[١٢٦٦] وعَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إِلَى نَجدٍ، فَخَرَجتُ فِيهَا، فَأَصَبنَا إِبِلًا وَغَنَمًا، فَبَلَغَت سُهمَانُنَا اثنَي عَشَرَ بَعِيرًا، اثنَي عَشَرَ بَعِيرًا، وَنَفَّلَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعِيرًا بَعِيرًا.
رواه مسلم (١٧٤٩)(٣٧).
ــ
به من الرضا بما قسم لكم إن كنتم محققين إيمانكم. وهذا يدل على أنهم وقع فيما بينهم شنآنٌ ومنافرةٌ بسبب الغنيمة. ويدل على هذا: ما رواه أبو أمامة الباهلي قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال؟ فقال: فينا - أصحاب بدر - نزلت حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، وجعله إلى رسول الله ﷺ ، فقسمه علينا على بواء؛ أي: على سواء (١). وعن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال يوم بدر: (من فعل كذا، فله كذا)، فتسارع الشبان، وثبت الشيوخ مع الرَّايات، فلما فتح لهم، جاء الشبان يطلبون ما جعل لهم، فقال لهم الأشياخ: لا تذهبون به دوننا، فقد كنَّا ردءًا لكم، فأنزل الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصلِحُوا ذَاتَ بَينِكُم﴾ (٢).
وقوله: (بعث رسول الله ﷺ إلى نجد سرية) إلى قوله: (ونفلنا رسول الله ﷺ بعيرًا بعيرًا)؛ هذه السرية خرجت من جيش بعثهم رسول الله ﷺ إلى نجد، فلما غنمت قسم ما غنمت على الجيش والسرية، فكانت سهمان؛ كل واحد من الجيش والسَّرية اثني عشر بعيرًا، اثني عشر بعيرًا، ثم زيد أهل السَّرية بعيرًا بعيرًا، فكان لكل إنسان من أهل السَّرية ثلاثة عشر بعيرًا، ثلاثة عشر بعيرًا. بيّن ذلك ونصّ عليه أبو داود من حديث شعيب بن أبي حمزة، عن نافع، عن ابن عمر (٣)، ولهذا قال مالك، وعامة الفقهاء: إن السَّرية إذا خرجت من الجيش فما غنمته كان مقسومًا
стр. 1787
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بينها وبين الجيش. ثم إن رأى الإمام أن ينفلهم من الخمس جاز عند مالك، واستُحبّ عند غيره. وذهب الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد: إلى أن النفل من جملة الغنيمة بعد إخراج الخمس، وما بقي للجيش، وحديث ابن عمر يرد على هؤلاء، فإنه قال فيه: فبلغت سهماننا اثني عشر بعيرًا، اثني عشر بعيرًا، ونفلنا رسول الله ﷺ بعيرًا بعيرًا (١)
وظاهر مساق هذه الرواية: أن الذي قسَّم بينهم، ونفلهم، هو رسول الله ﷺ ، حين رجعوا إليه. وفي رواية مالك عن نافع: (ونُفِّلُوا بعيرًا بعيرًا)، ولم يذكر رسول الله ﷺ . ومن رواية الليث عن نافع: (ونفلوا سوى ذلك بعيرًا بعيرًا، فلم يغيره رسول الله ﷺ . وفي كتاب أبي داود من حديث محمد بن إسحاق عن نافع قال: فأصبنا نعمًا كثيرًا، فنفلنا أميرنا بعيرًا بعيرًا، ثم قدمنا على رسول الله ﷺ ، فقسم علينا غنيمتنا، فأصاب كل إنسان (٢) منا اثنا (٣) عشر بعيرًا، اثنا عشر بعيرًا، وما حاسَبَنا رسولُ الله ﷺ بالذي أعطانا صاحبنا، ولا عاب عليه ما صنع، فكان لكل رجل ثلاثة عشر بعيرًا بنفله (٤). وهذا اضطراب في حديث ابن عمر، على أنه يمكن أن تحمل رواية من رفع ذلك إلى رسول الله ﷺ على أنه لما بلغه ذلك أجازه، وسوَّغه. والله تعالى أعلم. أو تكون رواية عبيد الله عن نافع في الرَّفع وهمًا، وبمقتضى رواية ابن إسحاق عن نافع قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد كما قدمناه آنفًا من مذهبهم، لكن محمد بن إسحاق كذبه مالك (٥)، وضعفه غيره.
стр. 1788
[١٢٦٧] وعنه قَالَ: نَفَّلَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَفَلًا سِوَى نَصِيبِنَا مِن الخُمسِ فَأَصَابَنِي شَارِفٌ. وَالشَّارِفُ: المُسِنُّ الكَبِيرُ.
رواه مسلم (١٧٥٠) (٣٨ و ٣٩).
[١٢٦٨] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَد كَانَ يُنَفِّلُ بَعضَ مَن يَبعَثُه مِن السَّرَايَا لِأَنفُسِهِم خَاصَّةً، سِوَى قَسمِ عَامَّةِ الجَيشِ،
ــ
وقوله: (ونفلنا رسول الله نفلًا سوى نصيبنا من الخمس)؛ هذا المجرور الذي هو (من الخمس) هو في موضع الصفة لـ (نفل)؛ يعني: أنه نفلهم نفلًا من الخمس، وليس في موضع الحال من (نصيبنا)؛ لأنه كان يلزم عليه أن يكون لهم نصيب في الخمس غير النفل، ولم ينقل هذا بوجه، ولا قاله أحدٌ فيما علمته.
و(الشارف): المسن الكبير من النُّوق.
وقوله: (كان رسول الله ﷺ ينفل بعض من يبعث من السَّرايا)؛ يدل: على أن ذلك ليس حتمًا واجبًا على الإمام، وإنما ذلك بحسب ما يظهر له من المصلحة والتنشيط كما يقوله مالك. وقد كره مالك أن يحرض الإمام العسكر بإعطاء جزء من الغنيمة قبل القتال؛ لما يخاف من فساد النية. وقد أجازه بعض السَّلف، وأجاز النخعي، وبعض العلماء أن ينفل السَّرية جميع ما غنمت. والكافة على خلافه.
стр. 1789
وَالخُمسُ فِي ذَلِكَ وَاجِبٌ كُلِّهِ.
رواه مسلم (١٧٥٠)(٤٠).
* * *
(٧) باب للإمام أن يخص (ل اتل بالسَّلب
[١٢٦٩] عَن أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حُنَينٍ، فَلَمَّا التَقَينَا، كَانَت لِلمُسلِمِينَ جَولَةٌ، قَالَ: فَرَأَيتُ رَجُلًا مِن المُشرِكِينَ قَد عَلَا رَجُلًا مِن المُسلِمِينَ، فَاستَدَرتُ إِلَيهِ حَتَّى أَتَيتُهُ مِن وَرَائِهِ، فَضَرَبتُهُ عَلَى حَبلِ عَاتِقِهِ، فَأَقبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدتُ مِنهَا رِيحَ المَوتِ، ثُمَّ أَدرَكَهُ
ــ
وقوله: (والخمس في ذلك واجب كله)؛ يعني: أن التخميس لا بُدَّ منه فيما غنمته السَّرية، وفيما غنمه الجيش. وعلى هذا يكون (كله) مخفوضًا تأكيدًا لـ (ذلك) المجرور بـ (في)، وقد قيدناه بالرفع على أن يكون تأكيدًا لـ (الخمس) المرفوع. وفيه بُعدٌ.
(٧) ومن باب: للإمام أن يخص القاتل بالسَّلب
(الجولة): الاضطراب. ويعني به: انهزام المنهزمة يوم حنين على ما يأتي.
و(حبل العاتق): هو موصل ما بين العنق والكاهل. وقيل: هو حبل الوريد. والوريد: عرق بين الحلقوم والعلباوَين (١).
وقوله: (فضمني ضمة وجدت فيها ريح الموت)؛ أي: ضمة شديدة أشرف
стр. 1790
المَوتُ فَأَرسَلَنِي، فَلَحِقتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، فَقَالَ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَقُلتُ: أَمرُ اللَّهِ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَن قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيهِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ. قَالَ: فَقُمتُ، فَقُلتُ: مَن يَشهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَستُ، ثُمَّ قَالَ مِثلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: فَقُمتُ فَقُلتُ: مَن يَشهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَستُ، ثُمَّ
ــ
بسببها على الموت. وهي استعارة حسنة. وأصلها: أن من قرب من الشيء وجد ريحه.
وقوله: (وجلس رسول الله ﷺ فقال: من قتل قتيلًا له عليه بيّنة فله سلبه)؛ دليل: على أن هذا القول منه ﷺ كان بعد أن برد القتال، وأما قبل القتال (١) فيكره مالك للإمام أن يقول مثل ذلك؛ لئلا تفسد نية المجاهدين. وهل قال ﷺ ذلك القول مُقَعِّدًا لقاعدة السلب للقاتل، ومبيِّنًا لحكم الله تعالى في ذلك دائمًا، وفي كل واقعة؟ وإليه صار الليث، والشافعي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، والطبري، والثوري، وأبو ثور، قالوا: السلب للقاتل، قاله الإمام أو لم يقله، غير أن الشافعي ﵀ اشترط في ذلك: أن يقتله مقبلًا. واشترط الأوزاعي أن يكون ذلك قبل التحام الحرب.
أو قاله ﷺ على جهة أن يبيِّن: أن للإمام أن يفعل ذلك إذا رآه مصلحة؟ وإلى هذا ذهب مالك، وأبو حنيفة، فقالا: إن السلب ليس بحق للقاتل، وإنه من الغنيمة إلا أن يجعل الأمير ذلك له.
فأما الطائفة الأولى: فتمسَّكت بظاهر الحديث المتقدِّم، وقصر الشافعي عموم قوله: (من قتل قتيلًا) على نحو ما وقع لأبي قتادة؛ فإنه قتل الكافر مقبلًا، ولذلك ضمه الضمة الشديدة، وليس للأوزاعي على ما اشترط حجَّة من الحديث، بل هو حجَّة عليه؛ فإنه ﷺ إنما قال ذلك بعد فراغ القتال.
وأما الطائفة الثانية: فإنهم ردُّوا ظاهر ذلك الحديث لما يعارضه، وهو قوله تعالى: ﴿وَاعلَمُوا أَنَّمَا غَنِمتُم مِن شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ فأضاف أربعة
стр. 1791
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أخماس الغنيمة للغانمين، ولا يصلح قوله: (من قتل قتيلًا فله سلبه) للتخصيص، للاحتمال الذي أبديناه. ومما تمسَّكوا به قضية أبي جهل الآتية بعد هذا، وذلك: أنه ﷺ قال لابني عفراء: (كلاكما قتله)، ثم قضى بسلبه لأحدهما (١)، وهي نصٌّ في المقصود، لا يقال: إن قضية أبي جهل متقدَّمة وقضية أبي قتادة متأخرة، فتكون ناسخة؛ لأنا لا نسلم التعارض لإمكان الجمع بين القضيتين؛ لأن ذلك رأي رآه فيهما، فاختلف الحال بحسب اختلاف الاجتهاد. والله تعالى أعلم.
ومما يعتضدُ به هؤلاء: أنه لو كان قوله: من قتل قتيلًا فله سلبه) مقعدًا للقاعدة، ومبيِّنًا لها؛ لكان ذلك أمرًا معمولًا به عند الصحابة، وخصوصًا الخلفاء الأربعة ﵃، فإنهم كانوا حضورًا في ذلك الموطن، وقد انقرضت أعصارهم، ولم يحكموا: بأن السلب للقاتل مطلقًا، على ما حكاه ابن أبي زيد في مختصره. هذا مع كثرة وقائعهم في العدو، وغنائمهم، وعموم الحاجة إلى ذلك. فلما لم يكن ذلك كذلك؛ صح أن يقال: إن ذلك موكول لرأي الإمام. والله تعالى أعلم.
تفريع: لا شك في أن من كان مذهبه: أن السلب للقاتل: أنه لا يخمسه، وإنما يملكه بنفس القتل المشهود عليه، وأما من صار إلى: أن ذلك للإمام يرى فيه رأيه، فاختلفوا؛ هل يخمس أو لا يخمس؟ فقال مالك، والأوزاعي، ومكحول: يخمس. وقاله إسحاق إذا كثر. ونحوه عن عمر، وحكى ابن خواز منداذ عن مالك: أن الإمام مخيَّر في ذلك كله. قاله القاضي إسماعيل.
ثم اختلفوا في السلب الذي يستحقه القاتل. فذهب الأوزاعي، وابن حبيب من أصحابنا إلى أنه فَرسه الذي ركبه، وكل شيء كان عليه من لبوس، وسلاح، وآلة، وحلية له ولفرسه. غير أن ابن حبيب قال: إن المنطقة التي فيها دنانير
стр. 1792
قَالَ ذَلِكَ الثَّالِثَةَ، فَقُمتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا لك يَا أَبَا قَتَادَةَ؟ . فَقَصَصتُ عَلَيهِ القِصَّةَ. فَقَالَ رَجُلٌ مِن القَومِ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! سَلَبُ ذَلِكَ القَتِيلِ
ــ
ودراهم نفقة داخلة في السَّلب. ولم ير ذلك الأوزاعي. وقد عمل بقولهما جماعة من الصحابة. ونحوه مذهب الشافعي، غير أنه تردد في السوارين، والحلية، وما في معناهما من غير حلية الحرب.
وذهب ابن عباس إلى أنه: الفرس، والسِّلاح، وهو معنى مذهب مالك. وشذَّ أحمد، فلم ير الفرس من السَّلب، ووقف في السَّيف. وللشافعي قولان فيما وجد في عسكر العدو من أموال المقتول؛ هل هو من سلبه أم لا؟ والصحيح: العموم فيما كان معه، تمسّكًا بالعموم. والله تعالى أعلم.
وقوله: (له عليه بينة)؛ قال بظاهره الليث، والشافعي، وبعض أصحاب الحديث، فلا يستحق القاتل السلب إلا بالبيّنة، أو بشاهدٍ ويمين. وقال الأوزاعي والليث: ليست البيّنة شرطًا في الاستحقاق، بل إن اتفق ذلك فهو الأولى دفعًا للمنازعة، وإن لم يتفق كان للقاتل بغير بيّنة، ألا ترى أن النبي ﷺ أعطى أبا قتادة سلب مقتوله من غير شهادة، ولا يمين. ولا يكفي شهادة واحد، ولا يناط بها حكم بمجردها، لا يقال: إنما أعطاه إيَّاه بشهادة الذي هو في يده، وشهادة أبي بكر؛ لأن أبا بكر ﵁ لم يُقم شهادة لأبي قتادة، وإنما منع أن يُدفع السلب للذي ذكر أنه في يده، ويمنع منه أبو قتادة. ويخرج على أصول المالكية في هذه المسألة، ومن قال بقولها: أنه لا يحتاج الإمام فيه إلى بينة؛ لأنه من الإمام ابتداء عطيّة. فإن شرط فيه (١) الشهادة كان له، وإن لم يشترط، جاز أن يعطيه من غير شهادة. والله تعالى أعلم.
стр. 1793
عِندِي، فَأَرضِهِ مِن حَقِّهِ يا رسول الله! وَقَالَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ: لَا هَا اللَّهِ إِذًا، لَا يَعمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِن أُسُدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَن اللَّهِ وَعَن رَسُولِهِ فَيُعطِيكَ سَلَبَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صَدَقَ فَأَعطِهِ إِيَّاهُ. فَأَعطَانِي، قَالَ: فَبِعتُ الدِّرعَ فَابتَعتُ بِهِ مَخرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلتُهُ فِي الإِسلَامِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: كَلَّا لَا نُعطِيهِ، أُضَيبِعَ مِن قُرَيشٍ وَنَدَعُ أَسَدًا مِن أُسُدِ اللَّهِ؟
ــ
وقوله: (فأرضه من حقه يا رسول الله! ) أي: أعطه ما يرضى به بدلًا من حقه في السَّلب. فكأنه سأل من النبي ﷺ أن يتركه له، ويعطي أبا قتادة من غيره ما يرضى به.
وقول أبي بكر: (لا ها الله إذًا)؛ الرواية هكذا (إذًا) بالتنوين. قال الخطابي: والصواب فيه: (لا ها الله ذا) بغير ألف قبل الذال. ومعناه في كلامهم: لا والله. يجعلون (الها) مكان (الواو). والمعنى: لا والله لا يكون ذا. قال المازري: معناه: ذا يميني، وذا قسمي. وقال أبو زيد: (ذا) صلة في الكلام.
وقوله: (فبعت الدرع، فاشتريت به مخرفًا)، قال القاضي أبو الفضل: رويناه بفتح الميم، وكسرها. فمن كسره جعله مثل: مربَدٍ. ومن فتح جعله مثل: مضرَب.
والمخرف: البستان الذي تخترف ثماره؛ أي: تجتنى (١). فأما المخرف - بكسر الميم - فهو: الوعاء الذي يجمع فيه ما يُخترفُ.
و(تأثلت المال): تملكته، فجعلته أصل مالي. وأَثَلَةُ كل شيء: أصله.
وقوله: (كلا، لا نعطيه أضيبع من قريش)؛ كلا: ردع، وزجر. وقد تكون بمعنى: لا؛ كقوله تعالى حكاية عن موسى ﵊: كُلَا
стр. 1794
رواه أحمد (٥/ ٣٠٦)، والبخاري (٢١٠٥)، ومسلم (١٧٥١)، وأبو داود (٢٧١٧)، والترمذي (١٥٦٢)، وابن ماجه (٢٨٣٧).
[١٢٧٠] وعن سَلَمَةُ بنُ الأَكوَعِ قَالَ: غَزَونَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَوَازِنَ، فَبَينَا نَحنُ نَتَضَحَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِذ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ
ــ
في جواب قولهم: ﴿إِنَّا لَمُدرَكُونَ﴾ وقد يكون استفتاحًا بمعنى: ألا؛ كما قيل في قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّ كِتَابَ الأَبرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ و (أضيبع) روايتنا فيه - وهي المشهورة - بالضاد المعجمة، والعين المهملة؛ وهو تصغير ضبع على غير القياس. فكأنه لما وصف الآخر بالأسدية، صغر هذا بالنسبة إليه، وشبهه بالضبع تصغيرًا له. ورواه السمرقندي: (أصيبغ) بالصاد المهملة، والغين المعجمة، فقيل: كأنه حقَّره، وذمَّه لسواد لونه. وقال الخطابي: الأصيبغ نوع من الطير. قال: ويجوز أن يشبهه بنبات صغير، يقال له: الصبغاء، أول ما تطلع من الأرض فيكون ما يلي الشمس منه أصفر. وقال الهروي بمعناه.
ومبادرة أبي بكر بالفتيا والرَّدع والنَّهي بحضرة رسول الله ﷺ ، وإقرار النبي ﷺ على ذلك، وتصديقه على قوله، شرفٌ عظيم، وخصوصية لأبي بكر ﵁ ليس لأحدٍ من الصحابة مثلها، هذا مع أنه قد كان عدد من الصحابة نحو الأربعة عشر يفتون في حياة رسول الله ﷺ ، يعلم بهم، ويقرهم، لكن لم يُسمع عن أحدٍ منهم أنه أفتى بحضرته، ولا صدر عنه شيء مما صدر عن أبي بكر في هذه القضية.
وفي هذا الحديث أبواب من الفقه لا تخفى على متأمِّل.
غريب حديث سلمة بن الأكوع:
قول سلمة: (فبينا نحن نتضحَّى)؛ يعني: نتغدَّى في وقت الضحاء - بالمد - قاله الخطابي وغيره. و (الطلق): الحبل، وهو بفتح اللام.
و(الحقب) بفتح
стр. 1795
أَحمَرَ فَأَنَاخَهُ، ثُمَّ انتَزَعَ طَلَقًا مِن حَقَبِهِ، فَقَيَّدَ بِهِ الجَمَلَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ يَتَغَدَّى مَعَ القَومِ، وَجَعَلَ يَنظُرُ وَفِينَا ضَعفَةٌ وَرِقَّةٌ فِي الظَّهرِ، وَبَعضُنَا مُشَاةٌ، إِذ خَرَجَ يَشتَدُّ، فَأَتَى جَمَلَهُ فَأَطلَقَ قَيدَهُ، ثُمَّ أَنَاخَهُ وَقَعَدَ فَأَثَارَهُ، فَاشتَدَّ بِهِ الجَمَلُ، فَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ وَرقَاءَ، قَالَ سَلَمَةُ: وَخَرَجتُ أَشتَدُّ فَكُنتُ عِندَ وَرِكِ النَّاقَةِ، ثُمَّ تَقَدَّمتُ حَتَّى كُنتُ عِندَ وَرِكِ الجَمَلِ، ثُمَّ تَقَدَّمتُ حَتَّى أَخَذتُ بِخِطَامِ الجَمَلِ فَأَنَختُهُ، فَلَمَّا وَضَعَ رُكبَتَهُ فِي الأَرضِ اختَرَطتُ
ــ
القاف. والحقيبة: هو ما يجعله الرَّاكب خلفه.
و(الضعَفَة) - بفتح العين -: جمع ضعيف، والأوجَه والأصح: (ضعفَة)؛ أي: حالة ضعيفة، وهزال. و (يشتدُّ): يجري سريعًا. و (قعد عليه)؛ أي: ركبه؛ لأن الرَّاكب قاعد. و (اخترطت السَّيف)؛ أي: سللته من غَمدِه سريعًا. (فندر)؛ أي: سقط، وخرج عن جسده. ومنه: الشيء النادر؛ أي: الخارج، والرواية فيه بالنون والدال المهملة. والرحل للبعير كالسرج للفرس، والإكاف للحمار.
وفيه من الفقه: أن السَّلب إنما يستحقه القاتل بإذن الإمام كما تقدَّم؛ إذ لو كان واجبًا له بنفس القتل لما احتاج إلى تكرار هذا القول؛ إذ قد تقرر الحكم في يوم حنين على زعم الخصم، وعمل به.
وفيه: أن كل ما يكون على القتيل، أو معه، أو عليه سلب للقاتل.
وفيه: أن السَّلب لا يخمس.
وفيه حجة لمن قال من أهل العلم: أن للإمام أن ينفل جميع ما أخذته السَّرية من الغنيمة لمن يراه منهم؛ إذ قد كان مع سلمة رجل على ناقة؛ ولم يعطه من الغنيمة شيئًا، وهذا إنما يتم للمحتج به إذا نقل: أنه لم يكن هناك غنيمة إلا ذلك السَّلب، فلعلهم غنموا شيئًا آخر غير السَّلب، فإن نقلوا ذلك تمسّكنا بقوله تعالى: ﴿وَاعلَمُوا أَنَّمَا غَنِمتُم مِن شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ وقلنا: ذلك خاص بالنبي ﷺ .
стр. 1796
سَيفِي، فَضَرَبتُ رَأسَ الرَّجُلِ فَنَدَرَ، ثُمَّ جِئتُ بِالجَمَلِ أَقُودُهُ، عَلَيهِ رَحلُهُ وَسِلَاحُهُ، فَاستَقبَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ فَقَالَ: مَن قَتَلَ الرَّجُلَ؟ . قَالَوا: ابنُ الأَكوَعِ، قَالَ لَهُ: سَلَبُهُ أَجمَعُ.
رواه أحمد (٤/ ٤٦ و ٤٩)، ومسلم (١٧٥٤)، وأبو داود (٢٦٥٤).
* * *
(٨) باب لا يستحق القاتل السَّلب بنفس القتل
[١٢٧١] عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ قَالَ: بَينَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَومَ بَدرٍ، نَظَرتُ عَن يَمِينِي وَشِمَالِي، فَإِذَا أَنَا بَينَ غُلَامَينِ مِن الأَنصَارِ، حَدِيثَةٍ أَسنَانُهُمَا، تَمَنَّيتُ لَو كُنتُ بَينَ أَضلَعَ مِنهُمَا، فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا
ــ
وفيه: قتل الجاسوس، ولا خلاف في ذلك إذا لم يكن معاهدًا، أو مسلمًا. والمعاهد يقتل عندنا وعند الأوزاعي لنقضه العهد. وقال معظم الفقهاء: لا يكون ذلك نقضًا، وأما المسلم فالجمهور على أن الإمام يجتهد فيه. وقال كبار أصحاب مالك: أنه يقتل، واختلف في قبول توبته على ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث بين أن يكون معروفًا بذلك أو لا.
وفيه التنويه بأهل الفضائل، ومعرفة حق من فيه فضل وغناء.
(٨) ومن باب: لا يستحق القاتل السَّلب بنفس القتل
قوله: (تمنيت لو كنت بين أضلع منهما)؛ كذا الرواية، بالضاد المعجمة، والعين المهملة، ووقع في بعض روايات البخاري: (أصلح) بالحاء، والصاد، مهملتين، من الصلاح، والأول أصوب. ومعنى (أضلع): أقوى، والضلاعة:
стр. 1797
فَقَالَ: يَا عَمِّ، هَل تَعرِفُ أَبَا جَهلٍ؟ قَالَ: قُلتُ: نَعَم، وَمَا حَاجَتُكَ إِلَيهِ يَا ابنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخبِرتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ- ﷺ ، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَئِن رَأَيتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الأَعجَلُ مِنَّا، قَالَ: فَتَعَجَّبتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزَنِي الآخَرُ فَقَالَ مِثلَهَا، قَالَ: فَلَم أَنشَب أَن نَظَرتُ إِلَى أَبِي جَهلٍ يَزُولُ فِي النَّاسِ، فَقُلتُ: أَلَا تَرَيَانِ؟ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي تَسأَلَانِ عَنهُ، قَالَ:
ــ
القوة. ومنه قولهم: هل يدرك الظالع شأو الضليع - بالضاد -؛ أي: القوي، والظالع - بالظاء المشالة -: هو الذي أصابه الظلع، وهو ألَمٌ يأخذ الدَّابة في بعض قوائمها. وكأنه استضعفهما (١) لصغر أسنانهما.
وقوله: (لا يفارق سوادي سواده)؛ أي: شخصي شخصه. وأصله: أن الشخص يرى على البعد أسود. والله تعالى أعلم.
وقوله: (حتى يموت الأعجل منَا)؛ أي: الأقرب أجلًا، وهو كلام مستعمل يفهم منه: أنه يلازمه، ولا يتركه إلى وقوع الموت بأحدهما. وصدور مثل هذا الكلام في حالة الغضب والانزعاج يدل على صحة العقل، وثبوت الفهم، والتثبت العظيم في النظر في العواقب؛ فإن مقتضى الغضب أن يقول: حتى أقتله؛ لكن العاقبة مجهولة.
وقوله: (فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس)؛ معنى لم أنشب: لم أشتغل بشيء. وهو من: نشب بالشيء؛ إذا دخل فيه، وتعلَّق به. و (يزول)؛ أي: يجول ويضطرب في المواضع، ولا يستقر على حال. وهو فعل من يعبئ الناس، ويحرضهم. أو فعل من أخذه الزويل، وهو: الفزع والقلق. والأول أولى؛ لرواية ابن ماهان لهذا الحرف: (يجول) بالجيم.
стр. 1798
فَابتَدَرَاهُ، فَضَرَبَاهُ بِسَيفَيهِمَا حَتَّى قَتَلَاهُ، ثُمَّ انصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخبَرَاهُ فَقَالَ: أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ . فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا: أَنَا قَتَلتُهُ، فَقَالَ: هَل مَسَحتُمَا سَيفَيكُمَا؟ . قَالَا: لَا، فَنَظَرَ فِي السَّيفَينِ فَقَالَ: كِلَاكُمَا قَتَلَهُ.
ــ
وقوله: (هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا، فنظر في السيفين فقال: كلاكما قتله)؛ هذا يدل على: أن للإمام أن ينظر في شواهد الأحوال ليترجح عنده قول أحد المتداعيين، وذلك أن سؤاله عن مسح السيفين إنما كان لينظر إن كان تعلق بأحدهما من أثر الطعام (١) أو الدَّم ما لم يتعلق بالآخر، فيقضي له، فلما رأى تساويَ سيفيهما في ذلك قال: (كلاكما قتله)، ومع ذلك فقضى بالسلب لأحدهما، فكان ذلك أدل دليل على صحة ما قدَّمناه من مذهب مالك، وأبي حنيفة. وقد اعتذر المخالفون عن هذا الحديث بأوجه:
منها: أن هذا منسوخ بما قاله يوم حنين. وهو فاسد لوجهين:
أحدهما: أن الجمع بينهما ممكن. كما قدمناه، فلا نسخ.
والثاني: أنَّه قد روى أهل السِّير وغيرهم: أن النبي ﷺ قال يوم بدر: (من قتل قتيلًا فله سلبه)؛ كما قال يوم حنين. وغايته: أن يكون من باب تخصيص العموم على ما قلناه.
ومنها: أن بعض الشافعية قال: إنما فعل النبي ﷺ ذلك؛ لأنه استطاب نفس أحدهما. وهذا كلام غير محصل، فإنه ﷺ لا يستطيب الأنفس بما لا يحل. ثم كيف يستطيب نفس هذا بإفساد قلب الآخر؟ هذا مما لا يليق بذوي المروءات، فكيف بخاتم النبوات؟ !
ومنها: أنه لعله أن يكون رأى على سيف أحدهما من الأثر ما لم ير على الآخر، فأعطاه السلب لذلك، وقال: (كلاكما قتله) تطييبًا لقلب الآخر. وهذا
стр. 1799
وَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بنِ عَمرِو بنِ الجَمُوحِ، وَالرَّجُلَانِ: مُعَاذُ بنُ عَمرِو بنِ الجَمُوحِ، وَمُعَاذُ بنُ عَفرَاءَ.
رواه أحمد (١/ ١٩٢ - ١٩٣)، والبخاري (٣١٤١)، ومسلم (١٧٥٢).
[١٢٧٢] وعَن عَوفِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: قَتَلَ رَجُلٌ مِن حِميَرَ رَجُلًا مِن العَدُوِّ، فَأَرَادَ سَلَبَهُ، فَمَنَعَهُ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ، وَكَانَ وَالِيًا عَلَيهِم، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَوفُ بنُ مَالِكٍ فَأَخبَرَهُ، فَقَالَ لِخَالِدٍ: مَا مَنَعَكَ أَن تُعطِيَهُ
ــ
يبطله قوله: (كلاكما قتله). والقتل هو السبب عند القائل. وظاهره التسوية في القتل؛ فإن القائل إذا قال لمخاطبيه: كلاكما قال، أو كلاكما خرج، فظاهره المشاركة فيما نسب إليهما. ثم يلزم هذا القائل أن يجوّز على رسول الله ﷺ التورية في الأحكام. والقول بذلك باطل، وحرام.
وقوله: (والرجلان: معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء)؛ هكذا الصحيح، وقد جاء في البخاري من حديث ابن مسعود: أن ابني عفراء ضرباه حتى برك. وكأن هذا وهم من بعض الرواة لحديث ابن مسعود. وسبب هذا الوهم: أن عفراء هذه من بني النجار، أسلمت وبايعت، وكان أولادها سبعة، كلهم شهد بدرًا، وكانت عند الحارث بن رفاعة، فولدت له: معاذًا، ومعوّذًا، ثم طلقها، فتزوَّجها بكير بن عبد ياليل، فولدت له: خالدًا، وإياسًا، وعاقلًا، وعامرًا، ثم راجعها الحارث، فولدت له عوفًا، فشهدوا كلهم بدرًا. فكأنه التبس على بعض الرُّواة عاذ بن عمرو بن الجموح بمعاذ بن عفراء وبمعوذ بن عفراء عند السكوت عن ذكر عمرو والد معاذ. والله تعالى أعلم.
وفي البخاري ومسلم: أن ابن مسعود هو الذي أجهز على أبي جهل
стр. 1800
سَلَبَهُ؟ . قَالَ: استَكثَرتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: ادفَعهُ إِلَيهِ. فَمَرَّ خَالِدٌ بِعَوفٍ فَجَرَّ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَل أَنجَزتُ لك مَا ذَكَرتُ لك عِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاستُغضِبَ، فَقَالَ: لَا تُعطِهِ يَا خَالِدُ، لَا تُعطِهِ
ــ
واحتزَّ رأسه بعد أن جرى له معه كلام سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقول عوف بن خالد: (هل أنجزت لك ما ذكرت عن رسول الله ﷺ ؟ ) كلام فيه نوع من التقصير، والتهكم بمنصب الإمارة، والإزراء عليه، ولذلك غضب النبي ﷺ من ذلك حين سمعه، ثم أمضى ما فعله خالد بقوله: (لا تعطه يا خالد! )، ونوَّه به، وعظم حرمته بقوله: (هل أنتم تاركو لي أمرائي؟ ! ) وهذا يدل دلالة واضحة على: أن السَّلب لا يستحقه القاتل بنفس القتل، بل برأي الإمام ونظره، كما قدَّمناه.
وقوله: (ادفعه إليه)؛ هو أمر على جهة الإصلاح ورفع التنازع، فلما صدر من عوف ما يقتضي الغض من منصب الإمارة أمضى ما رآه الأمير؛ لأنه لم يكن للقاتل فيه حق. وهذا نحو مما فعله النبي ﷺ بماء الزبير، حيث نازعه الأنصاري في السقي، فقال ﷺ : (اسق يا زبير! وأرسل الماء إلى جارك)، فأغضب الأنصاري النبي ﷺ ، فقال للزبير: (اسق يا زبير! وأمسك الماء حتى يبلغ الجدر)، فاستوفى للزبير حقه (١).
وهذا الحديث من أصعب الأحاديث على القائل بأن السَّلب يستحقه القاتل بنفس القتل.
و(استغضب) هو مبني لما لم يسم فاعله؛ أي: أغضب، زيدت فيه السين والتاء، ومعناه: خلق فيه الغضب عندما سمع ما كرهه شيئا فشيئا، والله تعالى أعلم.
стр. 1801
يَا خَالِدُ، هَل أَنتُم تَارِكُو لِي أُمَرَائِي؟ إِنَّمَا مَثَلُكُم وَمَثَلُهُم كَمَثَلِ رَجُلٍ استُرعِيَ إِبِلًا أَو غَنَمًا فَرَعَاهَا، ثُمَّ تَحَيَّنَ سَقيَهَا، فَأَورَدَهَا حَوضًا، فَشَرَعَت فِيهِ
ــ
وقوله: (هل أنتم تاركو لي أمرائي)؛ هكذا الرواية بإسقاط النون من (تاركو)، ولحذفها وجهان:
أحدهما: أن يكون استطال الكلمة كما استطيلت كلمة الاسم الموصول، كما قال تعالى: ﴿وَخُضتُم كَالَّذِي خَاضُوا﴾ على أحد القولين. وكما قال الشاعر:
ابني كليب إن عمي اللذا ... قتلا الملوك وفكك الأغلالا
والوجه الثاني (١): أن يكون (أمرائي) مضافًا، وأقحم الجار والمجرور بين المضاف والمضاف إليه، ويكون هذا من نوع قراءة ابن عامر: (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم)، بنصب (أَولادُهُم)، وخفض (شُرَكَائهِم) (٢)، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، وأكثر ما يكون هذا النوع في الشعر، كما أنشده سيبويه:
كما خط الكتاب بكف يومًا ... يهودي يقارب أو يزيل
وكما أنشد:
فزججتها بمزجة ... زجّ القلوص أبي مزاده
ويفهم من هذا الحديث: احترام الأمراء، وترك الاستطالة عليهم.
وقوله: (استرعي رعية)؛ أي: كلف رعيها ورعايتها، وهذا مثال مطابق
стр. 1802
فَشَرِبَت صَفوَهُ وَتَرَكَت كَدرَهُ، فَصَفوُهُ لَكُم وَكَدرُهُ عَلَيهِم.
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ عَوفٌ: فَقُلتُ: يَا خَالِدُ! أَمَا عَلِمتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلقَاتِلِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي استَكثَرتُهُ.
رواه أحمد (٦/ ٢٧)، ومسلم (١٧٥٣) (٤٣ و ٤٤)، وأبو داود (٢٧١٩ و ٢٧٢٠).
* * *
(٩) باب في التنفيل بالأسارى، وفداء المسلمين بهم
[١٢٧٣] عنُ سَلَمَةَ بن الأكوع، قَالَ: غَزَونَا فَزَارَةَ وَعَلَينَا أَبُو بَكرٍ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَينَا، فَلَمَّا كَانَ بَينَنَا وَبَينَ المَاءِ سَاعَةٌ، أَمَرَنَا أَبُو بَكرٍ فَعَرَّسنَا، ثُمَّ شَنَّ الغَارَةَ فَوَرَدَ المَاءَ، فَقَتَلَ مَن قَتَلَ عَلَيهِ وَسَبَى، وَأَنظُرُ إِلَى عُنُقٍ مِن النَّاسِ فِيهِم الذَّرَارِيُّ، فَخَشِيتُ أَن يَسبِقُونِي إِلَى الجَبَلِ، فَرَمَيتُ
ــ
للمتُمثل به من كل وجه.
و(الصفو): الصافي عن الكدر، وهو عبارة عما يأخذه الناس بالقسم.
و(الكدر): المتغير، وهو مثال لما يبقى للأمراء؛ لما يتعلق به من التبعات والحقوق. والله تعالى أعلم
(٩) ومن باب: التنفيل بالأسارى
التعريس: النزول من آخر الليل. و (شن الغارة): فرقها وأرسلها، وهو بالشين، فأما (سن الماء) فهو بالسين المهملة؛ أي: صبه. والعنق من الناس:
стр. 1803
بِسَهمٍ بَينهُم وَبَينَ الجَبَلِ، فَلَمَّا رَأَوا السَّهمَ وَقَفُوا، فَجِئتُ بِهِم أَسُوقُهُم وَفِيهِم امرَأَةٌ مِن بَنِي فَزَارَةَ، عَلَيهَا قَشعٌ مِن أَدَمٍ، (قَالَ: القَشعُ النِّطَعُ) مَعَهَا ابنَةٌ لَهَا مِن أَحسَنِ العَرَبِ، فَسُقتُهُم حَتَّى أَتَيتُ بِهِم أَبَا بَكرٍ فَنَفَّلَنِي أَبُو بَكرٍ ابنَتَهَا، فَقَدِمنَا المَدِينَةَ وَمَا كَشَفتُ لَهَا ثَوبًا، فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي السُّوقِ فَقَالَ: يَا سَلَمَةُ! هَب لِي المَرأَةَ. فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَاللَّهِ لَقَد أَعجَبَتنِي، وَمَا كَشَفتُ لَهَا ثَوبًا، ثُمَّ لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن الغَدِ فِي السُّوقِ فَقَالَ لِي: يَا سَلَمَةُ، هَب لِي المَرأَةَ لِلَّهِ أَبُوكَ. فَقُلتُ: هِيَ لك يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَوَاللَّهِ مَا كَشَفتُ لَهَا ثَوبًا، فَبَعَثَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَهلِ مَكَّةَ، فَفَدَى بِهَا نَاسًا مِن المُسلِمِينَ كَانُوا أُسِرُوا بِمَكَّةَ.
رواه أحمد (٤/ ٤٦)، ومسلم (١٧٥٥)، وأبو داود (٢٦٩٧)، وابن ماجه (٢٨٤٦).
* * *
ــ
الجماعة منهم. و (القشع): النَّطع، وفيه لغتان: كسر القاف وفتحها. وروي بالوجهين هنا، وفي البخاري.
وقوله: (فنفلني أبو بكر ابنتها)؛ أي: أعطانيها نافلة؛ أي: زيادة من الخمس على سهمه من الغنيمة، لما رأى من نجدته، وغنائه.
وقوله: (لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبًا)؛ يعني: أنه توقف عن الاستمتاع بها منتظر براءتها، أو إسلامها، وسيأتي في النكاح قول الحسن: إن عادة الصحابة كانت إذا سَبَوُا المرأة لم يقربوها حتى تُسلم وتطهّر (١).
وقوله: (فبعث بها رسول الله ﷺ إلى مكة ففدى بها ناسًا من المسلمين)
стр. 1804
(١٠) باب ما يخمس من الغنيمة وما لا يخمس وكم يسهم للفرس والرجل
[١٢٧٤] عن أبي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيُّمَا قَريَةٍ أَتَيتُمُوهَا، وَأَقَمتُم فِيهَا، فَسَهمُكُم فِيهَا، وَأَيُّمَا قَريَةٍ عَصَت اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ خُمُسَهَا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُم.
رواه أحمد (٢/ ٣١٧)، ومسلم (١٧٥٦)، وأبو داود (٣٠٣٦).
ــ
حجَّة على أبي حنيفة، حيث لم يجز للإمام المفاداة، ولا الفداء بالأسير، وعند مالك: أن الإمام مخيَّر في الأسارى بين خمس خصال: القتل، والاسترقاق، والمن، والفداء، والاستبقاء. وذلك هو الصحيح، بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ولأن النبي ﷺ فعل كل ذلك، فكان الأسارى مخصوصين من حكم الغنيمة بالتخيير. والله تعالى أعلم.
(١٠) ومن باب: ما يخمس من الغنيمة وما لا يخمس
قوله: (أيما قرية أتيتموها، وأقمتم فيها، فسهمكم فيها)؛ يعني بذلك - والله أعلم -: أن ما أجلي عنه العدو، أو صولحوا عليه، وحصل بأيدي المسلمين من غير قتال، فمن أقام فيه كان له سهم من العطاء. وليس المراد بالسَّهم هنا: أنها تخمس، فتقسم سهامًا؛ لأن هذا هو حكم القِسم الآخر الذي ذكره بعد هذا، حيث قال: (وأيما قرية عصت الله ورسوله فإن خمسها لله ورسوله، ثم هي لكم). تُقسم أخماسًا، فيكون الخمس لله ورسوله، وأربعة أخماسها لكم. يخاطب بذلك الغانمين. وهذا كما قال تعالى: ﴿وَاعلَمُوا أَنَّمَا غَنِمتُم مِن شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية. ولم يختلف العلماء في أن أربعة أخماس
стр. 1805
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الغنيمة تقسم بين الغانمين. وأعني بالغنيمة ما عدا الأرضين، فإن فيها خلافًا يذكر إن شاء الله تعالى.
وأما الأسرى ففيهم الخلاف المتقدم. وأما الخمس والفيء: فهل يقسم في أصناف، أو لا يقسم؟ وإنما هو موكول إلى نظر الإمام واجتهاده، فيأخذ منه حاجته من غير تقدير، ويعطي القرابة منه باجتهاده، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين. وهذا هو مذهب مالك، وبه قال الخلفاء الأربعة، وبه عملوا، وعليه يدل قوله ﷺ : (ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس) (١)، فإنه لم يقسمه أخماسًا، ولا أثلاثًا. وأما من قال: بأنه يقسم فقد اختلفوا، فمنهم من قال: يقسم (٢) على ستة أسهم: سهم لله، وسهم للرسول، وهكذا بقية الأصناف المذكورة في الآية. ثم منهم من قال: إن سهم الله يدفع للكعبة. وبه قال طاوس، وأبو العالية. ومنهم من قال: للمحتاج. وأما سهم رسول الله ﷺ فكان له في حياته، ثم هو للخليفة بعده. وقيل: يصرف في مصلحة الغزاة. وقيل: يرد على القرابة. وقال الشافعي: يقسم على خمسة. ورأى: أن سهم الله ورسوله واحد. ثم إنه يصرف في مصالح المسلمين. والأربعة الأخماس على الأربعة الأصناف المذكورين في الآية. وقال أبو حنيفة: يقسم على ثلاثة أسهم: سهم لليتامى، وسهم لابن السبيل، وسهم للمساكين، فأما سهم النبي ﷺ وسهم القرابة، فقد سقط؛ لأنه إنما كان لهم لغنائهم ونصرتهم؛ لأن رسول الله ﷺ لم يكن يأخذه لنبوته (٣). وأما ذكر الله في أول الآية: فهو على جهة التشريف لنبيه ﷺ لئلا يأنف من الأخذ. هذا نقل حُذاق المصنفين.
قلت: ولا شك في أن الآية ظاهرة في قسمة الخمس على ستة، ولولا
стр. 1806
[١٢٧٥] وعَن عُمَرَ قَالَ: كَانَت أَموَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِمَّا لَم يُوجِف عَلَيهِ المُسلِمُونَ بِخَيلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَت لِلنَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً،
ــ
ما استدل به لمالك من عمل الخلفاء على خلاف ظاهرها، لكان الأولى التمسُك بظاهرها، لكنهم ﵃ هم أعرف بالمقال، وأقعد بالحال، لا سيما مع تكرار هذا الحكم عليهم، وكثرته فيهم. فإنهم لم يزالوا آخذين للغنائم، قاسمين لها طوال مدتهم؛ إذ هي عيشهم، ومنها رزقهم، وبها قام أمرهم؛ فكيف يخفى عليهم أمرها، أو يشذ عنهم حكم من أحكامها؟ هذا ما لا يظنُّه بهم من يعرفهم.
وقوله: (كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله)؛ أفاء: أي: رد على رسوله من أموال الكفار. وهذا يدل على: أن الأموال إنما كانت للمسلمين بالأصالة، ثم صارت للكفار بغير الوجوه الشرعية، فكأنهم لم يملكوا ملكًا صحيحًا، لا سيما إذا تنزلنا على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، ومع ذلك فلهم شبهة الملك؛ إذ قد أضاف الله إليهم أموالًا؛ كما أضاف (١) إليهم أولادًا، فقال: ﴿فَلا تُعجِبكَ أَموَالُهُم وَلا أَولادُهُم﴾ وقد اتفق المسلمون على: أن الكافر إذا أسلم وبيده مال غير متعين للمسلمين كان له، لا ينتزعه أحدٌ منه بوجه من الوجوه. وسيأتي للمسألة مزيد بيان.
وقوله: (مما لم يوجف عليه)؛ أي: يسرع. والإيجاف: الإسراع، ووجيف الخيل: إسراعها. والرِّكاب: الإبل.
وقوله: (فكانت للنبي ﷺ خاصَّة)؛ هذا الحديث حجَّة لمالك على: أن الفيء لا يقسم، وإنما هو موكول لاجتهاد الإمام، والخلاف الذي ذكرناه في الخمس هو الخلاف هنا، فمالك لا يقسمه، وأبو حنيفة يقسمه أثلاثًا، والشافعي أخماسًا.
стр. 1807
فَكَانَ يُنفِقُ عَلَى أَهلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَمَا بَقِيَ جَعَلَهُ فِي الكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
رواه البخاري (٤٨٨٥)، ومسلم (١٧٥٧)(٤٨).
[١٢٧٦] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ: أَنَّ النبي ﷺ قَسَمَ فِي النَّفَلِ لِلفَرَسِ سَهمَينِ وَلِلرَّجُلِ سَهمًا.
ــ
وقوله: (فكان ينفق على أهله نفقة سنة)؛ أي: يعطيهم قوت سنتهم، كما في البخاري: (أنه ﷺ كان يبيع نخل بني النضير، ويحبس لأهله قوت سنتهم) (١). وأما لنفسه فما روي عنه ﷺ أنه ادخر، ولا احتكر؛ وإنما كان يفعل ذلك بأهله قيامًا لهم بحقوقهم. ودفعًا لمطالبتهم، ومع ذلك فكان أهله يتصدقن، وقلما يمسكن شيئا، ولذلك ما قد كان (٢) للنبي ﷺ ربما ينزل به الضيف فيطلب (٣) له شيئا في بيوت أزواجه، فلا يوجد عندهن شيء.
وفيه ما يدل على: جواز ادخار قوت العيال سنة، ولا خلاف فيه إذا كان من غلَّة المدخر، وأما إذا اشتراه من السُّوق، فأجازه قوم ومنعه آخرون إذا أضر بالناس. وهو مذهب مالك في الاحتكار مطلقًا.
و(الكراع): الخيل والإبل.
وقوله: (قسم رسول الله ﷺ في النَّفل للفرس سهمين وللرجل سهمًا)، رواه العذري، والخشني: للراجل -بألف- وغيرهما: بغير ألف. و (النَّفل): الغنيمة هنا؛ لأنها هي التي تقسم على الفارس والراجل بالسهام.
وهذا الحديث حجَّة لمالك، والجمهور على: أنه يقسم للفرس وراكبه ثلاثة
стр. 1808
رواه أحمد (٢/ ٢)، والبخاري (٢٨٦٣)، ومسلم (١٧٦٢)، وأبو داود (٢٧٣٣)، والترمذي (١٥٥٤)، وابن ماجه (٢٨٥٤).
* * *
ــ
أسهم، وللراجل سهم، لا سيما على رواية: (وللرجل) فإنه يريد به راكب الفرس، وأن الألف واللام فيه للعهد. وقد روي من طريق صحيح عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ أسهم لرجل وفرسه ثلاثة أسهم، سهمًا له، ولفرسه سهمين. ذكره أبو داود (١). وفي البخاري عن ابن عمر: جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا (٢). ومن جهة المعنى: إن مؤن الفارس أكثر (٣)، وغناؤه أعظم، فمن المناسب أن يكون سهمه أكثر من سهم الرَّاجل. وشذ أبو حنيفة فقال: يقسم للفرس كما يقسم للرَّجل. ولا أثر له يعضده، ولا قياس يعتمده، ولذلك خالفه في ذلك كبراء أصحابه، كأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وغيرهما.
وقد ذكر أبو بكر بن أبي شيبة من حديث ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قسم للفارس سهمين، وللراجل سهمًا (٤). والصحيح من حديث ابن عمر ما خرَّجه البخاري ومسلم، كما ذكرناه.
ثم اختلفوا هل يسهم (٥) لأكثر من فرس واحد، أو لا يسهم إلا لواحد؟ فقال مالك: لا يسهم إلا لفرس واحد؛ لأنه لا يقاتل إلا على فرس واحد، وما عداه إنما هو قوة، واستظهار.
وقال الجمهور، وابن وهب، وابن جهم - من أصحاب مالك -: يقسم لفرسين، ولم يقل أحدٌ: أنه يسهم لأكثر من فرسين، إلا شيئا روي عن سليمان بن موسى - وهو الأشدق -: أنه يسهم لمن عنده أفراس، لكل فرس سهمان، وهو شاذ.
стр. 1809
(١١) باب بيان ما يصرف فيه الفيء والخمس
[١٢٧٧] عن مَالِكَ بنَ أَوسٍ قَالَ: أَرسَلَ إِلَيَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فَجِئتُهُ حِينَ تَعَالَى النَّهَارُ قَالَ: فَوَجَدتُهُ فِي بَيتِهِ جَالِسًا عَلَى سَرِيرٍ، مُفضِيًا إِلَى رُمَالِهِ، مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ مِن أَدَمٍ، فَقَالَ لِي: يَا مَالُ! إِنَّهُ قَد دَفَّ أَهلُ أَبيَاتٍ مِن قَومِكَ، وَقَد أَمَرتُ فِيهِم بِرَضخٍ، فَخُذهُ فَاقسِمهُ بَينَهُم. قَالَ: قُلتُ: لَو أَمَرتَ بِهَذَا غَيرِي؟ قَالَ: خُذ يَا مَالُ! قَالَ: فَجَاءَ يَرفَا فَقَالَ: هَل لك يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ! فِي عُثمَانَ، وَعَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ، وَالزُّبَيرِ، وَسَعدٍ؟ فَقَالَ عُمَرُ: نَعَم، فَأَذِنَ لَهُم، فَدَخَلُوا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: هَل لك فِي عَبَّاسٍ، وَعَلِيٍّ؟ قَالَ: نَعَم، فَأَذِنَ لَهُمَا، فَقَالَ عَبَّاسٌ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ! اقضِ بَينِي وَبَينَ هَذَا الكَاذِبِ الآثِمِ الغَادِرِ الخَائِنِ، فَقَالَ القَومُ: أَجَل يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ!
ــ
(١١) ومن باب: ما يصرف فيه الفيء والخمس
(تعالى النهار): ارتفع. و (مفضيًا إلى رماله)؛ أي: لم يكن بينه وبين الحصير حائل يقيه آثار عيدانه، ورُمال الحصير: ما يؤثر في جنب المضطجع عليه. ورملت الحصير: نسجته، وقد تقدَّم.
و(مال) ترخيم مالك في النداء. و (دف أهل أبيات)؛ أي: نزلوا بهم مسرعين، محتاجين. وأصله من الدَّفيف، وهو: السَّير السَّريع، وكأن الذي تنزل به فاقة يسرع المشي لتنجلي عنه.
و(الرضخ) - بسكون الضاد -: هو العطية القليلة، غير المقدرة.
و(يرفى) مقصور، وهو مولى عمر وآذنه.
وقوله: (هل لك يا أمير المؤمنين في عثمان، وعبد الرحمن؟ ) في الكلام حذف، تقديره: هل لك إذن في هؤلاء؟
وقول العبَّاس: (اقض بيني وبين هذا الكاذب، الآثم، الغادر، الخائن)؛ قول
стр. 1810
فَاقضِ بَينَهُم وَأَرِحهُم، فَقَالَ مَالِكُ بنُ أَوسٍ: فُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّهُم قَد كَانُوا قَدَّمُوهُم لِذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: اتَّئِدَا، أَنشُدُكُم بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ
ــ
لم يرد به ظاهره؛ لأن عليًّا ﵁ منزه عن ذلك كله، مبرأ عنه قطعًا، ولو أراد ظاهره لكان محرَّمًا، ولاستحال على عمر، وعثمان، وعبد الرحمن، والزبير، وسعد، وهم المشهود لهم بالقيام بالحق وعدم المبالاة بمن يخالفهم فيه، فكيف يجوز عليهم الإقرار على المنكر؟ ! هذا ما لا يصح؛ وإنما هذا قول أخرجه من العبَّاس الغضب، وصولة سلطنة العمومة، فإن العم صنو الأب، ولا شكّ أن الأب إذا أطلق هذه الألفاظ على ولده؛ إنما يحمل ذلك منه على أنه قصد الإغلاظ، والرَّدع مبالغة في تأديبه، لا أنَّه موصوف بتلك الأمور، ثم انضاف إلى هذا: أنهم في محاجّة ولاية دينية، فكأن العباس يعتقد: أن مخالفته فيها لا تجوز، وأن المخالفة فيها تؤدي إلى أن يَتصف المخالف بتلك الأمور، فأطلقها ببوادر الغضب على هذه الأوجه، ولما علم الحاضرون ذلك لم ينكروه. والله تعالى أعلم.
وهذا التأويل أشبه ما ذكر في ذلك، وإلا فتَطريق الغلط لبعض النقلة لهذه القضية فيه بُعد لحفظهم، وشهرتهم، والذي اضطرنا إلى تقدير أحد الأمرين ما نعلمه من أحوال تلك الجماعة، ومن عظيم منازلهم في الدِّين، والورع، والفضل. كيف لا، وهم من هم ﵃، وحشرنا في زمرتهم.
و(أجل) بمعنى: نعم. و (اتَّئدوا) بمعنى: تثبتوا، وارفقوا.
وقول عمر: (أنشدكم الله)؛ أي: أقسم عليكم بالله، يخاطب الحاضرين.
وقوله ﷺ : (لا نورث، ما تركنا صدقة)؛ جميع الرواة لهذه اللفظة في الصحيحين وفي غيرهما يقولون: (لا نورث) - بالنون -، وهي نون جماعة الأنبياء، كما قال: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث) (١).
و(صدقة): مرفوع على أنه: خبر
стр. 1811
وَالأَرضُ، أَتَعلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا نُورَثُ، مَا تَرَكنَا صَدَقَةٌ؟
ــ
المبتدأ الذي هو: (ما تركنا)، والكلام جملتان: الأولى: فعلية، والثانية: اسمية. لا خلاف بين المحدثين في هذا. وقد صحَّفه بعض الشيعة، فقال: (لا يورث - بالياء - ما تركنا صدقة) - بالنصب -، وجعل الكلام جملة واحدة، على أن يجعل (ما) مفعولًا لما لم يسم فاعله. و (صدقة) ينصب على الحال. ويكون معنى الكلام: إنما نتركه صدقة لا يورث، وإنما فعلوا هذا، واقتحموا هذا المحرم، لما يلزمهم على رواية الجمهور من إفساد قولهم، ومذهبهم، أنهم يقولون: إن النبي ﷺ : يورث كما يورث غيره، متمسكين بعموم آية المواريث، معرضين عمَّا كان معلومًا عند الصحابة من الحديث الذي يدل على خصوصية النبي ﷺ : بأنه لا يورث.
وقد حكى الخطابي حكاية تدل على صحة مذهب أهل السُّنة، وعلى بطلان مذهب أهل البدع: حكي عن ابن الأعرابي: أن أبا العبَّاس السفاح قام في أول مقام قامه خطيبًا في قرية تسمى: العباسية بالأنبار، فحمد الله وأثنى عليه، فلما جاء عند الفراغ، قام إليه رجلٌ، وفي عنقه المصحف، فقال: يا أمير المؤمنين! أذكرك الله الذي ذكرته إلا ما قضيت لي على خصمي بما في كتاب الله. فقال: ومن خصمك؟ قال: أبو بكر الذي منع فاطمة فدك. فقال: هل كان بعده أحد؟ قال: نعم. قال: ومن؟ قال: عمر. قال: فأقام على ظلمكم؟ قال: نعم. قال: فهل كان بعده أحد؟ قال: نعم. قال: فمن؟ قال: عثمان. قال: فأقام على ظلمكم؟ قال: نعم. قال: فهل كان بعده أحد؟ قال: نعم. قال: فمن؟ قال: علي بن أبي طالب. قال: فأقام على ظلمكم؟ قال: فأسكت (١) الرجل، وجعل يلتفت يمينًا وشمالًا يطلب مخلصًا. فقال أبو العباس: والله الذي لا اله إلا هو لولا أنه أول مقام قمته، ولم أكن تقدمت إليك، لأخذت الذي فيه عيناك، اجلس. ثم أخذ في خطبته.
стр. 1812
قَالَوا: نَعَم، ثُمَّ أَقبَلَ عَلَى العَبَّاسِ، وَعَلِيٍّ، فَقَالَ: أَنشُدُكُمَا بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذنِهِ
ــ
وحاصل هذه الحكاية: أن الخلفاء ﵃ علموا وتحققوا صحَّة قول النبي ﷺ : (لا نورث، ما تركنا صدقة)، وعملوا على ذلك إلى أن انقرضت أزمانهم الكريمة بلا خلاف في ذلك.
فأما طلب فاطمة ميراثها من أبيها من أبي بكر، فكان ذلك قبل أن تسمع الحديث الذي دلَّ على خصوصية النبي ﷺ بذلك، وكانت متمسكة بما في كتاب الله من ذلك، فلما أخبرها أبو بكر بالحديث توقفت عن ذلك، ولم تعد عليه بطلب، وأما منازعة علي والعباس، فلم تكن في أصل الميراث، ولا طلبًا أن يتملكا ما ترك النبي ﷺ من أموال بني النضير لأربعة أوجه:
أحدها: أنهما قد كانا ترافعا إلى أبي بكر في ذلك، فمنعهما أبو بكر مستدلًا بالحديث الذي تقدَّم، فلما سمعاه أذعنا، وسكنا، وسلَّما، إلى أن توفي أبو بكر، وولي عمر، فجاءاه، فسألاه أن يوليَهُما على النظر فيها، والعمل بأحكامها، وأخذها من وجوهها، وصرفها في مواضعها، فدفعها إليهما على ذلك، وعلى ألا ينفرد أحدهما عن الآخر بعمل حتى يستشيره، ويكون معه فيه، فعملا كذلك إلى أن شق عليهما العمل فيها مجتمعين، فإنهما كانا بحيث لا يقدر أحدهما أن يستقل بأدنى عمل حتى يحضر الآخر، ويساعده، فلما شق عليهما ذلك، جاءا إلى عمر ﵁ ثانية، وهي هذه الكرة التي ذكرت هنا، يطلبان منه أن يقسمها بينهما، حتى يستقل كل واحد منهما بالنظر فيما يكون في يديه منها، فأبى عليهما عمر ذلك، وخاف إن فعل ذلك أن يظن ظانٌّ أن ذلك قسمة ميراث النبي ﷺ ، فيعتقد بطلان قوله: (لا نورث)، لا سيما لو قسمها نصفين، (فإن ذلك كان يكون موافقًا لسنة القسم في المواريث؛ فإن من ترك بنتًا، وعمًا، كان المال بينهما نصفين) (١): للبنت النصف بالفرض، وللعم النصف بالتعصيب. فمنع ذلك عمر
стр. 1813
تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرضُ، أَتَعلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا نُورَثُ، مَا تَرَكنَا
ــ
حسمًا للذريعة، وخوفًا من ذهاب حكم قوله: (لا نورث).
والوجه الثاني: أن عليًّا لما ولي الخلافة لم يغيرها عما عُمل فيها في عهد أبي بكر، وعمر، وعثمان، ولم يتعرض لتملكها، ولا لقسمة شيء منها، بل كان يصرفها في الوجوه التي كان من قبله يصرفها فيها، ثم كانت بيد حسن بن علي، ثم بيد حسين بن علي، ثم بيد علي بن الحسين، ثم بيد الحسين بن الحسن، ثم بيد زيد بن الحسن، ثم بيد عبد الله بن الحسن، ثم تولاها بنو العباس على ما ذكره أبو بكر البرقاني في صحيحه. وهؤلاء كبراء أهل البيت ﵃، وهم معتمد الشيعة وأئمتهم، لم يُرو عن واحد منهم: أنه تملكها، ولا ورثها، ولا ورثت عنه، فلو كان ما يقوله الشيعة حقًّا لأخذها علي، أو أحدٌ من أهل بيته لما ظفروا بها، ولَم فلا.
والوجه الثالث: اعتراف علي والعبَّاس بصحة قوله ﷺ : (لا نورث، ما تركنا صدقة)، وبعلم ذلك حين سألهما عن علم ذلك، ثم إنهما أذعنا، وسلَّما، ولم يبديا - ولا أحد منهما - في ذلك اعتراضًا، ولا مدفعًا، ولا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول: إنهما اتقيا (١) على أنفسهما، لما يعلم من صلابتهما في الدين، وقوتهما فيه، ولما يعلم من عدل عمر، وأيضًا: فإن المحل محل مناظرة، ومباحثة عن حكم مال من الأموال، ليس فيه ما يفضي إلى شيء مما يقوله أهل الهذيان من الشيعة. ثم الذي يقطع دابر العناد ما ذكرناه من تمكن علي وأهل بيته من الميراث، ولم يأخذوه، كما قلناه.
والوجه الرابع: نصّ قول عمر لهما، وحكايته عنهما في آخر الحديث، حيث قال لهما: (ثم جئتني أنت وهذا، وأنتما جميع، وأمركما واحد، فقلتم: ادفعها
стр. 1814
صَدَقَةٌ؟ قَالَا: نَعَم، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ ﷺ بِخَاصَّةٍ لَم يُخَصِّص بِهَا أَحَدًا غَيرَهُ، قَالَ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِن أَهلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ مَا أَدرِي هَل قَرَأَ الآيَةَ الَّتِي قَبلَهَا أَم لَا، قَالَ: فَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَينَكُم أَموَالَ بَنِي النَّضِيرِ، فَوَاللَّهِ مَا استَأثَرَ عَلَيكُم وَلَا أَخَذَهَا دُونَكُم، حَتَّى بَقِيَ هَذَا المَالُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأخُذُ مِنهُ نَفَقَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَجعَلُ مَا بَقِيَ أُسوَةَ المَالِ، ثُمَّ قَالَ: أَنشُدُكُم اللَّه الَّذِي بِإِذنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرضُ، أَتَعلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالَوا: نَعَم، ثُمَّ نَشَدَ عَلِيًّا وعَبَّاسًا، بِمِثلِ مَا نَشَدَ بِهِ القَومَ: أَتَعلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَم، قَالَ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ
ــ
إلينا، فقلت: إن شئتم دفعتها إليكما، على أن عليكما عهد الله أن تعملا فيها بالذي كان يعمل رسول الله ﷺ ، فأخذتماها بذلك، قال: أكذلك؟ قالا: نعم). وهذه نصوص منهم على صحة ما ذكره.
وإنما طوَّلنا الكلام في هذا الموضع لاستشكال كثير من الناس لهذا الحديث، وللآتي بعده، ولخوض الشيعة في هذا الموضع (١)، ولتقوّلهم فيه بالعظائم على الخلفاء البررة الحنفاء.
وقول عمر: (إن الله خصَّ رسوله بخاصة لم يخصص بها أحدًا غيره). يعني بذلك أن الله جعل النظر (٢) لرسول الله ﷺ خاصة دون غيره ممن كان معه من ذلك الجيش، كما رواه ابن وهب عن مالك (٣)، ورواه أيضا ابن القاسم عنه.
стр. 1815
أَبُو بَكرٍ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ- ﷺ ، فَجِئتُمَا تَطلُبُ مِيرَاثَكَ مِن ابنِ أَخِيكَ، وَيَطلُبُ هَذَا مِيرَاثَ امرَأَتِهِ مِن أَبِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا نُورَثُ، مَا تَرَكنَا صَدَقَةٌ. فَرَأَيتُمَاهُ كَاذِبًا آثِمًا غَادِرًا خَائِنًا، وَاللَّهُ يَعلَمُ إِنَّهُ لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلحَقِّ، ثُمَّ تُوُفِّيَ أَبُو بَكرٍ وَأَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَوَلِيُّ أَبِي بَكرٍ، فَرَأَيتُمَانِي كَاذِبًا آثِمًا غَادِرًا خَائِنًا، وَاللَّهُ يَعلَمُ إِنِّي لَصَادِقٌ بَارٌّ تَابِعٌ لِلحَقِّ فَوَلِيتُهَا، ثُمَّ جِئتَنِي أَنتَ وَهَذَا وَأَنتُمَا جَمِيعٌ، وَأَمرُكُمَا وَاحِدٌ، فَقُلتُم: ادفَعهَا إِلَينَا، فَقُلتُ: إِن شِئتُم دَفَعتُهَا إِلَيكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيكُمَا عَهدَ اللَّهِ أَن تَعمَلَا فِيهَا بِالَّذِي كَانَ يَعمَلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخَذتُمَاهَا بِذَلِكَ، قَالَ: أَكَذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَم، قَالَ: ثُمَّ جِئتُمَانِي لِأَقضِيَ بَينَكُمَا، وَلَا وَاللَّهِ لَا أَقضِي بَينَكُمَا بِغَيرِ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِن عَجَزتُمَا عَنهَا فَرُدَّاهَا إِلَيَّ.
رواه أحمد (١/ ٢٥)، والبخاري (٥٣٥٧)، ومسلم (١٧٥٧)(٤٩)، وأبو داود (٢٩٦٤)، والترمذي (١٦١٠)، والنسائي (٧/ ١٣٦ - ١٣٧).
* * *
ــ
وقول عمر: (والله لا أقضي بينكما بغير ذلك)؛ أي: لا أولي أحدكما على جزء منها، والآخر على جزء آخر. وهذا هو الذي طلبا على ما قررناه.
وقوله: (فإن عجزتما عنها)؛ أي: عن القيام بها مجتمعين، كما قررناه.
وفي هذا الحديث أبواب من الفقه لا تخفى على متأمّل فطن.
* * *
стр. 1816
(١٢) باب تصدق رسول الله ﷺ بما وصل إليه من الفيء ومن سهمه
[١٢٧٨] عَن عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرسَلَت إِلَى أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ تَسأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيهِ بِالمَدِينَةِ من الفيء، وَفَدَكٍ، وَمَا بَقِيَ مِن خُمسِ خَيبَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
ــ
(١٢) ومن باب: تصدق رسول الله ﷺ بما وصل إليه من الفيء والخمس
سيأتي العذر لفاطمة عن طلبها ميراثها من رسول الله ﷺ بعد هذا.
وقوله: (مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك)؛ كانت الأراضي التي تصدق بها رسول الله ﷺ تصيرت إليه بثلاثة طرق:
أحدها: ما وصى له به عند موته مُخَيريق اليهودي لما أسلم يوم أحد، وكانت سبعة حوائط في بني النضير. وما أعطاه الأنصار من أرضيهم.
والثاني: حقه من الفيء من سائر أرض بني النضير، حين أجلاهم، وكذلك نصف أرض فدك، صالح أهلها على النصف بعد حنين، وكذلك ثلث أرض وادي القرى، صالح عليه يهود، وكذلك حصنان من حصون خيبر: الوطيح، والسلالم: أحدهما صلح، وأجلى أهلها.
والثالث: سهمه من خمس خيبر، وما افتتح منه عنوة، وهو حصن الكتيبة، خرج كله في خمس الغنيمة منها، وأقسم الناس سائرها؛ حكاه أبو الفضل عياض.
فهذه الأراضي التي وصلت إلى رسول الله ﷺ ، كان يأخذ منها حاجة عياله، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين. وهي التي تصدق بها، حيث قال: (ما تركت
стр. 1817
قَالَ: لَا نُورَثُ، مَا تَرَكنَا صَدَقَةٌ. إِنَّمَا يَأكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي هَذَا المَالِ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيئًا مِن صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَن حَالِهَا الَّتِي كَانَت عَلَيهَا فِي عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَأَعمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَبَى أَبُو بَكرٍ أَن يَدفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ شَيئًا، فَوَجَدَت فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكرٍ فِي ذَلِكَ، قَالَ: فَهَجَرَتهُ، فَلَم تُكَلِّمهُ حَتَّى تُوُفِّيَت، وَعَاشَت بَعدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
ــ
بعد نفقة نسائي، ومؤونة (١) عاملي فهو صدقة) (٢). فلما مات ﷺ عمل فيه أبو بكر ﵁ كذلك، ثم عمر، ثم عثمان، غير أنه يُروى: أن عثمان أقطع مروان فدك، وهو مما نُقم على عثمان. قال الخطابي: لعل عثمان تأول قول رسول الله ﷺ : (إذا أطعم الله نبيًا طُعمةً فهي للذي يقوم من بعده) (٣)، فلما استغنى عثمان عنها بماله، جعلها لأقربائه.
قلت: وأولى من هذا: أن يقال: لعل عثمان دفعها له على جهة المساقاة، وخفي وجه ذلك على الراوي، فقال: أقطع. والله تعالى أعلم.
وقوله: (إنما يأكل آل محمد في هذا المال)؛ يعني هنا بآل محمد: نساءه، كما قال في الحديث الآخر: (ما تركت بعد نفقة نسائي).
وقوله: (فأبى أبو بكر أن يدفع لفاطمة شيئا، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته، فلم تكلمه)؛ لا يظن بفاطمة ﵂ أنها اتهمت أبا بكر فيما ذكره عن رسول الله ﷺ ، لكنها ﵂ عظم عليها ترك العمل بالقاعدة الكلية، المقررة بالميراث، المنصوصة في القرآن، وجوّزت السهو والغلط على أبي بكر، ثم إنها لم تلتق بأبي بكر لشغلها بمصيبتها برسول الله ﷺ ،
стр. 1818
سِتَّةَ أَشهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَت دَفَنَهَا زَوجُهَا عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ لَيلًا، وَلَم يُؤذِن بِهَا أَبَا بَكرٍ، وَصَلَّى عَلَيهَا عَلِيٌّ، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِن النَّاسِ جِهَةٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَت استَنكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَم يَكُن بَايَعَ تِلكَ الأَشهُرَ، فَأَرسَلَ إِلَى أَبِي بَكرٍ: أَن ائتِنَا وَلَا يَأتِنَا مَعَكَ أَحَدٌ
ــ
ولملازمتها بيتها، فعبَّر الراوي عن ذلك بالهجران، وإلا فقد قال رسول الله ﷺ : (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) (١)، وهي أعلم الناس بما يحل من ذلك ويحرم، وأبعد الناس عن مخالفة رسول الله ﷺ ، كيف لا يكون كذلك وهي بضعة من رسول الله ﷺ ، وسيدة نساء أهل الجنة؟
ودفنُ علي لفاطمة ليلًا، يحتمل أن يكون ذلك مبالغة في صيانتها، وكونه لم يؤذن أبا بكر بها؛ لعله إنما لم يفعل ذلك لأن غيرَه قد كفاه ذلك، أو خاف أن يكون ذلك من باب النعي المنهي عنه، وليس في الخبر ما يدل على: أن أبا بكر لم يعلم بموتها، ولا صلَّى عليها، ولا شاهد جنازتها، بل اللائق بهم، المناسب لأحوالهم حضور جنازتها، واغتنام بركتها، ولا تسمع أكاذيب الرَّافضة المبطلين، الضالين، المضلين.
وقوله: (وكان لعلي من الناس جهة حياة فاطمة)؛ جهة؛ أي: جاه واحترام، كان الناس يحترمون عليًّا في حياتها كرامة لها؛ لأنها بضعة من رسول الله ﷺ ، وهو مباشر لها، فلما ماتت وهو لم يبايع أبا بكر، انصرف الناس عن ذلك الاحترام، ليدخل فيما دخل فيه الناس، ولا يفرق جماعتهم. ألا ترى أنه لما بايع أبا بكر أقبل الناس عليه بكل إكرام وإعظام؟ !
وقوله: (ولم يكن علي بايع تلك الأشهر)؛ يعني: الستة الأشهر التي عاشتها
стр. 1819
كَرَاهِيَةَ مَحضَرِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكرٍ: وَاللَّهِ لَا تَدخُل عَلَيهِم وَحدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: وَمَا عَسَاهُم أَن يَفعَلُوا بِي؟ إِنِّي وَاللَّهِ لَآتِيَنَّهُم، فَدَخَلَ عَلَيهِم أَبُو بَكرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّا قَد عَرَفنَا يَا أَبَا بَكرٍ فَضِيلَتَكَ، وَمَا أَعطَاكَ اللَّهُ، وَلَم نَنفَس عَلَيكَ خَيرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيكَ، وَلَكِنَّكَ استَبدَدتَ عَلَينَا بِالأَمرِ، وَكُنَّا نَحنُ نَرَى لَنَا حَقًّا لِقَرَابَتِنَا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَم يَزَل يُكَلِّمُ أَبَا بَكرٍ حَتَّى فَاضَت عَينَا أَبِي بَكرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ أَن أَصِلَ مِن قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَينِي وَبَينَكُم مِن هَذِهِ الأَموَالِ، فَإِنِّي لَم آلُ فِيهَا عَن الحَقِّ، وَلَم أَترُك أَمرًا رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكرٍ: مَوعِدُكَ العَشِيَّةُ لِلبَيعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكرٍ صَلَاةَ الظُّهرِ، رَقِيَ عَلَى المِنبَرِ، فَتَشَهَّدَ وَذَكَرَ شَأنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَن البَيعَةِ، وَعُذرَهُ بِالَّذِي اعتَذَرَ إِلَيهِ، ثُمَّ استَغفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكرٍ، وَأَنَّهُ لَم يَحمِلهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكرٍ، وَلَا إِنكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا كُنَّا نَرَى لَنَا فِي الأَمرِ نَصِيبًا، فَاستُبِدَّ عَلَينَا بِهِ، فَوَجَدنَا فِي أَنفُسِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ المُسلِمُونَ. وَقَالَوا: أَصَبتَ، فَكَانَ المُسلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا حِينَ رَاجَعَ الأَمرَ المَعرُوفَ.
ــ
فاطمة ﵂ بعد رسول الله ﷺ ، ولا يظن بعلي أنه خالف الناس في البيعة، لكنه تأخر عن الناس لمانعٍ منعه، وهو الموجدة التي وجدها حيث استُبِدَّ بمثل هذا الأمر العظيم، ولم يُنتظر مع أنه كان أحق الناس بحضوره، وبمشورته لكن العذر للمبايعين لأبي بكر على ذلك الاستعجال مخافة ثوران الفتنة بين المهاجرين والأنصار، كما هو معروف في حديث السقيفة، فسابقوا الفتنة، فلم يتأت لهم انتظاره لذلك، وقد جرى بينهم في هذا المجلس من المحاورة
стр. 1820
وَفَي رِوَايِةٍ: وَكَانَت فَاطِمَةُ تَسأَلُ أَبَا بَكرٍ نَصِيبَهَا مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن خَيبَرَ، وَفَدَكٍ، وَصَدَقَتِهِ بِالمَدِينَةِ، فَأَبَى أَبُو بَكرٍ عَلَيهَا ذَلِكَ، وَقَالَ: لَستُ تَارِكًا شَيئًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعمَلُ بِهِ إِلَّا عَمِلتُ بِهِ، إِنِّي أَخشَى إِن تَرَكتُ شَيئًا مِن أَمرِهِ أَن أَزِيغَ، فَأَمَّا صَدَقَتُهُ بِالمَدِينَةِ فَدَفَعَهَا عُمَرُ إِلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ، فَغَلَبَهُ عَلَيهَا عَلِيٌّ، وَأَمَّا خَيبَرُ وَفَدَكُ، فَأَمسَكَهُمَا عُمَرُ، وَقَالَ: هُمَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كَانَتَا لِحُقُوقِهِ الَّتِي تَعرُوهُ، وَنَوَائِبِهِ، وَأَمرُهُمَا إِلَى مَن وَلِيَ الأَمرَ، قَالَ: فَهُمَا عَلَى ذَلِكَ إِلَى اليَومِ.
رواه أحمد (١/ ١٠)، والبخاري (٤٢٤٥) و (٤٢٤١)، ومسلم (١٧٥٩) (٥٢ و ٥٤)، وأبو داود (٢٩٦٨).
* * *
ــ
والمكالمة، والإنصاف ما يدل: على معرفة بعضهم بفضل بعض، وأن قلوبهم متفقة على احترام بعضهم لبعض، ومحبة بعضهم لبعضٍ ما يشرق به الرافضي اللعين، وتُشرق قلوب أهل الدِّين.
والنفاسة هنا: الحسد. و (أزيغ): أميل عن الحق.
وقوله: (فغلبه عليها علي)؛ يعني: على الولاية عليها، والقيام بها. وكأن العباس رأى عليًّا أقوى عليها، وأضلع بها، فلم يعرض له بسببها، فعبَّر الراوي عن هذا بالغلبة، وفيه بُعد.
و(تعروه): تنزل به.
وقوله: (قال: فهما على ذلك إلى اليوم)؛ يعني: إلى يوم حدَّث الراوي بهذا الحديث، وقد ذكرنا زيادة البُرقاني في هذا المعنى.
وفي هذا الحديث أبواب من الفقه لا تخفى.
стр. 1821
(١٣) باب الإمام مُخيَّر في الأسارى وذكر وقعة يوم بدر، وتحليل الغنيمة
[١٢٧٩] عن عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَومُ بَدرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى المُشرِكِينَ وَهُم أَلفٌ، وَأَصحَابُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وسبعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاستَقبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ القِبلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيهِ فَجَعَلَ يَهتِفُ بِرَبِّهِ: اللَّهُمَّ أَنجِز لِي مَا وَعَدتَنِي! اللَّهُمَّ آتِني مَا وَعَدتَنِي، اللَّهُمَّ إنك إِن تُهلِك هَذِهِ العِصَابَةَ مِن أَهلِ الإِسلَامِ لَا تُعبَد فِي الأَرضِ.
ــ
(١٣) ومن باب: الإمام مُخيَّر في الأسارى
(بدر): اسم بئر لرجل يقال له: بدر، فسُمِّي البئر به. قاله الشافعي.
وقوله: (وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وسبعة عشر)؛ هذه رواية شاذّة، والمشهور بين أهل التواريخ: أن جميع من شهد بدرًا مع من ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره في عدد ابن إسحاق: ثلاثمائة وأربعة عشر. وفي عدد موسى بن عقبة: ثلاثمائة وستة عشر.
وقوله: (فجعل يهتف بربه)؛ أي: يرفع صوته. يقال: هتف يهتف: إذا رفع صوته بدعاء أو غيره.
وقوله: (اللهم أنجز لي ما وعدتني)؛ أي: عجِّل لي ما وعدتني من النصر، وكأنه ﷺ لم يبين له وقت نصره، فطلب تعجيله.
وقوله: (اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض)؛ العصابة: الجماعة من الناس. واعصَوصَب القوم: صاروا عصابة،
стр. 1822
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعصب القوم بفلان؛ أي: أحاطوا به، ومنه سُميت قرابة الرَّجل: عصبة (١). وقد أشكل هذا الحديث على طوائف من العلماء. ووجه الإشكال: أنه ﷺ أشار إلى أصحابه من أهل بدر، مع أنه قد كان قد انتشر الإسلام بمكة والمدينة، وكثر أهله في مواضع كثيرة، بحيث يكون أهل بدر بالنسبة إليهم قليلًا، وعلى هذا تقدير هلاك هؤلاء المشار إليهم، فيبقى من كان من المسلمين بالمدينة ومكة وغيرهما من المواضع التي أسلم أهلها. ولو لم يكن في الوجود مسلم غير أهل بدر تقديرًا، ففي الإمكان إيجاد قوم آخرين يعبدون الله، والقدرة صالحة لذلك، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوا يَستَبدِل قَومًا غَيرَكُم ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمثَالَكُم﴾ وإذا كانت قدرة الله صالحة لهذا، فمن أين يجزم بذلك؟ ومن أين يلزم من هلاك هؤلاء عدم عبادة الله تعالى في الأرض؟
وقد رسخ هذا الإشكال عند بعض المتشدِّقين وقال: إنها بادرة بدرت من رسول الله ﷺ ، وقدَّر معاتبةً له من الله تعالى على ذلك في كلام تفاصح فيه، فعدّ ذلك من زلَاّت هذا القائل؛ إذ قد جهل من حال رسول الله ﷺ ما نزهه الله عنه بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى﴾ وقد قال حين قال له عبد الله بن عمرو: أنكتب عنك في السخط والرضا (٢)؟ قال: (نعم، لا ينبغي لي أن أقول إلَاّ حقًّا) (٣).
وقد انفصل أهل التحقيق عن ذلك بأوجهٍ:
أحدها: أنه يحتمل أن يكون قال ذلك عن وحي أوحي إليه بذلك، فمن الجائز أن يكون: لو هلكت تلك العصابة في ذلك الوقت على يدي عدوهم؛ أن
стр. 1823
فَمَا زَالَ يَهتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيهِ مُستَقبِلَ القِبلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَن مَنكِبَيهِ،
ــ
يفتتن غيرهم، فلا يبقى على الأرض مسلم يعبد الله، ثم لا يبعث نبي آخر، وتنقطع العبادة.
وثانيها: أن هذا اللفظ وهم من بعض الرُّواة في حديث عُمَر؛ إذ قد روي هذا الحديث من جهات متعددة من حديث أنس وابن عباس، وليس فيها هذا اللفظ، وإنما فيها: (اللهم إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض) (١).
وثالثها: أن هذه العصابة ليس المراد بها الحاضرين في بدر فقط، بل المسلمين كلهم في المدينة وغيرها. وسماهم عصابة بالنسبة إلى كثرة عدوهم، كما قال ﷺ : (عُصيبة من المسلمين يفتتحون البيت الأبيض، بيت كسرى) (٢). فقلّلهم بالنسبة إلى عدوهم، فكأنه ﷺ لما علم أنه لا نبي بعده، وقدَّر في نفسه الهلاك عليه وعلى كل من آمن به، ونظر إلى سنة الله في العبادة التي لا تُتلقّى إلا من جهة الأنبياء، لزم من ذلك نفي العبادة جزمًا، والله تعالى أعلم. وهذا أحسن الأوجه، وأولاها.
وقوله: (فما زال يهتف بربه، مادًّا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه)؛ هذا منه ﷺ قيام بوظيفة ذلك الوقت من الدُّعاء والالتجاء إلى الله تعالى، وتعليم لأمته ما يلجؤون إليه عند الشدائد والكرب الواقعة بهم، فإن ذلك الوقت كان وقت اضطرار وشدة، وقد وعد الله المضطر بالإجابة، حيث قال: ﴿أَمَّن يُجِيبُ المُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكشِفُ السُّوءَ﴾؛ يعني: عن المضطر عند الدُّعاء، فقام بعبادة ذلك الوقت، ولا يلزم من اجتهاده في الدعاء في ذلك الوقت أن يكون ارتاب في: أن الله سينجز له ما وعده به، كما ظهر مما وقع لأبي بكر
стр. 1824
فَأَتَاهُ أَبُو بَكرٍ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلقَاهُ عَلَى مَنكِبَيهِ، ثُمَّ التَزَمَهُ مِن وَرَائِهِ
ــ
﵁؛ حيث قال له: (كفاك مناشدتك ربك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك). كما لا يلزم من دعائه في أن يدخله الله الجنة، وينجيه من النار، ويغفر له ذنوبه أن يكون في شك من شيء من ذلك، فإن الله قد أعلمه قطعًا أنه يدخله الجنة وينجيه من النار، ويغفر له (١)، لكنه قام بحق العبودية من إظهار الفاقة، وامتثال العبادة؛ فإن الدعاء مخ العبادة، فقلبه ﷺ مستغرق بمعرفة الواعد، وإنجاز الموعود، ولسانه وجوارحه مستغرقة بالقيام بحق عبادة المعبود، فقام في كل جارحة بوظيفتها، ولكل عبادة بحقيقتها.
وسقوط ردائه ﷺ عن منكبيه أوجبه غيبته عن ظاهره بما وجده في باطنه. وردُّ أبي بكر ﵁ رداء رسول الله ﷺ على منكبيه بعد سقوطه أوجبه؛ مراعاة أبي بكر ﵁ أحوال رسول الله ﷺ حتى تنحفظ عليه محاسن آدابه والتزامه إيَّاه، وتثبيته له بما قاله له؛ أوجبه فرط محبته، وشفقته، وقصرُ نظره على ظاهره، مع ذهوله عما استغرقه من ذلك عن الالتفات إلى ما ذكرناه من المعاني والأسرار التي لاحت للنبي ﷺ في باطنه.
ولا يظن أحدٌ أن أبا بكر ﵁ كان في تلك الحالة أقوى من النبي ﷺ وأوثق بما وعده الله به من النصر، فإن ذلك ظن من لا يعرف محمدا ﷺ حق معرفته، ولا قدره حق قدره. وكيف يصير إلى غير هذا المعنى من سمع قوله في الغار ويوم سراقة: لَا تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا، وكيف يظن ذلك من يعلم أن رسول الله ﷺ سيد ولد آدم، وأكملهم وأقواهم، ولو وزن بجميع أمته لرجحهم؟ وبلا شك أن الأنبياء أفضل الناس، وأعلمهم بالله وبحدوده. ولا شك في: أنه ﷺ أفضل الأنبياء وأكملهم. وإذا كانت هذه حاله مع
стр. 1825
وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنجِزُ لك مَا وَعَدَكَ، فَأَنزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿إِذ تَستَغِيثُونَ رَبَّكُم فَاستَجَابَ لَكُم أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُردِفِينَ﴾
ــ
الأنبياء، فحاله مع من ليس بنبي أعلى وأكمل، وهو فيها أقوى. وكيف لا يكون حاله في هذه القصة أتم، وأقوى من حال أبي بكر؛ وقبل ذلك الوقت بيسير كان قد أخبر أصحابه: بأن الله ينصره على عدوه ذلك، حتى (١) أراهم مصارعَهُم واحدًا واحدًا باسمه وعينه، فكان الأمر كما ذكر، فثبت ما قلناه.
وقوله: (كفاك مناشدتك ربك)؛ هكذا رواية العذري: (كفاك) -بالفاء- ورواية الكافة: (كذاك مناشدتك ربك). ورواه البخاري: (حسبك). وكلها متقاربة، إلا أن: (كذاك)، بابها باب الإغراء، كـ (إليك)، كما أنشدوا:
يقلن وقد تلاحقت المطايا ... كذاك القول إنَّ عليك عينًا
والرواية: (مناشدتك) بالرفع على أنه فاعل ما في كفاك، وكذاك من معنى الفعل. وقد ضبط عن أبي بحر بالنصب على المفعول، ويكون الفاعل مضمرًا في الأمر المقدَّر الذي ناب (كذاك) عنه.
وقوله تعالى: ﴿إِذ تَستَغِيثُونَ رَبَّكُم﴾؛ أي: تطلبون منه الغوث، وهو النصر: ﴿فَاستَجَابَ لَكُم﴾؛ أي: أجاب. ﴿مُمِدُّكُم﴾: مقوِّيكم ومعينكم. ﴿مُردِفِينَ﴾ - بفتح الدال - اسم مفعول؛ أي: أردف الله بهم المسلمين. وبكسر الدال: اسم فاعل. قال أبو علي: يحتمل وجهين:
أحدهما: مردفين مثلهم. يقال: أردفت زيدًا دابتي، فيكون المفعول الثاني محذوفًا.