أَكوَعُكَ بُكرَةَ. قَالَ وَأَردَوا فَرَسَينِ على الثَنِيَّةٍ. قَالَ: فَجِئتُ بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَلَحِقَنِي عَامِرٌ بِسَطِيحَةٍ فِيهَا مَذقَةٌ مِن لَبَنٍ، وَسَطِيحَةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَتَوَضَّأتُ وَشَرِبتُ، ثُمَّ أَتَيتُ رَسُولَ اللَّهِ، وَهُوَ عَلَى المَاءِ الَّذِي حَلَّيتُهُم عَنهُ، فَإِذَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَد أَخَذَ تِلكَ الإِبِلَ وَكُلَّ شَيءٍ استَنقَذتُهُ مِن المُشرِكِينَ، وَكُلَّ رُمحٍ وكل بُردَةٍ، وَإِذَا بِلَالٌ نَحَرَ نَاقَةً مِن الإِبِلِ
ــ
فحذفها للعلم بها. ويحتمل غير هذا، وهذا أشبه. والثكل: الفقد. والثكلى: المرأة الفاقدة ولدها، الحزينة عليه. ومنه قولهم: ثكل خير من عقوق، وكأنه دعا عليه بالفقد والهلاك.
وقوله: (أكوعه بكرة) الضمير في أكوعه يعود على المتكلم على تقدير الغيبة، كأنه قال: أكوع الرجل المتكلم، وقد فهم منه هذا سلمة، حيث أجابه بقوله: (أكوعك بكرة)، فخاطبه بذلك و (بكرة) منصوب، غير منون على الظرف؛ لأنه لا ينصرف للتعريف والتأنيث؛ لأنه أريد بها بكرة معينة، وكذلك: غدوة. وليس ذلك لشيء من ظروف الأزمنة سواهما فيما علمت.
وقوله: (وأرذوا فرسين)، روايتي فيه بالذال، ومعناه: تركوا فرسين معيبين لم يقدرا على النهوض من الضعف والكلال. والرذية: المعيبة، وجمعها: رذايا، ومنه قول الشاعر:
. . . . . . . . . . . . . . . . ... فهن رذايا في الطريق ودائع
وقد روي بالدال المهملة (أردوا)؛ أي: تركوهما هلكى، من الردى، وهو الهلاك، والأول أوجه؛ لأنه قال: فأقبلت بهما أسوقهما، فدل على أنهما لم يهلكا، وإنما ثقلا كلالًا وإعياءً.
و(السَّطيحة): إناء من جلود يُسطَّح بعضها فوق بعض. و (المذقة): القطرة من اللبن الممزوج بالماء. و (المذق): مَزج اللبن بالماء، وقد تقدَّم القول في النواجذ، وأن المراد بها- هنا-: الضَّواحك.
стр. 1927
الَّذِي استَنقَذتُ مِن القَومِ، وَإِذَا هُوَ يَشوِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن كَبِدِهَا وَسَنَامِهَا قَالَ: قُلتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! خَلِّنِي فَأَنتَخِبُ مِن القَومِ مِائَةَ رَجُلٍ فَأَتَّبِعُ القَومَ، فَلَا يَبقَى مِنهُم مُخبِرٌ إِلَّا قَتَلتُهُ. قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ حَتَّى بَدَت نَوَاجِذُهُ فِي ضَوءِ النَّارِ، فَقَالَ: يَا سَلَمَةُ! أَتُرَاكَ كُنتَ فَاعِلًا؟ قُلتُ: نَعَم وَالَّذِي أَكرَمَكَ. قَالَ: إِنَّهُم الآنَ لَيُقرَونَ فِي أَرضِ غَطَفَانَ. قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِن غَطَفَانَ فَقَالَ: نَحَرَ لَهُم فُلَانٌ جَزُورًا، فَلَمَّا كَشَفُوا جِلدَهَا رَأَوا غُبَارًا فَقَالُوا: أَتَاكُم القَومُ، فَخَرَجُوا هَارِبِينَ فَلَمَّا أَصبَحنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ خَيرَ فُرسَانِنَا اليَومَ أَبُو قَتَادَةَ، وَخَيرَ رَجَّالَتِنَا سَلَم. قَالَ: ثُمَّ أَعطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَهمَينِ: سَهمَ الفَارِسِ، وَسَهمَ الرَّاجِلِ، فَجَمَعَهُمَا لِي جَمِيعًا، ثُمَّ أَردَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَاءَهُ عَلَى العَضبَاءِ رَاجِعِينَ إِلَى المَدِينَةِ قَالَ: فَبَينَا نَحنُ نَسِيرُ، قَالَ: وَكَانَ رَجُلٌ مِن الأَنصَارِ لَا يُسبَقُ شَدًّا، قَالَ: فَجَعَلَ يَقُولُ: أَلَا مُسَابِقٌ إِلَى المَدِينَةِ؟ هَل مِن مُسَابِقٍ؟
ــ
وقوله: (أعطاني سهمين: سهم الفارس، وسهم الرَّاجل)؛ أما سهم الرَّاجل فهو حقُّه، وأما سهم الفارس فإنما أعطاه النبي ﷺ إيَّاه لشدَّة غنائه، ولأنه هو الذي استنقذ تلك الغنائم، وهو الذي تنزل منزلة الجيش فيما فعل، ولم يُسمع بمن فعل مثل فعله في تلك الغزاة، ثم لعل النبي ﷺ إنما أعطاه سهم الفارس من الخمس، فإن كان أعطاه من الغنيمة فذلك خصوص به لخصوص فِعله.
وقوله: (ألا مسابقَ؟ ) ألا مسابق: قيدناه مفتوحًا بغير تنوين؛ لأنها (لا) التي للنفي والتبرئة، زيدت عليها همزة الاستفهام، وأشربت معنى التمني؛ كما قالوا: ألا سيفَ صارما؟ ألا ماءَ باردا؟ بغير تنوين على ما حكاه سيبويه، وأنشد:
ألا طِعَانَ، ألا فُرسانَ عادِيَة ... ألا تجشُّؤُكُم عِندَ التَّنانِيرِ (١)
стр. 1928
فَجَعَلَ يُعِيدُ ذَلِكَ، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعتُ كَلَامَهُ قُلتُ: أَمَا تُكرِمُ كَرِيمًا؟ وَلَا تَهَابُ شَرِيفًا؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَن يَكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِأَبِي وَأُمِّي ذَرنِي فَلِأُسَبِقَ الرَّجُلَ. قَالَ: إِن شِئتَ. قَالَ: قُلتُ: اذهَب إِلَيكَ، قال: وَثَنَيتُ رِجلَيَّ فَطَفَرتُ، فَعَدَوتُ، قَالَ: فَرَبَطتُ عَلَيهِ شَرَفًا أَو شَرَفَينِ، أَستَبقِي نَفَسِي، ثُمَّ عَدَوتُ فِي إِثرِهِ فَرَبَطتُ عَلَيهِ شَرَفًا أَو شَرَفَينِ، قال ثُمَّ إِنِّي رَفَعتُ حَتَّى أَلحَقَهُ، قَالَ: فَأَصُكُّهُ بَينَ كَتِفَيهِ، قَالَ: قُلتُ: قَد سُبِقتَ وَاللَّهِ، قَالَ: أَنَا أَظُنُّ، قَالَ: فَسَبَقتُهُ إِلَى
ــ
ويجوز الرفعُ على أن تكون (ألا) استفتاحًا، ويكون (مسابق) مبتدأ خبره محذوف، تقديره: ألَا هنا مسابق، أو نحوه.
وقول سلمة للرَّجل: أما تكرم كريمًا، ولا تهاب شريفًا؟ يدلُ على أنه فهم من قول الرَّجل: (ألا مسابق) النفي. فكأنه قال: لا أحد يسبقني. فلذلك أنكر عليه سلمة.
ولو كان عرضا فقط لم يكن فيه ما ينكره (١).
و(ذرني)؛ أي: دَعني (فلأسبقَ) منصوب بلام كي، على زيادة الفاء. و (طفرت): وثبت وقفزت. و (ربطت عليه): شددت عليه. (شرفًا أو شرفين)؛ يعني: طَلَقاَ أو طَلَقين (٢). (أستبقي) أبقي. (نَفسي) رويناه بفتح الفاء وسكونها. ففي الفتح يعني به: التنفس. يريد: أنه رفق في جريه مخافةَ ضيق النفس. وبالسكون يعني به: أروح نفسي وأجمها لجريٍ آخرِ.
وقوله: (ثَمَّ إني رفعت)؛ أي: زدتُ في السير. ويروى: (دفعت) بالدَال؛ أي: دفعتُ دفعةَ شديدةً من الجري، وكلاهما قريب (٣) في المعنى.
стр. 1929
المَدِينَةِ قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا لَبِثنَا إِلَّا ثَلَاثَ لَيَالٍ حَتَّى خَرَجنَا إِلَى خَيبَرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَجَعَلَ عَمِّي عَامِرٌ يَرتَجِزُ بِالقَومِ:
تَاللَّهِ لَولَا اللَّهُ مَا اهتَدَينَا ... وَلَا تَصَدَّقنَا وَلَا صَلَّينَا
وَنَحنُ عَن فَضلِكَ مَا استَغنَينَا ... فَثَبِّت الأَقدَامَ إِن لَاقَينَا
وَأَنزِلَن سَكِينَةً عَلَينَا
ــ
وقوله: (اذهب إليك)؛ قيدناه على من يوثق بعلمه على الأمر؛ أي: انفذ لوجهك، وخذ في الجري. يقوله سلمة وهو راكب خلف النبي ﷺ للرَّجل الذي قال: ألا مسابق. ولذلك قال: وثنيت رجلي؛ أي: نزلت عن ظهر العضباء. و (إليك) على هذا معمول لـ (اذهب)؛ أي: انفذ لوجهك.
وقوله: (والله! ما لبثنا إلا ثلاث ليالٍ حتى خرجنا إلى خيبر)؛ ظاهر هذا الكلام: أن غزوة خيبر كانت على إثر غزوة ذي قرد؛ إذ لم يكن بينهما إلا هذا الزمان اليسير، الذي هو ثلاث ليال، وليس كذلك عند أحد من أصحاب السِّير والتواريخ؛ فإن غزوة ذي قرد كانت في جمادى الأولى من السَّنة السادسة من الهجرة، ثم غزا بعدها بني المصطلق في شعبان من تلك السنة، ثم اعتمر عمرة الحديبية في ذي القعدة من تلك السنة، ثم رجع إلى المدينة، وأقام بها ذا الحجَّة وبعض المحرم، وخرج في بقيةٍ منه إلى خيبر، هكذا ذكره أبو عمر بن عبد البر وغيره، ولا يكادون يختلفون في ذلك. وهذا الذي وقع في هذا الحديث وهم من بعض الرُّواة، ويحتمل أن يكون النبي ﷺ أغزى سرية فيهم سلمة إلى خيبر قبل فتحها، فأخبر سلمة عن نفسه، وعمن خرج معه. وقد ذكر ابن إسحاق في كتاب المغازي له: أنه ﷺ أغزى إليها عبد الله بن رواحة قبل فتحها مرتين. والله أعلم.
و(ذو قُرد) المشهور فيه بفتح القاف والرَّاء. وقد قيل فيه بضمِّهما. والقَرَدُ في اللغة هو: الصوف الرديء. يقال في المثل: عَثَرت على الغَزل بأَخَرَة فلم تَدع
стр. 1930
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : مَن هَذَا؟ . قَالَ: أَنَا عَامِرٌ، قَالَ: غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ. قَالَ وَمَا استَغفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِإِنسَانٍ يَخُصُّهُ، إِلَّا استُشهِدَ، قَالَ: فَنَادَى عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَولَا مَا مَتَّعتَنَا بِعَامِرٍ؟ قَالَ: فَلَمَّا قَدِمنَا خَيبَرَ، قَالَ: خَرَجَ مَلِكُهُم مَرحَبٌ يَخطِرُ بِسَيفِهِ يَقُولُ:
قد عَلِمَت خَيبَرُ أَنِّي مَرحَبُ ... شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الحُرُوبُ أَقبَلَت تَلَهَّبُ
قَالَ: وَبَرَزَ لَهُ عَمِّي عَامِرٌ فَقَالَ:
قَد عَلِمَت خَيبَرُ أَنِّي عَامِرٌ ... شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَامِرٌ
ــ
بِنَجدِ (١) قَرَد (٢). وهو في الحديث: موضع معروف. حكى هذا كله السهيلي.
وقول عمر: (يا رسولَ الله! لولا متَّعتَنَا به؛ أي: هلا دعوتَ الله أن يمتعنا ببقائه. و (يخطر بسيفه)؛ أي: يهزه متكبرًا، و (شاكي السلاح) هو الذي جَمَع عليه سلاحه. يقال: شاكي السلاح، و (شاكِ) بالكسر- و (شاكُ) بالرفع، و (شائك)، وهذا أصوب، وما قبله مقلوب. والشكة، والشوكة: السلاح. و (مجرب) روايتنا فيه بفتح الراء على أنه اسم مفعول؛ يعني: أنه جربت حروبه، وعلمت. ويصحُ أن يقال بالكسر على أنه اسم فاعل، يعني: أنه جرَّبَ الحروبَ بنفسه، فخبرها.
وقول عامر: (بطل مغامر)؛ البطلُ: الشجاع. يقال: بطل بيِّن البطولة والبطالة. و (المغامر): اسم فاعل مِن غامر؛ يعني: أنه يأتي غمرات الحروب، ويقتحمها. وأصله من الغمر، وهو الماءُ الكثير. و (يسفّل) بسيفه؛ أي: يختِل أن يضربه (٣)، من أسفله.
стр. 1931
قَالَ: فَاختَلَفَا ضَربَتَينِ فَوَقَعَ سَيفُ مَرحَبٍ فِي تُرسِ عَامِرٍ، وَذَهَبَ عَامِرٌ يَسفُلُ لَهُ، فَرَجَعَ سَيفُهُ عَلَى نَفسِهِ فَقَطَعَ أَكحَلَهُ، فَكَانَت فِيهَا نَفسُهُ.
قَالَ سَلَمَةُ: فَخَرَجتُ فَإِذَا نَفَرٌ مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُونَ: بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ، قَتَلَ نَفسَهُ، قَالَ: فَأَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَنَا أَبكِي، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : مَن قَالَ ذَلِكَ؟ قَالَ: قُلتُ: نَاسٌ مِن أَصحَابِكَ، قَالَ: كَذَبَ مَن قَالَ ذَلِكَ، بَل لَهُ أَجرُهُ مَرَّتَينِ. ثُمَّ أَرسَلَنِي إِلَى عَلِيٍّ وَهُوَ أَرمَدُ، فَقَالَ: لَأُعطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أَو يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ: فَأَتَيتُ عَلِيًّا فَجِئتُ بِهِ أَقُودُهُ، وَهُوَ أَرمَدُ حَتَّى أَتَيتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَبَسَقَ فِي عَينَيهِ، فَبَرَأَ، وَأَعطَاهُ الرَّايَةَ، وَخَرَجَ مَرحَبٌ فَقَالَ:
قَد عَلِمَت خَيبَرُ أَنِّي مَرحَبُ ... شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الحُرُوبُ أَقبَلَت تَلَهَّبُ
فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁:
أَنَا الَّذِي سَمَّتنِي أُمِّي حَيدَرَه ... كَلَيثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ المَنظَرَه
أُوفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيلَ السَّندَرَه
ــ
وقول علي: (أنا الذي سمتني أمي حيدرة)؛ حيدرة: من أسماء الأسد، وله أسماء كثيرة. وكان علي سماه أبوه عليًّا، وسمته أمه أسدًا باسم أبيها، فغلب عليه ما سماه به أبوه، فذكر الآن ما سمته به أمه لمناسبة ما بين الحرب وصوّلة الأسد.
والهاء في (حيدره) وفي (المنظره) زائدة للاستراحة. والمنظرة: المنظر. ويعني: أنه كريه المنظر في عين عدوه؛ لأن موت عدوه مقرون بنظره إليه.
و(ليث) من
стр. 1932
قَالَ: فَضَرَبَ رَأسَ مَرحَبٍ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ كَانَ الفَتحُ عَلَى يَدَيهِ.
رواه مسلم (١٨٠٧).
* * *
ــ
أسماء الأسد. و (الغابات): جمع غابة، وهي ملتف الشجر؛ لأنها تغيب فيها من يدخلها. و (السندرة): مكيال واسع. قال القتبي: ويحتمل أن يكون أخذ من السندرة وهي شجرة يعمل منها النبل والقسيّ. قال صاحب العين: كيل السندرة: ضرب من الكيل، ومعناه: أقتلهم قتلًا واسعًا. وقيل: السندرة: العجلة؛ أي: أقتلهم قتلًا عجلًا عاجلًا.
وفي هذا الحديث من معجزات رسول الله ﷺ أربع، ومن الفقه والأحكام ما فيه كثرة لا تخفى على فطن، من أهمها: جواز استقتال المرء نفسه في سبيل الله إرادة الشهادة، واقتحام الواحد على الجمع؛ إذا كان من أهل النجدة. وجواز المبارزة بغير إذن الإمام. وهو حجَّة على من كرهها مطلقًا، وهو الحسن، وعلى من اشترط في جوازها إذن الإمام: وهو إسحاق، وأحمد، والثوري. ثم هل يعان المبارز أم لا؟ أجازها أحمد وإسحاق، ومنعها الأوزاعي، وفسر الشافعي فقال: إن شرط المبارز عدمها لم يجز، وإن لم يشترط جاز.
وظاهر هذا الحديث: أن الذي قتل مرحبًا هو علي ﵁. وقد روي: أن الذي قتله محمد بن مسلمة. وحكى محمد بن سعد: أن الذي قتله، محمد، وذفَّفَ عليه علي.
* * *
стр. 1933
(٣١) باب خروج النساء في الغزو
[١٣٢١] عَن أَنَسٍ: أَنَّ أُمَّ سُلَيمٍ اتَّخَذَت يَومَ حُنَينٍ خِنجَرًا، فَكَانَ مَعَهَا فَرَآهَا أَبُو طَلحَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذِهِ أُمُّ سُلَيمٍ مَعَهَا خِنجَرٌ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا هَذَا الخِنجَرُ؟ قَالَت: اتَّخَذتُهُ، إِن دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِن المُشرِكِينَ بَقَرتُ بِهِ بَطنَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضحَكُ، قَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اقتُل مَن بَعدَنَا مِن الطُّلَقَاءِ انهَزَمُوا بِكَ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : يَا أُمَّ سُلَيمٍ، إِنَّ اللَّهَ قَد كَفَى وَأَحسَنَ.
رواه مسلم (١٨٠٩).
ــ
(٣١) ومن باب: خروج النساء في الغزو
(الخنجر) بفتح الخاء: السكين، ويقال بكسرها. و (بقرت بطنه): شققته، ووسعته. و (الطلقاء) أهل مكة؛ لأنه ﷺ منَّ عليهم، وأطلقهم يوم فتح مكة. و (من بعدنا)؛ أي: من وراءنا.
وقولها: (انهزموا بك)؛ أي: انهزموا حتى اتصلت هزيمتُهم بك، أو انهزموا عنك، بمعنى: فرُّوا، مُنكرة ذلك عليهم، ومقبحة لما فعلوا، ظانَّة: أنهم يستحقون القتل على ذلك، وبأنهم لم يتحققوا في الإسلام.
وقوله: (إن الله قد كفى وأحسن)؛ أي: كفانا مؤونة العدو، وأغنانا عمَّن فرَّ، وأحسن في التمكين من العدوّ والظفر به.
و(يسقين الماء)؛ أي: يحملنه على ظهورهن فيضعنه بقرب الرجال، فيتناوله الرجال بأيديهم فيشربوه. و (يداوين)؛ أي: يهيئن الأدوية للجراح ويصلحنها، ولا يلمسن من الرجال ما لا يحل.
ثم
стр. 1934
[١٣٢٢] وعنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغزُو بِأُمِّ سُلَيمٍ وَنِسوَةٍ مِن الأَنصَارِ مَعَهُ إِذَا غَزَا، فَيَسقِينَ المَاءَ وَيُدَاوِينَ الجَرحَى.
رواه مسلم (١٨١٠)، وأبو داود (٢٥٣١)، والترمذي (١٥٧٥).
[١٣٢٣] وعنه: قَالَ: لَمَّا كَانَ يَومُ أُحُدٍ، انهَزَمَ نَاسٌ عَن النَّبِيِّ ﷺ وَأَبُو طَلحَةَ بَينَ يَدَي نَبِيِّ الله ﷺ مُجَوِّبٌ عَلَيهِ بِحَجَفَتهٍ، قَالَ: وَكَانَ أَبُو طَلحَةَ رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ النَّزعِ، وَكَسَرَ يَومَئِذٍ قَوسَينِ أَو ثَلَاثًا، قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ ومَعَهُ الجَعبَةُ مِن النَّبلِ فَيَقُولُ: انثُرهَا لِأَبِي طَلحَةَ، قَالَ: وَيُشرِفُ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يَنظُرُ إِلَى القَومِ، فَيَقُولُ أَبُو طَلحَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي، لَا تُشرِف لَا يُصِيبنكَ سَهمٌ مِن سِهَامِ القَومِ، نَحرِي دُونَ نَحرِكَ،
ــ
أولئك النساء إمَّا متجالاّت (١)، فيجوز لهن كشف وجوههن، وإمَّا شوابُّ، فيحتجبن. وهذا كله على عادة نساء العرب في الانتهاض، والنجدة، والجرأة، والعفة. وخصوصًا نساء الصحابة.
و(مجوِّبٌ عليه (٢) بحجفته)؛ أي: مُترِّسٌ عليه بها يقيه الرمي. و (النَّزع): الرمي الشديد. و (بأبي أنت وأمي)؛ أي: أفديك بهما، و (أنت): مبتدأ، وخبره محذوف؛ أي: مفدًى. و (بأبي) متعلق به. و (الخَدَم) هنا: جمع خَدَمة، وهي الخلخال، و (سوقهما): جمع ساق. وقيل في الخدم: هي سيور من جلود تُجعل في الرِّجل، وقيل: أريد به هاهنا: مخرج الرِّجل من السراويل. ومنه: فرس مُخَدَّم؛ إذا كان أبيض الرُّسغين. وكان هذا منهن لضرورة ذلك العمل في ذلك الوقت. ويحتمل أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب. وقد يتمسك بظاهره من يرى
стр. 1935
قَالَ: وَلَقَد رَأَيتُ عَائِشَةَ بِنتَ أَبِي بَكرٍ، وَأُمَّ سُلَيمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا، يَنقُلَانِ القِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا، ثُمَّ يُفرِغَانِهِ فِي أَفوَاهِهِم، ثُمَّ يَرجِعَانِ فَيملَآَنِهَا، ثُمَّ يَجِيئَانِ يُفرِغَانِهِ فِي أَفوَاهِ القَومِ، وَلَقَد وَقَعَ السَّيفُ مِن يَدَي أَبِي طَلحَةَ إِمَّا مَرَّتَينِ وَإِمَّا ثَلَاثًا مِن النُّعَاسِ.
رواه البخاري (٢٨٨٠)، ومسلم (١٨١١).
[١٣٢٤] وعَن أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنصَارِيَّةِ، قَالَت: غَزَوتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبعَ غَزَوَاتٍ أَخلُفُهُم فِي رِحَالِهِم، فَأَصنَعُ لَهُم الطَّعَامَ، وَأُدَاوِي الجَرحَى، وَأَقُومُ عَلَى المَرضَى.
رواه مسلم (١٨١٢)(١٤٢).
* * *
ــ
أن تلك المواضع ليست بعورة من المرأة، وليس بصحيح؛ لأن النبي ﷺ في حديث أم سلمة؛ الذي رفعه أبو داود حين سئل: ما تصلي فيه المرأة؟ قال: (تصلي في الدرع السابغ الذي يغيب ظهور قدميها) (١). وقد أمرت المرأة أن ترخي ثوبها شبرًا، فإن خافت أن تنكشف أرخته ذراعًا.
و(النُّعاس): ما يكون في الرأس، والسِّنة: في العين، وقد تقدَّم ذلك. وكان هذا النعاس الذي ألقي عليهم في يوم أحد لطفًا بهم من الله، زال به خوفهم، واستراحوا به من شدَّة التعب، وقويت به نفوسهم. وهكذا فعل الله بهم يوم بدر. وهو الذي دلّ عليه قوله تعالى: ﴿إِذ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنهُ﴾
стр. 1936
(٣٢) باب لا يسهم للنساء في الغنيمة بل يحذين منه
[١٣٢٥] عَن يَزِيدَ بنِ هُرمُزَ: أَنَّ نَجدَةَ كَتَبَ إِلَى ابنِ عَبَّاسٍ يَسأَلُهُ عَن خَمسِ خِلَالٍ، فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَولَا أَن أَكتُمَ عِلمًا مَا كَتَبتُ إِلَيهِ، كَتَبَ إِلَيهِ نَجدَةُ: أَمَّا بَعدُ، فَأَخبِرنِي هَل كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغزُو بِالنِّسَاءِ؟ وَهَل كَانَ يَضرِبُ لَهُنَّ بِسَهمٍ؟ وَهَل كَانَ يَقتُلُ الصِّبيَانَ؟ وَمَتَى يَنقَضِي يُتمُ اليَتِيمِ؟ وَعَن
ــ
(٣٢) ومن باب: لا يسهم للنساء من الغنيمة
(نجدة) هذا هو ابن عامر الحروري، نسب إلى حروراء، وهي موضع بقرب الكوفة، خرج منه الخوارج على علي ﵁، وفيه قُتلوا، وكان نجدة هذا منهم وعلى رأيهم؛ لذلك استثقل ابن عباس مجاوبته، وكرهها، لكن أجابه مخافة جهل يقع له، فيفتي، ويعمل به.
وقول ابن عباس ﵁: (أن النساء كن يُحذَين من الغنيمة، ولا يسهم لهن منها)؛ هذا مذهب جمهور العلماء: أن المرأة لا يضرب لها بسهم وإن قاتلت، ما خلا الأوزاعي؛ فإنه قال: إن قاتلت أسهم لها. وقد مال إليه ابن حبيب من أصحابنا. وهل يحذين؛ أي: يعطين من الغنيمة بغير تقدير. فالجمهور على أنهن يرضخ لهن. وقال مالك: لا يرضخ لهن، ولم يبلغني ذلك.
وكذلك الخلاف في العبد سواء؛ غير أن القائل: بأنه يسهم له إن قاتل؛ هو الحكم، وابن سيرين، والحسن، وإبراهيم. وقد تقدَّم: أن اليتيم في بني آدم من قبل فقد الأب، وفي البهائم من قبل فقد الأم.
وقوله: (متى ينقضي يتم اليتيم؟ ) أي: متى ينقضي حكم اليتم عنهم، فيسلم لهم مالهم؛ هذا مما اختلف فيه. فمقتضى كلام ابن عباس هذا، ومذهب
стр. 1937
الخُمسِ لِمَن هُوَ؟ فَكَتَبَ إِلَيهِ ابنُ عَبَّاسٍ: كَتَبتَ تَسأَلُنِي: هَل كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغزُو بِالنِّسَاءِ؟ وَقَد كَانَ يَغزُو بِهِنَّ يُدَاوِينَ الجَرحَى، وَيُحذَينَ مِن الغَنِيمَةِ، وَأَمَّا بِسَهمٍ، فَلَم يَضرِب لَهُنَّ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَم يَكُن يَقتُلُ الصِّبيَانَ، فَلَا تَقتُل الصِّبيَانَ، وَكَتَبتَ تَسأَلُنِي: مَتَى يَنقَضِي يُتمُ اليَتِيمِ؟ فَلَعَمرِي، إِنَّ الرَّجُلَ لَتَنبُتُ لِحيَتُهُ، وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ الأَخذِ لِنَفسِهِ، ضَعِيفُ العَطَاءِ مِنهَا، فَإِذَا أَخَذَ لِنَفسِهِ مِن صَالِحِ مَا يَأخُذُ النَّاسُ، فَقَد ذَهَبَ عَنهُ اليُتمُ، وَكَتَبتَ تَسأَلُنِي عَن الخُمسِ: لِمَن هُوَ؟ وَإِنَّا كُنَّا نَقُولُ: هُوَ لَنَا، فَأَبَى عَلَينَا قَومُنَا ذَاكَ.
رواه مسلم (١٨١٢)(١٣٧)، وأبو داود (٢٧٢٧).
ــ
مالك، وأصحابه، وكافة العلماء: أن مجرد البلوغ لا يخرجه عن اليتم، بل حتى يؤنس رشده، وسداد تصرفه. وقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة، دفع إليه ماله وإن كان غير ضابط له.
وهل من شرط رفع الحجر عنه العدالة، أو يكفي ذلك حسن الحال، وضبط المال؟ الأول للشافعي، والثاني للجمهور. وهو مشهور مذهب مالك. ثم إذا كان عليه مقدَّم، فهل بنفس صلاح حاله يخرج من الولاية، أو لا يخرج منها إلا بإطلاق حاكم أو وصي؟ في كل واحد منهما قولان عن مالك والشافعي، غير أن المشهور من مذهب مالك: أنه لا يخرج منها إلا بإطلاق من حاكم أو وصي. وكافة السَّلف، وأهل المدينة، وأئمة الفتوى على أن الكبير السفيه يحجر عليه الحاكم، وشذ أبو حنيفة فقال: لا يحجر عليه. وقد حكى ابن القصَّار في المسألة الإجماع، ويعني به: إجماع أهل المدينة. والله تعالى أعلم.
وقوله: كتبت تسألني عن الخمس، لمن هو؟ وإنا كنا (١) نقول: هو لنا، فأبى علينا قومنا)؛ هذا الخمس المسؤول عنه هو خمس الخمس، لا خمس الغنيمة،
стр. 1938
[١٣٢٦] وعنه قَالَ: كَتَبَ نَجدَةُ بنُ عَامِرٍ إِلَى ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فَشَهِدتُ ابنَ عَبَّاسٍ حِينَ قَرَأَ كِتَابَهُ، وَحِينَ كَتَبَ جَوَابَهُ، وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: وَاللَّهِ لَولَا أَن أَرُدَّهُ عَن نَتنٍ يَقَعُ فِيهِ مَا كَتَبتُ إِلَيهِ، وَلَا نُعمَةَ عَينٍ، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيهِ: إِنَّكَ سَأَلتَ عَن سَهمِ ذِي القُربَى الَّذِين ذَكَرَ اللَّهُ مَن هُم؟ وَإِنَّا كُنَّا نَرَى أَنَّ قَرَابَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هُم نَحنُ، فَأَبَى ذَلِكَ عَلَينَا قَومُنَا، وَسَأَلتَ عَن اليَتِيمِ مَتَى يَنقَضِي يُتمُهُ؟ وَإِنَّهُ إِذَا بَلَغَ النِّكَاحَ وَأُونِسَ مِنهُ رُشدٌ وَدُفِعَ إِلَيهِ مَالُهُ، فَقَد انقَضَى يُتمُهُ، وَسَأَلتَ هَل كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقتُلُ مِن صِبيَانِ المُشرِكِينَ أَحَدًا؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَم يَكُن يَقتُلُ مِنهُم أَحَدًا، وَأَنتَ فَلَا تَقتُل مِنهُم أَحَدًا، إِلَّا أَن تَكُونَ تَعلَمُ مِنهُم مَا يعَلِمَ الخَضِرُ ﵇ مِن الغُلَامِ حِينَ
ــ
ولا يقول ابن عباس، ولا غيره: إن خمس الغنيمة يصرف في القرابة، وإنما يصرف إليهم خمس الخمس على قول من يقسم خمس الغنيمة على خمسة أخماس (١)؛ على ما تقدَّم من مذهب الشافعي، وهو الذي أشار إليه ابن عباس، وهو مذهب أحمد بن حنبل.
وقوله: (فأبى علينا قومنا)؛ كأنه قال: هو لبني هاشم، وقال بنو المطلب: هو لنا. قاله أبو الفرج ابن الجوزي وقد قدَّمنا مذهب مالك في هذا، وحجته عليه.
وقوله: (وكتبت تسألني عن قتل الصبيان. . . فلا تقتل الصبيان)؛ هذا مذهب كافة العلماء: أن الصبيان لا يقتلون إلا أن يبيت العدو، فيصاب صبيانهم معهم. وقد تقدَّم: أن الصبيان لا يقتلون لأنه لا يكون منهم قتال غالبًا، ولأنهم مال.
وقوله: (إلا أن تكون تعلم منهم ما يعلم الخضر)؛ يعني: أن قتل الخضر؛
стр. 1939
قَتَلَهُ، وَسَأَلتَ عَن المَرأَةِ وَالعَبدِ هَل كَانَ لَهُمَا سَهمٌ مَعلُومٌ إِذَا حَضَرُوا البَأسَ، وَإِنَّهُم لَم يَكُن لَهُم سَهمٌ مَعلُومٌ، إِلَّا أَن يُحذَيَا مِن غَنَائِمِ القَومِ.
رواه مسلم (١٨١٢)(١٤٠).
* * *
ــ
لذلك الصبي كان بأمر الله تعالى له بذلك، وبعد أن أعلمه الله تعالى أن قتله ذلك الغلام مصلحة لأبويه. وهذا النوع من العلم متعذر على السائل وغيره ممن لا يُعلمه الله بذلك، فلا يحل قتل صبي بحال من الأحوال. هذا معنى كلامه.
وقوله: (لولا أن أرده عن نتنٍ يقع فيه)؛ أي: عن فعل فاحش يستقبحه من سمعه من العلماء، ويستخبثه كما يستخبث الشيء المنتن. وفي الرواية الأخرى: (لولا أن يقع في أُحمُوقةٍ) (١)؛ أي: في فعل من أفعال الحمقى. يعني به: العمل على غير العلم.
وقوله: (ولا نُعمَةَ عينٍ)، الرواية بضم النون، وفيها لغات: نَعمة- بفتح النون-، ونعم عينٍ، ونِعم، ونُعمَى، ونُعامى، ونعيم، ونعام. وكل ذلك بمعنى واحد؛ أي: فلا أنعم عينه، ولا أريها ما يسرها. وهي منصوبة على المصدر.
و(البأس): الحرب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأسَكُم﴾ وأصل البأس: الشدة، والمشقة. والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1940
(٣٣) باب عدد غزوات رسول الله ﷺ -
[١٣٢٧] عن أَبِي إِسحاَقَ قَالَ: لَقِيتُ زَيدَ بنَ أَرقَمَ فَقُلتُ لَهُ: كَم غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: تِسعَ عَشرَةَ غزوة. فَقُلتُ: فكَم غَزَوتَ أَنتَ مَعَهُ؟ قَالَ: سَبعَ عَشرَةَ غَزوَةً. قَالَ: فَقُلتُ: مَا أَوَّلُ غَزاةٍ غَزَا؟ قَالَ: ذَاتُ العُشَيرِ أَو ذَاتُ العُسَيرِ.
رواه البخاري (٤٤٧١)، ومسلم (١٢٥٤) في الجهاد (١٤٣)، والترمذي (١٦٧٦).
ــ
(٣٣) ومن باب: عدد غزوات رسول الله ﷺ
قول زيد بن أرقم ﵄: (إن رسول الله ﷺ غزا تسع عشرة غزوة)، وقول بريدة: (سبع عشرة، قاتل في ثمان منهن)؛ كله مخالف لما عليه أهل التواريخ والسِّير. قال محمد بن سعد في كتاب الطبقات، له (١): إن غزوات رسول الله ﷺ سبع وعشرون، وسراياه ست وخمسون. وفي رواية: ست وأربعون. والتي قاتل فيها رسول الله ﷺ : بدر، وأحد، والمريسيع، والخندق، وخيبر، وقريظة، والفتح، وحنين، والطائف. قال ابن سعد: هذا الذي اجتمع لنا عليه. وفي بعض الروايات: أنه قاتل في بني النضير، وفي وادي القرى؛ مُنصرفه من خيبر، وفي الغابة.
قلت: وعلى هذا: فقول زيد بن أرقم وغيره: أنه غزا تسع عشرة، أو سبع عشرة، أو ست عشرة؛ إنما أخبر كل منهم عما في علمه، أو شاهده. والله تعالى أعلم.
وقول زيد بن أرقم: (إن أول غزوة غزاها ذات العشير)؛ يقال بالشين
стр. 1941
[١٣٢٨] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قال: غَزَوتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِسعَ عَشرَةَ غَزوَةً، قَالَ جَابِرٌ: لَم أَشهَد بَدرًا، وَلَا أُحُدًا، مَنَعَنِي أَبِي، فَلَمَّا قُتِلَ أبي عَبدُ اللَّهِ يَومَ أُحُدٍ، لَم أَتَخَلَّف عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزوَةٍ قَطُّ.
رواه مسلم (١٨١٣).
ــ
والسين. ويزاد عليها (ها)، فيقال: العشيرة. وهو موضع بقرب الينبوع سكن بني مدلج، بينه وبين المدينة تسعة برد. وهذا مخالف لما نقله أهل التواريخ والسير. قال محمد بن سعد: كان قبل غزوة العشيرة ثلاث غزوات؛ يعني: غزاها بنفسه. وقال أبو عمر بن عبد البر: أول غزوة غزاها رسول الله ﷺ غزوة ودّان، غزاها بنفسه في صفر، وذلك: أنه وصل إلى المدينة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وأقام بها بقية ربيع الأول، وباقي العام كله إلى صفر من سنة اثنتين من الهجرة، ثم خرج في صفر المذكور، واستعمل على المدينة سعد بن عبادة حتى بلغ ودّان، فوادع بني ضمرة، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حربًا، وهي المسماة: بغزوة الأبواء، ثم أقام بالمدينة إلى ربيع الآخر من السنة المذكورة، ثم خرج منها، واستعمل على المدينة السَّائب بن عثمان بن مظعون، حتى بلغ بواط من ناحية رضوى، ثم رجع، ولم يلق حربًا، ثم أقام بها بقية ربيع الآخر، وبعض جمادى الأولى، ثم خرج غازيًا، واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، وأخذ على طريق ملل إلى العشيرة، فأقام بها بقية جمادى الأولى، وليال من جمادى الآخرة، ووادع فيها بني مدلج، ثم رجع، ولم يلق حربًا، ثم كانت بعد ذلك غزوة بدر الأولى بأيام قلائل. هذا الذي لا يشك فيه أهل التواريخ والسّير، فزيد بن أرقم إنما أخبر عما عنده، والله تعالى أعلم.
وقول جابر ﵁: (لم أشهد بدرًا ولا أُحدًا)؛ هذا هو الصحيح، وقد ذكر ابن الكلبي: إنه شهد أُحدًا، وليس بشيء.
وقوله: (منعني أبي)، سبب منعه له: أنه كان لجابر أخوات، ولم يكن لأبيه
стр. 1942
[١٣٢٩] وعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: غزا رسول الله ﷺ سبع عشرة غزوة قاتل في ثمان منهن.
رواه البخاري (٤٤٧٣)، ومسلم (١٨١٤)(١٤٦).
[١٣٣٠] وعن سَلَمَةَ قال: غَزَوتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبعَ غَزَوَاتٍ، وَخَرَجتُ فِيمَا يَبعَثُ مِن البُعُوثِ تِسعَ غَزَوَاتٍ، مَرَّةً عَلَينَا أَبُو بَكرٍ، وَمَرَّةً عَلَينَا أُسَامَةُ بنُ زَيدٍ.
رواه البخاري (٤٢٧٠ و ٤٢٧١)، ومسلم (١٨١٥).
* * *
(٣٤) باب في غزوة ذات الرِّقاع
[١٣٣١] عَن أَبِي مُوسَى قَالَ: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ وَنَحنُ سِتَّةُ نَفَرٍ، بَينَنَا بَعِيرٌ نَعتَقِبُهُ قَالَ: فَنَقِبَت أَقدَامُنَا، فَنَقِبَت قَدَمَايَ
ــ
عبد الله من يقوم عليهن غيره، فحبسه عن الغزو لذلك، كما جاء في الرواية الأخرى، وقتل أبوه يوم أحد، وهو عبد الله بن عمرو (١) بن حرام الأنصاري.
(٣٤) ومن باب: غزوة ذات الرِّقاع
كانت هذه الغزوة في جمادى الأولى من السنة الرابعة من الهجرة، وذلك: أنه خرج ﷺ من المدينة في الشهر المذكور، واستعمل على المدينة أبا ذر، وقيل:
стр. 1943
وَسَقَطَت أَظفَارِي، فَكُنَّا نَلُفُّ عَلَى أَرجُلِنَا الخِرَقَ، فَسُمِّيَت غَزاةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ لِمَا كُنَّا نُعَصِّبُ عَلَى أَرجُلِنَا مِن الخِرَقِ.
وفي رواية: والله يجزي به، قال أبو بردة: فحدث أبو موسى بهذا الحديث، ثم كره ذاك، قال: كأنه كره أن يكون شيء من عمله أفشاه.
رواه البخاري (٤١٢٨)، ومسلم (١٨١٦).
* * *
ــ
عثمان بن عفان، وغزا نجدًا يريد بني محارب، وبني ثعلبة بن سعد بن غطفان، فتواقفوا ولم يكن بينهم قتال، وصلى رسول الله ﷺ يومئذ صلاة الخوف.
وفي تسمية هذه الغزوة بذات الرّقاع أربعة أقوال:
أحدها: ما قاله جابر.
والثاني: لأنهم رفعوا راياتهم.
والثالث: لشجرة هنالك كانت تدعى: ذات الرقاع، وكان المشاة يجعلون عليها رقاعًا.
والرابع: لجبل كان هناك، كانت أرضه ذات ألوان.
وفي هذا الحديث ما يدل على ما كانوا عليه من شدة الصبر والجلد، وتحمل تلك الشدائد العظيمة، وإخلاصهم في أعمالهم، وكراهية إظهار أعمال البر، والتحدث بها إذا لم تدع إلى ذلك حاجة.
* * *
стр. 1944
(٣٥) باب ترك الاستعانة بالمشركين
[١٣٣٢] عَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ بَدرٍ، فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الوَبَرَةِ، أَدرَكَهُ رَجُلٌ قَد كَانَ يُذكَرُ مِنهُ جُرأَةٌ وَنَجدَةٌ، فَفَرِحَ أَصحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَأَوهُ، فَلَمَّا أَدرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : جِئتُ لِأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تُؤمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَارجِع، فَلَن أَستَعِينَ بِمُشرِكٍ. قَالَ: ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ،
ــ
(٣٥) ومن باب: ترك الاستعانة بالمشركين
قوله: (فلما كان بحرَّة الوَبرة)؛ هو بفتح الباء والراء، وهي الرواية المعروفة، وقيده بعضهم بسكون الباء، وهو موضع على أربعة أميال من المدينة.
وقوله ﷺ : (ارجع، فلن أستعين بمشرك)، بظاهر هذا الحديث قال كافة العلماء؛ مالك وغيره، فكرهوا الاستعانة بالمشركين في الحرب. وقال مالك وأصحابه: لا بأس (١) أن يكونوا نواتية (٢) وخدَّامًا.
واختلف في استعمالهم برميهم بالمجانيق، فأجيز وكُرِه. وأجاز ابن حبيب: أن يستعمل من سالم منهم في قتال من حارب منهم. وقال بعض علمائنا بجواز ذلك، ويكونون ناحية من عسكر المسلمين. وقالوا: إنما قال النبي ﷺ ذلك في وقت مخصوص، لرجل مخصوص، لا على العموم. وظاهر الحديث حجَّة عليهم.
ثم إذا قلنا: يُستعان بهم. فهل يسهم لهم أو لا؟ قولان. وإلى الأول ذهب الزهري والأوزاعي. وإلى الثاني ذهب (٣) مالك، والشافعي، وأبو حنيفة،
стр. 1945
أَدرَكَهُ الرَّجُلُ. فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قَالَ: فَارجِع، فَلَن أَستَعِينَ بِمُشرِكٍ. قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ فَأَدرَكَهُ بِالبَيدَاءِ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ: تُؤمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ قَالَ: نَعَم، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَانطَلِق.
رواه أحمد (٣/ ١٤٨ و ١٤٩)، ومسلم (١٨١٧)، وأبو داود (٢٧٣٢)، والترمذي (١٥٥٨).
* * *
(٣٦) باب السن الذي يجاز في القتال
[١٣٣٣] عَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: عَرَضَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَومَ أُحُدٍ فِي القِتَالِ، وَأَنَا ابنُ أَربَعَ عَشرَةَ سَنَةً، فَلَم يُجِزنِي، وَعَرَضَنِي يَومَ الخَندَقِ، وَأَنَا ابنُ خَمسَ عَشرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي. قَالَ نَافِعٌ: فَقَدِمتُ عَلَى عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ،
ــ
وأبو ثور. وقال الشافعي مرة: لا يعطون من الفيء شيئا، ويعطون من سهم النبي ﷺ . وقال قتادة: لهم ما صالحوا عليه.
(٣٦) ومن باب: السن الذي يجاز في القتال
قول ابن عمر: (إن رسول الله ﷺ لم يجزه يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، وأجازه في الخندق، وهو ابن خمس عشرة سنة)؛ ظاهر كلام ابن عمر هذا: أنه كان بين غزوة أحد وغزوة الأحزاب سنة، وليس كذلك، فإن النبي ﷺ خرج إلى أحد في شوال سنة ثلاث من الهجرة، وكانت غزوة الخندق - وهي غزوة الأحزاب - في شوال من السنة الخامسة، فكان بينهما سنتان، ولذلك قال بعض العلماء: إن
стр. 1946
وَهُوَ يَومَئِذٍ خَلِيفَةٌ، فَحَدَّثتُهُ بهَذَا الحَدِيثَ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَحَدٌّ بَينَ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَن يَفرِضُوا لِمَن كَانَ ابنَ خَمسَ عَشرَةَ سَنَةً، وَمَن كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَاجعَلُوهُ فِي العِيَالِ.
وفي رواية: وأنا ابن أربع عشرة سنة، فاستصغرني.
ــ
ذكر الأحزاب هنا وهم، وإنما كانت غزوة ذات الرقاع، فإنها كانت في الرابعة من الهجرة، كما قدمناه آنفًا.
قلت: ويمكن أن يقال: لا وهم في ذلك؛ لإمكان أن يكون ابن عمر في غزوة أحد دخل في أول سنة أربع عشرة من حين مولده، وذلك في شوال في غزوة أحد، ثم كملت له سنة أربع عشرة في شوال من السنة الآتية، ثم دخل في الخامس عشر إلى شوالها الذي كانت فيه غزوة الأحزاب، فأراد: أنه كان في غزوة أحد في أول الرابعة، وفي غزوة الأحزاب في آخر الخامسة. والله تعالى أعلم.
وقد تمسكت طائفة من العلماء بهذا الحديث: على أن خمس عشرة سنة بلوغ لمن لم يحتلم ولا حاضت، وهو قول الشافعي، والأوزاعي، وابن حنبل، وابن وهب من أصحابنا. وأبى ذلك مالك، وأبو حنيفة، وغيرهما من الحجازيين، والمدنيين، والكوفيين. قال مالك: لا يحكم لمن لم يحتلم بحكم البلوغ حتى يبلغ ما لا يبلغه أحد إلا احتلم، وذلك: سبع عشرة. ورأوا: أن حديث ابن عمر إنما موجبه الفرق بين من يطيق القتال، ويسهم له، وهو ابن خمس عشرة سنة، ومن لا يطيقه، فلا يقسم له، فيجعل في العيال. وهذا هو الذي فهم عمر بن عبد العزيز من الحديث.
ولم يختلف في: أن الحلم والحيض بلوغ، واختلفوا في الإنبات البيِّن. فمنهم من قال: يستدل به على البلوغ، وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وروي عن القاسم، وسالم. وقاله مالك مرَّة. وقال الزهري وعطاء: لا حدّ على من لم يحتلم. وهو قول الشافعي، ولم يراع الإنبات، ومال إليه مالك مرَّة، وقال به بعض أصحابه.
стр. 1947
رواه أحمد (٢/ ١٧)، والبخاري (٢٦٦٤)، ومسلم (١٨٦٨) في الإمارة، وأبو داود (٤٤٠٦)، والترمذي (١٧١١)، والنسائي (٦/ ١٥٥ - ١٥٦)، وابن ماجه (٢٥٤٣).
* * *
(٣٧) باب النهي عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو
[١٣٣٤] عن ابنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن يُسَافَرَ بِالقُرآنِ إِلَى أَرضِ العَدُوِّ.
رواه أحمد (٢/ ٧)، والبخاري (٢٩٩٠)، ومسلم (١٨٦٩)(٩٢)، وأبو داود (٢٦١٠)، وابن ماجه (٢٨٧٩).
[١٣٣٥] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ : لَا تُسَافِرُوا بِالقُرآنِ،
ــ
وعلى الاختلاف في هذا الأصل اختلفوا في إنكاح اليتيمة لمجرد الإنبات. وروي عن الشافعي: أن الإنبات يحكم به في الكفار، فيقتل من أنبت، ويجعل من لم ينبت في الذراري والعيال، ولا يقتل، كما فعل النبي ﷺ في بني قريظة، وكما يروى منه مرفوعًا: (اقتلوا من جرت عليه المواسي) (١).
(٣٧) ومن باب: النهي عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو
قوله ﷺ : (لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو) (٢)؛ يعني بالقرآن: المصحف، وقد جاء مفسَّرًا في بعض الطرق. وظاهر هذا النهي: تحريم السفر به
стр. 1948
فَإِنِّي لَا آمَنُ أَن يَنَالَهُ العَدُوُّ. قَالَ أَيُّوبُ: فَقَد نَالَهُ العَدُوُّ وَخَاصَمُوكُم بِهِ.
رواه مسلم (١٨٦٩) في الإمارة (٩٤).
* * *
ــ
مطلقًا، فتستوي فيه الجيوش والسرايا. وهو مذهب مالك، وقدماء أصحابه، وسحنون، وابن حبيب. وذهب أبو حنيفة وغيره: إلى الفرق بين الجيوش العظام فيجاز ذلك فيها، وبين الصغار فيمنع ذلك فيها؛ نظرًا إلى العلة التي نص عليها في الحديث، حيث قال: (فإني لا آمن أن يناله العدو)؛ ونيل العدو له في الجيوش العظام نادر. ولأصحاب القول الأول بعد تسليم العلة المذكورة التمسك بسدّ الذريعة، وبأن نسيانه، وسقوطه ليس نادرًا.
وقوله: (فإني لا آمن أن يناله العدو)؛ ظاهره: أنه من قول النبي ﷺ لأنه متصل بما تقدَّم من كلام النبي ﷺ ، وكذلك رواه جماعة من الحفاظ الثقات متصلة به، ومن كلامه ﷺ ، وكذلك رواه عبد الرحمن بن مهدي، وابن وهب عن مالك، غير أن يحيى بن يحيى الأندلسي، ويحيى بن بكير روياها من قول مالك، وموقوفة عليه. ويمكن حمل هذه الرواية على أن مالكًا عرض له شك في رفعها فوقفها عليه، والظاهر رواية الجماعة المتقدمة.
وفي هذا الحديث ما يدل على أنه لا يمكن العدو من المصحف، ولا من بعضه؛ لئلا يستهزئ بذلك، ويستخف به. وأيضًا فإنهم على نجاسة وجنابة، ولا يعترض هذا بكتاب النبي ﷺ إلى هرقل، لما قدَّمناه في حديثه.
وقول أيوب: (وقد ناله العدو وخاصموكم به)؛ يعني: أنكم لما خالفتم ما قاله لكم نبيكم، فمكنتم عدوكم من المصحف نالوه، وتوجهت حجته عليكم، من حيث مخالفتكم نبيكم، وأيضًا: فلما وقفوا عليه وجدوا فيه ما يشهد عليكم بالمخالفة، مثل قوله تعالى: ﴿إِن يَكُن مِنكُم عِشرُونَ صَابِرُونَ﴾ الآيتين، وغير ذلك من الآيات التي ترك العمل بها.
стр. 1949
(٣٨) باب في المسابقة بالخيل، وأنها معقود في نواصيها الخير، وما يكره منها
[١٣٣٦] عَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَابَقَ بِالخَيلِ الَّتِي قَد أُضمِرَت مِن الحَفيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَينَ الخَيلِ الَّتِي لَم
ــ
(٣٨) ومن باب: المسابقة بالخيل
قوله: (سابق بالخيل التي قد أضمرت من الحفياء)؛ المسابقة مفاعلة، ولا تكون إلا من (١) اثنين، وذلك: أن المتسابقين إذا جعلا غاية، وقصدا نحوها، فإن كل واحد منهما يسابق صاحبه إليها. وإضمار الخيل: هو أن تسمن وتصان، ثم يقلل علفها، ثم تُجرى على التدريج، وتجلل ليجف عرقها، فتتصلب بفعل ذلك بها، حتى يذهب لحمها، وتبقى فيه (٢) القوة (٣).
و(الحفياء): موضع. و (الأمد): الغاية. وبين الحفياء وثنية الوداع خمسة أميال أو ستة على ما قاله سفيان. وقال ابن عقبة (٤): ستة أميال، أو سبعة. وسميت ثنية الوداع بذلك: لأن الخارج منها يودع مشيعهُ عندها، وهي التي قالت فيها نساء الأنصار فيما يحكى:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
يعنون بذلك النبي ﷺ . وبين الثنية ومسجد بني زريق ميل واحد. و (زريق) بتقديم الزاي هو الصواب.
стр. 1950
تُضمَر مِن الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسجِدِ بَنِي زُرَيقٍ، وَكَانَ ابنُ عُمَرَ فِيمَن سَابَقَ بِهَا.
ــ
ولا خلاف في جواز تضمير الخيل والمسابقة بها على الجملة، وكذلك الإبل، وعلى الأقدام، كما جرى في حديث سلمة بن الأكوع، وكذلك المراماة بالسهام، واستعمال الأسلحة، ولا شك في جواز شيء من ذلك؛ إذا لم يكن هنالك مراهنة؛ لأن ذلك كله مما ينتفع به في الحروب، ويحتاج إليه. إنما اختلفوا: هل ذلك من باب الندب، أو من باب الإباحة إذا لم يحتج إلى ذلك، فإن احتيج إلى شيء من ذلك كان حكمه بحسب الحاجة.
وأما المراهنة: فأجازها على الجملة مالك، والشافعي في الخفّ والحافر، والنصل، وذلك على ما يروى عن النبي ﷺ : (لا سبق إلا في خف، أو حافر، أو نصل) (١)، على أنه لا يروى هذا الحديث بإسناد صحيح، وهو مع ذلك مشهور عند العلماء، متداول بينهم. وقد منع بعض العلماء الرهان في كل شيء إلا في الخيل؛ لأنها التي كانت عادة العرب المراهنة عليها. وروي عن عطاء: السبق في كل شيء جائز. وقد تؤول عليه؛ لأن حمله على العموم في كل شيء يؤدي إلى إجازة القمار. وهو محرم باتفاق. ثم إن الذين أجازوا الرهان شرطوا فيها شروطًا، وذكروا لها صورًا منها متفق على جوازها، ومنها متفق على منعها، ومنها مختلف فيها. فالمتفق عليها: أن يخرج الإمام أو غيره متطوَّعًا سبقًا (٢)، ولا فرس له في الحلبة، فمن سبق فله ذلك السبق. وأما المتفق على منعه: فهو أن يخرج كل واحد من المتسابقين سَبقًا، ويشترط أنه إن سبق أمسك سبقه، وأخذ سبق صاحبه. فهذا قمار، فلا يجوز باتفاق؛ إذا لم يكن بينهما محلّلٌ. فإن أدخلا بينهما محللًا يكون له السبق، ولا يكون عليه شيء إن سُبق. فهذه مما اختلف فيها، فأجازها
стр. 1951
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ عَبدُ اللَّهِ: فَجِئتُ سَابِقًا فَطَفَّفَ بِي الفَرَسُ المَسجِدَ.
رواه البخاري (٢٨٦٨)، ومسلم (١٨٧٠)، وأبو داود (٢٥٧٥)، والترمذي (١٦٩٩)، والنسائي (٦/ ٢٢٦).
ــ
ابن المسيب، والشافعي، ومالك مرَّة، والمشهور عنه: أنه لا يجوز.
قلت: والصحيح: جوازه إن كان المحلل لا يأمن أن يُسبق؛ لما خرَّجه أبو داود عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: (من أدخل فرسًا بين فرسين، وهو لا يأمن أن يُسبق فليس بقمار، ومن أدخله وقد أمن أن يُسبق فهو قمار) (١). وأما إذا لم يكن بينهما محلل لم يجز؛ لأن مقصودهما المخاطرة، والمقامرة. وهو مذهب الزهري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق. وقد حُكي فيها الاتفاق، فلو كان للوالي أو غيره فرس في الحلبة، فيخرج سبقًا على أنه إن سبق هو حبس سبقه، وإن سُبق أخذ السبق السابق؛ فأجازها الليث، والشافعي، والثوري، وأبو حنيفة، وهو أحد أقوال مالك؛ لأن الأسباق على ملك أربابها، وهم فيها على ما شرطوه. ومنع ذلك مالك في قول آخر، وبعض أصحابه، وربيعة، والأوزاعي، وقالوا: لا يرجع إليه سبقه، وإنما يأكله من حضر إن سبق مُخرجه، إن لم يكن مع المتسابقين ثالث.
والمسابقة عقد لازم كالإجارة، فيشترط في السَبق ما يشترط في الأجرة من انتفاء الغرر والجهالة. ومن شرط جوازها: أن تكون الخيل متقاربة في النوع والحال. فمتى جهل (٢) حال أحدها، أو كان مع غير نوعه، كان السبق قمارًا باتفاق.
وقول ابن عمر: (فجئت سابقًا، فطفف بي الفرس المسجد)؛ أي: زاد على
стр. 1952
[١٣٣٧] وعَن جَرِيرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلوِي نَاصِيَةَ فَرَسٍ بِإِصبَعِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: الخَيلُ مَعقُودٌ بِنَوَاصِيهَا الخَيرُ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ: الأَجرُ وَالغَنِيمَةُ.
رواه أحمد (٤/ ٣٦١)، ومسلم (١٨٧٢)، والنسائي (٦/ ٢٢١).
[١٣٣٨] ونحوه، عن عُروَةَ البَارِقِيَّ، وابن عمر، وليس في حديثهما: رأيت رسول الله ﷺ يلوي ناصية فرس بإصبعه، وليس في حديث ابن عمر: إلى يوم القيامة.
رواه أحمد (٤/ ٣٧٥ - ٣٧٦)، والبخاري (٢٨٥٠)، ومسلم (١٨٧١) (٣/ ١٤٩٣) و (١٨٧٣) (٩٨ و ٩٩)، والترمذي (١٦٩٤).
ــ
الغاية المفروضة. وأصل التطفيف: العلو ومجاوزة الحد. ومنه قالوا: طففّ (١) كذا؛ أي: علا. وإناء طفان؛ أي: علا ما فيه. ومنه: التطفيف في الكيل؛ فإنه إذا أخذ لنفسه فقد علا على الحق. وإذا نقص غيره فقد أعلى حقه على حقه.
وقوله: (الخيل معقود في نواصيها الخير)؛ هذا الكلام جمع من أصناف البديع ما يعجز عنه كل بليغ، ومن سهولة الألفاظ ما يعجب، ويستطاب.
و(النواصي): جمع ناصية، وهي: الشعر المنسدل على الجبهة.
و(إلى يوم القيامة) متعلق بـ (معقود)، ويُفهم منه: دوام حكم الجهاد إلى يوم المعاد. و (الأجر والغنيمة) تفسير للخير المذكور. وهو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف. وهذا المعنى هو الذي عبّر عنه بالبركة في حديث أنس.
ولَيُّ النبي ﷺ ناصية فرسه بيده؛ ليحسها، ويتعاهدها، ويكرمها بذلك، كما قال: (ارتبطوا الخيل، وامسحوا بنواصيها، وأكفالها، وجلودها) (٢).
стр. 1953
[١٣٣٩] وعَن أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : البَرَكَةُ فِي نَوَاصِي الخَيلِ.
رواه أحمد (٣/ ١١٤)، والبخاري (٢٨٥١)، ومسلم (١٨٧٤)، والنسائي (٦/ ٢٢١).
[١٣٤٠] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكرَهُ الشِّكَالَ مِن الخَيلِ.
ــ
وقول أبي هريرة: (كان رسول الله ﷺ يكره الشكال من الخيل)؛ يحتمل أن يكون كره اسم الشكال من جهة اللفظ؛ لأنه يشعر بنقيض ما تُراد الخيل له. وهذا كما قال: (لا أحبُّ العقوق) (١)، ويحتمل أن يكرهه لما يقال: إن حوافر المشكل وأعضاءه ليس فيها من القوة ما في ما ليس كذلك. وقد جاء الشكال مفسَّرًا في تلك الرواية تفسيرًا ليس معروفًا عند اللغويين. قال أبو عبيد: الشكال: أن تكون منه ثلاث قوائم محجلة وواحدة مطلقة، أو يكون ثلاث قوائم مطلقة وواحد محجلة. ولا يكون الشكال إلا في الرِّجل، ولا يكون في اليد. وقال ابن دريد: هو أن يكون تحجيله في يد ورجل من شق واحد، فإن كان مخالفًا قيل: شكال مخالف. وقال أبو عمر المطرز: هو بياض الرِّجل اليمنى واليد اليسرى. وقيل: بياض الرجلين. وقيل: بياض اليدين والرجل الواحدة. وقيل: بياض الرجلين واليد الواحدة. وهذه أقوال اللغويين، وليس فيها ما يوافق ذلك التفسير إلا ما حكاه ابن دريد من الشكال
стр. 1954
وفي رواية: الشِّكَالُ: أَن يَكُونَ الفَرَسُ فِي رِجلِهِ اليُمنَى بَيَاضٌ، وَفِي يَدِهِ اليُسرَى، أَو فِي يَدِهِ اليُمنَى وَرِجلِهِ اليُسرَى.
رواه أحمد (٢/ ٢٥٠)، ومسلم (١٨٧٥) (١٠١ و ١٠٢)، وأبو داود (٢٥٤٧)، والترمذي (١٦٩٨)، والنسائي (٦/ ٢١٩).
* * *
(٣٩) باب الترغيب في الجهاد وفضله
[١٣٤١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَن خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخرِجُهُ إِلَّا جِهَاد فِي سَبِيلِي، وَإِيمَان بِي، وَتَصدِيقٌ بِرَسُولِي، فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَن أُدخِلَهُ الجَنَّةَ، أَو أَرجِعَهُ إِلَى مَسكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ
ــ
المخالف، فإن صح أن ذلك من قول النبي ﷺ فهو حق. والله تعالى أعلم.
وإن كان ذلك من قول بعض الرواة فالمعروف عند اللغويين ما قدَّمته من قول أبي عبيد.
(٣٩) ومن باب: الترغيب في الجهاد
قوله: (فهو عليّ ضامن)؛ قيل فيه: هو بمعنى مضمون. كما قالوا: ماء دافق؛ أي: مدفوق (١)، و: لا عاصم اليوم؛ أي: معصوم. وقيل معناه: ذو ضمان. كما قال في الحديث الآخر: (تكفل الله)؛ أي: ضمن. وهذا كله عبارة عن أن هذا الجزاء لا بد منه؛ إذ قد سبق هذا في علمه ونافذ حكمه. وعن هذا المعنى عبَّر بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشتَرَى مِنَ المُؤمِنِينَ أَنفُسَهُم وَأَموَالَهُم﴾ الآية؛ لأن من اشترى شيئا تعين عليه ثمنه، وكذلك من ضمنه.
وقوله: (أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه)؛ يعني: أن الله تعالى
стр. 1955
مِنهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِن أَجرٍ أَو غَنِيمَةٍ، وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! مَا مِن كَلمٍ يُكلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا جَاءَ يَومَ القِيَامَةِ كَهَيئَتِهِ حِينَ كُلِمَ. . .
ــ
ضمن له إحدى الحسنيين؛ إما الشهادة، فيصير إلى الجنة حيًّا يرزق فيها، وإما الرجوع إلى وطنه بالأجر والغنيمة.
وقوله: (نائلا ما نال من أجر أو غنيمة)؛ كذا لأكثر الرواة، بـ (أو) وهي هنا بمعنى الواو الجامعة على مذهب الكوفيين، وأنشدوا:
نال الخلافة أو كانت له قدرًا ... كما أتى ربه موسى على قدر (١)
وقد دلَّ على هذا المعنى رواية أبي داود لهذه اللفظة، فإنه قال فيها: (من أجر وغنيمة) بالواو الجامعة. وقد رواه بعض رواة كتاب مسلم بالواو. وذهب بعض العلماء إلى أنها (أو) على بابها لأحد الشيئين، وليست بمعنى الواو. وقال: إن الحاصل لمن لم يستشهد من الجهاد أحد الأمرين: إما الأجر؛ إن لم يغنم، وإما الغنيمة ولا أجر. وهذا ليس بصحيح؛ لما يأتي من حديث عبد الله بن عمرو: أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من غازية تغزو فيصيبوا ويغنموا إلا تعجلوا ثلثي أجورهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث) (٢)، وهذا نص في أنَّه يحصل له مجموع الأجر والغنيمة. فالوجه: التأويل الأول. والله تعالى أعلم.
وقوله: (ما من كلم يكلم في سبيل الله)؛ أي: ما من جرح يجرح في الجهاد الذي يبتغى به وجه الله.
وقوله: (إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم)؛ فيه دليل: على أن الشهيد لا يغسل. وهو قول الجمهور. وقد تقدم في الجنائز.
стр. 1956
لَونُهُ لَونُ دَمٍ، وَرِيحُهُ ريح مِسكٌ، وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَولَا أَن يَشُقَّ عَلَى المُسلِمِينَ، مَا قَعَدتُ خِلَافَ سَرِيَّةٍ تَغزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَبَدًا، وَلَكِن لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحمِلَهُم، وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً، وَيَشُقُّ عَلَيهِم أَن يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَوَدِدتُ أَن أَغزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقتَلُ، ثُمَّ أَغزُو فَأُقتَلُ، ثُمَّ أَغزُو فَأُقتَلُ.
رواه مسلم (١٨٧٦)(١٠٣)، والنسائي (٨/ ١١٩).
[١٣٤٢] وعَنه: عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَن جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخرِجُهُ مِن بَيتِهِ إِلَّا جِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصدِيقُ كَلِمَتِهِ، بِأَن يُدخِلَهُ الجَنَّةَ، أَو
ــ
وقوله: (لونه لون دم، وريحه ريح مسك)، وفي الرواية الأخرى: (وجرحه يثعب دمًا)؛ أي: يسيل. وقد يستدل بهذا الحديث على أن تغير ريح الماء بالمخالط النجس لا يخرجه عن أصله، كما لم يخرج الدم عن كونه دمًا استحالة رائحته إلى رائحة المسك، وهو قول عبد الملك في رائحة الماء أنها لا تفسده، ولا تخرجه عن أصله. وقد استدل به أيضًا على نقيض ذلك، وهو: أن تغير الرائحة يخرجه عن أصله، كما هو مذهب الجمهور. ووجه هذا الاستدلال: أن الدم لما استحالت رائحته إلى رائحة المسك خرج عن كونه مستخبثًا نجسًا، فإنه صار مسكًا، وإن المسك بعض دم الغزال، فكذلك الماء إذا تغيرت رائحته. وأخرج البخاري هذا الحديث في: المياه. وتؤول له كلا التأويلين.
وقوله: (والله أعلم بمن يكلم في سبيله)؛ تنبيه على: وجوب الإخلاص في الجهاد، وتنويه بالمخلص فيه، واستبعاد للإخلاص، وإشعار بقلته.
وقوله: (وتصديق كلماته)؛ بالجمع. وفي غير كتاب مسلم: (كلمته) (١).
стр. 1957
يَرجِعَهُ إِلَى مَسكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ مَعَ مَا نَالَ مِن أَجرٍ أَو غَنِيمَةٍ.
رواه أحمد (٢/ ٣٩٩)، والبخاري (٣١٢٣)، ومسلم (١٨٧٦)(١٠٤)، والنسائي (٦/ ١٦).
[١٣٤٣] وعَنه: عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يُكلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَعلَمُ بِمَن يُكلَمُ فِي سَبِيلِهِ- إِلَّا جَاءَ يَومَ القِيَامَةِ وَجُرحُهُ يَثعَبُ، اللَّونُ لَونُ الدَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ المِسكٍ.
رواه مسلم (١٨٧٦)(١٠٥).
[١٣٤٤] وعَنه قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ- ﷺ : مَا يَعدِلُ الجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا تَستَطِيعُونَهُ. قَالَ: فَأَعَادُوا عَلَيهِ مَرَّتَينِ أَو ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ:
ــ
وكل متقارب في المعنى؛ يعني به: كلام الله تعالى الذي أخبر به عن ثواب الجهاد، وفضل الشهادة.
وسُمي الشهيد شهيدًا؛ لأنه حي يرزق، ويشاهد الجنة، وما أكرمه الله تعالى به. وقيل: لأنه ممن يشهد على الأمم يوم القيامة. وقيل: لأن الله تعالى وملائكته شهدوا له بالرضا والرضوان. فعلى هذا يكون فعيل بمعنى: مفعول؛ أي: مشهود له. وعلى التأويلين الأولين بمعنى: فاعل.
وقوله: (ما يعدل)؛ أي: ما يعادله ويماثله في الثواب عند الله تعالى؟
وقوله: (لا تستطيعونه)؛ أي: لا تطيقون أن تفعلوا ما يساوي ثواب الجهاد. ووجهه: أن كل ما يصدر من المجاهد في حالتي نومه ويقظته، وسكونه وحركته هو عمل صالح يكتب له ثوابه دائمًا، بدوام أفعاله، إذ لا يتأتى لغيره فيه؛ لأنه على كل حال في الجهاد، وملابس أحواله، وذلك: أن المجاهد إما أن ينال من العدو، أو يغيظه، أو يروّعه، أو يكثر سواد المسلمين، أو يصيبه نصب أو مخمصة. وكل ذلك أعمال كثيرة لها أجور عظيمة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُم
стр. 1958
لَا تَستَطِيعُونَهُ. قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ القَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ، لَا يَفتُرُ مِن صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ، حَتَّى يَرجِعَ المُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
رواه مسلم (١٨٧٨)، والنسائي (٦/ ١٩).
[١٣٤٥] وعَن أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَغَدوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَو رَوحَةٌ، خَيرٌ مِن الدُّنيَا وَمَا فِيهَا.
رواه أحمد (٣/ ١٣٢)، والبخاري (٢٧٩٢)، ومسلم (١٨٨٠)، والترمذي (١٦٥١)، وابن ماجه (٢٧٥٧).
ــ
لا يُصِيبُهُم ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوطِئًا يَغِيظُ الكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيلا إِلا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجرَ المُحسِنِينَ﴾ وعلى هذا نبه النبي ﷺ حيث قال: (مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم، القائم، القانت بآيات الله، لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله) (١). فشبه المستغرق في أفضل العبادات التي هي الصوم والصلاة، الخاشع فيها؛ الذي لا يفتر بالمجاهد؛ لذلك المعنى الذي ذكرنا.
و(القائم)؛ يعني به: في الصلاة. و (القانت): الخاشع فيها.
و(الغدوة) - بفتح الغين-: واحدة المشي في الغدوِّ. وبضم الغين: وهو البكور. و (الروحة): المشية في الرواح، وهو الرجوع بالعشيّ. وأول العشي: الزوال. وقد تقدَّم هذا في الجمعة.
وقوله: (خير من الدنيا وما فيها)، وفي الرواية الأخرى: (مما طلعت عليه الشمس)؛ يعني: أن الثواب الحاصل على مشية واحدة في الجهاد خير لصاحبه من
стр. 1959
[١٣٤٦] وفي حديث أبي أيوب: خَيرٌ مِمَّا طَلَعَت عَلَيهِ الشَّمسُ أوَ غَرَبَت.
رواه مسلم (١٨٨٣).
[١٣٤٧] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَن رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَجَبَت لَهُ الجَنَّةُ. فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ، فَقَالَ: أَعِدهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَفَعَلَ، ثُمَّ قَالَ: وَأُخرَى يُرفَعُ بِهَا العَبدُ مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الجَنَّةِ، مَا بَينَ كُلِّ دَرَجَتَينِ كَمَا
ــ
الدنيا كلها لو جمعت له بحذافيرها. وهذا كما قال في الحديث الآخر: (وموضع قوس أحدكم أو سوطه في الجنة خير من الدنيا وما فيها) (١). هذا منه ﷺ إنما هو على ما استقر في النفوس من تعظيم ملك الدنيا. وأما على التحقيق فلا تدخل الجنة تحت (أفعل) إلا كما يقال: العسل أحلى من الخل. وقد قيل: إن معنى ذلك- والله أعلم- أن ثواب الغدوة والروحة أفضل من الدنيا وما فيها لو ملكها مالك، فأنفقها في وجوه البر والطاعة غير الجهاد. وهذا أليق، والأول أسبق.
وقوله: (من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ رسولًا، وجبت له الجنَّة)؛ أي: من مات على ذلك فلا بدَّ له من دخول الجنَّة قطعًا، ولو دخل النار في كبائر عليه فمآله إلى الجنة على كل حال.
وقوله ﷺ : (وأخرى يرفع بها العبد مائة درجة)؛ أي: خصلة أخرى. والدرجة: المنزلة الرفيعة، ويراد بها غرف الجنة ومراتبها؛ التي أعلاها الفردوس، كما جاء في الحديث. ولا يظن من هذا: أن درجات الجنة محصورة بهذا العدد،
стр. 1960
بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ. قَالَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
رواه أحمد (٣/ ١٤)، ومسلم (١٨٨٤)، والنسائي (٦/ ١٩).
* * *
ــ
بل هي أكثر من ذلك، ولا يُعلم حصرها ولا عددها إلا الله تعالى، ألا تراه قد قال في الحديث الآخر: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها) (١)؛ فهذا يدل: على أن في الجنة درجات على عدد آي القرآن، وهي نيف على ستة آلاف آية، فإذا اجتمعت للإنسان فضيلة الجهاد مع فضيلة القرآن، جمعت له تلك الدرجات كلها. وهكذا ما زادت أعماله زادت درجاته. والله تعالى أعلم (٢).
* * *
стр. 1961
(٤٠) باب فضل القتل في سبيل الله تعالى
[١٣٤٨] عن أَنَسَ بنَ مَالِكٍ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَا مِن أَحَدٍ يَدخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أَن يَرجِعَ إِلَى الدُّنيَا، وَأَنَّ لَهُ مَا عَلَى الأَرضِ مِن شَيءٍ غَيرُ الشَّهِيدِ، فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَن يَرجِعَ فَيُقتَلَ عَشرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِن الكَرَامَةِ.
وفي رواية: لما يرى من فضل الشهادة.
رواه أحمد (٣/ ١٠٣)، والبخاري (٢٨١٧)، ومسلم (١٨٧٧)، (١٠٨ و ١٠٩)، والترمذي (١٦٤٣)، والنسائي (٦/ ٣٦).
[١٣٤٩] وعَن أَبِي قَتَادَةَ: عن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَامَ فِيهِم فَذَكَرَ لَهُم: أَنَّ الجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالإِيمَانَ بِاللَّهِ أَفضَلُ الأَعمَالِ. فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ:
ــ
(٤٠) ومن باب: فضل القتل في سبيل الله تعالى
قوله: (إن الإيمان والجهاد أفضل الأعمال)؛ الإيمان هنا: هو المذكور في حديث جبريل، ولا شك في أنه أفضل الأعمال؛ فإنه راجع إلى معرفة الله ورسوله، وما جاء به، وهو المصحح لأعمال الطاعات كلها، المتقدم عليها في الرتبة والمرتبة، وإنما قرن به الجهاد هنا في الأفضلية، وإن لم يجعله من جملة مباني الإسلام التي ذكرها في حديث ابن عمر؛ لأنه لم يتمكن من إقامة تلك المباني على تمامها وكمالها، ولم يظهر دين الإسلام على الأديان كلها إلا بالجهاد، فكأنه أصل في إقامة الدِّين والإيمان، أصل في تصحيح الدِّين، فجمع بين الأصلين في الأفضلية. والله تعالى أعلم.
وقد حصل من مجموع هذه الأحاديث: أن الجهاد أفضل من جميع العبادات العملية، ولا شك في هذا عند تعيينه على كل مكلف
стр. 1962
يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيتَ إِن قُتِلتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أيُكَفَّرُ الله عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ
ــ
يقدر عليه، كما كان في أوّل الإسلام، وكما قد تعيَّن في هذه الأزمان (١)؛ إذ قد استولى على المسلمين أهل الكفر والطغيان، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأمَّا إذا لم يتعين فحينئذ تكون الصلاة أفضل منه، على ما جاء في حديث أبي ذر؛ إذ سُئل عن أفضل الأعمال فقال: (الصلاة على مواقيتها) (٢).
وقول السَّائل: (أرأيت إن قتلت في سبيل؛ أتكفر عني خطاياي)؛ هذا بحكم عمومه يشمل جميع الخطايا، ما كان من حقوق الله تعالى، وما كان من حقوق الآدميين. فجوابه بـ (نعم) مطلقًا يقتضي تكفير جميع ذلك، لكن الاستثناء الوارد بعد هذا يبيّن أن هذا الخبر ليس على عمومه؛ وإنما يتناول حقوق الله تعالى خاصَّة لقوله ﷺ : (إلا الدَّين). وذكره الدَّين تنبيه على ما في معناه من تعلق حقوق الغير بالذمم، كالغصب، وأخذ المال بالباطل، وقتل العمد، وجراحه، وغير ذلك من التبعات، فإن كل هذا أولى بأن لا يغفر بالجهاد من الدَّين، لكن هذا كله إذا امتنع من أداء الحقوق مع تمكنه منه، وأما إذا لم يجد للخروج من ذلك سبيلًا؛ فالمرجو من كرم الله تعالى إذا صدق في قصده، وصحت توبته أن يُرضي الله تعالى خصومه عنه، كما قد جاء نصًّا في حديث أبي سعيد الخدري المشهور في هذا، وقد دلَّ على صحة ما ذكرناه قوله ﷺ : (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة) (٣)، الحديث، وسيأتي إن شاء الله تعالى. ولا يلتفت إلى قول من قال: إن هذا الذي ذكره من الدَّين إنما كان قبل قوله ﷺ : (من ترك دينًا أو ضياعًا فعليَّ) (٤)، الحديث؛ يشير بذلك إلى أن ذلك المعنى منسوخ. فإنه قول باطل
стр. 1963
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَم، إِن قُتِلتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَنتَ صَابِرٌ مُحتَسِبٌ، مُقبِلٌ غَيرُ مُدبِرٍ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَيفَ قُلتَ؟ . قَالَ: أَرَأَيتَ إِن قُتِلتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَم، وَأَنتَ صَابِرٌ مُحتَسِبٌ، مُقبِلٌ غَيرُ مُدبِرٍ، إِلَّا الدَّينَ، فَإِنَّ جِبرِيلَ قَالَ لِي ذَلِكَ.
رواه مسلم (١٨٨٥)(١١٧)، والترمذي (١٧١٢)، والنسائي (٦/ ٣٤).
[١٣٥٠] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرِو: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: القَتلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شَيءٍ إِلَّا الدَّينَ.
رواه مسلم (١٨٨٦)(١٢٠).
ــ
مفسوخ؛ فإن المقصود من هذا الحديث بيان أحكام الديون في الدنيا، وذلك: أنه كان من أحكامها دوام المطالبة، وإن كان الإعسار. وقال بعض الرواة: إن الحر كان يباع في الدين. وامتنع النبي ﷺ من الصلاة على من مات وعليه دينار ولم يجد وفاءً له. فهذه الأحكام وأشباهها هي التي يمكن أن تنسخ، والحديث الأول لم يتعرض لهذه الأحكام؛ وإنما تعرض لمغفرة الذنوب فقط. هذا إذا قلنا: إن هذا ناسخ. فأما إذا حققنا النظر فيه فلا يكون ناسخًا، وإنما غايته: أن تحمل النبي ﷺ على مقتضى كرم خلقه عن المعسر دينه، وسدّ ضيعة الضائع. وقد دل على ذلك قوله ﷺ في هذا الحديث بعينه: (أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، وأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم) (١)؛ فعلى هذا يكون هذا التحمل خصوصًا به، أو من جملة تبرعاته لما وسّع الله عليه، وعلى المسلمين. وقد قيل في معنى هذا الحديث: إن معنى ذلك: أن النبي ﷺ قام بذلك من مال الخمس والفيء ليبين: أن للغارمين ولأهل الحاجة حقًّا في بيت مال المسلمين، وإن الناظر لهم يجب عليه القيام بذلك لهم، والله تعالى أعلم.
стр. 1964
[١٣٥١] وعَن مَسرُوقٍ قَالَ: سَأَلنَا عَبدَ اللَّهِ عَن هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلا
ــ
وفيه من الفقه: جواز تأخير الاستثناء قدرًا قليلًا؛ لأنه أطلق أولًا، فلما ولى دعاه، فذكر له الاستثناء، وقد يجاب عنه: بأنه لما أراد أن يستثني أعاد اللفظ الأوّل، ووصل الاستثناء به في الحال، فلا يجوز التأخير، ويدل على ذلك: أن الاستثناء والتخصيص وغيرهما الصادرة عنه ﷺ كلٌّ من عند الله، لا من عند النبي ﷺ بالاجتهاد، وقد تقدَّم الاختلاف في هذا الأصل.
وقول مسروق: (سألنا عبد الله عن هذه الآية)؛ هو عبد الله بن مسعود، وهكذا في رواية أبي بحر: (سألنا عبد الله بن مسعود)، ومن قال فيه: عبد الله بن عمرو فقد أخطأ.
وقول عبد الله: (أما إنا سألنا عن ذلك فقال)؛ كذا صحَّت الرواية، ولم يذكر فيها (رسول الله ﷺ )، وهو المراد منها قطعًا. ألا ترى قوله: (فقال)؛ وأسند الفعل إلى ضميره، وإنما سكت عنه للعلم به، فهو مرفوع، وليس هذا المعنى الذي في هذا الحديث مما يتوصل إليه بعقل ولا قياس، وإنما يُتوصل إليه بالوحي، فلا يُقال: هو موقوف على عبد الله بن مسعود.
وقد تضمَّن هذا الحديث تفسير قوله تعالى: ﴿بَل أَحيَاءٌ عِندَ رَبِّهِم يُرزَقُونَ﴾ وأن معنى حياة الشهداء: أن لأرواحهم من خصوص الكرامة ما ليس لغيرهم، بأن جعلت في جوف طير، كما في هذا الحديث، أو في حواصل طير خضر، كما في الحديث الآخر، صيانة لتلك الأرواح، ومبالغة في إكرامها، لإطلاعها على ما في الجنة من المحاسن والنعم، كما يطلع الراكب المظلل عليه بالهودج الشفاف؛ الذي لا يحجب عما وراءه. ثم يدركون في تلك الحال التي يسرحون فيها من روائح الجنة، وطيبها، ونعيمها، وسرورها ما يليق بالأرواح مما ترتزق وتنتعش به. وأما اللذات الجسمانية فإذا أعيدت تلك الأرواح إلى أجسادها استوفت من النعيم جميع ما أعدَّ الله تعالى لها، ثم إن أرواحهم بعد سرحها في
стр. 1965
تَحسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَموَاتًا بَل أَحيَاءٌ عِندَ رَبِّهِم يُرزَقُونَ﴾ فقَالَ: أَمَا إِنَّا سَأَلنَا عَن ذَلِكَ فَقَالَ: إن أَروَاحُهُم فِي جَوفِ طَيرٍ
ــ
الجنة ترجع تلك الطير بهم إلى مواضع مكرَّمة مشرَّفة منوَّرة عبّر عنها بالقناديل؛ لكثرة أنوارها، وشدّتها. والله تعالى أعلم.
وهذه الكرامات كلها مخصوصة بالشهداء كما دلت عليه الآية وهذا الحديث، وأما حديث مالك الذي قال فيه: (إنما نسمة المؤمن طائر يعلّق في ثمر الجنة) (١)؛ فالمراد بالمؤمن هنا: الشهيد.
والحديثان واحد في المعنى، وهو من باب حمل المطلق على المقيد. وقد دل على صحة هذا قوله في الحديث الآخر: (إذا مات الإنسان عرض عليه مقعده بالغداة والعشي من الجنة والنار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة) (٢)؛ فالمؤمن غير الشهيد هو الذي يُعرض عليه مقعده من الجنة وهو في موضعه من القبر أو الصور، أو حيث شاء الله تعالى غير سارح في الجنة، ولا داخل فيها؛ وإنما يدرك منزلته فيها بخلاف الشهيد؛ فإنه يباشر ذلك ويشاهده وهو فيها، على ما تقدَّم، وكذلك أرواح الكفار تشاهد ما أعد الله لها من العذاب عند عرض ذلك عليها، كما قال تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعرَضُونَ عَلَيهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَومَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدخِلُوا آلَ فِرعَونَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ وعند هذا العرض تدرك روح الكافر من الألم، والتخويف، والحزن، والعذاب بالانتظار ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فنسأل الله العافية. كما أنه يحصل للمؤمن عند عرض الجنة من الفرح، والسرور، والتنعم بانتظار المحبوب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فإذا أعيدت الأرواح إلى الأجساد استكمل كل فريق منهم ما أعد الله له. وبهذا الذي ذكرناه تلتئم الأحاديث، وتتفق. والله الموفق.