(١٣) باب الإمام مُخيَّر في الأسارى وذكر وقعة يوم بدر، وتحليل الغنيمة
[١٢٧٩] عن عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَومُ بَدرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى المُشرِكِينَ وَهُم أَلفٌ، وَأَصحَابُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وسبعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاستَقبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ القِبلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيهِ فَجَعَلَ يَهتِفُ بِرَبِّهِ: اللَّهُمَّ أَنجِز لِي مَا وَعَدتَنِي! اللَّهُمَّ آتِني مَا وَعَدتَنِي، اللَّهُمَّ إنك إِن تُهلِك هَذِهِ العِصَابَةَ مِن أَهلِ الإِسلَامِ لَا تُعبَد فِي الأَرضِ.
ــ
(١٣) ومن باب: الإمام مُخيَّر في الأسارى
(بدر): اسم بئر لرجل يقال له: بدر، فسُمِّي البئر به. قاله الشافعي.
وقوله: (وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وسبعة عشر)؛ هذه رواية شاذّة، والمشهور بين أهل التواريخ: أن جميع من شهد بدرًا مع من ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره في عدد ابن إسحاق: ثلاثمائة وأربعة عشر. وفي عدد موسى بن عقبة: ثلاثمائة وستة عشر.
وقوله: (فجعل يهتف بربه)؛ أي: يرفع صوته. يقال: هتف يهتف: إذا رفع صوته بدعاء أو غيره.
وقوله: (اللهم أنجز لي ما وعدتني)؛ أي: عجِّل لي ما وعدتني من النصر، وكأنه ﷺ لم يبين له وقت نصره، فطلب تعجيله.
وقوله: (اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض)؛ العصابة: الجماعة من الناس. واعصَوصَب القوم: صاروا عصابة،
стр. 1822
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعصب القوم بفلان؛ أي: أحاطوا به، ومنه سُميت قرابة الرَّجل: عصبة (١). وقد أشكل هذا الحديث على طوائف من العلماء. ووجه الإشكال: أنه ﷺ أشار إلى أصحابه من أهل بدر، مع أنه قد كان قد انتشر الإسلام بمكة والمدينة، وكثر أهله في مواضع كثيرة، بحيث يكون أهل بدر بالنسبة إليهم قليلًا، وعلى هذا تقدير هلاك هؤلاء المشار إليهم، فيبقى من كان من المسلمين بالمدينة ومكة وغيرهما من المواضع التي أسلم أهلها. ولو لم يكن في الوجود مسلم غير أهل بدر تقديرًا، ففي الإمكان إيجاد قوم آخرين يعبدون الله، والقدرة صالحة لذلك، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوا يَستَبدِل قَومًا غَيرَكُم ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمثَالَكُم﴾ وإذا كانت قدرة الله صالحة لهذا، فمن أين يجزم بذلك؟ ومن أين يلزم من هلاك هؤلاء عدم عبادة الله تعالى في الأرض؟
وقد رسخ هذا الإشكال عند بعض المتشدِّقين وقال: إنها بادرة بدرت من رسول الله ﷺ ، وقدَّر معاتبةً له من الله تعالى على ذلك في كلام تفاصح فيه، فعدّ ذلك من زلَاّت هذا القائل؛ إذ قد جهل من حال رسول الله ﷺ ما نزهه الله عنه بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى﴾ وقد قال حين قال له عبد الله بن عمرو: أنكتب عنك في السخط والرضا (٢)؟ قال: (نعم، لا ينبغي لي أن أقول إلَاّ حقًّا) (٣).
وقد انفصل أهل التحقيق عن ذلك بأوجهٍ:
أحدها: أنه يحتمل أن يكون قال ذلك عن وحي أوحي إليه بذلك، فمن الجائز أن يكون: لو هلكت تلك العصابة في ذلك الوقت على يدي عدوهم؛ أن
стр. 1823
فَمَا زَالَ يَهتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيهِ مُستَقبِلَ القِبلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَن مَنكِبَيهِ،
ــ
يفتتن غيرهم، فلا يبقى على الأرض مسلم يعبد الله، ثم لا يبعث نبي آخر، وتنقطع العبادة.
وثانيها: أن هذا اللفظ وهم من بعض الرُّواة في حديث عُمَر؛ إذ قد روي هذا الحديث من جهات متعددة من حديث أنس وابن عباس، وليس فيها هذا اللفظ، وإنما فيها: (اللهم إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض) (١).
وثالثها: أن هذه العصابة ليس المراد بها الحاضرين في بدر فقط، بل المسلمين كلهم في المدينة وغيرها. وسماهم عصابة بالنسبة إلى كثرة عدوهم، كما قال ﷺ : (عُصيبة من المسلمين يفتتحون البيت الأبيض، بيت كسرى) (٢). فقلّلهم بالنسبة إلى عدوهم، فكأنه ﷺ لما علم أنه لا نبي بعده، وقدَّر في نفسه الهلاك عليه وعلى كل من آمن به، ونظر إلى سنة الله في العبادة التي لا تُتلقّى إلا من جهة الأنبياء، لزم من ذلك نفي العبادة جزمًا، والله تعالى أعلم. وهذا أحسن الأوجه، وأولاها.
وقوله: (فما زال يهتف بربه، مادًّا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه)؛ هذا منه ﷺ قيام بوظيفة ذلك الوقت من الدُّعاء والالتجاء إلى الله تعالى، وتعليم لأمته ما يلجؤون إليه عند الشدائد والكرب الواقعة بهم، فإن ذلك الوقت كان وقت اضطرار وشدة، وقد وعد الله المضطر بالإجابة، حيث قال: ﴿أَمَّن يُجِيبُ المُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكشِفُ السُّوءَ﴾؛ يعني: عن المضطر عند الدُّعاء، فقام بعبادة ذلك الوقت، ولا يلزم من اجتهاده في الدعاء في ذلك الوقت أن يكون ارتاب في: أن الله سينجز له ما وعده به، كما ظهر مما وقع لأبي بكر
стр. 1824
فَأَتَاهُ أَبُو بَكرٍ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلقَاهُ عَلَى مَنكِبَيهِ، ثُمَّ التَزَمَهُ مِن وَرَائِهِ
ــ
﵁؛ حيث قال له: (كفاك مناشدتك ربك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك). كما لا يلزم من دعائه في أن يدخله الله الجنة، وينجيه من النار، ويغفر له ذنوبه أن يكون في شك من شيء من ذلك، فإن الله قد أعلمه قطعًا أنه يدخله الجنة وينجيه من النار، ويغفر له (١)، لكنه قام بحق العبودية من إظهار الفاقة، وامتثال العبادة؛ فإن الدعاء مخ العبادة، فقلبه ﷺ مستغرق بمعرفة الواعد، وإنجاز الموعود، ولسانه وجوارحه مستغرقة بالقيام بحق عبادة المعبود، فقام في كل جارحة بوظيفتها، ولكل عبادة بحقيقتها.
وسقوط ردائه ﷺ عن منكبيه أوجبه غيبته عن ظاهره بما وجده في باطنه. وردُّ أبي بكر ﵁ رداء رسول الله ﷺ على منكبيه بعد سقوطه أوجبه؛ مراعاة أبي بكر ﵁ أحوال رسول الله ﷺ حتى تنحفظ عليه محاسن آدابه والتزامه إيَّاه، وتثبيته له بما قاله له؛ أوجبه فرط محبته، وشفقته، وقصرُ نظره على ظاهره، مع ذهوله عما استغرقه من ذلك عن الالتفات إلى ما ذكرناه من المعاني والأسرار التي لاحت للنبي ﷺ في باطنه.
ولا يظن أحدٌ أن أبا بكر ﵁ كان في تلك الحالة أقوى من النبي ﷺ وأوثق بما وعده الله به من النصر، فإن ذلك ظن من لا يعرف محمدا ﷺ حق معرفته، ولا قدره حق قدره. وكيف يصير إلى غير هذا المعنى من سمع قوله في الغار ويوم سراقة: لَا تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا، وكيف يظن ذلك من يعلم أن رسول الله ﷺ سيد ولد آدم، وأكملهم وأقواهم، ولو وزن بجميع أمته لرجحهم؟ وبلا شك أن الأنبياء أفضل الناس، وأعلمهم بالله وبحدوده. ولا شك في: أنه ﷺ أفضل الأنبياء وأكملهم. وإذا كانت هذه حاله مع
стр. 1825
وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنجِزُ لك مَا وَعَدَكَ، فَأَنزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿إِذ تَستَغِيثُونَ رَبَّكُم فَاستَجَابَ لَكُم أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُردِفِينَ﴾
ــ
الأنبياء، فحاله مع من ليس بنبي أعلى وأكمل، وهو فيها أقوى. وكيف لا يكون حاله في هذه القصة أتم، وأقوى من حال أبي بكر؛ وقبل ذلك الوقت بيسير كان قد أخبر أصحابه: بأن الله ينصره على عدوه ذلك، حتى (١) أراهم مصارعَهُم واحدًا واحدًا باسمه وعينه، فكان الأمر كما ذكر، فثبت ما قلناه.
وقوله: (كفاك مناشدتك ربك)؛ هكذا رواية العذري: (كفاك) -بالفاء- ورواية الكافة: (كذاك مناشدتك ربك). ورواه البخاري: (حسبك). وكلها متقاربة، إلا أن: (كذاك)، بابها باب الإغراء، كـ (إليك)، كما أنشدوا:
يقلن وقد تلاحقت المطايا ... كذاك القول إنَّ عليك عينًا
والرواية: (مناشدتك) بالرفع على أنه فاعل ما في كفاك، وكذاك من معنى الفعل. وقد ضبط عن أبي بحر بالنصب على المفعول، ويكون الفاعل مضمرًا في الأمر المقدَّر الذي ناب (كذاك) عنه.
وقوله تعالى: ﴿إِذ تَستَغِيثُونَ رَبَّكُم﴾؛ أي: تطلبون منه الغوث، وهو النصر: ﴿فَاستَجَابَ لَكُم﴾؛ أي: أجاب. ﴿مُمِدُّكُم﴾: مقوِّيكم ومعينكم. ﴿مُردِفِينَ﴾ - بفتح الدال - اسم مفعول؛ أي: أردف الله بهم المسلمين. وبكسر الدال: اسم فاعل. قال أبو علي: يحتمل وجهين:
أحدهما: مردفين مثلهم. يقال: أردفت زيدًا دابتي، فيكون المفعول الثاني محذوفًا.
стр. 1826
فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالمَلَائِكَةِ. قَالَ أَبُو زُمَيلٍ: فَحَدَّثَنِي ابنُ عَبَّاسٍ قَالَ: بَينَمَا رَجُلٌ مِن المُسلِمِينَ يَومَئِذٍ يَشتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِن المُشرِكِينَ أَمَامَهُ، إِذ سَمِعَ ضَربَةً بِالسَّوطِ فَوقَهُ، وَصَوتَ الفَارِسِ يَقُولُ: اقدِم حَيزُومُ، إذ نَظَرَ إِلَى المُشرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُستَلقِيًا، فَنَظَرَ إِلَيهِ فَإِذَا هُوَ قَد خُطِمَ أَنفُهُ، وَشُقَّ وَجهُهُ كَضَربَةِ السَّوطِ، فَاخضَرَّ ذَلِكَ أَجمَعُ، فَجَاءَ الأَنصَارِيُّ فَحَدَّثَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: صَدَقتَ، ذَلِكَ مِن مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ. فَقَتَلُوا يَومَئِذٍ سَبعِينَ، وَأَسَرُوا سَبعِينَ، قَالَ أَبُو زُمَيلٍ: قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا أَسَرُوا الأُسَارَى، قَالَ
ــ
والثاني: أن يكون المعنى: جاءوا بعدكم. تقول العرب: بنو فلان مردفونا؛ أي: يجيئون بعدنا.
﴿مِن فَورِهِم﴾: وجهتهم وحينهم. و ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ - بفتح الواو -: اسم مفعول؛ أي: معلمين، من السِّيما، وهي العلامة؛ أي: قد علّموا بعلامة. وبكسر الواو: اسم فاعل؛ أي: علّموا أذناب خيلهم بصوف أبيض، وقيل: أنفسهم بعمائم صفر.
وقوله: (اقدم حيزوم)؛ ضبط عن أبي بحر بضم الدال من: (أقدَم)، فيكون من القدوم، بمعنى التقدم، كقوله تعالى في فرعون: ﴿يَقدُمُ قَومَهُ يَومَ القِيَامَةِ﴾؛ أي: يتقدمهم إلى النار. وقاله ابن دريد بقطع الألف، وكسر الدال، من الإقدام. وعند الجمهور: (حيزوم) بالميم، وهو اسم ملك. وفي رواية العذري: (حيزون) بالنون، والأول المعروف.
و(خطم أنفه)؛ أي: أثر فيه أثرًا كالخطام، وهو الزمام، إلا أنَّه أرق منه، والخطم والخرطوم: الأنف.
وقوله: (ذلك من مدد السماء الثالثة)؛ أي: من ملائكة السَّماء الثالثة التي أمدوا بهم. وهذا يدل على أنهم كانوا أمدوا بملائكة من كل سماء. ويدل هذا الخبر على أن الملائكة قاتلت يومئذ، وهو قول أكثر أهل العلم.
стр. 1827
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ: مَا تَرَونَ فِي هَؤُلَاءِ الأُسَارَى؟ . فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! هُم بَنُو العَمِّ وَالعَشِيرَةِ، أَرَى أَن تَأخُذَ مِنهُم فِديَةً، فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الكُفَّارِ، فَعَسَى اللَّهُ أَن يَهدِيَهُم لِلإِسلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : مَا تَرَى يَا بنَ الخَطَّابِ؟ . قُلتُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ!
ــ
وقوله ﷺ لأصحابه: (ما ترون في هؤلاء الأسارى)؛ يدل على أنه ﷺ ما كان أوحي إليه في أمرهم بشيء، فاستشارهم لينظروا في ذلك بالنظر الأصلح، فاختلف نظر أبي بكر وعمر. فمال أبو بكر إلى الإبقاء طمعًا في إسلامهم، وإلى الفداء ليكون ذلك قوة عليهم. ومال عمر إلى القتل محقًا للكفر، وقصاصًا منهم، وردعًا لأهله، فمال رسول الله ﷺ إلى ما قال أبو بكر على مقتضى رأفته ورحمته بالمؤمنين؛ ليتقووا على عدوهم، وعلى مقتضى حرصه على إيمان من أسر منهم. وكل من النظرين له أصول تشهد بصحته، بل نقول: إن نظر أبي بكر يشهد لصحته قضية سرية عبد الله بن جحش، وكانت قبل بدر بنحو ثلاثة أشهر، قتل فيها ابن الحضرمي، وأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وأخذوا عيرهم، وقدموا على رسول الله ﷺ ، فقبل فداء الأسيرين. ولما عظم على الناس قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام، سألوا النبي ﷺ عن ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ الشَّهرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُل قِتَالٌ فِيهِ﴾ (١) وسوَّغ الله لهم الفداء، فكان ذلك دليلًا على صحة ما اختاره أبو بكر، وكذلك مال إليه رسول الله ﷺ وهويَه (٢). وعند هذا يشكل ما جاء في آخر هذا الحديث من عتب الله لنبيه ﷺ بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسرَى حَتَّى يُثخِنَ فِي الأَرضِ﴾ وبقوله ﷺ : (لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة) (٣).
стр. 1828
مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكرٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَن تُمَكِّنَّا فَنَضرِبَ أَعنَاقَهُم، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِن عَقِيلٍ، فَيَضرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنِّي مِن فُلَانٍ (نَسِيبٍ لِعُمَرَ) فَأَضرِبَ عُنُقَهُ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الكُفرِ وَصَنَادِيدُهَا. فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ أَبُو بَكرٍ، وَلَم يَهوَ مَا قُلتُ، فَلَمَّا كَانَ مِن الغَدِ جِئتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكرٍ قَاعِدَينِ يَبكِيَانِ، فقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخبِرنِي مِن أَيِّ شَيءٍ تَبكِي أَنتَ وَصَاحِبُكَ؟ فَإِن وَجَدتُ بُكَاءً بَكَيتُ، وَإِن لَم أَجِد تَبَاكَيتُ لِبُكَائِكُمَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : أَبكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصحَابُكَ مِن أَخذِهِم الفِدَاءَ،
ــ
ووجه هذا الإشكال: أن هذا الاجتهاد الذي صدر من أبي بكر، ووافقه عليه رسول الله ﷺ إما أن يكون الله قد سوَّغه لهم أو لا. فإن كان الأول، فكيف يعاتبون، ويتوعدون على ما سوّغ لهم؟ وإن لم يكن مسوَّغًا، فكيف أقدموا عليه، لا سيما النبي ﷺ الذي قد برأ الله نطقه عن الهوى، واجتهاده عن الخطأ؟ ! ولما أشكل هذا اختلفت أجوبة العلماء عنه، فقيل فيه أقوال:
أحدها: أنهم أقدموا عليه لأنه أمر مصلحي دنيوي، والأمور المصلحية الإقدام عليها مسوّغ، ولا بعد في العتب على ترك المصلحة الراجحة وإن كانت دنيوية. وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن هذا الاجتهاد منهم إنما كان في أمر شرعي حكمي؛ لأنه يقتضي سفك دماء، واستباحة أموال، وإرقاق أحرار، وهذه لا تستباح إلا بالشرع.
وثانيهما: أن العتب الشرعي لا يتوجه على ترك مصلحة دنيوية لا يتعلق بها مقصود شرعي، كما لم يتوجه على النبي ﷺ عتب في قضية إبار النخل، وإن كان عدلَ فيه عن المصلحة الدنيوية الراجحة، وهذا من نوع الأول.
الثاني: إنما عوتبوا؛ لأن قضية بدر عظيمة الموقع، والتصرف في صناديد قريش وساداتهم وأموالهم بالقتل، والاسترقاق، والتملك، ذلك كله عظيم الموقع، فكان حقهم أن ينتظروا الوحي، ولا يستعجلوا، فلما استعجلوا، ولم ينتظروا توجه
стр. 1829
ولَقَد عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُم أَدنَى مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ. (شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِن نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ) وَأَنزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسرَى حَتَّى يُثخِنَ فِي الأَرضِ﴾ إِلَى قَولِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمتُم حَلالا طَيِّبًا﴾ فَأَحَلَّ اللَّهُ الغَنِيمَةَ لَهُم.
ــ
عليهم ما توجه. وهذا أيضًا فاسد؛ لأنه يلزم منه أن يكونوا أقدموا على ما لا يجوز لهم شرعًا، ووافقهم على ذلك النبي ﷺ . وكل ذلك عليهم مُحال بما قدّمناه من وجوب عصمة النبي ﷺ عن الخطأ في الشريعة ومن ظهور الأدلة (١) المرجحة (٢) بما قدمناه.
الثالث: أن ذلك إنما توجه على من أراد بفعله عرض الدنيا، ولم يرد الدِّين، ولا الدَّار الآخرة. بدليل قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ ولم يكن النبي ﷺ ، ولا أبو بكر، ولا من نحا نحوهما ممن يريد عرض الدنيا، فالوعيد والتوبيخ متوجهان إلى غيرهم ممن أراد ذلك. وهذا أحسنها. والله تعالى أعلم.
وبكاء النبي ﷺ وأبي بكر لم يكن لأنهما دخلا فيمن توعد بالعذاب، بل شفقة على غيرهما ممن توعد بذلك؛ بدليل قوله ﷺ : (أبكي للذي عرض عليّ أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة)، لا سيما وقد أوحي إليه: أنه يقتل منهم عامًا قابلًا مثلهم (٣). فبكى رسول الله ﷺ لذلك.
وأما قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسرَى حَتَّى يُثخِنَ فِي الأَرضِ﴾ فليس بتوبيخ، ولا ذم، وإنما هو من باب التنبيه على أن القتل كان
стр. 1830
رواه أحمد (١/ ٣٠)، ومسلم (١٧٦٣)، وأبو داود (٢٦٩٠)، والترمذي (٣٠٨١).
[١٢٨٠] وعن أَنَس بن مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : مَن يَنظُرُ لَنَا مَا صَنَعَ أَبُو جَهلٍ؟ . فَانطَلَقَ ابنُ مَسعُودٍ، فَوَجَدَهُ قَد ضَرَبَهُ ابنَا عَفرَاءَ،
ــ
الأولى، والأردع، مع أنه ما كان الله تعالى تقدَّم له في ذلك بشيء، كما قررناه. وهذا من باب قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُم﴾ فقدَّم العفو على المعاتبة؛ إذ لم يتقدَّم له في إذنهم بشيء، والله تعالى أعلم.
و(الإثخان): إكثار القتل، والمبالغة فيه، ومنه الثخانة في الثوب، وهي: غلظه وكثرة سداه.
و(الأسرى): جمع أسير، وأصل الأسر: الشدّ والرَّبط. وقرأ أبو جعفر: (أسارى). قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: أسارى، وأهل نجد يقولون: أسرى في أكثر كلامهم، وهو أصوبها في العربية؛ لأنه بمنزلة: جريح، وجرحى. قال الزجاج: فعلى: جمع لكل ما أصيب به الناس في أبدانهم، وعقولهم. يقال: هالك وهلكى، ومريض ومرضى. ومن قرأ: أُسَارَى فهو جمع الجمع؛ لأن جمع أسير: أسرى. وجمع أسرى: أسارى. قال أبو عمرو: أسارى في القدّ (١)، وأسرى في اليد (٢). ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ في قهر الأعداء ﴿حَكِيمٌ﴾ في عتاب الأولياء.
وقوله تعالى: ﴿لَولا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾، فيها أربعة أقوال:
أحدها: لولا أنه سبق في أم الكتاب: أنه سيحل لهم الغنائم والفداء؛ قاله ابن عباس.
стр. 1831
حَتَّى بَرَدَ، قَالَ: فَأَخَذَ بِلِحيَتِهِ، فَقَالَ: أنتَ أَبُو جَهلٍ؟ فَقَالَ: وَهَل فَوقَ رَجُلٍ قَتَلتُمُوهُ! أَو قَالَ: قَتَلَهُ قَومُهُ.
زَادَ فِي رِوَايَةٍ: فَلَو غَيرُ أَكَّارٍ قَتَلَنِي.
رواه أحمد (٣/ ١١٥)، والبخاري (٣٩٦٢)، ومسلم (١٨٠٠)(١١٨).
* * *
ــ
الثاني: لولا ما سبق لأهل بدر من أنه لا يعذبهم؛ قاله الحسن.
الثالث: لولا ما سبق من أنه لا يعذب من غير أن يتقدَّم بالإنذار؛ قاله ابن إسحاق.
الرابع: لولا ما سبق من أنه يغفر لمن عمل الخطايا ممن تاب؛ قاله الزجاج.
فيتخرَّج على هذه الأقوال في (الكِتَابُ) قولان:
أحدهما: أنه كتاب مكتوب.
والثاني: أنه قضاء مقضي.
وقد أفاد هذا الحديث: أن الإمام مخير في الأسارى بين الفداء، والقتل، والمن، فإنه قتل منهم، وفدى، ومَنَّ. وقد سوَّغ الله تعالى فيهم (١) كل ذلك. وقد استوفينا هذا المعنى فيما تقدَّم.
وقول أبي جهل: (لو غير أكّارٍ قتلني)؛ الأكّار: الزرّاع، يغض ممن قتله كبرًا وأنفة، ويتمنى أن لو كان قتله على يدي أعظم منهم.
و(برد) بمعنى: سكن.
وقوله: (وهل فوق رجل قتلتموه)؛ أي: لا أعظم منه! وفي بعض طرق هذا
стр. 1832
(١٤) باب في المن على الأسارى
[١٢٨١] عن أبي هُرَيرَةَ قالُ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيلًا قِبَلَ نَجدٍ فَجَاءَت بِرَجُلٍ مِن بَنِي حَنِيفَةَ، يُقَالَ لَهُ: ثُمَامَةُ بنُ أُثَالٍ، سَيِّدُ أَهلِ اليَمَامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِن سَوَارِي المَسجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَاذَا
ــ
الحديث: وهل أعمدُ من رجل قتله قومه؛ أي: أعظم سؤددًا. وعميد القوم: سيدهم؛ لأنهم يعتمدون عليه في أمورهم.
وهذا الحديث يدل على أن ابني عفراء قتلا أبا جهل؛ أي: أنفذا مقاتله، وأن عبد الله بن مسعود أجهز عليه. وفي كتاب أبي داود: أن ابن مسعود قتله، ونفله رسول الله ﷺ سيفه؛ ويعني بذلك أنه أجهز عليه. وعلى هذا: يرتفع التناقض بين هذه الأحاديث. والله أعلم.
(١٤) ومن باب: المن على الأسارى
(النَّج): المرتفع من الأرض، والغور: ما انخفض منها. و (أثال): أبو ثمامة - بضم الهمزة فيما أعلم -.
وقوله: (فربطوه بسارية من سواري المسجد)؛ بهذا تمسَّك الشافعي على جواز الكفار المساجد، واستثنى من ذلك مسجد مكة وحرمها. وخص أبو حنيفة هذا الحكم بأهل الكتاب لا غير. ومنع مالك ﵀ دخول الكفار جميع المساجد والحرم. وهو قول عمر بن عبد العزيز، وقتادة، والمزني. ويستدل لهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُشرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقرَبُوا المَسجِدَ الحَرَامَ﴾ ووجه التمسّك بها: أنه نبَّه على أن منعهم دخول المسجد الحرام إنما كان
стр. 1833
عِندَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ . فَقَالَ: عِندِي يَا مُحَمَّدُ خَيرٌ، إِن تَقتُل تَقتُل ذَا دَمٍ، وَإِن تُنعِم تُنعِم عَلَى شَاكِرٍ، وَإِن كُنتَ تُرِيدُ المَالَ فَسَل تُعطَ مِنهُ مَا شِئتَ، فَتَرَكَهُ
ــ
لنجاستهم، وهذا يقتضي تنزيه المساجد عنهم، كما تنزه عن سائر الأنجاس.
والشافعي يحمل النجس هنا على عين المشرك. ومالك يحمله على أنه نجس بما يخالطه من النجاسة؛ إذ كان لا ينفك عنها، ولا يتحرز منها، وبقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرفَعَ وَيُذكَرَ فِيهَا اسمُهُ﴾ ودخول الكفار فيها مناقض لترفيعها، وبقوله ﷺ : (إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من البول والقذر) (١).
والكافر لا يخلو عن ذلك. وبقوله ﷺ : (لا أحل المسجد لحائض، ولا جنب) (٢). والكافر جنب.
وإن كانت امرأة فعليها الغسل من الحيض، لا سيما إذا قلنا: إنهم مخاطبون بالفروع. وقد اعتذر أصحابنا عن حديث ثمامة بأوجه:
أحدها: أن ذلك كان متقدَّمًا على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُشرِكُونَ نَجَسٌ﴾ وهذا يحتاج إلى تحقيق نقل التواريخ.
وثانيها: أن النبي ﷺ كان قد علم بإسلامه. وهذا فيه بُعد؛ فإنه نص في الحديث على أنه إنما أسلم بعد أن منَّ عليه، وأطلقه، ثم إنه رجع فأسلم.
وثالثها: أن هذه قضية في عين، فلا ينبغي أن ترفع بها الأدلة التي ذكرناها آنفًا؛ لكونها مفيدة حكم القاعدة الكلية. ويمكن أن يقال: إن النبي ﷺ إنما ربط ثمامة في المسجد لينظر حسن صلاة المسلمين، واجتماعهم عليها، وحسن آدابهم في جلوسهم في المسجد، فيأنسَّ بذلك ويسلم، وكذلك كان. ويمكن أن يقال: إنهم لم يكن لهم موضع يربطونه فيه إلا في المسجد. والله تعالى أعلم.
وقوله: (إن تقتل تقتل ذا دم)؛ هو بالدال المهملة؛ ويعني به: إنه ممن يشتفى
стр. 1834
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَانَ الغَدِ ثم قَالَ له: مَا عِندَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ . قَالَ: مَا قُلتُ لَكَ: إِن تُنعِم تُنعِم عَلَى شَاكِرٍ، وَإِن تَقتُل تَقتُل ذَا دَمٍ، وَإِن كُنتَ تُرِيدُ المَالَ فَسَل تُعطَ مِنهُ مَا شِئتَ. فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَانَ بعد الغَدِ فَقَالَ: مَا عِندَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ . فَقَالَ: ما قُلتُ لَكَ: إِن تُنعِم تُنعِم عَلَى شَاكِرٍ، وَإِن تَقتُل تَقتُل ذَا دَمٍ، وَإِن كُنتَ تُرِيدُ المَالَ فَسَل تُعطَ مِنهُ مَا شِئتَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : أَطلِقُوا ثُمَامَةَ. فَانطَلَقَ إِلَى نَخلٍ قَرِيبٍ مِن المَسجِدِ فَاغتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ المَسجِدَ فَقَالَ: أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا
ــ
بدمه؛ لأنه كبير في قومه، وقد سمعت من بعض النقلة أنه يقوله بالذال المعجمة، وفسَّره بالعيب، وليس بشيء في المعنى، ولا صحيح في الرواية، وهو تصحيف. ولو أراد به العيب لقال: ذامٍ، بألف، كما في المثل: لا تعدم الحسناء ذامًا؛ أي: عيبًا.
وقوله ﷺ : (أطلقوا ثمامة)؛ دليل على جواز المنّ على الأسارى، كما قدّمناه.
وقوله: (فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد)؛ هذا يدل: على أن غسل الكافر كان عندهم مشروعًا، معمولًا به، معروفًا. ألا ترى أنه لم يحتج في ذلك إلى من يأمره بالغسل، ولا لمن ينبهه عليه؟ !
وقد ورد الأمر به من النبي ﷺ من حديث ابن عمر: أن قيس بن عاصم أسلم، فأمره النبي ﷺ أن يغتسل (١). وبه تمسك من قال: بوجوب الغسل على الكافر إذا أسلم. وهو قول أحمد، وأبي ثور. وأما مالك فقال في المشهور عنه: إنه إنما يغتسل لكونه جنبًا. ومن أصحابه من قال: يغتسل للنظافة. وقال بسقوط الوجوب الشافعي. وقال: أحبّ إلي أن يغتسل. ونحوه لابن القاسم. ولمالك أيضًا قول: إنه لا يعرف
стр. 1835
عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الأَرضِ وَجهٌ أَبغَضَ إِلَيَّ مِن وَجهِكَ، فَقَد أَصبَحَ وَجهُكَ أَحَبَّ الوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِن دِينٍ أَبغَضَ إِلَيَّ مِن دِينِكَ، فَأَصبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِن بَلَدٍ أَبغَضَ إِلَيَّ مِن بَلَدِكَ، فَأَصبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ البِلَادِ كُلِّهَا إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيلَكَ أَخَذَتنِي وَأَنَا أُرِيدُ العُمرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ ، وَأَمَرَهُ أَن يَعتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: أَصَبَوتَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أَسلَمتُ مَعَ
ــ
الغسل. رواه عنه ابن وهب، وابن أبي أويس. والرواية الصحيحة في البخاري ومسلم: نخل - بالخاء المعجمة -، وقال بعضهم: صوابه: بالجيم، وهو الماء المنثعب (١)، وقيل: الجاري. وقال ابن دريد: النجل: هو أول ما ينبعث من البئر إذا جرت. واستنجل الوادي؛ إذا ظهر ماؤه.
وقوله: (إن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فبشره، وأمره أن يعتمر)؛ لا يفهم منه: أنه لما أراد أن يعتمر وهو في الجاهلية أن ذلك لزمه، فأمره النبي ﷺ بإتمامه؛ لأنه لم يصر أحدٌ من المسلمين إلى أن إرادة فعل القربة يلزمها من غير التزام بالنذر، ولا شروع في العمل، بل ولو التزم، وشرع لم يلزمه ذلك في حالة كفره؛ لأنا وإن قلنا: إنه مخاطب بالفروع، فلا يتأتى منه قصد الالتزام، ولا يصح منه الشروع! إذ لم يفعل ذلك على وجه شرعي، بل هو فاسد لعدم شروطه، لا سيما إذا كان ممن يحتاج إلى نية القربة، وإنما أمره النبي ﷺ أن ينشئ عمرة مبتدأة، ليحرز فيها له الأجر، وليغيظ بإسلامه كفار قريش، فإن الرجل كان عظيمًا في قومه وغيرهم، ولذلك لما قدم مكة أظهر إسلامه، ولم يبال بهم، بل أخبرهم بما ناقضهم به، وأغاظهم؛ وهو قوله: (والله! لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى
стр. 1836
رَسُولِ اللَّهِ- ﷺ ، وَلَا وَاللَّهِ لَا تَأتِيكُم مِن اليَمَامَةِ حَبَّةُ حِنطَةٍ حَتَّى يَأذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ .
رواه أحمد (٢/ ٤٥٢)، والبخاري (٤٦٢)، ومسلم (١٧٦٤)(٥٩)، وأبو داود (٢٦٧٩)، والنسائي (١/ ١١٠).
* * *
(١٥) باب إجلاء اليهود والنصارى من المدينة ومن جزيرة العرب
[١٢٨٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: بَينَا نَحنُ فِي المَسجِدِ، إِذ خَرَجَ إِلَينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: انطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ. فَخَرَجنَا مَعَهُ حَتَّى جِئنَاهُم، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَادَاهُم فَقَالَ: يَا مَعشَرَ يَهُودَ، أَسلِمُوا تَسلَمُوا. فَقَالَوا: قَد بَلَّغتَ يَا أَبَا القَاسِمِ! فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : ذَلِكَ أُرِيدُ، أَسلِمُوا
ــ
يأذن فيها رسول الله- ﷺ ). وأيضًا: فما كانت العمرة والحج في ذلك الوقت مشروعين، بل شرعا بعد ذلك. والله تعالى أعلم.
(١٥) ومن باب: إجلاء اليهود والنصارى من المدينة ومن جزيرة العرب
قوله: (أسلموا تسلموا)؛ أي: ادخلوا في دين الإسلام طائعين تسلموا من القتل والسباء مأجورين. وفيه دليل على استعمال التجنيس، وهو من أنواع البلاغة.
стр. 1837
تَسلَمُوا. فَقَالَوا: قَد بَلَّغتَ يَا أَبَا القَاسِمِ؟ فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : ذَلِكَ أُرِيدُ. ثم قَالَ لَهُم الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: اعلَمُوا أَنَّمَا الأَرضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنِّي أُرِيدُ أَن أُجلِيَكُم مِن هَذِهِ الأَرضِ، فَمَن وَجَدَ مِنكُم بِمَالِهِ شَيئًا فَليَبِعهُ، وَإِلَّا فَاعلَمُوا أَنَّ الأَرضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ.
رواه البخاري (٦٩٤٤)، ومسلم (١٧٦٥).
[١٢٨٣] وعَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ وَقُرَيظَةَ حَارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ- ﷺ ، فَأَجلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي النَّضِيرِ، وَأَقَرَّ قُرَيظَةَ، وَمَنَّ عَلَيهِم حَتَّى حَارَبَت قُرَيظَةُ بَعدَ ذَلِكَ، فَقَتَلَ رِجَالَهُم، وَقَسَمَ نِسَاءَهُم وَأَولَادَهُم
ــ
وقولهم: (قد بلّغت يا أبا القاسم)؛ كلمة مكرٍ ومداجاة (١) ليدافعوه بما يوهمه ظاهرها، وذلك: أن ظاهرها يقتضي أنه قد بلّغ رسالة ربَّه تعالى؛ ولذلك قال لهم رسول الله ﷺ : (ذلك أريد)؛ أي: التبليغ. قالوا ذلك وقلوبهم منكرة مكذبة. ويحتمل أن يكونوا قالوا ذلك خوفًا منه، وطيبة له. والله تعالى أعلم.
وقوله: (اعلموا: أن الأرض لله ولرسوله)؛ يعني: ملكًا وحكمًا. ويعني بها: أرضهم التي كانوا فيها، أعلمهم بهذه اللفظة: أنه يجليهم منها، ولا يتركهم فيها، وأن ذلك حكم الله فيهم.
وقوله: (من كان له مال فليبعه)؛ دليل على أنهم كان لهم عهد على نفوسهم وأموالهم، لا على المقام في أرضهم، ولذلك أجلاهم منها. وهؤلاء هم يهود بني قينقاع، وبنو حارثة، ويهود المدينة المذكورون بعد هذا.
стр. 1838
وَأَموَالَهُم بَينَ المُسلِمِينَ، إِلَّا أَنَّ بَعضَهُم لَحِقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ- ﷺ ، فَأمنهُم وَأَسلَمُوا، وَأَجلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَهُودَ المَدِينَةِ كُلَّهُم: بَنِي قَينُقَاعَ (وَهُم قَومُ عَبدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ) وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ، وَكُلَّ يَهُودِيٍّ كَانَ بِالمَدِينَةِ.
رواه البخاري (٤٠٢٨)، ومسلم (١٧٦٦)، وأبو داود (٣٠٠٥).
[١٢٨٤] وعن عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَأُخرِجَنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ، حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسلِمًا.
رواه مسلم (١٧٦٧)، وأبو داود (٣٠٣٠)، والترمذي (١٦٠٦).
* * *
ــ
وفي قتل النبي ﷺ لبني قريظة حين حاربوا؛ دليل: على أن من نقض العهد من العدو جاز قتله، ولا خلاف فيه إذا حاربوا، وعاونوا أهل الحرب. قال أبو عبيد: وكذلك لو تيقن غدرًا أو غشًّا. قال الأوزاعي: وكذلك لو أطلع أهل الحرب على عورة المسلمين، أو آووا عيونهم. وليس هذا نقضًا عند الشافعي.
وقوله: (لأخرجن اليهود والنَّصارى من جزيرة العرب). قال الخليل: جزيرة العرب: معدنها، ومسكنها، وإنما قيل لها: جزيرة العرب، لأن بحر الحبش، وبحر فارس، ودجلة، والفرات قد أحاطت بها. وقال الأصمعي: جزيرة العرب: من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول، وأما العرض: فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام.
* * *
стр. 1839
(١٦) باب إذا نزل العدو على حكم الإمام فله أن يرد الحكم إلى غيره ممن له أهلية ذلك
[١٢٨٥] عَن عَائِشَةَ قَالَت: أُصِيبَ سَعدٌ يَومَ الخَندَقِ، رَمَاهُ رَجُلٌ مِن قُرَيشٍ ابنُ العَرِقَةِ، رَمَاهُ فِي الأَكحَلِ، فَضَرَبَ عَلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيمَةً فِي المَسجِدِ يَعُودُهُ مِن قَرِيبٍ،
ــ
(١٦) ومن باب: إذا نزل العدو على حكم الإمام فله أن يرد الحكم إلى غيره
(ابن العَرِقة) - بالعين المهملة، وكسر الراء- هي رواية الحفاظ، وضبط المتقنين، واسمه: حبان- بكسر الحاء- ابن أبي قيس بن علقمة بن عبد مناف. والعَرِقة: أمَّه، واسمها: قِلابةُ- بكسر القاف، والباء بواحدة- بنت سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص. وقيل: اسمه: جبار بن قيس، أحد بني العرقة. قال الدارقطني: والأول أصح. وقيل: العرَقة - بفتح الراء- قاله الواقدي. وقال: إن أهل مكة يقولونه كذلك، والأول أصح، وأشهر.
والأكحل: عرق معروف. قال الأصمعي: إذا قطع في اليد لم يرقأ الدم، وهو عرق الحياة، في كل عضو منه شعبة لها اسم.
وقوله: (فضرب عليه (١) رسول الله ﷺ خيمة في المسجد، يعوده من قريب)؛ هذا نص على أن سعدًا كان مقيمًا في المسجد في هذه الحالة، وقد ذكر في هذا الحديث بعد هذا: أن رسول الله ﷺ أرسل إليه، فأتاه، فلما دنا قريبًا من المسجد،
стр. 1840
فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن الخَندَقِ وَضَعَ السِّلَاحَ، فَاغتَسَلَ، فَأَتَى جِبرِيلُ وَهُوَ يَنفُضُ رَأسَهُ مِن الغُبَارِ، فَقَالَ: وَضَعتَ السِّلَاحَ؟ وَاللَّهِ مَا وَضَعنَاه! اخرُج إِلَيهِم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : فَأَينَ؟ . فَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيظَةَ، فَقَاتَلَهُم رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكمِ رَسُولِ اللَّهِ- ﷺ ، فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الحُكمَ فِيهِم إِلَى سَعدٍ. فقال: فَإِنِّي أَحكُمُ فِيهِم أَن تُقتَلَ المُقَاتِلَةُ، وَأَن تُسبَى الذُّرِّيَّةُ وَالنِّسَاءُ، وَتُقسَمَ أَموَالُهُم.
ــ
قال رسول الله ﷺ : (قوموا إلى سيدكم)، وظاهره: أنه كان خارجًا عن المسجد، وأنه أتى إليه. وهذا إشكال أوجبه اعتقاد اتخاذ المسجد في الموضعين، وأن النبي ﷺ كان قد استدعى سعدًا لمسجده في المدينة، وليس الأمر كذلك، بل كان نازلًا على بني قريظة، ومنها وجه إليه، فيحتمل أن يكون سعد اختط هنالك مسجدًا يصلي فيه، فعبّر الراوي عنه. وقال بعض علمائنا: المسجد هنا تصحيف من بعض الرواة، وإنما اللفظ: فلما دنا من النبي ﷺ ، بدليل ما جاء في كتاب أبي داود: فلما دنا من رسول الله ﷺ ، فكأن الراوي سمع: من النبي ﷺ فتصحف عليه. والله تعالى أعلم.
وقوله: (فلما رجع رسول الله ﷺ من الخندق وضع السلاح، فاغتسل، فأتاه جبريل ﵇ هكذا وقع في الرواية: فأتاه- بالفاء- والصواب: طَرحُها؛ فإنه جواب لما، ولا تدخل الفاء في جواب لما، وكأنها زائدة، كما زيدت الواو في جوابها في قول امرئ القيس:
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن حقفٍ ذي ركام عقنقل
وإنما هو: انتحى، فزاد الواو.
وقوله: (فقاتلهم رسول الله ﷺ فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فرد رسول الله ﷺ الحكم فيهم إلى سعد)؛ هذا تفسير، فينبغي أن يحمل عليه ما ليس
стр. 1841
رواه أحمد (٦/ ١٤١ - ١٤٢)، والبخاري (٤١٢٢)، ومسلم (١٧٦٩)(٦٥).
[١٢٨٦] وعن أبي سَعِيدٍ قَالَ: نَزَلَ أَهلُ قُرَيظَةَ عَلَى حُكمِ سَعدِ بنِ مُعَاذٍ، فَأَرسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى سَعدٍ، فَأَتَاهُ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَا قَرِيبًا مِن المَسجِدِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلأَنصَارِ: قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُم، (أَو خَيرِكُم)، ثُمَّ
ــ
بمفسَّر مما في الرواية الأخرى: أنهم نزلوا على حكم سعد، فإنهم إنما نزلوا على حكمه بعد أن حكم رسول الله ﷺ فيهم. ومن هذا الموضع يؤخذ (١) الحكم الذي أشرنا إليه في الترجمة، وفيه ردٌّ على الخوارج المانعين للتحكيم في الدين، ولم يصر أحد من علماء الصحابة، ولا غيرهم إلى منعه سوى الخوارج.
قال القاضي عياض: والنزول على حكم الإمام أو غيره جائز، ولهم الرجوع عنه ما لم يحكم، فإذا حكم لم يكن للعدو الرجوع، ولهم أن ينقلوا من حكم رجل إلى غيره. وهذا كله إذا كان الحكم ممن يجوز تحكيمه من أهل العلم، والفقه، والديانة، فإذا حكم لم يكن للمسلمين، ولا للإمام المجيز لتحكيمهم نقض حكمه، إذا حكم بما هو نظر للمسلمين من قتل، أو سباء (٢)، أو إقرار على الجزية، أو إجلاء. فإن حكم بغير هذا من الوجوه التي لا يبيحها الشرع لم ينفذ حكمه، لا على المسلمين، ولا على غيرهم.
وقوله: (قوموا لسيدكم أو خيركم)؛ استدل بهذا من قال بجواز القيام للفضلاء، والعلماء، إكرامًا لهم، واحترامًا. وإليه مال عياض، وقال: إنما القيام المنهي عنه: أن يقام عليه وهو جالس، وهو الذي أنكره النبي ﷺ على أصحابه، حيث صلوا قيامًا وهو قاعد للخدش الذي أصابه، فقال لهم: (ما لكم تفعلون فعل
стр. 1842
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود) (١). وعليه حمل قول عمر بن عبد العزيز: إن تقوموا نقم، وإن تقعدوا نقعد، وإنما يقوم الناس لرب العالمين. وقد رويت لعبد الملك جواز قيام الرجل لوالديه، والزوجة لزوجها. ومذهب مالك: كراهية القيام لأحد مطلقًا. واستدل له على ذلك بقوله ﷺ : (من سرَّه (٢) أن يتمثل له الناس قيامًا، فليتبوأ مقعده من النار) (٣). وعليه حمل قول عمر بن عبد العزيز. وقد جاء في كتاب أبي داود مرفوعًا: (لا تقوموا كما تقوم الأعاجم، يعظم بعضهم بعضًا) (٤). ويعتضد هذا: بأن النبي ﷺ لم يكن يقم له أحد، ولا يقوم هو لأحد. هذا هو المنقول من سيرته، وعليه درج الخلفاء رضوان الله عليهم، ولو كان القيام لأحد من العظماء مشروعًا، لكان أحق الناس بذلك رسول الله ﷺ وخلفاؤه. ولم فلا.
وتأوَّل بعض أصحابنا حديث: (قوموا إلى سيدكم) على أن ذلك مخصوص بسعد، لما تقتضيه تلك الحال المعينة. وقال بعضهم: إنما أمرهم بالقيام له لينزلوه عن الحمار لمرضه، وفيه بُعد. والله تعالى أعلم.
واختلف تأويل الصحابة فيمن عنى النبي ﷺ بذلك؛ هل الأنصار خاصة، أو جميع من حضر من المهاجرين والأنصار؟ وعلى الجملة: فهي قضية معينة، محتملة، والتمسك بالقاعدة المقررة أولى. والله تعالى أعلم.
والسيد: المتقدم على قومه بما فيه من الخصال (٥) الحميدة.
стр. 1843
قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكمِكَ. قَالَ: تَقتُلُ مُقَاتِلَتَهُم، وَتُسبى ذُرِّيَّتَهُم. قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ- ﷺ : قَضَيتَ بِحُكمِ اللَّهِ.
ــ
وقوله: (أو خيركم)؛ على جهة الشك من الراوي، وفي بعض طرقه في غير كتاب مسلم: (قوموا إلى سيدكم) من غير شك.
وقوله ﷺ : (إن هؤلاء نزلوا على حكمك)؛ إنما قال له هذا بعد أن رد له الحكم، كما قال في الرواية المتقدمة.
وقوله: (إني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة، وتسبى الذرية، وتقسم الأموال)؛ إنما حكم فيهم بذلك لعظيم جناياتهم، وذلك: أنهم نقضوا ما بينهم وبين النبي ﷺ من العهد، ومالؤوا عليه قريشًا، وقاتلوه، وسبُّوه أقبح سبٍّ، فاستحقوا ذلك- لعنهم الله-، فلما حكم فيهم سعد بذلك، أخبره بأنه قد أصاب فيهم حكم الله، تنويهًا به، وإخبارًا بفضيلته، وانشراح صدره، وردعًا للقوم الذين سألوا رسول الله ﷺ في أن يتركهم، وأن يحسن فيهم (١)، فإنهم كانوا حلفاءهم، فلما جعل رسول الله ﷺ حكمهم إلى سعد انطلق مواليهم إلى سعد (٢)، فكلموه في ذلك، وقالوا له: أحسن في مواليك، فلما أكثروا عليه، قال: أما إنه قد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم. فلما سمعوا ذلك يئسوا مما طلبوا، وعزّى بعضهم بعضًا في بني قريظة. ومن هاهنا تظهر خصوصية سعد بقوله: (قوموا إلى سيدكم)، وإن الأولى أنه إنما قال ذلك لقومه خاصة دون غيرهم؛ لأن قومه كلهم مالوا إلى إبقاء بني قريظة، والعفو عنهم، إلا ما كان منه ﵁ لا جرم لما مات اهتز له عرش الرحمن. وسيأتي بيان معناه، إن شاء الله تعالى. وفيه دليل لمذهب مالك في تصويب (٣) أحد المجتهدين، وإن لله في الواقع حكمًا معيَّنًا، فمن أصابه
стр. 1844
وَرُبَّمَا قَالَ: قَضَيتَ بِحُكمِ المَلِكِ.
وفي رواية: لَقَد حَكَمتَ بِحكم الله.
رواه أحمد (٣/ ٢٢ و ٧١)، والبخاري (٣٠٤٣) و (٤١٢٢)، ومسلم (١٧٦٨)(٦٤)، وأبو داود (٥٢١٥) و (٥٢١٦).
[١٢٨٧] وعن عروة عَن عَائِشَةَ: أَنَّ سَعدًا قَالَ: وَتَحَجَّرَ كَلمُهُ لِلبُرءِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعلَمُ أَن لَيسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ أَن أُجَاهِدَ فِيكَ، مِن
ــ
فهو المصيب، ومن لم يصبه، فهو المخطئ، لكنه لا إثم عليه إذا اجتهد. وقد تقدَّم هذا المعنى. وغاية ما في هذا الحديث: أن بعض الوقائع فيها حكم معين لله، لكن من أين يلزم منه أن يكون حكم كل واقعة كذلك؟ بل يقال: إنها منقسمة إلى ما لله فيه حكم معين، ومنها ما ليس لله فيه ذلك، وتكميل ذلك في علم الأصول.
وقوله: (لقد قضيت بحكم الملك)؛ الرواية بكسر اللام، وهو الله تعالى. وكذلك في الرواية الأخرى: (بحكم الله)، وفي غير كتاب مسلم: (لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع أرقعة) (١)، وهي السماوات، وهو جمع رقيع، كرغيف، وأرغفة. والفوقية هنا راجعة إلى أن الله تعالى أظهر الحكم لمن هناك من ملائكته، أو أثبته في اللوح المحفوظ. ونسبة الفوقية المكانية إلى الله تعالى محال؛ لأنه منزه عن الفوقية، كما هو منزه عن التحتية؛ إذ كل ذلك من لوازم الأجرام، وخصائص الأجسام، ويتقدّس عنها الذي ليس كمثله شيء من جميع الأنام (٢).
وقوله: (وتحجَّر كَلمُهُ للبُرءِ)؛ أي: تجمَّد، وتهيَّأ للإفاقة، فظن عند ذلك أنها
стр. 1845
قَومٍ كَذَّبُوا رَسُولَكَ وَأَخرَجُوهُ، اللَّهُمَّ فَإِن كَانَ بَقِيَ مِن حَربِ قُرَيشٍ شَيءٌ فَأَبقِنِي أُجَاهِدهُم فِيكَ، اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّكَ قَد وَضَعتَ الحَربَ بَينَنَا وَبَينَهُم، فَإِن كُنتَ وَضَعتَ الحَربَ بَينَنَا وَبَينَهُم فَافجُرهَا وَاجعَل مَوتِي فِيهَا. فَانفَجَرَت مِن لَبَّتِهِ، فَلَم يَرُعهُم - وَفِي المَسجِدِ خَيمَةٌ مِن بَنِي غِفَارٍ - إِلَّا وَالدَّمُ يَسِيلُ إِلَيهِم، فَقَالَوا: يَا أَهلَ الخَيمَةِ! مَا هَو الَّذِي يَأتِينَا مِن قِبَلِكُم؟ فَإِذَا سَعدٌ جُرحُهُ يَغِذُّ دَمًا، فَمَاتَ مِنهَا.
ــ
تفيق (١)، فقال عند ذلك ما ذكره من الدُّعاء.
وقوله: (وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها، واجعل موتي فيها)؛ هذا منه تَمَن للشهادة، وشوق لما عند الله تعالى، وليس تمنيًا للموت؛ لضر نزل به الذي نهي عنه.
وقوله: (فانفجرت من لبته)؛ كذا الرواية عن الأسدي (٢)، بالباء بواحدة. وعن الصدفي: (من لِيته) بلام مكسورة، وياء باثنتين من تحتها ساكنة. وعند الخشني: (من ليلته)، قال: وهو الصواب. واللبة: المنحر. والليت: صفحة العنق.
وقوله: (فإذا سعد جرحه يغِذُّ) بكسر الغين، وتشديد الذال عند كافة الرواة، وعند بعضهم: (يَغذو)، ومعناه: يسيل. وهما لغتان. يقال: غذَّ الجرح يغِذُّ مشددًا، وغذا يغذو، وأنشدوا:
بطَعنٍ كَفَمِ الزّقِّ ... غَذَا والزِّقُّ مَلآنُ
وعند ابن ماهان: (يصبُّ) مكان (يغذو). وهو تفسير للَّفظ الأول.
стр. 1846
وفي رواية: قَالَ: فَانفَجَرَت مِن لَيلَتِهِ، فَمَا زَالَ يَسِيلُ حَتَّى مَاتَ. قَالَ: فَذَاكَ حِينَ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
أَلَا يَا سَعدُ سَعدَ بَنِي مُعَاذٍ ... فَمَا فَعَلَت قُرَيظَةُ وَالنَّضِيرُ؟
لَعَمرُكَ إِنَّ سَعدَ بَنِي مُعَاذٍ ... غَدَاةَ تَحَمَّلُوا لَهُوَ الصَّبُورُ
تَرَكتُم قِدرَكُم لَا شَيءَ فِيهَا ... وَقِدرُ القَومِ حَامِيَةٌ تَفُورُ
وَقَد قَالَ الكَرِيمُ أَبُو حُبَابٍ ... أَقِيمُوا قَينُقَاعُ وَلَا تَسِيرُوا
وَقَد كَانُوا بِبَلدَتِهِم ثِقَالَا ... كَمَا ثَقُلَت بِمَيطَانَ الصُّخُورُ
رواه مسلم (١٧٦٩) (٦٧ و ٦٨).
* * *
ــ
قوله في الشعر: (فما فعلت قريظة والنضير)؛ الرواية عند الكافة بالفاء هكذا، والصواب: (لما فعلت) باللام المكسورة، وقد رواه بعضهم هنا كذلك، وهي الرواية في السير، ليس فيها غيرها.
وقوله:
تركتم قدركم لا شيء فيها ... وقدر القوم حامية تفور
هذا ضرب مثلٍ لعزَّة الجانب، وعدم الناصر. ويريد بقوله: تركتم قدركم: الأوس لقتل حلفائهم من قريظة. وقدر القوم: يعني به: الخزرج لشفاعتها لحلفائها بني قينقاع، حتى من عليهم النبي ﷺ ، وتركهم لعبد الله بن أُبَيّ، وهو: أبو حباب المذكور في الشعر.
وقوله: (كما ثقلت بِمَيطان الصخور). مَيطان: بفتح الميم، وبالنون، عليه أكثر الرواة، إلا أن أبا عبيد (١) البكري ضبطه بكسر الميم. قال: وهو من بلاد مزينة
стр. 1847
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من أرض الحجاز. ووقع في رواية العذري: (بميطار) بالراء مكان النون. وفي رواية ابن ماهان: (بحيطان)، بالحاء مكان الميم. قال القاضي عياض: والصواب ما تقدم.
وقائل هذا الشعر إنما قاله يحرض سعدًا على استحياء بني قريظة وحلفائهم، ويلومه على فعله فيهم، فيذكره بفعل أبي حباب، عبد الله بن أُبي وشفاعته لحلفائه بني قينقاع.
ويستفاد من ضرب رسول الله ﷺ الخيمة لسعد في المسجد مع ما كان عليه من الجراح والدَّم: أن الضرورة، أو الحاجة إذا دعت إلى مثل ذلك جاز. وإن أدى إلى تلطيخ المسجد بشيء مما يكون من المريض، لكن ذلك على حسب الحاجة والضرورة. والله تعالى أعلم. هذا إن تنزلنا على أنه كان بمسجد مخصوص مباح للمسلمين، وإن تنزلنا على أنه كان بمسجد بيته كما تقدم، لم ينتزع منه شيء من ذلك. والله تعالى أعلم (١).
وقد قدَّمنا: أن المساجد الأصل فيها: الأمر بتطييبها، وتنظيفها، ومباعدتها عن الأنجاس، والأقذار. ووجه الضرورة في حديث سعد: أن النبي ﷺ لم يجد له موضعًا غير المسجد، وكان بالنبي ﷺ حاجة إلى معاهدته، وتفقد أحواله، فلو حمل إلى موضع بعيد منه، أدَّى إلى الحرج والمشقة على النبي ﷺ . وعلى هذا المعنى نبَّه الراوي بقوله: (يعوده من قريب).
* * *
стр. 1848
(١٧) باب أخذ الطعام والعلوفة من غير تخميس
[١٢٨٨] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: أَصَبتُ جِرَابًا مِن شَحمٍ يَومَ خَيبَرَ. قَالَ: فَالتَزَمتُهُ فَقُلتُ: لَا أُعطِي اليَومَ أَحَدًا مِن هَذَا شَيئًا، قَالَ: فَالتَفَتُّ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَبَسِّمًا.
ــ
(١٧) ومن باب: أخذ الطعام والعلوفة من الغنيمة من غير تخميس
حديث ابن مغفل هذا يدل: على جواز أخذ الطعام من الغنيمة قبل القسمة، ألا ترى أنه ﷺ أقره على أخذ الجراب بما فيه من الطعام، وهو مما أجمع المسلمون عليه ما داموا في أرض الحرب، على ما حكاه عياض. والجمهور: على أنه لا يحتاج في ذلك إلى إذن الإمام. وحكي عن الزهري: أنه لا يجوز إلا بإذن الإمام، ثم اختلفوا في القدر الذي يأخذه الغانم؛ فقال الشافعي (١): لا يأخذ منه إلا بقدر حاجته، فإن أخذ فوقها، أدَّى قيمته في المقاسم، وكذلك: إن أخذ ما لا يضطر إليه في القوت، كالأشربة، والأدوية. وأجاز مالك له أخذ ما فضل عن كفايته وأكله في أهله، وقاله الأوزاعي، وذلك فيما قل. وقال سفيان وأبو حنيفة: يرد ذلك إلى الإمام. وأجازه الشافعي مرة. والجمهور على منع أن يخرج بشيء من الطعام له قيمة وبال إلى أرض الإسلام.
واختلفوا فيما يحتاج إليه من غير الطعام، كالسلاح، والدَّواب، والثياب ليقاتل بها، ويركبه في قفوله، ويلبسه في مقامه. فعن مالك وأصحابه في ذلك قولان: بالمنع مطلقًا، وبالجواز. وبه قال الثوري، والحسن. وممن أجاز ذلك في وقت الحرب: الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة،
стр. 1849
وَفِي أُخرَى: فَاستَحيَيَت، وَفِيَهَا: جَراب فيه شحم وطعام.
رواه أحمد (٣/ ٣١١)، والبخاري (٣١٥٣)، ومسلم (١٧٧٢) (٧٢ و ٧٣)، وأبو داود (٢٧٠٢)، والنسائي (٧/ ٢٣٦).
* * *
ــ
والجمهور. وقال ابن المنذر والخطابي: إن هذا مما لم يختلف أهل العلم فيه، إلا أن الأوزاعي شرط في هذا إذن الإمام.
واختلفوا فيما قل قدره مما يحتاج إليه، كالجلد يقطعه خفافًا أو نعالًا؛ فأجازه مالك وغيره، وأحمد. ومنع ذلك الشافعي، وأصحاب الرأي. وقال الشافعي: وعليه قيمته إن تلف، وأجرة استعماله، وما نقصه الانتفاع. ولم يختلف فيما بيع من طعام أو غيره: أن ثمنه مغنم.
وتبسُّم رسول الله ﷺ إنما كان لما رأى من شدَّة حرص ابن مغفل على أخذ الجراب، ومن ضنته به.
وفيه ما يدل: على جواز أكل شحوم اليهود المحرمة عليهم. وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي وكافة (١) العلماء، غير أن مالكًا كرهه للخلاف فيه. وحكى ابن المنذر عن مالك تحريمها، وإليه ذهب كبراء أصحاب مالك. ومتمسَّك هؤلاء: أن ذكاتهم لم تعمل في الشحم، كما عملت في اللحم؛ لأن الذكاة تتبعَّض عندهم. والحديث حجَّة عليهم.
وفيه دليل: على جواز ذبائح أهل الكتاب. وقد أجمع أهل العلم على ذلك إذا ذكروا اسم الله عليها. وأكثر العلماء على أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَكُم﴾ ذبائحهم، إلا ما روي عن ابن عمر من كراهتها على ما حكاه الداودي عنه، والمعروف عن ابن عمر: لا تؤكل ذبائحهم ما لم يسمُّوا الله عليها. وقد ذهب مالك، والليث، والثوري، والنخعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي: إلى كراهة ما أهلّوا به لغير الله من اسم المسيح، أو كنائسهم، وأشباهها. وأباحه
стр. 1850
(١٨) باب كتاب النبي ﷺ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام
[١٢٨٩] عَن ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَبَا سُفيَانَ أَخبَرَهُ مِن فِيهِ إِلَى فِيهِ. قَالَ: انطَلَقتُ فِي المُدَّةِ الَّتِي كَانَت بَينِي وَبَينَ رَسُولِ اللَّهِ- ﷺ ، قَالَ: فَبَينَا أَنَا بِالشَّامِ إِذ جِيءَ بِكِتَابٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى هِرَقلَ، يَعنِي: عَظِيمَ الرُّومِ،
ــ
عطاء، ومجاهد، ومكحول، والشعبي. ورأوا: أن آية المائدة ناسخة لآية الأنعام (١)، أو مخصصة لها. وقالوا: قد علم الله أنهم يقولون ذلك، وقاله ابن حبيب.
واختلفوا أيضًا إذا ذبح ولم يسم شيئا؛ فمنعه أبو ثور. وهو مذهب عائشة، وعلي، وابن عمر. وقال أحمد وإسحاق: لا بأس به.
واختلف إذا ذبحوا ما كان لمسلم، وغير ملكهم؛ فمنعه ربيعة، واختلف فيه عن مالك.
(١٨) ومن باب: كتاب النبي ﷺ إلى هرقل
قول أبي سفيان: (في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله ﷺ ؛ يعني به: صلح النبي ﷺ مع قريش بالحديبية، وكانوا تعاقدوا على صلح عشر سنين، فاستمر ذلك إلى أن نقضت قريش العقد، فكان ذلك سبب فتح مكة.
و(دحية): يقال بفتح الدال وكسرها. قال ابن السكيت: هو بالكسر لا غير. وقال أبو حاتم: هو بالفتح لا غير. وقال المطرِّز: الدِّحى: الرؤساء، واحدهم: دِحية.
قلت: وعلى هذا فالكسر هو الصواب، كما قال ابن السكيت؛ لأن: دحية (٢)، ودحًى، كلحيةٍ، ولِحًى، وفِدية، وفِدى، وهو القياس؛ لأن نظيره من الصحيح: قِربة وقِرب، لكن لا يبعد أن يقال: إنه لما نقل إلى العلمية غُيِّر بالفتح، كما قد فعلت العرب في كثير
стр. 1851
قَالَ: وَكَانَ دَحيَةُ الكَلبِيُّ جَاءَ بِهِ، فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصرَى، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصرَى إِلَى هِرَقلَ، فَقَالَ هِرَقلُ: هَل هَاهُنَا أَحَدٌ مِن قَومِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ قَالَوا: نَعَم، فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِن قُرَيشٍ، فَدَخَلنَا عَلَى هِرَقلَ. فَأَجلَسَنَا بَينَ يَدَيهِ. فَقَالَ: أَيُّكُم أَقرَبُ نَسَبًا مِن هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفيَانَ: فَقُلتُ: أَنَا، فَأَجلَسُونِي بَينَ يَدَيهِ وَأَجلَسُوا أَصحَابِي خَلفِي، ثُمَّ دَعَا بِتَرجُمَانِهِ فَقَالَ لَهُ: قُل لَهُم: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَن هذا الرَّجُلِ
ــ
من الأعلام.
و(بُصرى) - بضم الباء-: وهي من مدن الشام، وهي مدينة حوران. و (الترجمان): هو المعبِّر عن القوم. يقال: بضم التاء وفتحها. و (هرقل) - بكسر الهاء، وفتح الراء، وسكون القاف-: وهو اسم لكل ملك للروم، كالنجاشي: اسم لكل ملك للحبشة. وكسرى: اسم لكل ملك للفرس. وقد قدَّمنا هذا في كتاب: الجنائز.
قلت: إذا تأملت هذا الحديث علمت فطنة هذا الرجل، وجوّدة قريحته، وحسن نظره (١)، وسياسته، وتثبته. وأنه علم صحة نبوَّة نبينا محمد ﷺ وصدقه. غير أنه ظهر منه بعد هذا ما يدل: على أنه لم يؤمن، ولم ينتفع بذلك العلم الذي حصل له، فإنه هو الذي جيَّش الجيوش على أصحاب رسول الله ﷺ ، وقاتلهم، وألّب عليهم، ولم يقصِّر في تجهيز الجيوش عليهم، وإرساله إليهم الجموع العظيمة من الروم وغيرهم الكرَّة بعد الكرَّة، فيهزمهم الله، ويهلكهم، ولا يرجع إليهم منهم إلا فلُّهم (٢)، واستمر على ذلك إلى أن مات، وقد فتح الله على المسلمين أكثر بلاد الشام، ثم ولي ولده بعده، وعليه فتحت جميع البلاد الشامية، وبهلاكه هلكت المملكة الرومية.
стр. 1852
الَّذِي يَزعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِن كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو سُفيَانَ: وَايمُ اللَّهِ، لَولَا مَخَافَةُ أَن يُؤثَرَ عَلَيَّ الكَذِبُ لَكَذَبتُ! ثُمَّ قَالَ لِتَرجُمَانِهِ: سَلهُ كَيفَ حَسَبُهُ فِيكُم؟ قَالَ: قُلتُ: هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ، قَالَ: فَهَل كَانَ مِن آبَائِهِ مَلِكٌ؟ قُلتُ: لَا، قَالَ: فَهَل كُنتُم تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبلَ أَن يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلتُ:
ــ
وقوله: (فإن كذبني فكذبوه)؛ كذبني- بفتح الذال، وتخفيفها، وبالنون-: يعني: أنه إن كذب لي فأظهروا كذبه، وهو مما يعدى بحرف الجر وبغيره، يقال: كذبته، وكذبت له. و (كذبوه) - مشدد الذال-؛ أي: عرّفوني بكذبه، وأظهروا كذبه، ولذلك أجلس أصحابه خلفه. وإنما سأل عن أقربهم نسبًا منه؛ لأنه أعلم بدخلة أمر صاحبه في غالب الحال. وهذه كلها التفاتات من هرقل تدل على قوة عقله.
وقول أبي سفيان: (وايم الله) هي كلمة محذوفة من (ايمن الله) تستعملها العرب اسمًا مرفوعًا في القسم على الابتداء، والخبر محذوف. وقد اختلف النحويون فيها. هل هي: اسم مفرد همزته همزة وصل، وإنما فتحت همزته لأنه غير منصرف، فخالف جميع همزات الوصل، وهو مذهب سيبويه؟ أو هل هي: جمع يمين، وهمزته همزة قطع؛ لأنها همزة جمع. وهو قول الفراء، وهي عنده جمع يمين؟ وقول سيبويه أشبه، بدليل: أنهم كسروا همزتها، وأنهم تصرَّفوا فيها بلغات مختلفة، منها: ايمن بالكسر، وبالفتح: ايمن. وبحذف النون والهمزة و (١) ضم الميم من (مُّ الله) وكسرها. وقد أبدل بعضهم من الهمزة (هاء)، فقال: هيمن الله. وهذا النحو من التصرف لم تفعله العرب في صيغ الجموع.
وقوله: (لولا أن يُؤثر علي الكذب لكذبتُ عليه)؛ يعني: لولا أن يتحدَّث ويُنقل عنه الكذب. وإنما وقع له هذا في ذلك الوقت لشدَّة عداوته للنبي ﷺ
стр. 1853
لَا، قَالَ: وَمَن تَبِعُهُ؟ أَشرَافُ النَّاسِ أَم ضُعَفَاؤُهُم؟ قَالَ: قُلتُ: بَل ضُعَفَاؤُهُم، قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَم يَنقُصُونَ؟ قَالَ: قُلتُ: لَا بَل يَزِيدُونَ، قَالَ: هَل يَرتَدُّ أَحَدٌ مِنهُم عَن دِينِهِ بَعدَ أَن يَدخُلَ فِيهِ سَخطَةً لَهُ؟ قَالَ: قُلتُ: لَا، قَالَ: فَهَل قَاتَلتُمُوهُ؟ قُلتُ: نَعَم، قَالَ: فَكَيفَ كَانَ قِتَالُكُم إِيَّاهُ؟ قَالَ: قُلتُ: تَكُونُ الحَربُ بَينَنَا وَبَينَهُ سِجَالًا، يُصِيبُ مِنَّا وَنُصِيبُ مِنهُ، قَالَ: فَهَل يَغدِرُ؟ قُلتُ: لَا، وَنَحنُ مِنهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا أَمكَنَنِي مِن كَلِمَةٍ أُدخِلُ فِيهَا شَيئًا غَيرَ هَذِهِ، قَالَ: فَهَل قَالَ هَذَا القَولَ أَحَدٌ
ــ
وحسده، وحرصه على إطفاء نوره، ويأبى الله إلا أن يتم نوره. وفيه ما يدل: على أن الكذب مذموم في الجاهلية، والإسلام، وأنه ليس من خلق الكرام.
و(الحسب): الشرف. والحسيب من الرجال: هو الذي يحسب لنفسه آباء أشرافًا ومآثر جميلة. وهو من الحساب (١)، وهو العدد.
و(السِّجال) مصدر: ساجله، يساجله، سجالًا: إذا ناوبه، وقاومه. وأصله من السجل: وهو: الدلو العظيمة التي لا يستقل واحد برفعها من البئر. وقد فسّر معناه بقوله: يصيب منا، ونصيب منه.
وقوله: (والله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة)؛ يعني: أنه كان يعلم من خلق رسول الله ﷺ الوفاء، والصدق، وأنه يفي بما عاهدهم عليه، لكن لما كان المستقبل غير حاصل في وقته ذلك لبَّس بتطريق الاحتمال، تمويهًا بما يعلم خلافه.
وقول هرقل في الضعفاء: (هم أتباع الرسل)، إنما كان ذلك لاستيلاء الرئاسة على الأشراف، وصعوبة الانفكاك عنها، والأنفة من الانقياد للغير، والضعيف خلي عن تلك الموانع (٢)، وهذا غالب أحوال أهل الدنيا، وإلا فقد ظهر أن السُّباق
стр. 1854
قَبلَهُ؟ قَالَ: قُلتُ: لَا، قَالَ لِتَرجُمَانِهِ: قُل لَهُ: إِنِّي سَأَلتُكَ عَن حَسَبِهِ، فَزَعَمتَ أَنَّهُ فِيكُم ذُو حَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبعَثُ فِي أَحسَابِ قَومِهَا، وَسَأَلت: هَل كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ؟ فَزَعَمتَ أَن لَا، فَقُلتُ: لَو كَانَ مِن آبَائِهِ مَلِكٌ قُلتُ: رَجُلٌ يَطلُبُ مُلكَ آبَائِهِ، وَسَأَلتُكَ عَن أَتبَاعِهِ، أَضُعَفَاؤُهُم أَم أَشرَافُهُم، فَقُلتَ: بَل ضُعَفَاؤُهُم، وَهُم أَتبَاعُ الرُّسُلِ، وَسَأَلتُكَ هَل كُنتُم تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبلَ أَن يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَزَعَمتَ أَن لَا، فَقَد عَرَفتُ أَنَّهُ لَم يَكُن لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ يَذهَبَ فَيَكذِبَ عَلَى اللَّهِ، وَسَأَلتُكَ هَل يَرتَدُّ أَحَدٌ مِنهُم عَن دِينِهِ بَعدَ أَن يَدخُلَهُ سَخطَةً لَهُ؟ فَزَعَمتَ أَن لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ القُلُوبِ، وَسَأَلتُكَ هَل يَزِيدُونَ أَم يَنقُصُونَ، فَزَعَمتَ أَنَّهُم يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلتُكَ هَل قَاتَلتُمُوهُ؟
ــ
للإسلام كانوا أشرافًا في الجاهلية والإسلام، كأبي بكر، وعمر، وحمزة، وغيرهم من الكبراء والأشراف.
وقوله: (وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها)؛ إنما كان ذلك لما خص الله به الأشراف من مكارم الأخلاق، والتباعد عن سفسافها. والصدق والأمانة، ولتنجذب النفوس إليهم، فإن الأبصار مع الصور، وأقل ما في الوجود إدراك البصائر.
وقوله: (وكذلك الإيمان حين يخالط بشاشة القلوب)؛ هكذا وقعت هذه الرواية هنا، وفي البخاري: (حين تخالط بشاشته القلوب)، وهي أوضح. وأصل البشاشة: التلطف والتأنس عند اللقاء. يقال: بش به، وبشبش. ومعنى هذا: أن القلوب المنشرحة إذا سمعت الإيمان، وأصغت إليه بشت له، ورحبت بلقائه، كما يفعل بالغائب عن اللقاء، ثم إذا حل الإيمان في القلب انكشفت له محاسنه، وتوالت عليه أنواره، حتى يكره أن يعود في الكفر، كما يكره أن يقذف في النار.
стр. 1855
فَزَعَمتَ أَنَّكُم قَد قَاتَلتُمُوهُ، فَيَكُونُ الحَربُ بَينَكُم وَبَينَهُ سِجَالًا، يَنَالُ مِنكُم وَتَنَالُونَ مِنهُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُم العَاقِبَةُ، وَسَأَلتُكَ هَل يَغدِرُ؟ فَزَعَمتَ أَنَّهُ لَا يَغدِرُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغدِرُ، وَسَأَلتُكَ: هَل قَالَ هَذَا القَولَ أَحَدٌ قَبلَهُ؟ فَزَعَمتَ أَن لَا، فَقُلتُ: لَو قَالَ هَذَا القَولَ أَحَدٌ قَبلَهُ، قُلتُ: رَجُلٌ ائتَمَّ بِقَولٍ قِيلَ قَبلَهُ. ثُمَّ قَالَ: بِمَ يَأمُرُكُم؟ قال: قُلتُ: يَأمُرُنَا بِالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّلَةِ، وَالعَفَافِ. قَالَ: إِن يَكُن مَا تَقُولُ فِيهِ حَقًّا، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وَقَد
ــ
وقوله: (وكذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لهم العاقبة)؛ ابتلاء الرسل بنحو ما ذكر إنما هو ترفيع لدرجاتهم، وستر لأحوالهم، حتى لا يصير العلم بهم ضروريًّا. والله تعالى أعلم.
و(العاقبة): العقبى: الخاتمة الحسنة.
وقوله: (هل قال هذا القول أحد قبله؟ ) يعني: من عرب قومه، وإلا فالرسل كثير، وقد كان في العرب غير قومه رسل، كهود، وصالح، كما ذكر في حديث أبي ذر (١)، ولذلك قال تعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَومًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُم﴾؛ أي: لم يبعث في آبائهم المشهورين عندهم رسول ينذرهم. وهو قول المحققين من المفسرين. وقد دل عليه قوله تعالى في آية أخرى: ﴿لِتُنذِرَ قَومًا مَا أَتَاهُم مِن نَذِيرٍ مِن قَبلِكَ﴾
و(الصلة): يعني بها: صلة الأرحام. و (العفاف) يعني به: عن الفواحش.
وقوله: (إن يكن ما تقول حقًّا فإنه نبي)؛ هذا الكلام محذوف المقدمة الاستثنائية لدلالة الكلام عليها (٢)، وتقديرها: لكن ما تقول حقّ فهو نبي. ويدل
стр. 1856
كُنتُ أَعلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَم أَكُن أَظُنُّهُ مِنكُم، وَلَو أَنِّي أَعلَمُ أَنِّي أَخلُصُ إِلَيهِ، لَأَحبَبتُ لِقَاءَهُ، وَلَو كُنتُ عِندَهُ لَغَسَلتُ عَن قَدَمَيهِ، وَلَيَبلُغَنَّ مُلكُهُ مَا تَحتَ قَدَمَيَّ. قَالَ: ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ:
ــ
على أن هذا مراده قطعًا الذي بعده فإنه قطع فيه بنبوته، فتأمله.
وقوله: (وقد كنت أعلم أنه خارج)؛ أي: بما في الكتب التي اطلع عليها، والبشائر به، والإخبار بمجيئه، ووقته، وعلاماته.
وقوله: (ولم أكن أظن أنه منكم)؛ كأنه استبعد أن يكون نبي من العرب، لما كانوا عليه من الأعمال الجاهلية، والطبيعة الأمية، والحالة الضعيفة الزرية، وتمسّكًا بكثرة الرسل في الملة الإسرائيلية، وقد كان كل ذلك، لكن جبر الله صدع هذه الأمة؛ بأن اختصهم بهذا الرسول العظيم؛ الذي شرّفهم به، وكرّمهم حتى صيرهم خير أمة، والحمد لله على هذه النعمة.
وقوله: (ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه)؛ هكذا جاءت هذه الرواية عند جميع رواة مسلم، وفيها بُعد. وأوضح منها ما جاء في البخاري: (لتجشمت لقاءه)؛ أي: لتكلفت ذلك على مشقة.
وقوله: (ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه)؛ أي: إكرامًا، واحترامًا، وخدمة.
وقوله: (وليبلغن ملكه ما تحت قدمي)؛ يعني بذلك أرضه التي كان فيها، ومملكته التي كان عليها. وكذلك كان. وهذا منه تحقيق لنبوَّته ﷺ ، وعلم بما يفتح الله عليه، وبما ينتهي إليه أمره. ومع ذلك ففي البخاري: أنه استمر على كفره، فنعوذ بالله من علم لا ينفع.
стр. 1857
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ، مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هِرَقلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَن اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعدُ، فَإِنِّي أَدعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسلَامِ، أَسلِم تَسلَم، وَأَسلِم يُؤتِكَ اللَّهُ أَجرَكَ مَرَّتَينِ،
ــ
وقوله ﷺ في الكتاب الذي كتبه إليه: (إلى هرقل عظيم الروم)؛ أي الذي تعظمه الروم، وهو مفاتحته بخطاب استلطاف، ويقتضي التأنيس، والاستئلاف، مع أنه حق في نفسه، فإنه كان معظمًا في الروم، وكان أعظم ملوكهم.
وقوله: (سلام على من اتبع الهدى)؛ عدول عن السلام عليه؛ لأن الكافر لا يفاتح بالسلام إلى التعريض له باتباع طريق الهداية، وقد رأى بعض أهل العلم: أن السلام على أهل الكفر والبدع هكذا يكون.
و(دعاية الإسلام) بكسر الدال، وهي في أصلها: مصدر: دعا، يدعو، دعوة. ودعاية، كرمى، يرمي، رمية، ورماية، وشكا، يشكو، شكوة، وشكاية. ويعني بها هنا: كلمتي الإسلام، وهي: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. وأما رواية: (داعية) فهي صفة للكلمة المحذوفة، فكأنه قال: بالكلمة الداعية للإسلام.
وقوله: (أسلم تسلم)؛ يعني: ادخل في دين الإسلام تسلم في الدنيا من الخزي وفي الآخرة من العذاب، وهو من التجنيس البديع.
وقوله: (يؤتك الله أجرك مرتين)؛ يعني: باتباعه لدين عيسى ﵇، وباتباعه لدين محمد ﷺ ، وهذا كقوله ﵊: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرَّتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، ثم أدرك النبي ﷺ فآمن به واتبعه، فله أجران).
قلت: وهذا إنما يتحصَّل للكتابي إذا كان متبعًا لدين نبيه في الاعتقاد الصحيح، والعمل على مقتضى شريعته. أما لو اعتقد في عيسى، أو في الله تعالى ما لم تجئ به شريعته، فلا يحصل له أجران إذا أسلم، بل أجر الإسلام خاصة؛
стр. 1858
وَإِن تَوَلَّيتَ فَإِنَّ عَلَيكَ إِثمَ الأَرِيسِيِّينَ، ﴿يَا أَهلَ الكِتَابِ تَعَالَوا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَينَكُم أَلا نَعبُدَ إِلا اللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿فَقُولُوا اشهَدُوا بِأَنَّا مُسلِمُونَ﴾ فَلَمَّا فَرَغَ مِن قِرَاءَةِ الكِتَابِ، ارتَفَعَت الأَصوَاتُ عِندَهُ
ــ
لأنه لم يكن على شريعة عيسى، ولا على غيرها، فلم يتبعه، فلا يحصل له أجر.
وقوله: (فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين)؛ يروى: الأريسيين بالهمزة، وبالياء مكان الهمزة، فأما بالهمزة: فقيل: هم الملوك، وقيل: الأكارون، وهم الفلاحون. قال ابن الأعرابي: أرس، يأرس، أرسا: إذا صار ريسًا. فيكون معناه: إن أعرض عن الدخول في الإسلام كان عليه إثم من اتبعه من رؤساء مملكته ورعاياه. قال أبو عبيد: ليس الفلاحون الزراعون فقط، لكن أراد بهم جميع أهل مملكته؛ لأن كل من يزرع عند العرب فلاح. وأما من رواه بالياء، فقد قيل فيه ما تقدم، فتكون لغتين. وقال بعضهم: يكون من التبختر. يقال: راس، يريس، ريسًا، وريسانًا: إذا تبختر. وراس يروس، روسًا، أيضًا.
قلت: وعلى هذا فيكون المراد به: أن عليه إثم من تكبر على الحق، ولم يدخل فيه من أهل مملكته.
(أهل الكتاب): اليهود، والنصارى، نسبوا إلى الكتابين المنزلين على موسى وعيسى ﵉. (تعالوا) بمعنى: أجيبوا إلى ما دعيتم إليه. وهو الكلمة العادلة المستقيمة، التي ليس فيها ميل عن الحق، وقد فسرها بقوله: ﴿أَلا نَعبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشرِكَ بِهِ شَيئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعضُنَا بَعضًا أَربَابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ (أرباب) جمع: رب. وقد تقدَّم تفسيره. و (دون): هنا بمعنى: غير. ﴿فَإِن تَوَلَّوا﴾ أعرضوا عمَّا دعوا إليه. ﴿فَقُولُوا اشهَدُوا بِأَنَّا مُسلِمُونَ﴾؛ أي: متصفون بدين الإسلام، منقادون لأحكامه، معترفون بما لله علينا في ذلك من المنن، والإنعام.
стр. 1859
وَكَثُرَ اللَّغطُ، وَأَمَرَ بِنَا فَأُخرِجنَا، فَقُلتُ لِأَصحَابِي حِينَ خَرَجنَا: لَقَد أَمِرَ أَمرُ ابنِ أَبِي كَبشَةَ، إِنَّهُ لَيَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصفَرِ!
ــ
وفيه دليل: على جواز الجنب، والكافر كتب التفسير والفقه، وإن كان فيها قرآن، لأن القرآن فيها تابع لغيره، فجاء ضمنًا بخلاف ما إذا كان القرآن وحده؛ فلا يجوز للجنب ولا للكافر أن يمسا منه شيئا، قليلا كان أو كثيرا، ومن هنا قال مالك ﵀: إن المصحف إذا كان في عدل أو خرج ليس مخصوصا بالمصحف جاز للجنب، والنصراني أن يحملاه في خرجه، أو عدله، وأما جواز قراءة الجنب الآيات اليسيرة للتعوذ، فلا يستمرأ من هذا الحديث، فتأمله، واللغط: اختلاف الأصوات، واختلاطها، وهو السخب أيضا، كما وقع في البخاري.
وقول أبي سفيان: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ملك بني الأصفر أمر أي: علا وعظم، وهو من: أمر القوم: إذا كثروا، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمَرنَا مُترَفِيهَا﴾ فيمن قرأه بالتخفيف على أحد الوجوه، ونسبة النبي ﷺ لابن أبي كبشة، قال فيه أبو الحسن الجرجاني (١) النسابة: نسبتهم إياه لابن أبي كبشة عداوة له إذ لم يمكنهم الطعن في نسبه الشهير، وكان وهب بن عبد مناف بن زهرة جده أبو أمه يكنى أبا كبشة، وكذلك عمرو بن زيد بن أسد النجاري أبو سلمى أم عبد المطلب كان يدعى أبا كبشة، وكذلك أيضا في أجداده من قبل أمه أبو كبشة جز بن غالب بن الحارث، وهو أبو قيلة أم وهب بن عبد مناف أبي آمنة أمه ﷺ وهو خزاعي، وهو الذي كان يعبد الشعرى (٢) وكان أبوه من الرضاعة يدعى
стр. 1860
قَالَ: فَمَا زِلتُ مُوقِنًا بِأَمرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ سَيَظهَرُ، حَتَّى أَدخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الإِسلَامَ.
وفي رواية: وَكَانَ قَيصَرُ لَمَّا كَشَفَ اللَّهُ عَنهُ جُنُودَ فَارِسَ، مَشَى مِن حِمصَ إِلَى إِيلِيَاءَ، شُكرًا لِمَا أَبلَاهُ اللَّهُ. وَقَالَ فِيها: مِن مُحَمَّدٍ عَبدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَقَالَ: إِثمَ اليَرِيسِيِّينَ. وَقَالَ: بِدَاعِيَةِ الإِسلَامِ.
ــ
أبا كبشة وهو الحارث بن عبد العزى السعدي، وقال مثل هذا كله محمد بن حبيب البغدادي، وزاد أبو نصر بن ماكولا، وقال: أبو كبشة: عمرو والد حليمة مرضعته، وقيل: إنما نسبوه لأبي كبشة لأنه خرج من دين العرب، كما فعل أبو كبشة الذي عبد الشعرى العبور، وإنما عبدها، لأنه رآها تقطع السماء عرضا بخلاف سائر النجوم.
وفي تسمية الروم بـ (بني الأصفر) قولان).
أحدهما: ما قاله ابن الأنباري: أن جيشًا من الحبشة غلبوا على ناحيتهم في بعض الدهر فوطئوا نساءهم، فولدن أولادًا صفرًا.
والثاني: قاله أبو إسحاق الحربي، وهو أنهم نسبوا إلى الأصفر بن الروم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم. وهذا أشبه من القول الأول.
وقوله: (شكرًا لما أبلاه)؛ أي: أنعم عليه. وأصل الابتلاء: الاختبار. وفيه لغتان: ثلاثيًّا، ورباعيًّا. يقال: بلا، وأبلى. وقد جمع بينهما زهير فقال:
. . . . . . . . . . . . . ... وأبلاهما خير البلاء الذي يَبلو (١)
وقيل: (أبلى) في الخير، و (بلا) في الشر. والأول أشهر.