كُنتُ أَعلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَم أَكُن أَظُنُّهُ مِنكُم، وَلَو أَنِّي أَعلَمُ أَنِّي أَخلُصُ إِلَيهِ، لَأَحبَبتُ لِقَاءَهُ، وَلَو كُنتُ عِندَهُ لَغَسَلتُ عَن قَدَمَيهِ، وَلَيَبلُغَنَّ مُلكُهُ مَا تَحتَ قَدَمَيَّ. قَالَ: ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ:
ــ
على أن هذا مراده قطعًا الذي بعده فإنه قطع فيه بنبوته، فتأمله.
وقوله: (وقد كنت أعلم أنه خارج)؛ أي: بما في الكتب التي اطلع عليها، والبشائر به، والإخبار بمجيئه، ووقته، وعلاماته.
وقوله: (ولم أكن أظن أنه منكم)؛ كأنه استبعد أن يكون نبي من العرب، لما كانوا عليه من الأعمال الجاهلية، والطبيعة الأمية، والحالة الضعيفة الزرية، وتمسّكًا بكثرة الرسل في الملة الإسرائيلية، وقد كان كل ذلك، لكن جبر الله صدع هذه الأمة؛ بأن اختصهم بهذا الرسول العظيم؛ الذي شرّفهم به، وكرّمهم حتى صيرهم خير أمة، والحمد لله على هذه النعمة.
وقوله: (ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه)؛ هكذا جاءت هذه الرواية عند جميع رواة مسلم، وفيها بُعد. وأوضح منها ما جاء في البخاري: (لتجشمت لقاءه)؛ أي: لتكلفت ذلك على مشقة.
وقوله: (ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه)؛ أي: إكرامًا، واحترامًا، وخدمة.
وقوله: (وليبلغن ملكه ما تحت قدمي)؛ يعني بذلك أرضه التي كان فيها، ومملكته التي كان عليها. وكذلك كان. وهذا منه تحقيق لنبوَّته ﷺ ، وعلم بما يفتح الله عليه، وبما ينتهي إليه أمره. ومع ذلك ففي البخاري: أنه استمر على كفره، فنعوذ بالله من علم لا ينفع.
стр. 1857
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ، مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هِرَقلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَن اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعدُ، فَإِنِّي أَدعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسلَامِ، أَسلِم تَسلَم، وَأَسلِم يُؤتِكَ اللَّهُ أَجرَكَ مَرَّتَينِ،
ــ
وقوله ﷺ في الكتاب الذي كتبه إليه: (إلى هرقل عظيم الروم)؛ أي الذي تعظمه الروم، وهو مفاتحته بخطاب استلطاف، ويقتضي التأنيس، والاستئلاف، مع أنه حق في نفسه، فإنه كان معظمًا في الروم، وكان أعظم ملوكهم.
وقوله: (سلام على من اتبع الهدى)؛ عدول عن السلام عليه؛ لأن الكافر لا يفاتح بالسلام إلى التعريض له باتباع طريق الهداية، وقد رأى بعض أهل العلم: أن السلام على أهل الكفر والبدع هكذا يكون.
و(دعاية الإسلام) بكسر الدال، وهي في أصلها: مصدر: دعا، يدعو، دعوة. ودعاية، كرمى، يرمي، رمية، ورماية، وشكا، يشكو، شكوة، وشكاية. ويعني بها هنا: كلمتي الإسلام، وهي: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. وأما رواية: (داعية) فهي صفة للكلمة المحذوفة، فكأنه قال: بالكلمة الداعية للإسلام.
وقوله: (أسلم تسلم)؛ يعني: ادخل في دين الإسلام تسلم في الدنيا من الخزي وفي الآخرة من العذاب، وهو من التجنيس البديع.
وقوله: (يؤتك الله أجرك مرتين)؛ يعني: باتباعه لدين عيسى ﵇، وباتباعه لدين محمد ﷺ ، وهذا كقوله ﵊: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرَّتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، ثم أدرك النبي ﷺ فآمن به واتبعه، فله أجران).
قلت: وهذا إنما يتحصَّل للكتابي إذا كان متبعًا لدين نبيه في الاعتقاد الصحيح، والعمل على مقتضى شريعته. أما لو اعتقد في عيسى، أو في الله تعالى ما لم تجئ به شريعته، فلا يحصل له أجران إذا أسلم، بل أجر الإسلام خاصة؛
стр. 1858
وَإِن تَوَلَّيتَ فَإِنَّ عَلَيكَ إِثمَ الأَرِيسِيِّينَ، ﴿يَا أَهلَ الكِتَابِ تَعَالَوا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَينَكُم أَلا نَعبُدَ إِلا اللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿فَقُولُوا اشهَدُوا بِأَنَّا مُسلِمُونَ﴾ فَلَمَّا فَرَغَ مِن قِرَاءَةِ الكِتَابِ، ارتَفَعَت الأَصوَاتُ عِندَهُ
ــ
لأنه لم يكن على شريعة عيسى، ولا على غيرها، فلم يتبعه، فلا يحصل له أجر.
وقوله: (فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين)؛ يروى: الأريسيين بالهمزة، وبالياء مكان الهمزة، فأما بالهمزة: فقيل: هم الملوك، وقيل: الأكارون، وهم الفلاحون. قال ابن الأعرابي: أرس، يأرس، أرسا: إذا صار ريسًا. فيكون معناه: إن أعرض عن الدخول في الإسلام كان عليه إثم من اتبعه من رؤساء مملكته ورعاياه. قال أبو عبيد: ليس الفلاحون الزراعون فقط، لكن أراد بهم جميع أهل مملكته؛ لأن كل من يزرع عند العرب فلاح. وأما من رواه بالياء، فقد قيل فيه ما تقدم، فتكون لغتين. وقال بعضهم: يكون من التبختر. يقال: راس، يريس، ريسًا، وريسانًا: إذا تبختر. وراس يروس، روسًا، أيضًا.
قلت: وعلى هذا فيكون المراد به: أن عليه إثم من تكبر على الحق، ولم يدخل فيه من أهل مملكته.
(أهل الكتاب): اليهود، والنصارى، نسبوا إلى الكتابين المنزلين على موسى وعيسى ﵉. (تعالوا) بمعنى: أجيبوا إلى ما دعيتم إليه. وهو الكلمة العادلة المستقيمة، التي ليس فيها ميل عن الحق، وقد فسرها بقوله: ﴿أَلا نَعبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشرِكَ بِهِ شَيئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعضُنَا بَعضًا أَربَابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ (أرباب) جمع: رب. وقد تقدَّم تفسيره. و (دون): هنا بمعنى: غير. ﴿فَإِن تَوَلَّوا﴾ أعرضوا عمَّا دعوا إليه. ﴿فَقُولُوا اشهَدُوا بِأَنَّا مُسلِمُونَ﴾؛ أي: متصفون بدين الإسلام، منقادون لأحكامه، معترفون بما لله علينا في ذلك من المنن، والإنعام.
стр. 1859
وَكَثُرَ اللَّغطُ، وَأَمَرَ بِنَا فَأُخرِجنَا، فَقُلتُ لِأَصحَابِي حِينَ خَرَجنَا: لَقَد أَمِرَ أَمرُ ابنِ أَبِي كَبشَةَ، إِنَّهُ لَيَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصفَرِ!
ــ
وفيه دليل: على جواز الجنب، والكافر كتب التفسير والفقه، وإن كان فيها قرآن، لأن القرآن فيها تابع لغيره، فجاء ضمنًا بخلاف ما إذا كان القرآن وحده؛ فلا يجوز للجنب ولا للكافر أن يمسا منه شيئا، قليلا كان أو كثيرا، ومن هنا قال مالك ﵀: إن المصحف إذا كان في عدل أو خرج ليس مخصوصا بالمصحف جاز للجنب، والنصراني أن يحملاه في خرجه، أو عدله، وأما جواز قراءة الجنب الآيات اليسيرة للتعوذ، فلا يستمرأ من هذا الحديث، فتأمله، واللغط: اختلاف الأصوات، واختلاطها، وهو السخب أيضا، كما وقع في البخاري.
وقول أبي سفيان: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ملك بني الأصفر أمر أي: علا وعظم، وهو من: أمر القوم: إذا كثروا، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمَرنَا مُترَفِيهَا﴾ فيمن قرأه بالتخفيف على أحد الوجوه، ونسبة النبي ﷺ لابن أبي كبشة، قال فيه أبو الحسن الجرجاني (١) النسابة: نسبتهم إياه لابن أبي كبشة عداوة له إذ لم يمكنهم الطعن في نسبه الشهير، وكان وهب بن عبد مناف بن زهرة جده أبو أمه يكنى أبا كبشة، وكذلك عمرو بن زيد بن أسد النجاري أبو سلمى أم عبد المطلب كان يدعى أبا كبشة، وكذلك أيضا في أجداده من قبل أمه أبو كبشة جز بن غالب بن الحارث، وهو أبو قيلة أم وهب بن عبد مناف أبي آمنة أمه ﷺ وهو خزاعي، وهو الذي كان يعبد الشعرى (٢) وكان أبوه من الرضاعة يدعى
стр. 1860
قَالَ: فَمَا زِلتُ مُوقِنًا بِأَمرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ سَيَظهَرُ، حَتَّى أَدخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الإِسلَامَ.
وفي رواية: وَكَانَ قَيصَرُ لَمَّا كَشَفَ اللَّهُ عَنهُ جُنُودَ فَارِسَ، مَشَى مِن حِمصَ إِلَى إِيلِيَاءَ، شُكرًا لِمَا أَبلَاهُ اللَّهُ. وَقَالَ فِيها: مِن مُحَمَّدٍ عَبدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَقَالَ: إِثمَ اليَرِيسِيِّينَ. وَقَالَ: بِدَاعِيَةِ الإِسلَامِ.
ــ
أبا كبشة وهو الحارث بن عبد العزى السعدي، وقال مثل هذا كله محمد بن حبيب البغدادي، وزاد أبو نصر بن ماكولا، وقال: أبو كبشة: عمرو والد حليمة مرضعته، وقيل: إنما نسبوه لأبي كبشة لأنه خرج من دين العرب، كما فعل أبو كبشة الذي عبد الشعرى العبور، وإنما عبدها، لأنه رآها تقطع السماء عرضا بخلاف سائر النجوم.
وفي تسمية الروم بـ (بني الأصفر) قولان).
أحدهما: ما قاله ابن الأنباري: أن جيشًا من الحبشة غلبوا على ناحيتهم في بعض الدهر فوطئوا نساءهم، فولدن أولادًا صفرًا.
والثاني: قاله أبو إسحاق الحربي، وهو أنهم نسبوا إلى الأصفر بن الروم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم. وهذا أشبه من القول الأول.
وقوله: (شكرًا لما أبلاه)؛ أي: أنعم عليه. وأصل الابتلاء: الاختبار. وفيه لغتان: ثلاثيًّا، ورباعيًّا. يقال: بلا، وأبلى. وقد جمع بينهما زهير فقال:
. . . . . . . . . . . . . ... وأبلاهما خير البلاء الذي يَبلو (١)
وقيل: (أبلى) في الخير، و (بلا) في الشر. والأول أشهر.
стр. 1861
رواه أحمد (١/ ٢٦٣)، والبخاري (٤٥٥٣)، ومسلم (١٧٧٣)، والترمذي (٢٧١٧).
* * *
(١٩) باب كتب النبي ﷺ إلى الملوك يدعوهم
[١٢٩٠] عَن أَنَسٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى كِسرَى وَإِلَى قَيصَرَ، وَإِلَى النَّجَاشِيِّ: وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ، يَدعُوهُم إِلَى اللَّهِ، وَلَيسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيهِ النَّبِيُّ- ﷺ .
ــ
(١٩) ومن باب: كتب النبي ﷺ إلى الملوك يدعوهم (١)
قوله: (وليس بالنجاشي الذي صلَّى عليه النبي ﷺ )؛ هذا تحرز من الراوي؛ لئلا يظن أن النجاشي المسمى: أصحمة؛ الذي هاجر إليه أصحاب رسول الله ﷺ هو هذا، وليس كذلك؛ لأن هذا احتاج في إسلامه إلى أن يدعوه النبي ﷺ إلى الإسلام (٢)، ويكاتبه في ذلك، ولم يحتج أصحمة إلى شيء من ذلك، بل بنفس ما سمع القرآن من جعفر وأصحابه الذين هاجروا إلى أرضه، وأُخبر بقواعد الإسلام، وبمحاسنه، ورأى ما كان الصحابة عليه، أحب دين الإسلام، وانقاد إليه، وصرَّح بأنه على اعتقاد المسلمين في عيسى ﵇، وعرض على أهل مملكته الدخول في الإسلام، فلما رأى نفرتهم، ويئس منهم، كتم إسلامه تقية على نفسه، منتظرًا التخلص منهم، إلى أن توفي على الإسلام والإيمان بشهادة
стр. 1862
وقد رواه من طريقين، ولم يذكر: وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي ﷺ .
رواه مسلم (١٧٧٤)، والترمذي (٢٧١٨).
* * *
(٢٠) باب في غزاة حنين وما تضمنته من الأحكام
[١٢٩١] عن عَبَّاس بن عبد المطلب، قال: شَهِدتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَومَ حُنَينٍ، فَلَزِمتُ أَنَا وَأَبُو سُفيَانَ بنُ الحَارِثِ بنِ
ــ
رسول الله ﷺ له بذلك، حيث نعاه لهم، وقال: (إن أخًا لكم بأرض الحبشة قد مات، فقوموا، فصلوا عليه (١))؛ كما تقدَّم في الجنائز، وإنما النجاشي الذي كاتبه رسول الله ﷺ آخر غير هذا من ملوك الحبشة، إما في جهة أخرى، أو بعد موت أصحمة. والله تعالى أعلم.
وهذه الأحاديث كلها تدل على جواز مفاتحة الكفار بالمكاتبة. وهو حكم لم يختلف فيه.
(٢٠) ومن باب: غزوة حنين
كانت غزوة حنين (٢) بعد فتح مكة بأيام، وذلك أن مكة فتحت لعشر بقين من رمضان سنة ثمان من الهجرة، وكانت وقعة هوازن يوم حنين في أول شوَّال من
стр. 1863
عَبدِ المُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ- ﷺ ، فَلَم نُفَارِقهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغلَةٍ لَهُ بَيضَاءَ، أَهدَاهَا لَهُ فَروَةُ بنُ نُفَاثَةَ الجُذَامِيُّ، فَلَمَّا التَقَى المُسلِمُونَ وَالكُفَّارُ وَلَّى المُسلِمُونَ مُدبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَركُضُ بَغلَتَهُ قِبَلَ الكُفَّارِ. قَالَ
ــ
تلك السَّنة. و (حنين): موضع معروف، سُمِّي باسم رجل لازمه، ويصرف ولا يصرف. وأنشد في الصحاح:
نصروا نبيهم وشدوا أزره ... بحنين يوم تواكل الأبطال
والأغلب عليه الصرف.
و(فروة بن نفاثة) صوابه: بالنون المرفوعة، والفاء، والثاء المثلثة. كذا لجميع الرواة. وقد قيده (١) بعضهم: (نباتة) بالنون والباء بواحدة، والتاء باثنتين من فوقها، وكأنه تصحيف، وقد رواه مسلم من حديث معمر عن ابن شهاب. فقال: فروة بن نعامة، والأول أشهر. واختلف في إسلامه. وفي البخاري: أن مُهدي البغلة للنبي ﷺ ملك أيلة، واسمه فيما ذكره ابن إسحاق: يُحَنَّة بن رؤبة (٢).
وقبوله ﷺ هدية فروة يعارضه قوله ﷺ : (إني نهيت عن زبد المشركين) (٣)، وامتنع من قبول هديتهم.
وقد اختلف في هذين الحديثين. فمن العلماء من ذهب إلى أن حديث فروة ناسخ للحديث الآخر. ومنهم من رام الجمع بينهما فقال: حيث قبل فإنما قبل استئلافًا، وطمعًا في إسلام المُهدي، وحيث رد لم يطمع في
стр. 1864
عَبَّاسٌ: وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغلَةِ رَسُولِ اللَّهِ- ﷺ ، أَكُفُّهَا إِرَادَةَ أَن لَا تُسرِعَ، وَأَبُو سُفيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِ رَسُولِ اللَّهِ- ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : أَي عَبَّاسُ، نَادِ أَصحَابَ السَّمُرَةِ. فَقَالَ عَبَّاسٌ، وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا، فَقُلتُ بِأَعلَى صَوتِي: أَينَ أَصحَابُ السَّمُرَةِ؟ قَالَ: فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّ عَطفَتَهُم حِينَ سَمِعُوا
ــ
ذلك. وقيل: إنما رد حيث لم تكن فيه مصلحة للمسلمين، وقيل حيث كان فيه ذلك. وقيل: إنما رد (١) ما أهدي له في خاصة نفسه، وقبل ما علم منه خلاف ذلك؛ قاله الطبري. قال (٢): ولا حجة لمن احتج بنسخ أحد الحديثين للآخر؛ إذ لم يأت في ذلك بيان. وقيل: إنما قبل هدية أهل الكتاب؛ إذ قد أبيح لنا طعامهم، ورد هدايا المشركين؛ إذ لم يبح لنا ذلك منهم. وأشبه هذه الأقوال قول من قال بالاستئلاف والمصلحة. والكل محتمل. والله تعالى أعلم.
وركوبه ﷺ البغلة في ذلك الموطن مبالغة في الثبات، والصبر، ويدل على العزم على عدم الفرار كما قد فعل حين انهزم الناس عنه، وهو مقبل على العدو، يركض بغلته نحوهم. وقد زاد على ذلك، كما ذكر في الرواية الأخرى: إنه نزل بالأرض على عادة الشجعان في المنازلة. وهذا كله يدل: على أنه ﷺ كان أشجع الناس وأثبتهم في الحرب، ولذلك قالت الصحابة ﵃: إن الشجاع منا للذي يلوذ بجانبه.
و(السمرة): هي شجرة الرضوان التي بايعه تحتها أصحابه (٣) بيعة الرضوان بالحديبية. وكانوا بايعوه على ألا يفرُّوا، فلما سمعوا النداء، تذكروا العهد، فارتجعوا رجعة واحدة، كرجل واحد، وهم يلبون النبي ﷺ ، ولسرعة رجعتهم
стр. 1865
صَوتِي عَطفَةُ البَقَرِ عَلَى أَولَادِهَا، قال: فَقَالَوا: يَا لَبَّيكَ يَا لَبَّيكَ. فَاقتَتَلُوا وَالكُفَّارَ، وَالدَّعوَةُ فِي الأَنصَارِ، يَقُولُونَ: يَا مَعشَرَ الأَنصَارِ، يَا مَعشَرَ الأَنصَارِ، قَالَ: ثُمَّ قُصِرَت الدَّعوَةُ عَلَى بَنِي الحَارِثِ بنِ الخَزرَجِ، فَقَالَوا: يَا بَنِي الحَارِثِ بنِ الخَزرَجِ، يَا بَنِي الحَارِثِ بنِ الخَزرَجِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى بَغلَتِهِ كَالمُتَطَاوِلِ عَلَيهَا إِلَى قِتَالِهِم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذَا حِينَ حَمِيَ الوَطِيسُ، قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
ــ
واجتماعهم شبههم بعطفة (١) البقر على أولادها. وهذا كله يدل على قربهم من النبي ﷺ إذ ذاك، وأن انهزامهم لم يكن إلى بُعد، ولا من جميعهم، بل المنهزم إنما كان أكثرهم من أهل مكة والطلقاء، ومن في قلبه مرض، ولذلك كان بعضهم يقول في حال انهزامه: لا يردهم إلا البحر.
وقوله: (فاقتتلوا والكفار) بنصب الراء على أن تكون الواو بمعنى (مع) وهو أولى؛ لما يلزم في الأحسن من توكيد الضمير المرفوع حين يعطف عليه.
وقوله ﷺ هذا حين حمي الوطيس يجوز في حين البناء على الفتح؛ لأنه مضاف إلى جملة مبنية، ويجوز فيه الضم، على أن يكون (الحين) خبر المبتدأ، وهذا على نحو قول الشاعر (٢):
على حين عاتبت المشيب على الصبا (٣) ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
روي بالخفض والفتح. و (حمي): استعر واتقد. و (الوطيس): موضع
стр. 1866
حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: انهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ. قَالَ: فَذَهَبتُ أَنظُرُ، فَإِذَا القِتَالُ عَلَى هَيئَتِهِ فِيمَا أَرَى، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَن رَمَاهُم بِحَصَيَاتِهِ، فَمَا زِلتُ أَرَى حَدَّهُم كَلِيلًا، وَأَمرَهُم مُدبِرًا.
وَفِي رواية: انهَزموا ورب الكعبة! انهزموا ورب الكعبة! حتى هزمهم الله. قال: وكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يركض خلفهم على بغلته.
رواه أحمد (١/ ٢٠٧)، ومسلم (١٧٧٥) (٧٦ و ٧٧).
ــ
وقود النار، واستعاره هنا لشدة الحرب. وهذا نحو قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوقَدُوا نَارًا لِلحَربِ أَطفَأَهَا اللَّهُ﴾ وهذه الاستعارة العجيبة لا يُعرف من تكلم بها قبل النبي ﷺ من العرب، ومنه تلقيت فصيرت مثلًا في الأمر إذا اشتد، قاله ابن الأعرابي. وقال الأصمعي: الوطيس: الحجارة المحمَّاة. وعلى هذا فهو جمع وطيسة. وقال أبو عمر المطرّز: هو التنور. وحينئذ لا يكون جمعًا.
ورميه ﷺ في وجوه الكفار بالتراب، وإصابته أعين جميعهم من أعظم معجزاته؛ إذ ليس في قوة البشر إيصال ذلك إلى أعينهم، ولا يسع كفه ما يعمهم، وإنما كان ذلك من صنع الله لنبيه ﷺ ، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيتَ إِذ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ وكذلك قوله: (انهزموا ورب الكعبة) قبل وقوع الهزيمة، هو من معجزاته الخبرية، فإنه خبر عن الغيب.
وقوله: (شاهت الوجوه) - على ما في حديث سلمة -: خبر معناه: الدعاء؛ أي: اللهم شوّه وجوههم. أو هو: خبر عما يحل بهم من التشويه عند القتل، والأسر، والانتقام.
و(الحسر): جمع حاسر، وهو الذي لا درع معه، ولا شيء يتقي به النبل.
стр. 1867
[١٢٩٢] وعَن أَبِي إِسحَاقَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلبَرَاءِ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، فَرَرتُم يَومَ حُنَينٍ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ ، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُم حُسَّرًا لَيسَ عَلَيهِم سِلَاحٌ، أَو كَثِيرُ سِلَاحٍ، فَلَقُوا قَومًا رُمَاةً لَا يَكَادُ يَسقُطُ لَهُم سَهمٌ، جَمعَ هَوَازِنَ وَبَنِي نَصرٍ، فَرَشَقُوهُم رَشقًا مَا يَكَادُونَ يُخطِئُونَ، فَأَقبَلُوا هُنَاكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغلَتِهِ البَيضَاءِ، وَأَبُو سُفيَانَ بنُ الحَارِثِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ، فَنَزَلَ فَاستَنصَرَ فَقَالَ:
أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِب ... أَنَا ابنُ عَبدِ المُطَّلِب
ــ
و(الأخفاء): المسرعون، المستعجلون. وقد رواه الحربي، والمغربي: (جفاء من الناس) بجيم مضمومة مخففة والمد، وفسَّره المهدوي بالسراع، شبههم بجفاء السيل، وهو غثاؤه. وقال غيره: إنما أراد به أخلاط الناس، وضعفاءهم ممن لم يقصد القتال، بل الغنيمة، وفي قلبه مرض، شبههم بغثاء السيل، وهو ما احتمله السيل.
و(استنصر)؛ أي: سأل النصر، ودعا به.
وقوله: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)؛ أي: أنا النبي المعروف عند علماء الكتاب، المنعوت في كتبهم حقًّا بلا كذب. وانتسابه لعبد المطلب؛ لأنه بذلك كان شهر (١) عندهم؛ لأن أباه عبد الله مات وتركه حملًا، فولد، ونشأ في حجر جدِّه عبد المطلب، ثم إن عبد المطلب أحبه حبًّا شديدًا، بحيث كان يفضله على أولاده، لما كان ظهر له من بركاته، وكراماته، فكان يلازمه لذلك، فعرف به، ولذلك ناداه ضمام بن ثعلبة: يا بن عبد المطلب! فانتمى هو عند الحرب على عادة الشجعان في انتسابهم لمن كان يعرف به (٢). وقيل: إنما كان ذلك منه
стр. 1868
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنبيهًا على ما قال سيف بن ذي يزن لعبد المطلب حين قدم عليه في وفد قريش، حيث بشره بأنه يكون من ولده نبي يقتل أعداءه. ولم يكن ذلك منه ﷺ على جهة الافتخار بآبائه، فإن ذلك من خلق الجاهلية التي قد نهى عنها النبي ﷺ ، وحرَّمها، وذمَّ من انتمى إليها.
لا يقال؛ يصح أن ينسب هذا الشعر للنبي ﷺ مع قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمنَاهُ الشِّعرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾؛ لأنا نجيب عن ذلك بأوجه:
أحدها: أن هذا قصد به السجع لا الشعر، فليس بشعر. قيل (١) قد قال الأخفش: إن هذا رجز، والرجز ليس من الشعر.
والثاني: أنه ﷺ لم يقصد نظمًا ووزنًا فيكون شعرًا، فقد يأتي في الكلام والقرآن ما يتزن بوزن الشعر وليس بشعر، كقوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وقوله: ﴿نَصرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتحٌ قَرِيبٌ﴾ وكثيرا ما يقع للعوام في كلامهم المقفى الموزون، وليس بشعر، ولا يسمى قائله شاعرًا؛ لأنه لم يقصده، ولا شعر به (٢). والشعر إنما سمي بذلك؛ لأن قائله يشعر به ويقصده نظمًا، ووزنًا، ورويًا، وقافية، ومعنى.
والثالث: على تسليم أن هذا شعر فلا يلزم منه أن يكون النبي ﷺ عالِمًا بالشعر، ولا شاعرًا؛ فإن التمثل بالبيت الندر، وإصابة القافيتين من الرجز وغيره؛ لا يوجب أن يكون قائلها عالمًا بالشعر، ولا يسمى شاعرًا باتفاق العقلاء. وأما الذي نفى الله عن نبيه ﷺ فهو العلم بالشعر، وأصنافه، وأعاريضه، وقوافيه،
стр. 1869
-زاد في رواية: اللَّهُمَّ نَزِّل نَصرَكَ- قال: ثم صفهم. قَالَ البَرَاءُ: كُنَّا وَاللَّهِ إِذَا احمَرَّ البَأسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا الَّذِي يُحَاذِي بِهِ، يَعنِي النَّبِيَّ ﷺ .
وَفِي رواية: وَلَكِن رَسُول اللَّهِ ﷺ لَم يَفِرَّ، وَكَانَت هَوَازِنُ يَومَئِذٍ رُمَاةً،
ــ
والاتصاف بقوله، ولم يكن موصوفًا بشيء من ذلك بالاتفاق، ألا ترى أن قريشًا تراوضت فيما يقولون (١) للعرب فيه إذا قدموا عليهم الموسم، فقال بعضهم: نقول: إنه شاعر. فقال أهل الفطنة منهم: والله لتكذبنكم العرب، فإنهم يعرفون أصناف الشعر، فوالله ما يشبه شيئا منها، وما قوله بشعر. وقال أنيس أخو أبي ذر: لقد وضعت قوله على أقراء الشعر (٢) فلم يلتئم أنه شعر. وكان أنيس من أشعر العرب. وهذا الوجه هو المعتمد في الانفصال. والله تعالى أعلم.
وفائدة قوله ﷺ : (أنا النبي لا كذب) إلى آخره؛ جواز الانتماء عند الحرب، كما قال سلمة بن الأكوع: خذها وأنا ابن الأكوع. وقد روي ذلك عن جماعة من السَّلف. وقال ابن عبد الحكم من أصحابنا: إنما يكره أن يكون ذلك على وجه الكبر، والافتخار، كما كانت الجاهلية تفعل.
وقوله- أعني البراء -: (كنا إذا احمر البأس نتقي به)؛ هذا كناية عن شدة الحرب، إما لحمرة دم الجرحى والقتلى. وإما لتشبيه ذلك بحمرة جمرة النار. و (البأس) هنا: الحرب.
وقوله: (ولكن رسول الله ﷺ لم يفرّ)؛ هذا هو المعلوم من حاله، وحال الأنبياء صلى الله عليه وعليهم وسلم؛ من إقدامهم، وشجاعتهم، وثقتهم بوعد
стр. 1870
وَإِنَّا لَمَّا حَمَلنَا عَلَيهِم انكَشَفُوا، فَاَنكبَبنَا عَلَى الغَنَائِمِ، فَاستَقبَلُونَا بِالسِّهَامِ.
رواه أحمد (٤/ ٢٨١)، والبخاري (٢٨٧٤)، ومسلم (١٧٧٦) (٧٨ و ٧٩ و ٨٠)، والترمذي (١٦٨٨).
[١٢٩٣] وعن سَلَمَةَ بن الأكوع قَالَ: غَزَونَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنَينًا، فَلَمَّا وَاجَهنَا العَدُوَّ تَقَدَّمتُ فَأَعلُو ثَنِيَّةً، فَاستَقبَلَنِي رَجُلٌ مِن العَدُوِّ فَأَرمِيهِ بِسَهمٍ، فَتَوَارَى عَنِّي، فَمَا دَرَيتُ مَا صَنَعَ، وَنَظَرتُ إِلَى القَومِ فَإِذَا هُم قَد طَلَعُوا مِن ثَنِيَّةٍ أُخرَى، فَالتَقَوا هُم وَصَحَابَةُ النَّبِيِّ- ﷺ ، فَوَلَّى صَحَابَةُ النَّبِيِّ- ﷺ ، وَأَرجِعُ مُنهَزِمًا، وَعَلَيَّ بُردَتَانِ مُتَّزِر بِإِحدَاهُمَا، مُرتَد بِالأُخرَى، فَاستَطلَقَ إِزَارِي، فَجَمَعتُهُمَا جَمِيعًا، وَمَرَرتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنهَزِمًا، وَهُوَ
ــ
الله تعالى، ورغبتهم في الشهادة، وفي لقاء الله تعالى. ولم يثبت قط عن واحد منهم: أنه فرَّ، أو انهزم (١)، ومن قال ذلك عن النبي ﷺ ، فقال: فرَّ أو انهزم؛ قتل، ولم يستتب؛ لأنه صار بمنزلة من قال: إنه ﷺ كان أسود، أو أعجميًا، فأنكر ما علم من وصفه قطعًا، وكذب به، وذلك كفر، ولأنه قد أضاف إليه نقصًا وعيبًا (٢). وقد حكى أصحابنا الإجماع على قتل من أضاف إليه نقصًا أو عيبًا. وقيل: يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل.
وقول سلمة: (ومررت على رسول الله ﷺ منهزمًا) (٣)؛ يفهم منه ثبوت النبي ﷺ ، وتوجهه نحو الكفار، بل كان يركض بغلته نحوهم، ولما غشيه القوم، نزل عن البغلة، وثبت لهم قائمًا، حتى تراجع الناس إليه عند نداء العباس. ولم يسمع لأحد من الشجعان مثل هذا. والله تعالى أعلم.
стр. 1871
عَلَى بَغلَتِهِ الشَّهبَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : لَقَد رَأَى ابنُ الأَكوَعِ فَزَعًا. فَلَمَّا غَشُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ عَن البَغلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبضَةً مِن تُرَابٍ مِن الأَرضِ، ثُمَّ استَقبَلَ بِهِ وُجُوهَهُم، فَقَالَ: شَاهَت الوُجُوهُ. فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنهُم إِنسَانًا إِلَّا مَلَأَ الله عَينَيهِ تُرَابًا بِتِلكَ القَبضَةِ، فَوَلَّوا مُدبِرِينَ، فَهَزَمَهُم اللَّهُ، وَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنَائِمَهُم بَينَ المُسلِمِينَ.
رواه مسلم (١٧٧٧).
[١٢٩٤] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: افتَتَحنَا مَكَّةَ، ثُمَّ إِنَّا غَزَونَا حُنَينًا. قال: فَجَاءَ المُشرِكُونَ بِأَحسَنِ صُفُوفٍ رَأَيتُ قَالَ: فَصُفَّت الخَيلُ، ثُمَّ صُفَّت المُقَاتِلَةُ، ثُمَّ صُفَّت النِّسَاءُ مِن وَرَاءِ ذَلِكَ، ثُمَّ صُفَّت الغَنَمُ، ثُمَّ صُفَّت النَّعَمُ قَالَ: وَنَحنُ بَشَرٌ كَثِيرٌ. قَد بَلَغنَا سِتَّةَ آلَافٍ، وَعَلَى مُجَنِّبَةِ خَيلِنَا خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ قَالَ: فَجَعَلَت خَيلُنَا تَلوِذ خَلفَ ظُهُورِنَا، فَلَم نَلبَث أَن انكَشَفَت خَيلُنَا وَفَرَّت الأَعرَابُ، وَمَن نَعلَمُ مِن النَّاسِ. قَالَ: فَنَادَى رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ يَا للمُهَاجِرِينَ يَا للمُهَاجِرِينَ ثُمَّ قَالَ: يَا لَلأَنصَارِ يَا للأَنصَارِ قَالَ أَنَسٌ: هَذَا حديث عِمِّيَّه قَالَ: قُلنَا: لَبَّيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ،
ــ
وقوله: (ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف)؛ هذا من أنس تقدير لا تحقيق، إن لم يكن غلطًا من بعض الرواة. وَأَصَحُّ مِن هَذِهِ الرِّوَايَةِ الرِّوَايَةُ الأُخرَى الَّتِي فِيهَا: أَنَّهُم كَانُوا عَشرَةَ آلَافٍ غَيرَ الطُّلَقَاءِ. وسموا بذلك؛ لأن النبي ﷺ أطلقهم عند فتح مكة، وهم غير العتقاء. والعتقاء: هم السبعون أو الثمانون (١) الذين راموا أن يغدروا بالنبي ﷺ وبعسكره يوم الحديبية فأخذوا، وأعتقوا، فسمُّوا: العتقاء بذلك. قاله أبو عمر بن عبد البر.
وقول أنس بن مالك: (هذا حديث عميّه)؛ يعني: عمي، وزاد هاء السكت
стр. 1872
قَالَ: فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ قَالَ: فَايمُ اللَّهِ ومَا أَتَينَاهُم حَتَّى هَزَمَهُم اللَّهُ، فَقَبَضنَا ذَلِكَ المَالَ، ثُمَّ انطَلَقنَا إِلَى الطَّائِفِ فَحَاصَرنَاهُم أَربَعِينَ لَيلَةً، ثُمَّ رَجَعنَا إِلَى مَكَّةَ فَنَزَلنَا قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ يُعطِي الرَّجُلَ المِائَةَ. وذَكَرَ الحديث نَحوِ ما تقدم.
وفي رواية: وَمَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَومَئِذٍ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَمَعَهُ الطُّلَقَاءُ فَأَدبَرُوا عَنهُ حَتَّى بَقِيَ وَحدَهُ قَالَ: فَنَادَى يَومَئِذٍ نِدَاءَينِ لَم يَخلِط بَينَهُمَا شَيئًا قَالَ: فَالتَفَتَ عَن يَمِينِهِ فَقَالَ: يَا مَعشَرَ الأَنصَارِ! فَقَالُوا: لَبَّيكَ
ــ
التي تثبت في الوقف. يعني بذلك: أن نداء رسول الله ﷺ : (يال (١) المهاجرين) إنما رواه عن عمه.
وقوله: (فايم الله ما أتيناهم حتى هزمهم الله)؛ يعني بذلك: أنه (٢) ما رجع أوّل المنهزمة حتى هزم الله العدو على أيدي المتسارعين إلى النداء من المهاجرين والأنصار الذين قاتلوا بين يدي رسول الله ﷺ حين تطاول عليهم وقال: (الآن حمي الوطيس) (٣)، وبعد أن رمى الحصا في وجوههم، وقال: (شاهت الوجوه)؛ كما تقدم.
وقوله في الرواية الأخرى: (فأدبروا عنه حتى بقي وحده)؛ يعني به: المقاتلين، وإلا فقد ثبت أنه كان بقي معه العباس وأبو سفيان.
وقوله: (فنادى يومئذ نداءين)؛ هذان النداءان من النبي ﷺ إنما كان (٤) بعد
стр. 1873
يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَبشِر نَحنُ مَعَكَ. قَالَ: ثُمَّ التَفَتَ عَن يَسَارِهِ فَقَالَ: يَا مَعشَرَ الأَنصَارِ فقَالُوا: لَبَّيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبشِر نَحنُ مَعَكَ. قَالَ: وَهُوَ عَلَى بَغلَةٍ بَيضَاءَ. فَنَزَلَ فَقَالَ: أَنَا عَبدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَانهَزَمَ المُشرِكُونَ، وَأَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، فَقَسَمَ فِي المُهَاجِرِينَ، وَالطُّلَقَاءِ، وَلَم يُعطِ الأَنصَارَ شَيئًا.
فقالت الأنصار: ما ذكرناه في باب إعطاء المؤلفة قلوبهم من كتاب الزكاة.
رواه أحمد (٣/ ٢٧٩ - ٢٨٠)، والبخاري (٤٣٣٧)، ومسلم (١٠٥٩) في الزكاة (١٣٥ و ١٣٦).
* * *
(٢١) باب في محاصرة العدو، وجواز ضرب الأسير وطرف من غزوة الطائف
[١٢٩٥] وعَن عَبدِ الرحمن بنِ عَمر قَالَ: حَاصَرَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ أَهلَ الطَّائِفِ، فَلَم يَنَل مِنهُم شَيئًا، فَقَالَ: إِنَّا قَافِلُونَ إِن شَاءَ اللَّهُ. قَالَ
ــ
أن رجع إليه المهاجرون والأنصار بنداء العباس حين نادى: يا أصحاب السمرة؛ كما تقدم. وقد تقدم في كتاب الزكاة الكلام على باقي ما في هذا الحديث.
(٢١) ومن باب: محاصرة العدو
قوله: (حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف)؛ كان هذا الحصار بعد هزيمة هوازن، وذلك: أنه لجأ إليها فلّهم (١)، واجتمع بها شوكتهم ورماتهم مع رماة
стр. 1874
أَصحَابُهُ: نَرجِعُ وَلَم نَفتَتِحهُ؟ فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : اغدُوا عَلَى القِتَالِ. فَغَدَوا عَلَيهِ، فَأَصَابَهُم جِرَاحٌ، فَقَالَ: لَهُم رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا. فَأَعجَبَهُم ذَلِكَ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ .
رواه أحمد (٢/ ١١)، والبخاري (٤٣٢٥)، ومسلم (١٧٧٨).
[١٢٩٦] وعَن أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- ﷺ شَاوَرَ حِينَ بَلَغَهُ إِقبَالُ أَبِي سُفيَانَ قَالَ: فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكرٍ فَأَعرَضَ عَنهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ فَأَعرَضَ عَنهُ،
ــ
ثقيف. وكان النبي ﷺ لما رأى جدهم وامتناعهم قال لأصحابه: (إنا قافلون غدًا إن شاء الله)؛ على جهة الرفق بهم، والشفقة عليهم، فعظم عليهم أن يرجعوا ولم يفتحوا ذلك الحصن. ورأوا أن هذا العرض من النبي ﷺ على جهة (١) المشورة، فلما رأى رسول الله ﷺ جدهم في هذا، وما ظهر لهم، قال لهم: (اغدوا على القتال)، فلما أصابتهم الجراح، وقتل منهم جماعة على ما ذكر أهل التواريخ، قال لهم: (إنا قافلون غدًا)؛ فأعجبهم ذلك لما أصابهم من شدة الحال، ولما لقوا، فضحك النبي ﷺ لما رأى من اختلاف قولهم عند اختلاف الحالين، ورجوعهم إلى الرأي السديد، لكن بعد مشقة.
وفيه من الفقه: جواز محاصرة العدو، والتضييق عليهم، الإمام أصحابه، وعرضه عليهم ما في نفسه، وسلوكه بهم طريق الرفق والرحمة.
و(القافل) هو الراجع من السفر. والجماعة: القافلة. ولا يقال لهم في ابتداء سيرهم: قافلة. بل: رفقة.
ومشاورة النبي ﷺ أصحابه حين بلغه (٢) إقبال أبي سفيان. وإعراضه عن
стр. 1875
فَقَامَ سَعدُ بنُ عُبَادَةَ فَقَالَ: إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَو أَمَرتَنَا أَن نُخِيضَهَا البَحرَ لَأَخَضنَاهَا، وَلَو أَمَرتَنَا أَن نَضرِبَ أَكبَادَهَا إِلَى بَركِ الغِمَادِ لَفَعَلنَا. قَالَ: فَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ النَّاسَ، فَانطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدرًا، وَوَرَدَت عَلَيهِم رَوَايَا قُرَيشٍ، وَفِيهِم غُلَامٌ أَسوَدُ لِبَنِي الحَجَّاجِ فَأَخَذُوهُ، فَكَانَ أَصحَابُ رَسُولِ اللَّهِ- ﷺ يَسأَلُونَهُ عَن أَبِي سُفيَانَ وَأَصحَابِهِ، فَيَقُولُ: مَا لِي عِلمٌ بِأَبِي سُفيَانَ، وَلَكِن هَذَا أَبُو جَهلٍ، وَعُتبَةُ، وَشَيبَةُ، وَأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ في الناس. فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ ضَرَبُوهُ، فَقَالَ: نَعَم، أَنَا أُخبِرُكُم: هَذَا أَبُو سُفيَانَ، فَإِذَا تَرَكُوهُ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: مَا لِي بِأَبِي سُفيَانَ عِلمٌ، وَلَكِن هَذَا
ــ
تكليم المهاجرين إنما كان ليستخرج ما عند الأنصار من خروجهم معه للحرب، وذلك: أنهم إنما كانوا بايعوه ليمنعوه من الأحمر والأسود، ولم يأخذ عليهم أن يخرجوا معه، فأراد أن يعلم ما عندهم من ذلك، فعرض عليهم ذلك، فأجابوه بالجواب الذي ذكره سعد بن عبادة، الذي حصل لهم به المقام المحمود، والشرف المشهود.
و(بَرك الغِمَاد): موضع بأقاصى هجر، بينه وبينهم بُعد عظيم. والرواية المشهورة فيه (بَرك) بفتح الباء بواحدة وسكون الراء. و (الغِمَاد) بكسر الغين المعجمة. وقيده شيوخ أبي ذر في البخاري: بكسر الباء. وقال بعض اللغويين: هو الصواب. وضبطه الأصيلي: بفتح الراء وسكونها. أعني: راء (برك). وحكى ابن دريد: الكسر، والضم في غين (الغماد)، والصحيح المشهور؛ الأول.
وفي ضرب الصحابة للغلام، وإقرار النبي ﷺ إيَّاهم عليه. ما يدل على جواز ضرب الأسير، وتعزير المتهم إذا كان هنالك سبب يقتضي ذلك، وأنه يضرب في التعزير فوق العشرة، خلافًا لمن أبى ذلك، وقال: لا يضرب فوق العشرة. وستأتي المسألة إن شاء الله تعالى.
стр. 1876
أَبُو جَهلٍ، وَعُتبَةُ، وَشَيبَةُ، وَأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ فِي النَّاسِ، فَإِذَا قَالَ هَذَا أَيضًا ضَرَبُوهُ وَرَسُولُ اللَّهِ- ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ انصَرَفَ. فقال: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَتَضرِبُونهُ إِذَا صَدَقَكُم وَتَترُكُونهُ إِذَا كَذَبَكُم. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : هَذَا مَصرَعُ فُلَانٍ. قَالَ: وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى الأَرضِ هَاهُنَا وهَاهُنَا، قَالَ: فَمَا مَاطَ أَحَدُهُم عَن مَوضِعِ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ- ﷺ .
رواه أحمد (٣/ ٢١٩ - ٢٢٠)، ومسلم (١٧٧٩)، وأبو داود (٢٦٨١).
* * *
ــ
واختلف في المتهم عند الضرب. فعند الشافعي وكثير من أصحابه: لا يقبل إقراره حتى يتمادى (١)؛ سواء عين ما أقر به من سرقة أو قتل، أو لم يعين. ومن أصحابنا من ألزمه ذلك إذا عين المقر به، وإن رجع عن إقراره. ومنهم من أجازه وإن لم يعين. ومنهم من منعه وإن تمادى عليه لأن خوفه أن يعاد عليه العذاب باق.
وقوله ﷺ : (والذي نفسي بيده! لتضربونه إذا صدقكم، وتتركونه إذا كذبكم)؛ إخبار عن غيب، فهو من أعلام نبوته، وكذلك قوله: (هذا مصرع فلان، وفلان)؛ إذ قد وقع ذلك، ووجد كما أخبر عنه.
وقوله: (فما ماط أحدهم موضع يده ﷺ )؛ أي: ما تباعد. يقال: ماط الرجل: إذا تباعد، وأماط غيره: إذا باعده. وقيل: ماط الرجل، وأماط: إذا تباعد، لغتان.
стр. 1877
(٢٢) باب ما جاء أن فتح مكة عنوة وقوله ﵊: لَا يَقتِلُ قُرَشِيٌّ صَبرًّا بَعدَ اليَومِ
[١٢٩٧] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ رَبَاحٍ قَالَ: وَفَدنَا إِلَى مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفيَانَ وَفِينَا أَبُو هُرَيرَةَ، فَكَانَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَصنَعُ طَعَامًا يَومًا لِأَصحَابِهِ، فَكَانَت نَوبَتِي فَقُلتُ: يَا أَبَا هُرَيرَةَ، اليَومُ نَوبَتِي، فَجَاءُوا إِلَى المَنزِلِ وَلَم يُدرِك طَعَامُنَا فَقُلتُ: يَا أَبَا هُرَيرَةَ، لَو حَدَّثتَنَا عَن رَسُولِ اللَّهِ- ﷺ حَتَّى يُدرِكَ طَعَامُنَا. فَقَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ- ﷺ يَومَ الفَتحِ، فَجَعَلَ خَالِدَ بنَ الوَلِيدِ
ــ
(٢٢) ومن باب: ما جاء أن فتح مكة عنوة
قوله: (كان كل (١) رجل منَّا يصنع طعامًا يومًا لأصحابه، فكانت نوبتي)؛ هذه المناوبة في الطعام كانت منهم على جهة المكارمة، والمطايبة، والتبرك بالمؤاكلة والمشاركة فيها، لا على جهة المعاوضة، والمشاحة؛ ولذلك قال أبو هريرة للذي دعاه: (سبقتني) (٢). ففيه ما كان السلف عليه من حسن التودد، والمزاولة، والمواصلة، والمكارمة. و (لو) هي هنا للتمني؛ أي: ليتك حدثتنا. و (أدرك طعامنا)؛ أي: انتهى إلى النضج.
стр. 1878
عَلَى المُجَنِّبَةِ اليُمنَى، وَجَعَلَ الزُّبَيرَ عَلَى المُجَنِّبَةِ اليُسرَى، وَجَعَلَ أَبَا عُبَيدَةَ عَلَى البَيَاذِقَةِ وَبَطنِ الوَادِي، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيرَةَ، ادعُ لِي الأَنصَارَ. فَدَعَوتُهُم فَجَاءُوا يُهَروِلُونَ، فَقَالَ: يَا مَعشَرَ الأَنصَارِ، هَل تَرَونَ أَوبَاشَ قُرَيشٍ؟ . قَالَوا: نَعَم، قَالَ: انظُرُوا إِذَا لَقِيتُمُوهُم غَدًا، أَن تَحصُدُوهُم
ــ
وقوله: (وجعل أبا عبيدة على البياذقة)؛ البياذقة: هم الرَّجالة. وأصله بالفارسية: أصحاب ركاب الملك. وقد رواه بعضهم: (السَّاقة) وفيها بُعد. وبعضهم قال: (الشارفة)؛ أي: المشرفة. وهي تصحيف. والأُولى هي الصواب. وفي رواية أخرى: (الحسر) مكان (البياذقة) وهو جمع حاسر. وهو هنا: الذي لا درع معه. وهذا الوصف صادق على الرَّجالة؛ فإنهم كذلك غالبًا.
وقوله: (وبطن الوادي) منصوب بفعل مضمر؛ أي: وجعل طريقه بطن الوادي، كما جاء مفسَّرًا في الرواية، ولا يجوز خفضه؛ لأنه يلزم منه أن يكون النبي ﷺ جعل أبا عبيدة على سكان بطن الوادي. وذلك غير مراد قطعًا.
ونداؤه ﷺ للأنصار خاصة: إما لأن المهاجرين كانوا حضورًا معه، فلم يحتج إلى ندائهم، وإما ليظهر لهم شدة اعتنائه بهم، وتعويله عليهم. ويظهر لي: أن اختصاصه بالأنصار في هذا الموضع، وقوله: (لا يأتيني إلا أنصاري)؛ كما جاء في الرواية الأخرى، إنما كان لأنه وصَّاهم بقتل من تعرض لهم من قريش؛ إذ لا قرابة، ولا رحم بينهم، فلا موجب للعطف عليهم، بخلاف المهاجرين؛ فإن بينهم قرابات وأرحامًا، فلا جرم لما سمعت الأنصار أمره مضوا لذلك، فلم يتعرض لهم أحد إلا أناموه؛ أي: قتلوه، فصيروه كالنائم. والله تعالى أعلم.
و(أوباش قريش): أخلاطهم. وفي الرواية الأخرى: ووبشت قريش أوباشًا لها؛ أي: جمعت جموعًا من قبائل مختلفة. ويقال: أوباش وأوشاب. بمعنى
стр. 1879
حَصدًا. وَأَخفَى بِيَدِهِ وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ، وَقَالَ: مَوعِدُكُم الصَّفَا. قَالَ: فَمَا أَشرَفَ يَومَئِذٍ لَهُم أَحَدٌ إِلَّا أَنَامُوهُ، قَالَ: وَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ على الصَّفَا، وَجَاءَت الأَنصَارُ فَأَطَافُوا بِالصَّفَا، فَجَاءَ أَبُو سُفيَانَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُبِيدَت خَضرَاءُ قُرَيشٍ، لَا قُرَيشَ بَعدَ اليَومِ. قَالَ أَبُو سُفيَانَ:
ــ
واحد.
و(الحصد): القطع. وأصله في الزرع، واستعاره هنا للقتل لما كانت الرءوس والأيدي تقطع فيه.
وقوله: (وأحفى بيده ووضع يمينه على شماله)؛ كذا صحيح الرواية- بالحاء المهملة- معناه: استأصل؛ أي: أشار إلى ذلك. وبعضهم رواه: (وأكفى) - بالكاف-؛ أي: مال بيده، فكأنه ﷺ وضع يمناه على يسراه، وأمرها عليها مشيرًا إلى الاستئصال. والله تعالى أعلم.
وقوله: (موعدكم الصفا)؛ ظاهره خطابه للأنصار، فكأنه ﷺ سلك الطريق الأعلى من مكة، وسلكت الأنصار من أسفلها، حتى اجتمعوا عند الصفا. و (الموعد) هنا: موضع الوعد، وقد يأتي كذلك في الزمان، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَوعِدَهُمُ الصُّبحُ﴾ ويأتي كذلك للمصدر. وهو في كل ذلك مكسور العين.
وقول أبي سفيان: (أبيدت خضراء قريش)؛ أي: أفنيت وأذهبت. وفي رواية أخرى: (أبيحت) من الإباحة. وكلاهما متقارب. و (خضراء قريش) معظمها، وجموعها.
وقوله: (لا قريش بعد اليوم)؛ أي: لا وجود لقريش بعد هذا. وذلك لما رأى من هول الأمر، والغلبة، والقهر، والاستطالة، والاستيلاء عليهم.
وهذا الحديث لمالك نص: على أن النبي ﷺ دخلها عنوة، وقهرًا. وهو
стр. 1880
فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : مَن دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَن أَغلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَن أَلقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، فَقَالَت الأَنصَارُ: أَمَّا الرَّجُلُ فَقَد أَخَذَتهُ رَأفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ، وَرَغبَةٌ فِي قَريَتِهِ. وَنَزَلَ الوَحيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ- ﷺ ، وقَالَ: قُلتُم: أَمَّا الرَّجُلُ فَقَد أَخَذَتهُ رَأفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ وَرَغبَةٌ فِي قَريَتِهِ، أَلَا فَمَا اسمِي إِذًا (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أَنَا مُحَمَّدٌ عَبدُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، هَاجَرتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيكُم، فَالمَحيَا مَحيَاكُم، وَالمَمَاتُ مَمَاتُكُم. قَالَوا: وَاللَّهِ مَا قُلنَا إِلَّا ضِنًّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُم وَيَعذِرَانِكُم.
ــ
الذي صار إليه جمهور العلماء، والفقهاء، مالك وغيره، ما عدا الشافعي، فإنه قال: فتحت صلحًا. وقد اعتذر بعض أصحابه عنه في ذلك بأن قال: أراد الشافعي بقوله: إنه ﷺ دخل مكة صلحًا؛ أي: فعل فيها ما يفعل من صالح. فملكهم أنفسهم، ومالهم (١)، وأرضيهم.
قلت: والكل متفقون على أن النبي ﷺ لما دخل مكة أمن أهلها ولم يغنمهم، وترك لهم أموالهم، وذراريهم، وأراضيهم، ولم يجر عليها حكم الغنيمة، ولا حكم الفيء، فكان ذلك أمرًا خاصًّا بمكة، لشرفها، وحرمتها، ولا يساويها في ذلك غيرها من البلاد بوجه من الوجوه. والله تعالى أعلم. وقد تقدم الكلام في بيع دور مكة وإجاراتها.
وقول الأنصار: (أما الرَّجل فقد أخذته رأفة بعشيرته، ورغبة في قريته)؛ هذا القول ليس فيه تنقيص، ولا تصغير، وإنما هم لما رأوا منه ما يقتضيه خلق الكرام، وجبلات الفضلاء من الرأفة على العشيرة، والصَّغو (٢) للوطن، والحنين له، خافوا أن يؤثر المقام فيها على المقام بالمدينة، فحملهم شدة محبتهم له، وكراهة
стр. 1881
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: فَأَقبَلَ النَّاسُ إِلَى دَارِ أَبِي سُفيَانَ، وَأَغلَقَ النَّاسُ أَبوَابَهُم، قَالَ: فأَقبَلَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ حَتَّى أَقبَلَ إِلَى الحَجَرِ فَاستَلَمَهُ، ثُمَّ طَافَ بِالبَيتِ، قَالَ: فَأَتَى عَلَى صَنَمٍ إِلَى جَنبِ البَيتِ كَانُوا يَعبُدُونَهُ، قَالَ: وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ- ﷺ قَوسٌ. وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَةِ القَوسِ، فَلَمَّا أَتَى عَلَى الصَّنَمِ جَعَلَ يَطعُنُ فِي عَينِهِ وَيَقُولُ: جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ فَلَمَّا فَرَغَ مِن طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا، فَعَلَا عَلَيهِ حَتَّى نَظَرَ إِلَى البَيتِ، وَرَفَعَ يَدَيهِ فَجَعَلَ يَحمَدُ اللَّهَ وَيَدعُو بِمَا شَاءَ أَن يَدعُوَ.
رواه أحمد (٢/ ٥٣٨)، ومسلم (١٧٨٠) (٨٤ و ٨٦)، وأبو داود (١٨٧٢) و (٣٠٢٣).
ــ
مفارقته، أو مفارقة أوطانهم، على أن قالوا هذا الكلام، وقد بيَّنوا عذرهم عن هذا حيث قالوا: (ما قلناه إلا ضنًّا برسول الله ﷺ ؛ أي: بخلًا.
وإخباره ﷺ إياهم بما قالوا، معجزة من معجزاته.
وقوله ﷺ : (ألا فما اسمي إذًا؟ ) قيل: إنما قال ذلك تنبيهًا على صدقه لما ظهرت معجزته بإخباره عما غاب عنه، كما كان يقول عند ظهور الخوارق على يديه: (أشهد أني رسول الله) (١). وقيل: إنما قال ذلك تنبيهًا على أن صدق اسمه (محمد) عليه يمنعه من نقض العهد، وترك القيام بحق من له حق، فكأنه قال: لو فعلت ذلك لما استحققت أن أسمّى: محمدًا، ولا: أحمد؛ وكلاهما مأخوذ من الحمد. ويدل على صحة هذا التأويل قوله: (المحيا محياكم، والممات مماتكم) (٢)؛ أي لا أفارقكم حياتي ولا موتي. وبكاء الأنصار إنما كان فرحًا وصبابة برسول الله ﷺ .
стр. 1882
[١٢٩٨] وعَن عَبدِ اللَّهِ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ- ﷺ مَكَّةَ وَحَولَ الكَعبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُبًا، وفي رواية: صنما، فَجَعَلَ يَطعُنُهَا بِعُودٍ كَانَ في يَدِهِ وَيَقُولُ: جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ، إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا، جَاءَ الحَقُّ، وَمَا يُبدِئُ البَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ.
رواه البخاري (٢٤٧٨)، ومسلم (١٧٨١)، والترمذي (٣١٣٧).
[١٢٩٩] وعن عَبدُ اللَّهِ بنُ مُطِيعٍ، عَن أَبِيهِ قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ- ﷺ يَقُولُ يوم فتح مكة: لَا يُقتَلُ قُرَشِيٌّ صَبرًا بَعدَ اليَومِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ.
ــ
و(سية القوس): طرفها المنحني. وله سيتان. وقد قال في طريق أخرى: (بعود في يديه)، يريد به القوس.
وقوله: (كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا)؛ إنما كانت بهذا العدد؛ لأنهم كانوا يعظمون في كل يوم صنمًا، ويخصُّون أعظمها بيومين.
وقوله: (فجعل يطعنها بعود في يده)؛ يقال: كانت مثبتة بالرَّصاص، وأنه كلما طعن منها صنمًا في وجهه خر لقفاه، أو في قفاه خر لوجهه (١). ذكر هذا القول عياض في كتاب الشفاء.
وقوله ﷺ : (لا يقتل قرشي صبرًا بعد اليوم إلى يوم القيامة)؛ أصل الصبر: الحبس. فمعنى: قتل صبرًا؛ أي: محبوسًا، مأسورًا لا في معركة، ومنه: المصبورة: المنهي عن قتلها. قال الحميدي: وقد تأوَّل بعض العلماء هذا الحديث على معنى: أنه لا يقتل قرشي مرتدًّا ثابتًا على الكفر صبرًا؛ إذ قد وجد من قتل منهم صبرًا في القتال وغيره، ولم يوجد من قتل منهم صبرًا وهو ثابت على الكفر.
стр. 1883
زَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَلَم يَكُن أَحَدٌ أَسلَمَ مِن عُصَاةِ قُرَيشٍ غَيرَ مُطِيعٍ، كَانَ اسمُهُ العَاصِي، فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ مُطِيعًا.
رواه أحمد (٣/ ٤١٢)، ومسلم (١٧٨٢) (٨٨ و ٨٩).
* * *
ــ
وقد قال عياض: هذا إعلام منه ﷺ : أنهم يسلمون كلهم، كما كان، وأنهم لا يرتدون بعده كما ارتد غيرهم ممن حورب، وقتل صبرًا.
وقوله: (لم يكن أسلم من عصاة قريش غير مطيع بن الأسود)؛ قال القاضي عياض: (عصاة) هنا: جمع العاصي، من الأسماء، لا من الصفات؛ أي: لم يسلم ممن كان اسمه (العاصي)، كالعاصي بن وائل السهمي، والعاصي بن هشام أبي البختري، والعاصي بن سعد بن العاصي بن أميَّة، والعاصي بن هشام بن المغيرة المخزومي، والعاصي بن منبه بن الحجاج وغيرهم، سوى العاصي بن الأسود العدوي، فغير النبي ﷺ اسمه، فسماه: مطيعًا. وإلا فقد أسلم عصاة قريش وعتاتهم، والحمد لله، لكنه قد ذكر: أن أبا (١) جندل بن سهيل بن عمرو هو ممن أسلم، واسمه: العاصي. فإذا صح هذا فيحتمل: أن لما غلبت كنيته عليه، وصار اسمه كأنه غير معروف، فلم يستثنه كما استثنى مطيع بن الأسود. والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1884
(٢٣) باب صلح الحديبية وقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحنَا لَكَ فَتحًا مُبِينًا﴾
[١٣٠٠] عَن البَرَاءِ قَالَ: لَمَّا أُحصِرَ - يعني: النَّبِيُّ- ﷺ عِندَ البَيتِ، صَالَحَهُ أَهلُ مَكَّةَ عَلَى أَن يَدخُلَهَا فَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثًا، وَلَا يَدخُلَهَا إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ: السَّيفِ وَقِرَابِهِ، وَلَا يَخرُجَ بِأَحَدٍ مَعَهُ مِن أَهلِهَا، وَلَا يَمنَعَ أَحَدًا يَمكُثُ بِهَا مِمَّن كَانَ مَعَهُ، قَالَ لِعَلِيٍّ: اكتُب الشَّرطَ بَينَنَا: بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا قَاضَى عَلَيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ المُشرِكُونَ: لَو
ــ
(٢٣) ومن باب: صلح الحديبية
(جُلُبان السلاح) بضم الجيم واللام. وذكره الهروي: بإسكان اللام. وصوَّبه ثابت. وهو مثل الجلبان من القطاني، وقاله بعض المتقنين بالراء: (جربان) بدل اللام. وجربان السيف والقميص. وفي البخاري: بجلب السلاح. ولعله جمع جلبان. وقد فسر الجلبان في الحديث: بالسيف وما هو فيه، وهو شبه الجراب من الأدم، يوضع فيه السيف مغمودًا، ويطرح فيه السوط. وفائدة اشتراطهم ذلك: أن لا يدخل عليهم على حالة المحاربين وهيئتهم، فيظن أنه دخلها عليهم قهرًا.
وقوله: (هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله)؛ أي: ما صالح عليه. وهو حجَّة لأرباب الوثائق على افتتاحهم الوثائق التي لها بال بهذا، كقولهم: هذا ما اشترى، وهذا ما أعتق، وهذا ما أصدق. وعلى تقديم الرجل الكبير في صدر الوثيقة، بائعًا كان، أو مبتاعًا.
و(يمحاها): يذهبها ويزيلها؛ يعني: الكلمة التي نازعه فيها. يقال: محوت الشيء، ومحيته، أمحوه، وأمحاه، محوًا، ومحيًا.
وامتناع علي ﵁ من المحو مع أمر النبي ﷺ بذلك: إنما كان لأنه لم يفهم من ذلك الأمر الجزم، ولا الإيجاب. وإنما فهم: أن النبي ﷺ أمره بذلك
стр. 1885
نَعلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ تَابَعنَاكَ، - وفي رواية: بايعناك - وَلَكِن اكتُب: مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللَّهِ. فَأَمَرَ عَلِيًّا أَن يَمحَاهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا وَاللَّهِ، لَا أَمحَاهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرِنِي مَكَانَهَا. فَأَرَاهُ مَكَانَهَا. فَمَحَاهَا، وَكَتَبَ: ابنُ عَبدِ اللَّهِ. فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا أَن كَانَ اليَومُ الثَّالِثِ قَالَوا لِعَلِيٍّ: هَذَا آخِرُ يَومٍ مِن شَرطِ صَاحِبِكَ فَأمُرهُ فَليَخرُج، فَأَخبَرَهُ بِذَلِكَ. فَقَالَ: نَعَم، فَخَرَجَ.
رواه أحمد (٤/ ٢٨٩ - ٢٩١)، والبخاري (٢٦٩٨)، ومسلم (١٧٨٣)(٩٢)، وأبو داود (١٨٣٢).
ــ
على جهة المصلحة في موافقتهم على ما طلبوه، لكن خفي على علي وعمر وغيرهما وجه المصلحة في ذلك؛ ولذلك عظمت عليهم تلك الحال، واشتدت عليهم حتى قال عمر ما قال: وحلف علي: ألا يمحو ما أمره بمحوه تعظيمًا لمحو اسم الرسالة عن النبي ﷺ ، والنبي ﷺ في كل ذلك (١) مقبل على ما أراه الله، وممتثل أمر الله تعالى ساكن الجأش، واثقًا بأن الله لا يضيعه، وأن الله سيجعل لهم في ذلك خيرًا وفرجًا، ولذلك كان حال أبي بكر من سكون الجأش، والثقة بالله؟ حتى قال لعمر ما قال، مما يدل على موافقته رسول الله ﷺ ظاهرًا، وباطنًا، حتى نصَّ على عمر ما قاله له رسول الله ﷺ حرفًا، حرفًا، حسب ما نصه في حديث سهل بن حنيف.
وقوله: (أرني مكانها، فأراه، فمحاها وكتب)؛ ظاهر هذا: أنه ﷺ محى تلك الكلمة التي هي (رسول الله ﷺ ) بيده، وكتب مكانها: (ابن عبد الله)، وقد رواه البخاري بأظهر من هذا فقال: فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب، فكتب. وزاد في طريق
стр. 1886
[١٣٠١] وعَن أَنَسٍ: أَنَّ قُرَيشًا صَالَحُوا النَّبِيَّ ﷺ فِيهِم سُهَيلُ بنُ عَمرٍو، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيٍّ: اكتُب: بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ سُهَيلٌ: أَمَّا بِسمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم، فَمَا نَدرِي بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ،
ــ
أخرى: (ولا يحسن أن يكتب). فقال جماعة بجواز هذا الظاهر عليه، وأنه كتب بيده. منهم: السمناني، وأبو ذر، والباجي. ورأوا: أن ذلك غير قادح في كونه: أمِّيًا، ولا معارض لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتلُو مِن قَبلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ ولا لقوله: (إنا أمة أميِّة، لا نكتب ولا نحسب) (١)؛ بل رأوه زيادة في معجزاته، واستظهارًا على صدقه، وصحة رسالته. وذلك: أنه كتب من غير تعلم الكتابة، ولا تعاط لأسبابها، فكان ذلك خارقًا للعادة، كما أنه ﷺ عَلِم عِلم الأولين والآخرين من غير تعلُّم، ولا اكتساب، فكان ذلك أبلغ في معجزاته، وأعظم في فضائله، هذا لو فرض أنه علم الكتابة كلها، وداوم عليها، فكيف ولم يرو عنه قط أنه كتب في غير ذلك الموطن الخاص، بل لم يفارق ما كان عليه من عدم معرفته بالكتابة حالة كتابته تلك، وإنما أجرى الله تعالى على يده، وقلمه حركات كانت عنها خطوط مفهومها: (ابن عبد الله) لمن قرأها (٢)، ثم هل كان عالِمًا في تلك الحال بنظم تلك الحروف الخاصة؛ كل ذلك محتمل. وعلى التقديرين: فلا يزول عنه اسم الأمي بذلك؛ ولذلك قال الراوي عنه في هذه الحالة: (ولا يحسن أن يكتب). فبقي عليه اسم الأمي مع كونه قال: (كتب). وقد أنكر هذا كثير من متفقهة الأندلس وغيرهم، وشدّدوا النكير فيه، ونسبوا قائله إلى الكفر. وذلك دليل: على عدم العلوم النظرية، وعدم التوقف في تكفير المسلمين، ولم يتفطنوا لأن تكفير المسلم كقتله،
стр. 1887
وَلَكِن اكتُب مَا نَعرِفُ: بِاسمِكَ اللَّهُمَّ. فَقَالَ: اكتُب: مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ. قَالَوا: لَو عَلِمنَا أَنَّكَ رَسُولُه لَاتَّبَعنَاكَ، وَلَكِن اكتُب: اسمَكَ وَاسمَ أَبِيكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اكتُب مِن مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ اللَّهِ. فَاشتَرَطُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَن مَن جَاءَ مِنكُم لَم نَرُدَّهُ عَلَيكُم، وَمَن جَاءَ مِنَّا رَدَدتُمُوهُ عَلَينَا. فَقَالَوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَكتُبُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَم، إِنَّهُ مَن ذَهَبَ إِلَيهِم فَأَبعَدَهُ اللَّهُ، وَمَن جَاءَنَا مِنهُم سَيَجعَلُ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخرَجًا.
رواه أحمد (٣/ ٢٦٨)، ومسلم (١٧٨٤).
ــ
على ما جاء عنه ﷺ في الصحيح، لا سيما رمي من شهد له أهل عصره بالعلم، والفضل، والإمامة.
على أن المسألة ليست قطعية، بل مستندها ظواهر أخبار آحاد صحيحة، غير أن العقل لا يحيلها، وليس في الشريعة قاطع يحيل وقوعها على ما تقدَّم.
وقوله في الرواية الأخرى لعلي: (اكتب: من محمد بن عبد الله)؛ ليس معارضًا للرواية التي تقدَّم ذكرها؛ إذ ليس فيها: أن عليًّا كتب بيده، وإنما فيها: أنه ﷺ أمره بالكتابة كما أمره بالمحو، فلم يمح علي، ولم يكتب، فلما امتنع علي منهما جميعًا للوجه الذي ذكرناه، قال له ﷺ : (أرني مكانها)؛ فأراه إيَّاه، فمحاه النبي ﷺ ، وكتب بيده، على ما تقرر من المذهب الأول. وعليه تجتمع الروايات المختلفة.
وقوله: (فاشترطوا عليه: أن من جاء منكم لم نرده، ومن جاء منا رددتموه علينا)؛ لا خلاف بين الرواة والمتأولين: أن الرجال داخلون في هذا اللفظ العام، واختلفوا: هل دخل فيهم النساء؟ فمنهم من منع ذلك، واستدل بما جاء في البخاري في كتاب: الشروط، في هذا الحديث، وهو أنه قال: ولا يأتيك منا رجل
стр. 1888
[١٣٠٢] وعَن أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَامَ سَهلُ بنُ حُنَيفٍ يَومَ صِفِّينَ فَقَالَ: يا أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّهِمُوا أَنفُسَكُم، لَقَد كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ- ﷺ يَومَ الحُدَيبِيَةِ، وَلَو نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلنَا. وَذَلِكَ فِي الصُّلحِ الَّذِي كَانَ بَينَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَينَ
ــ
على دينك إلا رددته إلينا (١). وهذا نص، وعلى هذا: فلا يحتاج إلى اعتذار عن حبس النبي ﷺ النساء اللاتي أسلمن وهاجرن إلى المدينة. ولا أن نقول في قوله تعالى: ﴿فَلا تَرجِعُوهُنَّ إِلَى الكُفَّارِ﴾ أنه ناسخ. والأكثر على أنهن دخلن في ذلك العموم. وقد روي أن سبيعة بنت الحارث الأسلمي جاء زوجها صيفي يطلبها، وكانت أسلمت، وهاجرت. وكذلك أم كلثوم بنت عقبة، فجاء زوجها: مسافر يطلبها بالشرط، فأنزل الله تعالى الآية في النهي عن ردهن، ورأوا: أن هذه الآية ناسخة لما تقرر بالشرط المتقدَّم؛ الذي هو: ردهن إلى الكفار. والطريقة الأولى أحسن، وأبعد عن الإشكال؛ إذ لم يدخلن في الشرط.
ثم اختلفوا: فيما إذا صولح العدو على مثل هذا الشرط. فذهب الكوفيون: إلى أن ذلك لا يجوز؛ لا في الرجال ولا في النساء. ورأوا: أن كل ذلك منسوخ.
ونحوه حكى مكي في الناسخ والمنسوخ له عن المذهب. وذهب مالك في المشهور عنه، وحكي عن أصحاب الشافعي جواز ذلك، ولزومه في الرجال دون النساء، لكن بشرط أن يكونوا مأمونين على دمه (٢).
وقيل: إنما فعل النبي ﷺ ذلك لضعف المسلمين عن مقاومة عدوهم في ذلك الوقت، وذلك لأنه إنما رد من رد ممن جاء مسلمًا لآبائهم، وذوي أرحامهم؛ لعطفهم عليهم، ولحبهم فيهم، ولصحة إسلام من أسلم منهم، وللذي علمه النبي ﷺ من حال من رد: أنه سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا، وكذلك كان. وكل هذه الأمور معدومة في حق غيره ﷺ ، فلا يحتج بتلك القضية على جواز ذلك. والله تعالى أعلم.
стр. 1889
المُشرِكِينَ، فَجَاءَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَسنَا عَلَى حَقٍّ وَهُم عَلَى بَاطِلٍ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: أَلَيسَ قَتلَانَا فِي الجَنَّةِ وَقَتلَاهُم فِي النَّارِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: ففيم نُعطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟ وَنَرجِعُ وَلَمَّا يَحكُمِ اللَّهُ بَينَنَا وَبَينَهُم؟ فقال: يَا بنَ الخَطَّابِ، إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَن يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا. قَالَ: فَانطَلَقَ عُمَرُ فَلَم يَصبِر مُتَغَيِّظًا، فَأَتَى أَبَا بَكرٍ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكرٍ، أَلَسنَا عَلَى حَقٍّ وَهُم عَلَى بَاطِلٍ؟ قَالَ: بَلَى.
ــ
وقول سهل بن حنيف: (أيها الناس اتهموا أنفسكم)، وفي الأخرى: (رأيكم)؛ يعني به: التثبت فيما كانوا فيه، والتصبر، وألا يستعجلوا في أمورهم. ووجه استدلاله بها: أن تلك الحالة كان ظاهرها مكروهًا لهم، صعبًا عليهم، فلما تثبتوا في أمرهم، وأطاعوا رسول الله ﷺ جعل الله لهم من أمرهم فرجًا ومخرجًا، فكأنه يقول لهم: إن صبرتم على المكروه، وتثبتم في أمركم، واتقيتم الله، جعل الله لكم من هذه الفتن مخرجًا، كما جعله لأصحاب رسول الله ﷺ يوم الحديبية.
وقال القاضي عياض: إنما قال ذلك سهل بن حنيف لما ظهر في أصحاب علي من كراهة شأن التحكيم، ومراوضة الصلح، وكان الظفر لهم، حتى رفع لهم أهل الشام المصاحف، ودعوهم إليها، ورغبوا في المصالحة.
وقول عمر: (لم نعطي الدنية في ديننا)؛ يعني بالدنية: الحالة الخسيسة، ويعني به: الصلح على ما شرطوا. ولم يكن ذلك من عمر شكًّا، ولا معارضة، بل كان استكشافًا لما خفي عنه، وحثًّا على قتال أهل الكفر، وإذلالهم، وحرصًا على ظهور المسلمين على عدوهم. وهذا على مقتضى ما كان عنده من القوة في دين الله، والجرأة والشجاعة التي خصَّه الله بها. وجواب النبي ﷺ وأبي بكر بما جاوباه به يدل: على أن عندهما من علم باطنة ذلك، وعاقبة أمره ما ليس عند عمر، ولذلك لم يسكن عمر حتى بشره النبي ﷺ بالفتح، فسكن جأشه، وطابت نفسه.
стр. 1890
قَالَ: أَلَيسَ قَتلَانَا فِي الجَنَّةِ وَقَتلَاهُم فِي النَّارِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَعَلَامَ نُعطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟ وَنَرجِعُ وَلَمَّا يَحكُمِ اللَّهُ بَينَنَا وَبَينَهُم؟ قَالَ: يَا بنَ الخَطَّابِ، إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَن يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا. قَالَ: فَنَزَلَ القُرآنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالفَتحِ، فَأَرسَلَ إِلَى عُمَرَ فَأَقرَأَهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوفَتحٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَم. فَطَابَت نَفسُهُ وَرَجَعَ.
وَفِي رِوَاية: قال: أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّهِمُوا رَأيَكُم، وَاللَّهِ لَقَد رَأَيتُنِي يَومَ أَبِي جَندَلٍ، وَلَو أَنِّي أَستَطِيعُ أَن أَرُدَّ أَمرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَرَدَدتُهُ، وَاللَّهِ مَا وَضَعنَا سُيُوفَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا إِلَى أَمرٍ قَطُّ إِلَّا أَسهَلنَ بِنَا إِلَى أَمرٍ نَعرِفُهُ، إِلَّا أَمرَكُم هَذَا.
ــ
وقول سهل بن حنيف: (ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمر قط إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه، إلا أمركم هذا)؛ وضعنا: رفعنا هنا؛ أي: وضعناها على عواتقنا. والعواتق: جمع عاتق، وهو من المنكب وما يليه إلى العنق، وهو الكاهل، والكتد، والثبج (١).
و(أسهلن)؛ أي: حملتنا إلى مر سهل، وهو من: أسهل: إذا دخل سهلًا من الأرض، كأنجد، وأشأم، وأعرق: إذا دخل تلك المواضع.
ويعني بهذا الكلام: أن كل قتال قاتل فيه ما رفع سيفه فيه إلا عن بصيرة لعاقبة أمره، فسهل عليه بسببها ما يلقاه من مشقات الحروب، غير تلك الأمور التي كانوا فيها، فكانوا كلما لاح لهم فيها مصلحة وعاقبة حسنة ظهر لهم نقيضها. ويدل على صحة هذا قوله: (ما فتحنا منها من خصم إلا انفجر علينا منه خصم). أصل الخصم: طرف الشيء وجانبه الذي يؤخذ به. وخصم الراوية: طرفها. وخُصم العِدل: جانبه الذي يؤخذ به.
стр. 1891
وَفِي أُخرَى: ما فتحنا من خصم إلا انفجر علينا منه خصم.
رواه أحمد (٤/ ٣٢٨ - ٣٣١)، والبخاري (١٧٣١) و (٢٧٣٢)، ومسلم (١٧٨٥) (٩٤ و ٩٥ و ٩٦)، وأبو داود (٢٧٦٥).
[١٣٠٣] وعن أَنَسَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَت: ﴿إِنَّا فَتَحنَا لَكَ فَتحًا مُبِينًا﴾ إِلَى قَولِهِ: ﴿فَوزًا عَظِيمًا﴾ مَرجِعَهُ مِن الحُدَيبِيَةِ، وَهُم مخَالِطُهُم الحُزنُ وَالكَآبَةُ، وَقَد نَحَرَ الهَديَ بِالحُدَيبِيَةِ، قال لَقَد نزِلَت عَلَيَّ آيَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن الدُّنيَا جَمِيعًا.
رواه أحمد (٣/ ١٢٢)، والبخاري (٤١٧٢)، ومسلم (١٧٨٦)، والترمذي (٣٢٦٣).
* * *
ــ
وقوله: (ما فتحنا) وَهمٌ من بعض الرواة، وصوابه: (ما سددنا)؛ لأنه مقابل: (انفجر علينا)، وكذا وقع في البخاري: (سددنا) مكان: (فتحنا).
وهذا الحديث يدل على جواز على ما شرطه العدو عند ضعف المسلمين عن مقاومة عدوهم، وعند الحاجة إلى ذلك، ولا خلاف في جواز الصلح عند ذلك، إلا ما ذكر من الخلاف في رد من جاء مسلمًا، وكذلك لو صولحوا على مال يؤخذ منهم، فأما إن لم تدع حاجة، ولا ضرورة إلى ذلك، ولم يكن للعدو قوة إلا لما بذلوه من المال. فأجاز ذلك جماعة منهم: الأوزاعي. ومنع ذلك مالك وأصحابه، وعلماء المدينة.
واختلف في مقدار مدة الصلح حيث يجوز. فقال مالك: ذلك مفوّض إلى اجتهاد الإمام. وحدّ الشافعي أكثره بعشرة أعوام (١) بناءً منه على صلح الحديبية
стр. 1892
(٢٤) باب في التحصين بالقلع والخنادق عند الضعف عن مقاومة العدو وطرف من غزوة الأحزاب
[١٣٠٤] عن البَرَاءَ بن عازب قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَومَ الأَحزَابِ يَنقُلُ التُّرَابَ مَعَنَا، وَلَقَد وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطنِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
ــ
فإنه كان عشر سنين، واختلف فيها، فقال عروة بن الزبير: كانت أربع سنين. وقال ابن جريج: ثلاث سنين. والأول أشهر.
(٢٤) ومن باب: التحصين وحفر الخنادق
الأحزاب: جمع حزب، وهو الجماعة من الناس، والجملة من الشيء. وتحزب الناس: اجتمعوا. والحزب من القرآن: جملة مجتمعة منه.
ويوم الأحزاب: عبارة عن غزوة الأحزاب، وهي غزوة الخندق. وكانت في السنة الخامسة من الهجرة في شهر شوال، وكان سببها: أن نفرًا من رؤساء اليهود انطلقوا إلى مكة مؤلبين على رسول الله ﷺ ومشجعين عليه، فجمعوا الجموع، وحزبوا الأحزاب، فاجتمعت قريش وقادتها، وغطفان وقادتها، وفزارة وقادتها، وغيرهم من أخلاط الناس. وخرجوا بحدهم وجدهم في عشرة آلاف حتى نزلوا المدينة، ولما سمع رسول الله ﷺ بهم شاور أصحابه، فأشار سلمان بالخندق، فحفروا الخندق، وتحصنوا به، ثم إن رسول الله ﷺ خرج بمن معه من المسلمين في ثلاثة آلاف، فبرز، وأقام على الخندق، وجاءت الأحزاب، ونزلت من الجانب الآخر، ولم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبل، غير أن فوارس من قريش اقتحموا الخندق، فخرج عليُّ بن أبي طالب ﵁ في فرسان من المسلمين، فأخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموا منها، فقتل عليٌّ عمرو بن ود مبارزةً، واقتحم الآخرون
стр. 1893
وَاللَّهِ لَولَا الله مَا اهتَدَينَا ... وَلَا تَصَدَّقنَا وَلَا صَلَّينَا
فَأَنزِلَن سَكِينَةً عَلَينَا ... إِنَّ الأُلَى قَد بَغوا عَلَينَا
زَادَ فِي رواية: فقال رسول الله ﷺ : اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للمهاجرين والأنصار.
رواه البخاري (٤١٠٤)، ومسلم (١٨٠٣)، والرواية الثانية عند مسلم (١٨٠٤) من حديث سهل بن سعد.
ــ
بخيلهم الخندق منهزمين إلى قومهم. ونقضت قريظة ما كان بينها وبين رسول الله ﷺ ، وعاونوا الأحزاب عليه، واشتد البلاء على أصحاب النبي ﷺ ؛ إذ جاء عدوهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، فأقام المسلمون على تلك الحال قريبًا من شهر إلى أن خذل الله بين قريش وبين بني قريظة على يدي نعيم بن مسعود الأشجعي (١)، فاختلفوا، وأرسل الله عليهم ريحًا عاصفةً في ليال شديدة البرد، فجعلت تقلب آنيتهم، وتطفئ نيرانهم، وتكفأ قدورهم، حتى أشرفوا على الهلاك. فارتحلوا متفرقين في كل وجه، لا يلوي أحدٌ على أحدٍ. وكفى الله المؤمنين القتال. ثم إن رسول الله خرج إلى بني قريظة، فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، كما تقدم.
وقوله: (فأنزلن سكينة علينا)؛ السكينة: السكون، والثبات، والطمأنينة.
وقوله: (إن الأولى)؛ كذا صحَّت الرواية الأولى بالقصر، فيحتمل أن يريد به مؤنث الأول، ويكون معناه: إن الجماعة السابقة بالشر بغوا علينا. ويحتمل أن تكون (الألى) هي الموصولة بمعنى الذين، كما قال:
ويأشبني فيها الألى لا يلونها ... ولو علموا لم يأشبوني بباطل
стр. 1894
[١٣٠٥] وعَن أَنَسٍ: أَنَّ أَصحَابَ مُحَمَّدٍ كَانُوا يَقُولُونَ يَومَ الخَندَقِ:
نَحنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا ... عَلَى الجهاد مَا بَقِينَا أَبَدًا
ــ
وقال ابن دريد:
إن الألى فارقت عن غير قلًى ... ما زاغ قلبي عنهم ولا هفا
ويكون خبر (إن) محذوفًا، تقديره: إن الذين بغوا علينا ظالمون. وقيل: إن هذا تصحيف من بعض الرواة، وإن صوابه: (أولاء) ممدود، التي لإشارة الجماعة. وهذا صحيح من جهة المعنى والوزن. والله تعالى أعلم.
وغير خاف ما في هذا الحديث من الفقه؛ من جواز التحصن، والاحتراز من المكروهات، والأخذ بالحزم، والعمل في العادات بمقتضاها، وأن ذلك كله غير قادح في التوكل، ولا منقص منه (١)، فقد كان النبي ﷺ على كمال المعرفة بالله تعالى، والتوكل عليه، والتسليم لأمره، ومع ذلك فلم يطرح الأسباب، ولا مقتضى العادات على ما يراه جُهّال المتزهدين أهل الدّعاوى الممخرقين.
وقد يستدل بإنشاد النبي ﷺ وأصحابه هذه الأسجاع وأشباهها أهل المجون والبدع من المتصوّفة على إباحة ما أحدثوه من السَّماع المشتمل على مناكر لا يرضى بها أهل المروءات -فكيف بأهل الديانات؟ ! - كالطارات، والشبابات، واجتماع المغاني وأهل الفساد والشبَّان، والغناء بالألحان، والرقص بالأكمام، وضرب الأقدام، كما يفعله الفسقة المُجَّان. ومجموع ذلك يعلم فساده وكونه معصية من ضرورة الأديان، فلا يحتاج في إبطاله إلى إقامة دليل ولا برهان. وقد كتبنا في ذلك جزءًا حسنًا سميناه: كشف القناع عن حكم مسائل الوجد والسَّماع.
وقولهم: (نحن الذين بايعوا محمدًا ... على الجهاد ما بقينا أبدًا)؛ تذكير منهم
стр. 1895
وَالنَّبِيُّ- ﷺ يَقُولُ:
اللَّهُمَّ إِنَّ الخَيرَ خَيرَ الآخِرَه ... فَاغفِر للأَنصَارَ وَالمُهَاجِرَة.
رواه البخاري (٢٨٣٤)، ومسلم (١٨٠٥)(١٣٠)، والترمذي (٣٨٥٦).
[١٣٠٦] وَعَن إِبرَاهِيمَ التَّيمِيِّ، عَن أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا عِندَ حُذَيفَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَو أَدرَكتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاتَلتُ مَعَهُ فَأَبلَيتُ. فَقَالَ حُذَيفَةُ: أَنتَ كُنتَ تَفعَلُ ذَلِكَ؟ ! لَقَد رَأَيتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيلَةَ الأَحزَابِ وَأَخَذَتنَا رِيحٌ
ــ
لأنفسهم بعهد البيعة، وتجديد منهم لها، وإخبار منهم له بالوفاء بمقتضاها. ولما سمع منهم ذلك أجابهم ببشارة: (لا عيش إلا عيش الآخرة)، وبدعاء: (فاغفر للأنصار والمهاجرة). و (المهاجرة) أجراها صفة مؤنثة على موصوف محذوف فكأنه قال: للجماعة المهاجرة (١)، الرواية: (والمهاجرة) بألف بعد الواو وقبل اللام، وهو غير موزون؛ لأنه سجع، ولا يشترط فيه الوزن، ولو اشترط فإن الله تعالى قال: ﴿وَمَا عَلَّمنَاهُ الشِّعرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ ولو قال: وللمهاجرة - بلامين- لاتَّزن، إذا نقل حركة (الأنصار) إلى الساكن.
وقول الرجل: (لو أدركت رسول الله ﷺ قاتلت معه فأبليت)؛ أي بالغت في ذلك، واجتهدت فيه حتى يظهر مني ما يبتلى؛ أي: ما يختبر. وقد تقدَّم: أن أصل هذا اللفظ: الاختبار. وأن فيه لغتين جمعهما زهير في قوله:
. . . . . . . . . . ... فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو (٢)
وقد قيل: إن (بلا) في الخير، و (أبلى) في الشر. ولما قال هذا الرجل هذا الكلام ولم يستثن فيه، فهم منه حذيفة الجزم، والقطع بأنه كذلك كان يفعل، فأنكر