← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

(٤٠) باب فضل القتل في سبيل الله تعالى [١٣٤٨] عن أَنَسَ بنَ مَالِكٍ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَا مِن أَحَدٍ يَدخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أَن يَرجِعَ إِلَى الدُّنيَا، وَأَنَّ لَهُ مَا عَلَى الأَرضِ مِن شَيءٍ غَيرُ الشَّهِيدِ، فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَن يَرجِعَ فَيُقتَلَ عَشرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِن الكَرَامَةِ. وفي رواية: لما يرى من فضل الشهادة. رواه أحمد (٣/ ١٠٣)، والبخاري (٢٨١٧)، ومسلم (١٨٧٧)، (١٠٨ و ١٠٩)، والترمذي (١٦٤٣)، والنسائي (٦/ ٣٦). [١٣٤٩] وعَن أَبِي قَتَادَةَ: عن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَامَ فِيهِم فَذَكَرَ لَهُم: أَنَّ الجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالإِيمَانَ بِاللَّهِ أَفضَلُ الأَعمَالِ. فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: ــ (٤٠) ومن باب: فضل القتل في سبيل الله تعالى قوله: (إن الإيمان والجهاد أفضل الأعمال)؛ الإيمان هنا: هو المذكور في حديث جبريل، ولا شك في أنه أفضل الأعمال؛ فإنه راجع إلى معرفة الله ورسوله، وما جاء به، وهو المصحح لأعمال الطاعات كلها، المتقدم عليها في الرتبة والمرتبة، وإنما قرن به الجهاد هنا في الأفضلية، وإن لم يجعله من جملة مباني الإسلام التي ذكرها في حديث ابن عمر؛ لأنه لم يتمكن من إقامة تلك المباني على تمامها وكمالها، ولم يظهر دين الإسلام على الأديان كلها إلا بالجهاد، فكأنه أصل في إقامة الدِّين والإيمان، أصل في تصحيح الدِّين، فجمع بين الأصلين في الأفضلية. والله تعالى أعلم. وقد حصل من مجموع هذه الأحاديث: أن الجهاد أفضل من جميع العبادات العملية، ولا شك في هذا عند تعيينه على كل مكلف

стр. 1962

يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيتَ إِن قُتِلتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أيُكَفَّرُ الله عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ ــ يقدر عليه، كما كان في أوّل الإسلام، وكما قد تعيَّن في هذه الأزمان (١)؛ إذ قد استولى على المسلمين أهل الكفر والطغيان، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأمَّا إذا لم يتعين فحينئذ تكون الصلاة أفضل منه، على ما جاء في حديث أبي ذر؛ إذ سُئل عن أفضل الأعمال فقال: (الصلاة على مواقيتها) (٢). وقول السَّائل: (أرأيت إن قتلت في سبيل؛ أتكفر عني خطاياي)؛ هذا بحكم عمومه يشمل جميع الخطايا، ما كان من حقوق الله تعالى، وما كان من حقوق الآدميين. فجوابه بـ (نعم) مطلقًا يقتضي تكفير جميع ذلك، لكن الاستثناء الوارد بعد هذا يبيّن أن هذا الخبر ليس على عمومه؛ وإنما يتناول حقوق الله تعالى خاصَّة لقوله ﷺ : (إلا الدَّين). وذكره الدَّين تنبيه على ما في معناه من تعلق حقوق الغير بالذمم، كالغصب، وأخذ المال بالباطل، وقتل العمد، وجراحه، وغير ذلك من التبعات، فإن كل هذا أولى بأن لا يغفر بالجهاد من الدَّين، لكن هذا كله إذا امتنع من أداء الحقوق مع تمكنه منه، وأما إذا لم يجد للخروج من ذلك سبيلًا؛ فالمرجو من كرم الله تعالى إذا صدق في قصده، وصحت توبته أن يُرضي الله تعالى خصومه عنه، كما قد جاء نصًّا في حديث أبي سعيد الخدري المشهور في هذا، وقد دلَّ على صحة ما ذكرناه قوله ﷺ : (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة) (٣)، الحديث، وسيأتي إن شاء الله تعالى. ولا يلتفت إلى قول من قال: إن هذا الذي ذكره من الدَّين إنما كان قبل قوله ﷺ : (من ترك دينًا أو ضياعًا فعليَّ) (٤)، الحديث؛ يشير بذلك إلى أن ذلك المعنى منسوخ. فإنه قول باطل

стр. 1963

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَم، إِن قُتِلتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَنتَ صَابِرٌ مُحتَسِبٌ، مُقبِلٌ غَيرُ مُدبِرٍ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَيفَ قُلتَ؟ . قَالَ: أَرَأَيتَ إِن قُتِلتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَم، وَأَنتَ صَابِرٌ مُحتَسِبٌ، مُقبِلٌ غَيرُ مُدبِرٍ، إِلَّا الدَّينَ، فَإِنَّ جِبرِيلَ قَالَ لِي ذَلِكَ. رواه مسلم (١٨٨٥) (١١٧)، والترمذي (١٧١٢)، والنسائي (٦/ ٣٤). [١٣٥٠] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرِو: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: القَتلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شَيءٍ إِلَّا الدَّينَ. رواه مسلم (١٨٨٦) (١٢٠). ــ مفسوخ؛ فإن المقصود من هذا الحديث بيان أحكام الديون في الدنيا، وذلك: أنه كان من أحكامها دوام المطالبة، وإن كان الإعسار. وقال بعض الرواة: إن الحر كان يباع في الدين. وامتنع النبي ﷺ من الصلاة على من مات وعليه دينار ولم يجد وفاءً له. فهذه الأحكام وأشباهها هي التي يمكن أن تنسخ، والحديث الأول لم يتعرض لهذه الأحكام؛ وإنما تعرض لمغفرة الذنوب فقط. هذا إذا قلنا: إن هذا ناسخ. فأما إذا حققنا النظر فيه فلا يكون ناسخًا، وإنما غايته: أن تحمل النبي ﷺ على مقتضى كرم خلقه عن المعسر دينه، وسدّ ضيعة الضائع. وقد دل على ذلك قوله ﷺ في هذا الحديث بعينه: (أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، وأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم) (١)؛ فعلى هذا يكون هذا التحمل خصوصًا به، أو من جملة تبرعاته لما وسّع الله عليه، وعلى المسلمين. وقد قيل في معنى هذا الحديث: إن معنى ذلك: أن النبي ﷺ قام بذلك من مال الخمس والفيء ليبين: أن للغارمين ولأهل الحاجة حقًّا في بيت مال المسلمين، وإن الناظر لهم يجب عليه القيام بذلك لهم، والله تعالى أعلم.

стр. 1964

[١٣٥١] وعَن مَسرُوقٍ قَالَ: سَأَلنَا عَبدَ اللَّهِ عَن هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلا ــ وفيه من الفقه: جواز تأخير الاستثناء قدرًا قليلًا؛ لأنه أطلق أولًا، فلما ولى دعاه، فذكر له الاستثناء، وقد يجاب عنه: بأنه لما أراد أن يستثني أعاد اللفظ الأوّل، ووصل الاستثناء به في الحال، فلا يجوز التأخير، ويدل على ذلك: أن الاستثناء والتخصيص وغيرهما الصادرة عنه ﷺ كلٌّ من عند الله، لا من عند النبي ﷺ بالاجتهاد، وقد تقدَّم الاختلاف في هذا الأصل. وقول مسروق: (سألنا عبد الله عن هذه الآية)؛ هو عبد الله بن مسعود، وهكذا في رواية أبي بحر: (سألنا عبد الله بن مسعود)، ومن قال فيه: عبد الله بن عمرو فقد أخطأ. وقول عبد الله: (أما إنا سألنا عن ذلك فقال)؛ كذا صحَّت الرواية، ولم يذكر فيها (رسول الله ﷺ )، وهو المراد منها قطعًا. ألا ترى قوله: (فقال)؛ وأسند الفعل إلى ضميره، وإنما سكت عنه للعلم به، فهو مرفوع، وليس هذا المعنى الذي في هذا الحديث مما يتوصل إليه بعقل ولا قياس، وإنما يُتوصل إليه بالوحي، فلا يُقال: هو موقوف على عبد الله بن مسعود. وقد تضمَّن هذا الحديث تفسير قوله تعالى: ﴿بَل أَحيَاءٌ عِندَ رَبِّهِم يُرزَقُونَ﴾ وأن معنى حياة الشهداء: أن لأرواحهم من خصوص الكرامة ما ليس لغيرهم، بأن جعلت في جوف طير، كما في هذا الحديث، أو في حواصل طير خضر، كما في الحديث الآخر، صيانة لتلك الأرواح، ومبالغة في إكرامها، لإطلاعها على ما في الجنة من المحاسن والنعم، كما يطلع الراكب المظلل عليه بالهودج الشفاف؛ الذي لا يحجب عما وراءه. ثم يدركون في تلك الحال التي يسرحون فيها من روائح الجنة، وطيبها، ونعيمها، وسرورها ما يليق بالأرواح مما ترتزق وتنتعش به. وأما اللذات الجسمانية فإذا أعيدت تلك الأرواح إلى أجسادها استوفت من النعيم جميع ما أعدَّ الله تعالى لها، ثم إن أرواحهم بعد سرحها في

стр. 1965

تَحسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَموَاتًا بَل أَحيَاءٌ عِندَ رَبِّهِم يُرزَقُونَ﴾ فقَالَ: أَمَا إِنَّا سَأَلنَا عَن ذَلِكَ فَقَالَ: إن أَروَاحُهُم فِي جَوفِ طَيرٍ ــ الجنة ترجع تلك الطير بهم إلى مواضع مكرَّمة مشرَّفة منوَّرة عبّر عنها بالقناديل؛ لكثرة أنوارها، وشدّتها. والله تعالى أعلم. وهذه الكرامات كلها مخصوصة بالشهداء كما دلت عليه الآية وهذا الحديث، وأما حديث مالك الذي قال فيه: (إنما نسمة المؤمن طائر يعلّق في ثمر الجنة) (١)؛ فالمراد بالمؤمن هنا: الشهيد. والحديثان واحد في المعنى، وهو من باب حمل المطلق على المقيد. وقد دل على صحة هذا قوله في الحديث الآخر: (إذا مات الإنسان عرض عليه مقعده بالغداة والعشي من الجنة والنار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة) (٢)؛ فالمؤمن غير الشهيد هو الذي يُعرض عليه مقعده من الجنة وهو في موضعه من القبر أو الصور، أو حيث شاء الله تعالى غير سارح في الجنة، ولا داخل فيها؛ وإنما يدرك منزلته فيها بخلاف الشهيد؛ فإنه يباشر ذلك ويشاهده وهو فيها، على ما تقدَّم، وكذلك أرواح الكفار تشاهد ما أعد الله لها من العذاب عند عرض ذلك عليها، كما قال تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعرَضُونَ عَلَيهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَومَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدخِلُوا آلَ فِرعَونَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ وعند هذا العرض تدرك روح الكافر من الألم، والتخويف، والحزن، والعذاب بالانتظار ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فنسأل الله العافية. كما أنه يحصل للمؤمن عند عرض الجنة من الفرح، والسرور، والتنعم بانتظار المحبوب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فإذا أعيدت الأرواح إلى الأجساد استكمل كل فريق منهم ما أعد الله له. وبهذا الذي ذكرناه تلتئم الأحاديث، وتتفق. والله الموفق.

стр. 1966

خُضرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرشِ، تَسرَحُ في الجَنَّةِ حَيثُ شَاءَت، ثُمَّ تَأوِي ــ وقد حصل من مجموع الكتاب والسنة. أن الأرواح باقية بعد الموت، وأنها متنعمة، أو معذبة إلى يوم القيامة. وقد اختلف الناس في الأرواح قديمًا وحديثًا ما هي؟ وعلى أي حال هي؟ اختلافًا كثيرًا، واضطربوا فيها اضطرابًا شديدًا؛ الواقف عليه يتحقق أن الكل منهم على غير بصيرة منها؛ وإنما هي أقوال صادرة عن ظنون متقاربة (١)، ولا يشك في أنه مما انفرد الله تعالى بعلم حقيقته. وعلى هذا المعنى حمل أكثر المفسرين قوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أَمرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِنَ العِلمِ إِلا قَلِيلا﴾ فليقطع العاقل طمعه من علم حقيقته، ولينظر هل ورد في الأقوال الصادقة ما يدل على شيء من صفته؟ وعند تصفح ذلك، واستقراء ما هنالك يحصل للباحث: أن الروح أمر (٢) ينفخ في الجسد، ويقبض منه، ويتوفى بالنوم والموت، ويؤمن، ويكفر، ويعلم، ويجهل، ويفرح، ويحزن، ويتنعم، ويتألم، ويخرج، ويدخل، والإنسان يجد من ذاته بضرورته قابلًا للعلوم وأضدادها، وللفكر وأضدادها، ولغير ذلك من المعاني، فيحصل من مجموع تلك الأمور على القطع: أن الروح ليس من قبيل الأعراض لاستحالة كل ما ذكر عليها، فيلزم أن يكون الروح من قبيل ما يقوم بنفسه، وأنه قابل للأعراض. وهل هو متحيز أو ليس بمتحيز؟ ذهبت طوائف من الأوائل، ومن نحا نحوهم من الإسلاميين، إلى أنه قائم بنفسه غير متحيز. وذهب أكثر أهل الإسلام إلى أن ذلك من أوصاف الحق الخاصة به، وأنه لا تصح مشاركته في ذلك لأدلة تذكر في علم الكلام، وأن الروح قائم بنفسه متحيز، فهو من قبيل الجواهر. ثم اختلف، هل هو يقبل الانقسام فيكون جسمًا أو لا يقبله فيكون جوهرًا

стр. 1967

إِلَى تِلكَ القَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيهِم رَبُّهُم اطِّلَاعَةً فَقَالَ: هَل تَشتَهُونَ شَيئًا؟ قَالَوا: أَيَّ شَيءٍ نَشتَهِي؟ وَنَحنُ نَسرَحُ مِن الجَنَّةِ حَيثُ شِئنَا؟ ! فَفَعَلَ بِهِم ذلك ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوا أَنَّهُم لَن يُترَكُوا مِن أَن يُسأَلُوا قَالَوا: ــ فردًا؟ فذهبت طائفة من جلّة علماء أهل السنة إلى أنه جسم لطيف مشابك لجميع أجزاء البدن، أجرى الله العادة ببقائه في الجسم ما دام حيًّا، فإذا أراد الله تعالى إماتة الحيوان نزعه منه، وأزال اتصاله بالحياة، وأعقبها بالموت. وأطبق معظم المتكلمين من أهل السنة على أنه جزء فرد من أجزاء القلب، أو غيره مما يكون في الإنسان، أجرى الله العادة بحياة ذلك الجسم ما دام ذلك الجزء متصلًا به. والله تعالى أعلم، وأحكم، والتسليم أولى وأسلم. والذي اتفق أهل التحقيق عليه: أنه محدث مخترع؛ لأنه متغير، وكل متغير محدث على ما يُعرف في موضعه، ولا يلتفت لقول من قال: إن الروح قديم؛ إذ لا قديم إلا الله تعالى، على ما يُعرف في موضعه، ولا يلتفت أيضًا لقول التناسخية القائلين بأن الأرواح تنتقل إلى أجساد أخر، فأهل السعادة ينقلون إلى أجساد حسنة مشرقة مرفهة، فتتنعم بها، كما جاء في هذه الأحاديث، وأهل الشقاء تنقل أرواحهم إلى أجسام خسيسة قبيحة، فتعذب فيها، حتى إذا استوفت أمد عقابها رجعت إلى أحسن بنية، وهكذا أبدًا. وهذا معنى الإعادة والثواب والعقاب عندهم. وهو قول مناقض لما جاءت به الشريعة، ولما أجمعت الأمة عليه، ومعتقده يكفر قطعًا، فإنه أنكر ما علم قطعًا من إخبار الله تعالى، وإخبار نبيه ﷺ عن أمور الآخرة، وعن تفاصيل أحوالها، وأن الأمر ليس على شيء مما قالوه. فالتناسخ والقول به باطل، محال عقلًا، على ما يُعرف في علم الكلام. وقوله: (فاطلع إليهم ربهم اطلاعة)؛ أي: تجلى لهم برفع حجبهم، وكلمهم مشافهة بغير واسطة، مبالغة في الإكرام، وتتميمًا للإنعام.

стр. 1968

يَا رَبِّ نُرِيدُ أَن تَرُدَّ أَروَاحَنَا فِي أَجسَادِنَا، حَتَّى نُقتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخرَى، فَلَمَّا رَأَى أَن لَيسَ لَهُم حَاجَةٌ تُرِكُوا. رواه مسلم (١٨٨٧)، والترمذي (٣٠١٤ و ٣٠١٥). [١٣٥٢] وعَن جَابِرٍ قال: قَالَ رَجُلٌ يوم أحد: أَينَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِن قُتِلتُ؟ قَالَ: فِي الجَنَّةِ. فَأَلقَى تَمَرَاتٍ كُنَّ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. رواه أحمد (٣/ ٣٠٨)، والبخاري (٤٠٤٦)، ومسلم (١٨٩٩)، والنسائي (٦/ ٣٣). [١٣٥٣] وعَن البَرَاءِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِن بَنِي النَّبِيتِ -قَبِيلٍ مِن الأَنصَارِ- فَقَالَ: أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ- ﷺ : عَمِلَ هَذَا يَسِيرًا وَأُجِرَ كَثِيرًا. رواه البخاري (٢٨٠٨)، ومسلم (١٩٠٠). * * * ــ وقولهم: (نريدُ أن تَرُدَّ أرواحَنا في أجسادنا)؛ دليل على أن مُجرَّد الأرواح هي المتكلِّمة، ويدلُ على: أن الروحَ ليس بِعَرَض خلافًا لمن ذهب إلى ذلك. وفيه ردٌّ على التناسخية، وأن أجوافَ الطير ليست أجسادًا لها، وإنما هي مُودعة فيها على سبيل الحفظ والصيانة والإكرام، على ما قدَّمناه. وهذا كلُه يدلُّ على أن لمنزلة الشهادة من خصوص الإكرام ما ليس لغيرها من أعمال البِرّ، كما قال في الحديث الآخر: (ليس أحد له عند الله خير يتمنى أن يرجعَ إلى الدنيا إلا الشهيد؛ لما يرى من فضل الشهادة (١)) (٢).

стр. 1969

(٤١) باب في قوله تعالى: ﴿أَجَعَلتُم سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسجِدِ الحَرَامِ﴾ الآية [١٣٥٤] عن النُّعمَانُ بنُ بَشِيرٍ قَالَ: كُنتُ عِندَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَجُلٌ: مَا أُبَالِي أَلَا أَعمَلَ عَمَلًا بَعدَ الإِسلَامِ، إِلَّا أَن أُسقِيَ الحَاجَّ. وَقَالَ آخَرُ: مَا أُبَالِي أَلَا أَعمَلَ عَمَلًا بَعدَ الإِسلَامِ إِلَّا أَن أَعمُرَ المَسجِدَ الحَرَامَ. ــ (٤١) ومن باب: قوله تعالى: ﴿أَجَعَلتُم سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسجِدِ الحَرَامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ﴾ (السقاية): مصدر كالسِعاية والحِماية، وهو على الحذف؛ أي: أجعلتم صاحبَ سقاية الحاج مثل مَن آمَنَ بالله، وجاهَدَ في سبيله؛ ويصح أن يقدَّر الحذفُ في: (مَن آمَنَ)؛ أي: أجعلتم عمل سقي الحاج كعمل مَن آمن؟ . و (الحَاجِّ): اسم جنس الحُجّاج. و (عِمَارَةَ المَسجِدِ الحَرَامِ): معاهدته، والقيام بمصالحه. وظاهِرُ هذه الآية أنَّها مبطلة قولَ من افتخر من المشركين بسقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام، كما ذكره السُّدِّي. قال: افتخر عباسٌ بالسقاية، وشيبة بالعمارة، وعلي بالإسلام والجهاد، فصدَّق اللهُ عليًّا وكذبهما، وهذا واضح. وأما حديث النعمان هذا فمشكل على مساق الآية، فإنه يقتضي أنها إنما نزلت عند اختلافِ المسلمين في الأفضل من هذه الأعمال، وحينئذ لا يصلحُ أن يكون قولُه تعالى: ﴿أَجَعَلتُم سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسجِدِ الحَرَامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَستَوُونَ عِندَ اللَّهِ﴾؛ نزل جوابًا لذلك (١)، فإن أولئك

стр. 1970

وَقَالَ الآخَرُ: الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفضَلُ مِمَّا قُلتُم. فَزَجَرَهُم عُمَرُ وَقَالَ: لَا تَرفَعُوا أَصوَاتَكُم عِندَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَومُ الجُمُعَةِ، وَلَكِن إِذَا صَلَّيتُ الجُمُعَةَ دَخَلتُ وَاستَفتَيتُهُ فِيمَا اختَلَفتُم فِيهِ، فَأَنزَلَ اللَّهُ : ﴿أَجَعَلتُم سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسجِدِ الحَرَامِ﴾ الآيَةَ إِلَى آخِرِهَا. رواه مسلم (١٨٧٩). ــ المسلمين لم يختلفوا في أن الإيمانَ مع الجهاد أفضل من مجرَّد السقاية والعمارة، وإنَّما اختلفوا في أي الأعمال أفضل بعد الإسلام، وقد نصّوا على ذلك في الحديث. وأيضًا: فلا يليقُ أن يقالَ لهم في هذا الذي اختلفوا فيه: ﴿وَاللَّهُ لا يَهدِي القَومَ الظَّالِمِينَ﴾ كما قال في آخر الآية. وأيضًا: فإن الآيات التي قبل هذه الآية من قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلمُشرِكِينَ أَن يَعمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ تدلُ على أن الخطاب مع المشركين، فتعيّن الإشكال، فلينظر في التخلص منه. ويمكن أن يتخلص منه بأن يقال: إن بعضَ الرُّواة تسامَحَ في قوله: فأنزل الله الآية. وإنما قرأ النبي ﷺ على عُمَرَ الآيةَ حين سأله، فظن الرَّاوي أنها نزلت حينئذ، وإنما استدلَ بها النبيُّ ﷺ على أن الجهادَ أفضل مما قال أولئك الذين سمعهم عُمر، فاستفتى لهم، فتلا عليه ما كان قد أنزل عليه في المشركين، لا أنها نزلت في هؤلاء. فيبقى أن يقال: فكيف يُستدلُ بما أنزل في المشركين في حالةٍ مخصوصة على مثل ذلك المعنى في المسلمين، وهم مخالفون لهم في تلك الحال؟ والجواب: أن هذا لا بُعدَ فيه. فقد تنتزعُ مما أنزل في المشركين أحكام تليقُ في المسلمين، كما قد فعله عمر، حيث قال: أما إنا لو شئنا لاتخذنا سلائق وشواء وتوضع صحفةٌ، وترفع أخرى، ولكنَّا سمعنا قوله تعالى: ﴿أَذهَبتُم طَيِّبَاتِكُم فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنيَا وَاستَمتَعتُم بِهَا﴾ وهذه الآية نصٌّ في أنها للكفار، ومع ذلك ففهم عمر منها الزجرَ عما يناسبُ أحوالهم بعض المناسبة، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فيمكن أن تكونَ هذه الآيةُ من هذا النوع، والله تعالى أعلم.

стр. 1971

[١٣٥٥] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَيُّ النَّاسِ أَفضَلُ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ مُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِمَالِهِ وَنَفسِهِ. قَالَ: ثُمَّ مَن؟ قَالَ: مُؤمِنٌ فِي شِعبٍ مِن الشِّعَابِ، يَعبُدُ اللَّهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِن شَرِّهِ. رواه أحمد (٣/ ٣٧)، والبخاري (٢٧٨٦)، ومسلم (١٨٨٨) (١٢٢)، وأبو داود (٢٤٨٥)، والترمذي (١٦٦٠)، والنسائي (٦/ ١١)، وابن ماجه (٣٩٧٨). [١٣٥٦] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: مِن خَيرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُم، رَجُلٌ مُمسِكٌ بعِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَطِيرُ عَلَى مَتنِهِ، كُلَّمَا ــ وقوله: (أي الناس أفضل؟ ) أي: أيّ الناس المجاهدين؟ بدليل أنه أجابه بقوله: (رجل مجاهِد بنفسه وماله). ثم ذكر بعده مَن جاهد نفسه بالعُزلة عن الناس؛ إذ كل واحد من الرَّجُلَين مجاهد. فالأول للعدوِّ الخارجيِّ، والآخر للداخليِّ؛ الذي هو: النفس والشيطان، فجاهدهما بقطع المألوفات، والمستحسنات من الأهل، والقرابات، والأصدقاء، والأوطان، والشهوات المعتادات. وكل ذلك فرارا بدينه، وخوفًا عليه. وهذا هو الجهادُ الأكبر؛ الذي من وصل إليه فقد ظفر بالكبريت الأحمر (١). غير أن العزلةَ إنما تكونُ مطلوبة إذا كفى المسلمون عدوَّهم، وقام بالجهاد بعضهم. فأما مع تعيّن الجهاد؛ فليس غيرُه بمراد، ولذلك بدأ النبي ﷺ بهذا الحديث ببيان (٢) أفضلية الجهاد على العزلة لما قدَّمناه في الباب الذي قبل هذا. وقوله: (مِن خير معاش الناس لهم)؛ المعاشُ: مصدر بمعنى المعيشة أو

стр. 1972

سَمِعَ هَيعَةً، أَو فَزعَةً طَارَ عَلَيهِ، يَبتَغِي القَتلَ وَالمَوتَ مَظَانَّهُ، أَو رَجُلٌ فِي غُنَيمَةٍ فِي رَأسِ شَعَفَةٍ مِن هَذِهِ الشَّعَفِ، أَو بَطنِ وَادٍ مِن هَذِهِ الأَودِيَةِ، فيُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤتِي الزَّكَاةَ، يَعبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأتِيَهُ اليَقِينُ، لَيسَ مِن الله إِلَّا فِي خَيرٍ. رواه أحمد (٢/ ٤٤٣)، ومسلم (١٨٨٩) (١٢٥)، وابن ماجه (٣٩٧٧). * * * ــ العيش؛ أي: مِن أشرفِ طُرُق المعاش الجهاد. ففيه دليل على جواز نية أخذ المغانم والاكتساب بالجهاد، لكن إذا كان أصلُ النية في الجهاد أن يجاهدَ لتكون كلمةُ الله هي العليا. ولهذا أشار ﷺ في هذا الحديث بقوله: (رجل مُمسِك بعِنان فرسه في سبيل الله)، وبقوله: (يبتغي القتلَ مظانَّه). ومتنُ الفرس وغيره: ظَهرُه. و (الهيعة): الفزعة. يقال: هاع، يهيع، هيوعًا، وهيعةً؛ إذا خاف (١). و: هاع، يهاع؛ إذا جاع، وإذا تهوع. و (مظانَّه)؛ أي: في الأوقات التي يظن القتل فيها. وهو منصوب هنا على الظرف. و(الشَّعَفة) - بفتح العين غير معجمة-: واحدة الشُّعَف، وهي رؤوس الجبال. و (اليقين) هنا: هو المتيقن، وهو الموت. * * *

стр. 1973

(٤٢) باب في رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة، وفيمن قتل كافرًا [١٣٥٧] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَضحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَينِ يَقتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، كِلَاهُمَا يَدخُلُ الجَنَّةَ. قَالَ: يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُستَشهَدُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى القَاتِلِ فَيُسلِمُ، فَيُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُستَشهَدُ. رواه البخاري (٢٨٢٦)، ومسلم (١٨٩٠) (١٢٨)، والنسائي (٦/ ٣٩)، وابن ماجه (١٩١). [١٣٥٨] وعَنهُ: قال: قال رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : لَا يَجتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلُهُ فِي النَّارِ أَبَدًا. ــ (٤٢) ومن باب: رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة قوله: (يضحك الله إلى رجلين)؛ قد تقدَّم الكلامُ في الإيمان على الضحك المنسوب إلى الله تعالى، وأنه عبارة عن الرضا بالمضحوك منه، وإكرامه، والإقبال عليه. ويحتمل أن يكون من باب حذف المضاف؛ أي: يضحك رسول الله وملائكته ممن ذكر عند قبض أرواحهم (١). والله تعالى أعلم (٢). وقوله: (لا يجتمع كافر وقاتلُه في النار أبدًا)؛ ظاهِرُ هذا: أنَ المسلِمَ إذا

стр. 1974

وفي لفظ آخر: لَا يَجتَمِعَانِ فِي النَّارِ اجتِمَاعًا يَضُرُّ أَحَدُهُمَا الآخَرَ. ــ قتل الكافر لم يدخل النَّارَ بوجهٍ من الوجوه. ولم يقيده في هذا الطريق بقيدٍ؛ لكن قال في الرِّواية الأخرى: (ثم سَدد)، وقد استشكل بعضُ الرواة هذا اللفظ. وجهةُ الإشكال: أن مآلَ السَّداد هو الاستقامة على الطريقة من غير زيغ، ومَن كان هذا حالُه لا يدخل النار؛ قتل كافرًا أو لم يقتله. وسلك في الانفصال عن هذا الإشكال أن حمل (سدد) على (أسلم)، بمعنى: أن القاتلَ كان كافرًا، ثم أسلم، وصرفه للحديث الآخر؛ الذي قال فيه: (يضحك الله لرجلين). قلتُ: وهذا الإشكالُ إنما وقع لهذا القائل من حيث فسَّر السَّداد بما ذكر، والذي يظهرُ لي: أنه ليس المراد بالسَّداد هنا ما ذكر؛ بل بعض ما ذكر، وهو أن يسدد حالَه في التخلص من حقوق الآدميين؛ التي تقدَّم الكلامُ عليها في قوله ﷺ : (القتل في سبيل الله يكفر كل شيءٍ إلا الدَّين) (١)، فإذا لم تكفر الشهادةُ الدينَ كان أبعد أن يكفره قتل الكافر. ويحتملُ أن يقالَ: سدد بدوام الإسلام حتى الموت. أو باجتناب الموبقات التي لا تُغفر إلا بالتوبة، كما تقدَّم في الطهارة. والله تعالى أعلم. وقوله في الطريق الآخر: (لا يجتمعان في النار اجتماعًا يضرُّ أحدُهما الآخر)؛ مخالف للرواية الأولى (٢)، فإن ظاهرَ تلك: نفي الاجتماع مطلقًا. وظاهرُ هذه: نفي اجتماع مخصوص. فتعارض الظاهران. ووجهُ الجمع: حملُ المطلق على المقيَّد. بمعنى: أنَّ من قتَل كافرًا ثمَّ مات مرتكبَ كبيرةِ، غير تائبٍ منها، فأمرُه إلى الله تعالى؛ إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه، وأدخله النار. ثم إن دخل النار فإنما يدخل حيث يدخلُ المؤمنون المذنبون، لا حيث يدخل الكافرون. فلا يجتمعُ ذلك المؤمنُ مع مقتوله الكافر أبدًا، ولا يلقاه حتى يخاصمه، كما قد جاء:

стр. 1975

قِيلَ: مَن هُم يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ! قَالَ: مُؤمِنٌ قَتَلَ كَافِرًا، ثُمَّ سَدَّدَ. رواه أحمد (٢/ ٣٦٨)، ومسلم (١٨٩١) (١٣٠ و ١٣١)، وأبو داود (٢٤٩٥). * * * (٤٣) باب فضل الحمل في سبيل الله والجهاد ومن دل على خير [١٣٥٩] عَن أَبِي مَسعُودٍ الأَنصَارِيِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ مَخطُومَةٍ، وقَالَ: هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَكَ بِهَا يَومَ القِيَامَةِ سَبعُمِائَةِ نَاقَةٍ كُلُّهَا مَخطُومَةٌ. رواه أحمد (٤/ ١٢١)، ومسلم (١٨٩٢)، والنسائي (٦/ ٤٩). ــ أن بعضَ الكفار يجتمعُ ببعض المؤمنين في النار، فيقولون لهم: ما أغنى عنكم إيمانكم ولا عبادتكم؛ إذ أنتم معنا. فيضجُ المؤمنون إلى الله تعالى حتى يخرجوا، فإذا خرجوا، وتفقدهم الكافرون، فلم يروهم، قال بعضُهم لبعضِ: ﴿مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُم مِنَ الأَشرَارِ * أَتَّخَذنَاهُم سِخرِيًّا أَم زَاغَت عَنهُمُ الأَبصَارُ﴾ وقيل في الآية غير هذا. والله تعالى أعلم. (٤٣) ومن باب: فضل الجهاد في سبيل الله قوله: (جاء رجل بناقةٍ مخطومةٍ)؛ أي: عليها خطامها؛ أي: زمامها (١). وقوله ﷺ : (لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة، كلها مخطومة)؛ هذه الحسنةُ

стр. 1976

[١٣٦٠] وفي رواية: فَقَالَ: إِنِّي أُبدِعَ بِي فَاحمِلنِي. فَقَالَ: مَا عِندِي. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَدُلُّهُ عَلَى مَن يَحمِلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن دَلَّ عَلَى خَيرٍ فَلَهُ مِثلُ أَجرِ فَاعِلِهِ. رواه أحمد (٥/ ٢٧٣)، ومسلم (١٨٩٣)، وأبو داود (٥١٢٩)، والترمذي (٢٦٧١). ــ مما ضوعف إلى سبعمائة ضعف، وهو أقصى الأعداد المحصورة؛ التي تضاعف الحسنات إليها. وهذا كما قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَت سَبعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ وبقي بعد هذا المضاعفة من غير حصر، ولا حدّ، وهي مفهومة من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ (١) وقوله: (إني أبدع بي)؛ أي: أهلكت راحلتي، وانقطع بي، وهو رباعي، مبني لما لم يسم فاعله. وقد وقع لبعض الرواة: (بُدِّعَ) على فُعِّل مشدد العين. وليس بمعروف في اللغة. وقوله: (احملني)؛ أي: أعطني ما أتحمل عليه، أي: أحمل رحلي، وأرتحل عليه. وقوله: (من دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله)؛ ظاهر هذا اللفظ: أن للدَّال من الأجر ما يساوي أجر الفاعل المنفق. وقد ورد مثل هذا في الشرع كثيرًا؛

стр. 1977

[١٣٦١] وعَن أَنَسِ: أَنَّ فَتًى مِن أَسلَمَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ ــ كقوله: (من قال مثل ما يقول المؤذن كان له مثلُ أجره) (١)، وكقوله فيمن توضأ وخرجَ إلى الصلاة فوجد الناس قد صلَّوا: (أعطاه الله من الأجرِ مثل أجر من حضرها، وصلَاّها) (٢). وهو ظاهرُ قوله تعالى: ﴿وَمَن يَخرُج مِن بَيتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدرِكهُ المَوتُ فَقَد وَقَعَ أَجرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ وهذا المعنى يمكنُ أن يقال فيه (٣)، ويصار إليه بدليل: أن الثوابَ على الأعمال إنما هو تفضل من الله تعالى، فيهبه لمن يشاء على أي شيءٍ صدر عنه، وبدليل: أنَّ النية هي أصلُ الأعمال، فإذا صحَّت في فعل طاعةٍ فعجز عنها لمانعٍ منع منها فلا بُعدَ في مساواة أجر ذلك العاجز لأجر القادر الفاعل، أو يزيد عليه، وقد دلَّ على هذا: قوله ﷺ : (نية المؤمن خير من عمله) (٤)، ولقوله: (إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًّا إلا كانوا معكم، حبسهم العذر) (٥). وأنص ما في هذا الباب حديث أبي كبشة الأنماري؛ الذي قال فيه النبي ﷺ : (إنَّما الدنيا لأربعة نفر: رجل آتاه الله تعالى مالًا وعلمًا، فهو يتقي فيه ربَّه، ويصل به (٦) رحمه، ويعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأفضل المنازل. ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالًا، فهو يقولُ: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعَمَلِ (٧) فلانٍ، فهو بنيته، فأجرهما سواء، ورجلٌ آتاه الله مالًا، ولم يؤته علمًا؛

стр. 1978

الغَزوَ، وَلَيسَ مَعِي مَا أَتَجَهَّزُ. قَالَ: ائتِ فُلَانًا، فَإِنَّهُ قَد كَانَ تَجَهَّزَ فَمَرِضَ. فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقرِئُكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: أَعطِنِي الَّذِي ــ فهو لا يتقي فيه ربَّه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأخبث المنازل. ورجل لم يؤته الله مالًا ولا علمًا؛ فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، ووزرهما سواء) (١). وقد ذهب بعض الأئمة إلى أن المثل المذكور في هذه الأحاديث إنما هو بغير تضعيف. قال: لأنه يجتمع في تلك الأشياء أفعال أخر، وأعمال كثيرة من البر، لا يفعلها الدَّال الذي ليس عنده إلا مجرد النية الحسنة. وقد قال ﷺ للقاعد: (أيُّكم خلف الخارج في أهله وماله بخير فله مثل نصف أجر الخارج) (٢)، وقال: (لينبعث من كل رجلين أحدهما والأجر بينهما) (٣). قلت (٤): ولا حجة في هذا الحديث لوجهين: أحدهما: إنا نقول بموجبه، وذلك أنه لم يتناول محل النزاع، فإن المطلوب (٥) إنما هو: أن الناوي للخير المعوق عنه، له مثل أجر الفاعل من غير تضعيف. وهذا الحديث إنما اقتضى مشاركة ومشاطرة في المضاعف، فانفصلا. وثانيهما: أن القائم على مال الغازي، وعلى أهله نائبٌ عن الغازي في عمل لا يتأتى للغازي غزوه إلا بأن يكفى ذلك العمل، فصار كأنه يُباشر معه الغزو،

стр. 1979

تَجَهَّزتَ بِهِ، قَالَ: يَا فُلَانَةُ، أَعطِيهِ الَّذِي تَجَهَّزتُ بِهِ، وَلَا تَحبِسِي عَنهُ شَيئًا، فَوَاللَّهِ لَا تَحبِسِن مِنهُ شَيئًا فَيُبَارَكَ الله لَكِ فِيهِ. رواه مسلم (١٨٩٤)، وأبو داود (٢٧٨٠). [١٣٦٢] وعَن زَيدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: مَن جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَد غَزَا، وَمَن خَلَفَهُ فِي أَهلِهِ بِخَيرٍ فَقَد غَزَا. ــ فليس مُقتصرًا على النية فقط، بل هو عامل في الغزو، ولما كان كذلك كان له مثل أجر الغازي كاملًا، وافرًا، مضاعفًا، بحيث إذا أضيف ونسب إلى أجر الغازي كان نصفًا له، وبهذا يجتمعُ معنى قوله ﷺ : (من خلف غازيًا في أهله بخيرٍ فقد غزا)، وبين معنى قوله في اللفظ الأول: (فله مثل نصف أجره)، والله تعالى أعلم. وعلى هذا يحمل قوله: (والأجر بينهما) لا أن النائبَ يأخذ نصف أجر الغازي، ويبقى للغازي النصف، فإن الغازيَ لم يطرأ عليه ما يوجبُ تنقيصًا لثوابه، وإنَّما هذا كما قال: (من فطَّر صائمًا كان له مثلُ أجر الصائم، لا ينقصه من أجره شيء) (١). والله تعالى أعلم. وعلى هذا فقد صارت كلمةُ (نصف) مقحمةً هنا بين (مثل) و (أجر) وكأنها زيادةٌ مِمَّن تسامَحَ في إيراد اللفظ، بدليل قوله: (والأجر بينهما)، ويشهد له ما ذكرناه، فَليُتنبَّه له، فإنه حَسَن. وأمَّا من تحقق عجزه، وصدقت نيتُه، فلا ينبغي أن يختلف في: أن أجره مضاعف كأجر العامل المباشر؛ لما تقدَّم، ولما خرَّجه النسائيُّ من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : (من أتى فراشه، وهو ينوي أن يقومَ يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى يصبح؛ كان له ما نوى، وكان نومُه صدقة عليه) (٢). و(جهاز الغازي): ما يحتاج إليه في غزوه من العدّة والسلاح والنفقة وغير ذلك.

стр. 1980

رواه أحمد (٤/ ١١٥)، والبخاري (٢٤٨٣)، ومسلم (١٨٩٥) (١٣٥)، وأبو داود (٢٥٠٩)، والترمذي (١٦٢٨)، والنسائي (٦/ ٤٦). * * * (٤٤) باب في البعوث ونيابة الخارج عن القاعد وفيمن خلف غازيا في أهله بخير أو بشر [١٣٦٣] عَن أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بَعثًا إِلَى بَنِي لَحيَانَ مِن هُذَيلٍ، فَقَالَ: لِيَنبَعِث مِن كُلِّ رَجُلَينِ أَحَدُهُمَا وَالأَجرُ بَينَهُمَا. وفي رواية: ثُمَّ قَالَ لِلقَاعِدِ: أَيُّكُم خَلَفَ الخَارِجَ فِي أَهلِهِ وَمَالِهِ بِخَيرٍ كَانَ لَهُ مِثلُ نِصفِ أَجرِ الخَارِجِ. رواه مسلم (١٨٩٦) (١٣٧ و ١٣٨)، وأبو داود (٢٥١٠). [١٣٦٤] وعَن سُلَيمَانَ بنِ بُرَيدَةَ، عَن أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ ــ (٤٤) ومن باب: البعوث ونيابة الخارج عن القاعد (١) (البعوث): جمع بعثِ، وهم السَّرايا، والعساكر الذين يبعثهم الإمامُ للغزو. وقوله: (آل بني لحيان) - بكسرِ اللام-، وهو: لحيان من هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، بطن يُنسب إليهم نَفرٌ من أهل العلم. ويقال في النسب إليه: اللحياني (٢).

стр. 1981

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : حُرمَةُ نِسَاءِ المُجَاهِدِينَ كَحُرمَةِ أُمَّهَاتِهِم، وَمَا مِن رَجُلٍ مِن القَاعِدِينَ يَخلُفُ رَجُلًا مِن المُجَاهِدِينَ فِي أَهلِهِ، فَيَخُونُهُ فِيهِم، إِلَّا وُقِفَ لَهُ يَومَ القِيَامَةِ فَيَأخُذُ مِن عَمَلِهِ مَا شَاءَ، فَمَا ظَنُّكُم؟ رواه أحمد (٥/ ٣٥٢)، ومسلم (١٨٩٧) (١٣٩)، وأبو داود (٢٤٩٦)، والنسائي (٦/ ٥٠). * * * ــ وقوله: (حُرمةُ نساء المجاهدين كحرمة أمَّهاتهم)؛ يعني: أنه يجبُ على القاعدين مِن احترامهن، والكفّ عن أذاهن، والتعرض لهن ما يجبُ عليهم في أمهاتهم. وقوله: (فما ظنكم)؛ يعني: أن المخونَ في أهله إذا مُكن مِن أخذ حسنات الخائن لم يُبقِ له منها شيئا، ويكون مصيرُه إلى النار. وقد اقتُصِرَ على مفعولي الظن. وظَهَرَ مِن هذا الحديث: أن خيانةَ الغازي في أهله أعظمُ من كل خيانةٍ؛ لأن ما عداها لا يخير في أخذ كل الحسنات؛ وإنما يأخذُ بكلّ خيانةٍ قدرًا معلومًا من حسنات الخائن. * * *

стр. 1982

(٤٥) باب في قوله تعالى: ﴿لا يَستَوِي القَاعِدُونَ﴾ الآية [١٣٦٥] عن البَرَاءَ فِي هَذِهِ الآيَةِ: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) قال: فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيدًا فَجَاءَ بِكَتِفٍ فَكتُبُهَا، قال: فَشَكَا إِلَيهِ ابنُ أُمِّ مَكتُومٍ ضَرَارَتَهُ، فَنَزَلَت: ﴿لا يَستَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنِينَ غَيرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ رواه البخاري (٤٥٩٣)، ومسلم (١٨٩٨) (١٤١)، والترمذي (١٦٧٠)، والنسائي (٦/ ١٠). [١٣٦٦] وعنه: لَمَّا نَزَلَت: ﴿لا يَستَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنِينَ﴾ كَلَّمَهُ ابنُ أُمِّ مَكتُومٍ فَأنَزَلَت بـ: ﴿غَيرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ رواه مسلم (١٨٩٨) (١٤٢). * * * ــ (٤٥) باب في قوله تعالى: ﴿لا يَستَوِي القَاعِدُونَ﴾ الآية (١) قوله: ﴿وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الحُسنَى﴾؛ أي: الموفقين المحقّقين في إيمانهم المجاهدين وغيرهم. وقيل: القاعدين من أولي الأعذار والمجاهدين. و ﴿الحُسنَى﴾ الجنة، كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحسَنُوا الحُسنَى وَزِيَادَةٌ﴾، و ﴿الحُسنَى﴾ الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم؛ كما قاله رسول الله ﷺ (٢).

стр. 1983

(٤٦) باب بعث العيون في الغزو وما جاء: أن الجنة تحت ظلال السيوف [١٣٦٧] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بُسَيسَةَ عَينًا يَنظُرُ مَا صَنَعَت عِيرُ أَبِي سُفيَانَ، فَجَاءَ وَمَا فِي البَيتِ أَحَدٌ غَيرِي، وَغَيرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وقَالَ: لَا أَدرِي هل استَثنَى بَعضَ نِسَائِهِ. قَالَ: فَحَدَّثَهُ الحَدِيثَ، قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَكَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ لَنَا طَلِبَةً، فَمَن كَانَ ظَهرُهُ حَاضِرًا فَليَركَب مَعَنَا. فَجَعَلَ رِجَالٌ يَستَأذِنُونَهُ فِي ظُهرَانِهِم أنهم فِي عُلوِ المَدِينَةِ، فَقَالَ: لَا، إِلَّا مَن كَانَ ظَهرُهُ حَاضِرًا. فَانطَلَقَ ــ وقوله: ﴿دَرَجَاتٍ﴾ بدل من ﴿أَجرًا عَظِيمًا﴾ وهذه الدَّرجاتُ هي المائةُ الدرجة التي أعدَّها الله للمجاهدين، كما تقدَّم في حديث أبي سعيد. (٤٦) ومن باب: العيون في الغزو (بُسَيسَة) - بضم الباء بواحدةٍ، وفتح السين، وياء التصغير-؛ هكذا رواه جميعُ رواة الحديث، وكذا وقع في كتاب مسلم وأبي داود. والمعلومُ في كتاب السِّير: (بَسبَس) بفتح الباء غير مصغرٍ-؛ وهو: بَسبَسُ بن عمرو. ويقال: ابن بشرٍ من الأنصار، وقيل: حليفهم. وأنشد ابنُ إسحاق في خبره: أقِم لها صُدُورَهَا يَا بَسبَسُ ... أن تَرِدِ الماءَ بِمَاءِ أكيَسُ (١)

стр. 1984

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصحَابُهُ حَتَّى سَبَقُوا المُشرِكِينَ إِلَى بَدرٍ، وَجَاءَ المُشرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يُقَدِّمَنَّ أَحَدٌ مِنكُم إِلَى شَيءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أؤذنَهُ. فَدَنَا المُشرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ. قَالَ: يَقُولُ عُمَيرُ بنُ حُمَامِ الأَنصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَنَّةٌ عَرضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: بَخٍ بَخٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا يَحمِلُكَ عَلَى قَولِ بَخٍ بَخٍ؟ . قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا رَجَاءُ أَن أَكُونَ مِن أَهلِهَا، قَالَ: فَإِنَّكَ مِن أَهلِهَا، ــ و(العين) هنا: الجاسوس؛ سُمِي بذلك لأنه يعاينُ فيخبرُ مرسلَه بما يراه، فكأنه عينُه. و (العير): الإبلُ التي عليها الأثقال. و(ظُهرانهم) - بضم الظاء-: جمع ظهر، وقيل: جمع ظهير، كقضيب وقُضبان، وكثيب وكُثبان. وهو البعيرُ الذي ركب ظهره. و(بخ بخ): كلمة تقال لتفخيم الأمر، وتعظيمه، والتعجب منه. يقال بسكون الخاء، وكسرها مُنوّنة. وقوله: (قوموا إلى جنة عرضُها السماوات والأرض)؛ أي: كعرض السماء والأرض. شبَّه الجنة بسعة السماوات والأرض، وإن كانت الجنةُ أوسعَ، مخاطبةً لنا بما شاهدنا؛ إذ لم نشاهد أوسعَ من السماوات والأرض. وهذا أشبهُ ما قيل في هذا المعنى. وقوله: (لا والله إلا رجاءَ)؛ رويته بنصب الهمزة من غير تاء تأنيثٍ على أن يكونَ مفعولًا من أجله. والأولى فيه الرفع، على أن يكونَ فاعلًا بفعلٍ مضمر، يدلُّ عليه قولُه: (ما يحملُك على قولك: بخ بخ؟ ) لأنَه جوابُه؛ أي: لا يحملُني على قولي: بخٍ بخٍ إلا رجاءُ أن أكون من أهل الجنة. وقد رواه كثير من المشايخ: (إلَاّ رجاة) -بتاء التأنيث- وهو مصدرُ الرَّجاء، لكنه محدود. قال المبرّدُ: تقولُ العربُ: فعلته رجاتك؛ أي: رجاك؛ من الرَّجا، وهو الطمَعُ في تحصيل ما فيه عرضٌ ونَفعٌ.

стр. 1985

فَأَخرَجَ تَمَرَاتٍ مِن قَرَنِهِ فَجَعَلَ يَأكُلُ مِنهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِن أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ، إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، قَالَ: فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِن التَّمرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُم حَتَّى قُتِلَ. رواه مسلم (١٩٠١). [١٣٦٨] وعَن أَبِي بَكرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ بنِ قَيسٍ، عَن أَبِيهِ قَالَ: سَمِعتُ أَبِي وَهُوَ بِحَضرَةِ العَدُوِّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَبوَابَ الجَنَّةِ تَحتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ. فَقَامَ رَجُلٌ رَثُّ الهَيئَةِ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى! أنتَ سَمِعتَ ــ وقوله: (فأخرج تمرات من قُرنه) - بفتح القاف والرَاء-، وهي جَعبةُ السهام. وهكذا روايتنا فيه، وأمَّا من رواه بضم القاف، وسكون الراء، وكسر الباء قربه (١)، و (قَرقَرِهِ) فتغيير، وإن كانت لهما أوجه بعيدة. وقوله: (الجنَّةُ تحت ظلالِ السُّيوف)؛ من الاستعارة البديعة، والألفاظ السَّهلة البليغة؛ التي لا يُنسَجُ على منوالها، ولا يقدِرُ بليغ أن يأتيَ بمثالها. يعني بذلك: أن من خاض غمراتِ الحروب، وباشرَ حالَ المسايفة كان له جزاء الجنة. وهذا من باب قوله: (الجنَّة تحت أقدام الأمَهات) (٢)؛ أي: مَن تذلَّل لهنَّ، وأطاعهنَّ وَصَل إلى الجنة، ودخلها. وفي هذين الحديثين دليل على جواز استقتال الرجل نفسه في طلب الشَهادة، وإن علم أنه يقتَل. وقد فعله كثير من الصحابة والسَّلف وغيرهم. وروي عن عمر وأبي هريرة ﵄، وهو قولُ مالك، ومحمد بن الحسن،

стр. 1986

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى أَصحَابِهِ، قَالَ: أَقرَأُ عَلَيكُم السَّلَامَ، ثُمَّ كَسَرَ جَفنَ سَيفِهِ فَأَلقَاهُ، ثُمَّ مَشَى بِسَيفِهِ إِلَى العَدُوِّ فَضَرَبَ بِهِ حَتَّى قُتِلَ. رواه أحمد (٤/ ٣٩٦)، ومسلم (١٩٠٢)، والترمذي (١٦٥٩). * * * ــ غير أنَّ العلماءَ كرهوا فِعلَ ذلك لرأس الكتيبة؛ لأنه إن هلك هلك جيشُه. وقد روي عن عمر أيضًا كراهية الاستقتال، وقال: (لأن أموتَ على فراشي أحبُّ إليَّ من أن أقتل بين يدي صفٍ). يعني: مستقتلا. ورأى بعضُ العلماء هذا الفعلَ مِن إلقاء اليد للتهلكة المنهي عنه. قلتُ: وفي هذا بُعدٌ من وجهين: أحدهما: أن أحسنَ ما قيل في الآية (١)؛ أنها فيمن ترك الإنفاق في الجهاد. وثانيها: أن عملًا يُفضي بصاحبه إلى الشَّهادة ليس بتهلكة، بل التهلكةُ: الإعراضُ عنه، وتركُ الرَّغبة فيه. ودلَّ على ذلك الأحاديث المتقدِّمة كلها، فلا يُعدل عنها. * * *

стр. 1987

(٤٧) باب في قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾ [١٣٦٩] عَن ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: عَمِّيَ سُمِّيتُ بِهِ لَم يَشهَد مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدرًا، قَالَ: فَشَقَّ عَلَيهِ. قَالَ: أَوَّلُ مَشهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غُيِّبتُ عَنهُ، فَإِن أَرَانِيَ اللَّهُ مَشهَدًا فِيمَا بَعدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فلَيَرَينِ اللَّهُ مَا أَصنَعُ. قَالَ: فَهَابَ أَن يَقُولَ غَيرَهَا، قَالَ: فَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَومَ أُحُدٍ، قَالَ: فَاستَقبَلَ سَعدُ بنُ مُعَاذٍ فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ: ــ (٤٧) ومن باب: قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾ قول أنس: (عمِّي سُمِّيت به)؛ أي: سُميت باسمه، فإن عمَّه أنس بن النضر. وقوله: (إن أشهدني اللهُ مشهدًا (١) فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليرينَّ اللهُ ما أصنع)؛ هذا الكلامُ تضمَّنَ أنه ألزمَ نفسه إلزامًا مؤكدًا، وهو: الإبلاءُ في الجهاد، والانتهاض فيه، والإبلاغُ في بذل ما يقدر عليه منه، ولم يصرِّح بذلك مخافةَ ما يتوقَّع من التقصير في ذلك، وتبرُؤا مِن حوّله وقوته؛ ولذلك قال: (فهاب أن يقول غيرها)، ومع ذلك فنوى بقلبه، وصمم على ذلك، فصح قصدُه، ولذلك سمَّاه الله عهدًا في الآية حيث قال: ﴿مِنَ المُؤمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾ فسمَّاه عهدًا (٢).

стр. 1988

يَا أَبَا عَمرٍو، أَينَ؟ فَقَالَ: وَاهًا لِرِيحِ الجَنَّةِ، أَجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ، قَالَ: فَقَاتَلَهُم حَتَّى قُتِلَ، قَالَ: فَوُجِدَ فِي جَسَدِهِ بِضعٌ وَثَمَانُونَ مِن بَينِ ضَربَةٍ وَطَعنَةٍ وَرَميَةٍ، قَالَ: فَقَالَت أُختُهُ عَمَّتِيَ الرُّبَيِّعُ بِنتُ النَّضرِ: فَمَا عَرَفتُ أَخِي إِلَّا بِبَنَانِهِ، وَنَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾ الآية ــ وقوله: (واهًا لريح الجنة)؛ أي: عجبًا منه، فهي هنا تعجب، وقد تأتي للترحم، والتلهف، والاستهانة. وقوله: (أجده دون أُحُدٍ)؛ ظاهرُه الحملُ على: أنه وجده حقيقةً، كما جاء في الحديث الآخر: (إن ريح الجنة توجدُ على مسيرة خمسمائة عامٍ) (١)، ويحتملُ أن يكون قاله على معنى التمثيل؛ أي: إن القتلَ دون أُحُد موجب لدخول الجنة، ولإدراك ريحها ونعيمها. وقوله: (فقاتلهم حتى قتل)؛ ظاهره: أنه قاتلهم وحده. فيكون فيه دليل على جواز الاستقتال، بل على نَدبيته؛ كما تقدم. وقولها: (فما عرفَتُه إلا ببنانه)؛ أي: بأصابعه. ومنه قوله تعالى: ﴿عَلَى أَن نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ وقوله: ﴿فَمِنهُم مَن قَضَى نَحبَهُ﴾؛ أي: وفَّى بنذره. يقال: نحب، ينحُب إذا نذر، ومنه قول الشاعر: إذا نحبت كلبٌ على الناس إنَّهم ... أحقّ بتاجِ الماجد المتكرِّم وقيل: قضى أجله على ما عاهد عليه. قال ذو الرمَّة: عَشِيَّةَ فرَّ الحارِثُيونَ بَعدَما ... قَضَى نَحبَهُ في مُلتَقى الجيشِ هَوبَرُ (٢)

стр. 1989

قَالَ: فَكَانُوا يُرَونَ أَنَّهَا نَزَلَت فِيهِ وَفِي أَصحَابِهِ. رواه مسلم (١٩٠٣)، والترمذي (٣١٩٨) و (٣١٩٩). [١٣٧٠] وعَن أَنَسِ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ : أَن ابعَث مَعَنَا رِجَالًا يُعَلِّمُونَا القُرآنَ وَالسُّنَّةَ. فَبَعَثَ إِلَيهِم سَبعِينَ رَجُلًا مِن الأَنصَارِ يُقَالَ لَهُم القُرَّاءُ -فِيهِم خَالِي حَرَامٌ- يَقرَؤونَ القُرآنَ وَيَتَدَارَسُونَ بِاللَّيلِ يَتَعَلَّمُونَ، وَكَانُوا بِالنَّهَارِ يَجِيئُونَ بِالمَاءِ فَيَضَعُونَهُ فِي المَسجِدِ، وَيَحتَطِبُونَ فَيَبِيعُونَهُ وَيَشتَرُونَ بِهِ الطَّعَامَ لِأَهلِ الصُّفَّةِ وَلِلفُقَرَاءِ، فَبَعَثَهُم النَّبِيُّ ﷺ إِلَيهِم، ــ وقوله: ﴿وَمِنهُم مَن يَنتَظِرُ﴾؛ أي: الوفاء بما نذر الموت على ما عاهدوا. وقوله: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبدِيلا﴾؛ أي: استمرُّوا على ما التزموا، ولم يقع منهم نقض لما أبرموا. وقوله (قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه)؛ هذا القائلُ هو: ثابت. والله تعالى أعلم؛ ويعني به: أن الصَّحابةَ ﵃ كانوا يظنون: أنَها نزلت فيمن ذكر. وقد قيل: نزلت في السَّبعين الذين بايعوا النبي ﷺ على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم، وأبناءهم، فوفُّوا بذلك؛ قاله الكلبيُّ. وقد قيل غير ذلك. وقوله: (فبعث إليهم سبعين رجلًا)؛ هؤلاء السبعون هم الذين استشهدوا ببئر معونة، غَدَرَ بهم قبائلُ من سليم مع عدوِّ الله عامر بن الطفيل، فاستصرخوا عليهم، فقتلوهم عن آخرهم إلا رجلين، ولم يُصَب النبيُّ ﷺ ولا المسلمون بمثلهم ﵃. و(الصُّفَّة): بيت في المسجد مُقتَطَع عنه. وفيه دليل على جواز استيطان الغرباء والفقراء مكانًا من المسجد، وعلى وضع الماء فيه للشُرب وغيره، وعلى

стр. 1990

فَعَرَضُوا لَهُم فَقَتَلُوهُم قَبلَ أَن يَبلُغُوا المَكَانَ، فَقَالَوا: اللَّهُمَّ بَلِّغ عَنَّا نَبِيَّنَا، أَنَّا قَد لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنكَ وَرَضِيتَ عَنَّا، قَالَ: وَأَتَى رَجُلٌ حَرَامًا - خَالَ أَنَسٍ- مِن خَلفِهِ فَطَعَنَهُ بِرُمحٍ حَتَّى أَنفَذَهُ، فَقَالَ حَرَامٌ: فُزتُ وَرَبِّ الكَعبَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصحَابِهِ: إِنَّ إِخوَانَكُم قَد قُتِلُوا، وَإِنَّهُم قَالَوا: اللَّهُمَّ بَلِّغ عَنَّا نَبِيَّنَا، أَنَّا قَد لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنكَ وَرَضِيتَ عَنَّا. رواه أحمد (١/ ٤١٦)، ومسلم (٦٧٧) في الإمارة (١٤٧). * * * ــ الاجتماع على قراءة القرآن ومدارسة العِلم، وعلى أنَّ المتفرغ للعبادة وطَلَب العلم لا يُخِل بحاله، ولا ينقصُ توكلَه اشتغالُه بالنظر في مطعمه، ومشربه، وحاجته (١)؛ كما يذهب إليه بعضُ جُهَّال المتزهدة. وفيه دليل على أن أيدي الفقراء غير المتفرغين للعبادة فيما يكسبه بعضهم ينبغي أن تكون واحدة، ولا يستأثر بعضهم على الآخر بشيءٍ. وقولهم: (إنا قد لقيناك)؛ أي: قد وصلنا إلى ما أنعمت به من الجنَّة، والكرامة، ومنزلة الشهادة؛ لأن لقاءَ الله ليس على ما تعارفنا من لقاء بعضنا لبعض. وقولهم: (فرضينا عنك)؛ أي: بما أوصلتنا إليه من الكرامة والمنزلة الرفيعة. و (رضيت عنا)؛ أي: أحللتنا محل مَن ترضى عنه، فأكرِمَ غاية الإكرام، وأُحسِنَ إليه غاية الإحسان. وعلى هذا: فيكون رضا الله تعالى من صفات الأفعال. ويصح أن يعبّر بالرضا في حق الله تعالى عن إرادة الإكرام والإحسان؛ فيكون من صفات الذات. وقول حرام عندما طُعن: (فُزتُ ورب الكعبة)؛ أي: بما أعدَّ الله للشُهداء.

стр. 1991

(٤٨) باب الإخلاص وحسن النية في الجهاد [١٣٧١] عن أبي مُوسَى الأَشعَرِيُّ: أَنَّ رَجُلًا أَعرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلمَغنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذكَرَ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَن فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي أَعلَى، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. ــ وظاهره: أنه عاين منزلته في الجنة في تلك الحالة. ويحتملُ أن يقول ذلك محققًا لوعد الله ورسوله الحقّ الصدق، فصار كأنه عاين. والله تعالى أعلم. (٤٨) ومن باب: الإخلاص وحسن النية في الجهاد قوله ﷺ : (من قاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا؛ فهو في سبيل الله)؛ يعني بـ (كلمة الله): دين الإسلام. وأصله: أن الإسلامَ ظهر بكلام الله تعالى؛ الذي أظهره على لسان نبيه ﷺ . ويُفهَمُ من هذا الحديث: اشتراط الإخلاص في الجهاد، وكذلك هو شرطٌ في جميع العبادات؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعبُدُوا اللَّهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ والإخلاص: مصدر من: أخلصت العسل وغيره: إذا صفيته، وأفردتُه من شوائب كدره؛ أي: خلصته منها. فالمخلِصُ في عباداته هو الذي يُخلصها من شوائب الشركِ والرياء. وذلك لا يتأتى له إلا بأن يكون الباعثُ له على عملها قصدَ التقرب إلى الله تعالى، وابتغاء ما عنده. فأما إذا كان الباعثُ عليها غير ذلك من أعراض الدُّنيا؛ فلا يكونُ عبادة، بل يكون مصيبة موبقة لصاحبها، فإما كفرٌ، وهو: الشرك الأكبر، وإما رياء، وهو: الشركُ الأصغر. ومصيرُ صاحبه إلى النار، كما جاء في حديث أبي هريرة في الثلاثة المذكورين فيه. هذا إذا كان الباعثُ على تلك

стр. 1992

وفي رواية: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً؟ قَالَ: فَرَفَعَ رَأسَهُ إِلَيهِ، وَمَا رَفَعَ رَأسَهُ إِلَيهِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا فَقَالَ: مَن قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُليَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. رواه أحمد (٤/ ٣٩٢)، والبخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤) (١٤٩ و ١٥١)، وأبو داود (٢٥١٧)، والترمذي (١٦٤٦)، والنسائي (٦/ ٢٣)، وابن ماجه (٢٧٨٣). ــ العبادة الغرضَ الدنيوي وحده، بحيث لو فُقِد ذلك الغرضُ لتُرِك العمل. فأما لو انبعث لتلك الحالة (١) لمجموع الباعثَينِ- باعث الدنيا وباعث الدين-؛ فإن كان باعثُ الدنيا أقوى، أو مساويًا ألحق القسم الأول في الحكم بإبطال ذلك عند أئمة هذا الشأن، وعليه يدل قولُه ﷺ حكاية عن الله ﵎: (مَن عَمِل عملًا أشركَ معي فيه غيري تركتُه وشريكه) (٢). فأما لو كان باعثُ الدِّين أقوى؛ فقد حكم المحاسبي (٣) ﵀ بإبطال ذلك العمل؛ متمسكًا بالحديث المتقدِّم، وبما في معناه، وخالفه في ذلك الجمهور، وقالوا بصحة ذلك العمل، وهو الأقدم في فروع مالك. ويُستدلُ على هذا بقوله ﷺ : (إن من خير معايش الناس رجلا ممسكا فرسه في سبيل الله) (٤)، فجعل الجهاد مما يصح أن يُتخذ للمعاش، ومن ضرورة ذلك أن يكونَ مقصودًا، لكن لما كان باعثُ الدِّين على الجهاد هو الأقوى والأغلب، كان ذلك الغرض مُلغى، فيكون معفوًّا عنه؛ كما إذا توضأ قاصِدًا رَفع الحدث والتبرُّد، فأما لو تفرَّد باعثُ الدِّين بالعمل، ثم عرض باعث الدنيا في أثناء العمل فأولى بالصحة. وللكلام في هذا موضع آخر، وما ذكرناه كافٍ هنا.

стр. 1993

[١٣٧٢] وعَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّمَا الأَعمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامرِئٍ مَا نَوَى، فَمَن كَانَت هِجرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَن كَانَت هِجرَتُهُ لِدُنيَا يُصِيبُهَا أَو امرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيهِ. رواه أحمد (١/ ٢٥)، والبخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧)، وأبو داود (٢٢٠١)، والترمذي (١٦٤٧)، والنسائي (١/ ٥٩ - ٦٠). ــ وقوله: (فرفع رأسَه إليه، وما رفع رأسه إليه إلا أنه كان قائمًا)؛ فيه دليل على جواز سؤال القائم السائل للعالم وهو قاعد؛ إذا دعت إلى ذلك حاجة، أو عذر، وإلا فالأولى للسَّائل الجلوسُ، والتثبُّت؛ كما في حديث جبريل (١)، حيث سأل النبي ﷺ . وقوله: (إنما الأعمالُ بالنيَّات)؛ أي: الأعمال المتقرَّب بها إلى الله تعالى، بدليل بقية الحديث. وهذا الحديث بحكم عمومه يتناولُ جميعَ أعمال الطَّاعات، فيدخل في ذلك الوضوء، والغُسل، وغير ذلك. فيكون حُجَّة على مَن خالف في ذلك، كما تقدَّم في الطهارة. ووجه التمسُّك به: أنه عموم مؤكَّد بـ (إنَّما) الحاصرة، فصار في القوة كقوله: لا عمل إلا بنية، فصار ظاهرًا في نفي الإجزاء والاعتداد بعملٍ لا نية له. ولا يقال: فهو مخصصٍ بدليل إخراج العبادات المعقولة المعنى، كغسل الجنابة وما في معناها؛ لأنا نقول: اللفظُ العام محمول على عمومه بعد إخراج المخصص، كما قد تقدَّم غير ما مرَّةٍ. وقوله: (وإنَّما لامرئٍ ما نوى)؛ تحقيق لاشتراط النية، والإخلاص في الأعمال. وقد زاده وضوحًا قوله: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله)؛ أي: كانت هجرتُه مقبولةً عند الله تعالى، وثوابها عليه، (ومن

стр. 1994

[١٣٧٣] وعَن جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزَاةٍ فَقَالَ: إِنَّ بِالمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرتُم مَسِيرة، وَلَا قَطَعتُم وَادِيًا، إِلَّا كَانُوا مَعَكُم، حَبَسَهُم المَرَضُ. رواه مسلم (١٩١١). * * * ــ كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوَّجها، فهجرتُه إلى ما هاجر إليه)؛ أي: ليس له من هجرته إلا ما قصده. وهذا كما قال في الحديث الآخر: (مَن أتى المسجد لشيءٍ فهو حظه) (١). وإنما ذُكِرَت في الحديث الهجرةُ؛ لأنه جَرَى سَبَبُها، وذلك: أنَّ رجلًا هاجر إلى المدينة ليتزوَّج امرأةً بها، تُسمَّى: أم قيس، فبلغ ذلك النبي ﷺ فذكر الحديث، وسُمِّي الرجل: مهاجر أم قيس. على ما ذكر أئمتنا (٢). وظاهرُ حال هذا الرجل بسبب هذه الإضافة التي غلبت على اسمه أنه لم تكن له في الهجرةِ الشرعية رغبة، ولا نية فسلبها، ونسب إلى ما نواه، وقَصَده. والله تعالى أعلم. وقوله: (إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا، ولا قَطَعتُم واديًا إلا كانوا معكم، حَبَسَهُمُ المرض)؛ يدل على ما ذكرنا: من أنَّ الناوي لأعمال البرِّ؛ الصادق النية فيها؛ إذا منعه من ذلك عذر كان له مثلُ أجر المباشر مضاعفًا، كما قدَّمناه. وقد دلَّ عليه من الحديث ذكر قطع الوادي، والمسير، فإن هذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُم لا يُصِيبُهُم ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلا يَقطَعُونَ وَادِيًا إِلا كُتِبَ لَهُم لِيَجزِيَهُمُ اللَّهُ أَحسَنَ مَا كَانُوا يَعمَلُونَ﴾ ولما كان القاعدون لأجل العُذر قد صحَّت نيَتهم في مباشرة

стр. 1995

(٤٩) باب إثم من لم يُخلص في الجهاد وأعمال البر [١٣٧٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقضَى عَلَيهِ يَومَ القِيَامَةِ، رَجُلٌ استُشهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلتُ فِيكَ حَتَّى استُشهِدتُ، قَالَ: كَذَبتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلتَ لِأَن يُقَالَ جَرِيءٌ، فَقَد قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ حَتَّى أُلقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلمَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ القُرآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمتُ العِلمَ وَعَلَّمتُهُ، وَقَرَأتُ فِيكَ القُرآنَ، قَالَ: كَذَبتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمتَ العِلمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأتَ ــ كل ما باشره إخوانهم المجاهدون؛ أعطاهم الله تعالى مثل أجر مَن باشر كما قدَّمناه في حديث أبي كبشة الأنماري. (٤٩) ومن باب: إثم من لم يُخلص في الجهاد وأعمال البر قد تقدم: أن الإخلاصَ في الطاعات واجب، وأن الرِّياء يفسدها. وقوله: (إن أول الناس يُقضى عليه يوم القيامة رجل استُشهِد، ورجل تعلم العلم، ورجل أنفق ماله)؛ هذا يخالفُه: (أول ما يحاسب به العبد المسلم من عمله صلاته) (١)، الحديث، وقوله: (أول ما يقضى فيه بين الناس في الدِّماء) (٢). قد يسبق إلى الوهم أن هذه الأحاديثَ متعارضة من حيث الأولية

стр. 1996

القُرآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَد قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ، حَتَّى أُلقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيهِ، وَأَعطَاهُ مِن أَصنَافِ المَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكتُ مِن سَبِيلٍ تُحِبُّ أَن يُنفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنفَقتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ، فَقَد قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ حتى أُلقِيَ فِي النَّارِ. رواه أحمد (٢/ ٣٢٢)، ومسلم (١٩٠٥)، والنسائي (٦/ ٢٣). * * * ــ المذكورة في كل حديث منها؛ وليس كذلك؛ فإنه إنَّما كان يلزم ذلك لو أريد بكل أول منها أنه أوَّلٌ بالنسبة إلى كل ما يُسأل عنه، ويقضى فيه، وليس في شيءٍ من تلك الأحاديث ما ينصُّ على ذلك، وإنما أراد- والله أعلم-: أن كل واحد من تلك الأوليات أوَّلٌ بالنسبة إلى التي في بابه، فأول ما يحاسبُ به من أركان الإسلام الصلاة، وأول ما يحاسب به من المظالم الدِّماء، وأول ما يحاسب به مما ينتشر فيه صِيتُ فاعله تلك الأمور. وهذا أوَّلُ ما يقاربه ويناسبه، وهكذا تعتبر ما يردُ عليك من هذا الباب، والله تعالى أعلم. و(الجريء) بالهمز. هو: المقدامُ على الشيء، لا ينثني عنه، وإن كان هائلا، مأخوذٌ من الجرأة. و(سحب على وجهه)؛ أي: جُرّ. و (الجواد): الكريم، وهو الكثيرُ العطاء. والجود: الكرم. * * *

стр. 1997

(٥٠) باب الغنيمة نقصان من الأجر وفيمن مات ولم ينو الغزو وفيمن تمنى الشهادة [١٣٧٥] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا مِن غَازِيَةٍ تَغزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الغَنِيمَةَ، إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَي أَجرِهِم مِن الآخِرَةِ، وَيَبقَى لَهُم الثُّلُثُ، وَإِن لَم يُصِيبُوا غَنِيمَةً، تَمَّ لَهُم أَجرُهُم. وفي رواية: ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا ــ (٥٠) ومن باب: الغنيمة نقصان من الأجر قوله: (ما من غازيةٍ تغزو في سبيل الله، فيصيبون الغنيمة، إلا تعجلوا ثلثي أجرهم، ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة تَمَّ لهم أجرُهم). قوله: (ما من غازية) هو صفة لموصوفٍ محذوفٍ للعلم به. أي: ما من جماعةٍ، أو سرية. و (تغزو) بالتأنيث والإفراد: راجع إلى لفظ غازية. و (يصيبون) بالتذكير والجمع: راجع إلى معناها. وقد ذهب غيرُ واحدٍ: إلى أن هذا الحديث معارضٌ بحديث أبي هريرة؛ الذي قال فيه: (نائلا ما نال من أجر أو غنيمة) (١)؛ على ما تقدم. وظاهِرُ هذا الحديث- أعني حديث عبد الله بن عمرو - أَنَّ له مجموعَ الأمرين، وقد اجتمع لأهل بدرٍ سهمهم (٢). ولما صح عند هؤلاء هذا التعارض، فمنهم من ردَّ هذا الحديث، وضعفه، وقال: في إسناده حُميد بن هانئ، وليس بمشهور، ورجحوا الحديث الأول عليه لشهرته.

стр. 1998

قد تعجلوا ثلثي أجورهم، وما من غازية، أو سرية تخفق، أو تصاب إلا تم أجورهم. رواه أحمد (٢/ ١٦٩)، ومسلم (١٩٠٦)، وأبو داود (٢٤٩٧)، والنسائي (٦/ ١٧ و ١٨)، وابن ماجه (٢٧٨٥). ــ قلتُ: وهذا ليس بشيء، فلا يُلتَفَتُ إليه؛ لأن البخاري قد ذكر حميد بن هانئ هذا فقال: هو مصري، سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلِي، وعمرو بن مالك، وسمع منه حيوة بن شُريح، وابن وهب. ومنهم مَن رام الجمع بأن قال: إن الأولَ محمول على مجرد النية والإخلاص في الجهاد، فذلك هو الذي ضمن الله له إمَّا الشهادة، وإمَّا ردَّه إلى أهله مأجورًا غانِمًا. ويحمل الثاني على ما إذا نوى الجهادَ، ولكن مع نية المغنم؛ فلما انقسمت نيته انحط أجرُه عن الأول. قال القاضي عياض: وأوضحُ من هذا عندي: أن أجرَ الغانم بما فتح الله تعالى عليه (١) من الدنيا وحساب ذلك عليه، وتمتّعه به في الدنيا، وذهاب شظف عيشه في غزوه وبعده؛ إذا قوبل بمن أخفق ولم يصب شيئا، وبقي على شظف عيشه، والصبر على حالته، وجد أجر هذا وافيًا مُوفرًا بخلاف الأول. ومثله قوله في الحديث الآخر: (فمنَّا من مضى لم يأكل من أجره شيئا، ومنا من أينعت له ثمرته، فهو يَهدِبُها) (٢)، ويدل على صحة هذا التأويل قولُه: (إلا تعجَّلوا ثلثي أجرهم). قلتُ: ويحتملُ أن يقال: إن هذه التي أخفقت إنما يُزَادُ في أجرها لشدَّة ابتلائها، وأسفها على ما فاتها من الظفر والغنيمة. والله تعالى أعلم. وقوله: (تخفق)؛ أي: تخيب. يقال: أخفق الصائد، إذا خاب، وكذلك

стр. 1999

[١٣٧٦] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن مَاتَ وَلَم يَغزُ، وَلَم يُحَدِّث نَفسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعبَةٍ مِن نِفَاقٍ، قَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ المُبَارَكِ: فَنُرَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رواه أحمد (٢/ ٣٧٤)، ومسلم (١٩١٠)، وأبو داود (٢٥٠٢)، والنسائي (٦/ ٨). ــ كل طالب حاجةٍ إذا لم تحصل له. وقوله: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه مات على شُعبةٍ من النفاق)؛ فيه ما يدل على أن من لم يتمكن من عمل الخير فينبغي له أن يعزمَ على فِعله إذا تمكن منه وأن ينويه، فيكون ذلك بدلًا من فعله في تلك الحال. فأما إذا أخلى نفسه عن ذلك العمل ظاهرًا وباطنًا عن نيته؛ فذلك حالُ المنافق الذي لا يعملُ الخير، ولا ينويه. وخصوصًا: الجهاد الذي به أعز اللهُ الإسلام، وأظهر به الدِّينَ حتى علا على كل الأديان، ولو كره الكافرون. وقوله: (شعبة من نفاق)؛ أي: على خُلُقٍ من أخلاق المنافقين. وقد تقدَّم ذِكرُ الشعَب في كتاب الإيمان. وقول عبد الله بن المبارك: (فَنُرَى ذلك كان على عهد رسول الله ﷺ )؛ يعني: حيث كان الجهادُ واجبًا (١)، وحمله على النفاق الحقيقي. ويحتمل أن يجمع على جميع الأزمان، ويكون معناه: أن كل من كان كذلك أشبه المنافقين وإن لم يكن كافرًا. والله تعالى أعلم.

стр. 2000

[١٣٧٧] وعَن أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعطِيَهَا وَلَو لَم تُصِبهُ. رواه مسلم (١٩٠٨). [١٣٧٨] ومن حديث سَهلِ بنِ حُنَيفٍ: مَن سَأَلَ اللَّهَ شهَادَةَ بِصِدقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِن مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ. رواه مسلم (١٩٠٩)، وأبو داود (١٥٢٠)، والترمذي (١٦٥٣)، والنسائي (٦/ ٣٦ - ٣٧)، وابن ماجه (٢٧٩٧). * * * (٥١) باب الغزو في البحر [١٣٧٩] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنتِ مِلحَانَ فَتُطعِمُهُ، ــ وقوله: (من سأل الله الشَهادة بصدق بلَّغه الله تعالى منازلَ الشُهداء؛ وإن مات على فراشه)؛ هذا يدلُّ على صحة ما أصَّلناه في الباب الذي قبل هذا، وهو: أنَّه مَن نوى شيئا من أعمال البرِّ، ولم يتفق له عملُه لعذرٍ، كان بمنزلة مَن باشر ذلك العملَ، وعَمِلَه. (٥١) ومن باب: الغزو في البحر قوله: (إن رسول الله ﷺ كان يدخلُ على أمِّ حرام بنت مِلحان)؛ أمّ حرام هذه هي أخت أم سليم أم أنس بن مالك، وكان اسم أم حرام: الرميصاء. وقيل: الغميصاء، وإنما الرميصاء أمُّ سليم. وكذا ذكره البخاري. و(الرميصاء): من
следующие страницы →