← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وَالحَيَاءُ شُعبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ. رواه أحمد (٢/ ٤١٤ و ٤٤٥)، والبخاري (٩)، ومسلم (٣٥)، وأبو داود (٤٦٧٦)، والترمذي (٢٦١٤)، والنسائي (٨/ ١١٠)، وابن ماجه (٥٧). ــ الخَصلة، ويعني: أنَّ الإيمانَ ذو خصال معدودة، وقد ذكَرَ الترمذيُّ هذا الحديثَ، وسمَّى الشُّعبة بابًا (١)، فقال: بِضعٌ وستون أو بضع وسَبعُونَ، ولا يُلتَفَتُ لهذا الشكِّ؛ فإنَّ غيره من الثقات قد جَزَمَ بأنَّه بِضعٌ وسبعون، وروايةُ مَن جزَمَ أولى. ومقصودُ هذا الحديثِ: أنَّ الأعمالَ الشرعيَّةَ تسمَّى إيمانًا على ما ذكرناه آنفًا، وأنَّها منحصرةٌ في ذلك العدد، غيرَ أنَّ الشرع لم يُعيِّن ذلك العدد لنا (٢) ولا فصَّله. وقد تكلَّف بعضُ المتأخِّرين تعديدَ ذلك؛ فتصفَّحَ خِصَالَ الشريعةِ وعدَّدها، حتَّى انتهَى بها - في زعمه - إلى ذلك العَدَد، ولا يصحُّ له ذلك؛ لأنَّه يمكنُ الزيادةُ على ما ذكَرَ، والنقصانُ ممَّا ذكَرَ؛ ببيانِ التداخل. والصحيحُ: ما صار إليه أبو سُلَيمان الخَطَّابيُّ وغيره: أنَّها منحصرةٌ في علمِ الله تعالى، وعِلمِ رسوله، وموجودةٌ في الشريعة، مفصَّلَةٌ فيها، غير أنَّ الشرعَ لم يُوقِفنَا على أشخاص تلك الأبواب، ولا عيَّن لنا عدَدَهَا، ولا كيفيَّةَ انقسامها، وذلك لا يَضُرُّنَا في عِلمنا بتفاصيلِ ما كُلِّفنا به مِن شريعتنا ولا في عملنا؛ إذ كلُّ ذلك مفصَّلٌ مُبيَّنٌ في جملةِ الشريعة، فما أُمِرنَا بالعَمَلِ به عَمِلنَاه، وما نُهِينَا عنه انتهَينَا، وإن لم نُحِط بِحَصرِ أعداد ذلك، والله تعالى أعلم. والحياءُ: انقباضٌ وحِشمَةٌ يجدها الإنسانُ مِن نفسه عندما يُطَّلَعُ منه على

стр. 212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما يُستَقبَحُ ويُذَمُّ عليه، وأصلُهُ غريزيٌّ في الفطرة، ومنه مكتسَبٌ للإنسان؛ كما قال بعضُ الحكماء في العقل: رَأَيتُ العَقلَ عَقلَينِ ... فَمَطبُوعٌ وَمَصنُوعُ وَلَا يَنفَعُ مَصنُوعٌ ... إِذَا لَم يَكُ مَطبُوعُ كَمَا لَا تَنفَعُ العَينُ ... وَضَوءُ الشَّمسِ مَمنُوعُ (١) وهذا المكتَسَبُ: هو الذي جعلَهُ الشرعُ من الإيمان، وهو الذي يُكلَّفُ به. وأمَّا الغريزيُّ فلا يكلَّفُ به؛ إذ ليس ذلك مِن كسبنا، ولا في وُسعنا، ولم يكلِّفِ اللهُ نفسًا إلَاّ وسعها؛ غير أنَّ هذا الغريزيَّ يَحمِلُ على المكتسب، ويُعِينُ عليه؛ ولذلك قال ﵊: الحَيَاءُ لَا يَأتِي إِلَاّ بِخَيرٍ، والحَيَاءُ خَيرٌ كُلُّهُ (٢). وأوَّلُ الحياءِ وأَولَاه: الحياءُ من الله تعالى، وهو ألَاّ يراك حيثُ نهاك، وذلك لا يكونُ إلَاّ عن معرفةٍ بالله تعالى كاملة، ومراقبةٍ له حاصلَة، وهي المعبَّرُ عنها بقوله: أَن تَعبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ؛ فَإِن لَم تَكُن تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ (٣). وقد رَوَى الترمذيُّ مِن حديث ابن مسعود أَنَّهُ ﵊ قال: استَحيُوا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ، فَقَالُوا: إِنَّا نَستَحيِي وَالحَمدُ للهِ، فَقَالَ: لَيسَ ذَلِكَ، ولكنَّ الاستِحياءَ من الله حقَّ الحَيَاءِ: أَن تَحفَظَ الرَّأسَ وَمَا حَوَى، وَالبطنَ وما وَعَى، وَتَذكُرَ المَوتَ وَالبِلَى، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدِ استَحيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ (٤).

стр. 213

[٣٠] وَعَنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ مِنَ الأَنصَارِ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ، فَقَالَ: الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ. رواه أحمد (٢/ ٥٦ و ١٤٧)، والبخاري (٢٤)، ومسلم (٣٦)، وأبو داود (٤٧٩٥)، والترمذي (٢٦١٨)، والنسائي (٨/ ١٢١)، وابن ماجه (٥٨). ــ قال الشيخ: وأهلُ المعرفة في هذا الحياءِ منقسمون؛ كما أنّهم في أحوالهم متفاوتون كما تقدم، وقد كان النبيُّ ﷺ جُمِعَ له كمالُ نوعَيِ الحياء، فكان في الحياءِ الغريزيِّ أشدَّ حياءً من العَذراء في خِدرها، وفي حيائِهِ الكسبيِّ في ذِروتها. و(قوله: مر بِرَجُلٍ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ) أي: يَعذِلُهُ على كثرته، ويزجُرُهُ عنه. و(قوله ﵊: دَعهُ) زجرٌ للواعظ؛ لأنَّه ﵊ عَلِمَ أنّ ذلك الشخصَ لا يضرُّهُ الحياءُ في دينه، بل ينفعُهُ؛ ولذلك قال له: دَعهُ، فَإِنَّ الحَيَاءَ لَا يَأتِي إِلَاّ بِخَير. وقد يُفرِطُ الحياءُ على بعضِ الناس، حتَّى يمنعَهُ ذلك من القيامِ بحقِّ الله تعالى من الأمرِ بالمعروفِ وتغييرِ المنكر، ويحملَهُ على المداهنة في الحَقِّ، وكلُّ ذلك حياءٌ مذمومٌ شرعًا وطبعًا (١) يحرُمُ استعمالُهُ، ويجب الانكفافُ عنه؛ فإنَّ ذلك الحياءَ أحقُّ باسم الجُبنِ والخَوَر، وأَولَى منه باسمِ الحياءِ والخَفَر.

стр. 214

[٣١] وعَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: الحَيَاءُ لَا يَأتِي إِلَاّ بِخَير، فَقَالَ بُشَيرُ بنُ كَعبٍ: إِنَّهُ مَكتُوبٌ فِي الحِكمَةِ: أَنَّ مِنهُ وَقَارًا، وَمِنهُ سَكِينَةً، فَقَالَ عِمرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَن رَسُولِ الله ﷺ ، وَتُحَدِّثُنِي عَن صُحُفِكَ؟ ! رواه أحمد (٤/ ٤٢٧)، والبخاري (٦١١٧)، ومسلم (٣٧)، وأبو داود (٤٧٩٦). * * * ــ و(قولُ بُشَير بن كعب: إِنَّ مِنهُ وَقَارًا، وَمِنهُ سَكِينَةً) يعني: إنَّ منه ما يحملُ صاحبَهُ على أن يُوَقِّرَ الناسَ ويتوقَّرُ هو في نفسه، ومنه: ما يحملُهُ على أن يَسكُنَ عن كثيرٍ ممَّا يتحرَّكُ الناسُ إليه مِنَ الأمورِ التي لا تليقُ بذوي المروءات. ولم يُنكِر عِمرَانُ على بُشَيرٍ هذا القولَ مِن حيثُ معناه، وإنَّما أنكرَهُ عليه مِن حيثُ إنَّه (١) أتى به في مَعرِضِ مَن يعارضُ كلامَ رسولِ الله ﷺ بكلامِ الحكماءِ، ويقاومُهُ به؛ ولذلك قال له: أُحَدِّثُكَ عَن رَسُولِ الله ﷺ وَتُحَدِّثُنِي عَن صُحُفِكَ! وقيل: إنَّما (٢) أنكَرَه عليه؛ لأنَّه خافَ أن يَخلِطَ بالسُّنَّة ما ليس منها؛ فَسَدَّ ذريعةَ ذلك بالإنكار، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 215

(١٤) بَابُ الاِستِقَامَةِ فِي الإِسلَامِ، وَأَيُّ خِصَالِهِ خَيرٌ [٣٢] عَن سُفيَانَ بنِ عَبدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: قُلتُ: يَا رسولَ الله، قُل لِي فِي الإِسلَامِ قَولاً لَا أَسأَلُ عَنهُ أَحَدًا بَعدَكَ - وَفِي رِوَايَةٍ: غَيرَكَ - قَالَ: قُل: آمَنتُ بِاللهِ، ثُمَّ استَقِم. رواه أحمد (٣/ ٤١٣) و (٤/ ٣٨٥)، ومسلم (٣٨). ــ (١٤) وَمِن بَابِ الاِستِقَامَةِ فِي الإِسلَامِ، وَأَيُّ خِصَالِهِ خَيرٌ (قوله: قُل لِي فِي الإِسلَامِ قَولاً لَا أَسأَلُ عَنهُ أَحَدًا بَعدَكَ) أي: علِّمني قولاً جامعًا لمعاني الإسلام، واضحًا في نفسه، بحيثُ لا يحتاجُ إلى تفسيرِ غيرك، أعمَلُ عليه، وأكتفي به؛ وهذا نحو ممَّا قاله له الآخر: عَلِّمنِي شَيئًا أَعِيشُ بِهِ فِي النَّاسِ، وَلَا تُكثِر عَلَيَّ فَأَنسَى، فَقَالَ: لَا تَغضَب (١). وهذا الجوابُ، وجوابُهُ بقوله: قُل: آمَنتُ بِاللهِ، ثُمَّ استَقِم؛ دليلٌ على أنَّ النبيَّ ﷺ أُوتِيَ جوامعَ الكَلِمِ، واختُصِرَ له القول اختصارًا؛ كما قال النبيُّ ﷺ مُخبِرًا بذلك عن نفسه (٢)؛ فإنّه ﵊ جمَعَ لهذا السائلِ في هاتَين الكلمتَين معانيَ الإسلام والإيمانِ كلَّها؛ فإنَّه أمره أن يجدِّدَ إيمانَهُ متذكِّرًا بقلبه، وذاكرًا بلسانه. ويقتضي هذا استحضارَ تفصيلِ معاني الإيمانِ الشرعيِّ بقلبه، التي تقدَّم ذكرُهَا في حديثِ جبريل (٣)، وأَمرِهِ بالاِستقامةِ على

стр. 216

[٣٣] وعَن عَبدِ اللهِ بنِ عمرو؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رسولَ الله ﷺ : أَيُّ الإِسلامِ خَيرٌ؟ قَالَ: تُطعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَن عَرَفتَ وَمَن لَم تَعرِف. ــ أعمال الطاعات، والانتهاءِ عن جميع المخالفات؛ إذ لا تتأتَّى الاستقامةُ مع شيء من الاعوجاج، فإنَّها ضِدُّه. وكأنَّ هذا القولَ منتزَعٌ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ استَقَامُوا﴾ أي: آمَنُوا باللهِ ووحَّدوه، ثم استقاموا على ذلك وعلى طاعتِهِ إلى أن تُوُفُّوا عليها؛ كما قال عمرُ بنُ الخَطَّاب: استَقَامُوا واللهِ على طاعتِهِ، ولم يَرُوغُوا رَوَغَانَ الثعالب، وملخَّصُهُ: اعتَدَلُوا على طاعة الله تعالى، عَقدًا وقولاً وفعلاً، وداموا على ذلك. و(قوله: أَيُّ المُسلِمِينَ خَيرٌ) أي: أيُّ خصالهم أفضلُ؟ بدليل جوابه بقوله: تُطعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَن عَرَفتَ وَمَن لَم تَعرِف، وكأنَّه ﵊ فَهِمَ عن هذا السائلِ أنَّه يسألُ عن أفضلِ خصالِ المسلمين المتعدِّيَةِ النفعَ إلى الغير، فأجابَهُ بأعمِّ ذلك وأنفعِهِ في حقِّه؛ فإنَّه ﵊ كان يجيبُ كُلَّ سائلٍ على حَسَبِ ما يُفهَمُ منه، وبما هو الأهمُّ في حقِّه والأنفعُ له. و(قوله ﵊: وَتَقرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَن عَرَفتَ وَمَن لَم تَعرِف) قال أبو حاتم: تقول: قَرَأَ ﵇ وأقرَأَهُ الكتابَ، ولا تقول: أَقرَأَهُ السلامَ إلَاّ في لغة سُوء، إلَاّ أن يكونَ مكتوبًا فتقول: أَقرِئهُ السلامَ، أي: اجعلهُ يقرؤه. وجمَعَ له بين الإطعامِ والإفشاء؛ لاجتماعهما في استلزام المحبَّةِ الدينيَّة، والأُلفةِ الإسلاميَّة؛ كما قال ﵊: أَلَا أَدُلُّكُم عَلَى شَيءٍ إِذَا فَعَلتُمُوهُ تَحَابَبتُم؟ أَفشُوا السَّلَامَ بَينَكُم (١). وفيه: دليلٌ على أنَّ السلام لا يُقصَرُ

стр. 217

وَفِي أُخرَى: أَيُّ المُسلِمِينَ خَيرٌ؟ قَالَ: مَن سَلِمَ المُسلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ. رواه البخاري (١٢)، ومسلم (٣٩)، وأبو داود (٥١٩٤)، والنسائي (٨/ ١٠٧)، وابن ماجه (٣٢٥٣). [٣٤] وعَن جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: ــ على من يُعرَفُ، بل على المسلمين كافَّة؛ لأنّه كما قال ﵊: السَّلَامُ شِعَارٌ لِمِلَّتِنَا، وَأَمَانٌ لِذِمَّتِنَا (١). ورَدُّ السلامِ أوكَدُ من ابتدائه، وسيأتي القولُ فيه، إن شاء الله تعالى. و(قوله: أَيُّ المُسلِمِينَ خَيرٌ؟ فقَالَ: مَن سَلِمَ المُسلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ) هذا السؤالُ غيرُ السؤالِ الأوَّل وإن اتَّحَدَ لفظهما؛ بدليلِ افتراق الجواب، وكأنَّه ﵊ فَهِمَ عن هذا السائلِ أنه إنما سأل عن أحقِّ المسلمين باسم الخيريَّة وبالأفضليَّة، وفَهِمَ عن الأوَّل أنَّه سَأَلَ عن أحقِّ خصالِ الإسلامِ بالأفضليَّة، فأجاب كُلاًّ منهما بما يليقُ بسؤاله، والله تعالى أعلم، وهذا أولى مِن أن تقول: الخبران واحد، وإنَّما بعضُ الرواة تسامَحَ؛ لأنَّ هذا التقديرَ يرفَعُ الثقةَ بأخبارِ الأئمَّةِ الحفَّاظِ العدول، مع وجودِ مندوحةٍ عن ذلك.

стр. 218

المُسلِمُ مَن سَلِمَ المُسلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ. رواه مسلم (٤٠). * * * ــ و(قوله: المُسلِمُ مَن سَلِمَ المُسلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ) أي: مَن كانت هذه حالَهُ، كان أحقَّ بهذا الاسمِ، وأمكنَهُم فيه. ويبيِّن ذلك: أنَّه لا ينتهي الإنسانُ إلى هذا، حتَّى يتمكَّنَ خوفُ عقابِ الله تعالى مِن قلبه، ورجاءُ ثوابه، فيُكسِبُهُ ذلك وَرَعًا يحمله على ضَبطِ لسانه ويده، فلا يتكلَّمُ إلَاّ بما يعنيه، ولا يفعلُ إلَاّ ما يَسلَمُ فيه؛ ومَن كان كذلك، فهو المسلمُ الكامل، والمتَّقي الفاضل. ويقرُبُ من هذا المعنى بل يزيدُ عليه: قولُهُ ﵊: لَا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ (١)؛ إذ معناه: أَنَّهُ لَا يتمُّ إيمانُ أحدٍ الإيمانَ التامَّ الكامل (٢)، حتَّى يَضُمَّ إلى سلامةَ النَّاسِ منه إرادته الخيرِ لهم، والنُّصحَ لجميعهم فيما يحاوله معهم. ويستفادُ من الحديث الأوَّل: أنَّ الأصلَ في الحقوقِ النفسيَّة والماليَّة المنعُ؛ فلا يحلُّ شيءٌ منها إلَاّ بوجهٍ شرعيٍّ، واللهُ تعالى أعلَمُ بغيبه وأحكم. * * *

стр. 219

(١٥) بَابٌ لَا يَصِحُّ الإِيمَانُ حَتَّى تَكُونَ مَحَبَّةُ رَسُولِ الله ﷺ رَاجِحَةً عَلَى كُلِّ مَحبُوبٍ مِنَ الخَلقِ [٣٥] عَن أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : لَا يُؤمِنُ عَبدٌ - وَفِي رِوَايَةٍ: الرَّجُلُ - حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِن أَهلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ. ــ (١٥) وَمِن بَابِ: لَا يَصِحُّ الإِيمَانُ حَتَّى تَكُونَ مَحَبَّةُ رَسُولِ الله ﷺ رَاجِحَةً عَلَى كُلِّ مَحبُوبٍ مِنَ الخَلقِ (قوله: لَا يُؤمِنُ عَبدٌ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِن أَهلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ، هذا الحديثُ على إيجازِهِ يتضمَّنُ ذكرَ أصنافِ المَحَبَّةِ؛ فإنَّها ثلاثة: محبَّةُ إجلالٍ وإعظام؛ كمحبَّةِ الوالِدِ والعلماءِ والفضلاء. ومحبَّة رحمةٍ وإشفاق؛ كمحبَّة الولد. ومحبَّةُ مشاكلةٍ واستحسان؛ كمحبَّة غير مَن ذكرنا. وإنَّ محبَّةَ رسولِ الله ﷺ لا بدَّ أن تكون راجحةً على ذلك كلِّه. وإنَّما كان ذلك؛ لأنَّ الله تعالى قد كمَّله على جميعِ جنسه، وفضَّله على سائر نوعه، بما جبله عليه مِنَ المحاسنِ الظاهرة والباطنة، وبما فضَّله مِنَ الأخلاقِ الحسنة والمناقبِ الجميلة؛ فهو أكملُ مَن وَطِئَ الثَّرى، وأفضلُ مَن رَكِبَ ومَشَى، وأكرمُ مَن وافى القيامة، وأعلاهُم منزلةً في دارِ الكرامة. قال القاضي أبو الفضل: فلا يصحُّ الإيمانُ إلَاّ بتحقيق إنافةِ قَدرِ النبيِّ ﷺ ومنزلتِهِ، على كلِّ والدٍ وولد، ومُحسِنٍ ومُفضِل، ومن لم يعتقد هذا واعتقَدَ سواه، فليس بمؤمنٍ. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وظاهرُ هذا القول أنَّه صرَفَ محبَّةَ النبيِّ ﷺ إلى اعتقادِ تعظيمِهِ وإجلاله، ولا شكَّ في كُفرِ مَن لا يعتقدُ عليه. غيرَ أنَّ تنزيلَ هذا الحديثِ على ذلك المعنى غيرُ صحيح؛ لأنَّ اعتقادَ الأعظَمِيَّةِ ليس بالمحبَّةِ، ولا الأحبِّيَّة، ولا مستَلزِم لها؛ إذ قد يجدُ الإنسانُ من نفسه إعظامَ أمرٍ أو

стр. 220

وَفِي لَفظٍ آخَرَ: لَا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِن وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ. رواه أحمد (٣/ ١٧٧ و ٢٠٧ و ٢٧٥)، والبخاري (١٥)، ومسلم (٤٤)، والنسائي (٨/ ١١٤ - ١١٥)، وابن ماجه (١٦٧). ــ شخصٍ، ولا يجدُ محبَّته، ولأنَّ عمر لَمَّا سمع قولَ رسول الله ﷺ : لَا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِن نَفسِهِ وَوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ، قَال عمر: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن كُلِّ شَيءٍ إِلَاّ نَفسِي، فَقَالَ: وَمِن نَفسِكَ يَا عُمَرُ، قَالَ: وَمِن نَفسِي، فَقَالَ: الآنَ يَا عُمَرُ (١). وهذا كلُّه تصريحٌ بأنَّ هذه المحبَّةَ ليست باعتقاد تعظيم، بل ميلٌ إلى المعتقَدِ وتعظيمُهُ وتعلُّقُ القلبِ به، فتأمَّل هذا الفرق؛ فإنَّه صحيحٌ، ومع ذلك فقد خَفِيَ على كثيرٍ من الناس. وعلى هذا المعنى الحديث - والله أعلم - أنَّ مَن لم يجد مِن نفسه ذلك الميلَ، وأرجحيَّتَهُ للنبيِّ ﷺ لم يَكمُل إيمانُهُ. على أنِّي أقولُ: إنَّ كلَّ مَن صدَّق بالنبيِّ ﷺ ، وآمَنَ به إيمانًا صحيحًا، لم يَخلُ عن وِجدَانِ شيء من تلك المحبَّة الراجحةِ للنبيِّ ﷺ ؛ غير أنّهم في ذلك متفاوتون؛ فمنهم: مَن أخذ تلك الأرجحيّةِ بالحظِّ الأوفى؛ كما قد اتَّفَقَ لعمر حتى قال: ومِن نَفسِي، ولهندٍ امرأةِ أبي سفيان حين قالت للنبيِّ ﷺ : لَقَد كَانَ وَجهُكَ أَبغَضَ الوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ، فَقَد أَصبَحَ وَجهُكَ أَحَبَّ الوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ. . الحديث، وكما قال عمرو بن العاص: لَقَد رَأَيتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِن رَسُولِ الله ﷺ ، وَلَا أَجَلَّ فِي عَينِي مِنهُ، وَمَا كُنتُ أُطِيقُ أَن أَملَأَ عَينَيَّ مِنهُ إِجلَالاً لَهُ، وَلَو سُئِلتُ أَن أَصِفَهُ، مَا أَطَقتُ؛ لِأَنِّي لَم أَكُن أَملَأُ عَينَيَّ مِنهُ (٢)، ولا شَكَّ في أنَّ حظَّ أصحابِهِ من

стр. 221

[٣٦] عَن أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : لَا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى يُحِبَّ لِأخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ. رواه أحمد (٣/ ١٧٦ و ٢٧٢ و ٢٧٨)، والبخاري (١٣)، ومسلم (٤٥)، والنسائي (٨/ ١١٥)، والترمذي (٢٥١٧)، وابن ماجه (٦٦). * * * ــ هذا المعنى أعظَمُ؛ لأنَّ معرفتهم لقدره أعظم؛ لأن المحبَّةُ ثمرةُ المعرفة، فتقوَى وتضعُفُ بِحَسَبها. ومن المؤمنين: من يكونُ مستغرِقًا بالشهوات، محجوبًا بالغفلات عن ذلك المعنى في أكثرِ أوقاته؛ فهذا بأخسِّ الأحوال، لكنَّه إذا ذُكِّرَ بالنبيِّ ﷺ ، وبشيء من فضائله، اهتاجَ لذكرِهِ، واشتاقَ لرؤيته، بحيثُ يُؤثِرُ رؤيتَهُ، بل رؤيةَ قبرِهِ ومواضعِ آثاره، على أهلِهِ ومالِهِ وولدِهِ، ونفسِهِ والناسِ أجمعين، فيخطُرُ له هذا ويجدُهُ وِجدانًا لا شَكَّ فيه، غير أنَّه سريعُ الزوال والذَّهَاب؛ لغلبة الشَّهَوَاتِ، وتوالي الغَفَلَات؛ ويُخَافُ على مَن كان هذا حالُهُ ذَهَابُ أصلِ تلك المحبَّة، حتى لا يوجَدَ منها حَبَّة، فنسألُ اللهَ الكريم أن يَمُنَّ علينا بدوامها وكمالِها، ولا يَحجُبَنَا عنها. و(قوله: لَا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى يُحِبَّ لِأخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ) أي: لا يكمُلُ إيمانه؛ كما تقدَّم؛ إذ مَن يَغُشُّ المسلمَ ولا ينصحُهُ مرتكبٌ كبيرةً، ولا يكونُ كافرًا بذلك؛ كما بيَّنَّاه غير مرَّة. وعلى هذا: فمعنى الحديث: أنَّ الموصوفَ بالإيمانِ الكامل: مَن كان في معاملته للناس ناصحًا لهم، مريدًا لهم ما يريده لنفسه، وكارهًا لهم ما يكرهه لنفسه، وتتضمَّنُ أن يفضِّلهم على نفسه؛ لأنَّ كلَّ أحد يُحِبُّ أن يكونَ أفضَلَ من غيره، فإذا أحَبَّ لغيره ما يحبُّ لنفسه، فقد أَحَبَّ أن يكونَ غيره أفضَلَ منه؛ وإلى هذا المعنى أشار الفُضَيلُ بنُ عِيَاض لمَّا قال لسفيانَ بنِ عُيَينة: إن كنتَ تريدُ أن يكون الناسُ مثلَكَ، فما أدَّيتَ للهِ الكريمِ النصيحة، فكيف وأنتَ تُوَدُّ أنَّهم دونك؟ !

стр. 222

(١٦) بَابٌ حُسنُ الجِوَارِ وَإِكرَامُ الضَّيفِ مِنَ الإِيمَانِ [٣٧] عَن أَبِي هُرَيرَة، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن لا يَأمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ. رواه أحمد (٢/ ٣٧٣)، ومسلم (٤٦). ــ (١٦) وَمِن بَابِ حُسنُ الجِوَارِ وَإِكرَامُ الضَّيفِ مِنَ الإِيمَانِ (قوله: لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن لا يَأمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ) الجارُ هنا: يصلُحُ للمجاوِرِ لك في مسكنك، ويصلُحُ للداخل في جوارك وحُرمتك؛ إذ كلُّ واحد منهما يجبُ الوفاءُ بحقه، وتحرمُ أَذِيَّتُهُ تحريمًا أشدَّ من تحريم أذى المسلمين مطلقًا. فمَن كان مع هذا التأكيد الشديد مُضِرًّا لجاره، كاشفًا لعوراته، حريصًا على إنزالِ البوائِقِ به؛ كان ذلك منه دليلاً؛ إمَّا على فسادِ اعتقادٍ ونفاق، فيكونُ كافرًا، ولا شك في أنه لا يدخُلُ الجنة. وإمَّا على استهانةٍ بما عظَّم اللهُ تعالى مِن حرمةِ الجار، ومِن تأكيدِ عهدِ الجوار، فيكونُ فاسقًا فِسقًا عظيمًا، ومرتكبَ كبيرةٍ، يُخَافُ عليه من الإصرار عليها أن يُختَمَ عليه بالكفر؛ فإنَّ المعاصيَ بريدُ الكُفر، فيكونُ من الصِّنفِ الأول، وإن سَلِمَ من ذلك، ومات غيرَ تائب، فأمرُهُ إلى الله تعالى، فإن عَاقَبَهُ بدخول النار، لم يدخُلِ الجَنَّةَ حين يدخلُهَا مَن لم يكن كذلك، أو لا يدخُلُ الجنَّةَ المعدَّةَ لمن قام بحقوق جاره. وعلى هذا القانون ينبغي أن يحمَلَ ما في هذا الباب مما قالَ فيه النبي ﷺ : إنَّ فاعله لا يدخُلُ الجنّة، مما ليس بشركٍ؛ للأدلَّةِ المتقدِّمة، ولِمَا يأتي في أحاديث الشفاعة. والبوائق: جمعُ بائقة، وهي الداهيةُ التي تُوبِقُ صاحبها؛ أي: تهلِكه، وقد تقدَّم ذكرها.

стр. 223

[٣٨] وَعَنهُ، عَن رَسُولِ الله ﷺ : مَن كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَليَقُل خَيرًا أو لِيَصمُت، وَمَن كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَليُكرِم جَارَهُ، وَمَن كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَليُكرِم ضَيفَهُ. ــ و(قوله: مَن كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَليَقُل خَيرًا أو لِيَصمُت) ... الحديثَ. يعني: مَن كان يؤمنُ بالله الإيمانَ الكامل، المُنجِيَ مِن عذاب الله، المُوصِلَ إلى رضوان الله؛ لأنَّ مَن آمَنَ بالله حَقَّ إيمانه، خاف وعيدَه ورجا ثوابَه، ومَن آمنَ باليومِ الآخر، استعدَّ له، واجتهَدَ في فعل ما يدفَعُ به أهوالَهُ ومكارهه، فيأتمرُ بما أُمِرَ به، وينتهي عما نُهِيَ عنه، ويتقرَّبُ إلى الله تعالى بفعلِ ما يقرِّبُ إليه، ويعلمُ أَنَّ مِن أهمِّ ما عليه ضَبطَ جوارحه التي هي رعاياه، وهو مسؤولٌ عنها جارحةً جارحةً؛ كما قال تعالى: إِنَّ السَّمعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مَسئُولًا و: مَا يَلفِظُ مِن قَولٍ إِلَّا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ، وأنَّ مِن أكثرِ المعاصي عددًا، وأيسرها فعلاً: معاصيَ اللسان، وقد استقرَأَ المحاسِبُونَ لأنفسهم آفاتِ اللسان، فوجدوها تُنَيِّفُ على العشرين. وقد أرشد النبي ﷺ إلى هذا جملةً؛ فقال: وَهَل يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِم فِي النَّارِ إِلَاّ حَصَائِدُ أَلسِنَتِهِم (١). وقال: كُلُّ كَلَامِ ابنِ آدَمَ عَلَيهِ، إِلَاّ ذِكرُ اللهِ تَعَالَى، أو أَمرٌ بِمَعرُوفٍ، أو نَهيٌ عَن مُنكَرٍ (٢). وقال: إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِن سَخَطِ اللهِ مَا يُلقِي لَهَا بَالاً، يَهوِي بِهَا فِي النَّارِ سَبعِينَ خَرِيفًا (٣). فَمَن علم ذلك، وآمَنَ به حقَّ إيمانه، اتَّقَى اللهَ في لسانه، فيتكلَّمَ إذا غنم، ويسَكَتَ إذا سلَمَ. و(قوله: وَمَن كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَليُكرِم ضَيفَهُ) الضَّيفُ: هو

стр. 224

وَفِي أُخرَى: مَن كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَلَا يُؤذِ جَارَهُ. رواه أحمد (٢/ ٢٦٧ و ٢٦٩ و ٤٣٣ و ٤٦٣)، والبخاري (٦٠١٨)، ومسلم (٤٧)، وأبو داود (٥١٥٤)، وابن ماجه (٣٩٧١). * * * ــ القادمُ على القومِ النازلُ بهم، ويقال: ضَيفٌ، على الواحد والجمع، ويجمع أيضًا على: أضياف، وضُيُوف، وضِيفَان، والمرأة ضَيفٌ، وضَيفَةٌ، وأَضَفتُ الرَّجُلَ وضَيَّفتُهُ: إذا أنزلتَهُ بك ضَيفًا، وضِفتُ الرجلَ ضِيَافةً: إذا نَزَلتَ عليه، وكذلك تَضَيَّفتُهُ. والضيافةُ: مِن مكارم الأخلاقِ، ومن مَحَاسِنِ الدين، ومِن خُلُق النبيِّين، وليست بواجبةٍ عند عامَّةِ أهل العلم خلا اللَّيث؛ فإنه أوجبها ليلةً واحدة؛ محتجًّا بقوله ﵊: لَيلَة الضَّيفِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ (١)، وبقوله: إِن نَزَلتُم بِقَومٍ فَأَمَرُوا لَكُم بِحَقِّ الضَّيفِ فَاقبَلُوهُ، وإِن لَم يَفعَلُوا، فَخُذُوا مِنهُم حَقَّ الضَّيفِ الَّذِي يَنبَغِي لَهُ (٢). وحُجَّةُ الجمهور: قوله ﵊: جَائِزَتُهُ يَومٌ وَلَيلَةٌ (٣)، والجائزةُ: العطيَّةُ والصلةُ التي أصلُهَا على الندب، وقلَّما يستعملُ مثلُ هذا اللفظ في الواجب. وتأويل الجمهورُ أحاديثَ الليث بأنَّ ذلك كان في أولِ الإسلام؛ إذ كانت المواساةُ واجبة، أو كان هذا للمجاهدين في أوَّلِ الإسلام؛ لقلَّة الأزواد، أو المرادُ به: مَن لزمته الضيافةُ من أهل الذمَّة. ثُمَّ اختلفوا فيمن يخاطَبُ بالضيافة: فذهب الشافعيُّ، ومحمد بنُ عبد الحكم: إلى أن المخاطَبَ بها أهلُ الحضر والبادية. وقال مالكٌ وسُحنون: إنما ذلك على أهلِ البوادي؛ لتعذُّرِ ما يحتاجُ إليه

стр. 225

(١٧) بَابٌ تَغيِيرُ المُنكَرِ مِنَ الإِيمَانِ [٣٩] وعَن طَارِقِ بنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَن بَدَأَ بِالخُطبَةِ يَومَ العِيدِ قَبلَ الصَّلَاةِ: مَروَانُ، ــ المسافرُ في البادية، ولتيسُّرِ ذلك على أهل البادية غالبًا، وتعذُّرِهِ على أهل الحَضَرِ ومشقَّتِهِ عليهم غالبًا. وقد رُوِيَ: الضَّيَافَةُ عَلَى أهل الوَبَر، وَلَيسَت عَلَى أهل المَدَر (١). (١٧) وَمِن بَابِ تَغيِيرُ المُنكَرِ مِنَ الإِيمَانِ (قوله: أَوَّلُ مَن بَدَأَ بِالخُطبَةِ يَومَ العِيدِ قَبلَ الصَّلَاةِ: مَروَانُ) هذا أصحُّ ما رُوِيَ في أَوَّلِ من قدَّم الخطبةَ على الصلاة، وقد رُوِيَ: أوَّلَ مَن فعل ذلك عمر، وقيل: عثمان، وقيل: ابن الزبير، وقيل: معاوية ﵃. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وبعيدٌ أن يصحَّ شيءٌ مِن ذلك عن مثل هؤلاء؛ لأنَّهم شاهدوا رسولَ الله ﷺ ، وصلَّوا معه أعيادًا كثيرة، والصحيحُ المنقولُ عنه، والمتواترُ عند أهل المدينة: تقديمُ الصلاة على الخطبة؛ فكيف يَعدِلُ أحد منهم عما فعله النبيُّ ﷺ وداوَمَ عليه إلى أن توفِّي؟ فإن صحَّ عن واحدٍ مِن (٢) هؤلاء أنَّه قدَّم ذلك، فلعلَّه إنما فعله لمَا رأى من انصرافِ الناسِ عن الخُطبة، تاركين

стр. 226

فَقَامَ إِلَيهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: الصَّلاةُ قَبلَ الخُطبَةِ، فَقَالَ: قَد تُرِكَ مَا هُنَالِكَ، فَقَالَ أبو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا، فَقَد قَضَى مَا عَلَيهِ؛ ــ لسماعها مستعجلين، أو ليدرك الصلَاة مَن تأخَّر وبَعُدَ منزلُهُ، ومع هذين التأويلين، فلا ينبغي أن تُترَكَ سنَّةُ رسولِ الله ﷺ لمثل ذلك، وأولئك الملأُ أعلمُ وأجلُّ من أن يصيروا إلى ذلك، والله أعلم. وأمَّا مَروان وبنو أمية، فإنما قدَّموها؛ لأنَّهم كانوا في خُطَبهم ينالون من عليٍّ - كرم الله وجهه - ويُسمِعون الناسَ ذلك، فكان الناسُ إذا صلَّوا معهم، انصرفوا عن سَمَاعِ خُطَبِهِم لذلك، فلمَّا رأى مَروَانُ ذلك أو مَن شاء الله من بني أميَّة، قدَّموا الخطبة؛ لِيُسمِعُوا الناسَ مِن ذلك ما يكرهون. والصوابُ: تقديمُ الصلاةِ على الخُطبة؛ كما تقدَّم، وقد حكى فيه بعضُ علمائنا الإجماعَ. و(قوله: فَقَامَ إِلَيهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ قَبلَ الخُطبَةِ، فَقَالَ أبو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا، فَقَد قَضَى مَا عَلَيهِ) مقتضَى هذا السياق أن المُنكِرَ على مَروان رجلٌ غيرُ أبي سعيد، وأنَّ أبا سعيد مصوِّبٌ للإنكار، مستدِلٌّ على صحته، وفي الرواية الأخرى: أن أبا سعيد هو المنكرُ على مروان والمستَدِلُّ. ووجهُ التلفيقِ (١) بينهما: أَن يقال: إنَّ كلَّ واحد مِنَ الرجل وأبي سعيد أنكَرَ على مروان؛ فَرَأى بعضُ الرواةِ إنكارَ الرجل، ورأى بعضهم إنكارَ أبي سعيد. وقيل: هما واقعتان في وقتَينِ، وفيه بُعدٌ. وفيه من الفقه: أنَّ سنن الإسلامِ لا يجوزُ تغييرُ شيء منها ولا مِن ترتيبها، وأنَّ تغييرَ ذلك منكَرٌ يجبُ تغييره ولو على الملوكِ إذا قُدِرَ على ذلك، ولم يَدعُ إلى منكرٍ أكبَرَ من ذلك. وعلى الجملة: فإذا تحقَّق المنكَرُ وجَبَ تغييرُهُ على مَن رآه، وكان قادرًا على تغييره؛ وذلك كالمُحدَثَاتِ والبِدَع، والمجمعِ على أنَّه منكَر، فأمَّا

стр. 227

سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: مَن رَأَى مِنكُم مُنكَرًا فَليُغَيِّرهُ بِيَدِهِ، فَإِن لَم يَستَطِع فَبِلِسَانِهِ، فَإِن لَم يَستَطِع فَبِقَلبِهِ، وَذَلِكَ أَضعَفُ الإِيمَانِ. رواه أحمد (٣/ ١٠ و ٢٠ و ٤٩ و ٥٤ و ٩٢)، ومسلم (٤٩)، وأبو داود (١١٤٠)، والترمذي (٢١٧٣)، والنسائي (٨/ ١١١)، وابن ماجه (٤٠١٣). ــ إن لم يكن كذلك، وكان مما قد صار إليه الإمام، وله وجهٌ مَّا من الشرع، فلا يجوزُ لمن رأى خلافَ ذلك (١) أن يُنكِرَ على الإمام؛ وهذا لا يُختَلَفُ فيه. وإنما اختلف العلماء: فيمن قلَّده السلطانُ الحِسبةَ في ذلك، هل يَحمِلُ الناسَ على رأيِه ومذهبِهِ أم لا؟ على قولَين. و(قوله: مَن رَأَى مِنكُم مُنكَرًا، فَليُغَيِّرهُ بِيَدِهِ) هذا الأمرُ على الوجوب؛ لأنَّ الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عن المنكر من واجباتِ الإيمان، ودعائمِ الإسلام، بالكتابِ والسنة وإجماع الأمة، ولا يُعتَدُّ بخلافِ الرافضة في ذلك؛ لأنَّهم إمَّا مكفَّرون؛ فليسوا من الأمة، وإمَّا مبتدعون؛ فلا يُعتَدَّ بخلافهم؛ لظهور فِسقهم؛ على ما حقَّقناه في الأصول. ووجوبُ ذلك بالشرعِ لا بالعقل؛ خلافًا للمعتزلة القائلين بأنَّه واجبٌ عقلاً، وقد بيَّنَّا في الأصول أنَّه لا يجبُ شيءٌ بالعقل، وإنما العقلُ كاشفٌ عن ماهيَّاتِ الأمور، ومميِّزٌ لها، لا مُوجِبٌ شيئًا منها. ثم إذا قلنا: إنَّ الأمر بالمعروفِ، والنهيَ عن المنكر واجبٌ، فذلك على الكفاية، مَن قام به أجزَأَه عن غيره؛ لقوله تعالى: وَلتَكُن مِنكُم أُمَّةٌ يَدعُونَ إِلَى الخَيرِ وَيَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ ولوجوبه شرطان: أحدهما: العلمُ بكون ذلك الفعلِ مُنكَرًا أو معروفًا. والثاني: القدرةُ على التغيير.

стр. 228

[٤٠] وعَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: مَا مِن نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى فِي أُمَّةٍ قَبلِي، إِلَاّ كَانَ لَهُ مِن أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصحَابٌ؛ ــ فإذا كان كذلك، تعيَّن التغييرُ باليد إن كان ذلك المُنكَرُ مما يَحتَاجُ في تغييره إليها، مثلُ: كَسرِ أواني الخمر، وآلاتِ اللهو؛ كالمزاميرِ والأوتاد والكبَرِ (١)، وكمنعِ الظالمِ من الضَّربِ والقتلِ وغيرِ ذلك، فإن لم يَقدِر بنفسه، استعان بغيره، فإن خاف من ذلك ثَوَرَانَ فتنةٍ، وإشهارَ سلاح، تعيَّن رفعُ ذلك، فإن لم يَقدِر بنفسه على ذلك، غيَّر بالقولِ المرتجى نفعُهُ، مِن لين أو إغلاظ؛ حسَبَ ما يكونُ أنفع، وقد يُبلَغُ بالرِّفقِ والسياسة ما لا يُبلَغ بالسيف والرياسة. فإن خاف من القول القتل أو الأذى، غيَّر بقلبه، ومعناه: أن يكره ذلك الفعلَ بقلبه، ويعزمَ على أن لو قدَرَ على التغيير لغيَّره. وهذه آخرُ خَصلَةٍ منَ الخصالِ المتعيِّنةِ على المؤمن في تغييرِ المُنكَر، وهي المعبَّرُ عنها في الحديث بأنَّها أضعفُ الإيمان، أي: خصالِ الإيمان، ولم يبق بعدها للمؤمنِ مرتبةٌ أخرى في تغيير المنكر؛ ولذلك قال في الرواية الأخرى: لَيسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَردَلٍ (٢)، أي: لم يبق وراءَ هذه المرتبةِ رتبةٌ أخرى، والإيمانُ في هذا الحديث بمعنى الإسلام على ما تقدَّم. وفيه دليلٌ على أن مَن خاف على نفسه القتلَ أو الضرب سقَطَ عنه التغيير، وهو مذهبُ المحقِّقين سَلَفًا وخَلَفًا، وذهبت طائفةٌ من الغلاة: إلى أنه لا يسقُطُ وإن خاف ذلك، وسيأتي استيفاءُ هذا المعنى في الجهاد إن شاء الله تعالى. و(قوله: مَا مِن نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبلِي، إِلَاّ كَانَ لَهُ مِن أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصحَابٌ) أي: ما من رسولٍ من الرسلِ المتقدِّمة، ويعني بذلك: غالبَ الرسل

стр. 229

يَأخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقتَدُونَ بِأَمرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخلُفُ مِن بَعدِهِم خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفعَلُونَ، وَيَفعَلُونَ مَا لَا يُؤمَرُونَ؛ فَمَن جَاهَدَهُم بِيَدِهِ فهو مُؤمِنٌ، وَمَن جَاهَدَهُم بِلِسَانِهِ فهو مُؤمِنٌ، وَمَن جَاهَدَهُم بِقَلبِهِ فهو مُؤمِنٌ، ولَيسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَردَلٍ. رواه أحمد (١/ ٤٥٨)، ومسلم (٥٠). * * * ــ لا كلَّهم؛ بدليل قوله ﵊ في الحديث الآخَرِ الذي أخبَرَ فيه عن مجيء الأنبياءِ في أممهم يوم القيامة؛ فإنَّه قال فيه: يَأتِي النَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَيَأتِي النَّبِيُّ وَلَيسَ مَعَهُ أَحَدٌ؛ فهذا العمومُ - وإن كان مؤكَّدًا مِن بعد النفي، فهو مخصَّصٌ بما ذكرناه. والحواريُّون: جمع حَوَارِيٍّ، وهم خُلصَان (١) الأنبياء، الذين أخلصوا في حُبِّ أنبيائهم، وخَلَصُوا مِن كل عيب، وحُوَّارَى الدقيقِ: الدقيقُ الذي نُخِلَ؛ قاله الأزهريُّ. وقال ابن الأنباري: هم المختصُّون المفضَّلون، وسمِّي خُبزَ الحُوَّارَى؛ لأنه أشرفُ الخبز. وقيل: هم الناصرون للأنبياء؛ كما قال ﵊: لكلِّ نبيٍّ مِن أمَّته حَوَارِيُّون، وحَوَارِيَّ الزبيرُ (٢). وقيل في حَوَارِي عيسى خمسةُ أقوال: قيل: هم البِيضُ الثيابِ، وقيل: المبيِّضون لها، وقيل: المجاهدون، وقيل: الصَّيَّادون، وقيل: المُخلصون. والأصحاب: جمعُ صَحب، كَفَرخٍ وأَفرَاخٍ؛ قاله الجوهري، وقال غيره:

стр. 230

(١٨) بَابٌ الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالحِكمَةُ يَمَانِيَةٌ [٤١] عَن أَبِي مَسعُودٍ، قَالَ: أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ نَحو اليَمَنِ، فَقَالَ: أَلَا إِنَّ الإِيمَانَ هاهُنَا، ــ أصحابٌ عند سيبوَيه: جمعُ صاحب؛ كشاهِدٍ وأشهاد، وليس جمعَ صَحب؛ لأنَّ فَعلاً لا يجمع على أفعال إلا في ألفاظ معدودة، وليس هذا منها. والصُّحبَةُ: الخُلطَةُ والملابَسَةُ على جهة المحبَّة؛ يقال: صحِبَهُ يَصحَبُهُ صُحبَةً بالضم، وصَحَابةً بالفتح، وقد يراد به الأصحابُ، وجمع الصاحب: صَحبٌ؛ كراكبٍ ورَكب، وصُحبَةٌ بضم الصاد؛ كفَارِة وفُرهَة، وصِحَابٌ بالكسر؛ كجائِع وجِيَاع، وصُحبَان كشابٍّ وشُبَّان. و(قوله: ثُمَّ إِنَّهَا تَخلُفُ مِن بَعدِهِم خُلُوفٌ) الروايةُ: أنَّهَا بهاء التأنيث فقط، وأعادها على الأُمَّة، أو على الطائفة التي هي معنى حواريِّينَ وأصحاب، ويَحتَمِلُ أن يكون ضميرَ القِصَّة. والخُلوفُ بضمِّ الخاء: جمع خَلفٍ، بفتح الخاء وسكون اللام، وهو القَرنُ بعد القرن، واللاحقُ بعد السابق؛ ومنه قولُهُ تعالى: فَخَلَفَ مِن بَعدِهِم خَلفٌ ويقالُ فيه: خَلَفٌ، بفتح اللام؛ ومنه قولُهُ ﵊: يَحمِلُ هذا العِلمَ مِن كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ (١)، وحكى الفَرَّاءُ الوجهَين في الذمِّ، والفتحَ في المدحِ لا غير، وحكَى أبو زَيدٍ الوجهَين فيهما جميعًا. (١٨) وَمِن بَابِ الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالحِكمَةُ يَمَانِيَةٌ (قوله: أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ نَحو اليَمَنِ، وَقَالَ: أَلَا إِنَّ الإِيمَانَ هاهُنَا) قيل: إنَّ

стр. 231

وَإِنَّ القَسوَةَ وَغِلَظَ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ عِندَ أُصُولِ أَذنَابِ الإِبِلِ، ــ هذه الإشارة صدَرَت عنه ﵊ وهو بتَبُوكَ، وبينه وبين اليمن مكةُ والمدينة؛ ويؤيِّد هذا قولُهُ في حديث جابر: الإِيمَانُ فِي أهل الحِجَازِ، فعلى هذا: يكونُ المرادُ بأهلِ اليمن: أهلَ المدينة ومَن يليهم إلى أوائلِ اليمن. وقيل: كان بالمدينة؛ ويؤيِّده أنَّ كونَهُ بالمدينة كان غالبَ أحوالِهِ؛ وعلى هذا: فتكونُ الإشارة إلى سُبَّاقِ اليمن، أو إلى القبائل اليمنيَّة الذين وَفَدُوا على أبي بكر لفتحِ الشامِ وأوائلِ العراق؛ وإليهم الإشارةُ بقوله ﵊: إنِّي لأَجِدُ نَفَسَ الرَّحمنِ مِن قِبَلِ اليَمَنِ (١)، أي: نَصرَهُ في حياتِهِ وتنفيسَه عنه فيها، وبعد مماته، والله تعالى أعلم. وسُمِّيَ اليَمَنُ يَمَنًا؛ لأنَّه عن يمين الكعبة، وسُمِّيَ الشامُ شامًا؛ لأنَّه عن يسارِ الكعبة، مأخوذٌ من اليدِ الشُؤمَى، وهي اليُسرَى. و(قوله: إِنَّ القَسوَةَ وَغِلَظَ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ عِندَ أُصُولِ أَذنَابِ الإِبِلِ) القَسوَةُ وَغِلَظَ القُلُوبِ: اسمان لمسمًّى واحدٍ، وهو نحو قولِهِ: إِنَّمَا أَشكُو بَثِّي وَحُزنِي إِلَى اللَّهِ، والبَثُّ: هو الحُزن. قال المؤلِّف: وَيَحتَمِلُ أن يقال: إِنَّ القسوةَ يرادُ بها: أنَّ تلك القلوبَ لا تَلِينُ لموعظة ولا تخشَعُ لِتَذكار، وغلظها: ألا تَفهَمَ ولا تَعقِل، وهذا أولى من الأوَّل. والفَدَّادون مشدَّد الدال: جمعُ فَدَّاد؛ قال أبو عُبَيدٍ: هم المُكثِرون من الإبل، وهم جُفَاةٌ أهلُ خُيَلَاءَ، واحدهم: فدَّاد، وهو الذي يملكُ من المائتين إلى الألف. وقال أبو العبَّاس: هم الجَمَّالون والبَقَّارون، والحَمَّارون والرُّعيان. وقال الأصمعيُّ:

стр. 232

حَيثُ يَطلُعُ قَرنَا الشَّيطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ. رواه أحمد (٢/ ٥٤١)، والبخاري (٣٣٠٢)، ومسلم (٥١). ــ هم الذين تعلو أصواتُهُم في حروثهم وأموالهم ومواشيهم، قال: والفديدُ: الصوت، وقد فَدَّ الرجلُ يَفِدُّ فديدًا؛ وأنشد (١): أَعَاذِلُ مَا يُدرِيكَ أَن رُبَّ هَجمَةٍ ... لِأَخفَافِهَا فَوقَ المِتَانِ فَدِيدُ (٢) ورجلٌ فدَّاد: شديدُ الصوت. وأمَّا الفَدَادون بتخفيف الدال: فهي البَقَرُ التي تحرُثُ، واحدها: فَدَّانُ بالتشديد، عن أبي عمرو الشَّيبانيِّ. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وأمَّا الحديثُ فليس فيه إلَاّ روايةُ التشديد، وهو الصحيحُ على ما قاله الأصمعيُّ وغيره. و(قوله: عِندَ أُصولِ أَذنَابِ الإِبِلِ) المراد به، والله أعلم: الملازمون للإبِلِ، السائقون لها. ويظهر لي: أنَّ الفَدَّادين هو العاملُ في غير مكانه. قال: المصوِّتون عند أذناب الإبِلِ سَوقًا لها، وحَدوًا بها. و(قوله: حَيثُ يَطلُعُ قَرنَا الشَّيطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ) هذا تعيينٌ لمواضعهم؛ كما قال في الرواية الأخرى: رَأسُ الكُفرِ قِبَلَ المَشرِقِ. واختُلِفَ في قَرنَيِ الشيطان: فقيل: هما ناحيتا رأسِهِ العُليَا، وهذا أصلُ هذا اللفظ وظاهره؛ فإنَّ قَرنَ الشيءِ أعلاه في اللغة؛ فيكونُ معناه على هذا: أنَّ الشيطاَن ينتصبُ قائمًا مع طلوعِ الشمس لِمَن يسجد للشمس؛ لِيُسجَدَ له، ويُعبَدَ بعبادتها، ويَفعَلُ هذا في الوقت

стр. 233

[٤٢] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: جَاءَ أَهلُ اليَمَنِ، هُم أَرَقُّ أَفئِدَةً، وَأَضعَفُ قُلُوبًا، ــ الذي يسجُدُ لها الكُفَّار؛ كما قال ﷺ : إنَّ الشمسَ تَطلُعُ ومعها قَرنُ الشَّيطَان، فإذا ارتفعَت فارَقَهَا، ثُمَّ إذا استَوَت قارَنَهَا، فإذا زالَت فارَقَهَا، ثم إذا قارَبَتِ الغروبَ قارنَهَا، ثم إذا غرَبَت فارَقَهَا (١). وقيل: القَرنُ الجماعةُ من الناس والأُمَّة؛ ومنه قوله ﵊: خَيرُ أُمَّتِي قَرنِي، ثُمَّ الذين يَلُونَهُم، ثُمَّ الذين يَلُونَهُم (٢). وعلى هذا فيكونُ معنى قَرنَيِ الشيطان في الحديث: أنَّهما أُمَّتان عظيمتان يَعبُدُونَ غيرَ الله، ولعلَّهم في ذلك الوقت ربيعةُ ومُضَرُ المذكوران في الحديث، أو أُمَّتَانِ من الفُرسِ يعبدون الشمسَ، ويَسجُدُونَ لها مِن دون الله؛ كما جاء في الحديث: وحينئذٍ يَسجُدُ لها الكُفَّارُ (٣). وقال الخَطَّابِي: قَرنُ الشيطانِ ضَرَبَ به المَثَلُ فيما لا يُحمَدُ من الأمور. وقيل: المرادُ بهذا الحديث: ما ظهَرَ بالعراق من الفتنِ العظيمة، والحروبِ الهائلة؛ كوقعةِ الجَمَل، وحروبِ صِفِّين، وحَرُورَاء، وفِتَنِ بني أميَّة، وخُرُوجِ الخوارج؛ فإنَّ ذلك كان أصلُهُ، ومنبعُهُ العراقَ ومَشرِقَ نَجد، وتلك مساكنُ ربيعةَ ومُضَرَ إذ ذاك، والله أعلم. و(قوله في أهل اليمن: هُم أَرَقُّ أَفئِدَةً، وَأَضعَفُ قُلُوبًا) يعني: مِن أهلِ المشرق، لا مِن أهل الحجاز؛ لأنَّه ﵊ قد قال في الحديث الآخر: وَالإِيمَانُ فِي أهل الحِجَازِ، واليَمَنُ من الحجاز؛ كما سيأتي بيانُهُ إِن شاء الله تعالى. وقد وصَفَ أهلَ اليمنِ في هذا الحديث بضدِّ ما وصَفَ به أهلَ العراق؛ فإنَّه قابَلَ وصفَي القسوةِ والغِلَظِ بوصفَيِ الرِّقَّةِ والضعف؛ والرقَّةُ في مقابلة القسوة،

стр. 234

الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالحِكمَةُ يَمَانِيَةٌ، السَّكِينَةُ فِي أهل الغَنَمِ، وَالفَخرُ وَالخُيَلَاءُ فِي الفَدَّادِينَ أهل الوَبَرِ قِبَلَ مَطلِعِ الشَّمسِ. وَفِي رِوَايَةٍ: رَأسُ الكُفرِ قِبَلَ المَشرِقِ. رواه أحمد (٢/ ٤٨٠ و ٤٨٨)، والبخاري (٣٤٩٩)، ومسلم (٥٢). ــ والضعفُ يقابلُ الغِلَظَ، فمعنى أَرَقُّ: أخشَعُ، ومعنى أضعَفُ: أسرَعُ فَهمًا وانفعالاً للخير. والأفئدة: جمعُ فؤاد، وهو القلبُ، وقيل: الفؤادُ داخلُ القلب، أي: اللطيفةُ القابلةُ للمعاني مِنَ العلومِ وغيرها. وقوله: الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالحِكمَةُ يَمَانِيَةٌ، قد تقدَّم القولُ في الإيمان. والحِكمَةُ عند العرب: ما منَعَ من الجهل والجفاء، والحكيم: مَن منعهُ عقلُهُ وحِلمُهُ من الجهل؛ حكاه ابنُ عَرَفة، وهو مأخوذٌ من حَكَمَةِ الدابَّة، وهي الحديدةُ التي في اللجام، سُمِّيَت بذلك؛ لأنّها تمنعها. وهذه الأحرف ح ك م حيثما تَصَرَّفَت فيها معنى المَنع، قال الشاعر (١): أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحكِموا سُفَهَاءَكُم ... إِنِّي خَشِيتُ عَلَيكُم أن أَغضَبَا وقيل في قوله تعالى: يُؤتِي الحِكمَةَ مَن يَشَاءُ: إنَّها الإصابةُ في القولِ والفهم؛ قال مالك: الحِكمةُ الفِقهُ في الدين. و(قوله: وَالسَّكِينَةُ فِي أهل الغَنَمِ) أي: السكونُ والوَقَارُ والتواضع. والفَخرُ: التفاخرُ بالآباءِ الأشراف وكثرةِ الأموال والخَوَل (٢) والجاه، وغير

стр. 235

[٤٣] وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : غِلَظُ القُلُوبِ وَالجَفَاءُ فِي المَشرِقِ، وَالإِيمَانُ فِي أهل الحِجَازِ. رواه أحمد (٣/ ٣٤٥)، ومسلم (٥٣). * * * ــ ذلك مِن مراتب أهل الدنيا. والخُيَلَاء: ممدودة وزنُهُ عند سيبويه: فُعَلَاء، وهي التكبُّرُ والتعاظم؛ يقال: خالَ الرجلُ يَخُولُ، فهو خَالٌ وذو خَالٍ ومَخِيلَةٍ؛ ومنه قولُ طلحةَ لِعُمَرَ: إنَّا لَا نَخُولُ عليك، أي: لا نتكبَّر عليك، ويقالُ: اختالَ يختالُ فهو مختالٌ؛ ومنه قولُهُ تعالى: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُختَالٍ فَخُورٍ. وأهلُ الوَبَر، يعني به: أهلَ ذات الوبر، وهي الإبلُ، والوَبَرُ للإبل كالصوفِ للغَنَمِ، والشَّعرِ للمَعز؛ ولذلك قال الله تعالى: وَمِن أَصوَافِهَا وَأَوبَارِهَا وَأَشعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ. وهذا منه ﷺ إخبارٌ عن أكثرِ حالِ أهلِ الغنم، وأهلِ الإبلِ وأغلبه. ورَأسُ الكُفرِ: معظمُهُ ويريدُ: أنَّ كثرةَ أهلِهِ ورياستَهُم هناك. والحجاز سُمِّيَ بذلك؛ لِحَجزه بين نَجدٍ وتِهَامَةَ؛ قاله القتبي، وقال ابنُ دُرَيد: لحجزه بين نجد والسَّرَاة، قال الأصمعي: إذا انحدَرتَ من ثنايا ذاتِ عِرق، فقد أَتهَمتَ إلى البحر، فإذا استَقبَلَكَ الحِرَارُ، فذلك الحجاز، سمِّيت بذلك؛ لأنَّها حُجِزَت بالحِرَارِ الخَمس (١)، وقيل: حَدُّ الحجاز مِن جهة الشام: شَعبٌ، ومما يلي تِهَامَةَ: بَدرٌ وعُكَاظ. قال بعضُ علمائنا: يجوزُ أن يكون المرادُ بالحجاز في هذا الحديث: المدينةَ فقط؛ لأنه ﵊ قال: إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأرِزُ إِلَى المَدِينَةِ (٢).

стр. 236

(١٩) بَابٌ المَحَبَّةُ فِي اللهِ تَعَالَى وَالنُّصحُ مِنَ الإِيمَانِ [٤٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَدخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى تُؤمِنُوا، وَلَا تُؤمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُم عَلَى شَيءٍ إِذَا فَعَلتُمُوهُ تَحَابَبتُم؟ أَفشُوا السَّلَامَ بَينَكُم. رواه أحمد (٢/ ٣٩١)، ومسلم (٥٤)، وأبو داود (٥١٩٣)، والترمذي (٢٦٨٩). ــ (١٩) وَمِن بَابٍ المَحَبَّةُ فِي اللهِ تَعَالَى وَالنُّصحُ مِنَ الإِيمَانِ و(قوله: لَا تَدخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى تُؤمِنُوا، وَلَا تُؤمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا) كذا صحَّت الروايةُ هنا: وَلَا تُؤمِنُوا؛ بإسقاطِ النون، والصوابُ: إثباتها كما قد وقع في بعض النسخ؛ لأنَّ لا نَفيٌ لا نهيٌ؛ فلزم إثباتها. والإيمانُ المذكورُ أوَّلاً هو: التصديقُ الشرعيُّ المذكورُ في حديث جبريل، والإيمانُ المذكور ثانياً هو: الإيمانُ العمليُّ المذكورُ في قوله: الإيمانُ بِضعٌ وسبعون بابًا (١)، ولو كان الثاني هو الأوَّلَ، لَلَزِمَ منه أن لا يدخلَ الجَنَّةَ مَن أبغَضَ أحدًا من المؤمنين، وذلك باطلٌ قطعًا؛ فتعيَّنَ (٢) التأويلُ الذي ذكرناه. وإِفشَاءُ السَّلَامِ إظهارُهُ وإشاعته، وإقراؤُهُ على المعروفِ وغيرِ المعروف. ومعنى قولِهِ: لَا تُؤمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أي: لا يكمُلُ إيمانكم ولا يكونُ حالُكم حالَ مَن كَمُلَ إيمانُهُ؛ حتى تُفشُوا السلامَ الجالبَ للمحبَّة الدينيَّة، والألفةِ الشرعيَّة.

стр. 237

[٤٥] وَعَن تَمِيمٍ الدَّارِيِّ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلنَا: لِمَن؟ قَال: للهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، ولِأَئِمَّةِ المُسلِمِينَ وَعَامَّتِهِم. رواه أحمد (٤/ ١٠٢)، ومسلم (٥٥)، وأبو داود (٤٩٤٤)، والنسائي (٧/ ١٥٦). [٤٦] وعَن جَرِيرٍ؛ قَالَ: بَايَعتُ رسولَ الله ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصحِ لِكُلِّ مُسلِمٍ. ــ و(قوله: الدِّينُ النَّصِيحَةُ) هي مصدرُ: نَصَحَ يَنصَحُ، نَصِيحَةً، ونُصحًا بضم النون، فأمَّا نَصَحتُ الثوبَ، فمصدره: نَصحًا بفتح النون؛ قاله الجوهريُّ. وقال الخطَّابِيُّ: النصيحةُ كلمةٌ يعبَّر بها عن جملةِ هي إرادةِ الخَيرِ للمنصوح له، وهي في اللغةِ الإخلاصُ؛ من قولهم: نَصَحتُ العَسَلَ: إذا صَفَّيتَهُ. قال نِفطَوَيهِ: يقال: نَصَحَ له الشيءُ: إذا خَلَصَ، ونصَحَ له القولَ: أخلَصَهُ له. وقيل: هي مأخوذةٌ من النَّصحِ بالفتح، وهي الخِيَاطةُ، والإبرة: المِنصَحَة، والنِّصَاح: الخَيطُ، والنَّاصِحُ: الخَيَّاط؛ فكأنَّ الناصحَ لأخيه يَلُمُّ شَعَثَهُ ويَضُمُّهُ كما تَضُمُّ الإبرةُ خَرقَ الثوب. فالنصحُ للهِ تعالى: هو صحةُ الاعتقادِ بالوحدانيَّة لله تعالى، ووصفُهُ بصفات الإلهية، وتنزيهُهُ عن النقائص، والرغبةُ في محابِّه، والبُعدُ عن مَسَاخطه. والنُّصُحُ لكتابِ الله تعالى: هو الإيمانُ به، وتحسينُ تلاوته، وتفسير معانيه، وتدبُّرُ آياته، وتوقيرُهُ وتعظيمه، والدعاءُ إليه، والذَّبُّ عنه. والنصحُ لرسولِ اللهِ ﷺ : هو التصديقُ بنبوَّته، والتزامُ طاعتِهِ فيما أمَرَ به ونَهَى عنه، وموالاةُ مَن والاه، ومعاداةُ مَن عاداه، وتوقيرُهُ وتعزيرُه (١)، ومحبَّتُهُ ومحبةُ آل بيته، وتعظيمُ سُنَّتِه، وإحياؤُهَا بعد موتِه، بروايَتِهَا وتصحيحها، والبَحثِ عنها والتفقُّهِ فيها، والذَّبِّ عنها ونَشرِها والدعاءِ إليها، والتخَلُّقِ بأخلاقِهِ الكريمة.

стр. 238

وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَى السَّمعِ وَالطَّاعَةِ - فَلَقَّنَنِي: فِيمَا استَطَعتَ -: وَالنُّصحِ لِكُلِّ مُسلِمٍ. رواه أحمد (٤/ ٣٥٨ و ٣٦١ و ٣٦٤ و ٣٦٥)، والبخاري (٥٧)، ومسلم (٥٦)، وأبو داود (٤٩٤٥)، والنسائي (٧/ ١٥٣). * * * ــ ونصيحةُ أئمَّةِ المسلمين: هي طاعتُهُم في الحقِّ، ومعونَتُهُم عليه، وتذكيرُهُم به، وإعلامُهُم بما غَفَلُوا عنه أو جهلوه في أمر دينهم ومصالح دنياهم، وبالجملة: بأَن يكونَ معهم كما قال ﵊: أن تُؤتِيَهُم مَا تُحِبُّ أن يُؤتَى إِلَيكَ، وتَكرَهَ لَهُم ما تَكرَهُ لِنَفسِكَ (١). وقد تقدَّم القولُ على قولِهِ: لَا يُؤمِنُ أحدُكُم حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ (٢). وإذا كان هذا في حَقِّ المسلمين، فالأمراءُ والأئمَّةُ بذلك أولى. و(قولُ جرير: بَايَعتُ رسولَ الله ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصحِ لِكُلِّ مُسلِمٍ) كانت مبايَعَةُ رسول الله ﷺ لأصحابِهِ مرَّاتٍ متعدِّدَةً في أوقاتٍ مختلفة، بحسَبِ ما كان يحتاجُ إليه مِن تجديدِ عهدٍ، أو توكيدِ أمرٍ؛ فلذلك اختلفَت ألفاظها؛ كما دلَّت عليه الأحاديثُ الآتيةُ. و(قوله: فلَقَّنَني: فِيمَا استَطَعتَ) رويناه: بفتح التاء على مخاطبته إيَّاه؛ وعلى هذا: فيكونُ قوله: فِيمَا استَطَعتَ مِن قول النبيِّ ﷺ مخاطِبًا له به، فلا يحتاجُ جريرٌ إلى التلفُّظِ بهذا القول. ورويناه: بضمِّ التاءِ للمتكلِّم، وعلى هذا:

стр. 239

(٢٠) بَابٌ لَا يَزنِي الزَّانِي حِينَ يَزنِي وهو كَامِلُ الإِيمَانِ [٤٧] عَن أَبي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: لَا يَزنِي الزَّانِي حِينَ يَزنِي وهو مُؤمِنٌ، وَلَا يَسرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسرِقُ وهو مُؤمِنٌ، وَلَا يَشرَبُ الخَمرَ حِينَ يَشرَبُهَا وهو مُؤمِنٌ، وَلا يَنتَهِبُ نُهبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرفَعُ النَّاسُ ــ فيكون النبيُّ ﷺ أمرَهُ أن ينطق بهذا اللفظ؛ فكأنَّه قال له: قل: فيما استطَعتُ، وعليه فيحتاجُ جريرٌ إلى النطق بذلك امتثالاً للأمر. وعلى الوجهَين: فمقصودُ هذا القولِ التنبيهُ على أنَّ اللازمَ من الأمورِ المبايَع عليها هو ما يُطَاقُ ويُستطاع، كما هو المُشتَرَطُ في أصل التكليف؛ كما قال تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفسًا إِلَّا وُسعَهَا. ويُشعِرُ الأمرُ بقولِ ذلك اللفظِ في حال المبايعة: بالعَفو عن الهفوة والسقطة، وما وقع عن خطأٍ أو تفريط. (٢٠) وَمِن بَابٍ لَا يَزنِي الزَّانِي حِينَ يَزنِي وهو كَامِلُ الإِيمَانِ هذه الترجمةُ مشعرةٌ بأنَّ هذه الأحاديثَ المذكورةَ تحتها ليست على ظواهرها، بل متأوَّلَةٌ، وهي تحتملُ وجوهًا من التأويلات؛ أحدُهَا: ما ذُكِرَ في الترجمة، وسيأتي. والزِّنَى في العُرفِ الشرعيِّ: هو إيلاجُ فَرجٍ محرَّمٍ، في فرجٍ محرَّمٍ شرعًا، مُشتَهًى طَبعًا، مِن حيثُ هو كذلك؛ فتحرَّزوا بمُشتَهًى طبعًا من اللِّوَاطِ وإتيانِ البهيمة، وبقولِهِ: مِن حَيثُ هو كَذَلِكَ عن وَطءِ المُحرِمةِ والصائمةِ والحائض؛ فإنَّه تحريم مِن جهةِ الموانعِ الخارجيَّة. و(قوله: وَلا يَنتَهِبُ أَحَدُكُم نُهبَةً ذَاتَ شَرَفٍ) النُّهبَةُ والنُّهبَى: اسمٌ لما يُنتَهَبُ من المال، أي: يؤخذُ من غير قَسمة ولا تقدير، ومنه سُمِّيتِ الغنيمةُ

стр. 240

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نهبى، كما قال: وَأَصَبنَا نَهبَ إِبِلٍ (١)، أي: غنيمةَ إبل؛ لأنَّها تؤخذُ من غير تقدير، يقولُ العرب: أَنهَبَ الرجلُ مالَهُ فانتهبُوهُ ونَهَبُوهُ وناهبوه؛ قاله الجوهريُّ. وذَاتَ شَرَفٍ، أي: ذاتَ قَدرٍ ومالٍ ورفعة، والروايةُ الصحيحةُ بالشين المعجمة، وقد رواه الحربي: سَرَفٍ بالسين المهملة، وقال: معناه: ذاتَ مقدارٍ كثير ينكره الناس؛ كنَهبِ الفُسَّاق في الفِتَنِ الماَل العظيمَ القَدرِ مما يستعظمُهُ الناس، بخلافِ التمرةِ والفَلسِ وما لا خطَرَ له. ومقصودُ هذا الحديثِ: التنبيهُ على جميع أنواعِ المعاصي، والتحذيرُ منها: فنبَّه بالزِّنَى على جميع الشهواتِ المحرَّمة؛ كشهوةِ النَّظَرِ، والكلامِ والسمعِ، ولمسِ اليد، ونَقلِ الخُطَا إلى مثلِ تلك الشهوة؛ كما قال ﵊: زِنَى العَينين النظرُ، وزِنَى اللسانِ الكلامُ، وزِنَى اليدِ البَطشُ، وزِنَى الرِّجلِ الخُطَا، والفَرجُ يصدِّقُ ذلك أو يكذِّبه (٢). ونَبَّه بالسَّرِقَةِ على اكتسابِ المال بالحِيَلِ الخفيَّة، وبالنَّهبِ على اكتسابه على جهةِ الهَجمِ والمغالبة، وبالغلول: على أَخذِهِ على جهة الخيانة؛ هذا ما أشار إليه بعضُ علمائنا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وهذا تنبيهٌ لا يتمشَّى إلَاّ بالمسامحة، وأولَى منه أن يقال: إن الحديثَ يتَضَمَّنَ التحذيرَ عن ثلاثةِ أمور، وهي مِن أعظمِ أصول المفاسد، وأضدادُهَا مِن أُصولِ المصالح، وهي استباحةُ الفروجِ المحرَّمةِ، والأموالِ المحرَّمة، وما يُؤَدِّي إلى الإخلال بالعقول، وخَصَّ بالذِّكر أغلبَ الأوجه حرمة التي يؤخذ بها مال الغير بغير الحق، وظاهرُ هذا الحديث: حُجَّةٌ للخوارجِ والمعتزلةِ وغيرهم ممَّن يُخرِجُ عن الإيمانِ بارتكابِ الكبائر، غيرَ أنَّ أهلَ السنة

стр. 241

إِلَيهِ فِيهَا أَبصَارَهُم حِينَ يَنتَهِبُهَا وهو مُؤمِنٌ، وَلَا يَغُلُّ حِينَ يَغُلُّ وهو مُؤمِنٌ، ــ يعارضونهم (١) بظواهرَ أُخَرَى أولى منها، كقولِهِ ﵊ في حديث أبي ذَرٍّ: مَن مات لا يُشرِكُ بالله شيئًا، دَخَلَ الجنةَ وإن زنَى وإِن سرَقَ (٢). وكقوله في حديثِ عُبَادَةَ بنِ الصامت: ومَن أصاب شيئًا مِن ذلك - يعني: مِنَ القتلِ والسَّرق والزنى - فعُوقِبَ به، فهو كَفَّارةٌ له، ومَن لم يُعَاقَب، فأمرُهُ إلى الله؛ إن شَاءَ عفا، وإن شَاءَ عَذَّبَهُ (٣). ويعضُدُ هذا قولُهُ تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ، ونَحو هذا في الأحاديثِ كثيرٌ. ولمَّا صحَّت هذه المعارضةُ، تعيَّن تأويلُ تلك الأحاديثِ الأُوَلِ وما في معناها، وقد اختلَفَ العلماءُ في ذلك؛ فقال حَبرُ القرآنِ عبد الله بنُ عبَّاس: إنَّ ذلك محمولٌ على المستحِلِّ لتلك الكبائر. وقيل: معنى ذلك: أنَّ مرتكبَ تلك الكبائرِ يُسلَبُ عنه اسمُ الإيمانِ الكاملِ أو النافعِ، الذي يفيدُ صاحبَهُ الانزِجَارَ عن هذه الكبائر. وقال الحسن: يُسلَبُ عنه اسمُ المدح الذي سمَّي به أولياءُ اللهِ المؤمنون، ويَستَحِقُّ اسمَ الذمِّ الذي سمَّي به المنافقون والفاسقون. وفي البخاري: عن ابن عبَّاس: يُنزَعُ منه نُورُ الإيمان (٤). ورَوَى في ذلك حديثًا مرفوعًا، فقال: مَن زَنَى، نزَعَ اللهُ نُورَ الإيمانِ مِن قلبه، فإن شاء أن يَرُدَّهُ إليه، رَدَّهُ (٥). قال المؤلف رحمه الله تعالى: وكُلُّ هذه التأويلاتِ حسنةٌ، والحديثُ قابلٌ لها، وتأويلُ ابن عبَّاس هذا أحسنُهَا.

стр. 242

فَإِيَّاكُم إِيَّاكُم! وَالتَّوبَةُ مَعرُوضَةٌ بَعدُ. ذَكَرَهُ بِأَسَانِيدَ إِلَى أَبِي هُرَيرَةَ. رواه أحمد (٢/ ٣١٧ و ٣٨٦ و ٤٧٩)، والبخاري (٥٥٧٨)، ومسلم (٥٧)، وأبو داود (٤٦٨٩)، والترمذي (٢٦٢٧)، والنسائي (٨/ ٦٤)، وابن ماجه (٣٩٣٦). * * * ــ و(قوله: وَالتَّوبَةُ مَعرُوضَةٌ بَعدُ) هذا منه ﷺ إرشادٌ لمن وقَعَ في كبيرة أو كبائرَ إلى الطريقِ التي بها يتخلَّصُ، وهي التوبةُ. ومعنى كونها معروضةً، أي: عرَضَهَا الله تعالى على العباد، حيثُ أمرهم بها وأوجَبَهَا عليهم، وأخبَرَ عن نفسه أنَّه تعالى يقبلُهَا؛ كلُّ ذلك فَضلٌ من الله تعالى، ولُطفٌ بالعبد؛ لِمَا عَلِمَ الله تعالى مِن ضَعفِهِ عن مقاومةِ الحواملِ على المخالفاتِ، التي هي: النفسُ والهوَى، والشيطانُ الإنسيُّ والجِنِّيُّ، فلمَّا عَلِمَ الله تعالى أنَّه يقع في المخالفات، رحمه بِأَن أرشدَهُ إلى التوبة، فعرَضَهَا عليه وأوجبها، وأخبَرَ بِقَبُولها. وأيضًا: فإنَّه يجبُ على النُصَحاءِ أن يعرضوها على أهل المعاصي ويُعرِّفوهم بها، ويوجبوها عليهم، وبعقوبةِ الله تعالى لِمَن تركها، وذلك كلُّه لطفٌ مُتَّصِلٌ إلى طلوع الشمس مِن مغربها، أو إلى أن يُغَرغِرَ العبدُ؛ كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وبَعدُ: ظرفٌ مبنيٌّ على الضمِّ؛ لقطعِهِ عن الإضافة لَفظًا، وإرادةِ المضافِ ضِمنًا، ويقابلها قَبلُ؛ كما قال الله تعالى: لِلَّهِ الأَمرُ مِن قَبلُ وَمِن بَعدُ.

стр. 243

(٢١) بَابُ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ [٤٨] عَن عَبدِ اللهِ بنِ عمرو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَربَعٌ مَن كُنَّ فِيهِ، كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَن كَانَت فِيهِ خَلَّةٌ مِنهُنَّ، كَانَت فِيهِ خَلَّةٌ مِن ــ (٢١) وَمِن بَابِ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ (قوله: أَربَعٌ مَن كُنَّ فِيهِ، كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا) قال ابنُ الأنباريِّ: في تسميةِ المنافقِ منافقًا ثلاثةُ أقوال: أحدها: أنَّه سمِّي بذلك؛ لأنَّه يستُرُ كفره؛ فأشبه الداخلَ في النَّفَق، وهو السَّرَبُ. وثانيها: أنه شُبِّهَ باليربوعِ الذي له جُحرٌ يقال له: القَاصِعاء، وآخَرُ يقال له: النَّافِقاء، فإذا أُخِذَ عليه مِن أحدهما، خرَجَ من الآخر؛ وكذلك المنافق: يخرُجُ من الإيمانِ مِن غير الوجهِ الذي يدخُلُ فيه. وثالثها: أنَّه شُبِّه باليربوعِ مِن جهة أنَّ اليربوع يَخرِقُ في الأرض، حتى إذا قاربَ ظاهرَهَا، أَرَقَّ الترابَ، فإذا رَابه رَيب، دفَعَ الترابَ برأسِهِ فخرَجَ، فظاهرُ جُحرِهِ تراب، وباطنُهُ حَفر، وكذلك المنافقُ: ظاهرُهُ الإيمان، وباطنه الكفر. قال المؤلف - رحمه الله تعالى -: وظاهرُ هذا الحديثِ: أنَّ مَن كانت هذه الخصالُ الثلاثُ فيه، خرَجَ من الإيمان، وصار في النفاق الذي هو الكُفرُ الذي قال فيه مالكٌ: النفاقُ الذي كان (١) على عَهدِ رسول الله ﷺ هو الزندقةُ عندنا اليَومَ.

стр. 244

نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ. ــ وليس الأمرُ على مقتضى هذا الظاهرِ؛ لِمَا قرَّرناه في أوَّلِ الكتابِ، وأَعَدناه في البابِ الذي قبلَ هذا. ولمَّا استحالَ حملُ هذا الحديثِ على ظاهره على مذهبِ أهل السنة، اختلَفَ العلماءُ فيه على أقوال: أحدها: أنَّ هذا النفاقَ هو نفاقُ العملِ الذي سألَ عنه عمرُ حذيفةَ لما قال له: هل تعلَمُ فيَّ شيئًا من النفاق؟ أي: مِن صفات المنافقين الفعليَّة، ووجهُ هذا: أنَّ مَن كَانَت فيه هذه الخصالُ المذكورة، كان ساترًا لها، ومظهرًا لنقائضها؛ فصدَقَ عليه اسمُ منافق. وثانيها: أنّه محمولٌ على مَن غلبت عليه هذه الخصال، واتَّخَذَها عادةً، ولم يبالِ بها؛ تهاوُنًا واستخفافًا بأمرها؛ فأي مَن كان هكذا، كان فاسدَ الاِعتقادِ غالبًا، فيكونُ منافقًا خالصًا. وثالثها: أنَّ تلك الخصالَ كانت علامةَ المنافقين في زمانه؛ فإنَّ أصحابَ النبيِّ ﷺ كانوا متجنبين لتلك الخصال؛ بحيث لا تقع منهم، ولا تُعرَفُ فيما بينهم؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاس وابنُ عمر، ورُوِيَ عنهما في ذلك حديثٌ، وهو أنهما أَتَيَا النبيَّ ﷺ فسألاه عن هذا الحديث، فضحكَ النبيُّ ﷺ وقال: ما لكم ولهنَّ، إنما خصَصتُ بهنَّ المنافقين، أنتم مِن ذلك بُرَآء (١)، وذكر الحديثَ بطولِهِ القاضي عياض، قال: وإلى هذا صارَ كثيرٌ من التابعين والأئمَّة. و(قوله: وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ) أي: مال عن الحَقِّ، واحتال في ردِّه وإبطاله.

стр. 245

رواه أحمد (٢/ ١٨٩ و ١٩٨)، والبخاري (٣٤)، ومسلم (٥٨)، وأبو داود (٤٦٨٨)، والترمذي (٢٦٣٤)، والنسائي (٨/ ١١٦). [٤٩] وَفِي رِوَايَةٍ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ: آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ - وَإِن صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسلِمٌ -: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخلَفَ، وَإِذَا اؤتُمِنَ خَانَ. وَلَم يَذكُر: وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ. رواه أحمد (٢/ ٣٥٧)، والبخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩)، والترمذي (٢٦٣٣)، والنسائي (٨/ ١١٧). * * * ــ قال الهَرَوِيُّ: أصلُ الفجور: الميلُ عن القصد، وقد يكونُ الكذبَ. والخَلَّةُ بفتح الخاء: الخَصلة، وجمعها خِلَال، وبالضمِّ الصداقة. والزُّعمُ بضم الزاي قولٌ غيرُ محقَّق؛ كما تقدَّم. وكونُهُ ﵊ ذَكَرَ في حديثِ أبي هريرة: أنَّ علامةَ المنافقِ ثلاثٌ، وفي حديث ابن عمرو: أنَّها أربعٌ: يَحتَمِلُ أن يكونَ ذلك؛ لأنَّه ﵊ استجَدَّ من العلم بخصالِ المنافقين ما لم يكُن عنده: فإمَّا بالوحي، وإمَّا بالمشاهَدَةِ لتك منهم. وعلى مجموعِ الروايتَينِ: تكونُ خصالهم خمسًا: الكذبُ، والغَدرُ، والإخلافُ، والخيانةُ، والفجورُ في الخصومة، ولا شَكَّ في أنَّ للمنافقين خصالاً أُخَرَ مذمومةً؛ كما قد وصفهم الله تعالى حيث قال: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا، فيحتملُ أن يقال: إنَّما خُصَّت تلك الخصالُ الخمسُ بالذِّكر؛ لأنَّها أظهرُ عليهم مِن غيرها عند مخالطتهم للمسلمين، أو لأنَّها هي التي يَضُرُّون بها المسلمين، ويقصدون بها مفسدتهم، دون غيرها مِن صفاتهم، والله تعالى أعلم.

стр. 246

(٢٢) بَابُ إِثمِ مَن كَفَّرَ مُسلِمًا أو كَفَرَ حَقَّهُ [٥٠] عَنِ ابنِ عُمَرَ؛ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَيُّمَا امرِئٍ قَالَ ــ (٢٢) وَمِن بَابِ إِثمِ مَن كَفَّرَ مُسلِمًا أو كَفَرَ حَقَّهُ كَفَّرَ الأوَّلُ - مشدَّدا - ومعناه: نسبَهُ إلى الكفر، وحكَمَ عليه به، وكفَرَ الثاني - مخفَّفٌ - بمعنى: جحَدَ حقَّهُ، ولم يقم به. و(قوله ﵊: أَيُّمَا امرِئٍ قَالَ لأخِيهِ: كَافِرٌ) صوابُ تقييده: كافرٌ بالتنوين، على أن يكون خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: أنتَ كافر، أو هو كافرٌ. وربَّما قيَّده بعضهم: كَافِرُ بغير تنوين؛ فجعله منادًى مفردًا محذوفَ حرف النداء. وهذا خطأٌ؛ إذ لا يحذفُ حرفُ النداء مع النكرات ولا مع المُبهَمات، إلَاّ فيما جرى مجرى المَثَل؛ في نحو قولهم: أَطرِق كَرَا (١)، وافتَدِ مخنوقُ (٢)، وفي حديث موسى: ثَوبِي حَجَرُ، ثَوبِي حَجَرُ (٣)، وهو قليلٌ. وأصلُ الكفر: التغطيةُ والستر؛ ومنه سُمِّيَ الزارع: كافرًا؛ ومنه قوله تعالى: أَعجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ أي: الزُّرَّاع، ومنه قول الشاعر:

стр. 247

لأخِيهِ: كَافِرٌ، فَقَد بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، إِن كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلاّ رَجَعَت عَلَيهِ. رواه أحمد (٢/ ٦٠)، ومسلم (٦٠). ــ . . . . . . . . . . . ... فِي لَيلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا (١) أي: ستَرَ وغطَّى، والغمام: السحاب. وأمَّا الكفر الواقعُ في الشرع، فهو جحدُ المعلومِ منه ضرورةً شرعيَّةً، وهذا هو الذي جَرَى به العُرفُ الشرعيُّ، وقد جاء فيه الكُفرُ بمعنَى جَحدِ المُنعِم، وتَركِ الشكرِ على النِّعَم، وتركِ القيامِ بالحقوق؛ ومنه قوله ﵊ للنساء: يكفُرنَ الإِحسَانَ، ويكفُرنَ العَشِيرَ (٢)، أي: يَجحَدنَ حقوقَ الأزواج وإحسانهم؛ ومِن هاهنا صحَّ أن يقال: كفرٌ دون كفرٍ، وظُلمٌ دون ظلمٍ، وسيأتي لهذا مزيدُ بيان. و(قوله: فَقَد بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا) أي: رجَعَ بإثمها، ولازَمَ ذلك؛ قال الهرويُّ: وأصلُ البَوء: اللزوم؛ ومنه: أَبُوءُ بِنِعمَتِكَ عَلَيَّ (٣)، أي: أُقِرُّ بها وأُلزِمها نفسي، وقال غيره من أهل اللغة: إنَّ باء في اللغة: رجَعَ بِشَرٍّ. والهاءُ في بها راجعٌ إلى التكفيرةِ الواحدة التي هي أقلُّ ما يدلُّ عليها لفظ كافر. ويحتملُ أن يَعُودَ إلى الكلمة، ونعني بهذا أنَّ المقولَ له كافر إن كان كافرًا كفراً شرعيًّا، فقد صدَقَ القائلُ له ذلك، وذهَبَ بها المقولُ له، وإن لم يكن كذلك، رجعَت للقائلِ مَعَرَّةُ (٤) ذلك

стр. 248

[٥١] وَعَن أَبِي ذَرٍّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: لَيسَ مِن رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيرِ أَبِيهِ - وهو يَعلَمُهُ - إِلَاّ كَفَرَ، وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيسَ لَهُ، فَلَيسَ مِنَّا، ــ القولِ وإثمُهُ. وأحدهما هنا يعني به: المقول له على كلِّ وجه؛ لقوله: إِن كَانَ كَمَا قَالَ، وأمَّا القائُل، فهو المَعنِيُّ بقوله: وَإِلَاّ رَجَعَت عَلَيهِ. وبيانُهُ بما في حديث أبي ذرٍّ الذي قال فيه: مَن دَعَا رَجُلاً بِالكُفرِ، أو قَالَ: عَدُو اللهِ ولَيسَ كَذَلِكَ، إلَاّ حَارَ عَلَيهِ (١)، أي: على القائل. وحار: رجع، ويعني بذلك وِزرَ ذلك وإثمَهُ. و(قوله: لَيسَ مِن رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيرِ أَبِيهِ، وهو يَعلَمُهُ، إِلَاّ كَفَرَ) أي: انتسَبَ لغير أبيه رغبةً عنه مع عِلمِه به. وهذا إنَّما يفعله أهلُ الجفاءِ والجهلِ والكِبر؛ لِخِسَّةِ مَنصِبِ الأب ودناءته؛ فيرى الانتسابَ إليه عارًا ونقصًا في حقِّه. ولا شكَّ في أنَّ هذا محرَّمٌ معلومُ التحريمِ، فمَن فعَلَ ذلك مستحلاًّ، فهو كافرٌ حقيقةً، فيبقى الحديثُ على ظاهره. وأمَّا إن كان غيرَ مستحلٍّ، فيكونُ الكفرُ الذي في الحديثِ محمولاً على كفرانِ النِّعَمِ والحقوقِ؛ فإنَّه قابَلَ الإحسانَ بالإساءة، ومَن كان كذلك، صدَقَ عليه اسمُ الكافر، وعلى فِعلِهِ أنَّهُ كُفرٌ؛ لغةً وشرعًا على ما قرَّرناه، ويحتملُ أن يقال: أُطلِقَ عليه ذلك؛ لأنَّه تَشَبَّهَ بالكُفَّار أهلِ الجاهليَّةِ، أهلِ الكِبرِ والأنفة؛ فإنَّهم كانوا يفعلون ذلك، والله تعالى أعلم. و(قوله: مَنِ ادَّعَى مَا لَيسَ لَهُ، فَلَيسَ مِنَّا) ظاهره: التبرِّي المُطلَقُ، فيبقى على ظاهره في حقِّ المستحِلِّ لذلك؛ على ما تقدَّم. ويُتأوَّلُ في حقِّ غير المستحلِّ بأنَّه ليس على طريقة النبيِّ ﷺ ، ولا على طريقةِ أهلِ دينه؛ فإنَّ ذلك ظلمٌ، وطريقةُ أهلِ الدِّينِ: العدلُ، وتركُ الظلم، ويكونُ هذا كما قال: لَيسَ مِنَّا مَن ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوب (٢)، ويقرُبُ منه: مَن لم يَأخُذ مِن شاربِهِ، فليس مِنَّا (٣).

стр. 249

وَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَن دَعَا رَجُلاً بِالكُفرِ، أو قَالَ: عَدُو اللهِ وَلَيسَ كَذَلِكَ، إِلَاّ حَارَ عَلَيهِ. رواه أحمد (٥/ ١٦٦)، والبخاري (٣٥٠٨)، ومسلم (٦١). [٥٢] وَعَن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبِي بَكرَةَ، كِلَاهُمَا قَالَ: سَمِعَتهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلبِي، مُحَمَّدًا ﷺ يَقُولُ: مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيرِ أَبِيهِ وهو يَعلَمُ أَنَّهُ غَيرُ أَبِيهِ، فَالجَنَّةُ عَلَيهِ حَرَامٌ. رواه أحمد (١/ ١٧٤) و (٥/ ٤٦)، والبخاري (٦٧٦٦)، ومسلم (٦٣)، وأبو داود (٥١١٣)، وابن ماجه (٢٦١٠). [٥٣] وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : سِبَابُ المُسلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفرٌ. رواه أحمد (١/ ٣٨٥ و ٤٣٣ و ٤٣٩ و ٤٤٦ و ٤٥٤ و ٤٥٥)، والبخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤)، والترمذي (٢٦٣٦)، والنسائي (٧/ ١٢٢)، وابن ماجه (٦٩) و (٣٩٣٩). ــ و(قوله: سَمِعَتهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلبِي: مُحَمَّدًا ﷺ ) الضميرُ في سَمِعَتهُ ضميرُ المصدر الذي دَلَّ عليه سَمِعَتهُ، أي: سَمِعَته سمعًا أُذنَايَ؛ كما تقولُ العربُ: ظننتُهُ زيدًا قائمًا، أي: ظَنَنتُ ظنًّا زيدًا قائمًا، وهذا الوجهُ أحسنُ ما يقالُ فيه إن شاء الله تعالى. ويجوزُ: أن يكونَ الضميرُ عائدًا على معهودٍ متصوَّرٍ في نفوسهم، ومحمّد بدلٌ منه، والله أعلم. و(قوله: سِبَابُ المُسلِمِ فُسُوقٌ) أي: خروجٌ عن الذي يجبُ من احترامِ المسلم، وحرمةِ عِرضِهِ وسَبِّه، وقد تقدَّم القولُ في الفِسق. و(قوله: وَقِتَالُهُ كُفرٌ) القول فيه على نحو ما ذكرناه آنفا.

стр. 250

[٥٤] وَعَن جَرِيرٍ، قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: استَنصِت لِيَ النَّاسَ، ثُمَّ قَالَ: لَا تَرجِعُوا بَعدِي كُفَّارًا؛ يَضرِبُ بَعضُكُم رِقَابَ بَعضٍ. رواه أحمد (٤/ ٣٥٨ و ٣٦٣ و ٣٦٦)، والبخاري (١٢١)، ومسلم (٦٥)، والنسائي (٧/ ١٢٧ - ١٢٨)، وابن ماجه (٣٩٤٢). [٥٥] وَعَنهُ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَيُّمَا عَبدٍ أَبَقَ مِن مَوَالِيهِ، فَقَد كَفَرَ، حَتَّى يَرجِعَ إِلَيهِم. وَفِي آخَرَ: أَيُّمَا عَبدٍ أَبَقَ، فَقَد بَرِئَت مِنهُ الذِّمَّةُ. ــ و(قوله: لَا تَرجِعُوا بَعدِي كُفَّارًا؛ يَضرِبُ بَعضُكُم رِقَابَ بَعضٍ) أي: لا تَتشَبَّهُوا بالكفَّار في المقاتلةِ والمقاطعة. وفيه: ما يدلُّ على أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يعلم ما يكونُ بعده في أمَّته من الفتن والتقاتل، ويَدُلُّ أيضًا: على قربِ وقوعِ ذلك مِن زمانه؛ فإنَّه خاطَبَ بذلك أصحابَهُ، وظاهُرُه: أنَّه أرادهم؛ لأنَّه بهم أعنَى، وعليهم أحنَى، ويَحتَمِلُ غيرَ ذلك. و(قوله: أَيُّمَا عَبدٍ أَبَقَ مِن مَوَالِيهِ، فَقَد كَفَرَ) محمولٌ على ما ذكرنا. و(قوله: فَقَد بَرِئَت مِنهُ الذِّمَّةُ) أي: ذِمَّةُ الإيمان وعهدُهُ وخَفَارَتُهُ (١): إن كان مستحلاًّ للإباق، فيجبُ قتلُهُ بعد الاستتابة؛ لأنَّه مرتدٌّ، وإن لم يكن كذلك، فقد خرَجَ عن حُرمة المؤمنين وذِمَّتهم؛ فإنَّهُ تجوزُ عقوبتُهُ على إباقه، وليس لأحدٍ أن يحولَ بين سيَّده وبين عقوبتِهِ الجائزةِ إذا شاءها السَّيِّد. ويقال: بَرِئتُ مِنَ الرَّجُلِ والدَّينِ بَرَاءةً، وبَرئتُ أَبرَأُ إليه بُرءًا وبُرُوءًا، يقالُ أيضًا: بَرُؤتُ - بضمِّ الراء - أَبرُؤُ.
следующие страницы →