← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

يَقُولُ: لِلمُهَاجِرِ إِقَامَةُ ثَلَاثٍ بَعدَ الصَّدَرِ بِمَكَّةَ - كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا يَزِيدُ عَلَيهَا. وفي أخرى: بعد قضاء نسكه. رواه أحمد (٤/ ٣٣٩)، والبخاري (٣٩٣٣)، ومسلم (١٣٥٢) (٤٤١ و ٤٤٢)، وأبو داود (٢٠٢٢)، والترمذي (٩٤٩)، والنسائي (٣/ ١٢٢)، وابن ماجه (١٠٧٣). * * * ــ وقوله للمهاجر إقامة ثلاثٍ بعد الصدر بمكة، المهاجر هنا يعني به كل من هاجر من مكة إلى المدينة لنصرة النبي ﷺ ، ولا يعني به من هاجر من غيرها؛ لأن هذا الحديث خرج جوابًا عن سؤالهم حين تحرجوا من المقام بمكة، إذ كانوا تركوها لله تعالى، فأجابهم النبي ﷺ بذلك ورأى أن إقامة الثلاث ليست بإقامة. وقد تقدَّم احتجاج مالك بهذا على تحديد المدة الفاصلة بين الإقامة والسَّفر، وبهذا الحديث قال الجمهور، فحكموا بمنع المهاجر من أهل مكة من المقام بها بعد الفتح، وأجاز ذلك لهم جماعة بعد الفتح. قلت: وهذا الخلاف وإن كان فيمن مضى حكمهم وانقرض عصرهم وهجرتهم الخاصة بهم، لكن يبنى عليه خلاف فيمن فرَّ بدينه عن موضع ما يخاف فتنته وترك فيه رباعًا، ثم ارتفعت تلك الفتنة؛ فهل يرجع لتلك الرِّباع أم لا؟ فنقول: إن كان ترك رباعه لوجه الله تعالى كما فعله المهاجرون فلا يرجع لشيء من ذلك، وإن كان إنما فرَّ بدينه ليسلمَ له ولم يخرج عن شيء من أملاكه فإنه يرجع إلى ذلك كله؛ إذ لم يزُل شيء من ذلك عن ملكه، والله تعالى أعلم

стр. 1717

(٥٧) باب تحريم مكة وصيدها وشجرها ولقطتها [١٢١٢] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَومَ الفَتحِ فَتحِ مَكَّةَ: لَا هِجرَةَ، وَلَكِن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا استُنفِرتُم فَانفِرُوا. وَقَالَ يَومَ الفَتحِ فَتحِ مَكَّةَ: إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَومَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرمَةِ اللَّهِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، ــ (٥٧) ومن باب: تحريم مكة قوله لا هجرة بعد الفتح، هذا رفع لما كان تقرَّر من وجوب الهجرة إلى المدينة على أهل مكة باتفاق وعلى غيرهم بخلاف، ولم يتعرَّض هذا العموم لنفي هجرة الرجل بدينه؛ إذ تلك الهجرة ثابتة إلى يوم القيامة، وإنما رفع حكم الهجرة يوم الفتح لكثرة ناصري الإسلام ولظهور الدِّين وأمن الفتنة عليه. وقوله ولكن جهاد ونية دليل على بقاء فرض الجهاد وتأبيده خلافًا لمن أنكر فرضيته على ما يأتي. وقوله وإذا استنفرتم فانفروا؛ أي: طَلَب منكم الإمام النَّفير. وهو: الخروج إلى الغزو، فحينئذ يتعيَّن الغزو على من استُنفر بلا خلاف. وقوله إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة، معنى حرَّمه الله أي حرَّم على غير المحرم دخوله إلا أن يُحرم. ويجري هذا مجرى قوله: ﴿حُرِّمَت عَلَيكُم أُمَّهَاتُكُم﴾؛ أي: وطؤهن. و ﴿حَرَّمَ عَلَيكُمُ المَيتَةَ﴾؛ أي: أكلها. فَعُرف الاستعمال دلَّ على تعيين المحذوف. وقد دلَّ على صحة هذا المعنى

стр. 1718

وَإِنَّهُ لَم يَحِلَّ القِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبلِي، ــ اعتذاره ﷺ عن دخول مكة غير محرم مقاتلًا بقوله إنها لم تحل لي إلا ساعة من نهار. . . الحديث، وبهذا أخذ مالك والشافعي - في أحد قوليهما - وكثير من أصحابهما، فقالوا: لا يجوز لأحدٍ أن يدخل مكة إلا محرمًا، إلا أن يكون ممن يكثر التكرار إليها كالحطابين ونحوهم. وقد أجاز دخولها لغير المحرم ابن شهاب والحسن والقاسم، وروي عن مالك والشافعي والليث، وقال بذلك أبو حنيفة إلا لمن منزله وراء المواقيت، فلا يدخلها إلا بإحرام، واتفق الكل على أن من أراد الحج أو العمرة أنه لا يدخلها إلا محرمًا. ثم اختلف أهل القول الأول فيمن دخلها غير محرم؛ فقال مالك وأبو ثور والشافعي أنه لا دم عليه، وقال الثوري وعطاء والحسن بن حييٍّ: يلزمه حج أو عمرة - ونحوه قال أبو حنيفة فيمن منزله وراء المواقيت. ومتمسَّك من قال بجواز دخولها لغير المحرم قوله ﷺ في حديث المواقيت المتقدِّم: هن لهم ولكلِّ آتٍ أتى عليهنَّ من غيرهنَّ ممن أراد الحج أو العمرة) (١)، وتأولوا الحديث المتقدم بأن قالوا: إنما اعتذر ﷺ عن دخوله مكة مقاتلًا كما قال: (فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ . . .) الحديث. قال القاضي عياض: لم يختلف في دخول النبي ﷺ مكة أنه كان حلالًا؛ لدخوله والمغفر على رأسه، ولأنه دخلها مُحاربًا حاملًا للسلاح هو وأصحابه. ولم يختلفوا في تخصيص النبي ﷺ بذلك، وكذلك لم يختلفوا في أن من دخلها لحرب أو لشيء أنه لا يحل له أن يدخلها حلالًا. وقوله وإنه لم يحل القتال لأحدٍ قبلي، الضمير في إنَّه هو ضمير الأمر والشأن، وظاهر هذا أن حكم الله تعالى كان في مكة ألا يقاتل أهلها ويُؤمن من

стр. 1719

وَلَم يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِن نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرمَةِ اللَّهِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، لَا يُعضَدُ شَوكُهُ، ــ استجار بها ولا يتعرض له، وهو أحد أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وهو قول قتادة وغيره. قالوا: هو آمن من الغارات. وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿أَوَلَم يَرَوا أَنَّا جَعَلنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِن حَولِهِم﴾ وهو منقول من عادة العرب في احترامهم مكة، ومن كتب التواريخ. وقوله ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرامٌ، الضمير في يحل هو، وهو يعودُ على القتال قطعًا كما يدل عليه مساقه، فيلزم منه تحريم القتال فيه مطلقًا، سواء كان ساكنه مستحقًا للقتال أو لم يكن، وهو الذي يدل عليه قوله ﷺ : ولا يحل لأحد بعدي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار. وقوله فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وهذا نصٌّ على الخصوصية واعتذار منه عما أُبيح له من ذلك، مع أن أهل مكة كانوا إذ ذاك مستحقين للقتل والقتال لصدِّهم عنه وإخراجهم أهله منه وكفرهم بالله تعالى وبرسوله ﷺ ، وهذا هو الذي فهمه أبو شريح من هذا الحديث. وقد قال بذلك غير واحد من أهل العلم؛ منهم. . . (١)، غير أن هذا يعارضه ما جاء في حديث أبي شريح من قول عمرو بن سعيد على ما يأتي. وقوله لا يعضد شوكه، وفي حديث أبي هريرة لا يختبط شوكه، ولا يعضد شجره، يُعضد: يقطع. والمِعضَد: الآلة التي يقطع بها. والخَبَط: ضَرب أوراق الشجر بالعصي لعلف المواشي. يقال: خبط واختبط. والمصدر منه:

стр. 1720

وَلَا يُنَفَّرُ صَيدهُ، وَلَا يَلتَقِطُ لقطته إِلَّا مَن عَرَّفَهَا، وَلَا يُختَلَى خَلَاهَا. فَقَالَ ــ خبطًا - بسكون الباء، والاسم بتحريكها. و(الخلى) مقصور، هو الرطب من الكلأ مقصورًا مهموزًا. والحشيش: هو اليابس منه، والكلأ يقال على الخلى والحشيش. والشجر: ما كان على ساقٍ. وفي بعض طرقه شجراؤها وهو جنس الشجر، وهي العضاه أيضًا في الحديث الآخر. والعِضاه من شجر البادية: كل شجر له شوك. ومنه ما يسمى بـ (الكَنَهبُل) و (السَّيَال)، ولهذا الحديث خصَّ الفقهاء مطلق الشجر المنهي عن قطعه مما يُنبته الله تعالى من غير صُنع آدمي اتفاقًا منهم، فأما ما ينبت بمعالجة آدمي فيجوز قطعه. ثم اختلفوا في جزاء ما قطع من النوع الأول؛ فقال مالك: لا جزاءَ فيه لعدم ما يدل على ذلك. وقال الشافعي وأبو حنيفة: فيه الجزاء - فعند أبي حنيفة تؤخذ قيمة ما قطع فيشترى بها هدي، وعند الشافعي في الدوحة - وهي الشجرة العظيمة - بقرة وفيما دونها شاة. وأما قطع العشب للرعي فمنع ذلك أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، وأجازه غيرهما. وقوله ولا ينفر صيده؛ أي: لا يُهاج عن حاله ولا يُعرَض له. قال عكرمة: هو أن ينحيه من الظل إلى الشمس - وقد تقدَّم القول فيه. وقوله ولا يلتقط لُقَطَته إلا منشدٌ، اتفق رواة المحدثين على ضمِّ اللام وفتح القاف من اللقطة هنا؛ أرادوا به الشيء الملتقط، وليس كذلك عند أهل اللسان، قال الخليل: اللقطة بفتح القاف اسم للذي يَلتقط، وبسكونها لما يُلتقط. قال الأزهري: هذا قياس اللغة؛ لأن (فُعَلَةٌ) في كلامهم جاء فاعلًا كالهُزَأة للذي يهزأ بالناس، وجاء مفعولًا كالهزأة للذي يهزأ به الناس، إلا أن الرواة أجمعوا على أن اللقطة الشيء الملتقط. و (المنشد): هو المعرِّف. و (الناشد): هو الطالب والباغي، كما قال: أنشدوا الباغي يُحِبُّ الوُجدَان (١)

стр. 1721

العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا الإِذخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَينِهِم وَلِبُيُوتِهِم! فَقَالَ: إِلَّا الإِذخِرَ. رواه أحمد (١/ ٢٢٦)، والبخاري (١٨٣٤)، ومسلم (١٣٥٣)، وأبو داود (٢٤٨٠)، والترمذي (١٥٩٠)، والنسائي (٧/ ١٤٦). ــ وقال الآخر: إصاخَة النَّاشِدِ للمُنشِدِ يقال: نشدت الضالة طلبتها، وأنشدتها عَرَّفتها. وأصل الإنشاد الصوت، ومنه إنشاد الشعر. وقد أفاد ظاهر هذا الحديث وما في معناه أن للقطة مكة مزية على لقطة غيرها، لكن اختلف العلماء في أي شيء تلك المزية؟ فقالت طائفة: هي أنها لا تحل للملتقط بوجه من الوجوه، ولا يزال يعرفها (١) دائمًا. وممن ذهب إلى هذا: أبو عبيد، والشافعي، وابن مهدي، والداودي، والباجي، وابن العربي من أصحابنا، ويعتضدون بنهيه ﷺ عن لقطة الحاج. وقالت طائفة أخرى: إن المزية هي أنها لا يحل التقاطها إلا إن سمع من ينشدها، فيأخذها ويرفعها له. وذهب مالك في المشهور عنه إلى أن المزية أنها هي في زيادة التعريف والمبالغة فيها، وحكمها وحكم غيرها من البلاد سواء، وسيأتي بيان أحكامها، والقول الأول أظهر من الأحاديث المذكورة في هذا الباب. وقد فسَّر بعضهم المنشد بالطالب، يعني به ربَّها؛ أي لا تحل إلا له. ويرجع هذا إلى القول الأول، وقد تقدم أن المنشد هو المعرِّف على ما قال أبو عبيد وغيره. و(الإذخر): هو نبت له رائحة طيبة معروفة. وفي قوله ﷺ في جواب

стр. 1722

[١٢١٣] وَعَن أَبِي شُرَيحٍ العَدَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعَمرِو بنِ سَعِيدٍ وَهُوَ يَبعَثُ البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائذَن لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثكَ قَولًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الغَدَ مِن يَومِ الفَتحِ، سَمِعَتهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلبِي، وَأَبصَرَتهُ عَينَايَ، حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ رسول الله ﷺ أَنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: ــ العباس وقد سأله عن الإذخر إلا الإذخر دليل على أن النبي ﷺ فُوِّضت إليه أحكام فكان يحكم فيها باجتهاده، واستيفاء المسألة في الأصول. وقد يورد على هذا أن يقال: إذا كانت مكة مما حرمها الله ولم يحرمها الناس، فكيف لأحدٍ أن يحكم بحلِّيَّة شيء منها وقد حرَّمه الله؟ والجواب أن الذي حرَّمه الله هو ما عدا المستثنى جملة؛ لأنه لما جعل لنبيه التخصيص مع علمه بأنه يخصّص كذا، فالمحكوم به لله تعالى هو ما عدا ذلك المخصَّص، والله تعالى أعلم. وأبو شريح: هو خويلد بن عمرو، وكذلك سَمَّاه البخاري ومسلم، وقال محمد بن سعد: خويلد بن صخر بن عبد العزيز. وقال أبو بكر البرقاني: اسمه كعب. وقوله وهو يبعث البعوث إلى مكة، البعوث جمع بعث، وهي الجيوش أو السرايا، ويعني بها هنا الجيوش التي وجها (١) يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن الزبير، وذلك أنه لما توفي معاوية وجَّه يزيد (٢) إلى عبد الله يستدعي منه بيعته، فخرج إلى مكة ممتنعًا من بيعته يحرض الناس على بني أمية (٣)، فغضب يزيد، وأرسل إلى مكة يأمر واليها يحيى بن حكيم بأخذ بيعة عبد الله، فبايعه وأرسل إلى يزيد ببيعته، فقال: لا أقبل حتى يُؤتى به في وثاقٍ! فأبى

стр. 1723

إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَم يُحَرِّمهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامرِئٍ يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ أَن يَسفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِن أَحَدٌ رَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَم يَأذَن لَكُم، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِن نَهَارٍ، وَقَد عَادَت حُرمَتُهَا اليَومَ كَحُرمَتِهَا بِالأَمسِ، وَليُبَلِّغ الشَّاهِدُ الغَائِبَ. فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيحٍ: مَا قَالَ لك عَمرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعلَمُ بِذَلِكَ مِنكَ يَا أَبَا شُرَيحٍ، إِنَّ الحَرَمَ لَا يُعِيدُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِخَربَةٍ. رواه أحمد (٤/ ٣١)، والبخاريُّ (١٨٣٢)، ومسلم (١٣٥٤). ــ ابن الزبير وقال: أنا عائذٌ بالبيت. فأبى يزيد، وكتب يزيد إلى عمرو بن سعيد أن يوجه إليه جندًا، فبعث إليه هذه البعوث. وقوله إن الله حرَّم مكة، ولم يحرمها الناس؛ يعني أنه حرَّمها ابتداءً من غير سبب يُعزى إلى أحدٍ ولا مقدمة، ولا لأحد فيه مدخل؛ لا نبي ولا عالم ولا مجتهد. وأكد ذلك المعنى بقوله ولم يحرمها الناس، لا يقال: فهذا يعارضه قوله في الحديث الآخر اللهم إن إبراهيم حرَّم مكة، وإني أحرِّم المدينة (١)؛ لأنا نقول: إنما نسب الحكم هنا لإبراهيم لأنه مبلغه، وكذلك نسبته لنبينا ﷺ ، كما قد ينسب الحكم للقاضي لأنه مُنَفّذُه، والحكم لله العلي الكبير بحكم الأصالة والحقيقة. وقول عمرو بن سعيد إن الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًا بدم، ولا فارا بِخَربة، روايتنا بِخَربة بفتح الخاء، وهي المشهورة الصحيحة، وضبطه الأصيلي بالضم، وكذلك قاله الخليل، وفُسِّرت بالسرقة وبالفساد في الأرض. والخارب:

стр. 1724

[١٢١٤] وعن أَبَي هُرَيرَةَ قال: إِنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِن بَنِي لَيثٍ عَامَ فَتحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنهُم قَتَلُوهُ، فَأُخبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَخَطَبَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَن مَكَّةَ الفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيهَا رَسُولَهُ وَالمُؤمِنِينَ، أَلَا وَإِنَّهَا لَم تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبلِي، وَلَن تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعدِي، أَلَا وَإِنَّهَا أُحِلَّت لِي سَاعَةً مِن النَّهَارِ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لَا يُخبَطُ ــ اللص المفسد، وقيل: سارق الإبل خاصة. قال أبو الفرج بن الجوزي (١): انعقد الإجماع على أن من جنى في الحرم يقاد منه فيه ولا يؤمن؛ لأنه هَتك حرمة الحرم ورد الأمان. واختلف فيمن ارتكب جناية خارج الحرم ثم لجأ إليه؛ فروي عن أبي حنيفة وأحمد أنه لا يقام عليه الحد فيه ويُلجأ إلى الخروج إلى الحِل، ويُمنع المعاملة والمبايعة حتى يضطر إلى الخروج، فيخرج إلى الحِل فيقام عليه الحد فيه. وقول عمرو بن سعيد لأبي شريح أنا أعلم بذلك منك ليس بصحيح للَّذي تمسك به أبو شريح، ولما في حديث ابن عباس كما قدمناه، وحاصل قول عمرو أنه تأويل غير معضود بدليل. وقوله إن الله حبس عن مكة الفيل؛ يعني به فيل أبرهة الأشرم الحبشي الذي قصَد خراب الكعبة، فلمَّا وصل إلى ذي المجاز - سوق للعرب قريب من مكة - عبَّأ فِيلَه وجهَّزه إلى مكة، فلمَّا استقبل الفيل مكة رزم؛ أي أقام وثبت، فاحتالوا عليه بكل حيلة فلم يقدروا عليه، واستقبلوا به جهة مكة فامتنع، فلم يزالوا به هكذا حتى رماهم الله بالحجارة التي أرسل الطير بها على ما هو مذكور في السِّير وفي كتب التفسير.

стр. 1725

شَوكُهَا، وَلَا يُعضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يَلتَقِطُ سَاقِطَتَهَا إِلَّا مُنشِدٌ، وَمَن قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيرِ النَّظَرَينِ: إِمَّا أَن يُعطَى - يَعنِي الدِّيَةَ، وَإِمَّا أَن يُقَادَ أَهلُ القَتِيلِ. قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِن أَهلِ اليَمَنِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاةٍ، فَقَالَ: اكتُب لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: اكتُبُوا لِأَبِي شَاةٍ. فَقَالَ رَجُلٌ مِن قُرَيشٍ: إِلَّا الإِذخِرَ، فَإِنَّا نَجعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِلَّا الإِذخِرَ. قال الوليد بن مسلم: فقلت للأوزاعي: ما قوله اكتب لي يا رسول؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله ﷺ . رواه أحمد (٢/ ٢٣٨)، والبخاريُّ (١١٢)، ومسلم (١٣٥٥)، وأبو داود (٢٠١٧). ــ وقوله ومن قُتِل له قتيل فهو بخير النَّظَرَين، الحديث حجة للشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وروي عن ابن المسيب وابن سيرين على قولهم: إن ولي دم العمد بالخيار بين القصاص والدِّية، ويُجبَر القاتل عليها إذا اختارها الولي - وهي رواية أشهب عن مالك، وذهب مالك في رواية ابن القاسم وغيره إلى أن الذي للولي إنما هو القتل فقط أو العفو، وليس له أن يجبر القاتل على الدِّية تمسُّكًا بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ القِصَاصُ فِي القَتلَى﴾ و: ﴿وَكَتَبنَا عَلَيهِم فِيهَا أَنَّ النَّفسَ بِالنَّفسِ﴾ وقول النبي ﷺ : كتاب الله القصاص (١) (٢)، وفي المسألة أبحاث تنظر في مسائل الخلاف. وقوله اكتبوا لأبي شاة دليل على جواز كتابة العلم، وهو مذهب الجمهور، وقد كرهه قومٌ من أهل العلم تمسُّكًا بحديث أبي سعيد الآتي في كتاب

стр. 1726

[١٢١٥] وعَن جَابِرٍ قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لِأَحَدِكُم أَن يَحمِلَ السلاح بمكة. رواه مسلم (١٣٥٦). [١٢١٦] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الفَتحِ وَعَلَى رَأسِهِ المِغفَرٌ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يا رسول الله، ابنُ خَطَلٍ ــ العلم، وكان محمل النهي الذي في حديث أبي سعيد إنما هو لئلا يتكل الناس على الكتب ويتركوا الحفظ، أو لئلا يُخلط بالقرآن غيرُه؛ لقوله في الحديث نفسه: من كتب عني شيئًا سوى القرآن فليمحه (١). وقوله لا يحل لأحدٍ أن يحمل السلاح بمكة قال به الحسن البصري وأجازه الجمهور إن دعت إليه حاجة وضرورة؛ تمسُّكًا بدخول النبي ﷺ مكة بالسلاح. وهذا فيه بُعد لما قدَّمناه مما يدل على خصوصية النبي ﷺ بذلك، وقد أنكر عبد الله بن عمر على الحجاج أمره بحمل السلاح في الحرم، ويمكن أن يعلَّل بأن ذلك في أيام الموسم لكثرة الخلق فيخاف أن يصيب أحدًا أو يروّعه؛ كما قد نبَّه عليه النبي ﷺ في الحديث بقوله: من مرَّ بشيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبلٍ فليأخذ على نصالها، لا يعقر بكفه مسلمًا (٢)! ، والله أعلم. (المغفر): ما يلبس على الرأس من درع الحديد، وأصله من الغفر وهو

стр. 1727

مُتَعَلِّقٌ بِأَستَارِ الكَعبَةِ! فَقَالَ: اقتُلُوهُ. رواه أحمد (٣/ ١٠٩)، والبخاريُّ (١٨٤٦)، ومسلم (١٣٥٧)، وأبو داود (٢٦٨٥)، والترمذيُّ (١٦٩٣)، والنسائيُّ (٥/ ٢٠٠)، وابن ماجه (٢٨٠٥). [١٢١٧] وعَن جَابِرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ يَومَ فَتحِ مَكَّةَ وَعَلَيهِ عِمَامَةٌ سَودَاءُ بِغَيرِ إِحرَامٍ. رواه أحمد (١/ ٣٦٣)، ومسلم (١٣٥٨)، وأبو داود (٤٠٧٦)، والترمذيُّ (١٧٣٥)، والنَّسائيُّ (٥/ ٢٠١)، وابن ماجه (٢٨٢٢). ــ الستر، وهو دليل على أن النبي ﷺ دخل مكة عُنوة، وهو الصحيح من الأحاديث والمعلوم من السِّير. لكنه عندما دخلها أمَّن أهلها، كما سيأتي. وإنما اغتر من قال بأنها فتحت صلحًا لما سمع أن النبي ﷺ لم يَعرِض لأهلها بقتل ولا سبي، فظن وقدَّر هنالك صلحًا في الخفاء مع أبي سفيان أو غيره، وهذا كله وهم، والصحيح الأول. و(ابن خطل) هو هلال بن خطل، وقيل عبد العزى ابن خطل - هذا قول ابن إسحاق وجماعة، وقال الزبير بن بكار: ابن خطل الذي أمر النبي ﷺ بقتله يوم الفتح هو هلال بن عبد الله بن عبد مناف بن أسعد بن جابر بن كثير بن تيم بن غالب بن فهر. قال: وعبد الله هو الذي يُقال له خطل، ولأخيه عبد العزى بن عبد مناف أيضًا خطل - هما جميعًا الخطلان؛ قاله أبو عمر. وكان قد أسلم وهاجر، فاستكتبه النبي ﷺ ثم ارتدَّ، فقتل رجلًا كان يخدمه وفرَّ إلى مكة، وجعل يسبَّ النبي ﷺ ويهجوه. وفيه دليل على صحَّة مذهب الجمهور في أن الحدود تُقام بالحرم كما تقدَّم. وقول جابر إنَّه ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء ليس مناقضًا

стр. 1728

[١٢١٨] وعن عَمرِو بنِ حُرَيثٍ قَالَ: كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيهِ عِمَامَةٌ سَودَاءُ قَد أَرخَى طَرَفَيهَا بَينَ كَتِفَيهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: يَخطُبُ النَّاسَ. رواه مسلم (١٣٥٩). * * * (٥٨) باب تحريم المدينة وصيدها وشجرها والدعاء لها [١٢١٩] عن عَبدِ اللَّهِ بنِ زَيدِ بنِ عَاصِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ إِبرَاهِيمَ ﵇ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لهَا، وَإِنِّي حَرَّمتُ المَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثلَي مَا دَعَا بِهِ إِبرَاهِيمُ لِأَهلِ مَكَّةَ. ــ لقوله إنه دخل ذلك اليوم وعليه المغفر؛ لإمكان أن تكون العمامة تحت المغفر وقاية من صدأ الحديد وشعثه، أو يكون نزع المغفر عند انقياد أهل مكة ولبس العمامة، والله تعالى أعلم. (٥٨) ومن باب: تحريم المدينة قوله ﷺ إن إبراهيم حرَّم مكة؛ أي: بلَّغ حكم تحريمها. وعلى ذلك يحمل قول نبينا ﷺ وإني أحرِّم ما بين لابتي المدينة، وَقَد دَلَّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأوِيلِ قَولُهُ ﷺ إن الله حرَّم مكة ولم يحرّمها الناس. وقوله وإني دعوتُ في صاعها ومُدِّها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل

стр. 1729

رواه أحمد (٤/ ٤٠)، والبخاريُّ (٢١٢٩)، ومسلم (١٣٦٠) (٤٥٤). [١٢٢٠] وعن عَامِرُ بنُ سَعدٍ، عَن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَينَ لَابَتَي المَدِينَةِ أَن يُقطَعَ عِضَاهُهَا أَو يُقتَلَ صَيدُهَا. ــ مكة؛ تفسيره ما جاء في حديث أنس، وهو قوله: اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما بمكة من البركة. وقوله في صاعها ومُدِّها؛ أي: في ذي صاعها وذي مدَّها، يعني: فيما يُكال بالصَّاع والمدِّ. ووجهُ البركة تكثير ذلك وتضعيفه في الوجود أو في الشبع، وقد فعل (١) الله تعالى كل ذلك بالمدينة، فانجلب الناس إليها من كل أرض وبلد، وصارت مستقر ملوكٍ، وجلبت إليها الأرزاق، وكثرت فيها مع قلة أكل أهلها وترك نهمهم، وإنما هي وجبة واحدة يأكلون فيها العُلقة (٢) من الطعام والكفِّ من التمر ويُكتفى به، ثم لا يلزم أن يكون ذلك فيها دائمًا ولا في كل شخص، بل تتحقق إجابة دعاء النبي ﷺ إذا وجد ذلك في أزمان أو في غالب أشخاص، والله تعالى أعلم. وقوله إني أحرِّم ما بين لابتي المدينة أن يُقطع عضاهها، أو يُقتل صيدها، اللابة: الأرض ذات الحجارة، وهي الحرَّة، وجمعها في القلة: لاباتٌ، وفي الكثرة: لابٌ، ولوبٌ. كـ (قارة) و (قور) و (ساحة) و (سوح) و (باحة) و (بوح)، قاله ابن الأنباري (٣). اللابتان: الحرتان الشرقية والغربية، وللمدينة لابتان في القبلة والجرف، وترجع إليهما الشرقية والغربية (٤)، قال الهروي:

стр. 1730

وَقَالَ: المَدِينَةُ خَيرٌ لَهُم لَو كَانُوا يَعلَمُونَ، ــ يقال: ما بين لابتيها أجهل من فلان؛ أي: ما بين طرفيها - يعني المدينة. وهذا الحديث نصٌّ في تحريم صيد المدينة وقطع شجرها، وهو حجة للجمهور على أبي حنيفة وأصحابه في إباحة ذلك، وإنكارهم على من قال بتحريم المدينة بناء منهم على أصلهم في ردِّهم أخبار الآحاد فيما تعم به البلوى، وقد تكلَّمنا معهم في هذا الأصل في باب أحداث الوضوء، ولو سلم لهم ذلك جدلًا فتحريم المدينة قد انتشر عند أهل المدينة والمحدِّثين وناقلي الأخبار حتى صار ذلك معلومًا عندهم بحيث لا يشكون فيه، والذي قصَّر بأبي حنيفة وأصحابه في ذلك قلَّة اشتغالهم بالحديث ونقل الأخبار، وإلا فما الفرق بين الأحاديث الشاهدة بتحريم مكة وبين الشاهدة بتحريم المدينة في الشهرة، ولو بحثوا عنها وأمعنوا فيه حصل لهم منها مثل الحاصل لهم من أحاديث مكة. والجمهور على أن صيدها لا جزاء فيه؛ لعدم النص في ذلك، ولم يتحققوا جامعًا بين الصَّيدين فلم يُلحقوه به، وقد قال بوجوب الجزاء فيه ابن أبي ذئب وابن أبي ليلى وابن نافع من أصحابنا، واختلف قول الشافعي في ذلك. فأما الشجر: فيحرم قطعه منها أيضًا، وهو محمول على مثل ما حمل عليه شجر مكة، وهو ما لم يُعالج إنباتَه الآدمي، ويدل على صحة ذلك أن النبي ﷺ قطع نخل المسجد (١)، وقد ذكر ابن نافع عن مالك أنه قال: إنما نهي عن قطع شجر المدينة لئلا تتوحش وليبقى فيها شجرها؛ ليستأنس ويستظل به مَن هاجر إليها. قلت: وعلى هذا فلا يُقطع منها نخل ولا غيره، وحينئذ تزول خصوصية ذكر العضاه وهو شجر البادية الذي ينبت لا بصنع آدمي، والأول أولى، والله تعالى أعلم. وقوله والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون؛ يعني: للمرتحلين عنها إلى

стр. 1731

لَا يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغبَةً عَنهَا إِلَّا أَبدَلَ اللَّهُ فِيهَا مَن هُوَ خَيرٌ مِنهُ، وَلَا يَثبُتُ أَحَدٌ عَلَى لَأوَائِهَا وَجَهدِهَا إِلَّا كُنتُ لَهُ شَفِيعًا أَو شَهِيدًا يَومَ القِيَامَةِ. ــ غيرها، ويفسِّر هذا حديث سفيان بن زهير الآتي بعد هذا إن شاء الله تعالى. وقوله لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل فيها من هو خير منه. . . إلى آخر الحديث، رغبة عنها أي كراهية لها، يقال: رغبت في الشيء - أحببته، ورغبت عنه: كرهته. وفي معنى هذا الحديث قولان؛ أحدهما: أن ذلك مخصوص بمدة حياته. والثاني: أنه دائم أبدًا. ويشهد له قوله في حديث آخر يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه هلم إلى الرخاء! والمدينة خير لهم (١)، وذكر ما تقدَّم (٢). وقوله لا يثبت أحدٌ على لأوائها وشدَّتها، اللأواء - ممدود: هو الجوع وشدَّة الكسب فيها والمشقات. ويحتمل أن يعود الضمير في شدَّتها على اللأواء فإنها مؤنثة، وعلى المدينة، والأول أقرب. وقوله إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا، زعم قوم أن أو هنا شكٌّ من بعض الرواة وليس بصحيح، فإنه قد رواه جماعة من الصحابة ومِن الرواة كذلك على لفظ واحد، ولو كان شكًّا لاستحال أن يتفق الكل عليه، وإنما أو هنا للتقسيم والتنويع، كما قال الشاعر: فقالوا لنا ثِنتانِ لا بُدَّ مِنهُما ... صدور رِماح أُشرِعت أو سَلاسِلُ ويكون المعنى: إن الصابر على شدة المدينة صنفان؛ من يشفع له النبي ﷺ

стр. 1732

وَفِي رِوَايَةٍ: وَلَا يُرِيدُ أَحَدٌ أَهلَ المَدِينَةِ بِسُوءٍ إِلَّا أَذَابَهُ اللَّهُ فِي النَّارِ ذَوبَ الرَّصَاصِ أَو ذَوبَ المِلحِ فِي المَاءِ. رواه أحمد (١/ ١٦٩)، ومسلم (١٣٦٣). [١٢٢١] وعنه أَنَّ سَعدًا رَكِبَ إِلَى قَصرِهِ بِالعَقِيقِ فَوَجَدَ عَبدًا يَقطَعُ شَجَرًا أَو يَخبِطُهُ، فَسَلَبَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ سَعدٌ جَاءَ أَهلُ العَبدِ فَكَلَّمُوهُ أَن يَرُدَّ عَلَى غُلَامِهِم أَو عَلَيهِم مَا أَخَذَ مِن غُلَامِهِم، فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَن أَرُدَّ شَيئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ! وَأَبَى أَن يَرُدَّ عَلَيهِم. رواه أحمد (١/ ١٦٨)، ومسلم (١٣٦٤). ــ من العصاة، ومن يشهد له بما نال فيها من الشدَّة ليوفَّى أجره. وشفاعته ﷺ وإن كانت عامة للعصاة من أمته إلا أن العصاة من أهل المدينة لهم زيادة خصوص منها، وذلك - والله تعالى أعلم - بأن يشفع لهم قبل أن يعذبوا بخلاف غيرهم، أو يشفع في ترفيع درجاتهم أو في السَّبق إلى الجنة، أو فيما شاء الله من ذلك. وقوله ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار، ظاهر هذا أن الله يعاقبه بذلك في النار، ويحتمل أن يكون ذلك كناية عن إهلاكه في الدُّنيا أو عن توهين أمره وطمس كلمته كما قد فعل الله ذلك بمن غزاها وقاتل أهلها فيمن تقدَّم؛ كمسلم بن عقبة إذ أهلكه الله منصرفه عنها، وكإهلاك يزيد بن معاوية إثر إغزائه أهل المدينة، إلى غير ذلك. والعقيق موضع بينه وبين المدينة عشرة أميال، وبه مات سعد، وحُمل إلى المدينة فصلي عليه ودفن فيها. والسَّلب بفتح اللام: الشيء المسلوب؛ أي المأخوذ، وبإسكانها المصدر. ونفلنيه: أعطانيه نافلة.

стр. 1733

[١٢٢٢] وعَن سَهلِ بنِ حُنَيفٍ قَالَ: أَهوَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى المَدِينَةِ فَقَالَ: إِنَّهَا حَرَمٌ آمِنٌ. رواه أحمد (٣/ ٤٨٦)، ومسلم (١٣٧٥). [١٢٢٣] وعن أَنَسَ بنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لِأَبِي طَلحَةَ التَمِس لِي غُلَامًا مِن غِلمَانِكُم يَخدُمُنِي! فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلحَةَ يُردِفُنِي وَرَاءَهُ، فَكُنتُ أَخدُمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُلَّمَا نَزَلَ، قَالَ: ثُمَّ أَقبَلَ حَتَّى إِذَا بَدَا لَهُ أُحُدٌ ــ وأصل النافلة الزيادة، وإنما فعل سعد هذا لأن النبي ﷺ أمر بذلك في حق مَن صاد في حرم المدينة، كما رواه أبو داود من حديث سعد أيضًا، وذكر نحو حديث مسلم في الشجر ثم قال: قال رسول الله ﷺ : من أخذ أحدًا بصيد في حرم المدينة فليسلبه (١)، وكأن سعدًا قاس قطع شجرها على صيدها بجامع كونهما محرمين بحرمة الموضع، وهذا كله مبالغة في الرَّدع والزجر لا أنها حدود ثابتة في كل أحدٍ وفي كل وقت، وامتناعه من رد السَّلب لأنه رأى أن ذلك أدخل في باب الإنكار والتشديد، ولتنتشر القضية في الناس فيكفوا عن الصيد وقطع الشجر. وقوله إنها حرم آمن، يروى آمن بمدة بعد الهمزة وكسر الميم على النعت لـ حرم؛ أي: من أن تغزوه قريش، كما قال يوم الأحزاب: لن تغزوكم قريش بعد اليوم (٢)، أو من الدجال، أو الطاعون، أو آمن صيدُها وشجرها، ويروى بغير مدٍّ وإسكان الميم، وهو مصدر؛ أي: ذات أمن - كما يقال: امرأة عَدلٌ.

стр. 1734

قَالَ: هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ. فَلَمَّا أَشرَفَ عَلَى المَدِينَةِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَينَ جَبَلَيهَا، مِثلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبرَاهِيمُ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ بَارِك لَهُم فِي مُدِّهِم وَصَاعِهِم. رواه أحمد (٣/ ١٥٩)، والبخاري (٥٤٢٥)، ومسلم (١٣٦٥). ــ وقوله لأُحُدٍ هذا جبل يحبنا ونحبه، ذهب بعض الناس إلى أن هذا الحديث محمول على حقيقته وأن الجبل خُلِق فيه حياة ومحبَّة حقيقية، وقال: هو من معجزات رسول الله ﷺ . وهذا لا يصدر عن مُحقق؛ إذ ليس في اللفظ ما يدل على ما ذكروا، والأصل بقاء الأمور على مستمر عاداتها حتى يدل قاطع على انخراقها لنبي أو ولي على ما تقرر في علم الكلام. والذي يصح أن يُحمل عليه الحديث أن يقال: إن ذلك من باب المجاز المستعمل؛ فإما من باب الحذف، فكأنه قال: يحبنا أهله، كما قال: ﴿وَاسأَلِ القَريَةَ﴾ وهذا المعنى موجود في كلام العرب وفي أشعارهم كثيرًا، كقوله: أَمُرُّ على الدِّيارِ دِيارِ ليلى ... أُقَبِّلُ ذا الجِدارَ وذا الجِدارا وما تلك الدِّيارُ شَغَفنَ قَلبِي ... ولكن حُبُّ مَن سَكَنَ الدِّيارا وإمَّا مِن باب الاستعارة؛ أي: لو كان ممن يعقل لأحبنا. أو على جهة مطابقة اللفظ اللفظ، أو لأنه استُشهد به من أحبَّه النبي ﷺ كحمزة وغيره من الشهداء الذين استشهدوا به يوم أحد ﵃. وقوله ﷺ اللهم إني أُحرِّم ما بين جَبَلَيها - وفي لفظ آخر: مَأزِمَيها بكسر الزاي وفتح الميم الثانية؛ بمعنى: جبليها - على ما قاله ابن شعبان، قال

стр. 1735

[١٢٢٤] وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما بمكة من البركة. رواه أحمد (٣/ ١٤٢)، والبخاري (١٨٨٥)، ومسلم (١٣٦٩). [١٢٢٥] وعن عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: مَن زَعَمَ أَنَّ عِندَنَا شَيئًا نَقرَؤُهُ إِلَّا كِتَابَ اللَّهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ -قَالَ: وَصَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ فِي قِرَابِ سَيفِهِ- فَقَد كَذَبَ! فِيهَا: أَسنَانُ الإِبِلِ، وَأَشيَاءُ مِن الجِرَاحَاتِ، وَفِيهَا: قَالَ ــ ابن دريد: المأزم (١) المتضايق، ومنه: مأزمي منى، وهذا يقرب من تفسير ابن شعبان (٢)، لأن المتضايق منقطع الجبال بعضها من بعض، وهما المعبّر عنهما بـ اللابتان. ومقدار حرم المدينة ما قاله أبو هريرة أنه ﷺ جعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حمى. وقوله المدينة حرام (٣)، ما بين عير إلى ثور (٤)، كذا رواية الرواة من عير إلى ثور، وللعذري عائر بدل عير، وقد أنكر الزبيري مصعب وغيره هاتين الكلمتين فقالوا: ليس بالمدينة عير ولا ثور. وقالوا: إنما ثور بمكة. وقال الزبيري: عير جبل بمكة. وأكثر رواة البخاري ذكروا عيرًا، وأما ثور فمنهم من كنَّى عنه بـ كذا ومنهم من ترك مكانه بياضًا؛ إذ اعتقدوا الخطأ في ذكره - قاله

стр. 1736

النَّبِيُّ ﷺ : المَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَينَ عَيرٍ إِلَى ثَورٍ، فَمَن أَحدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَو آوَى مُحدِثًا فَعَلَيهِ لَعنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ، لَا يَقبَلُ اللَّهُ مِنهُ يَومَ القِيَامَةِ صَرفًا وَلَا عَدلًا، وَذِمَّةُ المُسلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسعَى بِهَا أَدنَاهُم، وَمَن ادَّعَى إِلَى ــ عياض. وقال بعضهم: ثور وهمٌ من بعض الرواة. قال أبو عبيد: كأن الحديث أصله من عير إلى أُحد، والله أعلم. وقوله فمن أحدث فيها حدثًا؛ يعني: من أحدث ما يخالف الشرع من بدعة أو معصية أو ظلم، كما قال: من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردٌّ (١). وقوله أو آوى محدثًا؛ أي: ضمَّه إليه ومنعه مِمَّن له عليه حقٌّ ونصره، ويقال أوى بالقصر والمد متعديًا ولازمًا، والقصر في اللازم أكثر، والمد في المتعدي أكثر. وقوله فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لعنة الله: طرده للملعون وإبعاده عن رحمته. ولعنة الملائكة والناس: الإبعاد، والدعاء بالإبعاد. وهؤلاء هم اللاعنون، كما قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ والصرف: التوبة، والعدل: الفدية - قاله الأصمعي. وقيل: الصرف الفريضة، والعدل: التطوع - وعَكَس ذلك الحسن. وقيل: الصرف الحيلة والكسب، والعدل: المثل - كما قال الله تعالى: ﴿أَو عَدلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ ويقال في العدل بمعنى المثل: عَدلٌ وعِدلٌ، كسلم وسِلم. وقوله وذمة المسلمين واحدة؛ أي: من عَقَد من المسلمين أمانًا أو عهدًا لأحدٍ من العدو لم يحل لأحدٍ أن ينقضه. والذمة: العهد - وهو لفظ مشترك بين أمورٍ مُتعددة.

стр. 1737

غَيرِ أَبِيهِ أَو انتَمَى إِلَى غَيرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيهِ لَعنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ، لَا يَقبَلُ اللَّهُ مِنهُ يَومَ القِيَامَةِ لا صَرفًا وَلَا عَدلًا. وَزَادَ فِي رواية: فَمَن أَخفَرَ مُسلِمًا فَعَلَيهِ لَعنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ، لَا يُقبَلُ مِنهُ يَومَ القِيَامَةِ صَرفٌ وَلَا عَدلٌ. رواه أحمد (١/ ١٢٦)، والبخاري (١٨٧٠)، ومسلم (١٣٧٠)، وأبو داود (٢٠٣٤)، والترمذي (٢١٢٨). [١٢٢٦] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا بَينَ لَابَتَيِ المَدِينَةِ -قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: فَلَو وَجَدتُ الظِّبَاءَ مَا بَينَ لَابَتَيهَا مَا ذَعَرتُهَا- وَجَعَلَ اثنَي عَشَرَ مِيلًا حَولَ المَدِينَةِ حِمًى. رواه البخاري (١٨٧٣)، ومسلم (١٣٧٢)، والترمذي (٣٩١٧). ــ وقوله يسعى بذمتهم أدناهم؛ أي أقلُّهم منزلةً في الدُّنيا وأضعفهم، وهو حجة لمن أجاز أمان العبد والمرأة على ما سيأتي في الجهاد إن شاء الله تعالى. وقوله فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله؛ أي نَقَضَ عهده، يقال: أخفرت الرجل إخفارًا - إذا غدرته، وخفرته إذا أجرته، خفارة. ومجيءُ الناس لرسول الله ﷺ بأول الثَّمر مبادرة بهديه ما يستظرف واغتنامٌ لدعائه وبركته، ولذلك كان ﷺ إذا أخذ أول ذلك الثمر وضعه على وجهه، كما رواه بعض الرواة عن مالك (١) في هذا الحديث من الزيادة.

стр. 1738

[١٢٢٧] وعنه قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاؤوا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِك لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِك لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِك لَنَا فِي صَاعِنَا، وَبَارِك لَنَا فِي مُدِّنَا، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبرَاهِيمَ عَبدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدعُوكَ لِلمَدِينَةِ بِمِثلِ مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَمِثلِهِ مَعَهُ. قَالَ: ثُمَّ يَدعُو أَصغَرَ وَلِيدٍ لَهُ فَيُعطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَصغَرُ مَن يَحضِرُهُ مِنَ الولِدَانِ. رواه مسلم (١٣٧٣)، والترمذي (٣٤٥٤)، والنسائي في اليوم والليلة (٣٠٢)، وابن ماجه (٣٣٢٩). * * * ــ وتخصيص النبي ﷺ بذلك الثمر أصغر وليدٍ يراه لأنه أقل صبرًا ممن هو أكبر منه وأكثر جزعًا وأشدُ فرحًا، وهذا من حسن سياسته ﷺ ومعاملته للكبار والصِّغار، وقيل: إن ذلك من باب التفاؤل بنمو الصغير وزيادته كنحو الثمرة وزيادتها. * * *

стр. 1739

(٥٩) باب الترغيب في سكنى المدينة والصبر على لأوائها [١٢٢٨] عَن أَبِي سَعِيدٍ مَولَى المَهرِيِّ أَنَّهُ أَصَابَهُم بِالمَدِينَةِ جَهدٌ وَشِدَّةٌ، وَأَنَّهُ أَتَى أَبَا سَعِيدٍ الخُدرِيَّ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي كَثِيرُ العِيَالِ، وَقَد أَصَابَتنَا شِدَّةٌ، فَأَرَدتُ أَن أَنقُلَ عِيَالِي إِلَى بَعضِ الرِّيفِ! فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لَا تَفعَل، الزَم المَدِينَةَ، فَإِنَّا خَرَجنَا مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ أَظُنُّ أَنَّهُ قَالَ: حَتَّى قَدِمنَا عُسفَانَ - فَأَقَامَ بِهَا لَيَالِيَ، فَقَالَ النَّاسُ: وَاللَّهِ مَا نَحنُ هَاهُنَا فِي شَيءٍ وَإِنَّ عِيَالَنَا لَخُلُوفٌ مَا نَأمَنُ عَلَيهِم، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي يبَلَغَنِي مِن حَدِيثِكُم - مَا أَدرِي كَيفَ قَالَ - وَالَّذِي أَحلِفُ بِهِ - أَو وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ - لَقَد هَمَمتُ - أَو إِن شِئتُم، لَا أَدرِي أَيَّتَهُمَا قَالَ - لَآمُرَنَّ بِنَاقَتِي تُرحَلُ ثُمَّ لَا أَحُلُّ لَهَا عُقدَةً حَتَّى أَقدَمَ المَدِينَةَ. وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ إِبرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ ــ (٥٩) ومن باب: الترغيب في سكنى المدينة قوله إن أهلنا لخلوف بضم الخاء المعجمة من فوقها؛ أي: لا حافظ لهم ولا حامي، يقال: حيٌّ خلوف - أي: غاب عنهم رجالهم. وقوله لآمرنَّ بناقتي ترحَّل مشدَّدة الحاء؛ أي: يجعل عليها الرَّحل. وقوله ثم لا أحل لها - أو عنها - عقدة؛ أي: أَصِلُ المشي والإسراع، وذلك لمحبته الكون (١) في المدينة وشدَّة شوقه إليها، وقد تقدَّم الكلام في المأزِمَين.

стр. 1740

فَجَعَلَهَا حَرَمًا، وَإِنِّي حَرَّمتُ المَدِينَةَ حَرَامًا مَا بَينَ مَأزِمَيهَا؛ أَلَّا يُهرَاقَ فِيهَا دَمٌ، وَلَا يُحمَلَ فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ، وَلَا تُخبَطَ فِيهَا شَجَرَةٌ إِلَّا لِعَلفٍ، اللَّهُمَّ بَارِك لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، اللَّهُمَّ بَارِك لَنَا فِي صَاعِنَا، اللَّهُمَّ بَارِك لَنَا فِي مُدِّنَا، اللَّهُمَّ بَارِك لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، اللَّهُمَّ اجعَل مَعَ البَرَكَةِ بَرَكَتَينِ، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا مِن المَدِينَةِ شِعبٌ وَلَا نَقبٌ إِلَّا عَلَيهِ مَلَكَانِ يَحرُسَانِهَا حَتَّى تَقدَمُوا إِلَيهَا. ــ وقوله لا يُحمل فيها سلاح، ولا تُخبط فيها شجرة، هذا كله يقضي بالتسوية (١) بين حرم المدينة وحرم مكة، وهو ردٌّ على أبي حنيفة على ما تقدَّم. وقوله إلا لعلف، لم يذكر هذا الاستثناء في شجر مكة، وهو أيضا جار فيها ولا فرق بينهما، وكذلك ذكر في مكة إلا الإذخر ولم يذكره في المدينة، وهو أيضًا جارٍ فيها؛ إذ لا فرق بين الحرمين. والحاصل من الاستثنائين أن ما دعت الحاجة إليه من العلف والانتفاع بالحشيش جاز تناوله على وجه المس والرفق من غير عنف ولا كسر غصن، وهو حجة على من منع شيئًا من ذلك. وقوله ما من المدينة شِعبٌ ولا نقبٌ إلا عليه ملكان يحرسانها، الشِعب - بكسر الشين: هو الطريق في الجبل، قاله يعقوب وغيره. والنقب - بفتح النون وضمها: هو الطريق على رأس الجبل. وقيل: هو الطريق ما بين الجبلين. وقال الأخفش: أنقاب المدينة طرقها وفجاجها. وما يهيجهم؛ أي: ما يحركهم. يقال: هاج الشيء وهجته، وهاجت الحرب وهاجها الناس؛ أي: حركوها وأثاروها. وبنو عبد الله بن غطفان كانوا يُسمَّون في الجاهلية بني عبد العزّى، سمَّاهم النبي ﷺ بني عبد الله فسمتهم العرب بني محولة لتحويل اسمهم، وفي هذا ما يدل على أن حراسة الملائكة للمدينة إنما كان إذ ذاك في مدة غيبة النبي ﷺ وأصحابه عنها نيابة عنهم.

стр. 1741

ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: ارتَحِلُوا - فَارتَحَلنَا فَأَقبَلنَا إِلَى المَدِينَةِ، فَوَالَّذِي يَحلِفُ بِهِ - أَو نحلَفُ بِهِ، الشَّكُّ مِن حَمَّادٍ - مَا وَضَعنَا رِحَالَنَا حِينَ دَخَلنَا المَدِينَةَ حَتَّى أَغَارَ عَلَينَا بَنُو عَبيدِ اللَّهِ بنِ غَطَفَانَ، وَمَا يَهِيجُهُم قَبلَ ذَلِكَ شَيءٌ. رواه أحمد (٣/ ٣٤ و ٤٧)، ومسلم (١٣٧٤) (٤٧٥). [١٢٢٩] وعنه أَنَّهُ جَاءَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدرِيَّ لَيَالِي الحَرَّةِ فَاستَشَارَهُ فِي الجَلَاءِ مِن المَدِينَةِ، وَشَكَا إِلَيهِ أَسعَارَهَا وَكَثرَةَ عِيَالِهِ، وَأَخبَرَهُ أَلَّا صَبرَ لَهُ عَلَى جَهدِ المَدِينَةِ وَلَأوَائِهَا، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَصبِرُ أَحَدٌ عَلَى لَأوَائِهَا وشدتها فَيَمُوتَ إِلَّا كُنتُ لَهُ شَفِيعًا - أَو ــ وقوله ليالي الحرة يعني به حرة المدينة، كان بها مقتلة عظيمة في أهل المدينة، كان سببها أن ابن الزبير وأكثر أهل الحجاز كرهوا بيعة يزيد بن معاوية، فلما مات معاوية وجَّه يزيدُ مسلمَ بنَ عقبة المدني في جيشٍ عظيم من أهل الشام فنزل بالمدينة فقاتل أهلها، فهزمهم وقتلهم بحرَّة المدينة قتلًا ذريعًا، واستباح المدينة ثلاثة أيام، فسميت وقعة الحرَّة بذلك، ثم إنه توجه بذلك الجيش يريد مكة، فمات مسلم بقديد، وولي الجيش الحصين بن نمير وسار إلى مكة، وحاصر ابن الزبير، وأحرقت الكعبة حتى انهدم جدارها وسقط سقفها، فبينما هم كذلك بلغهم موت يزيد فتفرقوا، وبقي ابن الزبير بمكة إلى زمان الحجاج وقتله لابن الزبير رضي الله عن ابن الزبير. والجلاء - بفتح الجيم والمد - الانتقال من موضع إلى آخر، والجلاء - بكسر الجيم والمد - هو جلاء السيف والعروس، والجلا - بفتح الجيم والقصر - هو جلاء الجبهة وهو انحسار الشعر عنها، يقال: رجل أجلى وأجلح.

стр. 1742

شَهِيدًا - يَومَ القِيَامَةِ إِذَا كَانَ مُسلِمًا. رواه مسلم (١٣٧٤) (٤٧٧). [١٢٣٠] وَعَن عَائِشَةَ قَالَت: قَدِمنَا المَدِينَةَ وَهِيَ وَبِيئَةٌ، فَاشتَكَى أَبُو بَكرٍ، وَاشتَكَى بِلَالٌ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَكوَى أَصحَابِهِ قَالَ: اللَّهُمَّ حَبِّب إِلَينَا المَدِينَةَ كَمَا حَبَّبتَ مَكَّةَ أَو أَشَدَّ، وَصَحِّحهَا وَبَارِك لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَحَوِّل حُمَّاهَا إِلَى الجُحفَةِ. رواه أحمد (٦/ ٥٦)، والبخاري (١٨٨٩)، ومسلم (١٣٧٦). ــ وقوله إذا كان مسلمًا يُقَيّد ما تقدَّم من مطلقات هذه الألفاظ، ويُنَبَّه على القاعدة المقرَّرة من أن الكافر لا تناله شفاعة شافع، كما قال الله تعالى مخبرًا عنهم: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾. وقوله في المدينة وهي وبيئة بالهمزة من الوباء، وهو هنا شدَّة المرض والحمَّى، وكانوا لَمَّا قدموا المدينة لم توافقهم في صحتهم، فأصابتهم أمراض عظيمة ولقوا من حُمَّاها شدَّة، حتى دعا لهم النبي ﷺ وللمدينة فكشف الله ذلك ببركة دعائه، كما ذكر في هذا الحديث وفي غيره. وقوله وحوَّل حُمَّاها إلى الجحفة، قد ذكرنا الجحفة في باب المواقيت، وإنما دعا النبي ﷺ بهذا رحمة لأهل المدينة ولأصحابه ونقمة من أهل الجحفة؛ فإنهم كانوا إذ ذاك كفارًا. قال الخطابي: كانوا يهودًا. وقيل: إنه لم يبق أحد من أهل الجحفة في ذلك الوقت إلا أخذته الحمَّى. وفيه الدعاء للمسلم وعلى الكافر، وهذا وما في معناه من أدعية النبي ﷺ التي تفوق الحصر حجَّة على بعض المعتزلة القائلين لا فائدة في الدَّعاء مع سابق القدر، وعلى غلاة الصوفية القائلين إن الدعاء قادح في التوكل، وهذه كلها جهالات لا ينتحلها إلا جاهل غبيٌّ لظهور فسادها وقُبح ما يلزم عليها، ولبسط هذا موضع آخر.

стр. 1743

[١٢٣١] وعَن يُحَنَّسَ مَولَى الزُّبَيرِ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِندَ عَبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ فِي الفِتنَةِ، فَأَتَتهُ مَولَاةٌ لَهُ تُسَلِّمُ عَلَيهِ، فَقَالَت: إِنِّي أَرَدتُ الخُرُوجَ يَا أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ! واشتَدَّ عَلَينَا الزَّمَانُ. فَقَالَ لَهَا عَبدُ اللَّهِ: اقعُدِي لَكَاعِ، فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَصبِرُ عَلَى لَأوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ إِلَّا كُنتُ لَهُ شَهِيدًا أَو شَفِيعًا يَومَ القِيَامَةِ. رواه أحمد (٢/ ١١٣ و ١١٩ و ١٣٣)، ومسلم (١٣٧٧) (٤٨٢)، والموطأ (٢/ ٨٨٥). * * * ــ ويُحنِّسُ بضم الياء وكسر النون وتشديدها، رويناه، وهو المشهور. وقد ضبط عن أبي بحر يحنَّس بفتح النون. وقول ابن عمر لمولاته اقعدي لكاع معناه لئيمة، من اللكع وهو اللآمة، وقيل: أخذ من الملاكيع، وهو الذي يخرج مع السَّلا من البطن، ولا يستعمل إلا في النداء، يقال للذكر: يا لكع. وللأنثى: يا لكاع. وقيل: يا لكعاء. وربما جاء في الشعر للضرورة في غير النداء، كما قال (١): . . . . . . . . . ... إلى بيت قَعِيدتُه لَكَاعِ (٢) وقد يقال للصغير، كما قال النبي ﷺ للحسن حين طلبه أثمَّ لكع (٣)؛ أي الصغير، وهذا من ابن عمر تبسط مع مولاته وإنكار عليها إرادة الخروج من المدينة.

стр. 1744

(٦٠) باب المدينة لا يدخلها الطاعون ولا الدَّجال، وتنفي الأشرار [١٢٣٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَلَى أَنقَابِ المَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لَا يَدخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ. رواه أحمد (٢/ ٢٣٧ و ٣٧٥)، والبخاري (١٨٨٠)، ومسلم (١٣٧٩)، والنسائي في الكبرى (٧٥٢٦). ــ (٦٠) ومن باب: المدينة لا يدخلها الطاعون ولا الدَّجال قوله على أنقاب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون ولا الدَّجال، قد تقدَّم القول في الأنقاب، والطاعون الموت العام الفاشي، ويعني بذلك أنه لا يكون في المدينة من الطاعون مثل الذي يكون في غيرها من البلاد، كالذي وقع في طاعون عمواس والجارف وغيرهما، وقد أظهر الله صدق رسوله ﷺ ؛ فإنه لم يُسمع من النَّقلة ولا من غيرهم مَن يقول أنه وقع في المدينة طاعون عام، وذلك ببركة دعاء النبي ﷺ حيث قال: اللهم صححها لنا. وقد تقدَّم الكلام على اسم الدَّجال واشتقاقه، وهو وإن لم يدخل المدينة إلا أنه يأتي سبختها من دُبُرِ أُحُد فيضرب هناك رواقه فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج إليه منها كل كافر ومنافق، كما يأتي في حديث أنس في كتاب الفتن، ثم يهم بدخول المدينة، فتصرف الملائكة وجهه إلى الشام، وهناك يهلك بقتل عيسى ابن مريم إيَّاه بباب لُدٍّ على ما يأتي، وسيأتي أيضًا أن مكة لا يدخلها الدَّجال.

стр. 1745

[١٢٣٣] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَأتِي المَسِيحُ وهِمَّتُهُ المَدِينَةُ حَتَّى يَنزِلَ دُبُرَ أُحُدٍ، ثُمَّ تَصرِفُ المَلَائِكَةُ وَجهَهُ قِبَلَ الشَّامِ، وَهُنَاكَ يَهلِكُ. رواه أحمد (٢/ ٣٩٧)، ومسلم (١٣٨٠)، والترمذي (٢٢٤٣). [١٢٣٤] وعنه قال: قال رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : يَأتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَدعُو الرَّجُلُ ابنَ عَمِّهِ وَقَرِيبَهُ: هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ! هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ! وَالمَدِينَةُ خَيرٌ لَهُم لَو كَانُوا يَعلَمُونَ، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يَخرُجُ مِنهُم أَحَدٌ رَغبَةً عَنهَا إِلَّا أَخلَفَ اللَّهُ فِيهَا خَيرًا مِنهُ، ــ وقوله يأتي على النَّاس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه: هَلُمَّ إلى الرخاء! ، هذا منه ﷺ إخبار عن أمر غيب وقع على نحو ما ذكر، وكان ذلك من أدلة نبوَّته، وعنى بذلك أن الأمصار تفتح على المسلمين فتكثر الخيرات وتترادف عليهم الفتوحات، كما قد اتفق عند فتح (١) الشام والعراق والدِّيار المصرية وغير ذلك، فركن كثير ممن خرج من الحجاز وبلاد العرب إلى ما وجدوا من الخصب والدَّعة بتلك البلاد المفتوحة فاتخذوها دارًا ودعوا إليهم من كان بالمدينة لشدَّة العيش بها وضيق الحال، فلذلك قال ﷺ : والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وهي خير من حيث تعذر الترفه فيها وعدم الإقبال على الدنيا بها وملازمة ذلك المحل الشريف ومجاورة النبي الكريم ﷺ ؛ ففي حياته ﷺ صحبته ورؤية وجهه الكريم، وبعد وفاته مجاورة جدثه الشريف ومشاهدة آثاره المعظَّمة، فطوبى لمن ظفر بشيء من ذلك، وأحسن الله عزاءَ من لم ينل شيئًا مِمَّا هنالك. وقوله لا يخرج أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرًا منه؛ يعني أن

стр. 1746

أَلَا إِنَّ المَدِينَةَ كَالكِيرِ تُخرِجُ الخَبِيثَ، لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنفِيَ المَدِينَةُ شِرَارَهَا كَمَا يَنفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ. رواه أحمد (٢/ ٤٣٩)، ومسلم (١٣٨١). [١٢٣٥] وعنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أُمِرتُ بِقَريَةٍ تَأكُلُ القُرَى، ــ الذي يخرج من المدينة راغبًا عنها - أي زاهدًا فيها - إنما هو إما جاهل بفضلها وفضل المقام فيها أو كافر بذلك، وكل واحد من هذين إذا خرج منها فمن بقي من المسلمين خير منه وأفضل على كل حال، وقد قضى الله تعالى بأن مكة والمدينة لا تخلوان من أهل العلم والفضل والدِّين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فهم الخلف ممن خرج رغبة عنها. وقوله إن المدينة كالكير تُخرِج الخبث، هذا تشبيه واقع؛ لأن الكيرَ لشدَّة نفخه ينفي عن النار السخام والدخان والرَّماد، حتى لا يبقى إلا خالصُ الجمر والنار، هذا إن أراد بالكير النفخ الذي تنفخ به النار، وإن أراد به الموضع المشتمل على النار وهو المعروف عند أهل اللغة فيكون معناه أن ذلك الموضع لشدَّة حرارته ينزعُ خبث الحديد والذهب والفضة، ويخرج خلاصة ذلك، والمدينة كذلك لما فيها من شدة العيش وضيق الحال تخلص النفس من شهواتها وشرهها وميلها إلى اللذات والمستحسنات، فتتزكى النفس عن أدرانها وتبقى خلاصتُها، فيظهر سرُّ جوهرها وتعم بركاتها، ولذلك قال في الرواية الأخرى تنفي خبثها وينصع طيبها. وقوله أمرت بقرية تأكل القُرى؛ أي بالهجرة إليها إن كان قاله بمكة، أو بسُكناها إن كان قاله بالمدينة، وأكلُها للقرى هو أن منها افتتحت جميعُ القُرى،

стр. 1747

يَقُولُونَ يَثرِبَ وَهِيَ المَدِينَةُ، تَنفِي النَّاسَ كَمَا يَنفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ. رواه أحمد (٢/ ٢٣٧)، والبخاري (١٨٧)، ومسلم (١٣٨٢). [١٢٣٦] وَعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ أَنَّ أَعرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَصَابَ الأَعرَابِيَّ وَعكٌ بِالمَدِينَةِ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَقِلنِي بَيعَتِي! فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: أَقِلنِي بَيعَتِي! فَأَبَى، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: أَقِلنِي بَيعَتِي! فَأَبَى، فَخَرَجَ الأَعرَابِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّمَا المَدِينَةُ كَالكِيرِ؛ تَنفِي خَبَثَهَا وَيَنصَعُ طَيِّبُهَا. ــ وإليها جُبِي فَيءُ البلاد وخَراجُها في تلك المُدَد، وهو أيضًا من علامات نبوَّته ﷺ . وقوله يقولون يثرب، وهي المدينة؛ أي: يسميها الناس يثرب، والذي ينبغي أن تُسمَّى به المدينة، فكأن النبي ﷺ كره ذلك الاسم على عادته في كراهته الأسماء غير المستحسنة وتبديلها بالمستحسن منها، وذلك أن يثرب لفظ مأخوذ من الثرب وهو الفساد، والتثريب: وهو المؤاخذة بالذنب. وكل ذلك من قبيل ما يكره. وقد فهم العلماء من هذا منع أن يقال يثرب، حتى قال عيسى بن دينار: مَن سمَّاها يثرب كُتِبت عليه خطيئة. فأما قوله تعالى: ﴿يَا أَهلَ يَثرِبَ لا مُقَامَ لَكُم فَارجِعُوا﴾ هو حكاية عن قول المنافقين. وقيل: سُميت يثرب بأرض هناك، المدينة ناحية منها. وقد سماها النبي ﷺ طيبة وطابة، من الطيب، وذلك أنها طيبة التربة والرائحة، وهي تربة النبي ﷺ ، وتُطيِّبُ من سكنها ويستطيبها المؤمنون. وقوله تنفي خبثها، وينصعُ طِيبُها، ينصع: يصفو ويخلص. يقال: طيب ناصع إذا خلصت رائحته وصفَت مما ينقصها. وروينا طيِّبها هنا بفتح الطاء وتشديد الياء وكسرها، وقد رويناه في الموطأ هكذا، وبكسر الطاء

стр. 1748

رواه أحمد (٣/ ٣٠٦)، والبخاري (٧٢١١)، ومسلم (١٣٨٣)، والترمذي (٣٩٢٠)، والنسائي (٧/ ١٥١). [١٢٣٧] وَعَن زَيدِ بنِ ثَابِتٍ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّهَا طَيبَةُ - يَعنِي المَدِينَةَ - وَإِنَّهَا تَنفِي الخَبَثَ كَمَا تَنفِي النَّارُ خَبَثَ الفِضَّةِ. رواه أحمد (٥/ ١٨٤)، والبخاري (٤٥٨٩)، ومسلم (١٣٨٤)، والترمذي (٣٠٢٨). [١٢٣٨] وعَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ سَمَّى المَدِينَةَ طَابَةَ. رواه أحمد (٥/ ٨٩)، ومسلم (١٣٨٥). * * * (٦١) باب إثم من أراد أهل المدينة بسوء والترغيب فيها عند فتح الأمصار [١٢٣٩] عن سَعدَ بنَ أَبِي وَقَّاصٍ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن أَرَادَ أَهلَ المَدِينَةِ بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ المِلحُ فِي المَاءِ. ــ وتسكين الياء، وهو أليق بقوله وينصع؛ لأنه يقال: نصع الطيب - إذا قويت رائحته. (٦١) ومن باب: إثم من أراد أهل المدينة بسوء قد تقدم القول على قوله من أراد أهل المدينة بسوء في الباب الذي قبل هذا، وفي بعض ألفاظه من أراد أهل المدينة بدَهمٍ أو بسوء - على الشكِّ،

стр. 1749

رواه أحمد (١/ ١٦٩)، ومسلم (١٣٨٧) (٤٩٤). [١٢٤٠] ونحوه عن أبي هريرة. رواه أحمد (٢/ ٢٧٩)، ومسلم (١٣٨٦). [١٢٤١] وعَن سُفيَانَ بنِ أَبِي زُهَيرٍ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: تُفتَحُ اليَمَنُ، فَيَأتِي قَومٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهلِيهِم وَمَن أَطَاعَهُم، وَالمَدِينَةُ خَيرٌ لَهُم لَو كَانُوا يَعلَمُونَ، ثُمَّ تفتَحُ الشَّامُ، فَيَأتِي قَومٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهلِيهِم وَمَن أَطَاعَهُم، وَالمَدِينَةُ خَيرٌ لَهُم لَو كَانُوا يَعلَمُونَ، ثُمَّ يُفتَحُ العِرَاقُ، فَيَأتِي قَومٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهلِيهِم وَمَن أَطَاعَهُم، وَالمَدِينَةُ خَيرٌ لَهُم لَو كَانُوا يَعلَمُونَ. رواه أحمد (٥/ ٢٢٠)، والبخاري (١٨٧٥)، ومسلم (١٣٨٨) (٤٩٧). ــ بدهم بفتح الدال: الداهية والجيش العظيم، أو الفساد العظيم، والدهم والدهماء من أسماء الداهية. وقوله تفتح اليمن، فيأتي قوم يَبِسُون فيتحملون، رويناه بفتح الياء وبضم الباء وكسرها ثلاثيًّا، ورويناه أيضًا بضم الياء وكسر الباء رباعيًّا، قال الحربي (١): بسست الغنم والنوق إذا دعوتها. فمعناه: يدعون الناس إلى بلاد الخصب. وقال ابن وهب: يزينون لهم البلاد ويحببونها، مأخوذ من إبساس الحلوبة كي يدر لبنها. وقال أبو عبيد: معناه يسوقون، والبسُّ: سوق الإبل. قلت: والأول أليق بمساق الحديث ومعناه، وهذا الحديث من دلائل نبوته وصدقه ﷺ ، فإنه أخبر بوقوع أمور قبل وقوعها ثم وقعت بعد ذلك على نحو خبره، فكان ذلك دليلًا على صدقه.

стр. 1750

[١٢٤٢] وعن أبي هُرَيرَةَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَترُكُونَ المَدِينَةَ عَلَى خَيرِ مَا كَانَت لَا يَغشَاهَا إِلَّا العَوَافِي -يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيرِ- ثُمَّ يَخرُجُ رَاعِيَانِ مِن مُزَينَةَ يُرِيدَانِ المَدِينَةَ يَنعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا فَيَجِدَانِهَا وَحشًا، ــ وقوله تتركون المدينة على خير ما كانت، تتركون بتاء الخطاب، ومراده غير المخاطبين، لكن فرعهم من أهل المدينة أو نسلهم، وعلى خير ما كانت أي على أحسن حال كانت عليه فيما قبل، وقد وجد هذا الذي قاله النبي ﷺ ، وذلك أنها صارت بعده ﷺ معدن الخلافة وموضعها ومقصد الناس وملجأهم ومعقلهم، حتى تنافس الناس فيها وتوسعوا في خططها، وغرسوا وسكنوا منها ما لم يسكن من قبل، وبنوا فيها، وشيَّدوا حتى بلغت المساكن إهاب، كما سيأتي في حديث أبي هريرة الآتي إن شاء الله تعالى، وجُلبت إليها خيرات الأرض كلها، فلما انتهت حالها كمالًا وحسنًا انتقلت عنها الخلافة إلى الشام فغلبت عليها الأعراب وتعاورتها الفتن، فخاف أهلها فارتحلوا عنها. وذكر الأخباريون أنها خَلَت من أهلها وبقيت ثمارها للعوافي الطير والسباع، كما قال ﷺ ، ثم تراجع الناس إليها، وفي حال خلائها غَذَت الكلاب على سواري المسجد. وعوافي الطير: هي الطالبة لما تأكل. يقال: عضوته، أعضوه - إذا طلبت معروفه. وغَذَّى الكلب يُغَذِّي: إذا بال دفعة بعد دفعة. وقوله ثم يخرج راعيان من مزينة ينعقان بغنمهما؛ أي: يصيحان بها ليسوقاها. والنعاق: صوت السائق للغنم. ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنعِقُ بِمَا لا يَسمَعُ﴾ وقوله فيجدانها وحشًا؛ أي خلاء، يقال: أرض وحش - أي خالية، ومشى وحشًا؛ أي: وحده. قاله الحربي. ويحتمل أن يكون معناه: كثيرة الوحش؛ كما قال في البخاري فيجدانها وحوشًا، أي: يجدان المدينة كثيرة الوحوش لما

стр. 1751

حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا. رواه البخاري (١٨٧٤)، ومسلم (١٣٨٩) (٤٩٩). * * * (٦٢) باب فضل المنبر والقبر وما بينهما، وفضل أحد [١٢٤٣] عَن أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا بَينَ بَيتِي وَمِنبَرِي رَوضَةٌ مِن رِيَاضِ الجَنَّةِ، ــ خلت من سكانها، كما قال للعوافي. والوحش: كل ما توحش من الحيوان، وجمعه: وحوش. والضمير في يجدانها على هذا راجع للمدينة، وقيل: إنه عائدٌ على الغنم؛ أي: صارت هي وحوشًا، إما بأن تنقلب كذلك - والقدرة صالحة - وإما بأن تتوحش فتنفر من أصوات الرُّعاة. وخرَّا على وجوههما؛ أي: سقطا ميتين. وهذا الذي ذكره النبي ﷺ من حديث الرَّاعيين إنما يكون في آخر الأمر عند انقراض الدنيا، بدليل ما قال البخاري في هذا الحديث آخر من يحشر راعيان من مزينة (١)، قيل: معناه آخر من يموت بها فيُحشر؛ لأن الحشر بعد الموت. ويحتمل أن يتأخر حشرهما لتأخير موتهما. قلت: ويحتمل أن يكون معناه آخر من يحشر إلى المدينة؛ أي: يساق إليها - كما في لفظ كتاب مسلم. (٦٢) ومن باب: فضل المنبر والقبر والمسجد قوله ﷺ ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، الصحيح من

стр. 1752

وَمِنبَرِي عَلَى حَوضِي. رواه أحمد (٢/ ٣٧٦)، والبخاري (١١٩٦)، ومسلم (١٣٩١). [١٢٤٤] ونحوه عن عبد الله بن زيد المازني - ولم يقل: ومنبري عَلَى حَوضِي. رواه أحمد (٤/ ٤٥)، والبخاري (١١٩٥)، ومسلم (١٣٩٠)، والنسائي (٢/ ٣٥). [١٢٤٥] وعَن أَبِي حُمَيدٍ قَالَ: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزوَةَ ــ الرواية بيتي، وروي في غير الأم قبري مكان بيتي، وجعل بعض الناس هذا تفسيرًا لقوله بيتي، والظاهر بيت سكناه، والتأويل الآخر جائز؛ لأنه ﷺ دفن في بيت سكناه (١). قال القاضي عياض: أجمع المسلمون على أن موضع قبر النبي ﷺ أفضل بقاع الأرض كلها، وقد حمل كثير من العلماء هذا الحديث على ظاهره فقال: ينقل ذلك الموضع بعينه إلى الجنة. وقال بعضهم: يحتمل أن يريد به أن العمل الصالح في ذلك الموضع يؤدي بصاحبه إلى الجنة. وقوله (ومنبري على حوضي حمله أكثرُهم على ظاهره فقال: يكون منبره ذلك بعينه على حوضه، وقيل: إن له على حوضه منبرًا آخر غير ذلك أعظم وأشرف منه. وقيل: معناه إن ملازمة منبر النبي ﷺ لسماع الذكر والوعظ والتعلم يُفضي بصاحبه إلى الورود على الحوض. وللباطنية في هذا الحديث من الغلوّ والتحريف ما لا ينبغي أن يلتفت إليه، والأولى التمسُّك بالظاهر، فقد جاء في الصحيح أن هنالك - أعني في أرض المحشر - أقوامًا على منابر تشريفًا لهم وتعظيمًا، كما قال: إن المقسطين على منابر من نور يوم

стр. 1753

تَبُوكَ. . . وساق الحديث، وفيه: ثُمَّ أَقبَلنَا حَتَّى قَدِمنَا وَادِيَ القُرَى، فَقاَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي مُسرِعٌ، فَمَن شَاءَ مِنكُم فَليُسرِع مَعِيَ، وَمَن شَاءَ فَليَمكُث. فَخَرَجنَا حَتَّى أَشرَفنَا عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ: هَذِهِ طَابَةُ، وَهَذَا أُحُدٌ، وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ. رواه أحمد (٥/ ٤٢٤)، والبخاري (٤٤٢٢)، ومسلم (١٣٩٢). * * * (٦٣) باب فضل مسجد رسول الله ﷺ والمسجد الحرام، وما تشد الرحال إليه، والمسجد الذي أسس على التقوى، وإتيان قباء [١٢٤٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صَلَاةٌ فِي مَسجِدِي هَذَا خَيرٌ مِن أَلفِ صَلَاةٍ فِي غَيرِهِ مِن المَسَاجِدِ، إِلَّا المَسجِدَ الحَرَامَ. ــ القيامة (١)، وإذا كان ذلك في أئمة العدل فأحرى الأنبياء، وإذا كان ذلك للأنبياء فأحرى وأولى بذلك نبينا ﷺ ، فيكون منبره بعينه، ويزاد فيه ويعظم ويرفع وينوَّر على قدر منزلته ﷺ حتى لا يكون لأحدٍ في ذلك اليوم منبر أرفع منه؛ إذ ليس في القيامة أفضل منه ﷺ . (٦٣) ومن باب: فضل مسجد رسول الله ﷺ والمسجد الحرام (٢) قوله صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره من المساجد، إلا المسجد الحرام، اختلف في استثناء المسجد الحرام؛ هل ذلك لأن المسجد

стр. 1754

وزاد في رواية: قَالَ رَسول الله ﷺ : فإني آخر الأنبياء، وإن مسجدي آخر المساجد. رواه أحمد (٢/ ٢٥٦)، والبخاري (١١٩٠)، ومسلم (١٣٩٤) (٥٠٦ و ٥٠٧)، والترمذي (٣٢٥)، والنسائي (٢/ ٣٥)، وابن ماجه (١٤٠٤). ــ الحرام أفضل من مسجده ﷺ ؟ أو هو لأن المسجد الحرام أفضل من سائر المساجد غير مسجده ﷺ فإنه أفضل المساجد كلها؟ وانجرَّ مع هذا الخلافِ الخلافُ فِي أي البلدين أفضل؛ مكة أو المدينة؟ فذهب عمر وبعض الصحابة ومالك وأكثر المدنيين إلى تفضيل المدينة، وحملوا الاستثناء على تفضيل الصلاة في مسجد المدينة بألف صلاة على سائر المساجد إلا المسجد الحرام فبأقلّ من الألف، واحتجُّوا بما قال عمر ﵁: صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه - ولا يقول عمر هذا من تلقاء نفسه ولا من اجتهاده؛ إذ لا يُتوصَّل إلى ذلك بالاجتهاد، فعلى هذا تكون فضيلة مسجد رسول الله ﷺ على المسجد الحرام بتسعمائة وعلى غيره بألف. وذهب الكوفيون والمكيُّون وابن وهب وابن حبيب من أصحابنا إلى تفضيل مسجد مكة (١)، واحتجُّوا بما زاده قاسم بن أصبغ وغيره في هذا الحديث من رواية عبد الله بن الزبير بعد قوله إلا المسجد الحرام، قال: وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة. قلت: وقد روى هذا الحديث عبدُ بن حميد وقال فيه بمائة ألف صلاة، وهذه زيادات منكرة لم تشتهر عند الحفاظ ولا خرَّجها أهل الصحيح، والمشهور المعلوم الحديث من غير هذه الزيادات فلا يُعوَّل عليها، وينبغي أن يجرَّد النظر إلى الحديث المشهور وإلى لفظه. ولا شكَّ أن المسجد الحرام

стр. 1755

[١٢٤٧] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ أنَّ امرَأَةً اشتَكَت شَكوَى، فَقَالَت: إِن شَفَانِي اللَّهُ لَأَخرُجَنَّ فَلَأُصَلِّيَنَّ فِي بَيتِ المَقدِسِ! فَبَرَأَت، ثُمَّ تَجَهَّزَت تُرِيدُ الخُرُوجَ، فَجَاءَت مَيمُونَةَ زَوجَ النَّبِيِّ ﷺ تُسَلِّمُ عَلَيهَا فَأَخبَرَتهَا ذَلِكَ، فَقَالَت: اجلِسِي فَكُلِي مَا صَنَعتِ، وَصَلِّي فِي مَسجِدِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَإِنِّي ــ مستثنى من قوله من المساجد، وهي بالاتفاق مفضولة، والمستثنى من المفضول مفضول إذا سكت عليه، فالمسجد الحرام مفضول، لكن لا يقال إنه مفضول بألف لأنه قد استثناه منها، فلا بدَّ أن يكون له مزيَّة على غيره من المساجد، لكن ما هي؟ لم يُعيَّنها الشرع فيتوقف فيها، أو يُعتمد على قول عمر آنفًا. ويدل على صحة ما قلناه زيادة عبد الله بن قارظ بعد قوله إلا المسجد الحرام: فإني آخر الأنبياء، ومسجدي آخر المساجد، فربط الكلام بفاء التعليل مشعرًا بأن مسجده إنما فضل على المساجد كلها لأنه متأخر عنها ومنسوب إلى نبي متأخر عن الأنبياء كلهم في الزمان، فتدبره فإنه واضح! وقوله عن ابن عباس أن امرأة اشتكت شكوى، جميع رواة مسلم رووا هذا الحديث من طريق الليث عن نافع عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد عن ابن عباس أن امرأة، وقال النسائي: روى هذا الحديث الليث عن نافع عن إبراهيم عن ميمونة ولم يذكر ابن عباس، وكذلك البخاري عن الليث ولم يذكر فيه ابن عباس، وقال بعضهم: صوابه إبراهيم بن عبد الله بن معبدٍ بن عباس أنه قال أن امرأة اشتكت، وعن ابن عباس خطأ، والصواب ابن بدل عن، والله أعلم. وقول ميمونة للمرأة التي نذرت أن تصلي في بيت المقدس اجلسي وصلي في مسجد الرسول ﷺ ، إنما أمرتها بذلك لأنها لو مشت إلى مسجد بيت المقدس فصلت فيه حصل لها أقل مما يحصل لها في مسجد النبي ﷺ ، وضيعت على نفسها ألف صلاة في مسجد الرسول ﷺ مع ما يلحقها من مشقَّات
следующие страницы →