← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا. رواه البخاري (١٨٧٤)، ومسلم (١٣٨٩) (٤٩٩). * * * (٦٢) باب فضل المنبر والقبر وما بينهما، وفضل أحد [١٢٤٣] عَن أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا بَينَ بَيتِي وَمِنبَرِي رَوضَةٌ مِن رِيَاضِ الجَنَّةِ، ــ خلت من سكانها، كما قال للعوافي. والوحش: كل ما توحش من الحيوان، وجمعه: وحوش. والضمير في يجدانها على هذا راجع للمدينة، وقيل: إنه عائدٌ على الغنم؛ أي: صارت هي وحوشًا، إما بأن تنقلب كذلك - والقدرة صالحة - وإما بأن تتوحش فتنفر من أصوات الرُّعاة. وخرَّا على وجوههما؛ أي: سقطا ميتين. وهذا الذي ذكره النبي ﷺ من حديث الرَّاعيين إنما يكون في آخر الأمر عند انقراض الدنيا، بدليل ما قال البخاري في هذا الحديث آخر من يحشر راعيان من مزينة (١)، قيل: معناه آخر من يموت بها فيُحشر؛ لأن الحشر بعد الموت. ويحتمل أن يتأخر حشرهما لتأخير موتهما. قلت: ويحتمل أن يكون معناه آخر من يحشر إلى المدينة؛ أي: يساق إليها - كما في لفظ كتاب مسلم. (٦٢) ومن باب: فضل المنبر والقبر والمسجد قوله ﷺ ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، الصحيح من

стр. 1752

وَمِنبَرِي عَلَى حَوضِي. رواه أحمد (٢/ ٣٧٦)، والبخاري (١١٩٦)، ومسلم (١٣٩١). [١٢٤٤] ونحوه عن عبد الله بن زيد المازني - ولم يقل: ومنبري عَلَى حَوضِي. رواه أحمد (٤/ ٤٥)، والبخاري (١١٩٥)، ومسلم (١٣٩٠)، والنسائي (٢/ ٣٥). [١٢٤٥] وعَن أَبِي حُمَيدٍ قَالَ: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزوَةَ ــ الرواية بيتي، وروي في غير الأم قبري مكان بيتي، وجعل بعض الناس هذا تفسيرًا لقوله بيتي، والظاهر بيت سكناه، والتأويل الآخر جائز؛ لأنه ﷺ دفن في بيت سكناه (١). قال القاضي عياض: أجمع المسلمون على أن موضع قبر النبي ﷺ أفضل بقاع الأرض كلها، وقد حمل كثير من العلماء هذا الحديث على ظاهره فقال: ينقل ذلك الموضع بعينه إلى الجنة. وقال بعضهم: يحتمل أن يريد به أن العمل الصالح في ذلك الموضع يؤدي بصاحبه إلى الجنة. وقوله (ومنبري على حوضي حمله أكثرُهم على ظاهره فقال: يكون منبره ذلك بعينه على حوضه، وقيل: إن له على حوضه منبرًا آخر غير ذلك أعظم وأشرف منه. وقيل: معناه إن ملازمة منبر النبي ﷺ لسماع الذكر والوعظ والتعلم يُفضي بصاحبه إلى الورود على الحوض. وللباطنية في هذا الحديث من الغلوّ والتحريف ما لا ينبغي أن يلتفت إليه، والأولى التمسُّك بالظاهر، فقد جاء في الصحيح أن هنالك - أعني في أرض المحشر - أقوامًا على منابر تشريفًا لهم وتعظيمًا، كما قال: إن المقسطين على منابر من نور يوم

стр. 1753

تَبُوكَ. . . وساق الحديث، وفيه: ثُمَّ أَقبَلنَا حَتَّى قَدِمنَا وَادِيَ القُرَى، فَقاَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي مُسرِعٌ، فَمَن شَاءَ مِنكُم فَليُسرِع مَعِيَ، وَمَن شَاءَ فَليَمكُث. فَخَرَجنَا حَتَّى أَشرَفنَا عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ: هَذِهِ طَابَةُ، وَهَذَا أُحُدٌ، وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ. رواه أحمد (٥/ ٤٢٤)، والبخاري (٤٤٢٢)، ومسلم (١٣٩٢). * * * (٦٣) باب فضل مسجد رسول الله ﷺ والمسجد الحرام، وما تشد الرحال إليه، والمسجد الذي أسس على التقوى، وإتيان قباء [١٢٤٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صَلَاةٌ فِي مَسجِدِي هَذَا خَيرٌ مِن أَلفِ صَلَاةٍ فِي غَيرِهِ مِن المَسَاجِدِ، إِلَّا المَسجِدَ الحَرَامَ. ــ القيامة (١)، وإذا كان ذلك في أئمة العدل فأحرى الأنبياء، وإذا كان ذلك للأنبياء فأحرى وأولى بذلك نبينا ﷺ ، فيكون منبره بعينه، ويزاد فيه ويعظم ويرفع وينوَّر على قدر منزلته ﷺ حتى لا يكون لأحدٍ في ذلك اليوم منبر أرفع منه؛ إذ ليس في القيامة أفضل منه ﷺ . (٦٣) ومن باب: فضل مسجد رسول الله ﷺ والمسجد الحرام (٢) قوله صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره من المساجد، إلا المسجد الحرام، اختلف في استثناء المسجد الحرام؛ هل ذلك لأن المسجد

стр. 1754

وزاد في رواية: قَالَ رَسول الله ﷺ : فإني آخر الأنبياء، وإن مسجدي آخر المساجد. رواه أحمد (٢/ ٢٥٦)، والبخاري (١١٩٠)، ومسلم (١٣٩٤) (٥٠٦ و ٥٠٧)، والترمذي (٣٢٥)، والنسائي (٢/ ٣٥)، وابن ماجه (١٤٠٤). ــ الحرام أفضل من مسجده ﷺ ؟ أو هو لأن المسجد الحرام أفضل من سائر المساجد غير مسجده ﷺ فإنه أفضل المساجد كلها؟ وانجرَّ مع هذا الخلافِ الخلافُ فِي أي البلدين أفضل؛ مكة أو المدينة؟ فذهب عمر وبعض الصحابة ومالك وأكثر المدنيين إلى تفضيل المدينة، وحملوا الاستثناء على تفضيل الصلاة في مسجد المدينة بألف صلاة على سائر المساجد إلا المسجد الحرام فبأقلّ من الألف، واحتجُّوا بما قال عمر ﵁: صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه - ولا يقول عمر هذا من تلقاء نفسه ولا من اجتهاده؛ إذ لا يُتوصَّل إلى ذلك بالاجتهاد، فعلى هذا تكون فضيلة مسجد رسول الله ﷺ على المسجد الحرام بتسعمائة وعلى غيره بألف. وذهب الكوفيون والمكيُّون وابن وهب وابن حبيب من أصحابنا إلى تفضيل مسجد مكة (١)، واحتجُّوا بما زاده قاسم بن أصبغ وغيره في هذا الحديث من رواية عبد الله بن الزبير بعد قوله إلا المسجد الحرام، قال: وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة. قلت: وقد روى هذا الحديث عبدُ بن حميد وقال فيه بمائة ألف صلاة، وهذه زيادات منكرة لم تشتهر عند الحفاظ ولا خرَّجها أهل الصحيح، والمشهور المعلوم الحديث من غير هذه الزيادات فلا يُعوَّل عليها، وينبغي أن يجرَّد النظر إلى الحديث المشهور وإلى لفظه. ولا شكَّ أن المسجد الحرام

стр. 1755

[١٢٤٧] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ أنَّ امرَأَةً اشتَكَت شَكوَى، فَقَالَت: إِن شَفَانِي اللَّهُ لَأَخرُجَنَّ فَلَأُصَلِّيَنَّ فِي بَيتِ المَقدِسِ! فَبَرَأَت، ثُمَّ تَجَهَّزَت تُرِيدُ الخُرُوجَ، فَجَاءَت مَيمُونَةَ زَوجَ النَّبِيِّ ﷺ تُسَلِّمُ عَلَيهَا فَأَخبَرَتهَا ذَلِكَ، فَقَالَت: اجلِسِي فَكُلِي مَا صَنَعتِ، وَصَلِّي فِي مَسجِدِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَإِنِّي ــ مستثنى من قوله من المساجد، وهي بالاتفاق مفضولة، والمستثنى من المفضول مفضول إذا سكت عليه، فالمسجد الحرام مفضول، لكن لا يقال إنه مفضول بألف لأنه قد استثناه منها، فلا بدَّ أن يكون له مزيَّة على غيره من المساجد، لكن ما هي؟ لم يُعيَّنها الشرع فيتوقف فيها، أو يُعتمد على قول عمر آنفًا. ويدل على صحة ما قلناه زيادة عبد الله بن قارظ بعد قوله إلا المسجد الحرام: فإني آخر الأنبياء، ومسجدي آخر المساجد، فربط الكلام بفاء التعليل مشعرًا بأن مسجده إنما فضل على المساجد كلها لأنه متأخر عنها ومنسوب إلى نبي متأخر عن الأنبياء كلهم في الزمان، فتدبره فإنه واضح! وقوله عن ابن عباس أن امرأة اشتكت شكوى، جميع رواة مسلم رووا هذا الحديث من طريق الليث عن نافع عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد عن ابن عباس أن امرأة، وقال النسائي: روى هذا الحديث الليث عن نافع عن إبراهيم عن ميمونة ولم يذكر ابن عباس، وكذلك البخاري عن الليث ولم يذكر فيه ابن عباس، وقال بعضهم: صوابه إبراهيم بن عبد الله بن معبدٍ بن عباس أنه قال أن امرأة اشتكت، وعن ابن عباس خطأ، والصواب ابن بدل عن، والله أعلم. وقول ميمونة للمرأة التي نذرت أن تصلي في بيت المقدس اجلسي وصلي في مسجد الرسول ﷺ ، إنما أمرتها بذلك لأنها لو مشت إلى مسجد بيت المقدس فصلت فيه حصل لها أقل مما يحصل لها في مسجد النبي ﷺ ، وضيعت على نفسها ألف صلاة في مسجد الرسول ﷺ مع ما يلحقها من مشقَّات

стр. 1756

سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: صَلَاةٌ فِيهِ أَفضَلُ مِن أَلفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِن المَسَاجِدِ إِلَّا مَسجِدَ الكَعبَةِ. رواه أحمد (٦/ ٣٣٣)، ومسلم (١٣٩٦)، والنسائي (٢/ ٣٣). [١٢٤٨] وعَن أبي هريرة يَبلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ : لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ؛ مَسجِدِي هَذَا، وَمَسجِدِ الحَرَامِ، وَمَسجِدِ الأَقصَى. وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّمَا يُسَافِرُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدِ - وَذَكَرَهَا. رواه أحمد (٢٣٤)، والبخاري (١١٨٩)، ومسلم (١٣٩٧) (٥١١)، وأبو داود (٢٠٣٢)، والنسائي (٢/ ٣٧)، وابن ماجه (١٤٠٩). [١٢٤٩] وعنُ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: دَخَلتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيتِ ــ الأسفار وكثرة النفقات، فرفعت عنها الحرج وكثَّرت لها في الأجر. وعلى قياس هذا فعند مالك إذا نذر المدني الصلاة في مسجد مكة صلَّى في مسجد المدينة؛ لأنها أفضل عنده، ولو نذر المكي الصلاة في مسجد المدينة أتاه، ولو نذر كل واحدٌ منهما الصلاة في بيت المقدس صلَّى في مسجد بلده لأنه أفضل منه، قال الإمام أبو عبد الله: ذهب بعض شيوخنا إلى ما قالت ميمونة. وقوله صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه؛ أي: في مسجد المدينة. واختلفوا؛ هل يراد بالصلاة هنا الفرض؟ أو هو عام في الفرض والنفل؟ وإلى الأول ذهب الطحاوي، وإلى الثاني ذهب مُطرِّف من أصحابنا. وقوله لا تُشدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد، قد قلنا: إن شدَّ الرِّحال كناية عن السفر البعيد، وقد فسَّر هذا المعنى في الرواية الأخرى التي قال فيها إنما يُسافر إلى ثلاثة مساجد، ولا شكَّ في أن هذه المساجد الثلاثة إنما خُصَّت بهذا لفضلها على سائر المساجد، فمن قال لله عليَّ صلاة في أحدها وهو في

стр. 1757

بَعضِ نِسَائِهِ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ المَسجِدَينِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقوَى؟ قَالَ: فَأَخَذَ كَفًّا مِن حَصبَاءَ فَضَرَبَ بِهِ الأَرضَ، ثُمَّ قَالَ: هُوَ مَسجِدُكُم هَذَا - لِمَسجِدِ المَدِينَةِ. رواه أحمد (٣/ ٨)، ومسلم (١٣٩٨)، والترمذي (٣٠٩٩)، والنسائي (٢/ ٣٦). ــ غيرها فعليه إتيانها، بَعُدَ أو قَرُب، فإن (١) قال ماشيًا فلا يلزمه المشي - على المشهور - إلا في مسجد مكة خاصَّة، وأما المسجدان الآخران فالمشهور أنه لا يلزم المشي إليهما من نذره، ويأتيهما راكبًا. وقال ابن وهب: يأتيهما ماشيًا، كما سمَّى. وهو القياس؛ لأن المشي إلى مكة إنما يلزم من حيث كان قربة مُوصلة إلى عبادة تُفعل في مسجد له حرمة عظيمة، فكذلك يلزم كل مشي قربة بتلك الصفة، ولا يلزمه المشي إلى سائر المساجد؛ لأن البعيد منها قد نُهي عن السفر إليه، والقريبة منها متساوية الفضيلة، فيصلِّي حيث شاء منها. وقد قال بعض أصحابنا: إن كانت قريبة على أميال يسيرة فيأتيها، وإن نذر أن يأتيها ماشيًا أتى ماشيًا؛ لأن المشي إلى الصلاة طاعة تُرفع به الدرجات وتُحط به الخطايا. وقد ذهب القاضي إسماعيل إلى أن من قال: عليَّ المشي إلى المسجد الحرام أصلي فيه - فإنه يأتي راكبًا إن شاء، ويدخل مكة مُحرِمًا. وأحلَّ المساجد الثلاثة محلًا واحدًا، وسيأتي لهذا مزيد بيان في النَّذر إن شاء الله تعالى. وقوله - وقد سُئل عن أي المسجدين الذي أسس على التقوى هو مسجدكم هذا - لمسجد المدينة يردّ قول ابن عباس إذ قال: إنَّه مسجد قباء. قال: لأنه أول مسجد بُني في الإسلام. وهذا السؤال صدر مِمَّن ظهرت (٢) له

стр. 1758

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المساواة بين مسجدين معينين لهما مزية على غيرهما من المساجد بحيث يصلح أن يقال على كل واحدٍ منهما أسس على التقوى، وذلك أنه رأى مسجد قباء أول مسجد بناه النبي ﷺ وأصحابه، وذلك أنه لما هاجر ﷺ نزل على بني عمرو بن عوف في قباء يوم الاثنين فأقام فيهم أيامًا وأسس فيها مسجد قباء، ثم إنه ارتحل عنهم يوم الجمعة إلى بني سالم بن عوف فصلَّى عندهم الجمعة، وهي أول جمعة جمعت في الإسلام، ثم إنه دخل المدينة فنزل على بني مالك بن النجار على أبي أيوب فأسس مسجده بالمربد الذي كان للغلامين اليتيمين، فاشتراه من الناظر لهم على ما تقدَّم في كتاب الصلاة، فلما تساوى المسجدان المذكوران في بناء النبي ﷺ وأصحابه لهما صار كل واحدٍ من المسجدين مؤسسًا على التقوى، فلما قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿لَمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقوَى مِن أَوَّلِ يَومٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ أشكل التعيين، فسئل عن ذلك، فأجاب بأنه مسجد المدينة. فإن قيل: إذا كان كل واحد منهما أسس على التقوى، فما المزية التي أوجبت تعيين مسجد المدينة؟ قلنا: يمكن أن يقال إن بناء مسجد قباء لم يكن بأمرٍ جزم من الله تعالى لنبيه ﷺ ، بل ندب إليه، أو كان رأيًا رآه، بخلاف مسجد المدينة فإنه أمر بذلك وجزم عليه، فأشبه (١) امتثالَ الواجب، فكان بذلك الاسم أحق. أو حصل له ﷺ ولأصحابه ﵃ من الأحوال القلبية عند بنائه ما لم يحصل لهم عند غيره فكان أحق بذلك، والله أعلم. ويلزم من تعيين النبي ﷺ مسجده لأن يكون هو المراد بقوله تعالى: ﴿لَمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقوَى مِن أَوَّلِ يَومٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ أن يكون الضمير في ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾ عائد على المسجد الذي أسس على التقوى؛ لأنه لم يتقدمه ظاهر غيره يعود عليه، وليس الأمر كذلك، بدليل ما رواه أبو داود من طريق صحيحة عن

стр. 1759

[١٢٥٠] وعَن ابنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يأتي قُبَاءً كل سبت رَاكِبًا وَمَاشِيًا. رواه أحمد (٢/ ٥٨)، والبخاري (٧٣٢٦)، ومسلم (١٣٩٩) (٥٢١)، والنسائي (٢/ ٣٧). * * * ــ أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: نزلت هذه الآية ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ في أهل قباء؛ لأنهم كانوا يستنجون بالماء (١)، فعلى هذا يكون الضمير في ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾ غير عائد على المسجد المذكور قبله، بل على مسجد قباء الذي دلت عليه الحال والمشاهدة عندهم، وأما عندنا فلولا هذا الحديث لحملناه على الأول. وعلى هذا يتعين على القارئ أن يقف على فِيهِ من قوله: ﴿أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ ويبتدئ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا﴾؛ ليحصل به التنبيه على ما ذكرناه، والله تعالى أعلم. وفي إتيانه ﷺ قباء كل سبت دليل على جواز تخصيص بعض الأيام ببعض الأعمال الصالحة والمداومة على ذلك، وأصل مذهب مالك كراهة تخصيص شيء من الأوقات بشيء من القُرب إلا ما ثبت به توقيف (٢)، وقباء بينها وبين المدينة نحو الثلاثة أميال، فليست مما تشدُّ الرِّحال إليها، فلا يتناولها الحديث المتقدم، وكونه ﷺ يأتيها راكبًا وماشيًا إنما كان ذلك بحسب ما اتفق له، وكان تعاهده لقباء لفضيلة مسجدها ولتفقد أهلها اعتناءً بهم وتشريفًا لهم، وليس في تعاهده ﷺ مسجد قباء ما يدل على إلحاق مسجدها بالمساجد الثلاثة كما ذهب إليه محمد بن مسلمة كما قدَّمنا. وقباء مُلحق ببعاث؛ لأنه من قَبَوت أو قَبيت، فليست همزته للتأنيث، بل للإلحاق، فلذلك صُرِف، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1760

(١٣) كتاب الجهاد والسير (١) باب في التأمير على الجيوش والسرايا ووصيتهم، والدعوة قبل القتال [١٢٥١] عَن سُلَيمَانَ بنِ بُرَيدَةَ، عَن أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيشٍ أَو سَرِيَّةٍ، أَوصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقوَى اللَّهِ، وَمَن مَعَهُ مِن المُسلِمِينَ خَيرًا، ــ (١٣) كتاب الجهاد (١) باب: التأمير على الجيوش قوله: (كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله)؛ فيه من الفقه: تأمير الأمراء، ووصيتهم. وقد تقدَّم القول في الجيش، والسَّرية. قال الحربي: السَّرية: الخيل تبلغ أربعمائة ونحوها. و (تقوى الله): التحرز بطاعته من عقوبته. وقوله: (ومن معه من المسلمين خيرًا)؛ أي: ووصاه بمن معه من المسلمين (١) أن يفعل معهم خيرًا.

стр. 1761

ثُمَّ قَالَ: اغزُوا بِاسمِ اللَّهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَن كَفَرَ بِاللَّهِ، اغزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغدِرُوا، وَلَا تَمثُلُوا، وَلَا تَقتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِن المُشرِكِينَ فَادعُهُم إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ (أَو خِلَالٍ)، ــ وقوله: (اغزوا باسم الله)؛ أي: اشرعوا في فعل الغزو مستعينين بالله، مخلصين له. وقوله: (قاتلوا من كفر بالله)؛ هذا العموم يشمل جميع أهل الكفر، المحاربين وغيرهم، وقد خُصص منه من له عهد، والرُّهبان، والنِّسوان، ومن لم يبلغ الحلم. وقد قال متصلًا به: (ولا تقتلوا وليدًا)؛ وإنما نهى عن قتل الرهبان والنساء؛ لأنهم لا يكون منهم قتال غالبًا، فإن كان منهم قتال أو تدبير أو أذىً قُتلوا؛ ولأن الذراري والأولاد مال. وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال (١). وقوله: (ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تَمثُلوا): الغلول: الأخذ من الغنيمة من غير قسمتها، والغدر: نقض العهد. والتمثيل هنا: التشويه بالقتيل؛ كجدع أنفه، وأذنه، والعبث به. ولا خلاف في تحريم الغلول، والغدر، وفي كراهة المُثلة. وقوله: (وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال، أو

стр. 1762

فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقبَل مِنهُم، وَكُفَّ عَنهُم، ثُمَّ ادعُهُم إِلَى الإِسلَامِ، فَإِن أَجَابُوا فَاقبَل مِنهُم وَكُفَّ عَنهُم، ثُمَّ ادعُهُم إِلَى التَّحَوُّلِ مِن دَارِهِم إِلَى دَارِ المُهَاجِرِينَ، وَأَخبِرهُم أَنَّهُم إِن فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُم مَا لِلمُهَاجِرِينَ وَعَلَيهِم مَا عَلَى المُهَاجِرِينَ، ــ خصال)؛ الرواية بـ (أو) التي للشكّ، وهو من بعض الرواة. ومعنى الخلال والخصال واحد. وقوله: (فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم)؛ قيَّدناه عمن يوثق بعلمه، وتقييده، بنصب (أيتَهنَّ) على أن يعمل فيها (أجابوك) على إسقاط حرف الجرِّ. و (ما) زائدة. ويكون تقدير الكلام: فإلى أيتهن أجابوك فاقبل منهم. كما تقول: أجيبك إلى كذا، أو في كذا، فيتعدى إلى الثاني بحرف الجرِّ. وقوله: (ثم ادعهم إلى الإسلام)؛ كذا وقعت الرواية في جميع نسخ كتاب مسلم: (ثم ادعهم) بزيادة (ثم)، والصواب إسقاطها، كما روي في غير كتاب مسلم؛ كمصنف أبي داود (١)، وكتاب الأموال لأبي عبيد (٢)؛ لأن ذلك هو ابتداء تفسير الثلاث الخصال. وقوله: (ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين)؛ يعني: المدينة. وكان هذا في أول الأمر، في وقت وجوب الهجرة إلى المدينة على كل من دخل في الإسلام. أو على أهل مكة خاصة. في ذلك خلاف. وهذا يدل على أن الهجرة كانت واجبة على كل من آمن من أهل مكة وغيرها. وسيأتي إيعاب (٣) ذلك.

стр. 1763

فَإِن أَبَوا أَن يَتَحَوَّلُوا مِنهَا، فَأَخبِرهُم أَنَّهُم يَكُونُونَ كَأَعرَابِ المُسلِمِينَ، يَجرِي عَلَيهِم حُكمُ اللَّهِ الَّذِي يَجرِي عَلَى المُؤمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُم فِي الغَنِيمَةِ وَالفَيءِ شَيءٌ إِلَّا أَن يُجَاهِدُوا مَعَ المُسلِمِينَ، ــ وقوله: (فإن أبوا أن يتحوَّلوا فأخبرهم: أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء؛ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين)؛ يعني: أن من أسلم ولم يجاهد، ولم يهاجر لا يُعطى من الخمس، ولا من الفيء شيئًا. وهذا يتمشى على مذهب مالك في قسمة الخمس، والفيء؛ إذ يرى أن ذلك موكول لاجتهاد الإمام، يضعه حيث يراه من المصالح الضرورية، والأمور المهمة، ومنافع المسلمين العامَّة، ويؤثر فيه الأحوج، فالأحوج، والأهم فالأهم، ولا شك أن المهاجرين كانوا في ذلك الوقت أولى به من غيرهم من المسلمين الذين لم يهاجروا، وأقاموا في بلادهم، فإن المهاجرين خرجوا من بلادهم (١)، وأموالهم لله تعالى، ووصلوا إلى المدينة فقراء، ضعفاء، غرباء، فلا شك في أنهم الأولى. قال القاضي عياض: ولذلك كان النبي ﷺ يؤثرهم بالخمس على الأنصار غالبًا، إلا أن يحتاج أحدٌ من الأنصار. وقد أخذ الشافعي بهذا الحديث في الأعراب، فلم ير لهم شيئًا من الفيء، وإنما لهم الصدقة المأخوذة من أغنيائهم، وترد على فقرائهم، كما أن أهل الجهاد وأجناد المسلمين لا حق لهم في الصدقة -عنده - ويصرف كل مال في أهله. وسوَّى مالك وأبو حنيفة بين المالين، وجوَّزا صرفهما للصنفين. وذهب أبو عبيد (٢): إلى أن هذا الحديث منسوخ، وأن هذا كان حكم من لم يهاجر أولًا، في أنه لا حق له في الفيء، ولا في الموالاة للمهاجر، ولا موارثته. قال

стр. 1764

فَإِن هُم أَبَوا فَسَلهُم الجِزيَةَ، فَإِن هُم أَجَابُوكَ فَاقبَل مِنهُم وَكُفَّ عَنهُم، فَإِن هُم أَبَوا فَاستَعِن بِاللَّهِ وَقَاتِلهُم، ــ الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَم يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِن وَلايَتِهِم مِن شَيءٍ﴾ ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الأَرحَامِ بَعضُهُم أَولَى بِبَعضٍ﴾ وبقوله ﷺ بعد فتح مكة: (لا هجرة ولكن جهاد ونية) (١)، وبقوله ﷺ : (المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم) (٢)، وهذا فيه بُعد. وسيأتي بيان حكم الخمس والفيء والغنيمة، إن شاء الله تعالى. ومحمل الحديث عند أصحابنا المالكيين على ما تقدَّم من مذهب مالك رحمه الله تعالى. وقوله: (فإن هم أبوا فسلهم الجزية)؛ حجَّة لمالك، وأصحابه، والأوزاعي، في أخذ الجزية من كل كافر، عربيًّا كان أو غيره، كتابيًّا كان أو غيره. وذهب أبو حنيفة: إلى أنها تُقبل من الجميع إلا من مشركي العرب، ومجوسهم. وهو قول عبد الملك، وابن وهب من أصحابنا. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: لا تُقبل إلا من أهل الكتاب - عربًا كانوا أو عجمًا، ولا تقبل من غيرهم، والمجوس عنده أهل كتاب. واختلف في استرقاق العرب. فعند مالك، والجمهور: أنهم كغيرهم، يسترقون حيث كانوا. وعند أبي حنيفة، والشافعي: لا يسترقون، إما أن يسلموا، أو يقتلوا. وهو قول بعض أصحابنا، غير أن أبا حنيفة يسترق النساء، والصغار. وقد (٣) اختلف في القدر المفروض من الجزية؛ فقال مالك: هو أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهمًا على أهل الوَرِق. وهل ينقص منها للضعيف أو لا؟ قولان. وقال الشافعي: هي دينار على الغني والفقير. وقال أبو حنيفة، والكوفيون: على الغني ثمانية وأربعون درهمًا. والوسط: أربعة وعشرون درهمًا.

стр. 1765

وَإِذَا حَاصَرتَ أَهلَ حِصنٍ فَأَرَادُوكَ أَن تَجعَلَ لَهُم ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، فَلَا تَجعَل لَهُم ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِن اجعَل لَهُم ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصحَابِكَ، فَإِنَّكُم أَن تُخفِرُوا ذِمَمَكُم وَذِمَمَ أَصحَابِكُم، أَهوَنُ مِن أَن تُخفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَإِذَا حَاصَرتَ أَهلَ حِصنٍ فَأَرَادُوكَ أَن تُنزِلَهُم عَلَى حُكمِ اللَّهِ، فَلَا تُنزِلهُم عَلَى حُكمِ اللَّهِ، وَلَكِن أَنزِلهُم عَلَى حُكمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدرِي أَتُصِيبُ حُكمَ اللَّهِ فِيهِم أَم لَا. ــ والفقير: اثنا عشر. وهو قول أحمد بن حنبل. ويزاد وينقص على قدر طاقتهم. وهي عند مالك، وكافة العلماء على الرجال الأحرار، البالغين، العقلاء، دون غيرهم. وإنما تؤخذ ممن كان تحت قهر المسلمين، لا ممن نأى بداره. ويجب تحويلهم إلى بلاد المسلمين، أو حربهم. وقوله: (وإذا حاصرت أهل حصن) الكلام إلى آخره؛ فيه حجَّة لمن يقول من الفقهاء، وأهل الأصول: إن المصيب في مسائل الاجتهاد واحد، وهو المعروف من مذهب مالك وغيره. ووجه الاستدلال: هو أنه ﷺ قد نصَّ على أن لله تعالى حكمًا معيَّنًا في المجتهدات، فمن وافقه فهو المصيب، ومن لم يوافقه فهو مخطئ. وقد ذهب قوم من الفقهاء، والأصوليين: إلى أن كل مجتهد مصيب، وتأولوا هذا الحديث: بأن قالوا: إن معناه: أنه ﷺ كان يوصي أمراءه أن لا ينزلوا الكفار على حكم ما أنزل الله على نبيه في حال غيبة الأمراء عنه، وعدم علمهم به، فإنهم لا يدرون إذا فعلوا ذلك؛ هل يصادفون حكم ما أنزل الله على نبيه أم لا؟ وفي هذا التأويل بُعدٌ وتعسّفٌ، واستيفاء المباحث في هذه المسألة في علم الأصول. وقوله: (وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله) الحديث إلى آخره؛ الذمة: العهد. وتخفروا: تنقضوا، وهو رباعي. يقال:

стр. 1766

رواه أحمد (٥/ ٣٥٢ و ٣٥٨)، ومسلم (١٧٣١) (٣)، وأبو داود (٢٦١٢)، والترمذي (١٦١٧)، وابن ماجه (٢٨٥٨). [١٢٥٢] وعَن سَعِيدِ بنِ أَبِي بُردَةَ، عَن أَبِيهِ، عَن جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ وَمُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ، فَقَالَ: يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَختَلِفَا. رواه أحمد (٤/ ٣٩٩ و ٤١٢)، والبخاري (٣٠٣٨)، ومسلم (١٧٣٣). [١٢٥٣] وعن أَنَسَ بنَ مَالِكٍ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا وَلَا تُنَفِّرُوا. رواه أحمد (٣/ ١٣١ و ٢٠٩)، والبخاري (٦١٢٥)، ومسلم (١٧٣٤). [١٢٥٤] وعَن ابنِ عَونٍ قَالَ: كَتَبتُ إِلَى نَافِعٍ أَسأَلُهُ عَن الدُّعَاءِ قَبلَ القِتَالِ قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيَّ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الإِسلَامِ، قَد أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَنِي المُصطَلِقِ ــ أخفرت الرَّجل: نقضت عهده، وخفرته: أجرته، ومعناه: أنه خاف من نقص من لا يعرف حق الوفاء بالعهد، كجهلة الأعراب، فكأنه يقول: إن وقع نقض من متعد كان نقض عهد الخلق أهون من نقض عهد الله. والله تعالى أعلم. وقول نافع - وقد سئل عن الدعوة قبل القتال -: (أنها كانت في أول الإسلام)، واستدلاله بقضية بني المصطلق؛ يفهم منه: أن حكم الدعوة كان متقدمًا، وأنه منسوخ بقضية بني المصطلق. وبه تمسَّك من قال بسقوط الدعوة مطلقًا.

стр. 1767

وَهُم غَارُّونَ، وَأَنعَامُهُم تُسقَى عَلَى المَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُم، وَسَبَى سَبيَهُم، وَأَصَابَ يَومَئِذٍ، قَالَ يَحيَى بن يحيى: أَحسِبُهُ قَالَ: جُوَيرِيَةَ، (أَو قَالَ: البَتَّةَ) ابنَةَ الحَارِثِ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَأَصَابَ يَومَئِذ جويرية بنت الحارث. ولم يشك. ــ ومنهم من ذهب إلى أنها واجبة مطلقًا، متمسّكًا بظاهر وصية النبي ﷺ بذلك أمراءه، ولم تصلح عنده قضية بني المصطلق لأن تكون ناسخة لذلك؛ لأن تلك الوصايا (١) تقعيد قاعدة عامة، وقضية بني المصطلق قضية في عين (٢)؛ ولأن الوصية قول، وقضية بني المصطلق فعل، والفعل لا ينسخ القول على ما يُعرف في الأصول. والذي يجمع بين هذه الأحاديث صريح مذهب مالك، وهو أنه قال: لا يقاتل الكفار قبل أن يُدعَوا، ولا تلتمس غرّتهم، إلا أن يكونوا ممن بلغتهم الدعوة، فيجوز أن تؤخذ غرتهم. وعلى هذا فيحمل حديث بني المصطلق: على أنهم كانوا قد بلغتهم الدعوة، وعرفوا ما يطلبه المسلمون منهم. وهذا الذي صار إليه مالك هو الصحيح؛ لأن فائدة الدَّعوة أن يعرف العدو أن المسلمين لا يقاتلون للدنيا، ولا للعصبية، وإنما يقاتلون للدِّين. وإذا علموا بذلك أمكن أن يكون ذلك سببًا مُمِيلًا لهم إلى الانقياد للحق بخلاف ما إذا جهلوا مقصود المسلمين، فقد يظنون أنهم يقاتلون للملك، وللدنيا، فيزيدون عتوًّا، وتعصبًا. وقوله: (أغار عليهم)؛ أي: أرسل عليهم الغارة، وهي الخيل التي تغير في أول النهار. وغارون: غافلون. والغرة: الغفلة. والأنعام: الإبل، والبقر، والغنم. والمقاتلة: الصالحون للقتال، المطيقون له. والسبي: الذراري، والنساء. وقوله: (وأصاب يومئذ)؛ قال يحيى (٣): أحسبه قال: جويرية، أو قال: ابنة

стр. 1768

رواه أحمد (٢/ ٣١ و ٣٢)، والبخاري (٢٥٤١)، ومسلم (١٧٣٠)، وأبو داود (٢٦٣٣). * * * ــ الحارث. هكذا صواب هذه الرواية، بإسقاط: البتة. وقد غلط فيها بعض النَّقلة، فظن: أن يحيى إنما شك في اسم ابنة (١) الحارث: هل هو جويرية أو البتة؟ وحمله على ذلك الأخذ بظاهر ذلك اللفظ، وهو غلط فاحش؛ لأنه لم يذهب أحدٌ من الناس إلى أن اسم ابنة الحارث هذه: البتة. وإنما يحيى بن يحيى شك في سماع اسم جويرية، ثم بت القضية، وحقق السَّماع لاسمها؛ بدليل قوله في الرواية الأخرى: (جويرية بنت الحارث) ولم يشك. والله أعلم. فرع: إذا قتل من أمر بدعوته من (٢) قبل أن يُدعى، فهل على قاتله دية، أم لا؟ فذهب مالك وأبو حنيفة: إلى أنه لا دية عليه؛ لأنه حلال الدَّم بأصل الكفر، ولم يتجدد من جهته ما يوجب حرمة دمه، فبقي على الأصل لعدم الناقل، ولا يصلح المنع من قتالهم قبل الدعوة موجبًا لحرمتهم، كما لا (٣) يصلح ذلك موجبًا لحرمة نسائهم، وأبنائهم. والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1769

(٢) باب النهي عن الغدر، وما جاء أن الحرب خدعة [١٢٥٥] عَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَومَ القِيَامَةِ، يُرفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، فَقِيلَ: هَذِهِ غَدرَةُ فُلَانِ ابنِ فُلَانٍ. رواه أحمد (٢/ ٤٨)، والبخاري (٦١٧٨)، ومسلم (١٧٣٥) (٩)، وأبو داود (٢٧٥٦)، والترمذي (١٥٨١). [١٢٥٦] وعَن أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَومَ القِيَامَةِ، يُرفَعُ لَهُ بِقَدرِ غَدرتِهِ، ــ (٢) ومن باب: النهي عن الغدر قوله: (لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له)؛ هذا منه ﷺ خطاب للعرب بنحو ما كانت تفعل، وذلك: أنهم يرفعون للوفاء راية بيضاء، وللغدر راية سوداء، ليشهروا به الوفي، فيعظموه، ويمدحوه، والغادر فيذموه، ويلوموه بغدره. وقد شاهدنا هذا فيهم عادة مستمرة إلى اليوم. فمقتضى هذا الحديث: أن الغادر يُفعل به مثل ذلك؛ ليشهر بالخيانة والغدر، فيذمه أهل الموقف، ولا يبعد أن يكون الوفي بالعهد يُرفع له لواء يُعرف به وفاؤه وبره، فيمدحه أهل الموقف، كما يرفع لنبينا محمد ﷺ لواء (١) الحمد فيحمده كل من في الموقف. وقوله: (بقدر غدرته)؛ يعني: أنه إن كانت غدرته كبيرة عظيمة رفع له لواء كبير، عظيم، مرتفع، حتى يعرفه بذلك من قرب منه ومن بَعُد.

стр. 1770

أَلَا وَلَا غَادِرَ أَعظَمُ غَدرًا مِن أَمِيرِ عَامَّةٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عند استه يَومَ القِيَامَةِ. رواه مسلم (١٧٣٨) (١٥ و ١٦). ــ وقوله: (عند استه)؛ معناه - والله أعلم -: عند مقعده؛ أي: يلزم اللواء به، بحيث لا يقدر على مفارقته (١)، ليمر به الناس فيروه، ويعرفوه، فيزداد خجلًا، وفضيحة عند كل من مرَّ به. وقوله: (ولا غادر أعظم غدرًا من أمير عامة)؛ يعني: أن الغدر في حقه أفحش، والإثم عليه أعظم منه على غيره لعدم حاجته إلى ذلك. وهذا كما قاله ﷺ في الملك الكذَّاب، كما تقدم في كتاب الإيمان (٢). وأيضًا: فلما في غدر الأئمة من المفسدة، فإنهم إذا غدروا، وعلم ذلك منهم، لم يأمنهم العدوّ على عهدٍ، ولا صلح، فتشتد شوكته، ويعظم ضرره، ويكون ذلك منفرًا من الدخول في الدين، وموجبًا لذم أئمة المسلمين. وقد مال أكثر العلماء: إلى أنه لا يقاتل مع الأمير الغادر، بخلاف الخائن، والفاسق. وذهب بعضهم إلى الجهاد معه. والقولان في مذهبنا. والله تعالى أعلم. فأما إذا قلنا (٣): لم يكن للعدوّ عهد فينبغي أن يتحيّل على العدو بكل حيلة، وتدار عليهم كل خديعة، وعليه يحمل قوله ﷺ : (الحرب خَدعة) بفتح الخاء، وسكون الدال، وهي لغة النبي ﷺ ، وهي مصدر (خدع) المحدود بالتاء (٤)؛ كغرفة، وخطوة - بالفتح فيهما -، ومعناه: أن الحرب تكون

стр. 1771

[١٢٥٧] وعن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الحَربُ خَدعَةٌ. رواه أحمد (٢/ ٣١٢)، والبخاري (٣٠٢٩)، ومسلم (١٧٤٠). * * * ــ ذات خدعة. فوضع المصدر موضع الاسم. أي: ينبغي أن يستعمل فيها الخداع ولو مرَّة واحدة. ويحتمل: أن يكون معناه: أن الحرب تتراءى لأخفاء الناس بالصورة المستحسنة، ثم تتجلى عن صورة مستقبحة، كما قال الشاعر (١): الحرب أول ما تكون فتية ... تسعى ببزتها لكل جهول وقال آخر: والحرب لا يبقى لجا ... حمها التخيل والمراح (٢) وفائدة الحديث على هذا: ما قاله في الحديث الآخر: (لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية) (٣). وقد روي هذا الحرف (خُدعَة) بضم الخاء، وسكون الدال، وهو اسم ما يفعل به الخداع، كاللعبة لما يلعب به، والضُّحكة لما يضحك منه، فكأنه لما أوقع فيها الخداع خُدِعت هي في نفسها. وروي: (خُدَعة) بضم الخاء، وفتح الدال؛ أي: هي التي تفعل ذلك لتخدع أهلها، على ما تقدم. وفُعلة: تأتي بمعنى الفاعل، كضُحكة، وهُزأة، ولُمزة، للذي يفعل ذلك، والله تعالى أعلم.

стр. 1772

(٣) باب النهي عن تمنِّي لقاء العدو والصبر عند اللقاء والدعاء بالنصر [١٢٥٨] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: لَا تَمَنَّوا لِقَاءَ العَدُوِّ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُم فَاصبِرُوا. رواه أحمد (٢/ ٥٢٣)، والبخاري (٣٠٢٦)، ومسلم (١٧٤١). ــ (٣) ومن باب: النهي عن تمنِّي لقاء العدو قوله: (لا تتمنوا لقاء العدو)؛ قيل: إن فائدة هذا النهي ألَّا يُستخف أمر العدو، فيتساهل في الاستعداد له، والتحرز منه، وهذا لما فيه من المكاره، والمحن، والنكال، ولذلك قال متصلًا به: (واسألوا الله العافية). وقيل: لما يخاف من إدالة العدو، وظفره بالمسلمين. وقد ذكر في هذا الحديث: (فإنهم يظفرون (١) كما تنصرون). وقيل: لما يؤدي إليه من إذهاب حياة النفوس التي يزيد بها المؤمن خيرًا، ويرجى للكافر فيها أن يراجع. وكل ذلك محتمل. والله تعالى أعلم. ولا يقال: فلقاء العدو وقتاله طاعة يحصل منه إما الظفر بالعدو، وإما الشهادة، فكيف ينهى عنه؟ وقد حضّ الشرع على تمنّي الشهادة، ورغَّب فيه، فقال: (من سأل الله الشهادة صادقًا من قلبه، بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه) (٢)؟ ! لأنا نقول: لقاء العدو وإن كان جهادا وطاعة ومحصلًا لأحد الأمرين، فلم يُنه عن تمنيه من هذه الجهات، وإنما نهي عنه من جهات تلك الاحتمالات

стр. 1773

[١٢٥٩] وعَن أَبِي النَّضرِ عن عَبدُ اللَّهِ بنُ أَبِي أَوفَى، أَنَّ النبي ﷺ كَانَ فِي بَعضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا العَدُوَّ، يَنتَظِرُ حَتَّى إِذَا مَالَت الشَّمسُ قَامَ فِيهِم، ــ المتقدِّمة، ثم هو ابتلاء، وامتحان لا يعرف عما تسفر (١) عاقبته، وقد لا تحصل فيه لا غنيمة ولا شهادة، بل ضد ذلك. وتحريره: أن تمني لقاء العدو المنهي عنه غير تمني الشهادة المرغب فيه؛ لأنه قد يحصل اللقاء ولا تحصل الشهادة، ولا الغنيمة، فانفصلا. وقد فهم بعض العلماء من هذا الحديث كراهة المبارزة. وبها قال الحسن، وروي عن علي ﵁ أنه قال: (يا بني! لا تدع أحدًا إلى المبارزة، ومن دعاك إليها فاخرج إليه، فإنه باغ، وقد ضمن الله نصر من بُغي عليه) (٢). وقال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه على جواز المبارزة، والدَّعوة إليها، وشرط بعضهم فيها إذن الإمام؛ وهو قول الثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق. ولم يشترطه غيرهم. وهو قول مالك، والشافعي. واختلفوا، هل يعين المبارَز غيره أم لا؟ على قولين. وقوله: (إنَّه ﷺ كان ينتظر حتى إذا مالت الشمس)؛ يعني: أنه كان يؤخر القتال عن الهاجرة إلى أن تميل الشمس ليبرد الوقت على المقاتلة، ويخف عليهم حمل السلاح، التي يؤلم حملها في شدَّة الهاجرة؛ ولأن ذلك الوقت وقت الصلاة، وهو مظنَّة إجابة الدعاء. وقيل: بل كان يفعل ذلك لانتظار هبوب ريح النصر التي نُصر بها، كما قال: (نُصِرت بالصَّبا) (٣)، وفي حديث آخر؛ أنه ﷺ كان ينتظر حتى تزول الشمس، وتهب رياح النصر (٤).

стр. 1774

فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَتَمَنَّوا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَاسأَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُم فَاصبِرُوا، وَاعلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ. ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: اللَّهُمَّ مُنزِلَ الكِتَابِ، وَمُجرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحزَابِ، اهزِمهُم وَانصُرنَا عَلَيهِم. وَفِي رِوَايَةٍ: اللَّهُمَّ مُنزِلَ الكِتَابِ، سَرِيعَ الحِسَابِ، اهزِم الأَحزَابَ، اللَّهُمَّ اهزِمهُم وَزَلزِلهُم. رواه أحمد (٤/ ٣٥٣)، والبخاري (٢٩٣٣)، ومسلم (١٧٤٢) (٢٠ و ٢١)، وأبو داود (٢٦٣١). ــ وقوله: (اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب (١)، سريع الحساب)؛ دليل على جواز السَّجع في الدعاء إذا لم يتكلَّف. والأحزاب: جمع حزب. وهم الجمع والقطعة من الناس، ويعني بهم الذين تحزبوا عليه في المدينة فهزمهم الله تعالى بالريح. ووصف الله بأنه سريع الحساب؛ يعني به: يعلم الأعداد المتناهية وغيرها في آنٍ واحدٍ، فلا يحتاج في ذلك إلى فكرٍ ولا عقدٍ (٢)؛ كما يفعله الحُسَّاب منَّا. وقوله: (الجنَّة تحت ظلال السيوف)؛ هذا من الكلام النفيس البديع، الذي جمع ضروب البلاغة من جزالة اللفظ، وعذوبته، وحسن استعارته، وشمول المعاني الكثيرة، مع الألفاظ المعسولة (٣) الوجيزة؛ بحيث تعجز الفصحاء اللسن البلغاء عن إيراد مثله، أو أن يأتوا بنظيره وشكله. فإنه استفيد منه مع وجازته الحضّ على الجهاد، والإخبار بالثواب عليه، والحضّ على مقاربة العدو،

стр. 1775

[١٢٦٠] وعَن أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ يَومَ أُحُدٍ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ إِن تَشَأ، لَا تُعبَد فِي الأَرضِ. رواه أحمد (٣/ ١٥٢)، ومسلم (١٧٤٣). * * * ــ واستعمال السّيوف، والاعتماد عليها، واجتماع المقاتلين حين الزحف، بعضهم لبعض، حتى تكون سيوفهم بعضها يقع على العدوّ، وبعضها يرتفع عنهم؛ حتى كأن السيوف أظلت الضاربين بها، ويعني: أن الضارب بالسيف في سبيل الله يدخله الله الجنة بذلك. وهذا كما قاله في الحديث الآخر: (الجنة تحت أقدام الأمهات) (١)؛ أي: من برَّ أمَّه، وقام بحقها، دخل الجنَّة. وقوله يوم أحد: (اللهم إن تشأ لا تُعبد في الأرض)؛ هذا منه ﷺ تسليم لأمر الله تعالى فيما شاء أن يفعله، وهو ردٌّ على غلاة المعتزلة؛ حيث قالوا: إن الشرَّ غير مراد لله تعالى. وقد ردَّ مذهبهم نصوص الكتاب، كقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهدِي مَن يَشَاءُ﴾ ومثلها كثير. وفي هذا الحديث أنه ﷺ قال هذا الكلام يوم أحدٍ. والذي ذكره أهل السير: أن ذلك إنما قاله يوم بدرٍ. وكذلك وقع في بعض روايات مسلم، وسيأتي، ويحتمل: أن يكون قاله في اليومين معًا. والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1776

(٤) باب النهي عن قتل النساء والصبيان وجواز ما يصاب منهم إذا بيتوا وقطع نخيلهم وتحريقها [١٢٦١] عَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: وُجِدَت امرَأَةٌ مَقتُولَةً فِي بَعضِ تِلكَ المَغَازِي، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن قَتلِ النِّسَاءِ وَالصِّبيَانِ. رواه أحمد (٢/ ٢٢ - ٢٣)، والبخاري (٣٠١٤)، ومسلم (١٧٤٤) (٢٥)، وأبو داود (٢٦٦٨)، والترمذي (١٥٦٩)، وابن ماجه (٢٨٤١). ــ (٤) ومن باب: النهي عن قتل النساء والصبيان قوله: (نهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان) (١)؛ هذا اللفظ عام في جميع نساء أهل الكفر، فتدخل فيهم المرتدة وغيرها. وبه تمسَّك أبو حنيفة في منع قتل المرتدة. ورأى الجمهور أنه لم يتناول المرتدة لوجهين: أحدهما: أن هذا العموم خرج على نساء الحربيين كما هو مبيَّن في الحديث. والثاني: قوله ﷺ : (من بدَّل دينه فاقتلوه) (٢). وفي المسألة أبحاث تُعلم في علم الخلاف. قال القاضي أبو الفضل عياض: أجمع العلماء على الأخذ بهذا الحديث في ترك قتل النساء، والصبيان، إذا لم يقاتلوا. واختلفوا إذا قاتلوا.

стр. 1777

[١٢٦٢] وعَن الصَّعبِ بنِ جَثَّامَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: لَو أَنَّ خَيلًا أَغَارَت مِن اللَّيلِ فَأَصَابَت مِن أَبنَاءِ المُشرِكِينَ؟ ــ فجمهور العلماء وكافة من يحفظ عنه: على أنهم إذا قاتلوا قُتلوا. قال الحسن: وكذلك: لو خرج النساء معهم إلى بلاد الإسلام. ومذهبنا: أنها لا تقتل في مثل هذا، إلا إذا قاتلت. واختلف أصحابنا إذا قاتلوا ثم لم يظفر بهم حتى برد القتال، فهل يقتلون كما تقتل الأسارى، أم لا يقتلون إلا في نفس القتال؟ وكذلك اختلفوا إذا رموا بالحجارة؛ هل حكم ذلك حكم القتال بالسلاح أم لا؟ قلت: والصحيح: أنها إذا قاتلت بالسِّلاح، أو بالحجارة، فإنه يجوز قتلها لوجهين: أحدهما: قوله ﷺ : فيما خرَّجه النسائي من حديث عمر بن مرقّع بن صيفي بن رباح، عن أبيه، عن (١) جدِّه رباح: أنه ﷺ مرَّ في غزاة بامرأة قُتيل، فقال: (ما كانت هذه تقاتل) (٢)؛ فهذا تنبيه على المعنى الموجب للقتل، فيجب طرده إلا أن يمنع منه مانع. والثاني: قتل النبي ﷺ لليهودية التي طرحت الرَّحى على رجل من المسلمين فقتلته، وذلك بعدما أسرها النبي ﷺ (٣). وكلا الحديثين مشهور. وقوله: (لو أن خيلًا أغارت من الليل)؛ أي: أسرعت طالبة غرَّة العدو، والإغارة: سرعة السير، ومنه قولهم: (أشرق ثُبير كيما نُغير) (٤)؛ أي: نسرع في

стр. 1778

فقَالَ: هُم مِن آبَائِهِم. رواه أحمد (٤/ ٣٨ و ٧١)، ومسلم (١٧٤٥) (٢٨)، وأبو داود (٤٧١٢)، والترمذي (١٥٧٠). [١٢٦٣] وعَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ نَخيلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَحَرَّقَ وهي البويرة. ولها يَقُولُ حَسَّانُ: ــ النَّفر. والغارة: الخيل نفسها. وشنّ الغارة؛ أي: أرسل الخيل مسرعة. ويقال: أغارت الخيل ليلًا، وضحًى، ومساءً، إذا كان ذلك في تلك الأوقات. فأما البيات: فهو أن يؤخذ العدو على غرة بالليل. وقوله في ذراري المشركين يبيتون: (هم من آبائهم)؛ الذرية: تطلقه العرب على الأولاد والعيال والنساء. حكاه عياض. ومعنى الحديث: أن حكمهم حكم آبائهم في جواز قتلهم عند الاختلاط بهم في دار كفرهم. وبه قال الجمهور: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والثوري. ورأوا رميهم بالمجانيق في الحصون، والمراكب. واختلف أصحابنا؛ هل يرمون بالنار إذا كان فيهم ذراريهم ونساؤهم، على قولين. وأما إذا لم يكونوا فيهم؛ فهل يجوز رمي مراكبهم وحصونهم بالنار؟ أما إذا لم يوصل إليهم إلا بذلك، فالجمهور على جوازه، وأما إذا أمكن الوصول إليهم بغيره، فالجمهور على كراهته؛ لما ثبت من قوله ﷺ : (لا يعذب بالنار إلا الله) (١). وأما إذا كان فيهم مسلمون؛ فمنعه مالك جملة. وهو الصحيح من مذهبه ومذهب جمهور العلماء. وفي المسألة تفصيل يعرف في الأصول. وقوله: (قطع نخيل بني النضير، وحرق)؛ دليل للجمهور على جواز نخل العدو، وتحريقها إذا لم يرج مصيرها للمسلمين، وكان قطعها نكاية للعدو.

стр. 1779

وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ ... حَرِيقٌ بِالبُوَيرَةِ مُستَطِيرُ وَفِي ذَلِكَ نَزَلَت: ﴿مَا قَطَعتُم مِن لِينَةٍ أَو تَرَكتُمُوهَا﴾ الآيَةَ. رواه البخاري (٣٠٢١)، ومسلم (١٧٤٦) (٣٠)، وأبو داود (٢٦١٥)، والترمذي (٣٢٩٨). * * * ــ وقد منع ذلك الليث بن سعد، وأبو ثور، وقد روي عن الصدِّيق أبي بكر ﵁. واختلف في ذلك عن الأوزاعي، واعتذر لهم عن هذا الحديث: بأنه ﷺ إنما قطع تلك النخيل ليوسع موضع جَوَلان الخيل للقتال. وهذا تأويل يدل على فساده قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعتُم مِن لِينَةٍ أَو تَرَكتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذنِ اللَّهِ وَلِيُخزِيَ الفَاسِقِينَ﴾ ولا شك في أن هذه الآية نزلت فيما عاب المشركون على رسول الله ﷺ من قطع نخيل بني النضير، فبين فيها: أن الله تعالى أباحه لنبيه ﷺ خزيًا للمشركين، ونكاية لهم. والآية نصّ في تعليل ذلك. ويمكن أن يحمل ما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ من منع ذلك على ما إذا لم يكن في قطعها نكاية، أو ارتجي عودها للمسلمين، والله تعالى أعلم. و(اللينة): النخلة؛ أيُّ نخلةٍ كانت. وقيل: العجوة. وقيل: كرام النخل، قاله سفيان. وقال جعفر بن محمد: هي العجوة. وقيل: الفسيل؛ لأنه ألين. وقيل: أغصان الأشجار للينها. وقيل: هي النخلة القريبة من الأرض. قال الأخفش: اللينة من اللون. وأصله: لونَة، وتجمع: لين، وليان. قال (١): وسالفةٍ كسحوق الليا ... ن أضرم فيها الغَويُّ السُّعُر و(البويرة) المذكورة في شعر حسَّان: موضع من بلاد بني النضير. و (مستطير): منتشر.

стр. 1780

(٥) باب تخصيص هذه الأمة بتحليل الغنائم [١٢٦٤] عن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قال: غَزَا نَبِيٌّ مِن الأَنبِيَاءِ فَقَالَ لِقَومِهِ: لَا يَتبَعنِي رَجُلٌ قَد مَلَكَ بُضعَ امرَأَةٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَن يَبنِيَ بِهَا، وَلَمَّا يَبنِ، وَلَا آخَرُ قَد بَنَى بُنيَانًا، وَلَمَّا يَرفَع سُقُفَهَا، وَلَا آخَرُ قَد ــ (٥) ومن باب: تخصيص هذه الأمة بتحليل الغنائم قول النبي المذكور في هذا الحديث - صلى الله على نبينا وعليه وعلى جميع النبيين - (١): (لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها، ولما يبن)؛ البُضع - بضم الباء -: كناية عن فرج المرأة، وقد يكنى به عن النكاح نفسه، كما قال ﷺ : (وفي بضع أحدكم أهله صدقة) (٢). والبَضع - بفتح الباء- مصدر بَضَعَ اللحم، يبضعه؛ إذا قطعه. والبِضع - بكسر الباء -: في العدد ما بين الثلاثة إلى التسعة. وقد تقدَّم تفسيره. و(الخلفات): جمع خَلِفَة، وهي الناقة التي دنا ولادها. وإنما نهى هذا النبي قومه عن اتباعه على هذه الأحوال؛ لأن أصحابها يكونون متعلقي النفوس بهذه الأسباب، فتضعف عزائمهم، وتفتر رغباتهم في الجهاد، والشهادة، وربما يُفرط ذلك التعلق بصاحبه فيفضي به إلى كراهية الجهاد، وأعمال الخير. وكأن مقصود هذا النبي ﷺ أن يتفرَّغوا من عُلق الدنيا (٣) ومهمات أغراضها، إلى تمني الشهادة بنيَّات صادقة، وعزومٍ جازمة، صافية، ليحصلوا على الحظ الأوفر، والأجر الأكبر.

стр. 1781

اشتَرَى غَنَمًا، أَو خَلِفَاتٍ، وَهُوَ مُنتَظِرٌ وِلَادَهَا. قَالَ: فَغَزَا، فَأَدنَى لِلقَريَةِ حِينَ صَلَاةِ العَصرِ، أَو قَرِيبًا مِن ذَلِكَ، فَقَالَ لِلشَّمسِ: أَنتِ مَأمُورَةٌ، وَأَنَا مَأمُورٌ، ــ وقوله: (فأدنى للقرية)؛ هكذا رواية جميع الرواة (أدنى) رباعيًّا. قال القاضي أبو الفضل: فإما أن يكون تعدية (دنا)؛ أي: قرب، فمعناه: أدنى جيوشه وجموعه إليها، أو يكون (أدنى) بمعنى: حان؛ أي: قرب، وحضر فتحها، من قولهم: أدنت الناقة؛ أي: إذا حان نتاجها، ولم يقل في غير الناقة. قلت: والذي يظهر لي: أن ذلك من باب: أنجد، وأغار، وأشهر، وأظهر؛ أي (١): دخل في هذه الأزمنة والأمكنة، فيكون معنى (أدنى) أي: دخل في هذا الموضع الداني منها. والله تعالى أعلم. وقوله للشمس: (أنت مأمورة)؛ أي: مسخرة بأمر الله تعالى، وهو كذلك أيضًا، وجميع الموجودات، غير أن أمر الجمادات أمر تسخير وتكوين، وأمر العقلاء أمر تكليف وتكوين. وحبس الشمس على هذا النبي من أعظم معجزاته، وأخص كراماته. وقد اشتهر: أن الذي حبست عليه الشمس (٢) من الأنبياء هو: يوشع بن نون. وقد روي أن مثل هذه الآية كانت لنبينا ﷺ في موطنين: أحدهما: في حفر الخندق حين شغلوا عن صلاة العصر، حتى غابت، فردها الله تعالى عليه حتى صلَّى العصر. ذكر ذلك الطحاوي، وقال: إن رواته كلهم ثقات (٣). والثانية: صبيحة الإسراء، حين انتظروا العير التي أخبر النبي ﷺ بوصولها

стр. 1782

اللَّهُمَّ احبِسهَا عَلَيَّ شَيئًا، فَحُبِسَت عَلَيهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيهِ. قَالَ: فَجَمَعُوا مَا غَنِمُوا، فَأَقبَلَت النَّارُ لِتَأكُلَهُ، فَأَبَت أَن تَطعَمَهُ، فَقَالَ: فِيكُم غُلُولٌ، وَليُبَايِعنِي مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ، فَبَايَعُوهُ فَلَصِقَت يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: فِيكُم الغُلُولُ، فَلتُبَايِعنِي قَبِيلَتُكَ، فَبَايَعَتهُ، قَالَ: فَلَصِقَ بِيَدِ رَجُلَينِ أَو ثَلَاثَةٍ، فَقَالَ: فِيكُم الغُلُولُ، أَنتُم غَلَلتُم، قَالَ: فَأَخرَجُوا لَهُ مِثلَ رَأسِ البَقَرَةٍ مِن ذَهَبٍ، قَالَ: فَوَضَعُوهُ فِي المَالِ وَهُوَ في الصَّعِيدِ، فَأَقبَلَت النَّارُ فَأَكَلَتهُ، فَلَم تَحِلَّ الغَنَائِمُ لِأَحَدٍ مِن قَبلِنَا، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ رَأَى ضَعفَنَا وَعَجزَنَا فَطَيَّبَهَا لَنَا. رواه أحمد (٢/ ٣١٨)، والبخاري (٥١٥٧)، ومسلم (١٧٤٧). * * * ــ مع شروق الشمس. ذكره يونس بن بكير في زيادته في سير ابن إسحاق (١). وقوله: (فجمعوا ما غنموا، فأقبلت النَّار لتأكله، فأبت أن تطعمه)؛ كانت سنة الله تعالى في طوائف من بني إسرائيل أن يسوق لهم نارًا، فتأكل ما خلص من قربانهم، وغنائمهم، فكان ذلك الأكل علامة قبول ذلك المأكول. حكاه السُّدي وغيره، وهو الذي يدل عليه ظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَينَا أَلا نُؤمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأتِيَنَا بِقُربَانٍ تَأكُلُهُ النَّارُ﴾ ويدل على هذا أيضًا: ظاهر الحديث، وقد كان فيهم على ما حكاه ابن إسحاق نار تحكم بينهم عند تنازعهم، فتأكل الظالم، ولا تضر المظلوم. وقد رفع الله تعالى

стр. 1783

(٦) باب في قوله تعالى: ﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ﴾ [١٢٦٥] عَن مُصعَبِ بنِ سَعدٍ، عَن أَبِيهِ قَالَ: نَزَلَت فِيَّ أَربَعُ آيَاتٍ: أَصَبتُ سَيفًا، فَأَتَيت بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَلتَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَفِّلنِيهِ، قَالَ: ــ كل ذلك عن هذه الأمة، وأحل لهم غنائمهم، وقربانهم، رفقًا بهم، ورحمة لهم، كما قال ﷺ : (ذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا)، وجعل ذلك من خصائص هذه الأمة؛ كما قال: (فلم تحل الغنائم لأحدٍ قبلنا)، وقد جاء في الكتب القديمة: أن من خصائص هذه الأمة: أنهم يأكلون قربانهم في بطونهم. وما جرى لهذا النبي ﷺ مع قومه في أخذ (١) الغلول آية شاهدة على صدقه، وعلى عظيم مكانته عند ربِّه. وفي حديثه أبواب من الفقه لا تخفى على فطن. والله أعلم. (٦) ومن باب: قوله تعالى: ﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ﴾ قول سعدٍ: (نزلت فيَّ أربعُ آيات)، ولم يذكر غير آية واحدة هنا، وقد جاءت الثلاثة الباقية مبيّنة في كتاب مسلم، وسيأتي. وقوله: (نفلنيه)؛ أي: أعطني إيَّاه. قال لبيد: إن تقوى ربنا خيرُ نَفَل ... وبإذن الله رَيثِي والعجل (٢) ومنه سُمي الرَّجل نوفلًا لكثرة عطائه. ويكون النفل أيضًا: الزيادة. ومنه نوافل الصلوات، وهي الزوائد على الفرائض.

стр. 1784

ضَعهُ. ثُمَّ قَامَ. فَقَالَ: نَفِّلنِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أو أجعل كمن لا غناء له؟ فقال له النبي ﷺ : ضعه من حيث أخذته. قَالَ: فَنَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ ــ وقوله: (أو أُجعل كمن لا غناء له)؛ الرِّواية الصحيحة بفتح الواو، ومن سكَّنها غلط؛ لأنها الواو الواقعة بعد همزة الاستفهام، ولا تكون إلا مفتوحة. وأما (أو) الساكنة: فلا تكون إلا لأحد الشيئين. وهذا الاستفهام من سعد على جهة الاستبعاد والتعجب من أن ينزل من ليس في شجاعته منزلته، لا على جهة الإنكار، لأنه لا يصح، ولا يحل الإنكار على النبي ﷺ ، لا سيما ممن يكون في منزلة سعد، ومعرفته بحق النبي ﷺ ، واحترامه له. و(الغناء) بفتح الغين، والمد: النفع. و (الغِنى) - بكسر الغين والقصر -: كثرة المال. وقوله: (فنزلت هذه الآية: ﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ﴾؛ يقتضي أن يكون ثمَّ سؤال عن حكم الأنفال، ولم يكن هنالك سؤال عن ذلك على ما يقتضيه هذا الحديث، ولذلك قال بعض أهل العلم: إن (عن) صلة. ولذلك قرأ ابن مسعود بغير (عن): (يسألونك عن الأنفال). وقال بعضهم: إن (عن) بمعنى (مِن)؛ لأنه إنما سأل شيئًا معينًا، وهو السيف، وهو من الأنفال. و(الأنفال): جمع نفل - بفتح الفاء -؛ كجمل وأجمال، ولبن وألبان. وقد اختلف في المراد بالأنفال هنا في الآية؛ هل هي الغنائم؟ لأنها عطايا، أو هي مما ينفل من الخمس بعد القسم؟ وكذلك اختُلف في أخذ سعد لهذا السيف؛ هل كان أخذه له من القبض قبل القسم، أو بعد القسم؟ (١) وظاهر قوله: (ضعه حيث أخذته): أنه قبل القسم؛ لأنه لو كان أخذه له بعد القسم لأمره أن يرده إلى من صار إليه في القسم.

стр. 1785

قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية. رواه أحمد (١/ ١٨٥)، ومسلم (١٧٤٨) (٣٤)، وأبو داود (٢٠٨)، والترمذي (٣١٨٩). ــ وقوله تعالى: ﴿قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾؛ ظاهره إن حملنا الأنفال على الغنائم؛ أن الغنيمة لرسول الله ﷺ ، وليست مقسومة بين الغانمين. وبه قال ابن عباس وجماعة. ورأوا: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَاعلَمُوا أَنَّمَا غَنِمتُم مِن شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية، وظاهرها: أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين. وقد روي عن ابن عباس أيضًا: أنها محكمة، غير منسوخة، وأن للإمام أن ينفل من الغنائم ما شاء لمن شاء؛ لما يراه من المصلحة. وقيل: هي مخصوصة بما شذّ من المشركين إلى المسلمين من: عبدٍ، أو أمَةٍ، أو دابةٍ. وهو قول عطاء، والحسن. وقيل: المراد بها: أنفال السَّرايا. والأولى: أن الأنفال المذكورة في هذه الآية هي ما ينفله الإمام من الخمس؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَاعلَمُوا أَنَّمَا غَنِمتُم مِن شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ ولا يصح الحكم بالنسخ؛ إذ الجمع بين الآيتين ممكن، ومتى أمكن الجمع فهو أولى من النسخ (١)، باتفاق الأصوليين. وقال مجاهد في الآية: إنها محكمة، غير منسوخة، وأن المراد بالأنفال: ما ينفله الإمام من الخمس. وعلى هذا: فلا نفل إلا من الخمس، ولا يتعين الخمس إلا بعد قسمة الغنيمة خمسة أخماس، وهو المعروف من مذهب مالك، وقد روي عن مالك: أن الأنفال من خمس الخمس. وهو قول ابن المسيب، والشافعي، وأبي حنيفة، والطبري. وأجاز الشافعي النفل قبل إحراز الغنيمة، وبعدها. وهو قول أبي ثور، والأوزاعي، وأحمد، والحسن البصري. وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصلِحُوا ذَاتَ بَينِكُم وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُؤمِنِينَ﴾؛ أي: أصلحوا فيما بينكم، وأطيعوا الله ورسوله فيما أمركم

стр. 1786

[١٢٦٦] وعَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إِلَى نَجدٍ، فَخَرَجتُ فِيهَا، فَأَصَبنَا إِبِلًا وَغَنَمًا، فَبَلَغَت سُهمَانُنَا اثنَي عَشَرَ بَعِيرًا، اثنَي عَشَرَ بَعِيرًا، وَنَفَّلَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعِيرًا بَعِيرًا. رواه مسلم (١٧٤٩) (٣٧). ــ به من الرضا بما قسم لكم إن كنتم محققين إيمانكم. وهذا يدل على أنهم وقع فيما بينهم شنآنٌ ومنافرةٌ بسبب الغنيمة. ويدل على هذا: ما رواه أبو أمامة الباهلي قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال؟ فقال: فينا - أصحاب بدر - نزلت حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، وجعله إلى رسول الله ﷺ ، فقسمه علينا على بواء؛ أي: على سواء (١). وعن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال يوم بدر: (من فعل كذا، فله كذا)، فتسارع الشبان، وثبت الشيوخ مع الرَّايات، فلما فتح لهم، جاء الشبان يطلبون ما جعل لهم، فقال لهم الأشياخ: لا تذهبون به دوننا، فقد كنَّا ردءًا لكم، فأنزل الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصلِحُوا ذَاتَ بَينِكُم﴾ (٢). وقوله: (بعث رسول الله ﷺ إلى نجد سرية) إلى قوله: (ونفلنا رسول الله ﷺ بعيرًا بعيرًا)؛ هذه السرية خرجت من جيش بعثهم رسول الله ﷺ إلى نجد، فلما غنمت قسم ما غنمت على الجيش والسرية، فكانت سهمان؛ كل واحد من الجيش والسَّرية اثني عشر بعيرًا، اثني عشر بعيرًا، ثم زيد أهل السَّرية بعيرًا بعيرًا، فكان لكل إنسان من أهل السَّرية ثلاثة عشر بعيرًا، ثلاثة عشر بعيرًا. بيّن ذلك ونصّ عليه أبو داود من حديث شعيب بن أبي حمزة، عن نافع، عن ابن عمر (٣)، ولهذا قال مالك، وعامة الفقهاء: إن السَّرية إذا خرجت من الجيش فما غنمته كان مقسومًا

стр. 1787

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بينها وبين الجيش. ثم إن رأى الإمام أن ينفلهم من الخمس جاز عند مالك، واستُحبّ عند غيره. وذهب الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد: إلى أن النفل من جملة الغنيمة بعد إخراج الخمس، وما بقي للجيش، وحديث ابن عمر يرد على هؤلاء، فإنه قال فيه: فبلغت سهماننا اثني عشر بعيرًا، اثني عشر بعيرًا، ونفلنا رسول الله ﷺ بعيرًا بعيرًا (١) وظاهر مساق هذه الرواية: أن الذي قسَّم بينهم، ونفلهم، هو رسول الله ﷺ ، حين رجعوا إليه. وفي رواية مالك عن نافع: (ونُفِّلُوا بعيرًا بعيرًا)، ولم يذكر رسول الله ﷺ . ومن رواية الليث عن نافع: (ونفلوا سوى ذلك بعيرًا بعيرًا، فلم يغيره رسول الله ﷺ . وفي كتاب أبي داود من حديث محمد بن إسحاق عن نافع قال: فأصبنا نعمًا كثيرًا، فنفلنا أميرنا بعيرًا بعيرًا، ثم قدمنا على رسول الله ﷺ ، فقسم علينا غنيمتنا، فأصاب كل إنسان (٢) منا اثنا (٣) عشر بعيرًا، اثنا عشر بعيرًا، وما حاسَبَنا رسولُ الله ﷺ بالذي أعطانا صاحبنا، ولا عاب عليه ما صنع، فكان لكل رجل ثلاثة عشر بعيرًا بنفله (٤). وهذا اضطراب في حديث ابن عمر، على أنه يمكن أن تحمل رواية من رفع ذلك إلى رسول الله ﷺ على أنه لما بلغه ذلك أجازه، وسوَّغه. والله تعالى أعلم. أو تكون رواية عبيد الله عن نافع في الرَّفع وهمًا، وبمقتضى رواية ابن إسحاق عن نافع قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد كما قدمناه آنفًا من مذهبهم، لكن محمد بن إسحاق كذبه مالك (٥)، وضعفه غيره.

стр. 1788

[١٢٦٧] وعنه قَالَ: نَفَّلَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَفَلًا سِوَى نَصِيبِنَا مِن الخُمسِ فَأَصَابَنِي شَارِفٌ. وَالشَّارِفُ: المُسِنُّ الكَبِيرُ. رواه مسلم (١٧٥٠) (٣٨ و ٣٩). [١٢٦٨] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَد كَانَ يُنَفِّلُ بَعضَ مَن يَبعَثُه مِن السَّرَايَا لِأَنفُسِهِم خَاصَّةً، سِوَى قَسمِ عَامَّةِ الجَيشِ، ــ وقوله: (ونفلنا رسول الله نفلًا سوى نصيبنا من الخمس)؛ هذا المجرور الذي هو (من الخمس) هو في موضع الصفة لـ (نفل)؛ يعني: أنه نفلهم نفلًا من الخمس، وليس في موضع الحال من (نصيبنا)؛ لأنه كان يلزم عليه أن يكون لهم نصيب في الخمس غير النفل، ولم ينقل هذا بوجه، ولا قاله أحدٌ فيما علمته. و(الشارف): المسن الكبير من النُّوق. وقوله: (كان رسول الله ﷺ ينفل بعض من يبعث من السَّرايا)؛ يدل: على أن ذلك ليس حتمًا واجبًا على الإمام، وإنما ذلك بحسب ما يظهر له من المصلحة والتنشيط كما يقوله مالك. وقد كره مالك أن يحرض الإمام العسكر بإعطاء جزء من الغنيمة قبل القتال؛ لما يخاف من فساد النية. وقد أجازه بعض السَّلف، وأجاز النخعي، وبعض العلماء أن ينفل السَّرية جميع ما غنمت. والكافة على خلافه.

стр. 1789

وَالخُمسُ فِي ذَلِكَ وَاجِبٌ كُلِّهِ. رواه مسلم (١٧٥٠) (٤٠). * * * (٧) باب للإمام أن يخص (ل اتل بالسَّلب [١٢٦٩] عَن أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حُنَينٍ، فَلَمَّا التَقَينَا، كَانَت لِلمُسلِمِينَ جَولَةٌ، قَالَ: فَرَأَيتُ رَجُلًا مِن المُشرِكِينَ قَد عَلَا رَجُلًا مِن المُسلِمِينَ، فَاستَدَرتُ إِلَيهِ حَتَّى أَتَيتُهُ مِن وَرَائِهِ، فَضَرَبتُهُ عَلَى حَبلِ عَاتِقِهِ، فَأَقبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدتُ مِنهَا رِيحَ المَوتِ، ثُمَّ أَدرَكَهُ ــ وقوله: (والخمس في ذلك واجب كله)؛ يعني: أن التخميس لا بُدَّ منه فيما غنمته السَّرية، وفيما غنمه الجيش. وعلى هذا يكون (كله) مخفوضًا تأكيدًا لـ (ذلك) المجرور بـ (في)، وقد قيدناه بالرفع على أن يكون تأكيدًا لـ (الخمس) المرفوع. وفيه بُعدٌ. (٧) ومن باب: للإمام أن يخص القاتل بالسَّلب (الجولة): الاضطراب. ويعني به: انهزام المنهزمة يوم حنين على ما يأتي. و(حبل العاتق): هو موصل ما بين العنق والكاهل. وقيل: هو حبل الوريد. والوريد: عرق بين الحلقوم والعلباوَين (١). وقوله: (فضمني ضمة وجدت فيها ريح الموت)؛ أي: ضمة شديدة أشرف

стр. 1790

المَوتُ فَأَرسَلَنِي، فَلَحِقتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، فَقَالَ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَقُلتُ: أَمرُ اللَّهِ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَن قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيهِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ. قَالَ: فَقُمتُ، فَقُلتُ: مَن يَشهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَستُ، ثُمَّ قَالَ مِثلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: فَقُمتُ فَقُلتُ: مَن يَشهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَستُ، ثُمَّ ــ بسببها على الموت. وهي استعارة حسنة. وأصلها: أن من قرب من الشيء وجد ريحه. وقوله: (وجلس رسول الله ﷺ فقال: من قتل قتيلًا له عليه بيّنة فله سلبه)؛ دليل: على أن هذا القول منه ﷺ كان بعد أن برد القتال، وأما قبل القتال (١) فيكره مالك للإمام أن يقول مثل ذلك؛ لئلا تفسد نية المجاهدين. وهل قال ﷺ ذلك القول مُقَعِّدًا لقاعدة السلب للقاتل، ومبيِّنًا لحكم الله تعالى في ذلك دائمًا، وفي كل واقعة؟ وإليه صار الليث، والشافعي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، والطبري، والثوري، وأبو ثور، قالوا: السلب للقاتل، قاله الإمام أو لم يقله، غير أن الشافعي ﵀ اشترط في ذلك: أن يقتله مقبلًا. واشترط الأوزاعي أن يكون ذلك قبل التحام الحرب. أو قاله ﷺ على جهة أن يبيِّن: أن للإمام أن يفعل ذلك إذا رآه مصلحة؟ وإلى هذا ذهب مالك، وأبو حنيفة، فقالا: إن السلب ليس بحق للقاتل، وإنه من الغنيمة إلا أن يجعل الأمير ذلك له. فأما الطائفة الأولى: فتمسَّكت بظاهر الحديث المتقدِّم، وقصر الشافعي عموم قوله: (من قتل قتيلًا) على نحو ما وقع لأبي قتادة؛ فإنه قتل الكافر مقبلًا، ولذلك ضمه الضمة الشديدة، وليس للأوزاعي على ما اشترط حجَّة من الحديث، بل هو حجَّة عليه؛ فإنه ﷺ إنما قال ذلك بعد فراغ القتال. وأما الطائفة الثانية: فإنهم ردُّوا ظاهر ذلك الحديث لما يعارضه، وهو قوله تعالى: ﴿وَاعلَمُوا أَنَّمَا غَنِمتُم مِن شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ فأضاف أربعة
следующие страницы →