← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

[١١٤٥] وعن ابنَ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَ بِي نبي اللَّهِ ﷺ بِسَحَرٍ مِن جَمعٍ فِي ثَقَلِ نَبِيِّ اللَّهِ. رواه البخاري (١٦٧٧)، ومسلم (١٢٩٤)، وأبو داود (١٩٣٩)، والترمذي (٨٩٢)، والنسائي (٥/ ٢٦١)، وابن ماجه (٣٠٢٦). [١١٤٦] وعن سَالِمَ بنَ عَبدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ كَانَ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهلِهِ، فَيَقِفُونَ عِندَ المَشعَرِ الحَرَامِ بِالمُزدَلِفَةِ بِاللَّيلِ، فَيَذكُرُونَ اللَّهَ مَا بَدَا لَهُم، ثُمَّ يَدفَعُونَ قَبلَ أَن يَقِفَ الإِمَامُ، وَقَبلَ أَن يَدفَعَ فَمِنهُم مَن يَقدَمُ مِنًى لِصَلَاةِ الفَجرِ، وَمِنهُم مَن يَقدَمُ بَعدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوا الجَمرَةَ وَكَانَ ابنُ عُمَرَ يَقُولُ: أَرخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . رواه البخاري (١٦٧٦)، ومسلم (١٢٩٥). * * * ــ فأصلي الصبح بمنًى، وأرمي الجمرة (١). وبحديث ابن عمر، وإليه ذهب أحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. و(قول ابن عباس: بعثني رسول الله ﷺ من جمع في ثَقَله بسَحَر)؛ بغير صرف، وهو الصواب؛ لأنه سحر معينٌ. و (ثقل): بفتح الثاء والقاف: وهو الشيء الذي يثقل حامله (٢). * * *

стр. 1647

(٣٨) باب رمي جمرة العقبة [١١٤٧] عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ يَزِيدَ قَالَ: رَمَى عَبدُ اللَّهِ بنُ مَسعُودٍ جَمرَةَ العَقَبَةِ مِن بَطنِ الوَادِي، بِسَبعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ. زَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَجَعَلَ البيت عن يساره، ومنى عن يمينه - قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ نَاسًا يَرمُونَهَا مِن فَوقِهَا. فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ مَسعُودٍ: هَذَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيرُهُ مَقَامُ الَّذِي أُنزِلَت عَلَيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ. رواه أحمد (١/ ٤١٥)، والبخاري (١٧٤٨)، ومسلم (١٢٩٦) (٣٠٥ و ٣٠٧)، وأبو داود (١٩٧٤)، والترمذي (٩٠١)، والنسائي (٥/ ٢٧٣). ــ (٣٨) ومن باب: رمي جمرة العقبة الجمهور: على أن رمي جمرة العقبة سُنَّة مؤكدة، يجب بتركها دم، وذهب عبد الملك: إلى أنها ركن من أركان الحج، وعليه: فإن تَرَكَها بَطل حجّه كسائر الأركان. ولا خلاف في أنها ترمى بسبع يوم النحر قبل الزوال، ولا خلاف في استحباب رميها - على ما في حديث ابن مسعود - من بطن الوادي، والبيت عن يساره، ومنى عن يمينه، وإن رميها من غير ذلك جائز إذا رمى في موضع الرَّمي. وقد روي: أن عمر جاء فوجد الزحام، فرماها من فوقها. ولا خلاف في استحباب التكبير مع كل حصاة، غير أنه حكى الطبري عن بعض الناس أنه قال: إنما جُعل الرمي حفظًا للتكبير، فلو ترك الرمي تارك وكبَّر أجزأه، وروي نحوه عن عائشة ﵂. وهو خلاف شاذّ. وكان ابن عمر، وابن مسعود يقولان عند رمي الجمار: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا. وتُرمى سائر الجمار ما عدا جمرة العقبة من فوقها. وكل جمرة ترمي بسبع، فمن رماها بأقل، وفاته جَبر ذلك

стр. 1648

[١١٤٨] وعن جَابِر بن عبد الله قال: رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَومَ النَّحرِ، وَيَقُولُ لنا: خذوا عني مَنَاسِكَكُم، فَإِنِّي لَا أَدرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعدَ حَجَّتِي هَذِهِ. رواه مسلم (١٢٩٧)، وأبو داود (١٩٧٠)، والنسائي (٥/ ٢٧٠). ــ كان عليه دم عند مالك، والأوزاعي، وذهب الشافعي وأبو ثور: إلى أن على تارك حصاة مدًّا من طعام، وفي اثنتين مُدَّان، وفي ثلاث فأكثر دم. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لو ترك أقل من نصف الجمرات الثلاث ففي كل حصاة نصف صاع، وإن كان أكثر من نصفها فعليه دم. وقال مالك: إن نسي جمرة تامة أو الجمار كلها فعليه بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة. وقال عطاء فيمن رمى بخمس، ومجاهد فيمن رمى بست: لا شيء عليه. واتفقوا: على أنه بخروج أيام التشريق يفوت الرَّمي إلا ما قاله أبو مصعب: أنه يرمي ما ذكر كمن نسي صلاة؛ يصليها متى ما ذكرها. و(قوله لنا: (خذوا مناسككم)؛ صحيح روايتنا فيه: (لنا) بلام الجر المفتوحة، والنون، وهو الأفصح. وقد روي: (لتأخذوا) بكسر اللام للأمر، وبالتاء باثنتين من فوقها، وهي لغة شاذة. وقد قرأ بها رسول الله ﷺ : ﴿فَبِذَلِكَ فَليَفرَحُوا﴾ (١) وهو أمر للاقتداء به، وحوالة على فعله الذي وقع به البيان لمجملات الحج في كتاب الله. وهذا كقوله لما صلى: (صلُّوا كما رأيتموني أصلي) (٢). ويلزم من هذين الأمرين: أن يكون الأصل في أفعال الصلاة والحج

стр. 1649

[١١٤٩] وعَن أُمِّ الحُصَينِ قالت: حَجَجتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَجَّةَ الوَدَاعِ، فَرَأَيتُهُ حِينَ رَمَى جَمرَةَ العَقَبَةِ، وَانصَرَفَ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَمَعَهُ بِلَالٌ، وَأُسَامَةُ: أَحَدُهُمَا يَقُودُ بِهِ رَاحِلَتَهُ، وَالآخَرُ يَرفَعُ ثَوبَهُ عَلَى رَأسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن الشَّمسِ، قَالَت: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَولاً كَثِيرًا، ثُمَّ ــ الوجوب؛ إلا ما خرج بدليلٍ؛ كما ذهب إليه أهل الظاهر، وحكي عن الشافعي. وكونه ﷺ رمى راكبًا لِيُظهر للناس فعله على ما قررناه في طوافه، وسعيه في حديث جابر. و(قوله: (والآخر يرفع ثوبه على رأس رسول الله ﷺ من الشمس)؛ تعلق بهذا من جوَّز المحرم، وقد تقدَّم (١)، وكره مالك ذلك، وأجاب بعض أصحابه عن هذا الحديث: بأن هذا القدر لا يكاد يدوم. كما أجاز مالك للمحرم أن يستظل بيده. وقال: ما أيسر ما يذهب ذلك، وقد روي: أن عمر ﵁ رأى رجلاً جعل ظلاً على مَحمَلِه؛ فقال: أضح لمن أحرمت له، أي: ابرز إلى الضحاء. وقال الرياشيّ: رأيت أحمد بن المعدِّل في يوم شديد الحرِّ، فقلت: يا أبا الفضل! هلا استظللت! فإن في ذلك توسعة فيه، فأنشد: ضَحِيتُ لَهُ كَي أستَظِلَّ بِظِلِّهِ ... إذا الظِّلُّ أضحَى في القِيَامَةِ قَالِصا فَوَا أَسَفا إن كان سَعيُكَ ضَائِعًا ... وواحَسرَتا إن كان أجرُكَ ناقِصًا قال صاحب الأفعال: يقال: ضحيت، وضحوت، ضحيًا، وضحوًا: برزت للشمس. وضحيت، ضحًا: أصابتني الشمس. قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظمَأُ فِيهَا وَلا تَضحَى﴾

стр. 1650

سَمِعتُهُ يَقُولُ: إِن استعمل عَلَيكُم عَبدٌ مُجَدَّعٌ (حَسِبتُهَا قَالَت) يَقُودُكُم بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا. رواه أحمد (٦/ ٤٠٢)، ومسلم (١٢٩٨) (٣١١)، والترمذي (١٧٠٦)، والنسائي (٧/ ١٥٤)، وابن ماجه (١٨٦١). [١١٥٠] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قال: رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ رَمَى الجَمرَةَ بِمِثلِ حَصَى الخَذفِ. رواه مسلم (١٢٩٩)، والترمذي (٨٩٧)، والنسائي (٥/ ٢٧٨). [١١٥١] وعنه قَالَ: رَمَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الجَمرَةَ يَومَ النَّحرِ ضُحًى ــ وقوله: (وإن استُعمل عليكم عبدٌ مجدَّعٌ): أي: مقطوع الأنف أو الأطراف. والجدع: القطع. والعبد الذي يكون في هذه الضعة هو في نهاية الضعة والخِسَّة. ويفهم منه: وجوب الطاعة لمن ولي شيئًا من أمور المسلمين إذا عدل فيهم. ولا تنزع يد من طاعته، ولا ينظر إلى نسبه ومنصبه، فيما عدا الإمامة الكبرى. و(قوله: (رمى الجمرة بمثل حصى الخذف)؛ قد تقدَّم: أن معنى الخذف: رمي الحصى الصغار. واختلف في مقدارها. وكلهم يكرهون الكبار؛ لما جاء عنه ﷺ : أنه قال في هذا: (إيَّاكم والغلوّ في الدِّين) (١). وأكثر ما قيل في ذلك: ما روي عن ابن عباس: أن حصاه كان مثل البندقة. وقال عطاء: مثل طرف الإصبع. وقال الشافعي: أصغر من الأنملة طولاً وعرضًا. وروي عن ابن عمر: مثل بعر الغنم. وروي عن مالك: أكبر من ذلك أعجب إلي. و(قوله: رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضحًى)؛ لا خلاف في أن هذا

стр. 1651

وَأَمَّا بَعدُ فَإِذَا زَالَت الشَّمسُ. رواه البخاري تعليقًا (٣/ ٥٧٩)، ومسلم (١٢٩٩) (٣١٤)، وأبو داود (١٩٧١)، والترمذي (٨٩٤)، والنسائي (٥/ ٢٧٠)، وابن ماجه (٣٠٥٣). [١١٥٢] وعَنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الِاستِجمَارُ تَوٌّ، وَرَميُ ــ هو الوقت الأحسن لرميها. واختلف فيمن رماها قبل طلوع الفجر. وقد تقدم من مذهب الشافعي ﵀ جواز ذلك. وبه قال عطاء بن أبي رباح، وابن أبي مليكة، وعكرمة بن خالد. وقال مالك وجماعة معه: إن ذلك لا يجزئ، وإن فعله أعاد الرمي. فأمَّا بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس فقد تقدَّم مَن قال بجواز ذلك، وذكرنا حديث ابن عباس في المنع من ذلك، غير أن أبا بكر بن المنذر قال: من رماها بعد طلوع الفجر، وقبل طلوع الشمس فلا إعادة عليه، ولا أعلم أحدًا قال: لا يجزئه. فيلزم من هذا: أن الاتفاق قد حصل على أن ذلك إن وقع أجزأ، فيكون محمل النهي عن ذلك في حديث ابن عباس على كراهة الإقدام عليه في ذلك الوقت. و(قوله: وأما بعد فإذا زالت الشمس)؛ يعني: بعد جمرة العقبة. وهذا كقول (١) كافة العلماء والسلف، غير أن طاوسًا وعطاءً قالا: يجزئه في الثلاثة الأيام قبل الزوال. وقال أبو حنيفة وإسحاق: يجزئ (٢) في اليوم الثالث الرمي قبل الزوال. وهذا الحديث حجة عليهم. وقوله: (الاستجمار توٌّ)؛ قد تقدَّم في كتاب الطهارة: أن الاستجمار يُقال على استعمال الحجارة في محل الغائط والبول، ويقال على استعمال مجمرة

стр. 1652

الجِمَارِ تَوٌّ، وَالسَّعيُ بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ تَوٌّ، وَالطَّوَافُ تَوٌّ، وَإِذَا استَجمَرَ أَحَدُكُم فَليَستَجمِر بِتَوٍّ. رواه مسلم (١٣٠٠). * * * (٣٩) باب في الحلاق والتقصير [١١٥٣] عن ابن عمر، قال: حَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَلَقَ طَائِفَةٌ مِن ــ البخور. وذكرنا هناك اختيار مالك فيها. وقد ذكر في هذا الحديث الاستجمار مرتين، فيحسن في هذا الحديث أن يحمل أحدهما: على استعمال الحجارة في المخرجين، والآخر: على استعمال البخور، كما صار إليه مالك. ويجوز حمل الثاني على التأكيد، وفيه بُعد. و(التوّ): الوتر والفرد. وفي الحديث: (فما مضت إلا توَّة واحدة) (١)؛ أي: ساعة واحدة. ويقال في غير هذا: جاء فلان توًّا؛ أي: قاصدًا لا يعرج على شيء. ولا خلاف في وجوب الوتر في السعي، والطواف، ورمي الجمار. واختلف في الاستنجاء على ما مضى (٢). (٣٩) ومن باب: الحلاق والتقصير أحاديث هذا الباب تدل: على أن الحِلاق نُسك يثاب فاعله. وهو مذهب

стр. 1653

أَصحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعضُهُم، قَالَ عَبدُ اللَّهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ مَرَّةً، أَو مَرَّتَينِ، ثُمَّ قَالَ: (وَالمُقَصِّرِينَ). رواه أحمد (٢/ ١١٩ و ١٤١)، والبخاري (١٧٢٧)، ومسلم (١٣٠١) (٣١٦)، وأبو داود (١٩٧٩)، والترمذي (٩١٣)، وابن ماجه (٣٠٤٤). ــ الجمهور. وذهب الشافعي في أحد قوليه، وأبو ثور، وأبو يوسف، وعطاء: إلى أنه ليس بنسك، بل هو مباح. قال الشافعي: لأنه ورد بعد الحظر، فحُمِل على الإباحة، كاللباس، والطيب. وهذه الأحاديث ترد عليهم من وجهين: أحدهما: أنها تضمنت أن كل واحد من الحِلاق والتقصير فيه ثواب، ولو كان مباحًا لاستوى فعله وتركه. وثانيهما: تفضيل الحِلاق على التقصير. ولو كانا مباحين لما كان لأحدهما مزية على الآخر في نظر الشرع. واختلف القائلون بكونهما نسكين في الموجب لأفضلية الحِلاق على التقصير. فقيل: لما ذكر عن ابن عباس قال: حلق رجالٌ يوم الحديبية، وقصر آخرون، فقال رسول الله ﷺ : (اللهم ارحم المحلقين) ثلاثًا، قيل: يا رسول الله! لِمَ ظاهرت لهم بالترحم؟ قال: (لأنهم لم يشكوا) (١). وحاصله: أنه أمرهم يوم الحديبية بالحِلاق، فما قام منهم أحدٌ؛ لما وقع في أنفسهم من أمر الصلح، فلمَّا حلق النبي ﷺ ودعا للمحلقين، أو استغفر لهم ثلاثًا، وللمقصرين واحدة، فبادروا إلى ذلك. قال أبو عمر بن عبد البر: وكون ذلك يوم الحديبية هو المحفوظ. وقيل: بل كان ذلك في حجة الوداع؛ كما روته أمُّ الحصين من طريق قتادة، وهو إمام ثقة، وإنما كان الحِلاق أفضل لأنه أبلغ في العبادة، وأدلُّ على صدق النية في

стр. 1654

[١١٥٤] وعَنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَالمُقَصِّرِينَ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: والمقصرينُ. رواه مسلم (١٣٠١) (٣١٧ - ٣١٩). [١١٥٥] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُحَلِّقِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلِلمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُحَلِّقِينَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلِلمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُحَلِّقِينَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلِلمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: وَلِلمُقَصِّرِينَ. رواه البخاري (١٧٢٨)، ومسلم (١٣٠٢)، وابن ماجه (٣٠٤٣). [١١٥٦] وعَن يَحيَى بنِ الحُصَينِ، عَن جَدَّتِهِ، أَنَّهَا سَمِعَت ــ التذلل لله تعالى؛ لأن المقصر مبقٍ على نفسه بعض الزينة التي ينبغي للحاجّ أن يكون مُجانبًا لها. والله أعلم. والمُحصَرُ في الحِلاق والتقصير كغيره؛ في كون ذلك نُسُكًا له، وقال أبو حنيفة، وصاحباه: ليس على المُحصر شيء من ذلك، ويرده حِلاق النبي ﷺ يوم الحديبية. ولا خلاف في أن حكم النساء التقصير، وأن الحلاق غير لازم لهنَّ عندنا وعند كثير من العلماء، على أن الحِلاق لهن غير جائز؛ لأنه مُثلَةٌ فيهن. ويدل على أنه ليس بمشروع لهنَّ: بما رواه أبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس على النِّساء الحلق، إنما على النساء التقصير) (١). وجمهورهم: على أن مَن لبَّد، أو عقص، أو ضفر لزمه أن يحلق، ولا يقصر

стр. 1655

النَّبِيَّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ دَعَا لِلمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا، وَلِلمُقَصِّرِينَ مَرَّةً. رواه مسلم (١٣٠٣). [١١٥٧] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى مِنًى، فَأَتَى الجَمرَةَ، فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى مَنزِلَهُ بِمِنًى وَنَحَرَ، ثُمَّ قَالَ لِلحَلَّاقِ: خُذ وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الأَيمَنِ، ثُمَّ الأَيسَرِ، ثُمَّ جَعَلَ يُعطِيهِ النَّاسَ. ــ للسُّنَّة الواردة بذلك؛ ولأن التقصير لا يعم الشعر. ومن سُنته عموم التقصير. وخالف في هذا أصحاب الثوري، وقالوا: إن الملبِّد والمضفر كغيره يجزئه التقصير. وقول أنس: (إن رسول الله ﷺ أتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى، ونحر، وحلق)؛ هذا يدل على أن مَن رمى جمرة العقبة حصل له تحلُّل؛ لأنه بعد أن رمى حلق، وهذا لا خلاف فيه في الجملة، لكن اختلفوا في ماذا يستحل من محظورات الإحرام: فقال أبو ثور: يتمُّ تحلل الحاج من كل شيء إلا النساء برمي جمرة العقبة. وقال الشافعي وأصحاب الرأي، وجماعة من العلماء: بل حتى يحلق. وذهب مالك إلى أن الذي يحل له برمي (١) جمرة العقبة كل شيء إلا النساء، والطيب، والصيد. واختلف قوله إذا تطيب بعد الجمرة، وقبل الإفاضة؛ هل يجب عليه دم أو لا؟ وروي عن عمر: أنه يحل له كل شيء إلا النساء والطيب. وعن عطاء: إلا النساء والصيد. ولا خلاف في أنه لا يحل النساء، ولا الصيد بعد الجمرة، وأنه يحل له جميع محظورات الإحرام بعد الإفاضة. وتعديد ما يحرم على المحرم مُفصل في كتب الفقه. وقوله للحلاق: (خذ) وأشار إلى جانبه الأيمن؛ هذا على عادته ﷺ في

стр. 1656

وَفِي رِوَايَةٍ: فَبَدَأَ بِالشِّقِّ الأَيمَنِ فَوَزَّعَهُ الشَّعَرَةَ، وَالشَّعَرَتَينِ بَينَ النَّاسِ، ثُمَّ قَالَ: بِالأَيسَرِ فَصَنَعَ مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: هَاهُنَا أَبُو طَلحَةَ؟ فدفعه إلى أبي طلحة. وفي أخرى: لما حلق شِقَّهُ الأَيمَنَ دَعَا أَبَا طَلحَةَ الأَنصَارِيَّ، وَأَعطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَ الحالق الشِّقَّ الأَيسَرَ، فَقَالَ: احلِق فَحَلَقَهُ، فَأَعطَاهُ أَبَا طَلحَةَ، فَقَالَ: اقسِمهُ بَينَ النَّاسِ. ــ الابتداء باليمين في أفعاله؛ فإنه كان يحب التيمُّن في شأنه كلِّه. وتوزيعُه شعره على الناس حرصًا منه على تشريكهم في التبرك به، وفي ثوابه. وقوله: (فوزَّعه: الشعرة والشعرتين بين الناس)؛ ليس بمخالف لقوله في الرواية الأخرى لأبي طلحة: (اقسمه بين الناس)؛ فإنه لما أمر بتوزيعه أبا طلحة صح أن يُضاف التوزيع له. كما يقال: إنه ﷺ رجم ماعزًا (١)، وقطع يد السارق في مجن (٢)؛ أي: أمر بذلك. وقوله: (لما حلق شعر رأسه الأيمن أعطاه أبا طلحة)؛ ليس مناقضًا لما في الرواية الثانية: أنه قسم شعر الجانب الأيمن بين الناس، وشعر الأيسر أعطاه أم سليم - وهي امرأة أبي طلحة، وهي أم أنس - ويحصل من مجموع هذه الروايات: أن النبي ﷺ لما حلق الشق الأيمن ناوله أبا طلحة ليقسمه بين الناس، ففعل أبو طلحة، وناول شعر الشق الأيسر لأم سليم ليكون عند أبي طلحة، فصحت نسبة كل ذلك إلى من نسب إليه على ما قررناه، والله أعلم. وهذا أولى من أن نُقدِّر تناقضًا واضطرابًا. والحمد لله.

стр. 1657

وفي أخرى: أنَّهُ ﵊ قَسَّمَ شعر الجانب الأيمن بين الناس وشعر الأيسر أعطاه أم سليم. رواه أحمد (٣/ ١١١)، ومسلم (١٣٠٥) (٣٢٣ و ٣٢٤ و ٣٢٦)، وأبو داود (١٩٨٢)، والترمذي (٩١٢)، والنسائي في الكبرى (٤١١٦). * * * (٤٠) باب من حلق قبل النحر ونحر قبل الرمي [١١٥٨] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ لِلنَّاسِ بِمِنًى، يَسأَلُونَهُ فَجَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَم أَشعُر فَحَلَقتُ قَبلَ أَن أَنحَرَ، فَقَالَ: اذبَح وَلَا حَرَجَ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَم أَشعُر فَنَحَرتُ قَبلَ أَن أَرمِيَ قَالَ: ــ (٤٠) ومن باب: من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي أحاديث هذا الباب تدل على أن من قدَّم شيئًا أو أخره من الحِلاق، والرمي، والنحر، والطواف بالبيت؛ فلا شيء عليه. وبهذا قال الشافعي، وفقهاء أصحاب الحديث في جملة من السَّلف؛ تمسُّكًا بهذه الأحاديث. وحكي عن ابن عباس فيمن قدَّم شيئًا من النُّسك المذكور عليه الدم. وليس بالثَّابت عنه. وروي نحوه عن ابن جبير، وقتادة، والحسن، والنخعي. وكأن هؤلاء حملوا قوله ﷺ : (لا حرج)؛ أي: لا إثم، ورتبوا (١) الحكم المقرر على من أخلَّ بشيء من سُنن الحج على

стр. 1658

ارمِ وَلَا حَرَجَ. قَالَ: فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن شَيءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: افعَل وَلَا حَرَجَ. رواه أحمد (٢/ ١٩٢)، والبخاري (٨٣ و ١٧٣٦)، ومسلم (١٣٠٦) (٣٢٧)، وأبو داود (٢٠١٤)، والترمذي (٩١٦)، وابن ماجه (٣٠٥١). [١١٥٩] وعنه قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ يَومَ النَّحرِ وَهُوَ وَاقِفٌ عِندَ الجَمرَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي حَلَقتُ قَبلَ أَن أَرمِيَ، فَقَالَ: ارمِ وَلَا حَرَجَ، وَأَتَاهُ آخَرُ، فَقَالَ: إِنِّي ذَبَحتُ قَبلَ أَن أَرمِيَ قَالَ: ارمِ وَلَا حَرَجَ وَأَتَاهُ آخَرُ، فَقَالَ: إِنِّي أَفَضتُ إِلَى البَيتِ قَبلَ أَن أَرمِيَ قَالَ: ارمِ وَلَا حَرَجَ قَالَ: فَمَا رَأَيتُهُ سُئِلَ يَومَئِذٍ عَن شَيءٍ إِلَّا قَالَ: افعَلُوا وَلَا حَرَجَ رواه مسلم (١٣٠٦) (٣٣٣). ــ أصله: من وجوب جَبره بالدم. ولم يختلفوا فيمن نحر قبل الرَّمي: أنه لا شيء عليه. وقال أبو حنيفة: على من حلق قبل الرَّمي، أو نحر، دمٌ. وقال مالك: إنما يجب الدم على من حلق قبل الرمي؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحلِقُوا رُءُوسَكُم حَتَّى يَبلُغَ الهَديُ مَحِلَّهُ﴾؛ ومحل الهدي من الزمان هو بعد رمي جمرة العقبة. واختلف قول مالك فيما إذا قدَّم الإفاضة على الرمي. فقيل: يجزئه، وعليه الهدي. وقيل: لا يجزئه، وهو كمن لم يفض. وقال: يعيده بعد الرمي، والنحر. وسبب هذا الخلاف: معارضة قوله تعالى: ﴿وَلا تَحلِقُوا رُءُوسَكُم حَتَّى يَبلُغَ الهَديُ مَحِلَّهُ﴾ لهذه الأحاديث، وتأويل قوله: (لا حرج) هل أراد به رفع الإثم فقط، أو رفع الإثم والحكم. والمفرق تأكد عنه بعض تلك الأفعال ما لم يتأكد غيره، فأوجب الدم في المتأكد، ولم يوجبه في غيره. والظاهر من الأحاديث مذهب الشافعي وأصحاب الحديث.

стр. 1659

[١١٦٠] وَعَن ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ قِيلَ لَهُ فِي الذَّبحِ، وَالحَلقِ، وَالرَّميِ، وَالتَّقدِيمِ وَالتَّأخِيرِ فَقَالَ: لَا حَرَجَ. رواه أحمد (١/ ٢١٦)، والبخاري (١٧٢١)، ومسلم (١٣٠٧)، والنسائي (٥/ ٢٧٢)، وابن ماجه (٣٠٥٠). * * * (٤١) باب طواف الإفاضة يوم النحر ونزول المحصب يوم النفر [١١٦١] عَن ابنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَفَاضَ يَومَ النَّحرِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهرَ بِمِنًى. قَالَ نَافِعٌ: فَكَانَ ابنُ عُمَرَ يُفِيضُ يَومَ النَّحرِ، ثُمَّ يَرجِعُ فَيُصَلِّي الظُّهرَ بِمِنًى، وَيَذكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ. رواه أحمد (٢/ ٣٤)، ومسلم (١٣٠٨)، وأبو داود (١٩٩٨). ــ (٤١) ومن باب: طواف الإفاضة لم يختلف في: أن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج، وأن سنته يوم النحر. وإنما اختلف فيمن أخره عن يوم النحر على ما قد تقدَّم، فإن تركه حتى رجع إلى بلده. فكافتهم: على أنه يرجع فيطوف، ولا يجزئه إلا ذلك. وروي عن عطاء، والحسن: يحج من قابل. قال عطاء: ويعتمر. وقد تقدم قول مالك: أن طواف الوداع يجزئه (١). وقول ابن عمر: (أنه ﷺ أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى)

стр. 1660

[١١٦٢] وعَن عَبدِ العَزِيزِ بنِ رُفَيعٍ، قَالَ: سَأَلتُ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ فقُلتُ: أَخبِرنِي بشَيءٍ عَقَلتَهُ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَينَ صَلَّى الظُّهرَ يَومَ التَّروِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى، قُلتُ: فَأَينَ صَلَّى العَصرَ يَومَ النَّحرِ. قَالَ: بِالأَبطَحِ، ثُمَّ قَالَ: افعَل مَا يَفعَلُ أُمَرَاؤُكَ. رواه البخاري (١٧٦٣)، ومسلم (١٣٠٩)، وأبو داود (١٩١٢)، والترمذي (٩٦٤)، والنسائي (٥/ ٢٤٩). [١١٦٣] وعَن نَافِعٍ أَنَّ ابنَ عُمَرَ كَانَ يَرَى التَّحصِيبَ سُنَّةً، وَكَانَ ــ مخالف لما تقدَّم من حديث جابر (١): أنه أفاض إلى مكة، ثم صلَّى بمكة الظهر. وهذا هو الأصح، ويعضده حديث أنس، قال فيه: إنه ﷺ صلى العصر يوم النحر بالأبطح، وإنما صلى النبي ﷺ الظهر بمنى يوم التروية، كما قال أنس. وما في حديث ابن عمر وهم من بعض الرواة. وقد تقدم: أن التحصيب: نزول المحصب، وهو الأبطح، والبطحاء. و(خيف بني كنانة) والخيف: ما انحدر عن الجبل، وارتفع عن المسيل. وقد أخذ مالك بحديث ابن عمر، ورأى: أنه ينزل به عند رجوعه من منى، فيصلي به الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ثم يدخل مكة أول الليل؛ لا سيما للأئمة، وهو واسع لغيرهم. قال عياض: وهو مستحب عند جميع العلماء، وهو عند الحجازيين أوكد منه عند الكوفيين. وكلهم مُجمع على (٢): أنه ليس من المناسك التي تلزم، وإنما فيه اقتداء بالنبي ﷺ ، وتبرُّك بمنازله. وعلى هذا: فقول عائشة: ليس نزول الأبطح سنة، وقول ابن عباس: ليس التحصيب بشيء، إنما يعنيان: أنه ليس من المناسك التي يلزم بتركها دم ولا غيره. ونزوله ﷺ بخيف بني كنانة إنما كان شكرًا لله تعالى على ما أظهره على عدوِّه

стр. 1661

يُصَلِّي الظُّهرَ يَومَ النَّفرِ بِالحَصبَةِ. قَالَ نَافِعٌ: قَد حَصَّبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَالخُلَفَاءُ بَعدَهُ. رواه مسلم (١٣١٠) (٣٣٨). [١١٦٤] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: نُزُولُ الأَبطَحِ لَيسَ سُنَّةٍ، إِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ كَانَ أَسمَحَ لِخُرُوجِهِ إِذَا خَرَجَ. رواه البخاري (١٧٦٥)، ومسلم (١٣١١) (٣٣٩)، وأبو داود (٢٠٠٨)، والترمذي (٩٢٣)، وابن ماجه (٣٠٦٧). ــ المناكد له في ذلك الموضع، وإظهارًا لما صدقه الله تعالى من وعده في قوله: ﴿لَتَدخُلُنَّ المَسجِدَ الحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ الآية. وقضية قريش في الصحيفة ونقضها منقول في كتب السِّير والأحاديث. وقوله: (أسمح لخروجه)؛ أي: أسهل. والسَّماح في البيع هو التسهيل فيه. ومنه: السماح رباح. وقد تقدَّم أن الثَّقَل بفتح الثاء والقاف هو: اسم ما يحمله الحامل مما يُثقله. ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَحمِلُ أَثقَالَكُم إِلَى بَلَدٍ﴾؛ وظاهر هذه الرواية، وهي رواية سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أن ذلك كان في حجة الوداع. وقد جاء من رواية الأعرج عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: (منزلنا إن شاء الله إذا فتح الله الخيف) (١)؛ وظاهر هذا: أن ذلك كان يوم الفتح. قال عياض: فكان على هذا منزله في السنتين. وكذلك جاء مفسرًا في حديث أم هانئ (٢).

стр. 1662

[١١٦٥] وَعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَيسَ التَّحصِيبُ بِشَيءٍ، إِنَّمَا هُوَ مَنزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . رواه البخاري (١٧٦٦)، ومسلم (١٣١٢)، والترمذي (٩٢٢). [١١٦٦] وَعَن أَبِي رَافِعٍ، وَكَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ . قال لم يأمرني رسول الله ﷺ أن أنزل الأبطح حين خرج من منى، ولكن جئت فضربت قبته، فجاء فنزل. رواه مسلم (١٣١٣)، وأبو داود (٢٠٠٩). [١١٦٧] وعن أبي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحنُ بِمِنًى: نَحنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيفِ بَنِي كِنَانَةَ. حيث تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفرِ، وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيشًا وَبَنِي كِنَانَةَ حَالَفَت عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي المُطَّلِبِ: أَلَّا يُنَاكِحُوهُم، وَلَا يُبَايِعُوهُم، حَتَّى يُسلِمُوا إِلَيهِم رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (يَعنِي بِذَلِكَ المُحَصَّبَ). رواه البخاري (١٥٩٠)، ومسلم (١٣١٤) (٣٤٤)، وأبو داود (٢٠١٠ و ٢٠١١). * * * ــ قلت: ويمكن أن تردَّ هذه الرواية إلى الأولى؛ بأن يقال: إن قوله: (إذا فتح الله)، لم يذكر المفتوح ما هو؟ و (الخيف) إنما هو مرفوع على أنه خبر المبتدأ الذي هو (منزلنا). فعلى هذا يكون مفعول (فتح) محذوفًا، فيكون تقديره: إذا فتح الله في السّير إلى مكة، بمعنى: سهلَّه، ويسّر فيه. والله أعلم.

стр. 1663

(٤٢) باب الرخصة في ترك البيتوتة بمنى لأهل السقاية [١١٦٨] عَن ابنِ عُمَرَ أَنَّ العَبَّاسَ بنَ عَبدِ المُطَّلِبِ استَأذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَن يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِي مِنًى مِن أَجلِ سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ له. رواه أحمد (٢/ ٢٢)، والبخاري (١٦٣٤)، ومسلم (١٣١٥)، وأبو داود (١٩٥٩). [١١٦٩] وَعَن بَكرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ، قَالَ: كُنتُ جَالِسًا مَعَ ابنِ عَبَّاسٍ عِندَ الكَعبَةِ فَأَتَاهُ أَعرَابِيٌّ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَى بَنِي عَمِّكُم يَسقُونَ ــ (٤٢) ومن باب: الرخصة في ترك البيتوتة بمنى لأهل السقاية المبيت بمنى ليالي أيام التشريق من سنن الحج بلا خلاف، إلا لذوي السِّقاية أو للرُّعاة، ومن تعجل بالنفر، فمن ترك ذلك ليلة واحدة أو جميع الليالي كان عليه دم عند مالك. وقال الشافعي بالدم في الجميع، وبصدقة درهم في ليلة واحدة، ودرهمين في ليلتين، وقال مرة: يطعم مسكينًا. ونحوه لأحمد. وقال أصحاب الرأي: لا شيء على تارك ذلك، وقد أساء. وروي نحوه عن ابن عباس والحسن. قال مالك: فأما ترك المبيت بها ليلة عرفة فلا شيء فيه. وفي هذا الحديث من الفقه ما يدل على أن سقاية الحج ولايةٌ ثابتةٌ لولد العباس لا ينازعون فيها. وقال بعض أهل العلم: وفيه إشارة إلى أن الخلافة تكون في ولد العباس، وأنه لا ينبغي أن ينازعوا فيها، وأن ذلك يدوم لهم. وفيه أبواب من الفقه لا تخفى على متأمل. ومشروعية هذه السقاية من باب إكرام الضيف، واصطناع المعروف.

стр. 1664

العَسَلَ، وَاللَّبَنَ، وَأَنتُم تَسقُونَ النَّبِيذَ؟ أَمِن حَاجَةٍ بِكُم، أَم مِن بُخلٍ؟ فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: الحَمدُ لِلَّهِ! مَا بِنَا مِن حَاجَةٍ، وَلَا بُخلٍ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَخَلفَهُ أُسَامَةُ، فَاستَسقَى، فَأَتَينَاهُ بِإِنَاءٍ مِن نَبِيذٍ، فَشَرِبَ، وَسَقَى فَضلَهُ أُسَامَةَ، وَقَالَ: أَحسَنتُم، وَأَجمَلتُم كَذَا فَاصنَعُوا. وَلَا نُرِيدُ تَغيِيرَ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . رواه أحمد (١/ ٣٦٩)، ومسلم (١٣١٦)، وأبو داود (٢٠٢١). * * * (٤٣) باب التصدق بلحوم الهدايا وجلودها وأجلتها والاشتراك فيها [١١٧٠] عَن عَلِيٍّ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن أَقُومَ عَلَى بُدنِهِ، وَأَن أَتَصَدَّقَ بِلَحومِهَا وَجُلُودِهَا، وَأَجِلَّتِهَا، ــ وقوله: (كذا فاصنعوا)؛ إشارة إلى السِّقاية بالنبيذ. وكأن النبي ﷺ قصد التيسير عليهم، وتقليل الكلف، فإن الانتباذ يسير، قليل المؤنة؛ لكثرة التمر عندهم، وليس كذلك العسل، فإن في إحضاره كلفة، وفي ثمنه كثرة. والله تعالى أعلم. (٤٣) ومن باب: التصدق بلحوم الهدايا وجلودها وأجلَّتها البُدن: جمع بدنة، وهي العظيمة الجسم. ومنه: بَدُن الرجل، بدانةً؛ أي: كثر لحمه. وقد تقدَّم ذلك.

стр. 1665

وَأَلَّا أُعطِيَ الجَزَّارَ مِنهَا قَالَ: نَحنُ نُعطِيهِ مِن عِندِنَا. . . وَفِي رِوَايَةٍ: في المساكين. رواه أحمد (١/ ١٣٢)، والبخاري (١٧١٦)، ومسلم (١٣١٧)، وأبو داود (١٧٦٩)، وابن ماجه (٣٠٩٩). ــ وأمره ﷺ بالتصدق بلحوم البدن، وجلودها، وأجلتها؛ دليل: على أن جلود الهدي وجلالها لا تباع؛ لأنه عطفها على اللحم وحكم لها بحكمه. وقد اتفق على أن لحمها لا يُباع، فكذلك الجلود والجلال. وكان ابن عمر يكسو جلالها الكعبة، فلما كسيت الكعبة تصدق بها، أخذًا منه بهذا الحديث. وممن صار إلى منع بيع جلودها عطاء، والنخعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق؛ وقالوا: يتصدق وينتفع بها. وروي عن ابن عمر؛ أنه قال: لا بأس أن يبيع جلد هديه ويتصدق بثمنه. وروي هذا عن أحمد، وإسحاق. وكان أبو ثور يرخص في بيعه. وقال النخعي، والحكم: لا بأس أن يشتري به المنخل وشبهه. وقوله: (ولا أعطي الجازر منها)؛ يدل على أنه لا تجوز المعاوضة على شيء منها؛ لأن الجزار إذا عمل عمله استحق الأجرة على عمله، فإن دفع له شيء منها كان ذلك عوضًا على فعله، وهو بيع ذلك الجزء منها بالمنفعة التي عملها، وهي الجزر. والجمهور: على أنه لا يعطى الجازر منها شيئًا، تمسُّكًا بالحديث. وكان الحسن البصري، وعبد الله بن عمير لا يريان بأسًا أن يعطى الجزار الجلد. وقوله: (نحن نعطيه من عندنا)؛ مبالغة في سد الذريعة، وتحقيق للجهة التي تجب عليها أجرة الجازر؛ لأنه لما كان الهدي منفعته له تعينت أجرة التي تتم به تلك المنفعة عليه. وفيه أبواب من الإجارة، وحكمها (١).

стр. 1666

[١١٧١] وَعَن جَابِرَ قَالَ: اشتَرَكنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الحَجِّ، وَالعُمرَةِ كُلُّ سَبعَةٍ فِي بَدَنَةٍ، فَقَالَ رَجُلٌ لِجَابِرٍ: أَيُشتَرَكُ فِي البَدَنَةِ بمَا يُشتَرَكُ فِي الجَزُورِ؟ قَالَ: مَا هِيَ إِلَّا مِن البُدنِ، وَحَضَرَ جَابِرٌ الحُدَيبِيَةَ قَالَ: نَحَرنَا يَومَئِذٍ سَبعِينَ بَدَنَةً، اشتَرَكنَا كُلُّ سَبعَةٍ فِي بَدَنَةٍ. رواه أحمد (٣/ ٣٠٤)، ومسلم (١٣١٨) (٣٥٣)، وأبو داود (٢٨٠٧ و ٢٨٠٨)، والنسائي (٧/ ٢٢٢). ــ وفيه دليل على تجليل البدن. وهو ما مضى عليه عمل السلف، ورآه أئمة العلماء: مالك، والشافعي، وغيرهما. وذلك بعد إشعار الهدي؛ لئلا تتلطَّخ الجلال. وهي على قدر سعة المهدي؛ لأنها تطوع غير لازم، ولا محدود. قال ابن حبيب: منهم من كان يُجلِّل الوشي، ومنهم من يُجلَّل الحبر (١)، والقباطي، والملاحف، والأُزُر. وتجليلها: ترفيه لها، وصيانة، وتعظيم لحرمات الله، ومباهاة على الأعداء من المخالفين، والمنافقين. قال مالك: وتشق على الأسنمة إن كانت قليلة الثمن لئلا تسقط، وما علمت من ترك ذلك إلا ابن عمر استبقاء للثياب؛ لأنه كان (٢) يُجلِّل الجلال المرتفعة من الأنماط، والبرود، والحِبَر. قال مالك: أما الحلل فتنزع لئلا يخرقها الشوك. قال: وأحب إلي إن كانت الجلال مرتفعة أن يترك شقُّها، ولا يجللها حتى تغدو من عرفات. ولو كانت بالثمن اليسير فتشق من حيث يُحرم. وهذا في الإبل، والبقر دون الغنم. وقول جابر: (اشتركنا مع رسول الله ﷺ في الحج والعمرة كل سبعة في بدنة): مع: هذه متعلقة بمحذوف، تقديره: كائنين مع رسول الله ﷺ ، ولا يصح أن يكون متعلقًا به اشتركنا؛ لأنه كان يلزم منه أن يكون النبي ﷺ واحدًا من سبعةٍ

стр. 1667

[١١٧٢] وعن أبي الزُّبَيرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَن حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَأَمَرَنَا إِذَا أَحلَلنَا أَن نُهدِيَ، وَيَجتَمِعَ النَّفَرُ مِنَّا فِي الهَدِيَّةِ وَذَلِكَ حِينَ أَمَرَهُم أَن يَحِلُّوا مِن حَجِّهِم. رواه مسلم (١٣١٩) (٣٥٤). ــ يشتركون في بَدَنَة، وأنهم شاركوه في هديه. والنقل الصحيح بخلاف ذلك؛ كما تقدم في حديث جابر وغيره، وإنما أمرهم النبي ﷺ أن يجتمع السبعة في الهدية من بدنهم. وأحاديث جابر مُصرحة: بأن النبي ﷺ أمرهم بذلك في الحديبية، وفي حجة الوداع. وبهذه الأحاديث تمسَّك الجمهور من السلف وغيرهم على جواز في الهدي. وممن قال بهذا ابن عمر، وأنس، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وطاوس، وسالم، وعمرو بن دينار، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، حكاه ابن المنذر. قال: وقد روينا عن ابن عباس: أنه قال: البدنة عن سبعة، وإن تمتعوا. وبه قال عطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، والثوري، والشافعي. قال: وقد روينا عن سعيد بن المسيب: أنه قال: تجزئ الجزور عن عشرة. وبه قال إسحاق. قلتُ: وظاهر ما حكاه ابن المنذر: أنهم اشتركوا في الثمن، وأنهم سوّوا في ذلك بين الهدي الواجب والتطوّع، من غير تقييد، ولا تفصيل. قد فصل غيره الخلاف فقال: إن الشافعي يجيزه في الواجب، وإن كان بعضهم يريد اللحم، وبعضهم يريد الفدية. وأبو حنيفة يجيزه إذا أراد جميعهم الفدية؛ حكاه الإمام أبو عبد الله، وقال: عندنا في التطوع قولان. قال ابن المنذر، وقال مالك: لا يشترك في شيء من الهدي، ولا من البدن، ولا النسك في الفدية، ولا في شيء مما ذكرناه. قلت: وكأن هذا الذي صار إليه مالك مستنده قول الله تعالى: ﴿فَمَا استَيسَرَ مِنَ الهَديِ﴾ وأقل ما يطلق عليه اسم الهدي شاة، ولم يقل فيه أحدٌ هو جزءٌ مُسمَّى من اللحم. وقوله تعالى: ﴿فَفِديَةٌ مِن صِيَامٍ أَو صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ﴾

стр. 1668

[١١٧٣] وعَن جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا نَتَمَتَّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالعُمرَةِ، وَنَذبَحُ البَقَرَةَ عَن سَبعَةٍ، نَشتَرِكُ فِيهَا. رواه مسلم (١٣١٨) (٣٥٥)، وأبو داود (٢٨٠٧)، والترمذي (٩٠٤)، والنسائي (٧/ ٢٢٢). ــ وقد فسَّر النبي ﷺ النسك بشاة في حديث كعب بن عجرة (١)، فكان ذلك أقل ما ينطلق عليه الاسم، فكأن هو المتعيِّن، ولأنهم قد اتفقوا: على أنه لا يجوز في الهدايا المريض البيِّن المرض، ولا المعيب بنقص عضو. وإذا كان كذلك مع صدق الاسم عليه فأحرى وأولى ألا يجوز جزءٌ من اللحم. واعتذر عن حديث جابر: بأن ذلك كان في التطوع. وهو مستند أحد القولين المتقدمين، وليس بالمشهور عن مالك. وبأن تلك الأحاديث ليس فيها تصريح بالاشتراك في الثمن، فلعلَّه قصد التشريك في الثواب، أو التشريك في قسمة الجزور، حتى تقسم البدنة أو الجزور سبع قسم بين سبعة نَفَر. والله أعلم. وقد أشار إلى هذا جابر فقال: أمرنا رسول الله ﷺ إذا أحللنا أن نهدي، ويجتمع النفر منا في الهدية، فإنه مشعر بأن التشريك إنما وقع بعد انفراد المهدي بالهدي، فتأمله. وهذا الخلاف إنما هو في الإبل والبقر. وأما الغنم: فلا يجوز الاشتراك فيها اتفاقًا. وقد قدمنا أن اسم البدنة مأخوذ من البدانة. وهي عِظَم الجسم. وأن الجزور من الجزر، وهو: القطع. وأن الجزور من الإبل، والجزرة من الغنم. وقد فرق في حديث جابر بين البدن والجزور؛ لأنه أراد بالبدنة ما ابتدئ هديه عند الإحرام. وبالجزور ما اشتري بعد ذلك للنحر. فكأنه ظهر للسائل: أن شأن هذه، أخف في أمر الاشتراك مما أهدي من البدن. فأجابه بما معناه: أن الجزور لما اشتريت للنسك صار حكمها حكم البدن. قلت: وقد سمعت من بعض مشايخنا: أن البدنة في هذا الحديث من الإبل.

стр. 1669

[١١٧٤] وعنه، قَالَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن عَائِشَةَ بَقَرَةً يَومَ النَّحرِ. وفي رواية: نَحَرَ عَن نِسَائِهِ بَقرَةً فِي حِجَتِهِ. رواه مسلم (١٣١٩) (٣٥٦ و ٣٥٧). [١١٧٥] وعَن زِيَادِ بنِ جُبَيرٍ، أَنَّ ابنَ عُمَرَ أَتَى عَلَى رَجُلٍ، وَهُوَ يَنحَرُ بَدَنَتَهُ بَارِكَةً، فَقَالَ: ابعَثهَا قِائمة مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ نَبِيِّكُم. رواه البخاري (١٧١٣)، ومسلم (١٣٢٠)، وأبو داود (١٧٦٨). * * * ــ والجزور فيه من البقر. وكأن السائل سأله عن البقرة؛ هل يشترك فيها سبعة؛ كما يشترك في البدنة؟ فقال: هي منها في الحكم المسؤول عنه. وكأن هذا السائل لم يسمع في هذا ذكر البقر، فسأل عنها، والله أعلم. وقوله: (ذبح رسول الله ﷺ عن عائشة بقرة)؛ هذا لأنها أردفت، كما قدَّمنا، والله تعالى أعلم. ويحتمل أن يكون تطوّع بها عنها. وقوله في الرواية الأخرى: (نحر عن أزواجه بقرة)؛ أي: بقرة، بقرة عن كل واحدة؛ بدليل الرواية المتقدمة عن عائشة. وقوله في الروايتين: (نحر وذبح)؛ دليل على جواز كل واحد منهما في البقر، وسيأتي. وقوله: (ابعثها قائمة مقيدة، سنة نبيكم ﷺ )؛ أخذ به كافة العلماء، في استحباب ذلك. وبه فُسِّر قوله تعالى: ﴿فَاذكُرُوا اسمَ اللَّهِ عَلَيهَا صَوَافَّ﴾ إلا أبا حنيفة، والثوري؛ فإنهما أجازا أن ينحرهما باركة وقيامًا. وشذ عطاء، فخالف، واستحب نحرها باركة معقولة. والحديث حجة عليهم.

стр. 1670

(٤٤) باب من بعث بهدي لا يلزمه أن يجتنب ما يجتنبه المحرم، وفي ركوب الهدي [١١٧٦] عَن عَمرَةَ بِنتِ عَبدِ الرَّحمَنِ أَنَّ زِيَادا كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ أَنَّ عَبدَ اللَّهِ بنَ عَبَّاسٍ قَالَ: مَن أَهدَى هَديًا حَرُمَ عَلَيهِ مَا يَحرُمُ عَلَى الحَاجِّ حَتَّى يُنحَرَ الهَديُ، وَقَد بَعَثتُ بِهَديِي فَاكتُبِي إِلَيَّ بِأَمرِكِ. قَالَت عَمرَةُ: قَالَت عَائِشَةُ: لَيسَ كَمَا قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ، أَنَا فَتَلتُ قَلَائِدَ هَديِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِيهِ، ــ (٤٤) ومن باب: من بعث بهدي لا يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم قوله: (عن عمرة بنت عبد الرحمن: أن زيادًا كتب إلى عائشة)؛ كذا هو الصواب، وهو: زياد بن أبي سفيان، وكذا هو في جميع الموطآت، وفي البخاري. ورواية من رواه: (أن ابن زياد) خطأ. وما حكاه زياد عن ابن عباس هو مذهبه، ومذهب ابن عمر، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير. وحكاه الخطابي عن أصحاب الرأي. وما أسندته إلى النبي ﷺ هو الذي عمل به جمهور العلماء، ما خلا من ذُكِرَ. و(القلائد): جمع قلادة، وهو ما يجعل في العنق من خيط أو سير (١). و(العهن): الصوف المصبوغ ألوانًا؛ قاله الخليل. وقال غيره: كل صوف عهن. وقولها: (أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ ثم قلّدها)؛ يدل على

стр. 1671

ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَم يَحرُم عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الهَديُ. رواه أحمد (٦/ ٧٨ و ٨٥)، والبخاري (١٦٩٦)، ومسلم (١٣٢١) (٣٦٩)، وأبو داود (١٧٥٧ و ١٧٥٩)، والترمذي (٩٠٨)، والنسائي (٥/ ١٧١)، وابن ماجه (٣٠٩٨). ــ تجويدها لتلك الرواية، وأنها اعتنت بالقصة، وحققتها. وفيه (١) ما يدل على أن من بعث بهديه قلَّده، وأشعره من موضعه بخلاف من حَمَله معه، فإنه يُقلِّده من موضع إحرامه. وقولها: (ثم بعث بها مع أبي)؛ كان هذا - والله أعلم - حين بعثه النبي ﷺ على الحج أميرًا، ثم أردفه بعليّ لينبذ للناس عهدهم، كما تقدم. وقد مضى الكلام في الإشعار والتقليد. وقوله ﷺ لسائق البدنة: (اركبها)؛ أخذ بظاهره أحمد، وإسحاق، وأهل الظاهر. وروى ابن نافع عن مالك: لا بأس بركوب الرجل بدنته ركوبًا غير فادح. وأوجب ركوبها بعضهم لهذا الأمر. وذهب مالك في المشهور: إلى أنه لا يركبها إلا إن اضطر إليها، محتجًّا بقوله ﷺ : (اركبها إذا ألجئت إليها بالمعروف)؛ وهذا المقيَّد يقضي على ذلك المطلق على ما يعرف (٢) في الأصول. وبنحو ذلك قال الشافعي، وأبو حنيفة. ثم إذا ركبها عند الحاجة فاستراح؛ نزل. قال إسماعيل القاضي: وهو الذي يدل عليه مذهب مالك، وهو خلاف ما ذكره ابن القاسم: أنه لا يلزمه النزول، وحجته إباحة النبي ﷺ له الركوب، فجاز له استصحابه. وقال أبو حنيفة والشافعي: إن نقصها الركوب المباح فعليه قيمة ذلك، ويتصدَّق به.

стр. 1672

[١١٧٧] وعَن أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً - وَفِي رِوَايَةٍ: مقلدة - فَقَالَ: اركَبهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهَا بَدَنَةٌ فَقَالَ: اركَبهَا وَيلَكَ فِي الثَّانِيَةِ، أَو فِي الثَّالِثَةِ. رواه أحمد (٢/ ٤٨٧)، والبخاري (١٦٨٩)، ومسلم (١٣٢٢) (٣٧١)، وأبو داود (١٧٦٠)، والنسائي (٥/ ١٧٦)، وابن ماجه (٣١٠٣). [١١٧٨] وعن جابر بنَ عَبدِ اللَّهِ، وسُئِلَ عَن رُكُوبِ الهَديِ، فَقَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: اركَبهَا بِالمَعرُوفِ إِذَا أُلجِئتَ إِلَيهَا، حَتَّى تَجِدَ ظَهرًا. ــ وقوله: (اركبها ويلك! ) تأديبٌ له لأجل مراجعته، وقول الرجل: (إنها بدنة)، وقد كان حالها غير خافٍ على النبي ﷺ ، فإنها كانت مقلَّدة، ويحتمل أن يكون النبي ﷺ فهم عن الرجل: أنه لا يرى ركوبها بحال على عادة الجاهلية في البحيرة، والسائبة، والوصيلة، فزجره عن ذلك. وقيل: إنما قال له ذلك لأن هذا الرجل قد كان جهد من المشي، ووصل إلى حد الهلكة. و(الويل): الهلكة. فقوله: (ويلك)؛ أي: أشرفت على الهلاك لما رأى النبي ﷺ من الشدَّة. وقيل: إن هذه الكلمة مما تدغم فيها العرب كلامها. كقولهم: لا أمَّ له ولا أب. وتربت يمينك. ومن ذلك: قوله ﷺ : (ويل أمه مِسعَرُ حرب) (١). وقد تقدم هذا النحو في الطهارة. وقوله: (اركبها بالمعروف)؛ يعني: بالرفق في الركوب، والسير على الوجه المعروف، من غير عُنف، ولا إفحاش. وقوله: (إذا أُلجئت إليها، حتى تجد ظهرًا)؛ يدل على صحة ما قاله

стр. 1673

رواه أحمد (٣/ ٣١٧)، ومسلم (١٣٢٤) (٣٧٥)، وأبو داود (١٧٦١)، والنسائي (٥/ ١٧٧). * * * (٤٥) باب ما عطب من هدي التطوع قبل محله [١١٧٩] عن ابن عباس قال: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسِتَّ عَشرَةَ بَدَنَةً مَعَ رَجُلٍ وَأَمَّرَهُ فِيهَا، قَالَ: مَضَى، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيفَ أَصنَعُ بِمَا أُبدِعَ عَلَيَّ فيهَا؟ ــ الشافعي، وأبو حنيفة، وما حكاه إسماعيل عن مذهب مالك، وقد روي في غير كتاب مسلم: أن النبي ﷺ رأى رجلًا يسوق بدنة وقد جهد، فقال: (اركبها) (١). (٤٥) ومن باب: ما عطب من هدي التطوع قبل محله قوله: (كيف أصنع بما أُبدِع عليَّ منها)؛ أي: بما كل منها، وعَيي، فوقف. وقد يقال: على ما عطب منها. قال الهروي: يقال للرجل إذا كلَّت ركابه، أو عطبت وبقي منقطعًا به: أُبدِع به. وهو مبني لما لم يسم فاعله. وفي الأم (٢) قال: وانطلق سنان معه ببدنة يسوقها فأزحفت عليه، فعيي بشأنها إن هي أبدعت. الرواية: (أزحفت) رباعيًّا، مفتوح الحاء. قال الخطابي: كذا يقوله المحدِّثون.

стр. 1674

قَالَ: انحَرهَا، ثُمَّ اصبُغ نَعلَيهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اجعَلهُ فِي صَفحَتِهَا، وَلَا تَأكُل مِنهَا أَنتَ وَلَا أَحَدٌ مِن أَهلِ رُفقَتِكَ. وَفِي رِوَايَةٍ: بَعَثَ بِثَمِانِي عَشرَةَ بَدَنَةَ. ــ والأجود: (فأُزحفت) بضم الألف، يقال: زحف البعير: إذا قام (١) من الإعياء، وأزحفه المسير. وقال أبو عبيد الهروي: أزحف البعير، فأزحفه السير. و (إن) تُروى بكسر الهمزة على الشرط، وبفتحها: على أنها معمولة لحرف جر حُذِف، فتعدَّى الفعل إليها الذي هو: عيَّ، : وعَيِيَ - مشددًا ومُفككًا، وهما لغتان معروفتان، وعليهما قرئ: ﴿مَن حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ وفي الأم: لأستحفين عن ذلك؛ أي: لأكثرنَّ السؤال عنه. يقال: أحفى في المسألة، وألَحَّ، وألحف: إذا بالغ فيها. ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنهَا﴾؛ أي: كأنه كثر سؤاله عنها حتى أخبر عنها، ومنه قول الأعشى: فَإن تسألي عَنَّا فَيَا رُبَّ سائلٍ ... حفيٍ عَنِ الأَعشَى به حيث أَصعَدا وقوله: (ثم اصبُغ نعليها في دمها، ثم اجعلها على صفحتها)؛ يعني: النَّعل الَّذِي قلَّدها به يجعله على صفحة عنقها، وإنما أمره بذلك ليكون ذلك علامة على أنه هديٌ، فيمتنع منه كل من لا يحل له أكله على ما يأتي. وقوله: (ولا تأكل منها أنت ولا أحد من رفقتك)؛ يعني برفقته: المرافقين له في سوق الهدي ومن يتعلَّق به. وإنما منعه النبي ﷺ ورفاقته من أكلها سدًّا للذريعة؛ لأنه لو لم يمنعهم من ذلك لأمكن أن يبادروا إلى نحرها، أو يتسبَّبوا إلى ذلك ليأكلوها، فلما منعهم من المحذور المتوقع انسدَّ ذلك الباب. وهذا وأشباهه من المواضع الواقعة في الشريعة حمل مالكًا على القول بسدِّ الذريعة. وهو أصل عظيم لم يظفز به إلا مالك بدَّقة نظره، وجودة قريحته. وبظاهر هذا النهي قال

стр. 1675

رواه أحمد (١/ ٢١٧)، ومسلم (١٣٢٥)، وأبو داود (١٧٦٣)، والنسائي في الكبرى (٤١٣٦)، وابن ماجه (٣١٠٥). * * * ــ ابن عباس، واختاره ابن المنذر فقالا: لا يأكل منها سائقها، ولا أحد من أهل رفقته. وقال مالك والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، ومن تبعهم: لا يأكل منها سائقها شيئًا، ويخلي بينها وبين الناس يأكلونها. وروي عن ابن عمر: أنه كان يرى الأكل منها. وعلى قول المانعين: فإن أكل منها ضَمِنها عند مالك وغيره. وكونه ﷺ لم يُلزم صاحب الهدي المعطوب بدلًا؛ دليلٌ للجمهور على أنه لا بدل عليه في هدي التطوُّع؛ إذ لو كان لبيَّنه له؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. فأما الواجب منه: فعليه بدله؛ لأنه مُتعلِّق بذمته، وله الأكل منه، والإطعام للأغنياء وغيرهم عند جمهور العلماء غير مالك. واختلفوا: هل له بيعه؟ فمنعه مالك، وأجازه الآخرون، وعبد الملك. وأمَّا إذا بلغ الهدي محله، فاختلف العلماء فيما يأكل منه صاحبه. فمشهور مذهب مالك: أنه لا يأكل من ثلاثة: من جزاء الصيد، ونذر المساكين، وفدية الأذى، ويأكل مما سوى ذلك إذا بلغ محله - واجبًا كان أو تطوُّعًا - ووافقه على ذلك جماعة من السلف وفقهاء الأمصار. ثم إذا أكل مما منع منه؛ فهل يغرم قدر ما أكل منه؟ أو يغرم هديًا كاملًا؟ قولان في مذهبنا. وقال الشافعي، وأبو ثور: ما كان أصله واجبًا؛ فلا يأكل منه. وما كان تطوُّعًا، ونُسكًا أكل منه، وأهدى، وادَّخر، وتصدَّق. والمتعة والقِران عنده نسك. ونحوه مذهب الأوزاعي. وقال أبو حنيفة، وأصحاب الرأي: يأكل من هدي المتعة، والتطوُّع، ولا يأكل مما سوى ذلك. وحكي عن مالك: أنه لا يأكل من دم الفساد. وعلى قياس هذا: لا يأكل من دم الجبر، كقول الشافعي والأوزاعي.

стр. 1676

(٤٦) باب ما جاء في طواف الوداع [١١٨٠] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَنصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجهٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَنفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهدِهِ بِالبَيتِ. رواه أحمد (١/ ٢٢٢)، ومسلم (١٣٢٧)، وأبو داود (٢٠٠٢). [١١٨١] وعن عَائِشَةَ قَالَت: حَاضَت صَفِيَّةُ بِنتُ حُيَيٍّ بَعدَ مَا أَفَاضَت، قَالَت عَائِشَةُ: فَذَكَرتُ حِيضَتَهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ ــ (٤٦) ومن باب: طواف الوداع قوله: (كان الناس ينصرفون في كل وجهٍ)؛ أي: يتفرقون من غير أن يودعوا البيت، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك بقوله: (لا ينفرنَّ أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت)؛ فظاهر هذا: أن طواف الوداع واجب على كل حاجٍّ أو معتمر غير مكيّ. وإليه ذهب أبو حنيفة، لكن أزال هذا الظاهر حديث صفية، حيث رخص لها في تركه لَمَّا حاضت، ففهم منه: أنه ليس على جهة الوجوب. وهو مذهب الجمهور. ثم من تركه فهل يلزمه دم أو لا يلزمه شيء؟ فقال أبو حنيفة، والشافعي - في أحد قوليه -: إنه يلزمه دم. وقال مالك: لا يلزمه دم. وهو الصحيح؛ لأن صفية لم يأمرها النبي ﷺ بشيء من ذلك. ولو كان ذلك لازمًا؛ لما جاز السكوت عنه؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. والله أعلم. وقوله ﷺ لصفية - لَمَّا أعلمته أنها حاضت -: (انفري)؛ دليل على أن الحائض يجزئها طواف الإفاضة عن طواف الوداع. وعلى هذا جماعة الفقهاء إلا خلافًا شاذًّا روي عن بعض السلف: أنها لا تنفر حتى تودع. والحديث حجة عليهم.

стр. 1677

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ قَالَت: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهَا قَد أَفَاضَت وَطَافَت بِالبَيتِ، ثُمَّ حَاضَت بَعدَ الإِفَاضَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَلتَنفِر. رواه أحمد (٦/ ١٢٢ و ١٩٢)، والبخاري (٣٢٨)، ومسلم (١٢١١) (٣٨٢)، والنسائي (١/ ١٩٤)، وابن ماجه (٣٠٧٣). [١١٨٢] وعنها قَالَت: لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَن يَنفِرَ، إِذَا صَفِيَّةُ عَلَى بَابِ خِبَائِهَا كَئِيبَةً حَزِينَةً، فَقَالَ: عَقرَى حَلقَى، إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا، ثُمَّ قَالَ لَهَا: أَكُنتِ أَفَضتِ يَومَ النَّحرِ؟ قَالَت: نَعَم. قَالَ: فَانفِرِي. وِفي رواية: أَنَّهُ ﵊ قال: أحابستنا صفية؟ قلنا: قد أفاضت. قال: فلا إذا. رواه أحمد (٦/ ٣٩)، والبخاري (١٧٥٧)، ومسلم (١٢١١) (٣٨٤ و ٣٨٧)، والترمذي (٩٤٣). * * * ــ وقوله: (أحابستنا هي)؛ دليل على أن الكَرِي يُحبس على التي حاضت ولم تطف طوافَ الإفاضة حتى تطهر. وهو قول مالك. وقال الشافعي: لا يُحبس عليها كري، ولتكر جملها، أو تحمل مكانها غيرها، وهذا كله في الأمن ووجود ذي المحرم. وأما مع الخوف، أو عدم ذي المحرم؛ فلا يُحبس باتفاق؛ إذ لا يمكن أن يسير بها وحدها، ويفسخ الكراء، ولا تحبس عليها الرفقة إلا أن يبقى لطهرها كاليوم. وقد تقدَّم القول في: (عقرى حلقى)، وفي: طمثت.

стр. 1678

(٤٧) باب ما جاء في دخول النبي ﷺ الكعبة وفي صلاته فيها [١١٨٣] عَن ابنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الكَعبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ، وَبِلَالٌ، وَعُثمَانُ بنُ طَلحَةَ الحَجَبِيُّ - وفي رواية: ولم يدخلها معهم أحد - فَأَغلَقَهَا عَلَيهِ، ثُمَّ مَكَثَ فِيهَا، قَالَ ابنُ عُمَرَ: فَسَأَلتُ بِلَالًا حِينَ خَرَجَ: ــ (٤٧) ومن باب: دخول النبي ﷺ الكعبة هذا إنما كان عام الفتح، كما جاء منصوصًا في الرواية الأخرى، ولم يكن النبي ﷺ مُحرِمًا يوم الفتح، فلا يستدل به، على أن دخول البيت نُسُك في الحج والعمرة؛ كما ذهب إليه بعضهم. وأما أحاديث حجة الوداع فليس في شيء منها تحقيق: أنه ﷺ دخل أولا. غير أن أبا داود روى من حديث عائشة ﵂: أنه ﷺ خرج من عندها مسرورًا، ثم رجع إليها وهو كئيب، فقال: (إني دخلت الكعبة، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما دخلتها، إني أخاف أن أكون قد شققت على أمتي) (١)؛ وظاهره: أن ذلك كان في حجة الوداع، غير أن هذا الحديث في إسناده إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصغير، وهو ضعيف. وقد رواه البزار بإسناد آخر، ولا يثبت أيضًا. وقوله: (فأغلقها عليه)؛ فيه دليل على اختصاص السابق للمنفعة المشتركة بها، ومنعها ممن يخاف تشويشها عليه، وقال الشافعي: فائدة أمره ﷺ بإغلاقها وجوب الصلاة إلى جدار من جُدُرها، وأنه لو صلى إلى الباب وهو مفتوح؛ لم يجزه؛ لأنه لم يستقبل منها شيئًا. وألزم من مذهبه إبطال هذا؛ لأنه يجيز الصلاة في

стр. 1679

مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: جَعَلَ عَمُودَينِ عَن يَسَارِهِ، وَعَمُودًا عَن يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ البَيتُ يَومَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعمِدَةٍ، ثُمَّ صَلَّى. وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ فَتَحَ البَابَ قَالَ عَبدُ اللَّهِ: فَبَادَرتُ النَّاسَ، فلَقَّيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَارِجًا، وَبِلَالٌ عَلَى أثرِهِ، فَقُلتُ لِبِلَالٍ: هَل صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَم قُلتُ: أَينَ؟ قَالَ: بَينَ العَمُودَينِ، تِلقَاءَ وَجهِهِ، قَالَ: وَنَسِيتُ أَن أَسأَلَهُ كَم صَلَّى. رواه أحمد (٢/ ٣٣ و ٥٥)، والبخاري (٥٠٥)، ومسلم (١٣٢٩) (٣٨٨ و ٣٨٩)، وأبو داود (٢٠٢٣ و ٢٠٢٥)، والنسائي (٢/ ٦٣). ــ أرضها لو تهدمت الجدر؛ لاستقباله أرضها. وقيل: إنما أغلقها دونهم لئلا يتأذى بزحامهم. وقيل: لئلا يُصلَّى بصلاته، فتتخذ الصلاة فيها سنة. ولا يلتفت لقول من قال: إنما فعل ذلك لئلا يستدبر شيئًا من البيت، كما وقع في زيادة البخاري عن بعض الرواة؛ لأن الباب إذا أغلق؛ صار كأنه جدار البيت. وقوله: (جعل عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه)؛ هكذا رواه مسلم عن يحيى بن يحيى التميمي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر. ورواه يحيى بن يحيى الأندلسي وغيره في الموطأ عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: (جعل عمودًا عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه) (١). وفي مسلم من حديث ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه؛ أنه ﷺ صلَّى بين العمودين اليمانيين (٢). وظاهر هذا الاختلاف اضطراب. ويمكن أن يقال: إنه ﷺ تكررت صلاته في تلك المواضع، وإن كانت القضية واحدة، فإنه ﷺ مكث في الكعبة طويلًا.

стр. 1680

[١١٨٤] وعنه، قَالَ: أَقبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الفَتحِ عَلَى نَاقَةٍ لِأُسَامَةَ بنِ زَيدٍ، حَتَّى أَنَاخَ بِفِنَاءِ الكَعبَةِ، ثُمَّ دَعَا عُثمَانَ بنَ طَلحَةَ فَقَالَ: ائتِنِي بِالمِفتَاحِ، فَذَهَبَ إِلَى أُمِّهِ، فَأَبَت أَن تُعطِيَهُ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَتُعطِينِهِ، أَو لَيَخرُجَنَّ هَذَا السَّيفُ مِن صُلبِي، قَالَ: فَأَعطَتهُ إِيَّاهُ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَدَفَعَهُ إِلَيهِ، فَفَتَحَ البَابَ، ثُمَّ ذَكَرَ نحوه. رواه مسلم (١٣٢٩) (٣٩٠). ــ وحديث ابن عمر هذا، وروايته عن بلال يدل على أن النبي ﷺ صلَّى في البيت الصلاة المعهودة الشرعية. وبهذا أخذ الشافعي، وأبو حنيفة، والثوري، وجماعة من السلف، وبعض الظاهرية فقالوا: يُصلَّى في الكعبة التطوع والفرض. وقد خالف بلالًا أسامة، فقال: إن النبي ﷺ لم يصل في الكعبة، وإنما دعا فيها. وبهذا أخذ ابن عباس، وبعض الظاهرية؛ فلم يجيزوا فيها فرضًا ولا تطوُّعًا. وقال مالك: لا يُصلَّى فيها الفروض ولا السنن، ويُصلَّى فيها التطوع، غير أنه إن صلَّى فيها الفرض أعاد في الوقت. وقال أصبغ: يعيد أبدًا. ويمكن أن يجمع بين حديث أسامة وبلال على مقتضى مذهب مالك. فيقال: إن قول بلال: أنه صلى فيها؛ يعني به: التطوع. وقول أسامة: إنه لم يصل فيها؛ يعني به: الفرض. وقد جمع بينهما بعض أئمتنا بوجهٍ آخر فقال: إن أسامة تغيَّب في الحين الذي صلَّى فيه النبي ﷺ ، فلم يشاهده، فاستصحب النفي لسرعة رجعته، فأخبر عنه، وشاهد ذلك بلال فأخبر عما شاهد. وعضد هذا بما رواه ابن المنذر عن أسامة قال: رأى النبي ﷺ صورًا في الكعبة، فكنت آتيه بماء في الدَّلو يضرب به تلك الصور. فيحتمل أن يكون النبي ﷺ صلَّى في حالة مضي أسامة في طلب الماء، والله تعالى أعلم. وعلى الجملة: فحديث من أثبت أولى أن يؤخذ به؛ لأنه أخبر عن مشاهدة، فكان أولى من النَّافي. وفي هذا الحديث ما يدلُّ: على أن سدانة البيت ولاية باقية لعثمان بن طلحة

стр. 1681

[١١٨٥] وعن ابن عباس قال: أَخبَرَنِي أُسَامَةُ بنُ زَيدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا دَخَلَ البَيتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَم يُصَلِّ فِيهِ حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ فِي قُبُلِ البَيتِ رَكعَتَينِ، وَقَالَ: هَذِهِ القِبلَةُ. رواه البخاري (٣٩٨)، ومسلم (١٣٣٠) (٣٩٥)، والنسائي (٥/ ٢٢٠ - ٢٢١). [١١٨٦] وعنه، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الكَعبَةَ وَفِيهَا سِتُّ سَوَارٍ، فَقَامَ عِندَ سَارِيَةٍ فَدَعَا، وَلَم يُصَلِّ. رواه مسلم (١٣٣١). ــ وذويه، فلا تنتزع منهم بحال؛ كالسقاية في بني العباس، ولذلك قال ﷺ : (كل مأثرة كانت في الجاهلية فهي تحت قدمي (١) إلا سقاية الحاج، وسدانة البيت). وقال: (يا بني عبد الدار! خذوها خالدةً، تالدةً) (٢). وبذلك قال جميع العلماء. وأعظم مالك أن يشرك غيرهم فيها معهم. وهذه العُمرة التي سُئل عنها ابن أبي أوفى هي عمرة القضاء، ولم يختلف أنه لم يدخل فيها النبي ﷺ البيت؛ لما كان فيه من الصور، والأصنام، ولم يكن يقدر على تغييرها إذ ذاك لأجل مشركي أهل مكة، فلما فتحها الله عليه دخل البيت، وصلَّى فيه، على ما تقدَّم. وسائر عُمُرِه لم يثبت فيها عن النبي ﷺ دخوله البيت، ولا نفيه. وقوله: (فلما خرج ركع في قُبُل البيت ركعتين، وقال: هذه القبلة)؛ أي: فيما يقابله منها إذا استقبل الباب. وفي هذه الإشارة قولان:

стр. 1682

[١١٨٧] وعن عَبدِ اللَّهِ بنِ أَبِي أَوفَى صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : وسئل: أَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ البَيتَ فِي عُمرَتِهِ قَالَ: لَا. رواه البخاري (١٧٩١)، ومسلم (١٣٣٢)، وأبو داود (١٩٠٢ و ١٩٠٣). * * * (٤٨) باب في نَقضِ الكَعبَةِ وَبِنَائِهَا [١١٨٨] عَن عُروَةَ، عَن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَولَا حَدَاثَةُ عَهدِ قَومِكِ بِالكُفرِ لَنَقَضتُ الكَعبَةَ وَلَجَعَلتُهَا عَلَى أَسَاسِ إِبرَاهِيمَ ــ أحدهما: أنها إلى الكعبة، ثم في المعنى قولان: الأول: أن الإشارة تقرير لحكم الانتقال عن بيت المقدس. الثاني: أنها إلى وجه البيت في حق حاضره بخلاف الغائب. وثانيهما: أن الإشارة إلى وجه الكعبة، فيكون التعليم للإمام أن يستقبل البيت من وجهه، وإن كانت الصلاة إلى جميعه جائزة. (٤٨) ومن باب: نقض الكعبة وبنائها قوله ﷺ : (لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة)؛ فيه حجة لمالك على القول بسد الذرائع. وقوله: (ولجعلتها على أساس إبراهيم)؛ يدل على أن جدر البيت منه،

стр. 1683

فَإِنَّ قُرَيشًا حِينَ بَنَت البَيتَ استَقصَرَت وَلَجَعَلتُ لَهَا خَلفًا. رواه أحمد (٦/ ١٧٦)، والبخاري (١٥٨٤)، ومسلم (١٣٣٣) (٣٩٨)، والترمذي (٨٧٥)، والنسائي (٥/ ٢١٥)، وابن ماجه (٢٩٥٥). [١١٨٩] ومن حديث عَبدَ اللَّهِ بنَ أبي بكر بن أبي قحافة عنها، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ: لَولَا أَنَّ قَومَكِ حَدِيثُو عَهدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ (أَو قَالَ: بِكُفرٍ) لَأَنفَقتُ كَنزَ الكَعبَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَجَعَلتُ بَابَهَا ــ كما سيأتي. و (استقصرت)؛ أي: قصرت عن إتمام بنائها، واقتصرت على هذا القدر منها؛ إذ لم يجدوا نفقة. وقوله: (ولجعلت لها خلفًا): هو بفتح الخاء، وسكون اللام. وفي البخاري قال هشام بن عروة: يعني: بابًا. وقد جاء مفسَّرًا في الحديث بعد هذا. وفي البخاري أيضًا: (لجعلت لها خلفين). الرواية الصحيحة فيها: بفتح الخاء، كما قلناه، وهما: البابان. وقال ابن الأعرابي: الخلف: الظهر. وذكر الحربي هذا الحديث، وضبطه: خِلفين، بكسر الخاء، وقال: الخالفة: عمودٌ في مؤخر البيت. يقال: وراءه خِلفٌ جيد. والأول أصح. وقوله: (لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله)؛ هذا الكنز هو المالُ الذي كان يجتمع مما كان يُهدى إلى الكعبة، وأقر النبي ﷺ ذلك المال في الكعبة للعلَّة التي ذكر، وهي: مخافة التنفير. وأقره أبو بكر ولم يعرض له. ثم إن عمر همَّ بقسمته، فخالفه في ذلك بعض الصحابة، واحتج عليه: بأن النبي ﷺ وأبا بكر لم يفعلا ذلك، فتوقف. قلت: ولا يظن أن هذا الكنز الذي جرى فيه ما ذكرنا أنه يدخل فيه حُلِيُّ الكعبة الذي حُلِّيت به من الذهب والفضة، كما ظنَّه بعضهم، فإن ذلك ليس

стр. 1684

بِالأَرضِ، وَلَأَدخَلتُ فِيهَا مِن الحِجرِ. وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ: لَئِن كَانَت عَائِشَةُ سَمِعَت هَذَا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ــ بصحيح؛ لأن حليتها محتبسة عليها، كحُصرها، وقناديلها، وسائر ما يحبس عليها لا يجوز صرفها في غيرها، ويكون حكم حليها حكم حلية سيف أو مصحف حُبسا في سبيل الله؛ فإنه لا يجوز تغييره عن الوجه الذي حبس له، وإنما ذلك الكنز كما ذكرناه، وكأنه فضلةُ ما كان يهدى إليها عما كانت تحتاج إليه مما ينفق فيها، فلما افتتح النبي ﷺ خاف من نفرة قلوب قريش إن هو أنفقه في سبيل الله تعالى، كما قال. وذلك أنهم كانت عادتهم في ذلك: ألا يتعرضوا له. فأقره النبي ﷺ على ذلك لما ذكره، ثم إنه بقي على ذلك في إمارة أبي بكر وعمر، ولا أدري ما صنع به بعد ذلك. وينبغي أن يبحث عنه. وسبيل الله هنا: الجهاد. وهو الظاهر من عرف الشرع، كما قررناه في كتاب الزكاة. و(من) في قوله: (من الحجر) للتبعيض، بدليل قوله في الرواية الأخرى: (أدخلت من الحجر خمسة أذرع). وقول عبد الله بن عمر ﵄: (لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله ﷺ )؛ ليس شكًّا منه في سماعها، ولا في سماع الراوي عنها، وإنما هذا على طريقة وضع الشَّرطي المتصل الذي يوضع شرطه تقديرًا ليتبيّن مشروطه تحقيقًا. وله في كلام الله تعالى، وكلام رسوله ﷺ نظائر، منها: قوله : ﴿قُل إِن كَانَ لِلرَّحمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ العَابِدِينَ﴾ وقوله: ﴿لَو كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ومثله كثير. ولبسط هذا وتحقيقه علمٌ آخر. وقد يأتي هذا النحو في الكلام على طريق تبيين الحال على وجهٍ يأنس به المخاطب،

стр. 1685

مَا أُرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ استِلَامَ الرُّكنَينِ اللَّذَينِ يَلِيَانِ الحِجرَ، إِلَّا أَنَّ البَيتَ لَم يُتَمَّم عَلَى قَوَاعِدِ إِبرَاهِيمَ. رواه مسلم (١٣٣٣) (٣٩٩ و ٤٠٠). [١١٩٠] وعَن عَطَاءٍ قَالَ: لَمَّا احتَرَقَ البَيتُ زَمَنَ يَزِيدَ بنِ مُعَاوِيَةَ حِينَ غَزَاهَ أَهلُ الشَّامِ، فَكَانَ مِن أَمرِهِ مَا كَانَ، تَرَكَهُ ابنُ الزُّبَيرِ، حَتَّى قَدِمَ النَّاسُ المَوسِمَ، يُرِيدُ أَن يُجَرِّئَهُم، أَو يُحَزِّبَهُم عَلَى أَهلِ الشَّامِ، فَلَمَّا صَدَرَ ــ وإظهار التناصف في الكلام، كقوله تعالى: ﴿قُل إِن ضَلَلتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفسِي وَإِنِ اهتَدَيتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ وعلى الجملة: فالشرط يأتي في الكلام على غير وجه الشكِّ، وهو كثير. وقوله: (ما ترك رسول الله ﷺ استلام الركنين اليمانيين إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم)؛ يعني: أن الركنين اللذين يليان الحجر ليسا بركنين، وإنما هما بعض الجدار الذي بنته قريش، فلذلك لم يستلمهما. وقد تقدَّم القول على هذا. وقوله: (يريد أن يُجرِّئهم - أو يُحزِّبهم -)؛ الأول: من الجرأة، وهي الشجاعة. والثاني من التحزيب، وهو التجميع. هكذا لابن سعيد، والفارسي، وغيرهما. ومعنى ذلك: أنه أراد أن يشجعهم أو يُجمعهم على أهل الشام بإظهار قبح أفعالهم في الكعبة. وروى العذري الحرف الأول: (يجربهم) بالباء بواحدة؛ من التجربة؛ أي: يختبر ما عندهم من الغضب لله تعالى، ولنبيِّه (١). وقيد كافتهم الحرف الثاني: (يحربهم) بالحاء والراء المهملتين، والباء بواحدة؛ من التحريب، وهو: التغضيب. يقال: حربت الأسد. وأسد مُحرَّب؛ أي: أغضبته، فهو مُغضَبٌ.
следующие страницы →