[١١٨٥] وعن ابن عباس قال: أَخبَرَنِي أُسَامَةُ بنُ زَيدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا دَخَلَ البَيتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَم يُصَلِّ فِيهِ حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ فِي قُبُلِ البَيتِ رَكعَتَينِ، وَقَالَ: هَذِهِ القِبلَةُ.
رواه البخاري (٣٩٨)، ومسلم (١٣٣٠)(٣٩٥)، والنسائي (٥/ ٢٢٠ - ٢٢١).
[١١٨٦] وعنه، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الكَعبَةَ وَفِيهَا سِتُّ سَوَارٍ، فَقَامَ عِندَ سَارِيَةٍ فَدَعَا، وَلَم يُصَلِّ.
رواه مسلم (١٣٣١).
ــ
وذويه، فلا تنتزع منهم بحال؛ كالسقاية في بني العباس، ولذلك قال ﷺ : (كل مأثرة كانت في الجاهلية فهي تحت قدمي (١) إلا سقاية الحاج، وسدانة البيت). وقال: (يا بني عبد الدار! خذوها خالدةً، تالدةً) (٢). وبذلك قال جميع العلماء. وأعظم مالك أن يشرك غيرهم فيها معهم.
وهذه العُمرة التي سُئل عنها ابن أبي أوفى هي عمرة القضاء، ولم يختلف أنه لم يدخل فيها النبي ﷺ البيت؛ لما كان فيه من الصور، والأصنام، ولم يكن يقدر على تغييرها إذ ذاك لأجل مشركي أهل مكة، فلما فتحها الله عليه دخل البيت، وصلَّى فيه، على ما تقدَّم. وسائر عُمُرِه لم يثبت فيها عن النبي ﷺ دخوله البيت، ولا نفيه.
وقوله: (فلما خرج ركع في قُبُل البيت ركعتين، وقال: هذه القبلة)؛ أي: فيما يقابله منها إذا استقبل الباب. وفي هذه الإشارة قولان:
стр. 1682
[١١٨٧] وعن عَبدِ اللَّهِ بنِ أَبِي أَوفَى صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : وسئل: أَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ البَيتَ فِي عُمرَتِهِ قَالَ: لَا.
رواه البخاري (١٧٩١)، ومسلم (١٣٣٢)، وأبو داود (١٩٠٢ و ١٩٠٣).
* * *
(٤٨) باب في نَقضِ الكَعبَةِ وَبِنَائِهَا
[١١٨٨] عَن عُروَةَ، عَن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَولَا حَدَاثَةُ عَهدِ قَومِكِ بِالكُفرِ لَنَقَضتُ الكَعبَةَ وَلَجَعَلتُهَا عَلَى أَسَاسِ إِبرَاهِيمَ
ــ
أحدهما: أنها إلى الكعبة، ثم في المعنى قولان:
الأول: أن الإشارة تقرير لحكم الانتقال عن بيت المقدس.
الثاني: أنها إلى وجه البيت في حق حاضره بخلاف الغائب.
وثانيهما: أن الإشارة إلى وجه الكعبة، فيكون التعليم للإمام أن يستقبل البيت من وجهه، وإن كانت الصلاة إلى جميعه جائزة.
(٤٨) ومن باب: نقض الكعبة وبنائها
قوله ﷺ : (لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة)؛ فيه حجة لمالك على القول بسد الذرائع.
وقوله: (ولجعلتها على أساس إبراهيم)؛ يدل على أن جدر البيت منه،
стр. 1683
فَإِنَّ قُرَيشًا حِينَ بَنَت البَيتَ استَقصَرَت وَلَجَعَلتُ لَهَا خَلفًا.
رواه أحمد (٦/ ١٧٦)، والبخاري (١٥٨٤)، ومسلم (١٣٣٣)(٣٩٨)، والترمذي (٨٧٥)، والنسائي (٥/ ٢١٥)، وابن ماجه (٢٩٥٥).
[١١٨٩] ومن حديث عَبدَ اللَّهِ بنَ أبي بكر بن أبي قحافة عنها، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ: لَولَا أَنَّ قَومَكِ حَدِيثُو عَهدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ (أَو قَالَ: بِكُفرٍ) لَأَنفَقتُ كَنزَ الكَعبَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَجَعَلتُ بَابَهَا
ــ
كما سيأتي. و (استقصرت)؛ أي: قصرت عن إتمام بنائها، واقتصرت على هذا القدر منها؛ إذ لم يجدوا نفقة.
وقوله: (ولجعلت لها خلفًا): هو بفتح الخاء، وسكون اللام. وفي البخاري قال هشام بن عروة: يعني: بابًا. وقد جاء مفسَّرًا في الحديث بعد هذا. وفي البخاري أيضًا: (لجعلت لها خلفين). الرواية الصحيحة فيها: بفتح الخاء، كما قلناه، وهما: البابان. وقال ابن الأعرابي: الخلف: الظهر. وذكر الحربي هذا الحديث، وضبطه: خِلفين، بكسر الخاء، وقال: الخالفة: عمودٌ في مؤخر البيت. يقال: وراءه خِلفٌ جيد. والأول أصح.
وقوله: (لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله)؛ هذا الكنز هو المالُ الذي كان يجتمع مما كان يُهدى إلى الكعبة، وأقر النبي ﷺ ذلك المال في الكعبة للعلَّة التي ذكر، وهي: مخافة التنفير. وأقره أبو بكر ولم يعرض له. ثم إن عمر همَّ بقسمته، فخالفه في ذلك بعض الصحابة، واحتج عليه: بأن النبي ﷺ وأبا بكر لم يفعلا ذلك، فتوقف.
قلت: ولا يظن أن هذا الكنز الذي جرى فيه ما ذكرنا أنه يدخل فيه حُلِيُّ الكعبة الذي حُلِّيت به من الذهب والفضة، كما ظنَّه بعضهم، فإن ذلك ليس
стр. 1684
بِالأَرضِ، وَلَأَدخَلتُ فِيهَا مِن الحِجرِ.
وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ: لَئِن كَانَت عَائِشَةُ سَمِعَت هَذَا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
ــ
بصحيح؛ لأن حليتها محتبسة عليها، كحُصرها، وقناديلها، وسائر ما يحبس عليها لا يجوز صرفها في غيرها، ويكون حكم حليها حكم حلية سيف أو مصحف حُبسا في سبيل الله؛ فإنه لا يجوز تغييره عن الوجه الذي حبس له، وإنما ذلك الكنز كما ذكرناه، وكأنه فضلةُ ما كان يهدى إليها عما كانت تحتاج إليه مما ينفق فيها، فلما افتتح النبي ﷺ خاف من نفرة قلوب قريش إن هو أنفقه في سبيل الله تعالى، كما قال. وذلك أنهم كانت عادتهم في ذلك: ألا يتعرضوا له. فأقره النبي ﷺ على ذلك لما ذكره، ثم إنه بقي على ذلك في إمارة أبي بكر وعمر، ولا أدري ما صنع به بعد ذلك. وينبغي أن يبحث عنه.
وسبيل الله هنا: الجهاد. وهو الظاهر من عرف الشرع، كما قررناه في كتاب الزكاة.
و(من) في قوله: (من الحجر) للتبعيض، بدليل قوله في الرواية الأخرى: (أدخلت من الحجر خمسة أذرع).
وقول عبد الله بن عمر ﵄: (لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله ﷺ )؛ ليس شكًّا منه في سماعها، ولا في سماع الراوي عنها، وإنما هذا على طريقة وضع الشَّرطي المتصل الذي يوضع شرطه تقديرًا ليتبيّن مشروطه تحقيقًا. وله في كلام الله تعالى، وكلام رسوله ﷺ نظائر، منها: قوله : ﴿قُل إِن كَانَ لِلرَّحمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ العَابِدِينَ﴾ وقوله: ﴿لَو كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ومثله كثير. ولبسط هذا وتحقيقه علمٌ آخر. وقد يأتي هذا النحو في الكلام على طريق تبيين الحال على وجهٍ يأنس به المخاطب،
стр. 1685
مَا أُرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ استِلَامَ الرُّكنَينِ اللَّذَينِ يَلِيَانِ الحِجرَ، إِلَّا أَنَّ البَيتَ لَم يُتَمَّم عَلَى قَوَاعِدِ إِبرَاهِيمَ.
رواه مسلم (١٣٣٣) (٣٩٩ و ٤٠٠).
[١١٩٠] وعَن عَطَاءٍ قَالَ: لَمَّا احتَرَقَ البَيتُ زَمَنَ يَزِيدَ بنِ مُعَاوِيَةَ حِينَ غَزَاهَ أَهلُ الشَّامِ، فَكَانَ مِن أَمرِهِ مَا كَانَ، تَرَكَهُ ابنُ الزُّبَيرِ، حَتَّى قَدِمَ النَّاسُ المَوسِمَ، يُرِيدُ أَن يُجَرِّئَهُم، أَو يُحَزِّبَهُم عَلَى أَهلِ الشَّامِ، فَلَمَّا صَدَرَ
ــ
وإظهار التناصف في الكلام، كقوله تعالى: ﴿قُل إِن ضَلَلتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفسِي وَإِنِ اهتَدَيتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ وعلى الجملة: فالشرط يأتي في الكلام على غير وجه الشكِّ، وهو كثير.
وقوله: (ما ترك رسول الله ﷺ استلام الركنين اليمانيين إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم)؛ يعني: أن الركنين اللذين يليان الحجر ليسا بركنين، وإنما هما بعض الجدار الذي بنته قريش، فلذلك لم يستلمهما. وقد تقدَّم القول على هذا.
وقوله: (يريد أن يُجرِّئهم - أو يُحزِّبهم -)؛ الأول: من الجرأة، وهي الشجاعة. والثاني من التحزيب، وهو التجميع. هكذا لابن سعيد، والفارسي، وغيرهما. ومعنى ذلك: أنه أراد أن يشجعهم أو يُجمعهم على أهل الشام بإظهار قبح أفعالهم في الكعبة. وروى العذري الحرف الأول: (يجربهم) بالباء بواحدة؛ من التجربة؛ أي: يختبر ما عندهم من الغضب لله تعالى، ولنبيِّه (١). وقيد كافتهم الحرف الثاني: (يحربهم) بالحاء والراء المهملتين، والباء بواحدة؛ من التحريب، وهو: التغضيب. يقال: حربت الأسد. وأسد مُحرَّب؛ أي: أغضبته، فهو مُغضَبٌ.
стр. 1686
النَّاسُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي الكَعبَةِ أَنقُضُهَا، ثُمَّ أَبنِي بِنَاءَهَا، أَو أُصلِحُ مَا وَهَى مِنهَا؟ فقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فَإِنِّي قَد فُرِقَ لِي رَأيٌ فِيهَا، أَرَى أَن تُصلِحَ مَا وَهَى مِنهَا، وَتَدَعَ بَيتًا أَسلَمَ النَّاسُ عَلَيهِ، وَأَحجَارًا أَسلَمَ النَّاسُ عَلَيهَا، وَبُعِثَ عَلَيهَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ ابنُ الزُّبَيرِ: لَو كَانَ أَحَدُكُم احتَرَقَ بَيتُهُ مَا رَضِيَ حَتَّى يُجِدَّهُ، فَكَيفَ بَبيتُ رَبِّكُم، إِنِّي مُستَخِيرٌ رَبِّي ثَلَاثًا، ثُمَّ عَازِمٌ عَلَى أَمرِي، فَلَمَّا مَضَت ثَلَاثٌ أَجمَعَ رَأيَهُ أَن يَنقُضَهَا، فَتَحَامَاهُ النَّاسُ أَن يَنزِلَ بِأَوَّلِ النَّاسِ يَصعَدُ فِيهِ أَمرٌ مِن السَّمَاءِ، حَتَّى صَعِدَهُ رَجُلٌ فَأَلقَى مِنهُ حِجَارَةً، فَلَمَّا لَم يَرَهُ النَّاسُ أَصَابَهُ شَيءٌ، تَتَابَعُوا فَنَقَضُوهُ، حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الأَرضَ، فَجَعَلَ ابنُ الزُّبَيرِ أَعمِدَةً، فَسَتَّرَ عَلَيهَا السُّتُورَ، حَتَّى ارتَفَعَ بِنَاؤُهُ.
ــ
وقول ابن عباس: (إنه فُرِقَ لي فيها رأي)؛ أي: انكشف واتضح. ومنه قوله تعالى: ﴿وَقُرآنًا فَرَقنَاهُ لِتَقرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكثٍ﴾؛ أي: أوضحناه، وكشفنا معانيه. و (وهى): ضعف ورَثَّ. و (أجمع رأيه) - رباعيًّا -: عزم، وأمضى. فأما: جمع - ثلاثيًّا -: فضد التفريق. و (تحاماه الناس)؛ أي: امتنعوا من نقض البيت خوفًا وهيبة. و (تتابعوا) كافة الرواة على الباء بواحدة من التتابع. وهو الجيِّد هنا (١). وضبطه أبو بحر بالياء باثنتين من تحتها، ومعناهما واحد، غير أن: التتايع - بالياء، باثنتين - أكثره في الشرِّ.
وقوله: (فجعل ابن الزبير أعمدة فستَّر عليها الستور)؛ إنما فعل ذلك ابن الزبير لاستقبال المستقبلين، وطواف الطائفين، ولأن ابن عباس قال: (إن كنتَ هادمَها فلا تدع الناس لا قِبلة لهم. وهذا يدل على أن بقعة البيت ما كانت تتنزَّل عندهما منزلة البيت، وقد خالفهما في ذلك جابر وقال: صلوا إلى موضعها. وقد ذكرنا الخلاف بين الفقهاء في ذلك. وما فعله عبد الله بن الزبير ﵁ في
стр. 1687
وَقَالَ ابنُ الزُّبَيرِ: إِنِّي سَمِعتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَولَا أَنَّ النَّاسَ حديث عَهدُهُم بِكُفرٍ، وَلَيسَ عِندِي مِن النَّفَقَةِ مَا يُقَوِّيني عَلَى بِنَائِهِ لَكُنتُ أَدخَلتُ مِن الحِجرِ خَمسَ أَذرُعٍ، وَلَجَعَلتُ لَهَا بَابًا يَدخُلُ النَّاسُ مِنهُ، وَبَابًا يَخرُجُونَ مِنهُ. قَالَ: فَأَنَا اليَومَ أَجِدُ مَا أُنفِقُ، وَلَستُ أَخَافُ النَّاسَ. قَالَ: فَزَادَ فِيهِ خَمسَ أَذرُعٍ مِن الحِجرِ، حَتَّى أَبدَى أُسًّا نَظَرَ النَّاسُ إِلَيهِ، فَبَنَى عَلَيهِ البِنَاءَ، وَكَانَ طُولُ الكَعبَةِ ثَمَانِيَ عَشرَةَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا زَادَ فِيهِ استَقصَرَهُ، فَزَادَ فِي طُولِهِ عَشرَ أَذرُعٍ، وَجَعَلَ لَهُ بَابَينِ: أَحَدُهُمَا يُدخَلُ مِنهُ، وَالآخَرُ يُخرَجُ مِنهُ. قال: فَلَمَّا قُتِلَ ابنُ الزُّبَيرِ كَتَبَ الحَجَّاجُ إِلَى عَبدِ المَلِكِ بنِ مَروَانَ يُخبِرُهُ بِذَلِكَ، وَيُخبِرُهُ أَنَّ ابنَ الزُّبَيرِ قَد وَضَعَ البِنَاءَ عَلَى أُسٍّ نَظَرَ إِلَيهِ العُدُولُ مِن أَهلِ مَكَّةَ، فَكَتَبَ إِلَيهِ عَبدُ المَلِكِ: إِنَّا لَسنَا مِن تَلطِيخِ ابنِ الزُّبَيرِ فِي شَيءٍ، أَمَّا مَا زَادَ فِي طُولِهِ فَأَقِرَّهُ، وَأَمَّا مَا زَادَ فِيهِ مِن الحِجرِ فَرُدَّهُ إِلَى بِنَائِهِ. وسد الباب الذي فتحه. فنقضه وأعاده إلى بنائه.
ــ
البيت كان صوابًا وحقًّا. وقبَّح الله الحجاج، وعبد الملك، لقد جهلا سنَّة رسول الله ﷺ واجترأا على بيت الله وعلى أوليائه.
و(التلطيخ): التلويث والتقذير (١). يقال: لطخت فلانًا بأمرٍ قبيح: إذا رماه به. ورجل لطيخ؛ أي: قذر. أراد بذلك العيب لفعله. وهو المعاب.
وقوله: (ثم أعاده إلى بنائه (٢))؛ يعني: البناء الأول المتقدِّم على بناء ابن الزبير. وهو الذي عليه الآن. وقد كان الرشيد أراد أن يرده على ما بناه ابن الزبير، فقال له مالك: نشدتك الله يا أمير المؤمنين! ألا (٣) تجعل هذا البيت
стр. 1688
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ عَبدُ المَلِكِ: مَا أَظُنُّ أَبَا خُبَيبٍ (يَعنِي ابنَ الزُّبَيرِ) سَمِعَ مِن عَائِشَةَ مَا كَانَ زعُمُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنهَا. قَالَ الحَارِثُ بن عبد الله: بَلَى أَنَا سَمِعتُهُ مِنهَا. قَالَ: سَمِعتَهَا تَقُولُ: مَاذَا؟ قَالَ: قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ قَومَكِ استَقصَرُوا مِن بُنيَانِ البَيتِ، وَلَولَا حَدَاثَةُ عَهدِهِم بِالشِّركِ أَعَدتُ مَا تَرَكُوا مِنهُ، فَإِن بَدَا لِقَومِكِ مِن بَعدِك أَن يَبنُوهُ فَهَلُمِّي لِأُرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنهُ. فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِن سَبعَ أَذرُعٍ.
وَفِي أُخرى: فقال عبد الملك: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بنى ابن الزبير.
رواه أحمد (٦/ ٢٣٩)، والبخاري (١٥٨٦)، ومسلم (١٣٣٣) (٤٠٢ و ٤٠٣ و ٤٠٤)، والنسائي (٥/ ٢١٦).
[١١٩١] وعن عَبدَ اللَّهِ بنَ الزُّبَيرِ، قال: حَدَّثَتنِي خَالَتِي (يَعنِي عَائِشَةَ) قَالَت: قَالَ النبي ﷺ : يَا عَائِشَةُ لَولَا أَنَّ قَومَكِ حَدِيثُو عَهدٍ بِشِركٍ
ــ
ملعبة للملوك؛ لا يشاء أحدٌ إلا نقض البيت وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس. فترك ما هم به، واستحسن الناس هذا من مالك، وعملوا عليه، فصار هذا كالإجماع. على أنه لا يجوز التعرض له بهد أو تغيير. والله أعلم.
وقوله: (فأراها قريبًا من سبع أذرع)؛ هذا ليس مخالفًا لما تقدم من خمس أذرع؛ لأن هذا تقدير، وذكر الخمس تحقيق.
وقول عبد الملك: (لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بنى ابن الزبير)؛ تصريح منه بجهله بالسنة الواردة في ذلك، وهو غير معذور في ذلك؛ فإنه كان متمكنًا من التثبت في ذلك، والسؤال، والبحث، فلم يفعل؛ واستعجل، وقصَّر. فالله حسيبه، ومجازيه على ذلك.
стр. 1689
لَهَدَمتُ الكَعبَةَ فَأَلزَقتُهَا بِالأَرضِ، وَجَعَلتُ لَهَا بَابَينِ، بَابًا شَرقِيًّا وَبَابًا غَربِيًّا، وَزِدتُ فِيهَا سِتَّ أَذرُعٍ مِن الحِجرِ، فَإِنَّ قُرَيشًا اقتَصَرَتهَا حيث بَنَت الكَعبَةَ.
رواه أحمد (٦/ ١٧٩)، ومسلم (١٣٣٣)(٤٠١).
[١١٩٢] وعَن الأَسوَدِ بنِ يَزِيدَ، عَن عَائِشَةَ قَالَت: سَأَلتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَن الجَدرِ أَمِن البَيتِ هُوَ؟ قَالَ: نَعَم قُلتُ: فَلِمَ لَم يُدخِلُوهُ البَيتِ؟ قَالَ: إِنَّ قَومَكِ قَصَّرَت بِهِم النَّفَقَةُ. قُلتُ: فَمَا شَأنُ بَابِهِ مُرتَفِعًا؟ قَالَ: فَعَلَ ذَلِكِ قَومُكِ لِيُدخِلُوا مَن شَاؤوا، وَيَمنَعُوا مَن شَاؤوا، وَلَولَا أَنَّ قَومَكِ حديث عَهدُهُم فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَأَخَافُ أَن تُنكِرَه قُلُوبُهُم، لَنَظَرتُ أَن أُدخِلَ الجَدرَ فِي البَيتِ، وَأَن أُلزِقَ بَابَهُ بِالأَرضِ.
رواه مسلم (١٣٣٣)(٤٠٥).
* * *
ــ
و(الجَدر) - بالفتح -: الجدار، وهو بالدال المهملة، والجيم المفتوحة. والمراد به هنا: أصل الجدار الذي أخرجته قريش عن بناء الجدار الذي بنوه، وهو المعبَّر عنه بالشاذروان. وقد يكون الجدر أيضًا: ما يرفع من جوانب الشرفات في أصول النخل، وهي كالحيطان لها. ومنه قوله: (اسق يا زبير حتى يبلغ الماء الجدر) (١).
* * *
стр. 1690
(٤٩) باب الحج عن المعضوب والصبي
[١١٩٣] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الفَضلُ بنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَتهُ امرَأَةٌ مِن خَثعَمَ تَستَفتِيهِ، فَجَعَلَ الفَضلُ يَنظُرُ إِلَيهَا، وَتَنظُرُ إِلَيهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصرِفُ وَجهَ الفَضلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ قَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أَدرَكَت أَبِي شَيخًا كَبِيرًا لَا يَستَطِيعُ أَن يَثبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنهُ؟ قَالَ: نَعَم وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ.
ــ
(٤٩) ومن باب: الحج عن المعضوب
قوله: (فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه)؛ هذا النظر منهما بمقتضى الطباع؛ فإنها مجبولةٌ على الميل إلى الصور الحسنة. ولذلك قال في رواية: (وكان الفضل أبيض وسيمًا)؛ أي: جميلًا. و (صرف النبي ﷺ وجه الفضل إلى الشق الآخر)؛ منع له من مقتضى الطبع، وردٌّ له (١) إلى مقتضى الشرع.
وفيه دليل: على أن المرأة تكشف وجهها في الإحرام، وأنها لا يجب عليها ستره وإن خيف منها (٢) الفتنة، لكنها تندب إلى ذلك، بخلاف أزواج النبي ﷺ ، فإن الحجاب عليهن كان فريضة.
وقولها: (إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة)؛ هذا هو المسمَّى بالمعضوب. والعضب: القطع. وبه سُمِّي السيف: عضبًا، وكأن من انتهى إلى هذه الحالة قطعت أعضاؤه؛ إذ لا يقدر على شيء. وقد
стр. 1691
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبِي شَيخٌ كَبِيرٌ عَلَيهِ فَرِيضَةُ اللَّهِ
ــ
بيَّنَتُه في الرواية الأخرى بقولها: (لا يستطيع أن يستويَ على ظهر بعيره. فبمجموع الروايتين يحصل: أنه لا يقدر على الاستواء على الراحلة، ولو استوى لم يثبت عليها.
وقولها: (أدركت أبي)، وفي الرواية الأخرى: (عليه فريضة الله في الحج)؛ ظاهرٌ في أن من لم يستطع الحج بنفسه أنه يخاطب به. وبهذا الظاهر أخذ الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، والجمهور على تفصيل لهم يأتي إن شاء الله تعالى. وخالفهم في ذلك مالك وأصحابه، ورأوا: أن هذا الظاهر مخالف لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنِ استَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلا﴾ فإن الأصل في الاستطاعة إنما هي القوة بالبدن. ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا اسطَاعُوا أَن يَظهَرُوهُ وَمَا استَطَاعُوا لَهُ نَقبًا﴾؛ أي: ما قدروا، ولا قووا. وبالجملة: فإذا قال القائل: فلان مستطيع، أو غير مستطيع. فالظاهر منه السابق إلى الفهم: نفي القدرة أو إثباتها، فلما عارض ظاهر الحديث ظاهر القرآن رجح مالك ﵀ ظاهر القرآن. وهو مرجح بلا شك من أوجه: منها: أنه مقطوع بتواتره. ومنها: أن هذا القول إنما هو قول المرأة على ما ظنت. ثم إنه يحتمل أن يكون معنى: (أدركت أبي): أن الحج فرض وأبوها حي على تلك الحالة الموصوفة.
قلت: وهذا التأويل، وإن قبله قولها: (أدركت). فلا يقبله قولها في الرواية الأخرى: (عليه فريضة الحج). لكن هذا كله منها ظن وحسبان، ولا حجة في شيء من ذلك، فإنها ظنت الأمر على خلاف ما هو عليه. ولا يقال: فقد أجابها رسول الله ﷺ على سؤالها، ولو كان سؤالها غلطًا لما أجابها عليه، ولبينه لها، فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز، لأنا نقول: إنه لم يُجبها على هذا القول، بل على قولها: (أفأحج عنه؟ ) فقال لها: (نعم). أو: (فحجي عنه) على اختلاف
стр. 1692
فِي الحَجِّ، وَهُوَ لَا يَستَطِيعُ أَن يَستَوِيَ عَلَى ظَهرِ بَعِيرِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَحُجِّي عَنهُ.
ــ
الرواية، وإنما قال لها ذلك لما رأى من حرصها على إيصال الخير والثواب لأبيها، فأجابها إلى ذلك. كما قال للأخرى التي قالت: إن أمي نذرت أن تحجَّ، فلم تحجَّ حتى ماتت، أفأحجَّ عنها؟ فقال: (حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته عنها؟ ) قالت: نعم (١)؛ ففي هذا ما يدل على أنه من باب التطوُّعات، وإيصال الخير والبرِّ للأموات. ألا ترى أنه قد شبَّه فعل الحج بالدَّين؟ ! وبالإجماع: لو مات ميت (٢) وعليه دين لم يجب على وليه قضاؤه من ماله، فإن تطوع بذلك تأدَّى الدين عنه. ولا يبعد في كرم الله وفضله إذا حجَّ الولي عن الميت الصَّرورة (٣) أن يعفو الله عن الميت بذلك، ويثيبه عليه، أو لا يطالبه بتفريطه. وقد تقدَّم الكلام على هذا المعنى في الصوم. ولم يتعرض النبي ﷺ لقولها؛ لأنه فهم أن مرادها الاحتمال الذي قدمناه. والله تعالى أعلم.
قلت: وقد قال بعض أصحابنا - وهو أبو عمر بن عبد البر -: حديث الخثعمية عند مالك وأصحابه مخصوص بها. وقال آخرون: فيه اضطراب. قلت: وفي هذين القولين بُعد. والصحيح ما قدَّمته. والله أعلم.
وقد قال بعض أصحابنا بموجب حديث الخثعمية فقال: لا تجوز النيابة في الحج إلا للابن عن أبيه خاصة. وفي هذا الحديث ردٌّ على الحسن بن حييِّ حيث قال: لا يجوز حج المرأة عن الرجل.
وقد اختلف العلماء في النيابة في الحج قديمًا وحديثًا. فحكي عن النخعي
стр. 1693
رواه أحمد (١/ ٣٤٦)، والبخاري (١٥١٣)، ومسلم (١٣٣٤) و (١٣٣٥) وأبو داود (١٨٠٩)، والئسائي (٥/ ١١٨)، وابن ماجه (٢٩٠٩).
ــ
وبعض السَّلف: لا يحج أحدٌ عن أحد جملة من غير تفصيل. وحكي مثله عن مالك. وقال جمهور الفقهاء: يجوز أن يحج عن الميت، عن فرضه، ونذره، وإن لم يوص به (١)، ويجزئ عنه. واختلف قول الشافعي ﵀ في الإجزاء عن الفرض. ومذهب مالك، والليث، والحسن بن حيي: أنه لا يحج أحدٌ عن أحد إلا عن ميت لم يحج حجة الإسلام، ولا ينوب عن فرضه. قال مالك: إذا أوصى به. وكذلك عنده يتطوع بالحج عن الميت إذا أوصى به. وأجاز أبو حنيفة، والثوري وصية الصحيح بالحج عنه تطوُّعًا. وروي مثله عن مالك.
وسبب الخلاف في هذه المسألة: ما قد أشرنا إليه من معارضة الظواهر بعضها بعضًا، ومعارضة القياس لتلك الظواهر، واختلافهم في تصحيح حديثي جابر وابن عباس. فأما حديث جابر: فخرَّجه عبد الرزاق قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يدخل بالحجة الواحدة ثلاثة الجنة: الميت، والحاج، والمنفِّذ لذلك) (٢). في إسناده أبو معشر؛ نجيح، وأكثر الناس يضعفه، ومع ضعفه يكتب حديثه.
وأما حديث ابن عباس: فخرَّجه أبو داود. قال فيه: سمع رسول الله ﷺ رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة. فقال: (من شبرمة؟ ) قال: أخ لي، أو قريب لي. فقال: (حججت عن نفسك؟ ) قال: لا. قال: (حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة) (٣). علله بعضهم: بأنه قد روي موقوفًا، والذي أسنده ثقة. وقد قال سفيان، والحسن بن علي: لا يحج في الوصية بالحج من لم يحجَّ عن نفسه، أخذًا بحديث
стр. 1694
[١١٩٤] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ لَقِيَ رَكبًا بِالرَّوحَاءِ فَقَالَ: مَن القَومُ؟ قَالُوا: المُسلِمُونَ فَقَالُوا: مَن أَنتَ؟ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ. فَرَفَعَت إِلَيهِ امرَأَةٌ صَبِيًّا فَقَالَت: أَلِهَذَا حَجٌّ
ــ
شبرمة هذا. وقاله الشافعي فيمن حج عن ميِّت. وقال غيرُ مَن ذكر: بجواز ذلك، وإن كان الأولى هو الأول.
والجمهور على كراهية الإجارة في الحج. وقال أبو حنيفة: لا تجوز. وقال مالك والشافعي - في أحد قوليه -: لا تجوز، فإن وقع مضى. وقال بعض أصحابنا بجواز ذلك ابتداءً.
و(الرَّوحاء): موضع معروف من عمل الفرع، بينه وبين المدينة نحو الأربعين ميلًا. وفي كتاب مسلم: ستة وثلاثون ميلًا. وفي كتاب ابن أبي شيبة: ثلاثون ميلًا. و (الركب): أصحاب الإبل الرَّاكبون عليها.
وقوله (١): (مَنِ القوم؟ ) سؤال من لم يعلم مَن كانوا، إما لأنهم كانوا في ليل، وإما لأن هؤلاء الركب (٢) كانوا فيمن أسلم ولم يهاجروا.
و(رفع المرأة الصبيَّ)؛ يدل على صغره، وأنه لم يكن جفرًا (٣)، ولا مراهقًا؛ إذ لا ترفعه غالبًا إلا وهو صغير. وفي الموطأ: فأخذت بضبعي (٤) صبي لها وهو في محفّتها. وفي غيره: فأخرجته من محفّتها. وهو حجة للجمهور في أن الصغير ينعقد حجُّه، ويجتنب ما يجتنبه الكبير (٥). وهو ردٌّ على قوم من أهل البدع منعوا حج الصبيِّ،
стр. 1695
قَالَ: نَعَم، وَلَكِ أَجرٌ.
رواه أحمد (١/ ٢١٩)، ومسلم (١٣٣٦)(٤٠٩)، وأبو داود (١٧٣٦)، والنسائي (٥/ ١٢٠ - ١٢١).
* * *
ــ
وعلى أبي حنيفة إذ يقول: لا ينعقد، وإنما هو عنده من باب التمرين، ولا يلزم أن يجتنب شيئا يجتنبه المحرم. وكلُّ من قال بصحة حج الصغير متفقون: على أنه لا يجزئه عن حجة الإسلام. وقد شذَّت فرقة لا مبالاة بها، فقالت: يجزئه عنها (١)، بدليل: أن الصبي لا يجب عليه حكم شرعًا اتفاقًا، وإنما الخلاف: هل يُخاطبون بخطاب الندب من جهة الله تعالى؟ أو: إنما المخاطب أولياؤهم بحملهم على آداب الشريعة، وتمرينهم عليها، وأخذهم بما يمكنهم من أحكامها في أنفسهم، وأموالهم. وهذا هو المرتضى في (٢) الأصول. ثم لا بُعدَ في أن الله تعالى يثيبهم على ما يصدر عنهم من أفعال البر والخير، فإن الثواب فضل الله تعالى يؤتيه من يشاء. وبهذا قال عمر بن الخطاب ﵁ وكثير من العلماء. أعني: أنهم قالوا: إنهم يثابون على طاعاتهم، ولا يعاقبون على سيئاتهم.
واختلف العلماء في الصبي إذا أحرم بالحج ثم بلغ: فقال مالك: لا يرفض إحرامه، ويتم حجَّه، ولا يجزئه عن حجة الإسلام. وقال: إن استأنف الإحرام قبل الوقوف بعرفة أجزأه عنها. وقال أبو حنيفة: يلزمه تجديد النية للإحرام، ورفض الأولى، إذ لا يترك فرضٌ لنافلة. وقال الشافعي: يجزئه، ولا يحتاج إلى تجديد نيَّةٍ.
والخلاف في يحرم ثم يُعتق كالخلاف في الصبي.
وقوله: (ولك أجر)؛ يعني: فيما تكلفته من أمره بالحج وتعليمها إيَّاه، وتجنيبها إيَّاه ممنوعات الإحرام.
стр. 1696
(٥٠) باب فرض الحج مرة في العمر
[١١٩٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! قَد فَرَضَ اللَّهُ عَلَيكُم الحَجَّ فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَو قُلتُ: نَعَم لَوَجَبَت، وَلَمَا استَطَعتُم، ثُمَّ قَالَ: ذَرُونِي مَا تَرَكتُكُم، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَن كَانَ
ــ
(٥٠) ومن باب: فرض الحج مرة في العمر
قوله: (قد فرض عليكم الحج فحجُّوا)؛ أي: أوجب، وألزم. وإن كان أصل الفرض: التقدير، كما تقدم. ولا خلاف في وجوبه مرة في العمر على المستطيع. وقد تقدم الكلام على الاستطاعة.
وقول السائل: (أكل عام؟ ) سؤال من تردَّد في فهم قوله: (فحجوا) بين التكرار والمرة الواحدة، وكأنه عنده مجملٌ، فاستفصل، فأجابه بقوله: (لو قلت نعم؟ لوجبت)؛ أي: لوجبت المسألة، أو الحجة في كل عام (١)، بحكم ترتيب الجواب على السؤال.
وقوله: (ولما استطعتم)؛ أي: لا تطيقون ذلك، لثقله، ومشقته على القريب، ولتعذره على البعيد.
وقوله: (ذروني ما تركتكم)؛ يعني: لا تكثروا من الاستفصال عن المواضع التي تكون مقيَّدة بوجهٍ ما ظاهرٍ وإن كانت صالحة لغيره. وبيان ذلك:
أن قوله: (فحجوا) وإن كان صالِحًا للتكرار، فينبغي أن يكتفى بما يصدق
стр. 1697
قَبلَكُم بِكَثرَةِ سُؤَالِهِم، وَاختِلَافِهِم عَلَى أَنبِيَائِهِم، فَإِذَا أَمَرتُكُم بِشَيءٍ فَأتُوا مِنهُ مَا استَطَعتُم، وَإِذَا نَهَيتُكُم عَن شَيءٍ فَدَعُوهُ.
رواه مسلم (١٣٣٧)، والنسائي (٥/ ١١٠ - ١١١).
* * *
ــ
عليه اللفظ، وهو المرة الواحدة، فإنها مدلولة للَّفظ قطعًا، وما زاد عليها يتغافل عنه، ولا يكثر السؤال فيه لإمكان أن يكثر الجواب المترتب عليه، فيضاهي ذلك قصة بقرة بني إسرائيل التي قيل لهم فيها: اذبحوا بقرة. فلو اقتصروا على ما يصدق عليه اللفظ، وبادروا إلى ذبح بقرة - أي بقرة كانت - لكانوا ممتثلين، لكن لما أكثروا السُّؤال كثر عليهم الجواب، فشدَّدوا، فَشُدِّد عليهم، فذُمُّوا على ذلك، فخاف النبي ﷺ مثل هذا على أمته، ولذلك قال: (فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم)، وعلى هذا يحمل قوله: (فإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم)؛ يعني: بشيء مطلق. كما إذا قال: صُم، أو صلِّ، أو تصدَّق. فيكفي من ذلك أقل ما ينطلق عليه الاسم. فيصوم يومًا، ويصلِّي ركعتين، ويتصدَّق بشيء يُتصدَّق بمثله. فإن قيَّد شيئًا من ذلك بقيودٍ، ووصفه بأوصاف لم يكن بدٌّ من امتثال أمره على ما فصَّل وقيَّد، وإن كان فيه أشدُّ المشقَّات، وأشقُّ التكاليف. وهذا مما لا يختلف فيه إن شاء الله تعالى أنه هو المراد بالحديث.
وقوله: (وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه)؛ يعني: أن النهي على نقيض الأمر، وذلك: أنه لا يكون ممتثلًا بمقتضى النهي حتى لا يفعل واحدًا من آحاد ما يتناوله النهي، ومن فعل واحدًا فقد خالف، وعصى، فليس في النهي إلا ترك ما نهي عنه مطلقًا دائمًا، وحينئذ يكون ممتثلًا لترك ما أُمر بتركه، بخلاف الأمر على ما تقدَّم. وهذا الأصل إذا فهم هو ومسألة مطلق الأمر، هل يحمل على الفور، أو التراخي، أو على المرة الواحدة، أو على التكرار؟ وفي هذا الحديث أبواب من الفقه لا تخفى.
стр. 1698
(٥١) باب ما جاء أن المحرم من الاستطاعة
[١١٩٦] عَن ابنِ عُمَرَ عن النبي ﷺ قَالَ: لَا يحل لامَرأَةُ تؤمن
ــ
(٥١) ومن باب: ما جاء أن المَحرَمَ من الاستطاعة
ظواهر أحاديث هذا الباب متواردةٌ على أنه لا يجوز للمرأة أن تسافر سفرًا طويلًا إلا ومعها ذو محرم منها أو زوج، وسيأتي القول في أقل السفر الطويل، وقد مرَّ منه طرف في كتاب الصلاة، فيلزم من هذه الأحاديث أن يكون المَحرم شرطًا في وجوب الحج على المرأة لهذه الظواهر، وقد روي ذلك عن النخعي والحسن، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحاب الرأي وفقهاء أصحاب الحديث، وذهب عطاء وسعيد بن جبير وابن سيرين والأوزاعي ومالك والشافعي إلى أن ذلك ليس بشرط. وروي مثله عن عائشة ﵂، لكن الشافعي - في أحد قوليه - يشترط أن يكون معها نساء أو امرأة ثقة مسلمة، وهو ظاهر قول مالك على اختلاف في تأويل قوله تخرج مع رجال أو نساء؛ هل بمجموع ذلك أم في جماعة من أحد الجنسين؟ وأكثر ما نقله أصحابنا عنه اشتراط النساء، وسبب هذا الخلاف مخالفة ظواهر هذه الأحاديث لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنِ استَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلا﴾ وذلك أن قوله: ﴿مَنِ استَطَاعَ﴾ ظاهره الاستطاعة بالبَدَن (١) كما قررناه آنفًا، فيجبُ على كل من كان قادرًا عليه ببدنه، ومن لم تجد محرمًا قادرة ببدنها فيجب عليها. فلما تعارضت هذه الظواهر اختلف العلماء في تأويل ذلك؛ فجمع أبو حنيفة ومن قال بقوله بينهما بأن جعل الحديث مبينًا (٢) للاستطاعة في حق المرأة، ورأى مالك ومن
стр. 1699
بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليالٍ
ــ
قال بقوله أن الاستطاعة بيّنة في نفسها في حق الرجال والنساء وأن الأحاديث المذكورة في هذا لم تتعرض للأسفار الواجبة، ألا ترى أنه قد اتفق على أنه يجب عليها أن تسافر مع غير ذي محرم إذا خافت على دينها ونفسها، وتُهاجر من دار الكفر كذلك (١)، ولذلك لم يختلف في أنها ليس لها أن تسافر سفرًا غير واجب مع غير ذي محرم أو زوج، ويمكن أن يقال: إن المنع في هذه الأحاديث إنما خرج لما يؤدي إليه من الخلوة وانكشاف عوراتهن غالبًا، فإذا أمن ذلك بحيث يكون في الرفقة نساء تنحاش إليهن جاز - كما قاله الشافعي ومالك، وأما مع الرِّجال المأمونين ففيه إشكال لأنه مظنة الخلوة وكشف العورة، وقد أقام الشرع المظنة مقام العلة في غير ما موضع، والله تعالى أعلم.
وقوله ﷺ لا يحل لامرأة هو على العموم لجميع المؤمنات؛ لأن امرأة نكرة في سياق النفي فتدخل فيه الشابة والمتجالَّة (٢)، وهو قول الكافة. وقال بعض أصحابنا: تخرج منه المتجالَّة؛ إذ حالها كحال الرجل في كثير من أمورها. وفيه بُعد؛ لأن الخلوة بها تحرم، وما لا يطلع عليه من جسدها غالبًا عورة، فالمظنة موجودة فيها، والعموم صالح لها، فينبغي ألا تخرج منه، والله تعالى أعلم.
وقوله مسيرة ثلاث، أو يومين، أو يوم وليلة لا يتوهم منه أنه اضطراب أو تناقض، فإن الرواة لهذه الألفاظ من الصحابة مختلفون، روى بعض ما لم يَروِ بعض، وكل ذلك قاله النبي ﷺ في أوقات مختلفةٍ بحسب ما سئل عنه.
стр. 1700
إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحرَمٍ.
رواه مسلم (١٣٣٨)(٤١٤).
[١١٩٧] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخدري قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ؛ مَسجِدِي هَذَا، وَالمَسجِدِ الحَرَامِ، وَالمَسجِدِ الأَقصَى. وَسَمِعتُهُ يَقُولُ: لَا تُسَافِر المَرأَةُ يَومَينِ مِن الدَّهرِ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحرَمٍ مِنهَا أَو زَوجُهَا.
رواه مسلم (٨٢٧)(٤١٥)، وأبو داود (١٧٢٦)، والترمذي (١١٦٩)، وابن ماجه (٢٨٩٨).
ــ
وأيضًا فإن كل ما دون الثلاث داخل في الثلاث، فيصح أن يعيّن بعضها، ويحكم عليها بحكم جميعها، فينص تارة على الثلاث وتارة على أقل منها لأنه داخل فيها، وقد تقدَّم الخلاف في أقل مدة السفر في باب القصر.
وقوله إلا ومعها ذو محرم منها، هذا يعم ذوي المحارم سواء كان بالصهر أو بالقرابة، وهو قول الجمهور، غير أن مالكًا قد كره سفر المرأة مع ابن زوجها، قال: وذلك لفساد الناس بعد.
وقوله لا تشدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ يعني: لا يسافر لمسجد لفعل قُربة فيه إلا إلى هذه المساجد لأفضليتها وشرفيتها على غيرها من المساجد، ولا خلاف في أن هذه المساجد الثلاثة أفضل من سائر المساجد كلها. ومقتضى هذا النهي أن من نذر المشي أو المضي إلى مسجد من سائر المساجد للصلاة فيه - ما عدا هذه الثلاثة - وكان منه على مسافةٍ يحتاج فيها إلى إعمال المَطِيِّ وشدِّ رحالها لم يلزمه ذلك؛ إلا أن يكون نذر مسجدًا من هذه المساجد الثلاثة، وقد ألحق محمد بن مسلمة مسجدَ قِباء بهذه المساجد على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
стр. 1701
[١١٩٨] وعن أبي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَحِلُّ لِامرَأَةٍ مُسلِمَةٍ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ لَيلَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا رَجُلٌ ذُو حُرمَةٍ مِنهَا.
وَفِي رِوَايَةٍ: مَسِيَرَة يَوم.
وَفِي أُخرَى: مَسِيرَةِ يَومٍ وَلَيلَةٍ.
رواه البخاري (١٠٨٨)، ومسلم (١٣٣٩) (٤١٩ و ٤٢١)، وأبو داود (١٧٢٤)، والترمذي (١١٧٠)، وابن ماجه (٢٨٩٩).
[١١٩٩] وعن ابنَ عَبَّاسٍ قال: سَمِعتُ رسول الله ﷺ يَخطُبُ يَقُولُ: لَا يَخلُوَنَّ رَجُلٌ بِامرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحرَمٍ، وَلَا تُسَافِر امَرأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحرَمٍ. فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ امرَأَتِي خَرَجَت حَاجَّةً،
ــ
فصار شدُّ الرِّحال في هذا الحديث عبارة عن السفر البعيد، فأمَّا لو كان المسجد قريبًا منه لزمه المضي إليه إذا نذر الصلاة فيه؛ إذ لم يتناوله هذا النَّهي، وسيأتي لهذا مزيد بيان وتفريع.
وقوله مسيرة يوم أو ليلة، لما كان ذِكر أحدهما يدل على الآخر ويستلزمه اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر، وقد جمعهما في الرواية الأخرى حيث قال يوم وليلة، والروايات يُفسر بعضها بعضًا. وقد وقع في بعض الروايات لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم (١) ولم يذكر مدة، فيقتضي بحكم إطلاقه منع السَّفر قصيره وطويله.
وقوله لا يخلون رجل بامرأة عامٌّ في المتجالات وغيرهن، وفي الشيوخ وغيرهم، وقد اتقى بعض السَّلف الخلوة بالبهيمة وقال: شيطانٌ مُغوٍ وأنثى حاضرة - أو كلامًا هذا معناه.
стр. 1702
وَإِنِّي اكتُتِبتُ فِي غَزوَةِ كَذَا وَكَذَا! قَالَ: انطَلِق فَحُجَّ مَعَ امرَأَتِكَ.
رواه أحمد (١/ ٢٢٢)، والبخاري (٣٠٠٦)، ومسلم (١٣٤١).
* * *
(٥٢) باب ما يقال عند الخروج إلى السفر وعند الرجوع
[١٢٠٠] عن ابنَ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا استَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى السَفَرٍ كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: سُبحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ، اللَّهُمَّ نَسأَلُكَ فِي
ــ
وقول الرجل إني اكتتبت في غزوة كذا؛ أي: ألزمت وأثبت اسمي في ديوان ذلك البعث.
وقوله ﷺ للرجل انطلق فحج مع امرأتك هو فسخٌ لما كان التزم من المضي للجهاد، ويدل على تأكد أمر صيانة النساء في الأسفار وعلى أن الزوج أحق بالسفر مع زوجته من ذوي رحمها، ألا ترى أنه لم يسأله هل لها محرم أم لا؟ ولأن الزوج يطلع من الزوجة على ما لا يطلع منها ذو المحرم، فكان أولى. فإذًا، قوله ﷺ في الأحاديث إلا ومعها ذو محرمٍ إنما خرج خطابا لمن لا زوج لها، والله تعالى أعلم.
(٥٢) ومن باب: ما يقال عند الخروج إلى السفر وعند الرجوع
﴿سَخَّرَ﴾ ذلَّل ومكَّن، ﴿مُقرِنِينَ﴾ مُطيقين - قاله ابن عباس، قال الشاعر:
لَقَد عَلِمَ القَبَائلُ مَا عقِيل ... لنا في النَّائِباتِ بِمُقرِنينا
أي بمطيقين، وقال الأخفش: ضابطين. وقال قتادة: مماثلين، من القرن
стр. 1703
سَفَرِنَا هَذَا البِرَّ وَالتَّقوَى وَمِن العَمَلِ مَا تَرضَى، اللَّهُمَّ هَوِّن عَلَينَا سَفَرَنَا هَذَا وَاطوِ عَنَّا بُعدَهُ، اللَّهُمَّ أَنتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالخَلِيفَةُ فِي الأَهلِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن وَعثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ المَنظَرِ، وَسُوءِ المُنقَلَبِ فِي المَالِ وَالأَهلِ. وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ، وَزَادَ فِيهِنَّ: آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ.
ــ
في القتال وهو المثل، ويحتمل أن يكون من المقارنة أي الملازمة.
ومُنقَلِبُونَ راجعون، تنبيهًا على المطالبة بالشكر على ما أنعم وعلى العدل فيما سخر.
البر العمل الصالح والخلق الحسن، والتقوى الخوف الحامل على التحرز من المكروه، الصاحب أي: أنت الصاحب الذي تصحبنا (١) بحفظك ورعايتك، والخليفة أي: الذي يخلفنا في أهلينا بإصلاح أحوالهم بعد مغيبنا وانقطاع نظرنا (٢) عنهم، ولا يسمى الله تعالى بالصاحب ولا بالخليفة لعدم الإذن وعدم تكرارهما في الشريعة.
وأعوذ أستجير، ووعثاء السفر مشقته وشدته، وأصله من الوعث وهو الوحل والدَّهس. وكآبة المنظر أي: حزن المرأى وما يسوء منه، والمنقلب الانقلاب، وهو مصدر انقلب - مزيدًا. آيبون جمع آيب، وهو الراجع بالخير هنا. وتائبون جمع تائب من الذنب، وأصل التوبة الرجوع (٣)، كذلك حدّها بعض أئمتنا بأن قالوا: التوبة هي الرجوع (٤) عمَّا هو مذموم شرعًا إلى ما هو محمود شرعًا - وسيأتي القول فيها إن شاء الله تعالى، وقد تقدَّم القول في ذنوب الأنبياء.
عابدون: خاضعون متذللون. حامدون: مُثنون عليه بصفات كماله
стр. 1704
رواه أحمد (٢/ ١٤٤)، ومسلم (١٣٤٢)، وأبو داود (٢٥٩٩)، والترمذي (٣٤٤٧)، والنسائي في اليوم والليلة (٥٤٨).
[١٢٠١] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ سَرجِسَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِن وَعثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ المُنقَلَبِ، وَالحَورِ بَعدَ الكَورِ، وَدَعوَةِ المَظلُومِ، وَسُوءِ المَنظَرِ فِي الأَهلِ وَالمَالِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: يَبدَأُ بالأهل إذا رجع.
رواه أحمد (٥/ ٨٢ - ٨٣)، ومسلم (١٣٤٣)، والترمذي (٣٤٣٥)، والنسائي (٨/ ٢٧٢)، وابن ماجه (٣٨٨٨).
[١٢٠٢] وعَن ابنِ عُمَرَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَفَلَ مِن الجُيُوشِ
ــ
وجلاله، وشاكرون عوارف أفضاله.
والحور بعد الكور بالراء، هكذا رواية العذري وابن الحذاء، ومعناه الزيادة والنقصان، وقيل: الخروج من الجماعة بعد أن كان فيها. يقال: كار عمامته؛ أي: لفَّها. وحارها؛ أي: نقضها. وقيل: الفساد بعد الصلاح. وقيل: القلَّة بعد الكثرة. وقيل: الرّجوع من الجميل إلى القبيح. ورواه الفارسي وابن سعيد - وهو المعروف من رواية عاصم الأحول - بعد الكون بالنون. قال أبو عبيد: سئل عن معناه فقال: ألم تسمع إلى قولهم حار بعدما كانَ. يقول: إنه كان على حالة جميلة فحار عن ذلك؛ أي: رجع. قال أبو إسحاق الحربي: يُقال إن عاصمًا وَهِمَ فيه، وصوابه الكور بالراء، والله أعلم.
وإنما استعاذ من دعوة المظلوم لأنها مستجابة؛ كما جاء في الصحيح، ولما تضمنته من كفاية الظلم ورفعه.
وقفل رجع من سفره، والقافلة (١): الرَّاجعون من السفر. ولا يقال لهم
стр. 1705
أَو السَّرَايَا أَو الحَجِّ أَو العُمرَةِ إِذَا أَوفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ أَو فَدفَدٍ كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ، وَهُوَ عَلَى
ــ
في مبدئهم قافلة - قاله القتبي وغيره، ولكن رفقة.
والجيوش جمع جيش، وهو العسكر العظيم. والسَّرايا جمع سرية وهي دون الجيش، وسُمّيت بذلك لأنها تسري بالليل. وقد قال ﷺ : خير الجيوش أربعة آلاف، وخير السَّرايا أربعمائة، ولن تُغلب اثنا عشر ألفًا من قلِّة (١).
وأوفى أقبل وأطل، والثنيَّة الهضبة، وهي الكوم دون الجبل. والفدفد ما غلظ من الأرض وارتفع، وجمعه فدافد.
وتكبيره ﷺ في هذه المواضع المرتفعة إشعار بأن أكبرية كل كبير إنما هي منه، وأنها محتقرة بالنسبة إلى أكبريته تعالى وعظمته، وتوحيدُه الله تعالى هناك إشعار بانفراده بإيجاد جميع الموجودات وبأنه المألوه؛ أي المعبود في كل الأماكن من الأرضين والسماوات، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرضِ إِلَهٌ﴾
والمُلك والمِلك أصله الشدُّ والرَّبط، والمُلك بالضم يتضمن المِلك بالكسر، ولا ينعكس. وساجدين جمع ساجد، وأصله الخضوع والتذلل، ومنه قول الشاعر:
تَرَى الأُكمَ فيها سُجَّدًا لِلحَوافِر (٢)
أي متذللة خاضعة.
стр. 1706
كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعدَهُ، وَنَصَرَ عَبدَهُ، وَهَزَمَ الأَحزَابَ وَحدَهُ.
رواه البخاريُّ (٦٣٨٥)، ومسلم (١٣٤٤)، ومالك في الموطأ (١/ ٤٢١)، وأبو داود (٢٧٧٠)، والترمذي (٩٥٠)، والنسائي في اليوم والليلة (٥٤٠).
[١٢٠٣] وعن أَنَسُ بنُ مَالِكٍ قال: أَقبَلنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَا وَأَبُو طَلحَةَ وَصَفِيَّةُ رَدِيفَتُهُ عَلَى نَاقَتِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِظَهرِ المَدِينَةِ قَالَ: آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ. فَلَم يَزَل يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى قَدِمنَا المَدِينَةَ.
رواه أحمد (٣/ ١٨٧)، والبخاريُّ (٣٠٨٥)، ومسلم (١٣٤٥)، والنسائي في اليوم والليلة (٥٥١).
* * *
ــ
وقوله ﷺ صدق الله وعده، ونصر عبده خبرٌ عن وفاء الله بما وعد به على جهة الثناء والشكر، حيث قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ﴾ وقال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ ويعني بقوله عبده نفسه.
وقوله وهزم الأحزاب وحده؛ أي: من غير مجاولة من أحد ولا سبب ولا شركة، بل كما قال الله تعالى: ﴿فَأَرسَلنَا عَلَيهِم رِيحًا وَجُنُودًا لَم تَرَوهَا﴾ ويحتمل أن يكون هذا الخبر بمعنى الدعاء، كأنه قال: اللهم افعل ذلك وحدك - والأول أظهر.
والأحزاب جمع حزب، وهو القطعة المجتمعة من الناس، ويعني بهم هنا على التأويل المتقدم الجيش الذين حاصروه بالمدينة، ثم نصره الله عليهم بالريح. وعلى التأويل الثاني يعني بهم كل من يتحزب من الكفار عليه ويجتمع.
стр. 1707
(٥٣) باب التعريس بذي الحليفة إذا صدر من الحج أو العمرة
[١٢٠٤] عَن نَافِعٍ أَنَّ عَبدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا صَدَرَ مِن الحَجِّ والعُمرَةِ أَنَاخَ بِالبَطحَاءِ الَّتِي بِذِي الحُلَيفَةِ، الَّتِي كَانَ يُنِيخُ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وَفِي رِوَايَةٍ: وَيُصَليِ بِهَا.
رواه أحمد (٢/ ٢٨)، والبخاري (١٥٧٦)، ومسلم (١٢٥٧) (٤٣١ و ٤٣٢)، ومالك في الموطأ (١/ ٤٠٥)، وأبو داود (٢٠٤٤)، والنسائي (٥/ ١٢٦ - ١٢٧).
[١٢٠٥] وعن ابنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ وَهُوَ فِي مُعَرَّسِهِ مِن ذِي الحُلَيفَةِ فِي بَطنِ الوَادِي، فَقِيلَ: إِنَّكَ بِبَطحَاءَ مُبَارَكَةٍ! قَالَ مُوسَى بن عقبة:
ــ
(٥٣) ومن باب: التعريس بذي الحليفة إذا صدر من الحج أو العمرة
(صدر): رجع. والمصدر: الموضع الذي يُصدَر منه. وبه سُمِّي المصدر النحوي. و (الإناخة): تنويخ الإبل. يقال: أنخت الجمل فبرك. ولا يقال: فناخ. و (التعريس): النزول من آخر الليل - قاله الخليل والأصمعي وغيرهما. وقال أبو زيد: عرَّس القوم في المنزل - نزلوا به، أي وقت كان من ليلٍ أو نهارٍ، والأول أعرفُ. والتعريس بذي الحليفة ليس من سنن الحج ولا العمرة، ولكنَّه مستحب تبركًا بالنبي ﷺ ، وأيضًا: فإنها بطحاء مباركة، كما جاء في الحديث الآتي بعدُ، وقد استحب مالك النزول به والصلاة فيه، وقال: إن لم يكن وقت صلاة أقام به حتى يحل وقت الصلاة. وقيل: إنما نزل النبي ﷺ به بالناس لئلا يَفجؤوا أهليهم
стр. 1708
وَقَد أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ بِالمُنَاخِ مِن المَسجِدِ الَّذِي كَانَ عَبدُ اللَّهِ يُنِيخُ بِهِ يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ أَسفَلُ مِن المَسجِدِ الَّذِي بِبَطنِ الوَادِي، بَينَهُ وَبَينَ القِبلَةِ وَسَطًا مِن ذَلِكَ.
رواه أحمد (٢/ ٨٧)، والبخاري (١٥٧٥)، ومسلم (١٣٤٦)(٤٣٤).
* * *
(٥٤) باب في فضل يوم عرفة ويوم الحج الأكبر
[١٢٠٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ فِي الحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبلَ حَجَّةِ الوَدَاعِ فِي رَهطٍ يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ يَومَ النَّحرِ: لَا يَحُجُّ بَعدَ العَامِ مُشرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالبَيتِ عُريَانٌ. قَالَ
ــ
ليلًا، كما قد نهى أن يأتي الرَّجل أهله طروقًا حتى تمتشط الشعثة وتستحدَّ المُغِيبَة (١). ومعنى ذلك أن الرجل إذا فجأ أهله من سفره ربما وجدها على حالة يستقذرها من الشعث والتَّفَل (٢) ورثاثة الهيئة، فيكون ذلك سببًا لفقد الألفة وعدم الصحبة، وهذا منه ﷺ إرشاد إلى أمر مصلحي ينبغي للأزواج أن يراعوه.
و(يتحرى):
(٥٤) ومن باب: فضل يوم عرفة، ويوم الحج الأكبر
قوله يؤذنون في الناس يوم النحر: لا يحج بعد العام مشرك؛ هذا يدل على أن يوم الحج الأكبر يوم النحر، كما قاله حميد. وهو قول سعيد بن جبير
стр. 1709
ابنُ شِهَابٍ: فَكَانَ حُمَيدُ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ يَقُولُ: يَومُ النَّحرِ يَومُ الحَجِّ الأَكبَرِ - مِن أَجلِ حديث أَبِي هُرَيرَةَ.
رواه أحمد (٢/ ٢٩٩)، والبخاري (٣٦٩)، ومسلم (١٣٤٧)، وأبو داود (١٩٤٦)، والنسائي (٢٣٤).
[١٢٠٧] وعن عَائِشَةُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا مِن يَومٍ أَكثَرَ مِن أَن يُعتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبدًا مِن النَّارِ مِن يَومِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدنُو
ــ
ومالك، وقالت طائفة: إنه يوم عرفة. وبه قال عمر، وهو قول الشافعي. وقال مجاهد: الحج الأكبر القران، والأصغر الإفراد. وقال الشعبي: الحج الأكبر الحج، والأصغر العمرة. والأولى القول الأول، بدليل أن الله أمر نبيَّه بأن يؤذن في الناس يوم الحج الأكبر، فأذن المبلغون عنه يوم النحر بمنى. وفي كتاب أبي داود من حديث ابن عمر وأبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: يوم الحج الأكبر يوم النحر (١)، وهذا يرفع كل إشكال ويريح من تلك الأقوال.
وقوله ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، روينا أكثر رفعًا ونصبًا، فرفعه على التميمية، ونصبه على الحجازية. وهو في الحالين خبر لا وصف، والمجروران بعده مبنيان، فـ من يوم عرفة يبيِّن الأكثرية مما هي، ومن أن يعتق يبيِّن المميِّز، وتقدير الكلام: ما يوم أكثرُ من يوم عرفة عتيقًا من النار.
وقوله وإنه ليدنو، هذا الضمير عائد إلى الله تعالى، والدُّنو دنوُّ إفضال وإكرام لا دنوَّ انتقال ومكان؛ إذ يتعالى عنه ويتقدَّس.
стр. 1710
ثُمَّ يُبَاهِي بِهِم المَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟
رواه مسلم (١٣٤٨)، والنسائي (٥/ ٢٥١).
* * *
(٥٥) باب ثواب الحجِّ والعمرة
[١٢٠٨] عَن أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: العُمرَةُ إِلَى العُمرَةِ
ــ
وقوله ثم يباهي بهم الملائكة؛ أي: يثني عليهم عندهم ويعظمهم بحضرتهم، كما قال في الحديث الآخر: يقول للملائكة: انظروا إلى عبادي جاؤوني شعثًا غبرًا، أشهدكم أني قد غفرت لهم (١). وكأن هذا - والله أعلم - تذكير للملائكة بقول (٢): ﴿أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا﴾ وإظهارٌ لتحقيق قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعلَمُ﴾.
وقوله ما أراد هؤلاء؟ ؛ أي: إنما حملهم على ذلك حتى خرجوا من أوطانهم وفارقوا أهليهم ولذَّاتهم ابتغاء مرضاتي وامتثال أمري، والله أعلم.
(٥٥) ومن باب: ثواب الحجِّ والعمرة
العمرة في اللغة هي الزيادة، قال:
يُهِلُّ بالفَدفَدِ رُكبانُها ... كَما يُهِلُّ الرَّاكِبُ المُعتَمِر
стр. 1711
كَفَّارَةٌ لِمَا بَينَهُمَا،
ــ
وقال بعض اللغويين: الاعتمار والعُمرة القصد، قال (١):
لقد سَما ابنُ مُعمَرٍ حين اعتَمَر (٢) ... . . . . . . . . . . . . . . . .
أي حين قصد، وهي في عرف الشرع زيارة البيت على أحكام مخصوصة.
وقد اختلف في حكمها؛ فذهب جماعة من السَّلف على وجوبها، وهو قول الأوزاعي والثوري وابن حبيب (٣) وابن الجهم من أصحابنا، وحكي عن أبي حنيفة. وذهب آخرون إلى أنها ليست بواجبة، وهو قول مالك ومشهور قول أبي حنيفة وأصحابه وداود. واختلفت الرواية فيها عن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، إلا أن مالكًا قال: إنها سُنة مؤكدة. وبعض هؤلاء يجعلها مستحبة. ومُتمسَّك من قال بوجوبها قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرَةَ لِلَّهِ﴾ وليس فيه حُجَّة؛ لأنا نقول بموجبه: فإن من شرع في شيء من أعمال الطاعات وجب عليه إتمامه وإن كان مستحبًا - وقد تقدَّم هذا المعنى غير ما مرة.
وقوله العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما؛ يعني: لما يقع بينهما من السَّيِّئات. وقد استوفينا هذا المعنى في كتاب الطهارة، وقد استدل بظاهر هذا من قال بجواز تكرار العمرة في السَّنة الواحدة وهم الجمهور وأكثر أصحاب مالك، وذهب مالك إلى كراهية ذلك، ومتمسكه أن النبي ﷺ اعتمر خمس عُمر كل عمرة منها في سنة غير الأخرى، مع تمكنه من التكرار في السنة الواحدة، ولم يفعل.
стр. 1712
وَالحَجُّ المَبرُورُ لَيسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ.
رواه أحمد (٢/ ٤٦٢)، والبخاري (١٧٧٣)، ومسلم (١٣٤٩)، والنسائي (٥/ ١١٥)، وابن ماجه (٢٨٨٨).
[١٢٠٩] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن أَتَى هَذَا البَيتَ فَلَم
ــ
وأيضًا: فإنها نُسُك مشتملٌ على إحرام وطواف وسعي، فلا يفعل في السنة إلا مرة، أصله الحج. وعلى قول مالك: لو أحرم بالعمرة المكررة لزمته. وقال آخرون: لا يعتمر في شهر أكثر من مرة واحدة - ولا حُجة له في شيء مما تقدَّم.
وقوله والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، المبرور: (١) اسم مفعول من بُرَّ، مبني لما لم يسم فاعله، فهو مبرور.
و(بَرَّ): يتعدى بنفسه. يقال: برَّ الله حجَّك. ويُبنى لما لم يسم فاعله، فيقال: بُرَّ حجُّك، فهو مبرور. ولا معنى لقول من قال: إنه لا يتعدى إلا بحرف الجر. واختلف في معنى المبرور، فقيل: الذي لا يخالطه شيء من المأثم. وقيل: المتقبَّل. وقيل: الذي لا رياء فيه ولا سُمعَة.
قلت: وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى. وهو: أنه الحج الذي وفيت أحكامه ووقع موافقًا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل، والله تعالى أعلم.
وقوله ليس له جزاء إلا الجنة؛ يعني أنه لا يقتصر فيه على مغفرة بعض الذنوب، بل لا بُدَّ لصاحبه من الجنة بسببه، والله تعالى أعلم.
وقوله من أتى هذا البيت؛ أي (٢) حاجًّا، بيَّنته الرواية الأخرى.
стр. 1713
يَرفُث وَلَم يَفسُق رَجَعَ كَمَا وَلَدَتهُ أُمُّهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: مَن حَجَّ هَذا البيت.
رواه أحمد (٢/ ٤٨٤)، والبخاري (١٨٢٠)، ومسلم (١٣٥٠)، والترمذي (٨١١)، والنسائي (٥/ ١١٤)، وابن ماجه (٢٨٨٩).
* * *
(٥٦) باب تَمَلُّك دُور مكة ورِباعها وكم كان مكث المهاجر بها ؟
[١٢١٠] عَن أُسَامَةَ بنِ زَيدِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنزِلُ فِي دَارِكَ
ــ
و(الرفث): الفحش من القول. وقيل: الجماع. قال الأزهري: هي كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة.
و(الفسوق): السِّباب (١) والمعاصي.
و(الجدال): المجادلة والمخاصمة فيما لا يجوز، قال الجوهري: المجادلة الخصومة المحكمة.
وقوله رجع كيوم ولدته أمُّه؛ أي بلا ذنب، وهذا يتضمن غفران الصغائر والكبائر والتبعات، وقد بيَّنَّا ذلك فيما تقدَّم من كتاب الصيام وغيره.
(٥٦) ومن باب: تَمَلُّك دُور مكة ورِباعها
قولُ أسامة للنبي ﷺ أتنزل في دارك؛ ظاهر هذه الإضافة أنها كانت ملكه، ويدلُّ عليه أيضًا قوله وهل ترك لنا عقيل من رِباع أو دور، فأضافها
стр. 1714
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لنفسه، وظاهرُها الملك، فيكون عقيل اعتدى على دار النبي ﷺ ورباعه فأخذها وتصرَّف فيها، كما فعل أبو سفيان بدور من هاجر من المؤمنين. قَالَ الدَّاوُدِيُّ: إِنَّ عُقَيلًا بَاعَ مَا كَانَ لِلنبي ﷺ ولمن هاجر من بني عبد المطلب. فعلى هذا يكون تَركُ النبي ﷺ تحرُّجًا من أن يرجع في شيء أُخرج منه لأجل الله تعالى. وقيل: إنَّه حكم لها بحكم البلد (١). وقد خرجت عن ملكه لما غنمها المسلمون - كما يقوله مالك والليث في هذه المسألة لا في هذا الحديث. وهذا فيه بُعد؛ لأنه يكون تعليله ﷺ بأخذ عقيل لها ضائعًا، ويخرج أن يكون جوابًا عما سُئله. وقيل: كان أصلها لأبي طالب فأسكنه إيَّاها، فلما مات أبو طالب ورثه عقيل وطالب لكونهما مساويَين له في الكفر، ولم يرثه علي ولا جعفر لكونهما مسلمين، فأخذها عقيل لما هاجر النبي ﷺ بحكم ميراثه من أبيه. وعلى هذا فيكون إضافتها إليه مجازية لأنه سكنها فقط، والقول الأول أولى.
وقد اختلف في مكة ودورها ورباعها؛ هل هي مملوكة لأحدٍ فيبيع ويكري؟ أو لا ملك لأحدٍ على شيء منها فلا يجوز فيها شيء من ذلك؟ وإلى الأول ذهب الشافعي وبعض السَّلف، وإلى الثاني ذهب أبو حنيفة والثوري، وتوسَّط مالك فكره ذلك، وللخلاف سببان:
أحدهما: هل فتح مكة كان عُنوة فتكون مغنومة، لكن النبي ﷺ لم يقسمها وأقرها إلى أهلها ولمن جاء بعدهم، كما فعل عمر بالأرض المغنومة، فتبقى على ذلك لا تباع ولا تُشرى؟ وبأنها فتحت عُنوة - قال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي، أو كان فتحها صُلحًا؟ وإليه ذهب الشافعي. فتبقى ديارهم بأيديهم وفي أملاكهم يتصرفون فيها كيف شاؤوا.
стр. 1715
بِمَكَّةَ؟ قَالَ: وَهَل تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِن رِبَاعٍ أَو دُورٍ؟ وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ، وَلَم يَرِثهُ جَعفَرٌ وَلَا عَلِيٌّ شَيئًا لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسلِمَينِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَينِ.
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ ذَلك القول كان في حجته.
وفي أخرى أن ذلك زمن الفتح.
رواه أحمد (٥/ ٢٠١)، والبخاري (٣٠٥٨)، ومسلم (١٣٥١) وأبو داود (٢٩٠٠)، وابن ماجه (٣٩٤٢).
[١٢١١] وعن العَلَاءَ بنَ الحَضرَمِيِّ قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
ــ
والسبب الثاني: للنظر في قوله تعالى ﴿سَوَاءً العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِ﴾؛ هل الضمير راجع إلى المسجد الحرام أو إلى البلد؟ والظاهر الأول، وأن مكة فتحت عُنوة، وأنه ﷺ أمَّنهم وأقرَّهم على أموالهم، وهو الصحيح من الأحاديث، والله تعالى أعلم. قال أبو عبيد: ولا نعلم مكة يشبهها شيء من البلاد.
قلت: وعلى قول مالك إنها مغنومة ينبغي أن يكون مذهبه كمذهب أبي حنيفة، لكنه راعى الخلاف على أصله في مراعاة الخلاف الظاهر، ويكون فائدة حكمه بالكراهة أن من باع شيئًا منها أو أَكرَاه لا يفسخ عقده ويُمضى، غير أنه لا يسوغ الإقدامُ عليه، والله تعالى أعلم.
وقوله هل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟ ، هذا الاستفهام معناه النفي؛ أي: ما ترك لنا شيئًا من ذلك. واختلف الرواة؛ هل كان هذا القول في فتح مكة أو في حجة الوداع؟ فروي عن الزهري كل ذلك، ويحتمل أن يكون تكرر هذا السؤال والجواب في الحالتين، وفيه بُعد.
стр. 1716
يَقُولُ: لِلمُهَاجِرِ إِقَامَةُ ثَلَاثٍ بَعدَ الصَّدَرِ بِمَكَّةَ - كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا يَزِيدُ عَلَيهَا.
وفي أخرى: بعد قضاء نسكه.
رواه أحمد (٤/ ٣٣٩)، والبخاري (٣٩٣٣)، ومسلم (١٣٥٢) (٤٤١ و ٤٤٢)، وأبو داود (٢٠٢٢)، والترمذي (٩٤٩)، والنسائي (٣/ ١٢٢)، وابن ماجه (١٠٧٣).
* * *
ــ
وقوله للمهاجر إقامة ثلاثٍ بعد الصدر بمكة، المهاجر هنا يعني به كل من هاجر من مكة إلى المدينة لنصرة النبي ﷺ ، ولا يعني به من هاجر من غيرها؛ لأن هذا الحديث خرج جوابًا عن سؤالهم حين تحرجوا من المقام بمكة، إذ كانوا تركوها لله تعالى، فأجابهم النبي ﷺ بذلك ورأى أن إقامة الثلاث ليست بإقامة. وقد تقدَّم احتجاج مالك بهذا على تحديد المدة الفاصلة بين الإقامة والسَّفر، وبهذا الحديث قال الجمهور، فحكموا بمنع المهاجر من أهل مكة من المقام بها بعد الفتح، وأجاز ذلك لهم جماعة بعد الفتح.
قلت: وهذا الخلاف وإن كان فيمن مضى حكمهم وانقرض عصرهم وهجرتهم الخاصة بهم، لكن يبنى عليه خلاف فيمن فرَّ بدينه عن موضع ما يخاف فتنته وترك فيه رباعًا، ثم ارتفعت تلك الفتنة؛ فهل يرجع لتلك الرِّباع أم لا؟ فنقول: إن كان ترك رباعه لوجه الله تعالى كما فعله المهاجرون فلا يرجع لشيء من ذلك، وإن كان إنما فرَّ بدينه ليسلمَ له ولم يخرج عن شيء من أملاكه فإنه يرجع إلى ذلك كله؛ إذ لم يزُل شيء من ذلك عن ملكه، والله تعالى أعلم
стр. 1717
(٥٧) باب تحريم مكة وصيدها وشجرها ولقطتها
[١٢١٢] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَومَ الفَتحِ فَتحِ مَكَّةَ: لَا هِجرَةَ، وَلَكِن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا استُنفِرتُم فَانفِرُوا. وَقَالَ يَومَ الفَتحِ فَتحِ مَكَّةَ: إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَومَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرمَةِ اللَّهِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ،
ــ
(٥٧) ومن باب: تحريم مكة
قوله لا هجرة بعد الفتح، هذا رفع لما كان تقرَّر من وجوب الهجرة إلى المدينة على أهل مكة باتفاق وعلى غيرهم بخلاف، ولم يتعرَّض هذا العموم لنفي هجرة الرجل بدينه؛ إذ تلك الهجرة ثابتة إلى يوم القيامة، وإنما رفع حكم الهجرة يوم الفتح لكثرة ناصري الإسلام ولظهور الدِّين وأمن الفتنة عليه.
وقوله ولكن جهاد ونية دليل على بقاء فرض الجهاد وتأبيده خلافًا لمن أنكر فرضيته على ما يأتي.
وقوله وإذا استنفرتم فانفروا؛ أي: طَلَب منكم الإمام النَّفير. وهو: الخروج إلى الغزو، فحينئذ يتعيَّن الغزو على من استُنفر بلا خلاف.
وقوله إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة، معنى حرَّمه الله أي حرَّم على غير المحرم دخوله إلا أن يُحرم. ويجري هذا مجرى قوله: ﴿حُرِّمَت عَلَيكُم أُمَّهَاتُكُم﴾؛ أي: وطؤهن. و ﴿حَرَّمَ عَلَيكُمُ المَيتَةَ﴾؛ أي: أكلها. فَعُرف الاستعمال دلَّ على تعيين المحذوف. وقد دلَّ على صحة هذا المعنى
стр. 1718
وَإِنَّهُ لَم يَحِلَّ القِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبلِي،
ــ
اعتذاره ﷺ عن دخول مكة غير محرم مقاتلًا بقوله إنها لم تحل لي إلا ساعة من نهار. . . الحديث، وبهذا أخذ مالك والشافعي - في أحد قوليهما - وكثير من أصحابهما، فقالوا: لا يجوز لأحدٍ أن يدخل مكة إلا محرمًا، إلا أن يكون ممن يكثر التكرار إليها كالحطابين ونحوهم. وقد أجاز دخولها لغير المحرم ابن شهاب والحسن والقاسم، وروي عن مالك والشافعي والليث، وقال بذلك أبو حنيفة إلا لمن منزله وراء المواقيت، فلا يدخلها إلا بإحرام، واتفق الكل على أن من أراد الحج أو العمرة أنه لا يدخلها إلا محرمًا.
ثم اختلف أهل القول الأول فيمن دخلها غير محرم؛ فقال مالك وأبو ثور والشافعي أنه لا دم عليه، وقال الثوري وعطاء والحسن بن حييٍّ: يلزمه حج أو عمرة - ونحوه قال أبو حنيفة فيمن منزله وراء المواقيت.
ومتمسَّك من قال بجواز دخولها لغير المحرم قوله ﷺ في حديث المواقيت المتقدِّم: هن لهم ولكلِّ آتٍ أتى عليهنَّ من غيرهنَّ ممن أراد الحج أو العمرة) (١)، وتأولوا الحديث المتقدم بأن قالوا: إنما اعتذر ﷺ عن دخوله مكة مقاتلًا كما قال: (فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ . . .) الحديث.
قال القاضي عياض: لم يختلف في دخول النبي ﷺ مكة أنه كان حلالًا؛ لدخوله والمغفر على رأسه، ولأنه دخلها مُحاربًا حاملًا للسلاح هو وأصحابه. ولم يختلفوا في تخصيص النبي ﷺ بذلك، وكذلك لم يختلفوا في أن من دخلها لحرب أو لشيء أنه لا يحل له أن يدخلها حلالًا.
وقوله وإنه لم يحل القتال لأحدٍ قبلي، الضمير في إنَّه هو ضمير الأمر والشأن، وظاهر هذا أن حكم الله تعالى كان في مكة ألا يقاتل أهلها ويُؤمن من
стр. 1719
وَلَم يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِن نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرمَةِ اللَّهِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، لَا يُعضَدُ شَوكُهُ،
ــ
استجار بها ولا يتعرض له، وهو أحد أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وهو قول قتادة وغيره. قالوا: هو آمن من الغارات. وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿أَوَلَم يَرَوا أَنَّا جَعَلنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِن حَولِهِم﴾ وهو منقول من عادة العرب في احترامهم مكة، ومن كتب التواريخ.
وقوله ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرامٌ، الضمير في يحل هو، وهو يعودُ على القتال قطعًا كما يدل عليه مساقه، فيلزم منه تحريم القتال فيه مطلقًا، سواء كان ساكنه مستحقًا للقتال أو لم يكن، وهو الذي يدل عليه قوله ﷺ : ولا يحل لأحد بعدي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار.
وقوله فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وهذا نصٌّ على الخصوصية واعتذار منه عما أُبيح له من ذلك، مع أن أهل مكة كانوا إذ ذاك مستحقين للقتل والقتال لصدِّهم عنه وإخراجهم أهله منه وكفرهم بالله تعالى وبرسوله ﷺ ، وهذا هو الذي فهمه أبو شريح من هذا الحديث. وقد قال بذلك غير واحد من أهل العلم؛ منهم. . . (١)، غير أن هذا يعارضه ما جاء في حديث أبي شريح من قول عمرو بن سعيد على ما يأتي.
وقوله لا يعضد شوكه، وفي حديث أبي هريرة لا يختبط شوكه، ولا يعضد شجره، يُعضد: يقطع. والمِعضَد: الآلة التي يقطع بها. والخَبَط: ضَرب أوراق الشجر بالعصي لعلف المواشي. يقال: خبط واختبط. والمصدر منه:
стр. 1720
وَلَا يُنَفَّرُ صَيدهُ، وَلَا يَلتَقِطُ لقطته إِلَّا مَن عَرَّفَهَا، وَلَا يُختَلَى خَلَاهَا. فَقَالَ
ــ
خبطًا - بسكون الباء، والاسم بتحريكها.
و(الخلى) مقصور، هو الرطب من الكلأ مقصورًا مهموزًا. والحشيش: هو اليابس منه، والكلأ يقال على الخلى والحشيش. والشجر: ما كان على ساقٍ. وفي بعض طرقه شجراؤها وهو جنس الشجر، وهي العضاه أيضًا في الحديث الآخر. والعِضاه من شجر البادية: كل شجر له شوك. ومنه ما يسمى بـ (الكَنَهبُل) و (السَّيَال)، ولهذا الحديث خصَّ الفقهاء مطلق الشجر المنهي عن قطعه مما يُنبته الله تعالى من غير صُنع آدمي اتفاقًا منهم، فأما ما ينبت بمعالجة آدمي فيجوز قطعه.
ثم اختلفوا في جزاء ما قطع من النوع الأول؛ فقال مالك: لا جزاءَ فيه لعدم ما يدل على ذلك. وقال الشافعي وأبو حنيفة: فيه الجزاء - فعند أبي حنيفة تؤخذ قيمة ما قطع فيشترى بها هدي، وعند الشافعي في الدوحة - وهي الشجرة العظيمة - بقرة وفيما دونها شاة. وأما قطع العشب للرعي فمنع ذلك أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، وأجازه غيرهما.
وقوله ولا ينفر صيده؛ أي: لا يُهاج عن حاله ولا يُعرَض له. قال عكرمة: هو أن ينحيه من الظل إلى الشمس - وقد تقدَّم القول فيه.
وقوله ولا يلتقط لُقَطَته إلا منشدٌ، اتفق رواة المحدثين على ضمِّ اللام وفتح القاف من اللقطة هنا؛ أرادوا به الشيء الملتقط، وليس كذلك عند أهل اللسان، قال الخليل: اللقطة بفتح القاف اسم للذي يَلتقط، وبسكونها لما يُلتقط. قال الأزهري: هذا قياس اللغة؛ لأن (فُعَلَةٌ) في كلامهم جاء فاعلًا كالهُزَأة للذي يهزأ بالناس، وجاء مفعولًا كالهزأة للذي يهزأ به الناس، إلا أن الرواة أجمعوا على أن اللقطة الشيء الملتقط. و (المنشد): هو المعرِّف. و (الناشد): هو الطالب والباغي، كما قال:
أنشدوا الباغي يُحِبُّ الوُجدَان (١)