وَفِي أُخرَى: ما فتحنا من خصم إلا انفجر علينا منه خصم.
رواه أحمد (٤/ ٣٢٨ - ٣٣١)، والبخاري (١٧٣١) و (٢٧٣٢)، ومسلم (١٧٨٥) (٩٤ و ٩٥ و ٩٦)، وأبو داود (٢٧٦٥).
[١٣٠٣] وعن أَنَسَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَت: ﴿إِنَّا فَتَحنَا لَكَ فَتحًا مُبِينًا﴾ إِلَى قَولِهِ: ﴿فَوزًا عَظِيمًا﴾ مَرجِعَهُ مِن الحُدَيبِيَةِ، وَهُم مخَالِطُهُم الحُزنُ وَالكَآبَةُ، وَقَد نَحَرَ الهَديَ بِالحُدَيبِيَةِ، قال لَقَد نزِلَت عَلَيَّ آيَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن الدُّنيَا جَمِيعًا.
رواه أحمد (٣/ ١٢٢)، والبخاري (٤١٧٢)، ومسلم (١٧٨٦)، والترمذي (٣٢٦٣).
* * *
ــ
وقوله: (ما فتحنا) وَهمٌ من بعض الرواة، وصوابه: (ما سددنا)؛ لأنه مقابل: (انفجر علينا)، وكذا وقع في البخاري: (سددنا) مكان: (فتحنا).
وهذا الحديث يدل على جواز على ما شرطه العدو عند ضعف المسلمين عن مقاومة عدوهم، وعند الحاجة إلى ذلك، ولا خلاف في جواز الصلح عند ذلك، إلا ما ذكر من الخلاف في رد من جاء مسلمًا، وكذلك لو صولحوا على مال يؤخذ منهم، فأما إن لم تدع حاجة، ولا ضرورة إلى ذلك، ولم يكن للعدو قوة إلا لما بذلوه من المال. فأجاز ذلك جماعة منهم: الأوزاعي. ومنع ذلك مالك وأصحابه، وعلماء المدينة.
واختلف في مقدار مدة الصلح حيث يجوز. فقال مالك: ذلك مفوّض إلى اجتهاد الإمام. وحدّ الشافعي أكثره بعشرة أعوام (١) بناءً منه على صلح الحديبية
стр. 1892
(٢٤) باب في التحصين بالقلع والخنادق عند الضعف عن مقاومة العدو وطرف من غزوة الأحزاب
[١٣٠٤] عن البَرَاءَ بن عازب قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَومَ الأَحزَابِ يَنقُلُ التُّرَابَ مَعَنَا، وَلَقَد وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطنِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
ــ
فإنه كان عشر سنين، واختلف فيها، فقال عروة بن الزبير: كانت أربع سنين. وقال ابن جريج: ثلاث سنين. والأول أشهر.
(٢٤) ومن باب: التحصين وحفر الخنادق
الأحزاب: جمع حزب، وهو الجماعة من الناس، والجملة من الشيء. وتحزب الناس: اجتمعوا. والحزب من القرآن: جملة مجتمعة منه.
ويوم الأحزاب: عبارة عن غزوة الأحزاب، وهي غزوة الخندق. وكانت في السنة الخامسة من الهجرة في شهر شوال، وكان سببها: أن نفرًا من رؤساء اليهود انطلقوا إلى مكة مؤلبين على رسول الله ﷺ ومشجعين عليه، فجمعوا الجموع، وحزبوا الأحزاب، فاجتمعت قريش وقادتها، وغطفان وقادتها، وفزارة وقادتها، وغيرهم من أخلاط الناس. وخرجوا بحدهم وجدهم في عشرة آلاف حتى نزلوا المدينة، ولما سمع رسول الله ﷺ بهم شاور أصحابه، فأشار سلمان بالخندق، فحفروا الخندق، وتحصنوا به، ثم إن رسول الله ﷺ خرج بمن معه من المسلمين في ثلاثة آلاف، فبرز، وأقام على الخندق، وجاءت الأحزاب، ونزلت من الجانب الآخر، ولم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبل، غير أن فوارس من قريش اقتحموا الخندق، فخرج عليُّ بن أبي طالب ﵁ في فرسان من المسلمين، فأخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموا منها، فقتل عليٌّ عمرو بن ود مبارزةً، واقتحم الآخرون
стр. 1893
وَاللَّهِ لَولَا الله مَا اهتَدَينَا ... وَلَا تَصَدَّقنَا وَلَا صَلَّينَا
فَأَنزِلَن سَكِينَةً عَلَينَا ... إِنَّ الأُلَى قَد بَغوا عَلَينَا
زَادَ فِي رواية: فقال رسول الله ﷺ : اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للمهاجرين والأنصار.
رواه البخاري (٤١٠٤)، ومسلم (١٨٠٣)، والرواية الثانية عند مسلم (١٨٠٤) من حديث سهل بن سعد.
ــ
بخيلهم الخندق منهزمين إلى قومهم. ونقضت قريظة ما كان بينها وبين رسول الله ﷺ ، وعاونوا الأحزاب عليه، واشتد البلاء على أصحاب النبي ﷺ ؛ إذ جاء عدوهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، فأقام المسلمون على تلك الحال قريبًا من شهر إلى أن خذل الله بين قريش وبين بني قريظة على يدي نعيم بن مسعود الأشجعي (١)، فاختلفوا، وأرسل الله عليهم ريحًا عاصفةً في ليال شديدة البرد، فجعلت تقلب آنيتهم، وتطفئ نيرانهم، وتكفأ قدورهم، حتى أشرفوا على الهلاك. فارتحلوا متفرقين في كل وجه، لا يلوي أحدٌ على أحدٍ. وكفى الله المؤمنين القتال. ثم إن رسول الله خرج إلى بني قريظة، فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، كما تقدم.
وقوله: (فأنزلن سكينة علينا)؛ السكينة: السكون، والثبات، والطمأنينة.
وقوله: (إن الأولى)؛ كذا صحَّت الرواية الأولى بالقصر، فيحتمل أن يريد به مؤنث الأول، ويكون معناه: إن الجماعة السابقة بالشر بغوا علينا. ويحتمل أن تكون (الألى) هي الموصولة بمعنى الذين، كما قال:
ويأشبني فيها الألى لا يلونها ... ولو علموا لم يأشبوني بباطل
стр. 1894
[١٣٠٥] وعَن أَنَسٍ: أَنَّ أَصحَابَ مُحَمَّدٍ كَانُوا يَقُولُونَ يَومَ الخَندَقِ:
نَحنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا ... عَلَى الجهاد مَا بَقِينَا أَبَدًا
ــ
وقال ابن دريد:
إن الألى فارقت عن غير قلًى ... ما زاغ قلبي عنهم ولا هفا
ويكون خبر (إن) محذوفًا، تقديره: إن الذين بغوا علينا ظالمون. وقيل: إن هذا تصحيف من بعض الرواة، وإن صوابه: (أولاء) ممدود، التي لإشارة الجماعة. وهذا صحيح من جهة المعنى والوزن. والله تعالى أعلم.
وغير خاف ما في هذا الحديث من الفقه؛ من جواز التحصن، والاحتراز من المكروهات، والأخذ بالحزم، والعمل في العادات بمقتضاها، وأن ذلك كله غير قادح في التوكل، ولا منقص منه (١)، فقد كان النبي ﷺ على كمال المعرفة بالله تعالى، والتوكل عليه، والتسليم لأمره، ومع ذلك فلم يطرح الأسباب، ولا مقتضى العادات على ما يراه جُهّال المتزهدين أهل الدّعاوى الممخرقين.
وقد يستدل بإنشاد النبي ﷺ وأصحابه هذه الأسجاع وأشباهها أهل المجون والبدع من المتصوّفة على إباحة ما أحدثوه من السَّماع المشتمل على مناكر لا يرضى بها أهل المروءات -فكيف بأهل الديانات؟ ! - كالطارات، والشبابات، واجتماع المغاني وأهل الفساد والشبَّان، والغناء بالألحان، والرقص بالأكمام، وضرب الأقدام، كما يفعله الفسقة المُجَّان. ومجموع ذلك يعلم فساده وكونه معصية من ضرورة الأديان، فلا يحتاج في إبطاله إلى إقامة دليل ولا برهان. وقد كتبنا في ذلك جزءًا حسنًا سميناه: كشف القناع عن حكم مسائل الوجد والسَّماع.
وقولهم: (نحن الذين بايعوا محمدًا ... على الجهاد ما بقينا أبدًا)؛ تذكير منهم
стр. 1895
وَالنَّبِيُّ- ﷺ يَقُولُ:
اللَّهُمَّ إِنَّ الخَيرَ خَيرَ الآخِرَه ... فَاغفِر للأَنصَارَ وَالمُهَاجِرَة.
رواه البخاري (٢٨٣٤)، ومسلم (١٨٠٥)(١٣٠)، والترمذي (٣٨٥٦).
[١٣٠٦] وَعَن إِبرَاهِيمَ التَّيمِيِّ، عَن أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا عِندَ حُذَيفَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَو أَدرَكتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاتَلتُ مَعَهُ فَأَبلَيتُ. فَقَالَ حُذَيفَةُ: أَنتَ كُنتَ تَفعَلُ ذَلِكَ؟ ! لَقَد رَأَيتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيلَةَ الأَحزَابِ وَأَخَذَتنَا رِيحٌ
ــ
لأنفسهم بعهد البيعة، وتجديد منهم لها، وإخبار منهم له بالوفاء بمقتضاها. ولما سمع منهم ذلك أجابهم ببشارة: (لا عيش إلا عيش الآخرة)، وبدعاء: (فاغفر للأنصار والمهاجرة). و (المهاجرة) أجراها صفة مؤنثة على موصوف محذوف فكأنه قال: للجماعة المهاجرة (١)، الرواية: (والمهاجرة) بألف بعد الواو وقبل اللام، وهو غير موزون؛ لأنه سجع، ولا يشترط فيه الوزن، ولو اشترط فإن الله تعالى قال: ﴿وَمَا عَلَّمنَاهُ الشِّعرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ ولو قال: وللمهاجرة - بلامين- لاتَّزن، إذا نقل حركة (الأنصار) إلى الساكن.
وقول الرجل: (لو أدركت رسول الله ﷺ قاتلت معه فأبليت)؛ أي بالغت في ذلك، واجتهدت فيه حتى يظهر مني ما يبتلى؛ أي: ما يختبر. وقد تقدَّم: أن أصل هذا اللفظ: الاختبار. وأن فيه لغتين جمعهما زهير في قوله:
. . . . . . . . . . ... فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو (٢)
وقد قيل: إن (بلا) في الخير، و (أبلى) في الشر. ولما قال هذا الرجل هذا الكلام ولم يستثن فيه، فهم منه حذيفة الجزم، والقطع بأنه كذلك كان يفعل، فأنكر
стр. 1896
شَدِيدَةٌ وَقُرٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : أَلَا رَجُلٌ يَأتِينِي بِخَبَرِ القَومِ؟ جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَومَ القِيَامَةِ! فَسَكَتنَا فَلَم يُجِبهُ مِنَّا أَحَدٌ. ثُمَّ قَالَ: أَلَا رَجُلٌ يَأتِينَا بِخَبَرِ القَومِ؟ جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَومَ القِيَامَةِ. فَسَكَتنَا فَلَم يُجِبهُ مِنَّا أَحَدٌ. ثُمَّ قَالَ: أَلَا رَجُلٌ يَأتِينَي بِخَبَرِ القَومِ، جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَومَ القِيَامَةِ. فَسَكَتنَا فَلَم يُجِبهُ مِنَّا أَحَدٌ. فَقَالَ: قُم يَا حُذَيفَةُ، فَأتِنَا بِخَبَرِ القَومِ. فَلَم أَجِد بُدًّا إِذ دَعَانِي بِاسمِي أَن أَقُومَ، قَالَ: اذهَب فَأتِنِي بِخَبَرِ القَومِ، وَلَا تَذعَرهُم عَلَيَّ. فَلَمَّا وَلَّيتُ مِن عِندِهِ جَعَلتُ كَأَنَّمَا أَمشِي فِي حَمَّامٍ حَتَّى أَتَيتُهُم، فَرَأَيتُ أَبَا سُفيَانَ يَصلِي ظَهرَهُ بِالنَّارِ، فَوَضَعتُ سَهمًا فِي كَبِدِ القَوسِ، فَأَرَدتُ أَن أَرمِيَهُ، فَذَكَرتُ قَولَ رَسُولِ اللَّهِ- ﷺ : لَا تَذعَرهُم عَلَيَّ. وَلَو رَمَيتُهُ لَأَصَبتُهُ، فَرَجَعتُ
ــ
ذلك عليه، وأخبره بما يفهم منه: أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا أقوى في دين الله، وأحرص على إظهاره، وأحب في رسول الله ﷺ ، وأشجع منك، ومع ذلك فقد انتهت بهم الشدائد، والمشاق إلى أن حصل منهم ما ذكره، وإذا كان هذا فغيرهم بالضعف أولى. وحاصله: أن الإنسان ينبغي له ألَاّ يتمنى الشدائد والامتحان، فإنه لا يدري كيف يكون حاله فيها. فإن ابتلي صبر، وإن عوفي شكر.
وقوله ﷺ : (من يأتيني بخبر القوم؟ ) يتضمن إخباره ﷺ بسلامة المار (١)، ورجوعه إليه.
وقوله: (جعله الله معي في الجنة)؛ أي: مصاحبًا لي، وملازمًا حضرتي. وكل واحد منهما على منزلته في الجنة، ومنزلة النبي ﷺ لا يلحقه فيها أحد.
وقوله: (ولا تذعرهم علي)؛ الذعر: الفزع؛ أي: لا تفزعهم، فتهيجهم علي. و (يصلِي ظهره)؛ أي: يسخنه بالنار، ومصدره: الصلاء- مكسورًا، ممدودًا-. والصلى- مفتوحًا، مقصورا-.
стр. 1897
وَأَنَا أَمشِي فِي مِثلِ الحَمَّامِ، فَلَمَّا أَتَيتُهُ فَأَخبَرتُهُ خَبَرِ القَومِ وَفَرَغتُ قُرِرتُ، فَأَلبَسَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن فَضلِ عَبَاءَةٍ كَانَت عَلَيهِ يُصَلِّي فِيهَا، فَلَم أَزَل نَائِمًا حَتَّى أَصبَحتُ، فَلَمَّا أَصبَحتُ قَالَ: قُم يَا نَومَانُ.
رواه مسلم (١٧٨٨).
* * *
(٢٥) باب في اقتحام الواحد على جمع العدو، وذكر غزوة أحد وما أصاب فيها النبي ﷺ -
[١٣٠٧] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُفرِدَ يَومَ أُحُدٍ فِي سَبعَةٍ مِن الأَنصَارِ، وَرَجُلَينِ مِن قُرَيشٍ، فَلَمَّا رَهِقُوهُ قَالَ: مَن يَرُدُّهُم عَنَّا
ــ
وقوله: (كأنما أمشي في حمام)؛ أي: لم يصبه شيء من ذلك البرد ببركة طاعة رسول الله ﷺ ، وهي من كراماته، ألا ترى أنه لما فرغ من ذلك العمل أخذه البرد كما كان أول مرة؟ ! و (كبد القوس): وسطها، حيث يقبض الرامي. قال الخليل: كبد كل شيء: وسطه. و (قررت)؛ أي: أصابني القرُّ، وهو: البرد. و (العباءة) - بفتح العين والمد-: هي الشملة، وهي كساء يشتمل به؛ أي: يلتف فيه. و (نومان): كثير النوم. نسبه إلى ذلك؛ لأنه نام حتى دخل عليه وقت صلاة الصبح.
(٢٥) ومن باب: اقتحام الواحد على جمع العدو
(رَهِقُوهُ)؛ أي: غشوه، ولحقوه، وهو مكسور العين ثلاثيًّا، وقد جاء رباعيًّ بمعنى. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا تُرهِقنِي مِن أَمرِي عُسرًا﴾ قال ابن الأعرابي: رهقته، وأرهقته: بمعنى واحد.
стр. 1898
وَلَهُ الجَنَّةُ، أَو هُوَ رَفِيقِي فِي الجَنَّةِ؟ فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِن الأَنصَارِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَلَم يَزَل كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبعَةُ، فَقَالَ النبي ﷺ لِصَاحِبَيهِ: مَا أَنصَفنَا أَصحَابَنَا.
رواه أحمد (٣/ ٢٨٦)، ومسلم (١٧٨٩).
[١٣٠٨] وعن سَهلَ بنَ سَعدٍ، وسئل عَن جُرحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَومَ أُحُدٍ فَقَالَ: جُرِحَ وَجهُ رَسُولِ اللَّهِ- ﷺ ، وَكُسِرَت رَبَاعِيَتُهُ، وَهُشِمَت البَيضَةُ عَلَى رَأسِهِ، فَكَانَت فَاطِمَةُ بِنتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَغسِلُ الدَّمَ. وَكَانَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ يَسكُبُ عَلَيه بِالمِجَنِّ. فَلَمَّا رَأَت فَاطِمَةُ أَنَّ المَاءَ لَا يَزِيدُ الدَّمَ إِلَّا كَثرَةً، أَخَذَت قِطعَةَ حَصِيرٍ فَأَحرَقَتهُ حَتَّى صَارَ رَمَادًا، ثُمَّ أَلصَقَتهُ بِالجُرحِ فَاستَمسَكَ الدَّمُ.
رواه البخاري (٢٩١١)، ومسلم (١٧٩٠)(١٠١)، وابن ماجه (٣٤٦٤).
ــ
و(قوله ﷺ -لصاحبيه)؛ يعني بهما: القرشيين المذكورين في أول الحديث. وقوله: (ما أنصفنا أصحابنا)، الرواية: (أنصفنا) بسكون الفاء. (أصحابنا) بفتح الباء؛ يعني بهم: السبعة الذين قتلوا.
قال عياض: أي: لم نُدِلهُم القتال حتى قتلوهم خاصة (١). وقد رواه بعض شيوخنا: (ما أنصفَنا أصحابُنا) - بفتح الفاء، وضم الباء من (أصحابنا) - وهذا يرجع إلى من فرَّ عنه وتركه.
و(المجن): الترس؛ لأنه يستجن به؛ أي: يستتر.
و(الرُّباعية) - بفتح الراء، وتخفيف الياء- وهي: كل سن بعد ثنية، و (هشمت): كسرت. و (سلت الدم عنه): نزعه بيده.
стр. 1899
[١٣٠٩] وعَن أَنَسٍ: أَنَّ النبي ﷺ كُسِرَت رَبَاعِيَتُهُ يَومَ أُحُدٍ، وَشُجَّ فِي رَأسِهِ، فَجَعَلَ يَسلُتُ الدَّمَ عَنهُ، وَيَقُولُ: كَيفَ يُفلِحُ قَومٌ شَجُّوا نَبِيَّهُم وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ، وَهُوَ يَدعُوهُم. فَأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمرِ شَيءٌ﴾
رواه أحمد (٣/ ٢٥٣)، ومسلم (١٧٩١)، والترمذي (٣٠٠٢)، وابن ماجه (٤٠٢٧).
[١٣١٠] وعَن عَبدِ اللَّهِ قَالَ: كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَحكِي نَبِيًّا مِن الأَنبِيَاءِ، ضَرَبَهُ قَومُهُ، وَهُوَ يَمسَحُ الدَّمَ عَن وَجهِهِ، وَهو يَقُولُ: رَبِّ اغفِر لِقَومِي فَإِنَّهُم لَا يَعلَمُونَ.
رواه أحمد (١/ ٣٨٠)، والبخاري (٣٤٧٧)، ومسلم (١٧٩٢)، وابن ماجه (٤٠٢٥).
ــ
وقوله: (كيف يفلح قوم شجُّوا نبيهم؟ ) هذا منه ﷺ استبعاد لتوفيق من فعل ذلك به.
وقوله تعالى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمرِ شَيءٌ﴾ تقريب لما استبعده، وإطماع في إسلامهم، ولما أُطمع في ذلك، قال ﷺ (١): (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون). وإذا تأمل الفطن هذا الدعاء في مثل تلك الحال علم معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فإنه ﷺ لم يدع عليهم فينتصر، ولم يقتصر على العفو حتى دعا لهم، ولم يقتصر على الدعاء لهم حتى أضافهم لنفسه على جهة الشفقة، ولم يقتصر على ذلك حتى جعل لهم جهلهم بحاله كالعذر، وإن لم يكن عذرًا. وهذا غاية الفضل والكرم التي لا يشارك فيها ولا يوصل إليها.
стр. 1900
[١٣١١] وَعَن أَبِي هُرَيرَةِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اشتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَومٍ فَعَلُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَهُوَ حِينَئِذٍ يُشِيرُ إِلَى رَبَاعِيَتِهِ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : اشتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ يَقتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
رواه أحمد (١/ ١٦٥)، ومسلم (١٧٩٣)، والترمذي (١٦٩٢).
* * *
ــ
وقوله: (اشتد غضب الله على قوم كسروا رباعية نبيهم)؛ يعني بذلك المباشر لكسرها ولشجه، وهو: عمرو بن قمئة. فإنه لم يسلم، ومات كافرًا. فهذا عموم، والمراد به الخصوص، وإلا فقد أسلم جماعة ممن شهد أحدًا كافرًا، ثم أسلموا وحسن إسلامهم.
وقوله: (اشتد غضب الله على رجل قتله رسول الله ﷺ )؛ خصوص، والمراد به العموم في كل كافر قتله نبي من الأنبياء على الكفر. فَيستَوِي في هذا الأنبياء كلهم. وقد جاء هذا نصًّا فيما ذكره البزار عن ابن مسعود مرفوعًا: (أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتل نبيًّا، أو قتله نبي، أو إمام ضلالة) (١).
وقول عبد الله: (كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيًا من الأنبياء) إلى آخره؛ النبي ﷺ هو الحاكي، وهو المحكي عنه، وكأنه أوحي إليه بذلك قبل وقوع قضية (٢) يوم أحد، ولم يعين له ذلك النبي ﷺ ، فلما وقع ذلك له تعين: أنه هو المعني بذلك.
стр. 1901
(٢٦) باب فيما لقي النبي ﷺ من أذى قريش
[١٣١٢] عَن ابنِ مَسعُودٍ قَالَ: بَينَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عِندَ البَيتِ وَأَبُو جَهلٍ وَأَصحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، وَقَد نُحِرَت جَزُورٌ بِالأَمسِ فَقَالَ أَبُو جَهلٍ: أَيُّكُم يَقُومُ إِلَى سَلَا جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ فَيَأخُذُهُ، فَيَضَعُهُ على كَتِفَي مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانبَعَثَ أَشقَى القَومِ -وفي رواية عقبة بن أبي معيط -، فَأَخَذَهُ فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ وَضَعَهُ بَينَ كَتِفَيهِ، قَالَ: فَاستَضحَكُوا وَجَعَلَ بَعضُهُم يَمِيلُ عَلَى بَعضٍ، وَأَنَا قَائِمٌ أَنظُرُ، لَو كَانَت لِي مَنَعَةٌ طَرَحتُهُ عَن ظَهرِ رَسُولِ اللَّهِ- ﷺ ، وَالنَّبِيُّ ﷺ سَاجِدٌ لَا يَرفَعُ رَأسَهُ، حَتَّى انطَلَقَ إِنسَانٌ فَأَخبَرَ فَاطِمَةَ، فَجَاءَت -وَهِيَ جُوَيرِيَةٌ- فَطَرَحَتهُ عَنهُ، ثُمَّ أَقبَلَت عَلَيهِم تَشتِمُهُم، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاتَهُ، رَفَعَ
ــ
(٢٦) ومن باب: ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين
الجزور من الإبل: ما يجزر؛ أي: يقطع. والجزرة من الشاء، و (سلاها) مقصورًا، مفتوح السين: هي الجلدة التي يكون فيها الولد، كاللفافة يقال لها من سائر البهائم: سلى، ومن بني آدم: المشيمة.
وقوله: (فاستضحكوا) بضم التاء، وكسر الحاء مبنيًّا لما لم يسم فاعله؛ أي: أضحكوا، ومال بعضهم على بعض مبالغة في الضحك والاستهزاء. و (منعة) بسكون النون؛ أي: منع وقوة؛ وإنما قال ابن مسعود ﵁ ذلك؛ لأنه لم تكن له عشيرة فيهم؛ لأنه من هذيل، فلم يكن له قوم يمتنع بهم، ولا يمنع غيره. وقد روي: (ومنعة) بالفتح: جمع مانع، ككاتب وكتبة. واستمرار النبي ﷺ على سجوده والنجاسة عليه يدل لمن قال: إن إزالة النجاسة ليست بواجبة. وهو
стр. 1902
صَوتَهُ ثُمَّ دَعَا عَلَيهِم، وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا، وَإِذَا سَأَلَ، سَأَلَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِقُرَيشٍ. (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ). فَلَمَّا سَمِعُوا صَوتَهُ، ذَهَبَ عَنهُم الضِّحكُ وَخَافُوا دَعوَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِأَبِي جَهلِ بنِ هِشَامٍ، وَعُتبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، وَشَيبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، وَالوَلِيدِ بنِ عُقبَةَ، وَأُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ، وَعُقبَةَ بنِ أَبِي مُعَيطٍ. قَالَ أَبُو إِسحَاقِ. وَذَكَرَ السَّابِعَ وَلَم أَحفَظهُ، فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالحَقِّ، لَقَد رَأَيتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرعَى يَومَ بَدرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى القَلِيبِ، قَلِيبِ بَدرٍ، قَالَ أَبُو إِسحَاقَ: الوَلِيدُ بنُ عُقبَةَ، غَلَطٌ فِي هَذَا الحَدِيثِ.
ــ
قول أشهب من أصحابنا، كما تقدَّم في الطهارة، على أن بعض علمائنا قال: إن السَّلى لم تكن فيها نجاسة محققة. ومنهم من قال بموجبه، ففرَّق بين ابتداء الصلاة بالنجاسة؛ فقال: لا يجوز. وبيّن طروئها على المصلي في نفس الصلاة فقال: يطرحها عنه، وتصح صلاته، والمشهور من مذهب مالك ﵀: قطع طروئها للصلاة إذا لم يمكن طرحها، بناءً على أن إزالتها واجبة. وإقبال فاطمة ﵂ على أشراف قريش وكبرائهم تسبُّهم وتلعنهم دليل على قوة نفسها من صغرها، وعلى عزتها وشرفها في قومها.
وخوفهم من دعوة النبي ﷺ دليل على علمهم بفضله وبصحة حاله، ومكانته عند الله تعالى، وأنه من الله تعالى بحيث يجيبه إذا دعاه، ولكن لم ينتفعوا بذلك الحسد والشقوة الغالبة عليهم.
ووقع هنا في أصل كتاب مسلم: الوليد بن عقبة - عند جميع رواته-، وصوابه: الوليد بن عتبة كما قال في الرواية الأخرى.
وقول أبي إسحاق: (لم أحفظ السابع). ذكر البخاري: أنه عمارة بن الوليد، وكذلك ذكره البرقاني.
وقول ابن مسعود: (لقد رأيت الذين سمّى صرعى يوم بدر)؛ يعني به: أكثرهم، وإلا فعمارة بن الوليد؛ ذكر أهل السِّير: أنه هلك في أرض الحبشة حين
стр. 1903
وفي رواية: الوليد بن عتبة.
رواه أحمد (١/ ٣٩٣)، والبخاري (٢٤٠)، ومسلم (١٧٩٤) (١٠٧ و ١٠٩).
[١٣١٣] وعن عَائِشَةَ: أَنَّهَا قَالَت لِرَسُولِ اللَّهِ- ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَل أَتَى عَلَيكَ يَومٌ كَانَ أَشَدَّ مِن يَومِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: لَقَد لَقِيتُ مِن قَومِكِ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنهُم يَومَ العَقَبَةِ، إِذ عَرَضتُ نَفسِي عَلَى ابنِ عَبدِ يَالِيلَ بنِ عَبدِ كُلَالٍ، فَلَم يُجِبنِي إِلَى مَا أَرَدتُ، فَانطَلَقتُ وَأَنَا مَهمُومٌ عَلَى وَجهِي، فَلَم أَستَفِق إِلَّا بِقَرنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعتُ رَأسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَد أَظَلَّتنِي، فَنَظَرتُ
ــ
اتهمه النجاشي فنفخ في إحليله سحرًا، فهام على وجهه في البرّية فهلك (١). ويدل على ذلك أيضًا: أن عقبة بن أبي مُعَيطٍ لم يقتل ببدر، بل حمل منها أسيرًا حتى قتله النبي ﷺ بعرق الظبية صبرًا.
و(القليب): البئر غير المطوية.
وإجابة الله تعالى لنبيه ﷺ في مثل هذا الدعاء من أدلة نبوَّته، وصحتها.
و(سُحِبوا): جروا على وجوههم.
ويوم العقبة: هو اليوم الذي لقي فيه ابن عبد ياليل بن عبد كلال في آخرين فكذبوه، وسبُّوه، واستهزؤوا به، فرجع عنهم، فلقيه سفهاء قريش، فرموه بالحجارة حتى أدموا رجليه، وآذوه أذًى كثيرًا.
وقوله: (لم أستفق)؛ أي: لم أفق- مما كان غشيه من الهم- إلا بقرن الثعالب (٢)؛ أي: لم يشعر بطريقه إلا وهو في هذا الموضع، وهو قريب من قرن المنازل، الذي هو ميقات أهل العراق، وهو على يوم من مكة.
و(الأخشبان): جبلًا مكة. و (أطبق)؛ أي: أجعلهما عليهم كالطبق.
وإذا تأملت هذا الحديث انكشف لك من حاله ﷺ معنى قوله: ﴿وَمَا أَرسَلنَاكَ إِلا رَحمَةً لِلعَالَمِينَ﴾
стр. 1904
فَإِذَا فِيهَا جِبرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَد سَمِعَ قَولَ قَومِكَ لَكَ، وَمَا رُدُّوا عَلَيكَ، وَقَد بَعَثَ إِلَيكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأمُرَهُ بِمَا شِئتَ فِيهِم قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ قَد سَمِعَ قَولَ قَومِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الجِبَالِ، وَقَد بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيكَ لِتَأمُرَنِي بِأَمرِكَ، وَمَا شِئتَ؟ إِن شِئتَ أَن أُطبِقَ عَلَيهِم الأَخشَبَينِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : بَل أَرجُو أَن يُخرِجَ اللَّهُ مِن أَصلَابِهِم مَن يَعبُدُ اللَّهَ وَحدَهُ، لَا يُشرِكُ بِهِ شَيئًا.
رواه البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥).
[١٣١٤] وعَن جُندُبِ بنِ سُفيَانَ قَالَ: دَمِيَت إِصبَعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعضِ تِلكَ المَشَاهِدِ فَقَالَ:
هَل أَنتِ إِلَّا إِصبَعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَارٍ فَنُكِبَت إِصبَعُهُ.
ــ
وقوله ﷺ :
هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت
هذا البيت أنشده النبي ﷺ وهو لغيره. قيل: إنه للوليد بن المغيرة (١)، وقيل: لعبد الله بن رواحة. ولو كان من قوله فقد تقدَّم العذر عنه في غزوة حنين.
وقوله: (كان النبي ﷺ في غار فنكبت إصبعه)؛ أي: أصابتها نكبة دميت لأجلها. وفي الرواية الأخرى: أنه كان في بعض المشاهد. وفي البخاري: فبينا النبي ﷺ يمشي إذا أصابه حجر، فقال البيت المذكور. ظاهر هاتين الروايتين
стр. 1905
رواه أحمد (٤/ ٣١٢)، والبخاري (٢٨٠٢)، ومسلم (١٧٩٦)، والترمذي (٣٣٤٥).
* * *
(٢٧) باب دعاء النبي ﷺ إلى الله وصبره على الجفاء والأذى
[١٣١٥] عن أُسَامَةَ بنَ زَيدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَكِبَ حِمَارًا عَلَيهِ إِكَافٌ، تَحتَهُ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ، وَأَردَفَ وَرَاءَهُ أُسَامَةَ، وَهُوَ يَعُودُ سَعدَ بنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الحَارِثِ بنِ الخَزرَجِ، وَذَلكَ قَبلَ وَقعَةِ بَدرٍ، حَتَّى مَرَّ بِمَجلِسٍ فِيهِ أَخلَاطٌ مِن المُسلِمِينَ وَالمُشرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوثَانِ وَاليَهُودِ، فِيهِم عَبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ، وَفِي المَجلِسِ عَبدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَت المَجلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ، خَمَّرَ
ــ
مختلف، وأنهما قضيتان، ولكن العلماء حملوا الروايتين على أنهما قضية واحدة. فقال القاضي أبو الوليد: لعل قوله: في غار. مصحّف من غزو.
وقال القاضي عياض: قد يراد بالغار هنا: الجيش والجمع، لا واحد الغيران التي هي الكهوف. فيتوافق قوله: في بعض المشاهد. وقوله: يمشي. ولا يُعد ذلك وهمًا.
قلت: وهذا ليس بشيء؛ إذ الغار ليس من أسماء الجيش.
(٢٧) ومن باب: دعاء النبي ﷺ إلى الله تعالى
(الإكاف) للدابة كالرحل للبعير، والسرج للفرس. و (القطيفة): كساء غليظ. و (فدكية) منسوبة إلى فدك؛ لأنها تعمل فيها. و (عجاجة الدابة): ما ارتفع
стр. 1906
عَبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ أَنفَهُ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَينَا، فَسَلَّمَ عَلَيهِم النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ فَدَعَاهُم إِلَى اللَّهِ وَقَرَأَ عَلَيهِم القُرآنَ، فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ: أَيُّهَا المَرءُ: لَا أَحسَنَ مِن هَذَا! إِن كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا، فَلَا تُؤذِنَا فِي مَجَالِسِنَا، وَارجِع إِلَى رَحلِكَ، فَمَن جَاءَكَ مِنَّا فَاقصُص عَلَيهِ. فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ: اغشَنَا فِي مَجَالِسِنَا فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ: فَاستَبَّ المُسلِمُونَ وَالمُشرِكُونَ وَاليَهُودُ حَتَّى هَمُّوا أَن يَتَوَاثَبُوا، فَلَم يَزَل النَّبِيُّ ﷺ يُخَفِّضُهُم، ثُمَّ رَكِبَ دَابَّتَهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعدِ بنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ: أَي
ــ
من غبارها. و (العجاج): الغبار المتطاير المتراكب.
و(خَمَّر أنفه)؛ أي: غطاه. و (أن يتواثبوا)؛ أي: يثب بعضهم إلى بعض مناولة، ومقاتلة؛ من: الوثب. و ((يخفضهم): يسكتهم، ويسهل أمرهم. و (البُحَيرة): صحيح الرواية فيه بضم الباء، مصغرة. وقد روي في غير كتاب مسلم: (البَحِيرة) بفتح الباء وكسر الحاء. وقيل: هما بمعنى واحد، وأراد به هنا: المدينة. والبحار: القرى. قال الشاعر:
. . . . . . . . . . . . . . . ... ولنا البدو كله والبحار
و(يتوجوه)؛ أي: يعمموه بعمامة الملك، فإن العمائم تيجان العرب. و (يعصبوه بعصابة (١) الملوك)، كما جاء في رواية ابن إسحاق: لقد جاءنا الله بك، وإنا لننظم له الخرز؛ ليتوِّجوه. فكأنهم كانوا ينظمون لملوكهم عصابة فيها خرز، فيعممونه بها تشريفًا وتعظيمًا. وهذا أولى من قول من قال: إن يعصبونه بمعنى: يملكونه، ويعصبون به أمورهم؛ لأن ذلك كله يبعده قولهم: أن يعصبوه بالعصابة.
و(شرق): اختنق. يقال: شرق بالماء، وغص باللقمة، وشجي بالعظم، وجرض بالريق عند الموت. وأنشدوا على شرق:
стр. 1907
سَعدُ، أَلَم تَسمَع مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ؟ (يُرِيدُ عَبدَ اللَّهِ بنَ أُبَيٍّ) قَالَ: كَذَا وَكَذَا. قَالَ: أعف عَنهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاصفَح، فَوَاللَّهِ لَقَد أَعطَاكَ اللَّهُ الَّذِي أَعطَاكَ، وَلَقَد اصطَلَحَ أَهلُ هَذِهِ البُحَيرَةِ أَن يُتَوِّجُوهُ، فَيُعَصِّبُوهُ بِالعِصَابَةِ، فَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ بِالحَقِّ الَّذِي أَعطَاكَهُ، شَرِقَ بِذَلِكَ، فَذَلِكَ الذي فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيتَ. فَعَفَا عَنهُ النَّبِيُّ- ﷺ .
رواه أحمد (٥/ ٢٠٣)، والبخاري (٤٥٦٦)، ومسلم (١٧٩٨).
[١٣١٦] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ- ﷺ : لَو أَتَيتَ عَبدَ اللَّهِ بنَ أُبَيٍّ؟ قَالَ: فَانطَلَقَ إِلَيهِ وَرَكِبَ حِمَارًا، وَانطَلَقَ المُسلِمُونَ معه وَهِيَ أَرضٌ سَبَخَةٌ، فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ قلنا: أَتَاكَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: إِلَيكَ عَنِّي، فَوَاللَّهِ لَقَد آذَانِي نَتنُ حِمَارِكَ. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِن الأَنصَارِ: وَاللَّهِ لَحِمَارُ
ــ
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري (١)
وفي هذا الحديث من الفقه: جواز الابتداء بالسلام على مسلمين وكفار في مجلس واحد. وينبغي أن ينوي المسلمين.
وفيه: الاستراحة ببث الشكوى للصاحب، ولمن يتسلى بحديثه، وينتفع برأيه.
و(الأرض السبخة): التي لا تنبت شيئا لملح أرضها. والطائفة التي غضبت لعبد الله كان منها منافقون على رأي عبد الله، ومنها مؤمنون حملهم على ذلك بقية حمية الجاهلية، ونزعة الشيطان، لكن الله تعالى لطف بهم، حيث أبقى عليهم اسم المؤمنين بقوله: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤمِنِينَ اقتَتَلُوا﴾ ليراجعوا بصائرهم، ويطهروا ضمائرهم.
стр. 1908
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَطيَبُ رِيحًا مِنكَ. قَالَ: فَغَضِبَ لِعَبدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِن قَومِهِ، قَالَ: فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنهُمَا أَصحَابُهُ، قَالَ: فَكَانَ بَينَهُم ضَربٌ بِالجَرِيدِ وَبِالأَيدِي وَبِالنِّعَالِ، قَالَ: فَبَلَغَنَا أَنَّهَا نَزَلَت فِيهِم: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤمِنِينَ اقتَتَلُوا فَأَصلِحُوا بَينَهُمَا﴾
رواه البخاري (٢٦٩١)، ومسلم (١٧٩٩).
* * *
(٢٨) باب جواز إعمال الحيلة في قتل الكفار وذكر قتل كعب بن الأشرف
[١٣١٧] عن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : مَن لِكَعبِ بنِ الأَشرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَد آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ. فَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ مَسلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
ــ
وقول سعد للنبي ﷺ : (ما قال في عبد الله)؛ إنما كان على جهة الاستلطاف والاستمالة ليستخرج منه ما كان في خلقه الكريم من العفو والصفح عن الجهال، فلا جرم عفا حتى تم له ما أراد، وصفا وصبر حتى ظفر- ﷺ تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين (١).
(٢٨) ومن باب: إعمال الحيلة في قتل الكفار
قوله: (من لكعب بن الأشرف)؛ كعب هذا: رجل من بني نبهان من طيء، وأمه من بني النضير، وكان شاعرًا، وكان قد عاهده النبي ﷺ أن لا يعين عليه،
стр. 1909
أَتُحِبُّ أَن أَقتُلَهُ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: ائذَن لِي فَلأَقُل. قَالَ: قُل. فَأَتَاهُ،
ــ
ولا يتعرض لأذاه، ولا لأذى المسلمين، فنقض العهد، وانطلق إلى مكة إثر وقعة بدر، فجعل يبكِّي من قتل من الكفار، ويحرض على رسول الله ﷺ ، وهو الذي أغرى قريشًا وغيرهم حتى اجتمعوا لغزوة أحد، ثم إنه رجع إلى بلده، فجعل يهجو رسول الله ﷺ ، ويؤذيه، والمسلمين. فحينئذ قال رسول الله ﷺ : (من لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله)، فأغرى بقتله، ونبه على علة ذلك، وأنه مستحق للقتل. ولا يظن أحد: أنه قتل غدرًا. فمن قال ذلك قتل، كما فعله علي بن أبي طالب ﵁، وذلك أن رجلًا قال ذلك في مجلسه، فأمر علي بضرب عنقه. وقال آخر: في مجلس معاوية، فأنكر ذلك محمد بن مسلمة، وأنكر على معاوية سكوته، وحلف ألا يظله وإيَّاه سقف أبدًا، ولا يخلو بقائلها إلا قتله.
قلت: ويظهر لي: أنه يقتل، ولا يستتاب؛ لأن ذلك زندقة إن نسب الغدر للنبي ﷺ . فأما لو نسبه للمباشرين لقتله بحيث يقول: إنهم أمنوه، ثم غدروه. لكانت هذه النسبة كذبًا محضًا؛ لأنه ليس في كلامهم معه ما يدل على أنهم أمنوه، ولا صرحوا له بذلك، ولو فعلوا ذلك لما كان أمانًا؛ لأن النبي ﷺ إنما وجههم لقتله لا لتأمينه، ولا يجار على الله، ولا على رسوله. ولو كان ذلك لأدى لإسقاط الحدود، وذلك لا يجوز بالإجماع. وعلى هذا فيكون في قتل من نسب ذلك إليهم نظر، وتردد. وسببه: هل يلزم من نسبة الغدر لهم نسبته للنبي ﷺ ؛ لأنه قد صوَّب فعلهم، ورضي به، فيلزم منه: أنه قد رضي بالغدر؟ ومن صرح بذلك قُتل -أو لا يلزم ذلك؛ لأنه لم يصرح به؛ وإنما هو لازم على قوله - ولعله لو تنبه لذلك الإلزام لم يصرح بنسبة الغدر إليهم، ويكون هذا من باب التكفير بالمآل، وقد اختلف فيه. والصحيح: أنه لا يكفر بالمآل، ولا بما يلزم على المذاهب، إلا إذا صرح بالقول اللازم. وإذا قلنا: إنه لا يقتل فإنه لا بد من تنكيل ذلك القائل، وعقوبته بالسجن، والضرب الشديد، والإهانة العظيمة.
стр. 1910
فَقَالَ لَهُ، وَذَكَرَ مَا بَينَهُمَا، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَد أَرَادَ صَدَقَةً، وَقَد عَنَّانَا، فَلَمَّا سَمِعَهُ قَالَ: وَأَيضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ، قَالَ: إِنَّا قَد اتَّبَعنَاهُ الآنَ وَنَكرَهُ أَن نَدَعَهُ حَتَّى نَنظُرَ إِلَى أَيِّ شَيءٍ يَصِيرُ أَمرُهُ، قَالَ: وَقَد أَرَدتُ أَن تُسلِفَنِي سَلَفًا، قَالَ: فَمَا تَرهَنُنِي؟ تَرهَنُنِي نِسَاءَكُم، قَالَ: أَنتَ أَجمَلُ العَرَبِ، أَنَرهَنُكَ نِسَاءَنَا؟ قَالَ: تَرهَنُونِي أَولَادَكُم، قَالَ: يُسَبُّ ابنُ أَحَدِنَا فَيُقَالَ: رُهِنَ فِي وَسقَينِ مِن تَمرٍ، وَلَكِن نَرهَنُكَ اللَّأمَةَ. (يَعنِي السِّلَاحَ) قَالَ: نَعَم. وَوَاعَدَهُ أَن يَأتِيَهُ بِالحَارِثِ، وَأَبِي عَبسِ بنِ جَبرٍ، وَعَبَّادِ بنِ بِشرٍ، قَالَ: فَجَاؤوا فَدَعَوهُ لَيلًا، فَنَزَلَ إِلَيهِم.
وفي رواية: قَالَت امرَأَتُهُ: إِنِّي لَأَسمَعُ صَوتًا كَأَنَّهُ صَوتُ دَمٍ، قَالَ:
ــ
وقوله: (إن هذا الرجل قد أراد صدقة، وقد عنانا)؛ هذا الكلام ليس فيه تصريح بأمان، بل هو كلام ظهر لكعب منه: أن محمد بن مسلمة ليس محققًا، ولا مخلصًا في اتباع النبي ﷺ ولا في الكون معه، ولذلك أجابه بقوله: وأيضًا والله لتمَلُّنَّه. وكلام محمد من باب المعاريض، وليس فيه من الكذب، ولا من باب الباطل شيء، بل هو كلام حق، فإن محمدا ﷺ رجل، لكن أي رجل، وقد أراد صدقةً من أمته، وأوجبها عليهم، وقد عنَّاهم بالتكاليف. أي: أتعبهم، لكن تعبًا حصل لهم به خير الدنيا والآخرة. وإذا تأملت كلام محمد هذا؛ علمت أن محمد بن مسلمة من أقدر الناس على البلاغة، واستعمال المعاريض، وعلى إعمال الحيلة، وأنه من أكمل الناس عقلًا ورأيًا.
وقوله: (يسبُّ ابن أحدنا) من السَّب، وهو الصواب، وصحيح الرواية، وقد قيده الطبري: (يَشِبُّ) من الشباب، بالشين المعجمة، وهو تصحيف؛ وإنما عيَّن السلاح للرهن؛ لئلا ينكرها إذا جاؤوا بها.
وقول امرأة كعب: (إني لأسمع صوتًا كأنه صوت دم)؛ أي: صوت طالب
стр. 1911
إِنَّمَا هَذَا مُحَمَّدُ، وَرَضِيعُهُ، وَأَبُو نَائِلَةَ، إِنَّ الكَرِيمَ لَو دُعِيَ إِلَى طَعنَةٍ لَيلًا لَأَجَابَ، قَالَ مُحَمَّدٌ: إِنِّي إِذَا جَاءَ فَسَوفَ أَمُدُّ يَدِي إِلَى رَأسِهِ، فَإِذَا استَمكَنتُ مِنهُ فَدُونَكُم، قَالَ: فَلَمَّا نَزَلَ، نَزَلَ وَهُوَ مُتَوَشِّحٌ، فَقَالَ: نَجِدُ
ــ
دم. كانت هذه المرأة من شياطين الإنس، أو تكلم على لسانها شيطان، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَولِيَائِهِم لِيُجَادِلُوكُم﴾ وإلا فمن أين أدركت هذا؟ بل هذا من نوع ما وقع للزَّباء في قصتها مع قصير حين جاءها بالصَّناديق فيها الرِّجال، فأوهمها أن فيها تجارة، فلما رأتها أنشدت:
مَا لِلجِمالِ مَشيُهَا وَئيدا؟ ... أجَندَلًا (١) يَحمِلنَ أم حَدِيدا؟
أمِ صَرَفَانًا (٢) بَارِدًا شَدِيدا؟ ... أمِ الرِّجَالُ جُثَّمًا قُعُودا؟
وكذلك كان.
وقوله: (إنما هو محمد ورضيعه وأبو نائلة)؛ هكذا صحت الرواية فيه على أن أبا نائلة غير رضيع محمد. وقد رواه أهل السير بإسقاط الواو على أنه بدل من (رضيعه). وفي البخاري: (ورضيعي أبو نائلة) على أن يكون أبو نائلة رضيع كعب. والمعروف بأنه رضيع محمد. والله تعالى أعلم.
وقوله: (نزل وهو متوشح)؛ أي: بثوب جعله على أحد منكبيه، وأخرج الآخر. و (دونكم) منصوب على الإغراء؛ أي: بادروا إلى قتله، ولازموه.
стр. 1912
مِنكَ رِيحَ الطِّيبِ، فقَالَ: نَعَم، تَحتِي فُلَانَةُ، هِيَ أَعطَرُ نِسَاءِ العَرَبِ، قَالَ: فَتَأذَنُ لِي أَن أَشُمَّ مِنهُ، قَالَ: نَعَم، فَشُمَّ، فَتَنَاوَلَ فَشَمَّ، ثُمَّ قَالَ: أَتَأذَنُ لِي أَن أَعُودَ؟ فَاستَمكَنَ مِن رَأسِهِ، ثُمَّ قَالَ: دُونَكُم! قَالَ: فَقَتَلُوهُ.
رواه البخاري (٢٥١٠)، ومسلم (١٨٠١)، وأبو داود (٢٧٦٨).
* * *
(٢٩) باب في غزوة خيبر وما اشتملت عليه من الأحكام
[١٣١٨] عَن سَلَمَةَ بنِ الأَكوَعِ قَالَ: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى خَيبَرَ، فَسرنَا لَيلًا، فَقَالَ رَجُلٌ مِن القَومِ لِعَامِرِ بنِ الأَكوَعِ: أَلَا تُسمِعُنَا مِن هُنَيهَاتِكَ؟ -وَكَانَ عَامِرٌ رَجُلًا شَاعِرًا- فَنَزَلَ يَحدُو بِالقَومِ يَقُولُ:
اللَّهُمَّ لَولَا أَنتَ مَا اهتَدَينَا ... وَلَا تَصَدَّقنَا وَلَا صَلَّينَا
ــ
(٢٩) ومن باب: غزوة خيبر
قوله: (ألا تسمعنا من هنيَّهاتك؟ ) أي: من أراجيزك، وهو تصغير: (هنة). و (هن): كناية عن النكرات. وفيه ما يدل على استنشاد الشعر وإنشاده على جهة التنشيط على الأعمال الشاقة والأسفار، وترويح النفوس من الغم، لكن إذا سَلِم من الآفات التي قدّمنا ذكرها، ثم على (ل لة، والنُّدور.
و(الحدو) أصله: السوق. ولما كان إنشاد الشعر في السفر يسوق الإبل سمّي: حدوًا.
وقوله: (اللهم لولا أنت ما اهتدينا)؛ كذا الرواية هنا مجزومًا (١) -بالزاي-؛
стр. 1913
فَاغفِر فِدَاءً لَكَ مَا اقتَفَينَا ... وَثَبِّت الأَقدَامَ إِن لَاقَينَا
وَأَلقِيَن سَكِينَةً عَلَينَا ... إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَينَا
ــ
أي: زائدًا فيه حرف. وصوابه من جهة الوزن: لا هم، تالله، أو: والله، كما جاء في الحديث الآخر:
والله لولا الله ما اهتدينا.
وقوله: (فاغفر فِداءٌ لك ما اقتفينا)؛ الرواية هنا بكسر الفاء من (فِداء) وبالمد. وقد رواه بعضهم بفتح الفاء والمد، وقد حكاه الأصمعي. وحكى الفراء: فَدًى- مفتوحًا مقصورًا- وهو- أعني في البيت- مرفوع بالابتداء، خبره: ما اقتفينا، ومفعول (اغفر) محذوف، أي: ذنوبنا. ويجوز أن يكون (ما اقتفينا) مفعول (اغفر) (١)، وخبر المبتدأ محذوف؛ أي: فداء لك نفوسنا (٢).
ومعنى (اقتفينا) أي: اكتسبنا. وأصله: من القفا. وكأن المكتسب للشيء يجري خلفه، حتى يصل إليه. وهذا الكلام إنما يقال لمن تجوز عليه لحوق المكاره والمشقات، فإذا قاله أحدنا لجنسه، كان معناه: إن نفسي وقاية لك من المكاره؛ أي: تصيبني ولا تصيبك. وهذا المعنى لا يليق بالله تعالى، فيحتمل أن يكون إطلاقه هذا اللفظ على الله تعالى بحكم جريان ذلك على ألسنتهم من غير قصد، كما قالوا: قاتله الله. وتربت يمينك. كما قدمناه في كتاب الطهارة. ويحتمل أن يحمل على الاستعارة. ووجهها: أنه لما كان الفداء مبالغة في رضا المفدى عبَّر بالفداء عن الرضا. أو يريد بذلك: فداء لدينك. أو: لطاعتك؛ أي: نجعل نفوسنا فداء لإظهارهما.
وقوله: (إنا إذا صيح بنا أبينا) من الإباء. و (أتينا) من الإتيان. الروايتان صحيحتان، ومعناهما: إذا صاح بنا أعداؤنا أبينا الفرار، وبتنا لا يهولنا صياحهم. وعلى الأخرى: إذا صرخ بنا أتينا للنصرة، وإذا صاح بنا أعداؤنا أتيناهم مسرعين غير متربصين ولا متوقفين.
وقوله: (وألقين سكينة علينا)؛ أي: سكونًا وتثبيتًا في أوقات الحروب،
стр. 1914
وَبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَينَا
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : مَن هَذَا السَّائِقُ؟ قَالَوا: عَامِرٌ، قَالَ: ﵀. فَقَالَ رَجُلٌ مِن القَومِ: وَجَبَت يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَولَا أَمتَعتَنَا بِهِ؟ قَالَ: فَأَتَينَا خَيبَرَ فَحَاصَرنَاهُم حَتَّى أَصَابَتنَا مَخمَصَةٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ فَتَحَهَا عَلَيكُم. قَالَ: فَلَمَّا أَمسَى النَّاسُ مَسَاءَ اليَومِ الَّذِي فُتِحَت عَلَيهِم، أَوقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : مَا هَذِهِ النِّيرَانُ؟ عَلَى أَيِّ شَيءٍ تُوقِدُونَ؟ قَالَوا: عَلَى لَحمٍ، قَالَ: أَيُّ لَحمٍ؟ قَالَوا: لَحمُ حُمُرِ إِنسِيَّةِ،
ــ
وصبرًا في مواطن المشقات.
وقوله: (وبالصياح عوَّلوا علينا)؛ أي: ليس عندهم إلا الصياح، فلا نبالي بهم.
وقول الرجل: (وجبت)؛ أي: الرحمة التي دعا له بها النبي ﷺ ، وكان هذا الرجل من أهل العلم بحال رسول الله ﷺ ، وذلك: أنه علم أن دعوته مستجابة لمكانته عند ربِّه تعالى. وفهم: أن تلك الرحمة تعجل للمدعو له، فقال: (لولا متعتنا به)؛ أي: هلا دعوت الله في أن يمتعنا ببقائه.
و(المخمصة): الجوع الشديد.
وقوله ﷺ : (إن الله فتحها عليكم)؛ أي: يفتحها عليكم. فوضع الماضي موضع المستقبل لما كان أمرًا محققًا عنده. أو يكون أخبر عما علم الله من فتحها.
و(أَنَسيَّة) روي بفتح الهمزة والنون. قال البخاري: كان ابن أبي أويس يقول: (الأَنسية) - بفتح الألف والنون- وأكثر روايات الشيوخ فيه: (الإِنسية) بكسر
стр. 1915
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : أَهرِيقُوهَا وَاكسِرُوهَا. فَقَالَ رَجُلٌ من القوم: أَو يُهرِيقُونهَا وَيَغسِلُونهَا؟ فَقَالَ: أَو ذَاكَ. قَالَ: فَلَمَّا تَصَافَّ القَومُ، كَانَ سَيفُ عَامِرٍ فِيهِ قِصَرٌ، فَتَنَاوَلَ بِهِ سَاقَ يَهُودِيٍّ لِيَضرِبَهُ، وَرَجِعُ ذُبَابُ سَيفِهِ، فَأَصَابَ رُكبَةَ عَامِرٍ، فَمَاتَ مِنهُ، قَالَ: فَلَمَّا قَفَلُوا، قَالَ سَلَمَةُ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي: قَالَ: فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَاحبًا قَالَ: مَا لَكَ؟ قُلتُ لَهُ: فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، قَالَ: مَن قَالَهُ؟ قُلتُ: فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَأُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ الأَنصَارِيُّ، فَقَالَ: كَذَبَ مَن قَالَهُ، إِنَّ لَهُ لَأَجرَينِ،
ــ
الهمزة وسكون النون- وكلاهما صحيح. والأَنس- بالفتح-: التأنس.
قلت: وهو بالفتح منسوب إلى الأُنسِ، بِمَعنَى التَّأَنسِ، وَبِالكَسرِ إِلَى الإِنسِ الَّذِي هُوَ نَوعُ الإِنسَانِ. وقيل: إن كليهما منسوب إلى الإنس (١)، لكن الأول على غير قياس، والأول أولى. والله تعالى أعلم.
وقوله: (أهريقوها واكسروها)؛ الضمير في (أهريقوها) للحوم. وفي (اكسروها) للقدور، وإن لم يجر لهما ذكر، لكنهما تدل عليهما الحال. والهاء الأول في (أهريقوها) زائدة؛ لأن أصله: أراق، يريق. وقد يبدلون من هذه الهمزة (هاء) فيقولون: هراق الماء، وهَرِق ماءك، كما تقول: أراق، وأرق.
وفيه: دلالة على تحريم لحوم الحمر الإنسية، وسيأتي في الأطعمة إن شاء الله.
وقوله: (أو ذاك) ساكنة الواو، إشارة إلى إجازة غسل القدور، وتخيير بينه وبين الكسر المأمور به أولًا. وهذا يدل لمن قال: إن النبي ﷺ كان أبيح له الحكم بالرأي والاجتهاد.
و(قفلوا): رجعوا. و (شاحبًا): متغيرًا. و (حبط): بطل. و (كذا) أخطأ.
стр. 1916
-وَجَمَعَ بَينَ إِصبَعَيهِ- إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثلَهُ.
رواه أحمد (٤/ ٤٧ و ٤٨)، والبخاري (٢٤٧٧)، ومسلم (١٨٠٢)(١٢٣)؛ وابن ماجه (٣١٩٥).
[١٣١٩] وعنه قال: لَمَّا كَانَ يَومُ خَيبَرَ، قَاتَلَ أَخِي قِتَالًا شَدِيدًا مَعَ
ــ
وقوله: (لما كان خيبر قاتل أخي قتالًا شديدًا)؛ القصة مخالفة لما ذكره في الرواية المتقدَّمة، ولما يأتي بعد في أن هذه القضية إنما وقعت لعمه عامر بن الأكوع، وهو الصحيح، فلعل سلمة أطلق على عمه اسم الأخوة لرضاع كان بينهما، أو لمؤاخاة، وإلا فهو وهم من بعض الرواة، والله تعالى أعلم.
وقوله: (إنه لجاهد مجاهد) الرواية الصحيحة المشهورة: بكسر الهاء فيهما، وضم الدال وتنوينها فيهما، وضم الميم. وعند ابن أبي جعفر: (لجاهد مجاهد)، بفتحها كلها إلا هاء (مجاهد) فإنها بالكسر. على أن يكون الأول: فعلًا ماضيًا، والثاني: جمعًا لا نظير له في الآحاد، فلم يصرفه. وكذلك رواه بعض رواة البخاري. والصواب الأول. ومعناه: جاهد جادٌ في أمره. قاله ابن دريد. والثاني: تكرار على جهة التأكيد. قال ابن الأنباري: العرب إذا بالغت في الكلام اشتقت من اللفظة الأولى لفظة على غير بنائها، زيادة في التوكيد. فقالوا: جادٌّ مجدٌ، وليلٌ لائل، وشعر شاعر. قال غيره: وقد يكون (جاهد)؛ أي: مبالغ في سبيل الخير (١). و (مجاهد) لأعدائه.
قلت: ويظهر لي: أن هذا القول أحسن بدليل قوله في الرواية الأخرى: (مات جاهدًا مجاهدًا، فله أجره مرتين)؛ فأشار بفاء التعليل إلى الجهتين اللتين يؤجر منهما، وهما: جاهد مجاهد. فمعنى أحدهما غير الآخر. والله تعالى أعلم.
وقوله: (قل عربي مشى بها مثله)؛ أكثر الروايات على أن (مشى) مفتوح
стр. 1917
رَسُولِ اللَّهِ- ﷺ ، فَارتَدَّ عَلَيهِ سَيفُهُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ أَصحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، وَشَكُّوا فِيهِ: رَجُلٌ مَاتَ فِي سِلَاحِهِ، وَشَكُّوا فِي بَعضِ أَمرِهِ، قَالَ سَلَمَةُ: فَقَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن خَيبَرَ. فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ائذَن لِي أَن أَرجُزَ بَكَ، فَأَذِنَ الرَسُولُ ﷺ ، فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: أَعلَمُ مَا تَقُولُ، قَالَ: فَقُلتُ:
وَاللَّهِ لَولَا اللَّهُ مَا اهتَدَينَا ... وَلَا تَصَدَّقنَا وَلَا صَلَّينَا
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : صَدَقتَ.
فَأَنزِلَن سَكِينَةً عَلَينَا ... وَالمُشرِكُونَ قَد بَغَوا عَلَينَا
فَلَمَّا قَضَيتُ رَجَزِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن قَالَ هَذَا؟ قُلتُ: قَالَهُ أَخِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : يَرحَمُهُ اللَّهُ. قَالَ: فَقُلتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! والله إِنَّ نَاسًا لَيَهَابُونَ الصَّلَاةَ عَلَيهِ، يَقُولُونَ: رَجُلٌ مَاتَ بِسِلَاحِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَاتَ جَاهِدًا مُجَاهِدًا.
ــ
الميم على أنه فعل ماض، و (بها) بغير تنوين الهاء، على أنه جار ومجرور. وللفارسي وحده: (مُشابهًا) -بضم الميم، وتنوين الهاء- (١) من المشابهة. وفي البخاري لبعض الرواة: (نشأ بها) من النشء (٢). وكل بعيد في المعنى والعربية، والصواب رواية الجماعة، والضمير في (بها) عائد على الأرض، وقيل: على الحرب.
قلت: ويحتمل أن يعود على الشهادة والحالة الحسنة التي مضى بها إلى الله تعالى. وهذا يعضده المعنى، ومساق الكلام. والله تعالى أعلم.
стр. 1918
وفي رواية: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كذبوا، مَاتَ جَاهِدًا مُجَاهِدًا، فله أجره مرتين - وأشار بإصبعيه.
رواه مسلم (١٨٠٢)(١٢٤).
* * *
(٣٠) باب في غزوة ذي قرد وما تضمنته من الأحكام
[١٣٢٠] عن سَلَمَةَ بن الأكوع قَالَ: قَدِمنَا الحُدَيبِيَةَ مع رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحنُ أَربَعَ عَشرَةَ مِائَةً، وَعَلَيهَا خَمسُونَ شَاةً لَا تُروِيهَا. قَالَ: فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَبَا الرَّكِيَّةِ فَإِمَّا دَعَا، وَإِمَّا بَسَقَ فِيهَا. قَالَ: فَجَاشَت فَسَقَينَا وَاستَقَينَا، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَانَا لِلبَيعَةِ فِي أَصلِ الشَّجَرَةِ. قَالَ فَبَايَعتُهُ أَوَّلَ النَّاسِ، ثُمَّ بَايَعَ وَبَايَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَسَطٍ مِن أول النَّاسِ. قَالَ: بَايِع يَا سَلَمَةُ، قَالَ: قُلتُ: قَد بَايَعتُكَ يَا رَسُولِ اللَّهِ فِي أَوَّلِ
ــ
(٣٠) ومن باب: غزوة ذي قرد
(الحديبية) تقال بتخفيف الياء، وتشديدها، لغتان. وهو موضع فيه ماء على قرب من مكة، كما تقدَّم. والرواية الصحيحة المشهورة: (جَبَا الرَّكية) بالفتح في الجيم والباء بواحدة مقصورًا، وهو جانب البئر. و (الركيَّة) البئر غير المطوية، فإذا طويت فهي: الطَّوِيُّ. وللعذري: (جُبِ ركية) بضم الجيم، وكسر الباء. والجُب: البئر ليست بعيدة القعر. و (جاشت)؛ أي: ارتفعت. يقال: جاش الشيء، يجيش جيشًا؛ إذا ارتفع.
стр. 1919
النَّاسِ. قَالَ: وَأَيضًا. قَالَ: وَرَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَزِلًا -يَعنِي لَيسَ مَعَهُ سِلَاحٌ- قَالَ: فَأَعطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَجَفَةً أَو دَرَقَةً، ثُمَّ بَايَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ النَّاسِ قَالَ: أَلَا تُبَايِعُنِي يَا سَلَمَةُ. قَالَ: قُلتُ: قَد بَايَعتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي أَوَّلِ النَّاسِ، وَفِي أسط النَّاسِ، قَالَ: وَأَيضًا. قَالَ: فقد بَايَعتُهُ الثَّالِثَةَ ثُمَّ قَالَ لِي: يَا سَلَمَةُ! أَينَ حَجَفَتُكَ أَو دَرَقَتُكَ الَّتِي أَعطَيتُكَ؟ قَالَ قُلتُ: يَا رَسُولُ اللَّهِ لَقِيَنِي عَمِّي عَامِرٌ عَزِلًا فَأَعطَيتُهُ إِيَّاهَا. قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقَالَ: إِنَّكَ كَالَّذِي قَالَ الأَوَّلُ: اللَّهُمَّ أَبغِنِي حَبِيبًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن نَفسِي. ثُمَّ إِنَّ المُشرِكِينَ رَاسَلُونَا الصُّلحَ، حَتَّى
ــ
وقوله: (حجفة أو درقة) على الشك من الراوي. والحجفة: الترس. وإنما يكون من عيدان، والدّرق من الجلود.
واختصاصه ﷺ سلمة بتكرار البيعة ثلاثًا؛ تأكيدا في حقّه، لما علم ﷺ من خصاله، وكثرة غنائه، كما قد ظهر منه على ما يأتي.
و(عزلًا) الرواية فيه هنا، وفي الحرف الآتي بعده: بفتح العين وكسر الزاي. وقال بعض اللغويين: الصواب: أعزل، ولا يقال: عزل. وقيده بعضهم: عزلًا- بضم العين والزاي-، وكذا ذكره الهروي، كما يقال: ناقة عُلُط، وجمل فُنُق (١). والجمع: أعزال. كما يقال: جنب وأجناب، وماء سُدُمٌ، ومياه أسدام. والأعزل: الذي لا سلاح معه.
و(أبغني): أعطني. يقال: بغيت الشيء من فلان فأبغانيه؛ أي: أعطاني ما طلبته.
وقوله: (ثم إن المشركين راسلونا الصلح)؛ هذه رواية العذري، وهي من الرسالة. ورواه جماعة من رواة مسلم: (راسُّونا) بسين مهملة مشددة مضمومة،
стр. 1920
مَشَى بَعضُنَا فِي بَعضٍ، وَاصطَلَحنَا قَالَ: وَكُنتُ تَبِيعًا لِطَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ أَسقِي فَرَسَهُ، وَأَحُسُّهُ، وَأَخدِمُهُ وَآكُلُ مِن طَعَامِهِ، وَتَرَكتُ أَهلِي وَمَالِي، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ . قَالَ: فَلَمَّا اصطَلَحنَا نَحنُ وَأَهلُ مَكَّةَ وَاختَلَطَ بَعضُنَا بِبَعضٍ أَتَيتُ شَجَرَةً فَكَسَحتُ شَوكَهَا، فَاضطَجَعتُ فِي أَصلِهَا. قَالَ: فَأَتَانِي أَربَعَةٌ مِن المُشرِكِينَ مِن أَهلِ مَكَّةَ، فَجَعَلُوا يَقَعُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَبغَضتُهُم، فَتَحَوَّلتُ إِلَى شَجَرَةٍ أُخرَى، وَعَلَّقُوا سِلَاحَهُم، وَاضطَجَعُوا فَبَينَمَا هُم كَذَلِكَ، إِذ نَادَى مُنَادٍ مِن أَسفَلِ الوَادِي: يَا لِلمُهَاجِرِينَ! قُتِلَ ابنُ زُنَيمٍ. قَالَ: فَاختَرَطتُ سَيفِي، ثُمَّ شَدَدتُ عَلَى أُولَئِكَ الأَربَعَةِ، وَهُم رُقُودٌ، وَأَخَذتُ سِلَاحَهُم فَجَعَلتُهُ ضغثا في يدي، قَالَ: ثُمَّ قُلتُ: وَالَّذِي كَرَّمَ وَجهَ مُحَمَّدٍ لَا يَرفَعُ أَحَدٌ مِنكُم رَأسَهُ إِلَّا ضَرَبتُ الَّذِي فِيهِ عَينَاهُ، قَالَ: ثُمَّ جِئتُ بِهِم أَسُوقُهُم إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَجَاءَ عَمِّي عَامِرٌ برجل مِن العَبَلَاتِ، يُقَالُ لَهُ مِكرَزٌ، يَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَرَسٍ مُجَفَّفٍ فِي سَبعِينَ مِن المُشرِكِينَ، فَنَظَرَ إِلَيهِم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: دَعُوهُم يَكُن لَهُم
ــ
وهو من: رسِّ الحديث، يرسه: إذا ابتدأه. ورسست بين القوم: أصلحت بينهم. ورسا لك الحديث رسوًا: إذا ذكر لك منه طرفًا. وروي: (راسونا) - بفتح السين- لابن ماهان. قال عياض: ولا وجه لها.
قوله: (كنت تبيعًا لأبي طلحة)؛ أي: خديمًا له. وهو من: تبعت الرَّجل: إذا سرت خلفه. و (أحسه) أنفض عنه التراب. والحسُّ: الحك. و (كسحت شوكها): كنسته. و (الضغث): القبضة من الحشيش وغيره. و (العبلات) بطن من بني عبد شمس، نسبوا إلى أم لهم تسمى: عبلة بنت عبيد، من البراجم. و (الفرس المجفف): الذي عليه تجفاف- بكسر التاء- وهو الجل. و (بدء الفجور): أوله، والفجور ضد البرِّ. و (ثناه): عوده، بكسر الثاء المثلثة، مقصورًا. وهي الرواية
стр. 1921
بَدءُ الفُجُورِ، وَثِنَاهُ فَعَفَا عَنهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنزَلَ اللَّهُ ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُم عَنكُم وَأَيدِيَكُم عَنهُم بِبَطنِ مَكَّةَ مِن بَعدِ أَن أَظفَرَكُم عَلَيهِم﴾ الآيَةَ كُلَّهَا. قَالَ: ثُمَّ خَرَجنَا راجعين إِلَى المَدِينَةِ، فَنَزَلنَا مَنزِلًا، بَينَنَا وَبَينَ بَنِي لَحيَانَ جَبَلٌ، وَهُم المُشرِكُونَ، فَاستَغفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَن رَقِيَ هَذَا الجَبَلَ اللَّيلَةَ كَأَنَّهُ طَلِيعَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَصحَابِهِ. قَالَ سَلَمَةُ: فَرَقِيتُ تِلكَ اللَّيلَةَ مَرَّتَينِ أَو ثَلَاثًا، ثُمَّ قَدِمنَا المَدِينَةَ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِظَهرِهِ مَعَ رَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنَا مَعَهُ، وَخَرَجتُ مَعَهُ بِفَرَسِ طَلحَةَ أُنَدِّيهِ مَعَ الظَّهرِ، فَلَمَّا أَصبَحنَا إِذَا عَبدُ الرَّحمَنِ الفَزَارِيُّ قَد أَغَارَ عَلَى ظَهرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاستَاقَهُ
ــ
المشهورة، ولابن ماهان: (وثنياه) بضم الثاء، وهو بالمعنى الأول. والفجور هنا هو (١): نقض العهد، ورَوم غرة المسلمين، وكان هذا في صلح الحديبية.
وعفو النبي ﷺ عن هؤلاء السبعين ليتم أمر الصلح. والله تعالى أعلم.
وقد اختلف في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُم عَنكُم﴾ على أقوال هذا أحدها، وهو أصحها.
وقوله: (وهم المشركون) بضم الهاء، وتخفيف الميم، وهي ضمير الجمع. وقد ضبطه بعض الشيوخ: (وهَمَّ) بفتح الهاء، والميم وتشديدها؛ على أنه فعل ماض. و (المشركون) فاعل به.
قال عياض: معناه: هم النبي ﷺ والمسلمين أمرهم لئلا يغدروهم، ويبيتوهم لقربهم منهم. يقال: همني الأمر، وأهمني. ويقال: همَّني: أذابني، وأهمَّني: غمني.
قلت: والأقرب أن يكون معناه: هم المشركون بالغدر، واستشعر المسلمون منهم بذلك.
стр. 1922
أَجمَعَ، وَقَتَلَ رَاعِيَهُ قَالَ فَقُلتُ: يَا رَبَاحُ خُذ هَذَا الفَرَسَ فَأَبلِغهُ طَلحَةَ بنَ عُبَيدِ اللَّهِ، وَأَخبِر رَسُولَ اللَّهُ ﷺ أَنَّ المُشرِكِينَ قَد أَغَارُوا عَلَى سَرحِهِ، قَالَ: ثُمَّ قُمتُ عَلَى أَكَمَةٍ فَاستَقبَلتُ المَدِينَةَ فَنَادَيتُ ثَلَاثًا: يَا صَبَاحَاه! ثُمَّ خَرَجتُ فِي آثَارِ القَومِ أَرمِيهِم وَأَرتَجِزُ أَقُولُ:
أَنَا ابنُ الأَكوَعِ ... وَاليَومُ يَومُ الرُّضَّعِ
ــ
و(الظهر): الإبل التي تحمل على ظهورها الأثقال. و (أُنَدَّيه مع الظهر)؛ أي: أورده الماء فيشرب قليلًا، ثم أرعاه وأورده. وهي التَّندِيَة، وأصلها للإبل. وقد تكون التندية في الفرس بمعنى: التضمير، وهي: أن يجري الفرس حتى يعرق. ويقال لذلك العرق: الندى (١)، قاله الأصمعي.
و(استاقه)؛ أي: حمله، والتاء زائدة للاستفعال. و (السَّرح) الإبل التي تسرح في المرعى. و (الأكمة): الجبيل الصغير.
وقوله: (يا صباحاه) هاؤه ساكنة، وهو يشبه المنادى المندوب، وليس به. ومعناه هنا: الإعلام بهذا الأمر المهم الذي قد دهمهم في الصباح.
وقوله: (وأنا ابن الأكوع) الكوع: اعوجاج في اليدين. قيل: الكوع والوكع في الرجل: أن تميل إبهامها على أصابعها. واسم الأكوع: سنان بن عبد الله بن بشير، وهو أبو سلمة على ما ذكره محمد بن سعد. وقيل: اسم أبي سلمة: عمرو بن الأكوع، وهو جدُّ سلمة، فنسب إليه (٢).
وقوله: (واليوم يوم الرُّضع): الرُّضع: جمع راضع، وهو اللئيم. وأصله: أن رجلًا (٣) كان يرضع الإبل، ولا يحلبها، لئلا يُسمَع صوت الحلب فيقصد، فعبَّروا
стр. 1923
فَأَلحَقُ رَجُلًا مِنهُم، فَأَصُكُّ سَهمًا فِي رَحلِهِ، حَتَّى خَلَصَ النَصلُ إِلَى كتفه.
قَالَ: قُلتُ خُذهَا:
وَأَنَا ابنُ الأَكوَعِ ... وَاليَومُ يَومُ الرُّضَّعِ
قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا زِلتُ أَرمِيهِم، وَأَعقِرُ بِهِم، فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ أَتَيتُ شَجَرَةً فَجَلَستُ فِي أَصلِهَا ثُمَّ رَمَيتُهُ، فَعَقَرتُ بِهِ، حَتَّى إِذَا تَضَايَقَ الجَبَلُ، فَدَخَلُوا فِي تَضَايُقِهِ، عَلَوتُ الجَبَلَ فَجَعَلتُ أُرَمِّيهِم بِالحِجَارَةِ، قَالَ: فَمَا زِلتُ كَذَلِكَ أَتبَعُهُم حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن بَعِيرٍ مِن ظَهرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا خَلَّفتُهُ وَرَاءَ ظَهرِي، وَخَلَّوا بَينِي وَبَينَهُ، ثُمَّ اتَّبَعتُهُم أَرمِيهِم حَتَّى أَلقَوا أَكثَرَ مِن ثَلَاثِينَ بُردَةً وَثَلَاثِينَ رُمحًا، يَستَخِفُّونَ وَلَا يَطرَحُونَ شَيئًا إِلَّا جَعَلتُ عَلَيهِ آرَامًا مِن الحِجَارَةِ، يَعرِفُهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصحَابُهُ، حَتَّى أَتَوا مُتَضَايِقًا
ــ
عن كل لئيم بذلك. وعليه قالوا في المثل: لئيم راضع. وقيل: لأنه يرضع اللؤم من أمه، وهو مطبوع عليه. وقيل: معناه: اليوم يظهر من أرضعته كريمة أو لئيمة. وقيل: اليوم يعرف من أرضعته الحربُ من صغره.
وقوله: (فأصك سهمًا في رَحله، حتى خلص نصل السهم إلى كتفه)؛ كذا روايتنا فيه، بالحاء المهملة. ويعني به: أن سهمه أصاب أخرة رحله، فنفذها، ووصل (١) إلى كتفه. وفي بعض النسخ: (فأصكه سهمًا في رجله حتى خلص إلى كعبه)، والأول أشبه. و (أصك): أضرب. و (ألحق) و (أصك): مضارعان، ومعناهما: المضي.
وقوله: (فما زلت أرميهم)؛ أي: أرميهم بالسهام (وأعقر بهم) خيلهم، ومنه (فعقر بعبد الرحمن فرسه)، ويحتمل أن يكون معناه: أصيحُ بهم، من قولهم: رفع
стр. 1924
مِن ثَنِيَّةٍ، فَإِذَا هُم قَد أَتَاهُم فُلَانُ بنُ بَدرٍ الفَزَارِيُّ، فَجَلَسُوا يَتَضَحَّونَ يَعنِي يَتَغَدَّونَ، وَجَلَستُ عَلَى رَأسِ قَرنٍ قَالَ الفَزَارِيُّ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى؟ قَالُوا: لَقِينَا مِن هَذَا البَرحَ، وَاللَّهِ مَا فَارَقَنَا مُنذُ غَلَسٍ يَرمِينَا، حَتَّى انتَزَعَ كُلَّ شَيءٍ فِي أَيدِينَا. قَالَ: فَليَقُم إِلَيهِ نَفَرٌ مِنكُم أَربَعَةٌ. قَالَ فَصَعِدَ إِلَيَّ مِنهُم أَربَعَةٌ فِي الجَبَلِ. قَالَ: فَلَمَّا أَمكَنُونِي مِن الكَلَامِ، قَالَ: قُلتُ هَل تَعرِفُونِي؟ قَالُوا: لَا، وَمَن أَنتَ؟ قَالَ: قُلتُ: أَنَا سَلَمَةُ بنُ الأَكوَعِ وَالَّذِي كَرَّمَ وَجهَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، لَا أَطلُبُ رَجُلًا مِنكُم إِلَّا أَدرَكتُهُ، وَلَا يَطلُبُنِي فيدركني، قَالَ: أَحَدُهُم أَنَا أَظُنُّ قَالَ: فَرَجَعُوا فَمَا بَرِحتُ مَكَانِي حَتَّى
ــ
عقيرته؛ أي: صوته. و (يتضحَّون)؛ أي: يتغدَّون. وأصله: يأكلون عند الضحى. و (يُقرَون): يُضافون. أخبرهم ﷺ : بأنهم قَد وَصَلُوا إِلِى بِلَادِهِم، وِأَنَّهُم قَد فَاتُوهُم. وَ (الأَرَام): بألف ساكنة من غير همز: الأعلام من الحجارة. قال الشاعر:
وبَيداءَ تَحسَبُ آرامَها ... رجالَ إيَادٍ بأجلادِها
يعني: بأشخاصها. و (الأرآم) بهمز الألف: الظباء. و (القرن): جبل صغير منفرد منقطع من جبل كبير. و (البَرح) مفتوحة الباء، ساكنة الراء، يعني به: المشقة الشديدة.
وقوله: (أنا أظنُّ) أي: أتيقَّن. كما قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَه﴾؛ أي تحققت، وأيقنت. ويحتمل البقاء على أصل الظن الذي هو تغليب لأحد المحتملين، وقد اقتصر عليها ولم يذكر لها هنا مفعول. ويحتمل أن يكون حذف مفعولها للعلم به، وهو: ذاك الذي هو إشارة إلى أن المصدر الذي يكتفى به عن المفعولين، كما تقول: ظننت ذاك. والله أعلم.
و(أعدو على رجلي)؛ أي: أشتد في الجري. و (حليتهم) كذا وقع في رواية القاضي بالياء، وقال: أصله الهمز فسُهّل.
أَكوَعُكَ بُكرَةَ. قَالَ وَأَردَوا فَرَسَينِ على الثَنِيَّةٍ. قَالَ: فَجِئتُ بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَلَحِقَنِي عَامِرٌ بِسَطِيحَةٍ فِيهَا مَذقَةٌ مِن لَبَنٍ، وَسَطِيحَةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَتَوَضَّأتُ وَشَرِبتُ، ثُمَّ أَتَيتُ رَسُولَ اللَّهِ، وَهُوَ عَلَى المَاءِ الَّذِي حَلَّيتُهُم عَنهُ، فَإِذَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَد أَخَذَ تِلكَ الإِبِلَ وَكُلَّ شَيءٍ استَنقَذتُهُ مِن المُشرِكِينَ، وَكُلَّ رُمحٍ وكل بُردَةٍ، وَإِذَا بِلَالٌ نَحَرَ نَاقَةً مِن الإِبِلِ
ــ
فحذفها للعلم بها. ويحتمل غير هذا، وهذا أشبه. والثكل: الفقد. والثكلى: المرأة الفاقدة ولدها، الحزينة عليه. ومنه قولهم: ثكل خير من عقوق، وكأنه دعا عليه بالفقد والهلاك.
وقوله: (أكوعه بكرة) الضمير في أكوعه يعود على المتكلم على تقدير الغيبة، كأنه قال: أكوع الرجل المتكلم، وقد فهم منه هذا سلمة، حيث أجابه بقوله: (أكوعك بكرة)، فخاطبه بذلك و (بكرة) منصوب، غير منون على الظرف؛ لأنه لا ينصرف للتعريف والتأنيث؛ لأنه أريد بها بكرة معينة، وكذلك: غدوة. وليس ذلك لشيء من ظروف الأزمنة سواهما فيما علمت.
وقوله: (وأرذوا فرسين)، روايتي فيه بالذال، ومعناه: تركوا فرسين معيبين لم يقدرا على النهوض من الضعف والكلال. والرذية: المعيبة، وجمعها: رذايا، ومنه قول الشاعر:
. . . . . . . . . . . . . . . . ... فهن رذايا في الطريق ودائع
وقد روي بالدال المهملة (أردوا)؛ أي: تركوهما هلكى، من الردى، وهو الهلاك، والأول أوجه؛ لأنه قال: فأقبلت بهما أسوقهما، فدل على أنهما لم يهلكا، وإنما ثقلا كلالًا وإعياءً.
و(السَّطيحة): إناء من جلود يُسطَّح بعضها فوق بعض. و (المذقة): القطرة من اللبن الممزوج بالماء. و (المذق): مَزج اللبن بالماء، وقد تقدَّم القول في النواجذ، وأن المراد بها- هنا-: الضَّواحك.
стр. 1927
الَّذِي استَنقَذتُ مِن القَومِ، وَإِذَا هُوَ يَشوِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن كَبِدِهَا وَسَنَامِهَا قَالَ: قُلتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! خَلِّنِي فَأَنتَخِبُ مِن القَومِ مِائَةَ رَجُلٍ فَأَتَّبِعُ القَومَ، فَلَا يَبقَى مِنهُم مُخبِرٌ إِلَّا قَتَلتُهُ. قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ حَتَّى بَدَت نَوَاجِذُهُ فِي ضَوءِ النَّارِ، فَقَالَ: يَا سَلَمَةُ! أَتُرَاكَ كُنتَ فَاعِلًا؟ قُلتُ: نَعَم وَالَّذِي أَكرَمَكَ. قَالَ: إِنَّهُم الآنَ لَيُقرَونَ فِي أَرضِ غَطَفَانَ. قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِن غَطَفَانَ فَقَالَ: نَحَرَ لَهُم فُلَانٌ جَزُورًا، فَلَمَّا كَشَفُوا جِلدَهَا رَأَوا غُبَارًا فَقَالُوا: أَتَاكُم القَومُ، فَخَرَجُوا هَارِبِينَ فَلَمَّا أَصبَحنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ خَيرَ فُرسَانِنَا اليَومَ أَبُو قَتَادَةَ، وَخَيرَ رَجَّالَتِنَا سَلَم. قَالَ: ثُمَّ أَعطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَهمَينِ: سَهمَ الفَارِسِ، وَسَهمَ الرَّاجِلِ، فَجَمَعَهُمَا لِي جَمِيعًا، ثُمَّ أَردَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَاءَهُ عَلَى العَضبَاءِ رَاجِعِينَ إِلَى المَدِينَةِ قَالَ: فَبَينَا نَحنُ نَسِيرُ، قَالَ: وَكَانَ رَجُلٌ مِن الأَنصَارِ لَا يُسبَقُ شَدًّا، قَالَ: فَجَعَلَ يَقُولُ: أَلَا مُسَابِقٌ إِلَى المَدِينَةِ؟ هَل مِن مُسَابِقٍ؟
ــ
وقوله: (أعطاني سهمين: سهم الفارس، وسهم الرَّاجل)؛ أما سهم الرَّاجل فهو حقُّه، وأما سهم الفارس فإنما أعطاه النبي ﷺ إيَّاه لشدَّة غنائه، ولأنه هو الذي استنقذ تلك الغنائم، وهو الذي تنزل منزلة الجيش فيما فعل، ولم يُسمع بمن فعل مثل فعله في تلك الغزاة، ثم لعل النبي ﷺ إنما أعطاه سهم الفارس من الخمس، فإن كان أعطاه من الغنيمة فذلك خصوص به لخصوص فِعله.
وقوله: (ألا مسابقَ؟ ) ألا مسابق: قيدناه مفتوحًا بغير تنوين؛ لأنها (لا) التي للنفي والتبرئة، زيدت عليها همزة الاستفهام، وأشربت معنى التمني؛ كما قالوا: ألا سيفَ صارما؟ ألا ماءَ باردا؟ بغير تنوين على ما حكاه سيبويه، وأنشد:
ألا طِعَانَ، ألا فُرسانَ عادِيَة ... ألا تجشُّؤُكُم عِندَ التَّنانِيرِ (١)
стр. 1928
فَجَعَلَ يُعِيدُ ذَلِكَ، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعتُ كَلَامَهُ قُلتُ: أَمَا تُكرِمُ كَرِيمًا؟ وَلَا تَهَابُ شَرِيفًا؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَن يَكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِأَبِي وَأُمِّي ذَرنِي فَلِأُسَبِقَ الرَّجُلَ. قَالَ: إِن شِئتَ. قَالَ: قُلتُ: اذهَب إِلَيكَ، قال: وَثَنَيتُ رِجلَيَّ فَطَفَرتُ، فَعَدَوتُ، قَالَ: فَرَبَطتُ عَلَيهِ شَرَفًا أَو شَرَفَينِ، أَستَبقِي نَفَسِي، ثُمَّ عَدَوتُ فِي إِثرِهِ فَرَبَطتُ عَلَيهِ شَرَفًا أَو شَرَفَينِ، قال ثُمَّ إِنِّي رَفَعتُ حَتَّى أَلحَقَهُ، قَالَ: فَأَصُكُّهُ بَينَ كَتِفَيهِ، قَالَ: قُلتُ: قَد سُبِقتَ وَاللَّهِ، قَالَ: أَنَا أَظُنُّ، قَالَ: فَسَبَقتُهُ إِلَى
ــ
ويجوز الرفعُ على أن تكون (ألا) استفتاحًا، ويكون (مسابق) مبتدأ خبره محذوف، تقديره: ألَا هنا مسابق، أو نحوه.
وقول سلمة للرَّجل: أما تكرم كريمًا، ولا تهاب شريفًا؟ يدلُ على أنه فهم من قول الرَّجل: (ألا مسابق) النفي. فكأنه قال: لا أحد يسبقني. فلذلك أنكر عليه سلمة.
ولو كان عرضا فقط لم يكن فيه ما ينكره (١).
و(ذرني)؛ أي: دَعني (فلأسبقَ) منصوب بلام كي، على زيادة الفاء. و (طفرت): وثبت وقفزت. و (ربطت عليه): شددت عليه. (شرفًا أو شرفين)؛ يعني: طَلَقاَ أو طَلَقين (٢). (أستبقي) أبقي. (نَفسي) رويناه بفتح الفاء وسكونها. ففي الفتح يعني به: التنفس. يريد: أنه رفق في جريه مخافةَ ضيق النفس. وبالسكون يعني به: أروح نفسي وأجمها لجريٍ آخرِ.
وقوله: (ثَمَّ إني رفعت)؛ أي: زدتُ في السير. ويروى: (دفعت) بالدَال؛ أي: دفعتُ دفعةَ شديدةً من الجري، وكلاهما قريب (٣) في المعنى.
стр. 1929
المَدِينَةِ قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا لَبِثنَا إِلَّا ثَلَاثَ لَيَالٍ حَتَّى خَرَجنَا إِلَى خَيبَرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَجَعَلَ عَمِّي عَامِرٌ يَرتَجِزُ بِالقَومِ:
تَاللَّهِ لَولَا اللَّهُ مَا اهتَدَينَا ... وَلَا تَصَدَّقنَا وَلَا صَلَّينَا
وَنَحنُ عَن فَضلِكَ مَا استَغنَينَا ... فَثَبِّت الأَقدَامَ إِن لَاقَينَا
وَأَنزِلَن سَكِينَةً عَلَينَا
ــ
وقوله: (اذهب إليك)؛ قيدناه على من يوثق بعلمه على الأمر؛ أي: انفذ لوجهك، وخذ في الجري. يقوله سلمة وهو راكب خلف النبي ﷺ للرَّجل الذي قال: ألا مسابق. ولذلك قال: وثنيت رجلي؛ أي: نزلت عن ظهر العضباء. و (إليك) على هذا معمول لـ (اذهب)؛ أي: انفذ لوجهك.
وقوله: (والله! ما لبثنا إلا ثلاث ليالٍ حتى خرجنا إلى خيبر)؛ ظاهر هذا الكلام: أن غزوة خيبر كانت على إثر غزوة ذي قرد؛ إذ لم يكن بينهما إلا هذا الزمان اليسير، الذي هو ثلاث ليال، وليس كذلك عند أحد من أصحاب السِّير والتواريخ؛ فإن غزوة ذي قرد كانت في جمادى الأولى من السَّنة السادسة من الهجرة، ثم غزا بعدها بني المصطلق في شعبان من تلك السنة، ثم اعتمر عمرة الحديبية في ذي القعدة من تلك السنة، ثم رجع إلى المدينة، وأقام بها ذا الحجَّة وبعض المحرم، وخرج في بقيةٍ منه إلى خيبر، هكذا ذكره أبو عمر بن عبد البر وغيره، ولا يكادون يختلفون في ذلك. وهذا الذي وقع في هذا الحديث وهم من بعض الرُّواة، ويحتمل أن يكون النبي ﷺ أغزى سرية فيهم سلمة إلى خيبر قبل فتحها، فأخبر سلمة عن نفسه، وعمن خرج معه. وقد ذكر ابن إسحاق في كتاب المغازي له: أنه ﷺ أغزى إليها عبد الله بن رواحة قبل فتحها مرتين. والله أعلم.
و(ذو قُرد) المشهور فيه بفتح القاف والرَّاء. وقد قيل فيه بضمِّهما. والقَرَدُ في اللغة هو: الصوف الرديء. يقال في المثل: عَثَرت على الغَزل بأَخَرَة فلم تَدع
стр. 1930
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : مَن هَذَا؟ . قَالَ: أَنَا عَامِرٌ، قَالَ: غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ. قَالَ وَمَا استَغفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِإِنسَانٍ يَخُصُّهُ، إِلَّا استُشهِدَ، قَالَ: فَنَادَى عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَولَا مَا مَتَّعتَنَا بِعَامِرٍ؟ قَالَ: فَلَمَّا قَدِمنَا خَيبَرَ، قَالَ: خَرَجَ مَلِكُهُم مَرحَبٌ يَخطِرُ بِسَيفِهِ يَقُولُ:
قد عَلِمَت خَيبَرُ أَنِّي مَرحَبُ ... شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الحُرُوبُ أَقبَلَت تَلَهَّبُ
قَالَ: وَبَرَزَ لَهُ عَمِّي عَامِرٌ فَقَالَ:
قَد عَلِمَت خَيبَرُ أَنِّي عَامِرٌ ... شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَامِرٌ
ــ
بِنَجدِ (١) قَرَد (٢). وهو في الحديث: موضع معروف. حكى هذا كله السهيلي.
وقول عمر: (يا رسولَ الله! لولا متَّعتَنَا به؛ أي: هلا دعوتَ الله أن يمتعنا ببقائه. و (يخطر بسيفه)؛ أي: يهزه متكبرًا، و (شاكي السلاح) هو الذي جَمَع عليه سلاحه. يقال: شاكي السلاح، و (شاكِ) بالكسر- و (شاكُ) بالرفع، و (شائك)، وهذا أصوب، وما قبله مقلوب. والشكة، والشوكة: السلاح. و (مجرب) روايتنا فيه بفتح الراء على أنه اسم مفعول؛ يعني: أنه جربت حروبه، وعلمت. ويصحُ أن يقال بالكسر على أنه اسم فاعل، يعني: أنه جرَّبَ الحروبَ بنفسه، فخبرها.
وقول عامر: (بطل مغامر)؛ البطلُ: الشجاع. يقال: بطل بيِّن البطولة والبطالة. و (المغامر): اسم فاعل مِن غامر؛ يعني: أنه يأتي غمرات الحروب، ويقتحمها. وأصله من الغمر، وهو الماءُ الكثير. و (يسفّل) بسيفه؛ أي: يختِل أن يضربه (٣)، من أسفله.