُقَبِّلُ الحَجَرَ، وَيَقُولُ: وَاللَّهِ! إِنِّي لَأُقَبِّلُكَ، وَإِنِّي لأَعلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، لَا تَضُرُّ، وَلَا تَنفَعُ، وَلَولَا أَنِّي رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبَّلَكَ مَا قَبَّلتُكَ.
رواه مسلم (١٢٧٠)(٢٥٠)، وابن ماجه (٢٩٤٣).
ــ
وكما قالوا للجبل العظيم: جُبيل. ونعته بالصلع؛ لأنه نعته في الكتب القديمة. يقال: إنهم كانوا يقولون - أعني: نصارى الشام -: إن الذي يفتح بيت المقدس الأصيلع. والله تعالى أعلم.
وقوله: (إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع) دفع لتوهم من وقع له من الجهَّال: أن للحجر الأسود خاصية ترجع إلى ذاته، كما توهمه بعض الباطنية. وبين (١): أنه ليس في تقبيله إلا الاقتداء المحض، ولو كان هناك شيء مما يُفترى لكان عمر ﵁ أحق الناس بعلمه.
وفي هذا الحديث ما يدلُّ: على أن تقبيل الحجر من سُنَن الطواف، والجمهور على ذلك؛ لمن قدر عليه، فإن لم يقدر وَضَع يده عليه، ثم رفعها إلى فِيهِ بغير تقبيل على إحدى الرِّوايتين عن مالك، وبه قال القاسم بن محمد. والجمهور على أنه يقبل يده، فإن لم يفعل فلا شيء عليه عندهم. قال مالك ﵀: والسجود عليه بدعة. والجمهور: على جوازه.
وأما الركن اليماني فيستلم باليد، ولا يُقَبَّل. وهل تقبل اليد أم لا؟ قولان. ولا يخاطب النساء بذلك عند الجميع، ويفعل ذلك في آخر كل شوط، وهو في أوَّل الطواف أوكد منه في سائرها. واستحب بعض السَّلف أن يكون لمس الركنين في وترٍ من الطواف. وبه قال الشافعي ﵀.
стр. 1628
[١١٢٥] وعَن سُوَيدِ بنِ غَفَلَةَ قَالَ: رَأَيتُ عُمَرَ قَبَّلَ الحَجَرَ، وَالتَزَمَهُ، وَقَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِكَ حَفِيًّا.
رواه مسلم (١٢٧١)، والنسائي (٥/ ٢٢٧).
* * *
(٣٢) باب الطواف على الراحلة لعذر، واستلام الركن بالمحجن
[١١٢٦] عَن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، استَلِمُ الرُّكنَ بِمِحجَنٍ.
رواه أحمد (١/ ٢١٤)، والبخاري (١٦٠٧)، ومسلم (١٢٧٢)، وأبو داود (١٨٧٧)، والنسائي (٥/ ٢٣٣)، وابن ماجه (٢٩٤٨).
ــ
وقوله: (رأيت عمر قبَّل الحجر، والتزمه) يعني: عانقه. والحفيُّ بالشيء: المعتني به، البارّ. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾
(٣٢) ومن باب: الطواف على الراحلة
لا خلاف في جواز طواف المريض راكبًا للعذر. واختلف في طواف من لا عذر له راكبًا. فأجازه قوم؛ منهم ابن المنذر؛ أخذًا بطوافه ﷺ راكبًا. والجمهور على كراهة ذلك ومنعه، متمسكين بظاهر قوله تعالى: ﴿وَليَطَّوَّفُوا بِالبَيتِ العَتِيقِ﴾ وظاهره: أن يطوف الطائف بنفسه. ومن طاف راكبًا إنما عن طيف به، ولم يطف هو بنفسه. وبأن الصحابة ﵃ اعتذروا عن
стр. 1629
[١١٢٧] وعَن جَابِرٍ بن عبد الله، قَالَ: طَافَ النبي ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ بالبيت، وبالصفا والمروة لِيَرَاهُ النَّاسُ وَلِيُشرِفَ وَلِيَسأَلُوهُ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ.
رواه أحمد (٣/ ٣١٧)، ومسلم (١٢٧٣)(٢٥٥)، وأبو داود (١٨٨٠)، والنسائي (٥/ ٢٤١).
ــ
طوافه ﷺ راكبًا، وبيَّنوا عذره في ذلك، فكان دليلاً: على أن أصل مشروعية الطواف عندهم ألا يكون راكبًا. فأما الأعذار التي ذكروا في ذلك فثلاثة:
أحدها: ما في حديث جابر، وهو: أن يراه الناس إذا أشرف عليهم؛ ليسألوه، ويقتدوا به.
وثانيها: ما ذكرته عائشة ﵂؛ وهو: أنه ﷺ لو كان ماشيًا لطرق بين يديه، ولصرفوا عنه، وكان يكرهُ ذلك. على أن قولها: كراهة أن يصرف عنه الناس؛ يحتمل أن يكون الضمير في (عنه) راجعًا إلى الركن، فتأمله.
وثالثها: ما ذكره أبو داود: من أنه ﷺ كان في طوافه هذا مريضًا. وإلى هذا المعنى أشار البخاري بما ترجم على هذا الحديث، فقال: باب المريض يطوف راكبًا.
وقوله: (فإن الناس غشوه) الرواية الصحيحة: بضم الشين، وهو الصحيح؛ لأن أصله: غشيُوه، استثقلوا الضمة على الياء، فنقلوها إلى الشين، فسكنت الياء، فلما اجتمعت مع الواو الساكنة حذفت الياء لالتقاء الساكنين، وفيه تعليل آخر، وما ذكرناه أولى.
وكونه ﷺ يُقبِّل المحجن دليل على صحة أحد القولين السَّابقين.
والمحجن: عصا معقفة الطرف، تكون عند الراكب على البعير ليأخذ بها ما سقط له، ويحرك بها بعيره.
стр. 1630
[١١٢٨] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، حَولَ الكَعبَةِ عَلَى بَعِيرِهِ، يَستَلِمُ الرُّكنَ، كَرَاهِيَةَ أَن يُصرَفَ عَنهُ النَّاسُ.
رواه مسلم (١٢٧٤)، والنسائي (٥/ ٢٢٤).
[١١٢٩] وعن ابن الطفيل، قال: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت، ويستلم الركن بمحجن معه، ويقبل المحجن.
رواه مسلم (١٢٧٥)، وابن ماجه (٢٩٤٩).
[١١٣٠] وعَن أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَت: شَكَوتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشتَكِي، فَقَالَ: طُوفِي مِن وَرَاءِ النَّاسِ، وَأَنتِ رَاكِبَةٌ. قَالَت: فَطُفتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَئِذٍ يُصَلِّي إِلَى جَنبِ البَيتِ، وَهُوَ يَقرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسطُورٍ.
ــ
وقوله: (طوفي من وراء الناس وأنت راكبة) دليل على جواز ذلك للعذر.
واختلف قول من كرهه مع عدم العذر. فذهب مالك، وأبو حنيفة: إلى أنه يعيدُ ما دام قريبًا من ذلك، فإن بَعُدَ إلى مثل الكوفة ففيه دم. ولم يَرَ الشافعي فيه شيئًا. وإنما أمرها أن تطوف من وراء الناس؛ لأن ذلك سنة طواف النِّساء؛ لئلا يختلطن بالرِّجال، ولئلا يعثر مَركبُها بالطائفين فيؤذيهم. وعلى هذه العلَّة؛ فكذلك يكون حكم الرجل إذا طاف راكبًا.
وفي هذه الأحاديث حُجَّة لمالك على قوله بطهارة بول ما يؤكل لحمه. و (الطور): الجبل - بالسريانية -. وقال ابن عبَّاس: كل جبل ينبت فهو طور. و (الكتاب): المكتوب. و (الرَّق المنشور): هو الجلد المهيأ ليكتب فيه. وأحسن ما قيل فيه: إنه القرآن المكتوب في المصاحف. وهذه أقسام أقسم الله بها تشريفًا لها.
стр. 1631
رواه أحمد (٦/ ٢٩٠)، والبخاري (٤٦٤)، ومسلم (١٢٧٦)، وأبو داود (١٨٨٢)، والنسائي (٥/ ٢٢٣)، وابن ماجه (٢٩٦١).
* * *
(٣٣) باب في قوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالمَروَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ
[١١٣١] عَن عُروَةَ بنِ الزُّبَيرِ قَالَ: قُلتُ لِعَائِشَةَ زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ : مَا أَرَى عَلَى أَحَدٍ لَم يَطُف بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ شَيئًا، وَمَا أُبَالِي ألَّا أَطُوفَ بِهُمَا، قَالَت: بِئسَ مَا قُلتَ. يَا ابنَ أُختِي! طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَطَافَ
ــ
(٣٣) ومن باب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَروَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾
قد تقدم الكلام في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَروَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ في حديث جابر (١). واختلف العلماء في حكم الطواف بين الصفا والمروة؛ هل هو ركن في الحج والعمرة؟ كما ذهب إليه الجمهور، أو ليس بركن، كما ذهب إليه جماعة من السَّلف وغيرهم؟ ثم من هؤلاء من قال: إنه تطوع لا يجبر بالدم؛ وهم: أنس، وعبد الله بن الزبير، وابن سيرين. ومنهم من قال: يجبر بالدم؛ وهم: الحسن البصري، وقتادة، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة. وربما أطلق عليه بعضهم لفظ الواجب. وقال أصحاب الرأي: إن تركه أو أربعة منه؛ فعليه دمٌ. وإن ترك من الثلاثة شيئًا؛ فعليه لكل شوط إطعام مسكين نصف صاع من حنطة. والصحيح مذهب الجمهور على ما يأتي.
وقول عروة: (ما أرى على أحد لم يطف بين الصفا والمروة شيئًا، وما أبالي
стр. 1632
المُسلِمُونَ فَكَانَت سُنَّةً، وَإِنَّمَا كَانَ مَن أَهَلَّ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ، الَّتِي بِالمُشَلَّلِ، لَا يَطُوفُونَ بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ. فَلَمَّا كَانَ الإِسلَامُ سَأَلنَا النَّبِيَّ ﷺ عَن ذَلِكَ؟ فَأَنزَلَ اللَّهُ تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالمَروَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيتَ أَوِ اعتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَلَو كَانَت كَمَا تَقُولُ: لَكَانَت: فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِ أَن لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا. قَالَ الزُّهرِيُّ: فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِأَبِي بَكرِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ، فَأَعجَبَهُ ذَلِكَ. وَقَالَ: إِنَّ هَذَا العِلمُ، وَلَقَد سَمِعتُ رِجَالاً مِن أَهلِ العِلمِ يَقُولُونَ: إِنَّمَا كَانَ مَن لَا يَطُوفُ بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ مِن العَرَبِ، يَقُولُونَ: إِنَّ طَوَافَنَا بَينَ هَذَينِ الحَجَرَينِ مِن أَمرِ الجَاهِلِيَّةِ، وَقَالَ آخَرُونَ مِن الأَنصَارِ: إِنَّمَا أُمِرنَا بِالطَّوَافِ بِالبَيتِ وَلَم نُؤمَر بِهِ بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ، فَأَنزَلَ اللَّهُ: إِنَّ الصَّفَا وَالمَروَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ قَالَ أَبُو بَكرِ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ: فَأُرَاهَا قَد نَزَلَت فِي هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ.
ــ
ألاّ أطوف بهما)؛ إنما فهم هذا عروة من ظاهر قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ووجه فهمه أن رفع الحرج عن الفعل إنما يشعر بإباحته، لا بوجوبه، وهو مُقتضى ظاهرها؛ إذا لم يعتبر سبب نزولها. فإذا وقف على سبب نزولها تحقق الواقع عليه: أنها إنما أتت رافعة لحرج من تحرَّج من الطواف بينهما على ما يأتي.
وقد اختلف فيه قولُ عائشة، واختلف الرواة عنها في ذلك. ففي بعض الروايات عنها: أن أهل المدينة كان من أهل منهم لِمَناة؛ لم يطف بينهما. وكأن هؤلاء بقوا بعد الإسلام على ذلك الامتناع حتى أنزلت الآية. وفي بعضها: أن من أهل لإساف ونائلة بالإسلام خافوا ألا يكون مشروعًا لمن لم يهل لهما. فرفع الله تلك التوهمات كلها بقوله: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيهِ﴾ وقد ذكر أبو بكر بن عبد الرحمن عند سماعه قول عائشة ﵂ ما يدل على سببين آخرين، نص عليهما في معنى الحديث، ويرتفع الإشكال، ويصح الجمع بين هذه الروايات المختلفة بالطريق الذي سلكه أبو بكر بن عبد الرحمن؛ حيث قال: فأراها نزلت في هؤلاء
стр. 1633
وَفِي رِوَايَةٍ قَالت عائشة: إنَّ الأَنصَارَ كَانُوا قَبلَ أَن يُسلِمُوا، هُم وَغَسَّانُ يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ، فَتَحَرَّجُوا أَن يَطُوفُوا بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ سُنَّةً فِي آبَائِهِم، مَن أَحرَمَ لِمَنَاةَ لَم يَطُف بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ، وَإِنَّهُم سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَسلَمُوا فَأَنزَلَ اللَّهُ الآية.
وفي أخرى: قالت: إِنَّمَا كَانَ ذَلكَ أَنَّ الأَنصَارَ كَانُوا يُهِلُّونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ لِصَنَمَينِ عَلَى شَطِّ البَحرِ يُقَالُ لَهُمَا: إِسَافٌ وَنَائِلَةُ، ثُمَّ يَجِيئُونَ فَيَطُوفُونَ بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ، ثُمَّ يَحلِقُونَ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسلَامُ كَرِهُوا أَن طُوفُوا بَينَهُمَا، لِلَّذِي كَانُوا يَصنَعُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، قَالَت: فَأَنزَلَ اللَّهُ الآية.
ــ
وهؤلاء. فنقول: نزلت الآية جوابًا لجميع هؤلاء الذين ذكرت أسبابهم. ورافعة للحرج عنهم، والله تعالى أعلم.
و(مناة): صنم كان نصبه عمرو بن لُحَيِّ بجهة البحر بالمشلل. وهو موضع مما يلي قُدَيدًا. وقال ابن الكلبي: مناة: صخرة لهذيل بقديد.
و(قوله في الرواية الأخرى: (إن الأنصار كانوا يهلُّون في الجاهلية لصنمين على شط البحر؛ يقال لهما: إساف ونائلة) هكذا رواية أبي معاوية عند الكافة من الرواة، وعند ابن الحذَّاء: (في الجاهلية لمناة) وكانت صنمين على شط البحر. وهذا هو الصحيح، كما تقدَّم من قول الكلبي وغيره. قالوا: وأما إساف ونائلة فلم يكونا قط بجهة البحر، وإنما كانا - فيما يقال - رجل اسمه: إساف بن بقاء، ويقال: ابن عمرو، وامرأة اسمها: نائلة ابنة ذئب، ويقال: ديك، ويقال: بنت سهل؛ كانا من جُرهم زنيا في داخل الكعبة؛ فمسخهما الله حجرين، فَنُصبا عند الكعبة. وقيل: بل على الصفا والمروة، لِيُعتبر بهما ويُتَّعظ. ثم حوَّلهما قصي؛ فجعل أحدهما لصق الكعبة، والآخر بزمزم. وقيل: بل جعلهما بزمزم، ونحر عندهما، وأمر بعبادتهما، فلما فتح النبي ﷺ مكة كسرهما. والله تعالى أعلم.
стр. 1634
وفي أخرى: قَالَت عَائِشَةُ: قَد سَنَّ رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بهما.
رواه أحمد (٦/ ١٤٤)، والبخاري (١٦٤٣)، ومسلم (١٢٧٧) (٢٥٩ و ٢٦١ و ٢٦٣)، والترمذي (٢٩٦٥)، والنسائي (٥/ ٢٣٨).
* * *
ــ
وقولها: (لو كانت كما قلت؛ لكانت: فلا جناح عليه (١) ألا يطوف بهما) هذا يدل: على أن الذي روي: أنه في مصحف أُبيّ: (ألا يطوف بهما) بإثبات (ألا) ليس بصحيح؛ إذ لو كان كذلك لكانت عائشة ﵂ أعرف الناس به، ولَمَا خفي عليها، ولا على غيرها ممَّن له عناية بالقرآن.
وقولها: (قد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما)؛ سن: بمعنى شرع وبيَّن. وهو ركن واجب من أركان الحج والعمرة عند جمهور السلف، وفقهاء الخلف، كما تقدم، ولا ينجبر بالدَّم، ومن تركه، أو شوطًا منه؛ عاد إليه ما لم يُصِب النساء؛ فإن أصاب أعاد قابلاً حجة أو عمرة. واستدل الجمهور: بأن الله تعالى قد جعله من الشعائر، وفعله النبي ﷺ ، وقال: (خذوا عني مناسككم) (٢) وبحديث أم حبيبة بنت أبي تجراة الشيبية، قالت: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بين الصفا والمروة، وهو يقول: (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي) (٣) غير أن هذا الحديث تفرَّد به عبد الله بن المؤمِّل، وهو يسيء الحفظ، واستيفاء الاستدلال في مسائل الخلاف.
стр. 1635
(٣٤) باب متى يقطع الحاج التلبية ؟
[١١٣٢] عَن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ قَالَ: رَدِفتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِن عَرَفَاتٍ فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الشِّعبَ الأَيسَرَ، الَّذِي دُونَ المُزدَلِفَةِ، أَنَاخَ فَبَالَ، ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبتُ عَلَيهِ الوَضُوءَ فَتَوَضَّأَ، وُضُوءًا خَفِيفًا، ثُمَّ قُلتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَمَامَكَ فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى المُزدَلِفَةَ، فَصَلَّى، ثُمَّ رَدِفَ الفَضلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ جَمعٍ.
رواه أحمد (٥/ ٢٠٠)، والبخاري (١٦٦٩)، ومسلم (١٢٨٠)، وأبو داود (١٩٢٥)، والنسائي (١/ ٢٩٢)، وابن ماجه (٣٠١٩).
[١١٣٣] قال ابنُ عَبَّاسٍ: فَأَخبَرَنِي الفَضلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَم يَزَل يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الجَمرَةَ.
ــ
(٣٤) ومن باب: متى يقطع الحاج التلبية؟
(الشعب): الطريق في الجبل. ويعني بـ (دون المزدلفة): قربها، وناحية منها.
وقوله: (قلت: الصلاة يا رسول الله! )؛ قيدناه: الصلاة -بالنصب- على أنه مفعولٌ بفعل مضمر، تقديره: أجب الصلاة، ويجوز الرفع على الابتداء وإضمار الخبر؛ أي: الصلاة حضرت. فأما: (الصلاة أمامك) فليس إلا الرفع على الابتداء، والخبر في: (أمامك).
وقوله: (لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة)؛ أخذ بهذا جماعة من السلف، وجمهور فقهاء الأمصار: الشافعي، والثوري، وأصحاب الرأي. وروي عن مالك. ثم هل يقطعها إذا رمى أوَّل حصاة، أو حتى يُتِمَّ السبع؟ قولان عنهم.
стр. 1636
رواه البخاري (١٦٨٦)، ومسلم (١٢٨١)، وأبو داود (١٨١٥)، والترمذي (٩١٨)، والنسائي (٥/ ٢٦٨).
[١١٣٤] وعَن الفَضلِ بنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ، وَغَدَاةِ جَمعٍ لِلنَّاسِ حِينَ دَفَعُوا: عَلَيكُم بِالسَّكِينَةِ، وَهُوَ كَافٌّ نَاقَتَهُ، حَتَّى دَخَلَ مُحَسِّرًا (وَهُوَ مِن مِنًى) قَالَ عَلَيكُم بِحَصَى الخَذفِ الَّذِي يُرمَى بِهِ الجَمرَةُ. وَقَالَ: لَم يَزَل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمرَةَ العقبة.
ــ
ومشهور مذهب مالك: أنه يقطعها بعد الزوال من يوم عرفة. ورواه عن علي وابن عمر، وعائشة. وهو مذهب أكثر أهل المدينة. ثم هل يقطعها بعد الزوال، أو بعد الصلاة، أو عند الرَّواح إلى الموقف؟ ثلاثة أقوال في مذهبه. وقال ابن الجلاب: من أحرم من عرفة لبَّى حتى يرمي الجمرة. وقال الحسن بن حيي: حتى يصلِّي الغداة يوم عرفة.
وإنكار الناس على ابن مسعود التلبية بعد الإفاضة من عرفة؛ دليل على أن عملهم كان على قطعها قبل ذلك، وهو متمسَّك لمالك على أصله في ترجيح العمل على الخبر. وهذا نحو مِمَّا تقدم من إنكار النَّاس على عائشة إدخال الجنازة في المسجد.
و(الخذف): رمي الحجر بين أصبعين. قال امرؤ القيس:
كأنَّ الحصا مِن خَلفِها وأمامها (١) ... إذا نجلته رجلها خَذفُ أَعسَرا
ويعني بـ (حصا الخذف): صغار الحصا. وهذا يدلُّ على أن الجمار يُجاء
стр. 1637
وَفِي رِوَايَةٍ: وَالنبي ﷺ يشير بيده كما يخذف الإنسان.
رواه أحمد (١/ ٢٢٥)، ومسلم (١٢٨٢)، والنسائي (٥/ ٢٦٩)، وابن ماجه (٣٠٢٩).
[١١٣٥] وعَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ يَزِيدَ، أَنَّ عَبدَ اللَّهِ بن المسعود لَبَّى حِينَ أَفَاضَ الناس مِن جَمعٍ. فَقِيلَ: أَعرَابِيٌّ هَذَا؟ فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ: أَنَسِيَ النَّاسُ، أَم ضَلُّوا؛ سَمِعتُ الَّذِي أُنزِلَت عَلَيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ يَقُولُ فِي هَذَا المَكَانِ: لَبَّيكَ اللَّهُمَّ لَبَّيكَ زاد في أخرى: ثم لبى ولبينا معه.
رواه مسلم (١٢٨٣) (٢٧٠ و ٢٧١)، والنسائي (٥/ ٢٦٥).
* * *
(٣٥) باب ما يقال في الغدو من منى إلى عرفات
[١١٣٦] عن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: غَدَونَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ مِنَّا المُلَبِّي، وَمِنَّا المُكَبِّرُ.
ــ
بها إلى موضع الرمي من غير موضع الرمي لئلا يُرمى بما قد رُمِي به، وذلك لا يجوز. واستحبَّ مالك لقطها على كسرها. وغيره يستحب كسرها، وكلٌّ جائز. وتخصيص عبد الله بسورة البقرة بالذكر؛ لأن معظم أحكام الحج فيها مذكورة. والله تعالى أعلم.
(٣٥) ومن باب: ما يقال في الغدوِّ من منى إلى عرفات
ظاهر هذا الحديث؛ بل وأحاديث هذا الباب: جواز التلبية، والتكبير،
стр. 1638
وَفِي رِوَايَةٍ: وَمِنَّا المهلل، فأما نحن فنكبر.
رواه مسلم (١٢٨٤) (٢٧٢ و ٢٧٣)، وأبو داود (١٨١٦)، والنسائي (٥/ ٢٥٠).
[١١٣٧] وعَن مُحَمَّدِ بنِ أَبِي بَكرٍ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ وَهُمَا غَادِيَانِ مِن مِنًى إِلَى عَرَفَات: كَيفَ كُنتُم تَصنَعُونَ فِي هَذَا اليَومِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: كَانَ يُهِلُّ المُهِلُّ مِنَّا فَلَا يُنكَرُ عَلَيهِ، وَيُكَبِّرُ المُكَبِّرُ مِنَّا، فَلَا يُنكَرُ عَلَيهِ.
رواه البخاري (١٦٥٩)، ومسلم (١٢٨٥)(٢٧٤)، والنسائي (٥/ ٢٥٠).
* * *
ــ
والتهليل بالغدوِّ إلى عرفات، والإفاضة منها. وبذلك قال مالك وغيره، ولا نعلم خلافًا في جواز ذلك؛ مع أن التلبية أفضل في الحج والعمرة إلى وقت قطعها، وقد ذكرنا متى يقطعها الحاج. فأما المعتمرون: فعند مالك إن أحرم من التنعيم فيقطعها إذا رأى الحرم. وعنه: أنه إن أحرم من الجعرانة قطع إذا دخل مكة (١). وعند أبي حنيفة، والشافعي: يقطعها المعتمر إذا ابتدأ الطواف. ولم يفرقا بين القرب والبعد.
* * *
стр. 1639
(٣٦) باب الإفاضة من عرفة والصلاة بمزدلفة
[١١٣٨] عَن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ قال: دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعبِ نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَم يُسبِغ الوُضُوءَ.
- وَفِي رِوَايَةٍ: تَوضأ وضوءا خفيفا - فَقُلتُ لَهُ: الصَّلَاةَ قَالَ: الصَّلَاةُ أَمَامَكَ فَرَكِبَ فَلَمَّا جَاءَ المُزدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، فَأَسبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَت الصَّلَاةُ، فَصَلَّى المَغرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَت العِشَاءُ فَصَلَّاهَا، وَلَم يُصَلِّ بَينَهُمَا شَيئًا.
ــ
(٣٦) ومن باب الإفاضة من عرفة والصلاة بمزدلفة (١)
قوله في حديث أسامة: (أنه ﷺ نزل فبال، ثم توضأ، ولم يسبغ الوضوء)؛ أي: لم يكمله. وهل اقتصر على بعض الأعضاء؛ فيكون وضوءًا لغويًا؟ أو اقتصر على بعض الأعداد - وهو الواحدة مع استيفاء الأعضاء - فيكون وضوءًا شرعيًّا؟ قولان لأهل الشرح. وكلاهما محتمل. وقد عضد من قال بالشرعي قوله بقول الراوي: (وضوءًا خفيفًا). فإنه لا يقال في النَّاقص من الأصل: خفيف؛ وإنما يقال: خفيف؛ في ناقص الكيفية. ولا خلاف في أن قوله: (فأسبغ الوضوء): أنه شرعي.
وقوله: (ثم أقيمت الصلاة، فصلَّى المغرب، ثم أقيمت العشاء)؛ دليل على جواز على الإقامة في الجمع من غير أذان. وقد تقدم الخلاف في ذلك في حديث جابر، وأنه ذكر فيه الأذان للأولى. ويحتمل قوله: (أقيمت) - هاهنا -: شرع فيها، ففعلت بأحكامها، كما يقال: أقيمت السُّوق، إذا حرك فيها ما يليق بها من البيع والشراء. ولم يقصدِ الإخبار عن الإقامة، بل عن الشروع.
стр. 1640
وَفِي رِوَايَةٍ: فَرَكِبَ حَتَّى جِئنَا المُزدَلِفَةَ، فَأَقَامَ المَغرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ النَّاسُ فِي مَنَازِلِهِم، وَلَم يَحُلُّوا حَتَّى أَقَامَ العِشَاءَ الآخِرَةَ فَصَلَّى، ثُمَّ حَلُّوا قُلتُ: وَكَيفَ فَعَلتُم حِينَ أَصبَحتُم؟ قَالَ: رَدِفَهُ الفَضلُ بنُ عَبَّاسٍ، وَانطَلَقتُ أَنَا فِي سُبَّاقِ قُرَيشٍ عَلَى رِجلَيَّ.
تقدم تخريجه برقم (١١٣٢) باب رقم (٣٤).
[١١٣٩] وعن هِشَامٌ، عَن أَبِيهِ قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ، وَأَنَا شَاهِدٌ (أَو قَالَ: سَأَلتُ أُسَامَةَ بنَ زَيدٍ) وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَردَفَهُ مِن عَرَفَاتٍ: كَيفَ
ــ
وقوله: (ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله)؛ يعني: أنهم بادروا بالمغرب عند وصولهم إلى المزدلفة، فصلوها قبل أن يُنَوِّخوا إبلهم، ثم لما فرغوا من صلاة المغرب نوَّخوها، ولم يحلُّوا رحالهم من عليها، كما قال في الرواية الأخرى؛ وكأنها شوَّشت عليهم بقيامها، فأزالوا ما شوَّش عليهم. ويُستدل به على جواز العمل اليسير بين الصلاتين المجموعتين.
وقوله: (ولم يصل بينهما شيئًا)؛ حجَّة على من أجاز التنفل بين الصلاتين المجموعتين. وهو قول ابن حبيب من أصحابنا. وخالفه بقية أصحابنا، فمنعوه.
وقوله: (ولم يَحلُّوا) - بضم الحاء -؛ يعني: أنهم لم يَحلُّوا رحالهم، ولا سبيل إلى كسر الحاء، كما توهمه من جَهِل.
وقوله: (كيف فعلتم حين أصبحتم؟ قال: رَدِفَه الفضلُ ابن عباس، وانطلقتُ أنا في سُبَّاق قريش على رجليّ)؛ فظهر منه أن هذا الجواب غير مطابق لما سأله عنه، فإنه سأله عن كيفية صنعهم للنسك، فأجابه بإردافه الفضل بن العباس، وسبقه على رجليه. وليس كذلك، بل هو مُطابقٌ؛ لأنه أخبره بما يتضمن نفرهم من المزدلفة إلى منى، فكأنه قال: نفرنا إلى منى.
стр. 1641
كَانَ سِيرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَفَاضَ مِن عَرَفَةَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ العَنَقَ فَإِذَا وَجَدَ فَجوَةً نَصَّ، قَالَ هِشَامٌ: وَالنَّصُّ فَوقَ العَنَقِ.
رواه البخاري (١٦٦٦)، ومسلم (١٢٨٦) (٢٨٣ و ٢٨٤)، وأبو داود (١٩٢٣)، والنسائي (٥/ ٢٥٩).
[١١٤٠] وعن ابن عمر قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَينَ المَغرِبِ، وَالعِشَاءِ بِجَمعٍ لَيسَ بَينَهُمَا سَجدَةٌ، وَصَلَّى المَغرِبَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَصَلَّى العِشَاءَ رَكعَتَينِ.
- وَفِي رِوَايَةٍ: بِإِقَامِةٍ واحدة - فَكَانَ عَبدُ اللَّهِ يُصَلِّي بِجَمعٍ كَذَلِكَ، حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ .
رواه البخاري (١٦٦٨)، ومسلم (١٢٨٨) (٢٨٧ و ٢٨٩)، وأبو داود (١٩٢٦)، والنسائي (٥/ ٢٦٤).
* * *
ــ
و(العَنَق): سيرٌ فيه رفق. و (الفجوة): المتسع من الأرض. و (النص): أرفع السير؛ ويعني: أنه كان إذا زاحمه الناس سار برفق لأجلهم، وإذا زال الزحام أسرع. وهذا يدل: على أن أصل المشروعية في ذلك الموضع الإسراع.
وقوله: (ليس بينهما سجدة)؛ يعني به: الركعة، وقد تقدم أن ذلك كلام أهل الحجاز، ويسمون الركعة: سجدة (١) وقدّمنا أن الجمع بين الصلاتين بعرفة والمزدلفة مجمعٌ عليه، وأنه اختلف فيما سوى ذلك في كتاب الصلاة.
وقوله: (بإقامة واحدة)؛ ظاهره للصلاتين، وهو خلاف ما تقدم. ويحتمل أن يريد به إقامة واحدة لكل صلاة. ويتحرَّز بذلك من الأذان. وقد تقدم: أن جمعًا، والمزدلفة، والمشعر الحرام، وقزح، أسماءٌ لموضع واحد.
стр. 1642
(٣٧) باب التغليس بصلاة الصبح بالمزدلفة والإفاضة منها، وتقديم الظغن والضعفة
[١١٤١] عَن عَبدِ اللَّهِ، قَالَ: مَا رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا لِمِيقَاتِهَا، إِلَّا صَلَاتَينِ: صَلَاةَ المَغرِبِ، وَالعِشَاءِ بِجَمعٍ، وَصَلَّى الفَجرَ يَومَئِذٍ قَبلَ مِيقَاتِهَا.
وَفِي رِوَايَةِ: قَبلَ وَقتِهَا بِغَلَسٍ.
رواه أحمد (١/ ٤٣٤)، والبخاري (١٦٨٢)، ومسلم (١٢٨٩).
ــ
(٣٧) ومن باب: التغليس بصلاة الصبح بالمزدلفة
قول ابن مسعود: (إنه ﷺ صلَّى الفجر يومئذ قبل ميقاتها) لا يفهم من ذلك: أنه يعني بذلك: أنه أوقع صلاة الصبح قبل طلوع الفجر، فإن ذلك باطل بالأدلة القاطعة؛ وإنما يعني بذلك: أنه ﷺ أوقع الصبح يومئذ قبل الوقت الذي كان يوقعها فيه في غير ذلك اليوم، وذلك أنه ﷺ (١) كان إذا أتاه المؤذن يخبره (٢) بالفجر صلَّى ركعتي الفجر في بيته، وربما تأخر قليلاً ليجتمعوا، ثم يخرج فيصلي، ومع ذلك فكان يصلِّيها بغلس كما قال ابن عباس، وعائشة، وغيرهما. وأما في هذا اليوم: فكان الناس مجتمعين والفجر نصب أعينهم، فبأول طلوع الفجر ركع ركعتي الفجر، وشرع في صلاة الصبح، ولم يتربَّص لاجتماع الناس، وليتفرغوا للدعاء، فصار فعل هذه الصلاة في هذا اليوم قبل وقتها المعتاد.
و(حطم الناس): زحمتهم؛ لأن بعضهم يحطم بعضًا من أجل الزحام، وأصل الحطم: كسر الحطام،
стр. 1643
[١١٤٢] وعَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: استَأذَنَت سَودَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيلَةَ المُزدَلِفَةِ، تَدفَعُ قَبلَهُ، وَقَبلَ حَطمَةِ النَّاسِ، وَكَانَت امرَأَةً ضخمة ثَبِطَةً، قَالَت: فَأَذِنَ لَهَا، فَخَرَجَت قَبلَ دَفعِةِ الناس، وَحَبَسَنَا حَتَّى أَصبَحنَا، فَدَفَعنَا بِدَفعِهِ، وَلَأَن أَكُونَ استَأذَنتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَمَا استَأذَنَتهُ سَودَةُ، فَأَكُونَ أَدفَعُ بِإِذنِهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِن مَفرُوحٍ بِهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَت عَائِشَةَ: فَاستَأذَنَت سَودَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَن تُفِيضَ مِن جَمعٍ بِلَيلٍ. فَأَذِنَ لَهَا. وفيها وكانت عَائِشَةُ: لا تفيض إلا مع الإمام.
وفي أخرى: قَالَت عَائِشَةُ: وَدَدَتُ أني كنت استَأذَنتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا استَأذَنَتهُ سَودَةُ، فَأُصَلِّي الصُّبحَ بِمِنًى، فَأَرمِي الجَمرَةَ قَبلَ أَن يَأتِيَ النَّاسُ.
رواه البخاري (١٦٨٠)، ومسلم (١٢٩٠)، والنسائي (٥/ ٢٩٢)، وابن ماجه (٣٠٢٧).
ــ
وهو اليابس من الزرع وغيره.
و(الثبطة): الثقيلة، كأنها تثبط بالأرض؛ أي: تتثبت، وتتحبس.
و(المَفرُوح به): هو كل شيء مُعجِبٌ، له بالٌ، بحيث يُفرح به؛ كما قد جاء في غير موضع: (هو أحب إليَّ من حمر النعم).
و(الظعن): جمع ظعينة. وهن النساء في الهوادج. و (هنتاه): منادى: هنة؛ التي هي مؤنث هن؛ الذي هو كناية عن نكرة؛ كشيء، ونحوه. ولا يستعمل: هناه، ولا هنتاه إلا في النداء خاصة. ونون هنتاه ساكنة، وأصل هائه أن تكون ساكنة؛ لأنها للسكت، لكنهم قد شبهوها بالضمائر فأثبتوها في الوصل، وضموها، كما قال امرؤ القيس:
وقد رابَنِي قَولُها يا هَنا ... هُ وَيحَكَ ألحَقتَ شَرًّا بِشَرِّ
فقولهم: يا هناه؛ كقولك: يا رجلُ. و: يا هنتاه؛ كـ: يا امرأة.
стр. 1644
[١١٤٣] وعن عَبدُ اللَّهِ مَولَى أَسمَاءَ، قَالَ: قَالَت لِي أَسمَاءُ: وَهِيَ عِندَ دَارِ المُزدَلِفَةِ: هَل غَابَ القَمَرُ؟ قُلتُ: لَا. فَصَلَّت سَاعَةً. ثُمَّ قَالَت:
ــ
وفي هذه الأحاديث ما يدل على أن الكون بالمزدلفة بعد الوقوف بعرفة من شعائر الحج، ومناسكه. ولا خلاف في ذلك؛ إلا خلافًا شاذًّا روي عن عطاء، والأوزاعي: أن جمعًا منزل كسائر منازل السَّفر، من شاء طواه، ومن شاء نزل به، ورحل متى شاء.
ثم اختلف القائلون: بأنه مشروع. فمنهم من ذهب إلى أنه ركن يبطل الحج بفواته. وإليه ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام. وقال علقمة، والشعبي، والنخعي: من فاته جمع، ولم يقف به؛ فقد فاته الحج. والجمهور: على أنه يلزمه بفواته دم والحج صحيح.
ثم اختلف في القدر الذي يجزئ من ذلك. فقال الشافعي: إن خرج منها بعد نصف الليل فلا شيء عليه. وإن كان قبل ولم يعد إليها؛ افتدى بشاة. وقال مالك: من نزل بها؛ فلا دم عليه في أي وقت دفع منها، وإن مرّ ولم ينزل؛ فعليه الدم.
وأما الوقوف بالمشعر الحرام: فقد صار الشافعي، والنخعي، والأوزاعي: إلى أنه إن فاته الوقوف به؛ فقد فاته الحج. واختلف فيه عن الثوري. والجمهور: على أنه ليس بواجب. ثم اختلفوا. فقال الكوفيون، وفقهاء أصحاب الحديث: على تاركه دم. وذهب مالك: إلى أنه مستحب، ولا يجب بتركه دم.
وسبب هذا الخلاف معارضة ظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضتُم مِن عَرَفَاتٍ فَاذكُرُوا اللَّهَ عِندَ المَشعَرِ الحَرَامِ﴾؛ لما ثبت من السنة في إذنه ﷺ لضعفة أهله في الدفع من المزدلفة قبل طلوع الفجر إلى منى، ولم يأمرهم بالوقوف، ولا بالدم على الترك (١)، فدلّ ذلك على أنه ليس بواجب، ولا في تركه دم، وما أمر به عبد الله بن عمر مَن قدَّمه من ضعفة أهله من الوقوف عند المشعر الحرام، فذلك على جهة الاستحباب (٢) منه، وهو حسنٌ لمن فعله. وهذه
стр. 1645
يَا بُنَيَّ هَل غَابَ القَمَرُ؟ قُلتُ: نَعَم قَالَت: ارحَل بنِي! فَارتَحَلنَا حَتَّى رَمَت الجَمرَةَ، ثُمَّ صَلَّت فِي مَنزِلِهَا. فَقُلتُ: لَهَا أَي هَنتَاه لَقَد غَلَّسنَا قَالَت: كَلَّا أَي بُنَيَّ! إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ لِلظُّعُنِ.
رواه البخاري (١٦٧٩)، ومسلم (١٢٩١)، وأبو داود (١٩٤٣)، والنسائي (٥/ ٢٦٦).
[١١٤٤] وعن أُمِّ حَبِيبَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ بِهَا مِن جَمعٍ بِلَيلٍ، وَفِي رِوَايَةِ: نُغَلِّسُ.
رواه مسلم (١٢٩٢) (٢٩٨ و ٢٩٩)، والنسائي (٥/ ٢٦٢).
ــ
الأحاديث تدل على أن الدفع للضَّعفة من المزدلفة قبل طلوع الفجر رخصة، ولا خلاف في أن الأولى والأفضل المكث بالمزدلفة إلى أن يُصلِّى الفجر بها، ثم يقف بالمشعر الحرام، ثم يدفع منها بعد ذلك، كما فعله النبي ﷺ . ثم هل تلك الرخصة تختص بالإمام أو تتعدى إلى غيره ممن يحتاج إلى ذلك؟ قولان عندنا. وابن عمر راوي الحديث فهم التعدِّي، وأن من احتاج إلى ذلك فعله، وهو الصحيح.
وقوله: (فارتحلت حتى رمت الجمرة، ثم صلت في منزلها)؛ يعني: صلاة الصبح. وظاهره: أن أسماء رمت الجمرة قبل طلوع الفجر. وهو متمسك الشافعي على قوله بجواز رمي الجمرة من نصف الليل. وذهب الثوري، والنخعي: إلى أنها لا ترمى إلا بعد طلوع الشمس؛ متمسكين بما في كتاب النسائي من حديث ابن عباس: أنه ﷺ قدَّم ضعفة أهله، وأمرهم ألا يرموا حتى تطلع الشمس (١). وهو صحيح. ومذهب مالك: أن الرمي يحلُّ بطلوع الفجر. متمسِّكًا بقول عائشة:
стр. 1646
[١١٤٥] وعن ابنَ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَ بِي نبي اللَّهِ ﷺ بِسَحَرٍ مِن جَمعٍ فِي ثَقَلِ نَبِيِّ اللَّهِ.
رواه البخاري (١٦٧٧)، ومسلم (١٢٩٤)، وأبو داود (١٩٣٩)، والترمذي (٨٩٢)، والنسائي (٥/ ٢٦١)، وابن ماجه (٣٠٢٦).
[١١٤٦] وعن سَالِمَ بنَ عَبدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ كَانَ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهلِهِ، فَيَقِفُونَ عِندَ المَشعَرِ الحَرَامِ بِالمُزدَلِفَةِ بِاللَّيلِ، فَيَذكُرُونَ اللَّهَ مَا بَدَا لَهُم، ثُمَّ يَدفَعُونَ قَبلَ أَن يَقِفَ الإِمَامُ، وَقَبلَ أَن يَدفَعَ فَمِنهُم مَن يَقدَمُ مِنًى لِصَلَاةِ الفَجرِ، وَمِنهُم مَن يَقدَمُ بَعدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوا الجَمرَةَ وَكَانَ ابنُ عُمَرَ يَقُولُ: أَرخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
رواه البخاري (١٦٧٦)، ومسلم (١٢٩٥).
* * *
ــ
فأصلي الصبح بمنًى، وأرمي الجمرة (١). وبحديث ابن عمر، وإليه ذهب أحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
و(قول ابن عباس: بعثني رسول الله ﷺ من جمع في ثَقَله بسَحَر)؛ بغير صرف، وهو الصواب؛ لأنه سحر معينٌ. و (ثقل): بفتح الثاء والقاف: وهو الشيء الذي يثقل حامله (٢).
* * *
стр. 1647
(٣٨) باب رمي جمرة العقبة
[١١٤٧] عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ يَزِيدَ قَالَ: رَمَى عَبدُ اللَّهِ بنُ مَسعُودٍ جَمرَةَ العَقَبَةِ مِن بَطنِ الوَادِي، بِسَبعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ.
زَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَجَعَلَ البيت عن يساره، ومنى عن يمينه - قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ نَاسًا يَرمُونَهَا مِن فَوقِهَا. فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ مَسعُودٍ: هَذَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيرُهُ مَقَامُ الَّذِي أُنزِلَت عَلَيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ.
رواه أحمد (١/ ٤١٥)، والبخاري (١٧٤٨)، ومسلم (١٢٩٦) (٣٠٥ و ٣٠٧)، وأبو داود (١٩٧٤)، والترمذي (٩٠١)، والنسائي (٥/ ٢٧٣).
ــ
(٣٨) ومن باب: رمي جمرة العقبة
الجمهور: على أن رمي جمرة العقبة سُنَّة مؤكدة، يجب بتركها دم، وذهب عبد الملك: إلى أنها ركن من أركان الحج، وعليه: فإن تَرَكَها بَطل حجّه كسائر الأركان. ولا خلاف في أنها ترمى بسبع يوم النحر قبل الزوال، ولا خلاف في استحباب رميها - على ما في حديث ابن مسعود - من بطن الوادي، والبيت عن يساره، ومنى عن يمينه، وإن رميها من غير ذلك جائز إذا رمى في موضع الرَّمي. وقد روي: أن عمر جاء فوجد الزحام، فرماها من فوقها. ولا خلاف في استحباب التكبير مع كل حصاة، غير أنه حكى الطبري عن بعض الناس أنه قال: إنما جُعل الرمي حفظًا للتكبير، فلو ترك الرمي تارك وكبَّر أجزأه، وروي نحوه عن عائشة ﵂. وهو خلاف شاذّ. وكان ابن عمر، وابن مسعود يقولان عند رمي الجمار: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا. وتُرمى سائر الجمار ما عدا جمرة العقبة من فوقها. وكل جمرة ترمي بسبع، فمن رماها بأقل، وفاته جَبر ذلك
стр. 1648
[١١٤٨] وعن جَابِر بن عبد الله قال: رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَومَ النَّحرِ، وَيَقُولُ لنا: خذوا عني مَنَاسِكَكُم، فَإِنِّي لَا أَدرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعدَ حَجَّتِي هَذِهِ.
رواه مسلم (١٢٩٧)، وأبو داود (١٩٧٠)، والنسائي (٥/ ٢٧٠).
ــ
كان عليه دم عند مالك، والأوزاعي، وذهب الشافعي وأبو ثور: إلى أن على تارك حصاة مدًّا من طعام، وفي اثنتين مُدَّان، وفي ثلاث فأكثر دم. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لو ترك أقل من نصف الجمرات الثلاث ففي كل حصاة نصف صاع، وإن كان أكثر من نصفها فعليه دم. وقال مالك: إن نسي جمرة تامة أو الجمار كلها فعليه بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة. وقال عطاء فيمن رمى بخمس، ومجاهد فيمن رمى بست: لا شيء عليه. واتفقوا: على أنه بخروج أيام التشريق يفوت الرَّمي إلا ما قاله أبو مصعب: أنه يرمي ما ذكر كمن نسي صلاة؛ يصليها متى ما ذكرها.
و(قوله لنا: (خذوا مناسككم)؛ صحيح روايتنا فيه: (لنا) بلام الجر المفتوحة، والنون، وهو الأفصح. وقد روي: (لتأخذوا) بكسر اللام للأمر، وبالتاء باثنتين من فوقها، وهي لغة شاذة. وقد قرأ بها رسول الله ﷺ : ﴿فَبِذَلِكَ فَليَفرَحُوا﴾ (١) وهو أمر للاقتداء به، وحوالة على فعله الذي وقع به البيان لمجملات الحج في كتاب الله. وهذا كقوله لما صلى: (صلُّوا كما رأيتموني أصلي) (٢). ويلزم من هذين الأمرين: أن يكون الأصل في أفعال الصلاة والحج
стр. 1649
[١١٤٩] وعَن أُمِّ الحُصَينِ قالت: حَجَجتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَجَّةَ الوَدَاعِ، فَرَأَيتُهُ حِينَ رَمَى جَمرَةَ العَقَبَةِ، وَانصَرَفَ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَمَعَهُ بِلَالٌ، وَأُسَامَةُ: أَحَدُهُمَا يَقُودُ بِهِ رَاحِلَتَهُ، وَالآخَرُ يَرفَعُ ثَوبَهُ عَلَى رَأسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن الشَّمسِ، قَالَت: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَولاً كَثِيرًا، ثُمَّ
ــ
الوجوب؛ إلا ما خرج بدليلٍ؛ كما ذهب إليه أهل الظاهر، وحكي عن الشافعي.
وكونه ﷺ رمى راكبًا لِيُظهر للناس فعله على ما قررناه في طوافه، وسعيه في حديث جابر.
و(قوله: (والآخر يرفع ثوبه على رأس رسول الله ﷺ من الشمس)؛ تعلق بهذا من جوَّز المحرم، وقد تقدَّم (١)، وكره مالك ذلك، وأجاب بعض أصحابه عن هذا الحديث: بأن هذا القدر لا يكاد يدوم. كما أجاز مالك للمحرم أن يستظل بيده. وقال: ما أيسر ما يذهب ذلك، وقد روي: أن عمر ﵁ رأى رجلاً جعل ظلاً على مَحمَلِه؛ فقال: أضح لمن أحرمت له، أي: ابرز إلى الضحاء. وقال الرياشيّ: رأيت أحمد بن المعدِّل في يوم شديد الحرِّ، فقلت: يا أبا الفضل! هلا استظللت! فإن في ذلك توسعة فيه، فأنشد:
ضَحِيتُ لَهُ كَي أستَظِلَّ بِظِلِّهِ ... إذا الظِّلُّ أضحَى في القِيَامَةِ قَالِصا
فَوَا أَسَفا إن كان سَعيُكَ ضَائِعًا ... وواحَسرَتا إن كان أجرُكَ ناقِصًا
قال صاحب الأفعال: يقال: ضحيت، وضحوت، ضحيًا، وضحوًا: برزت للشمس. وضحيت، ضحًا: أصابتني الشمس. قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظمَأُ فِيهَا وَلا تَضحَى﴾
стр. 1650
سَمِعتُهُ يَقُولُ: إِن استعمل عَلَيكُم عَبدٌ مُجَدَّعٌ (حَسِبتُهَا قَالَت) يَقُودُكُم بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا.
رواه أحمد (٦/ ٤٠٢)، ومسلم (١٢٩٨)(٣١١)، والترمذي (١٧٠٦)، والنسائي (٧/ ١٥٤)، وابن ماجه (١٨٦١).
[١١٥٠] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قال: رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ رَمَى الجَمرَةَ بِمِثلِ حَصَى الخَذفِ.
رواه مسلم (١٢٩٩)، والترمذي (٨٩٧)، والنسائي (٥/ ٢٧٨).
[١١٥١] وعنه قَالَ: رَمَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الجَمرَةَ يَومَ النَّحرِ ضُحًى
ــ
وقوله: (وإن استُعمل عليكم عبدٌ مجدَّعٌ): أي: مقطوع الأنف أو الأطراف. والجدع: القطع. والعبد الذي يكون في هذه الضعة هو في نهاية الضعة والخِسَّة. ويفهم منه: وجوب الطاعة لمن ولي شيئًا من أمور المسلمين إذا عدل فيهم. ولا تنزع يد من طاعته، ولا ينظر إلى نسبه ومنصبه، فيما عدا الإمامة الكبرى.
و(قوله: (رمى الجمرة بمثل حصى الخذف)؛ قد تقدَّم: أن معنى الخذف: رمي الحصى الصغار. واختلف في مقدارها. وكلهم يكرهون الكبار؛ لما جاء عنه ﷺ : أنه قال في هذا: (إيَّاكم والغلوّ في الدِّين) (١). وأكثر ما قيل في ذلك: ما روي عن ابن عباس: أن حصاه كان مثل البندقة. وقال عطاء: مثل طرف الإصبع. وقال الشافعي: أصغر من الأنملة طولاً وعرضًا. وروي عن ابن عمر: مثل بعر الغنم. وروي عن مالك: أكبر من ذلك أعجب إلي.
و(قوله: رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضحًى)؛ لا خلاف في أن هذا