← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

القُرآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَد قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ، حَتَّى أُلقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيهِ، وَأَعطَاهُ مِن أَصنَافِ المَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكتُ مِن سَبِيلٍ تُحِبُّ أَن يُنفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنفَقتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ، فَقَد قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ حتى أُلقِيَ فِي النَّارِ. رواه أحمد (٢/ ٣٢٢)، ومسلم (١٩٠٥)، والنسائي (٦/ ٢٣). * * * ــ المذكورة في كل حديث منها؛ وليس كذلك؛ فإنه إنَّما كان يلزم ذلك لو أريد بكل أول منها أنه أوَّلٌ بالنسبة إلى كل ما يُسأل عنه، ويقضى فيه، وليس في شيءٍ من تلك الأحاديث ما ينصُّ على ذلك، وإنما أراد- والله أعلم-: أن كل واحد من تلك الأوليات أوَّلٌ بالنسبة إلى التي في بابه، فأول ما يحاسبُ به من أركان الإسلام الصلاة، وأول ما يحاسب به من المظالم الدِّماء، وأول ما يحاسب به مما ينتشر فيه صِيتُ فاعله تلك الأمور. وهذا أوَّلُ ما يقاربه ويناسبه، وهكذا تعتبر ما يردُ عليك من هذا الباب، والله تعالى أعلم. و(الجريء) بالهمز. هو: المقدامُ على الشيء، لا ينثني عنه، وإن كان هائلا، مأخوذٌ من الجرأة. و(سحب على وجهه)؛ أي: جُرّ. و (الجواد): الكريم، وهو الكثيرُ العطاء. والجود: الكرم. * * *

стр. 1997

(٥٠) باب الغنيمة نقصان من الأجر وفيمن مات ولم ينو الغزو وفيمن تمنى الشهادة [١٣٧٥] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا مِن غَازِيَةٍ تَغزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الغَنِيمَةَ، إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَي أَجرِهِم مِن الآخِرَةِ، وَيَبقَى لَهُم الثُّلُثُ، وَإِن لَم يُصِيبُوا غَنِيمَةً، تَمَّ لَهُم أَجرُهُم. وفي رواية: ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا ــ (٥٠) ومن باب: الغنيمة نقصان من الأجر قوله: (ما من غازيةٍ تغزو في سبيل الله، فيصيبون الغنيمة، إلا تعجلوا ثلثي أجرهم، ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة تَمَّ لهم أجرُهم). قوله: (ما من غازية) هو صفة لموصوفٍ محذوفٍ للعلم به. أي: ما من جماعةٍ، أو سرية. و (تغزو) بالتأنيث والإفراد: راجع إلى لفظ غازية. و (يصيبون) بالتذكير والجمع: راجع إلى معناها. وقد ذهب غيرُ واحدٍ: إلى أن هذا الحديث معارضٌ بحديث أبي هريرة؛ الذي قال فيه: (نائلا ما نال من أجر أو غنيمة) (١)؛ على ما تقدم. وظاهِرُ هذا الحديث- أعني حديث عبد الله بن عمرو - أَنَّ له مجموعَ الأمرين، وقد اجتمع لأهل بدرٍ سهمهم (٢). ولما صح عند هؤلاء هذا التعارض، فمنهم من ردَّ هذا الحديث، وضعفه، وقال: في إسناده حُميد بن هانئ، وليس بمشهور، ورجحوا الحديث الأول عليه لشهرته.

стр. 1998

قد تعجلوا ثلثي أجورهم، وما من غازية، أو سرية تخفق، أو تصاب إلا تم أجورهم. رواه أحمد (٢/ ١٦٩)، ومسلم (١٩٠٦)، وأبو داود (٢٤٩٧)، والنسائي (٦/ ١٧ و ١٨)، وابن ماجه (٢٧٨٥). ــ قلتُ: وهذا ليس بشيء، فلا يُلتَفَتُ إليه؛ لأن البخاري قد ذكر حميد بن هانئ هذا فقال: هو مصري، سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلِي، وعمرو بن مالك، وسمع منه حيوة بن شُريح، وابن وهب. ومنهم مَن رام الجمع بأن قال: إن الأولَ محمول على مجرد النية والإخلاص في الجهاد، فذلك هو الذي ضمن الله له إمَّا الشهادة، وإمَّا ردَّه إلى أهله مأجورًا غانِمًا. ويحمل الثاني على ما إذا نوى الجهادَ، ولكن مع نية المغنم؛ فلما انقسمت نيته انحط أجرُه عن الأول. قال القاضي عياض: وأوضحُ من هذا عندي: أن أجرَ الغانم بما فتح الله تعالى عليه (١) من الدنيا وحساب ذلك عليه، وتمتّعه به في الدنيا، وذهاب شظف عيشه في غزوه وبعده؛ إذا قوبل بمن أخفق ولم يصب شيئا، وبقي على شظف عيشه، والصبر على حالته، وجد أجر هذا وافيًا مُوفرًا بخلاف الأول. ومثله قوله في الحديث الآخر: (فمنَّا من مضى لم يأكل من أجره شيئا، ومنا من أينعت له ثمرته، فهو يَهدِبُها) (٢)، ويدل على صحة هذا التأويل قولُه: (إلا تعجَّلوا ثلثي أجرهم). قلتُ: ويحتملُ أن يقال: إن هذه التي أخفقت إنما يُزَادُ في أجرها لشدَّة ابتلائها، وأسفها على ما فاتها من الظفر والغنيمة. والله تعالى أعلم. وقوله: (تخفق)؛ أي: تخيب. يقال: أخفق الصائد، إذا خاب، وكذلك

стр. 1999

[١٣٧٦] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن مَاتَ وَلَم يَغزُ، وَلَم يُحَدِّث نَفسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعبَةٍ مِن نِفَاقٍ، قَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ المُبَارَكِ: فَنُرَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رواه أحمد (٢/ ٣٧٤)، ومسلم (١٩١٠)، وأبو داود (٢٥٠٢)، والنسائي (٦/ ٨). ــ كل طالب حاجةٍ إذا لم تحصل له. وقوله: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه مات على شُعبةٍ من النفاق)؛ فيه ما يدل على أن من لم يتمكن من عمل الخير فينبغي له أن يعزمَ على فِعله إذا تمكن منه وأن ينويه، فيكون ذلك بدلًا من فعله في تلك الحال. فأما إذا أخلى نفسه عن ذلك العمل ظاهرًا وباطنًا عن نيته؛ فذلك حالُ المنافق الذي لا يعملُ الخير، ولا ينويه. وخصوصًا: الجهاد الذي به أعز اللهُ الإسلام، وأظهر به الدِّينَ حتى علا على كل الأديان، ولو كره الكافرون. وقوله: (شعبة من نفاق)؛ أي: على خُلُقٍ من أخلاق المنافقين. وقد تقدَّم ذِكرُ الشعَب في كتاب الإيمان. وقول عبد الله بن المبارك: (فَنُرَى ذلك كان على عهد رسول الله ﷺ )؛ يعني: حيث كان الجهادُ واجبًا (١)، وحمله على النفاق الحقيقي. ويحتمل أن يجمع على جميع الأزمان، ويكون معناه: أن كل من كان كذلك أشبه المنافقين وإن لم يكن كافرًا. والله تعالى أعلم.

стр. 2000

[١٣٧٧] وعَن أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعطِيَهَا وَلَو لَم تُصِبهُ. رواه مسلم (١٩٠٨). [١٣٧٨] ومن حديث سَهلِ بنِ حُنَيفٍ: مَن سَأَلَ اللَّهَ شهَادَةَ بِصِدقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِن مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ. رواه مسلم (١٩٠٩)، وأبو داود (١٥٢٠)، والترمذي (١٦٥٣)، والنسائي (٦/ ٣٦ - ٣٧)، وابن ماجه (٢٧٩٧). * * * (٥١) باب الغزو في البحر [١٣٧٩] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنتِ مِلحَانَ فَتُطعِمُهُ، ــ وقوله: (من سأل الله الشَهادة بصدق بلَّغه الله تعالى منازلَ الشُهداء؛ وإن مات على فراشه)؛ هذا يدلُّ على صحة ما أصَّلناه في الباب الذي قبل هذا، وهو: أنَّه مَن نوى شيئا من أعمال البرِّ، ولم يتفق له عملُه لعذرٍ، كان بمنزلة مَن باشر ذلك العملَ، وعَمِلَه. (٥١) ومن باب: الغزو في البحر قوله: (إن رسول الله ﷺ كان يدخلُ على أمِّ حرام بنت مِلحان)؛ أمّ حرام هذه هي أخت أم سليم أم أنس بن مالك، وكان اسم أم حرام: الرميصاء. وقيل: الغميصاء، وإنما الرميصاء أمُّ سليم. وكذا ذكره البخاري. و(الرميصاء): من

стр. 2001

وَكَانَت أُمُّ حَرَامٍ تَحتَ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَومًا فَأَطعَمَتهُ، ثُمَّ جَلَسَت تَفلِي رَأسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ استَيقَظَ وَهُوَ يَضحَكُ، قَالَت: فَقُلتُ: مَا يُضحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَاسٌ ــ الرمص، وهو القذى الذي يجتمع في مآقي العين وأهدابها. و(الغمص): استرخاءٌ فيها وانكسار، وهما اسمان لهما، ويجوزُ أن يكون ذلك صفتين، ولعل الغمصَ هو الذي كان غالبًا على نساء الأنصار، وهو الذي عنى به النبيُّ ﷺ حيث قال لجابر: فإن في عيون الأنصار شيئا (١). ودخولُ النبي ﷺ على أم حرام؛ لأنها كانت إحدى خالاته من الرَّضاعة، كما قال ابنُ وهب. وقال غيرُه: بل كانت خالة لأبيه (٢)، أو لجدِّه؛ لأن أم عبد المطلب (٣) من بني النجار. وقوله: (وكانت تحت عُبادة بن الصامت)؛ ظاهرُه: أن أم حرام كانت زوجًا لِعُبادة في الوقت الذي دخل عليها النبيُّ ﷺ ، ورأى تلك الرؤيا، وليس الأمرُ كذلك، بل تزوَّجها عُبادةُ بعد ذلك بمدةٍ، كما قاله في الرواية الأخرى: فتزوَّجها عبادةُ بَعدُ، فغزا في البحر. فهذا يدلُّ على تعقيب تزوجها بغزوهم، وكان ذلك الغزو في زمان معاوية، إمَّا وهو أميرُ الجيش، أو أمير المؤمنين، على ما في ذلك من الخلاف. وفي قوله: (أطعمته)؛ دليل على جواز تصرُّف المرأة في إطعام الضيف من طعام زوجها؛ لأن الأصل في أطعمة الدَّار إنما هي مال الزوج. وفيه دليل على خلوة الرَّجل بذات محرم، والتبسُّط معها، والقرب منها، لا سيما على رواية من

стр. 2002

مِن أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَركَبُونَ ثَبَجَ هَذَا البَحرِ، مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ، أَو مِثلَ المُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ. (يَشُكُّ أَيَّهُمَا قَالَ). قَالَت: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: ادعُ اللَّهَ أَن يَجعَلَنِي مِنهُم، فَدَعَا لَهَا. ثُمَّ وَضَعَ رَأسَهُ، فَنَامَ ــ روى: أنَّه ﷺ وضع رأسه على فخذها. ويمكن أن يقال: إنه ﷺ كان لا يستتر منه النساء؛ لأنه كان معصومًا بخلاف غيره. وضحكه ﷺ حين استيقظ إنما كان فَرَحًا مما اطلع عليه من أحوال من يكون كذلك حالُه من أمته بعده. و(ثبج البحر): ظهره، كما قال في الرواية الأخرى. وأصل الثَّبج: ما يلي الكتفين. وقوله: (ملوكًا على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة)؛ هو شكّ من بعض الرواة، وقد ورد في طريقٍ أخرى: (كالملوك على الأسرَّة)، بغير شكِّ، ويحتمل أن يكون خبرًا عن حالهم في غزوهم. ويحتملُ أن يكونَ خبرًا عن حالهم في الجنة، كما قال تعالى في صفة أهل الجنَّة: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَصفُوفَةٍ﴾ و ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ وفيه دليل على ركوب البحر في الغزو. ويلحقُ به ما في معناه ن الحج وغيره؛ وهو مذهبُ جمهور الصحابة والعلماء، غير أنه قد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ وعمر بن عبد العزيز ﵁ منع ركوبه مطلقًا. وقيل: إنما منعاه للتجارة، وطلب الدنيا، لا للطاعات. وكره مالك ركوبه للنساء مطلقًا، لما يخاف عليهن من أن يُطلع منهن على عورةٍ، أو يطلعن على عورات المتصرِّفين. قال الأصحابُ: هذا فيما صَغُر من السُّفن، فأمَّا ما كَبُر منهن، بحيث يستترن بأماكن يختصصن بها، فلا بأس. وقولها في الثانية: (ادع الله أن يجعلني منهم)؛ كأنها ظنَّت أن المعروضين

стр. 2003

ثُمَّ استَيقَظَ وَهُوَ يَضحَكُ، قَالَت: فَقُلتُ: مَا يُضحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَاسٌ مِن أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ. كَمَا قَالَ فِي الأُولِ، قَالَت: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادعُ اللَّهَ أَن يَجعَلَنِي مِنهُم، قَالَ: أَنتِ مِن الأَوَّلِينَ. فَرَكِبَت أُمُّ حَرَامٍ بِنتُ مِلحَانَ البَحرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ، فَصُرِعَت عَن دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَت مِن البَحرِ فَهَلَكَت. وَفِي رِوَايَةٍ: يَركَبُونَ ظَهرَ هَذَا البَحرِ الأَخضَرِ. ــ عليه ثانيا مساوون للأولين في الرتبة، فسألت رتبتهم ليتضاعف لها الأجر، ولم تشك في إجابة دعاء النبي ﷺ لها في المرة الأولى. وقوله: (أنت من الأولين)؛ أي: من الزمرة التي رآها أولًا. وهذا يدل: على أن المرئيين ثانيًا ليسوا الأولين، وكانت الطائفة الأولى غزاة أصحابه في البحر. والثانية: غزاة التابعين فيه. والله تعالى أعلم. وقوله: (فركبت البحر في زمن معاوية)؛ ظاهره: في زمان خلافة معاوية. وقال به بعض أهل التاريخ. والأشهر من أقوالهم: إن ذلك إنما كان في خلافة عثمان بن عفان ﵁، وفيها كان معاوية قد غزا قبرص سنة ثمان وعشرين، ومعه زوجته فاختة بنت قرظة من بني عبد مناف، قاله خليفة بن خياط (١) وغيره. وفيها ركبت أم حرام البحر مع زوجها إلى قبرص، وبها توفيت حين صرعتها دابتها، ودفنت بها. وفيه دليل: على صحَّة نبوة النبي ﷺ ، وعلى صدقه، فإنه قد وقع ما أخبر عنه من الغيب على نحو ما أخبر عنه.

стр. 2004

وَفِي أُخرَى: قَالَ: فَتَزَوَّجَهَا عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ بَعدُ، فَغَزَا فِي البَحرِ فَجَعَلَهَا مَعَهُ، فَلَمَّا أَن جَاءَت قُرِّبَت لَهَا بَغلَةٌ، فَرَكِبَتهَا فَصَرَعَتهَا، فَاندَقَّت عُنُقُهَا. رواه أحمد (٦/ ٣٦١)، والبخاري (٢٧٩٩)، ومسلم (١٩١٢)، وأبو داود (٢٤٩١)، والنسائي (٦/ ٤٠ - ٤١)، والترمذي (١٦٤٥)، وابن ماجه (٢٧٧٦). * * * (٥٢) باب في فضل الرِّباط، وكم الشهداء ؟ [١٣٨٠] عَن سَلمَانَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: رِبَاطُ يَومٍ وَلَيلَةٍ خَيرٌ مِن صِيَامِ شَهرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِن مَاتَ جَرَى عَلَيهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ ــ وفيه دليل: على أن من مات في طريق الجهاد من غير مشاهدته ومباشرته؛ له من الأجر والرتبة مثل ما للمباشر. كما قدَّمناه. (٥٢) ومن باب: فضل الرِّباط، وكم الشهداء؟ الرِّباط: مصدر رابط، يرابط، رباطًا: إذا قام في ثغر من ثغور الإسلام حارسًا له من العدو. وأصله: من ربط الخيل فيها. وقوله: (وإن مات)؛ يعني: في حالة الرِّباط جرى عليه عمله)؛ أي: أجر عمله (الذي كان يعمله) في حال رباطه، وأجر رباطه. وقد جاء في غير مسلم

стр. 2005

يَعمَلُهُ، وَأُجرِيَ عَلَيهِ رِزقُهُ، وَأَمِنَ الفَتَّانَ. رواه أحمد (٥/ ٤٤٠)، ومسلم (١٩١٣)، والترمذي (١٦٦٥)، والنسائي (٦/ ٣٩). [١٣٨١] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَينَمَا رَجُلٌ يَمشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصنَ شَوكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ. وَقَالَ: الشُّهَدَاءُ خَمسَةٌ: المَطعُونُ، وَالمَبطُونُ، وَالغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الهَدمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. رواه أحمد (٢/ ٥٣٣)، والبخاري (٦٥٢)، ومسلم (١٩١٤)، والترمذي (١٩٥٨)، وابن ماجه (٢٦٨٢). ــ بأوضح من هذا؛ قال: (كل ميتٍ يختم على عمله إلا المرابط، فينمو له عمله) (١). وقوله: (وأجري عليه رزقه)؛ يعني به- والله تعالى أعلم-: أنه يرزق في الجنة كما يرزق الشهداء؛ الذين تكون أرواحهم في حواصل الطير، تأكل من ثمر الجنة، كما تقدَّم في الشهيد. وقوله: (وأمِنَ الفتَّان)؛ يروى عن الأكثر من الرواة: بضم الفاء، جمع فاتن، ويكون للجنس؛ أي: يؤمن من كل ذي فتنة. ورواه الطبري: بفتح الفاء؛ يعني به: فتان القبر. وكذلك رواه أبو داود مفسرًا بالإضافة إلى القبر. وقوله ﷺ في مؤخر غصن الشوك: (فشكر الله له)؛ أي: رضي فعله ذلك، وأثابه عليه بالأجر، والثناء الجميل. وقد تقدَّم: أن أصل الشكر: الظهور. وقوله: (الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغرق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله)، وقال مالك من حديث جابر بن عتيك: أن رسول الله ﷺ

стр. 2006

[١٣٨٢] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا تَعُدُّونَ ــ قال: (الشهداء سبعة، والقتيل في سبيل الله) (١)، وذكر نحو ما تقدَّم، وزاد: (وصاحب ذات الجنب، والحريق، والمرأة تموت بجمع)، ولا يظن: أن بين قوله: (الشهداء خمسة)، و (الشهداء سبعة)، تناقضًا؛ لأنهما حديثان مختلفان، أخبر بهما في وقتين مختلفتين. ففي وقت أوحي إليه أنهم خمسة. وفي وقت آخر أوحي إليه أنهم أكثر. والله تعالى أعلم. فأما المطعون؛ فهو الذي يموت بالطاعون، وهو: الوباء. وقد فسَّره في الحديث الآخر؛ إذ قال فيه: (الطاعون شهادة لكل مسلم)، ولم يُرد المطعون بالسَّنان، لأنه هو المقتول في سبيل الله، المذكور من جملة الخمسة. و(المبطون): هو الذي يموت من علَّة البطن، كالاستسقاء، والحقن- وهو: انتفاخ الجوف-، والإسهال. و(الغرق) يروى بغير ياء، كحذر. ويروى بالياء، وهو للمبالغة كعليم. و(صاحب الهدم): هو الذي يموت تحت الهدم. و(الحريق): هو الذي يموت بحرق النار. وهؤلاء الثلاثة إنما حصلت لهم مرتبة الشهادة لأجل تلك الأسباب؛ لأنهم لم يغررّوا بنفوسهم، ولا فرّطوا في التحرز، ولكن أصابتهم تلك الأسباب بقضاء الله وقدره. فأما من غرر، أو فرط في التحرز حتى أصابه شيء من ذلك فمات، فهو عاص، وأمره إلى الله؛ إن شاء عذب، وإن شاء عفا. وأما صاحب ذات الجنب: فهي قرحة في الجنب، وورم شديد، وتُسمى: الشوصة.

стр. 2007

الشَّهِيدَ فِيكُم؟ . قَالَوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَن قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، قَالَ: إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ. قَالَوا: فَمَن هُم يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَن قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَن مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَن مَاتَ من الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَن مَاتَ من البَطنِ فَهُوَ شَهِيدٌ. وفي رواية: والغريق شهيد. رواه أحمد (٢/ ٥٢٢)، ومسلم (١٩١٥)، وابن ماجه (٢٨٠٤). [١٣٨٣] وَعَن أَنسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ : الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسلِمٍ. رواه البخاري (٢٨٣٠)، ومسلم (١٩١٦). * * * ــ وأما المرأة تموت بجمع، ويُقال: بضم الجيم وكسرها، فهي المرأة تموت حاملًا، وقد جمعت ولدها في بطنها. وقيل: هي التي تموت في نفاسه وبسببه. وقيل: هي التي تموت بكرًا لم تفتض (١). وقيل: بكرًا لم تظهر لأحد. والأول أولى وأظهر. والله تعالى أعلم. وقوله: (ومن مات في سبيل الله فهو شهيد)؛ يعني: أنه يموت شهيدًا وإن لم يباشر الحرب، ولم يشاهده، كما قدَّمناه. * * *

стр. 2008

(٥٣) باب في قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا استَطَعتُم﴾ [١٣٨٤] عن عُقبَةَ بنَ عَامِرٍ قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى المِنبَرِ يَقُولُ: وَأَعِدُّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ أَلَا إنَّ القُوَّةَ الرَّميُ، أَلَا إِنَّ القُوَّةَ الرَّميُ، أَلَا إِنَّ القُوَّةَ الرَّميُ. رواه مسلم (١٩١٧)، وأبو داود (٢٥١٤)، والترمذي (٣٠٨٣)، وابن ماجه (٢٨٨٣). ــ (٥٣) ومن باب: قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ﴾ القوَّة: التقوي بما (١) يحتاج إليه من الدروع، والمجان، والسيوف، والرِّماح، والرمي وسائر آلات الحرب، إلا أنه لما كان الرَّمي أنكاها في العدو، وأنفعها فسرها وخصصها بالذكر وأكدها ثلاثًا (٢)، ولم يرد أنها كل العدّة، بل أنفعها. ووجه أنفعيتها: أن النكاية بالسِّهام تبلغ العدو من الشجاع وغيره، بخلاف السيف والرمح، فإنه لا تحصل النكاية بهما إلا من الشجعان الممارسين للكرِّ والفرِّ، وليس كل أحد كذلك. ثم: إنها أقرب مؤونة، وأيسر محاولة وإنكاء. ألا ترى أنه قد يرمى رأس الكتيبة فينهزم أصحابه؟ إلى غير ذلك مما يحصل منه من الفوائد، والله تعالى أعلم.

стр. 2009

[١٣٨٥] وعنه قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: سَتُفتَحُ عَلَيكُم الأَرَضُونَ وَيَكفِيكُمُ اللَّهُ، فَلَا يَعجِزُ أَحَدُكُم أَن يَلهُوَ بِأَسهُمِهِ. رواه أحمد (٤/ ١٥٧)، ومسلم (١٩١٨)، والترمذي (٣٠٨٣). [١٣٨٦] وعَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ شِمَاسَةَ: أَنَّ فُقَيمًا اللَّخمِيَّ قَالَ لِعُقبَةَ بنِ عَامِرٍ: تَختَلِفُ بَينَ هَذَينِ العرَضَينِ وَأَنتَ كَبِيرٌ يَشُقُّ عَلَيكَ! فقَالَ عُقبَةُ: لَولَا كَلَامٌ سَمِعتُهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَم أُعَانِهِ، فَقِيلَ لِابنِ شَمَاسَةَ: وَمَا ذَلكَ؟ قَالَ: إِنَّهُ قَالَ: مَن عَلِمَ الرَّميَ ثُمَّ تَرَكَهُ، فَلَيسَ مِنَّا، أَو قَد عَصَى. ــ وقوله ﷺ : (ستفتح عليكم الأرضون، ويكفيكم الله)؛ أي: أمر العدو بالظهور عليه، وبالتمكين منه، وقد كان كل ذلك، وهذا من دلائل صحة نبوته (١). وقوله: (فلا يعجز أن يلهو أحدَّكم بأسهمه)؛ أي: يجعل الرَّمي بدلًا من اللهو، فيندرج عليه، ويشتغل به حتى لا ينساه، ولا يغفل عنه فيأثم، على ما جاء في حديث عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله يدخل بالسَّهم الواحد ثلاثة نفر الجنَّة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، ومنبله، والرامي به. وأن ترموا أحبّ إليّ من أن تركبوا. ليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله. ومن ترك الرمي بعدما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها - أو قال: كفرها -). خرَّجه أبو داود (٢). ويدل عليه حديث فقيم المذكور في الأصل على ما يفسر بعد. وقوله: (من علم الرمي ثم تركه فليس منا، أو قد عصى)؛ هذا شك من

стр. 2010

رواه أحمد (٤/ ١٤٨)، ومسلم (١٩١٩)، وابن ماجه (٢٨١٤). * * * (٥٤) باب في قوله ﵊: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين) [١٣٨٧] عَن ثَوبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ لَا يَضُرُّهُم مَن خَذَلَهُم، حَتَّى يَأتِيَ أَمرُ اللَّهِ وَهُم كَذَلِكَ. ــ بعض الرواة في أي اللفظين قال ﷺ . وهو ظاهر في ذم من ترك الرمي بعد أن علمه. وسبب هذا الذم: أن هذا الذي تعلم الرمي حصلت له أهلية الدفاع عن دين الله، والغناء فيه، والنكاية في العدو. فقد تعيّن لأن يقوم بوظيفة الجهاد، فإذا ترك ذلك حتى يعجز عنه فقد فرط في القيام بما تعين عليه، فذم على ذلك. وهذا مثل ما تقدَّم في كتاب الصلاة؛ فيمن تعلم القرآن فنسيه. وقوله: (وليس منا)؛ أي: ليس على طريقتنا، ولا سنتنا، كما قال: (ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب. و (ليس منا من دعا بدعوى الجاهلية). و (من غشنا فليس منا) (١)، وهو ذم بلا شك. وأما قوله: (فقد عصى)، فنص في الوجوب. وقوله: (لم أعانه)؛ أي: لم أكابده، ولم أقاسه. (٥٤) ومن باب: قوله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين قوله: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين)؛ الطائفة: الجماعة، وهم

стр. 2011

رواه مسلم (١٩٢٠)، وأبو داود (٤٢٥٢)، والترمذي (٢١٧٧). [١٣٨٨] وعَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَن يَبرَحَ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا تُقَاتِلُ عَلَيهِ عِصَابَةٌ مِن المُسلِمِينَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. رواه أحمد (٥/ ١٠٣)، ومسلم (١٩٢٢). [١٣٨٩] وعن عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ شِمَاسَةَ المَهرِيُّ قَالَ كُنتُ عِندَ مَسلَمَةَ بنِ مُخَلَّدٍ، وَعِندَهُ عَبدُ اللَّهِ بنُ عَمرِو بنِ العَاصِ، فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ الخَلقِ، وهُم شَرٌّ مِن أَهلِ الجَاهِلِيَّةِ، لَا يَدعُونَ اللَّهَ بِشَيءٍ إِلَّا رَدَّهُ عَلَيهِم، فَبَينَمَا هُم عَلَى ذَلِكَ، أَقبَلَ عُقبَةُ بنُ عَامِرٍ فَقَالَ لَهُ مَسلَمَةُ: يَا عُقبَةُ، اسمَع مَا يَقُولُ عَبدُ اللَّهِ، فَقَالَ عُقبَةُ: هُوَ أَعلَمُ، وَأَمَّا أَنَا فَسَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِن أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ ــ العصابة في الحديث الآخر، وهم الذين قال الله تعالى في حقهم (١): ﴿وَمِمَّن خَلَقنَا أُمَّةٌ يَهدُونَ بِالحَقِّ وَبِهِ يَعدِلُونَ﴾ والطائفة في الأصل هي: القطعة من الشيء. يقال: طائفة من كذا؛ أي: قطعة منه. وهي من الناس: الجماعة. قال مجاهد: هم من الواحد إلى الألف. وكذلك قال النخعي. وقال عطاء: أقله رجلان فصاعدًا. وقال الزهري: ثلاثة فصاعدًا. والطائفة هي الفرقة التي يمكن أن تكون حلقة، وكأنها الجماعة الحافة حول الشيء، أقلها ثلاثة أو أربعة (٢). و(ظاهرين): منصورين غالبين، كما قال في الحديث الآخر: (يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خذلهم) (٣)؛ أي: من لم ينصرهم من الخلق. و(أمر الله): الساعة كما قد جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى.

стр. 2012

عَلَى أَمرِ اللَّهِ، قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِم، ولَا يَضُرُّهُم مَن خَالَفَهُم، حَتَّى تَأتِيَهُم السَّاعَةُ وَهُم عَلَى ذَلِكَ. فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ: أَجَل، ثُمَّ يَبعَثُ اللَّهُ رِيحًا كَرِيحِ المِسكِ مَسُّهَا كمَس الحَرِيرِ، لَا تَترُكُ نَفسًا فِي قَلبِهِ مِثقَالَ حَبَّةٍ مِن إِيمَانِ إِلَّا قَبَضَتهُ، ثُمَّ يَبقَى شِرَارُ النَّاسِ عَلَيهِم تَقُومُ السَّاعَةُ. رواه مسلم (١٩٢٤). ــ وقد اختلف في: من هذه الطائفة؟ وأين هم؟ فقال علي بن المديني: هم العرب، واستدل برواية من روى: (وهم أهل الغرب)، وفسَّر (الغرب) بالدلو العظيمة. وقيل: أراد بالغرب: أهل القوة، والشدَّة، والحدِّ. وغرب كل شيء حدَّه. وقيل: أراد به: غرب الأرض. وهو ظاهر حديث سعد بن أبي وقاص (١). وقال فيه: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق في المغرب (٢) حتى تقوم السَّاعة)، ورواه عبد بن حميد (٣)، وقال فيه: (لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم السَّاعة، أو يأتي أمر الله). ورواه بقي بن مخلد في مسنده كذلك: (لا يزال أهل المغرب) كذلك. قلت: وهذه الروايات تدل على بطلان (٤) التأويلات المتقدَّمة، وعلى أن المراد به أهل المغرب في الأرض، لكن أول المغرب بالنسبة إلى المدينة - مدينة النبي ﷺ ؛ إنما هو الشام، وآخره: حيث تنقطع الأرض من المغرب الأقصى وما بينهما، كل ذلك يقال عليه: مغرب. فهل أراد المغرب كله، أو أوله؟ كل ذلك

стр. 2013

[١٣٩٠] وعَن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَزَالُ أَهلُ الغَربِ ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. رواه مسلم (١٩٢٥). * * * ــ محتمل، لا جرم قال معاذ في الحديث الآخر (١): (هم أهل الشام). ورواه الطبري وقال: (هم ببيت المقدس). وقال أبو بكر الطرطوشي في رسالة بعث بها إلى أقصى المغرب، بعد أن أورد حديثًا في هذا المعنى؛ قال- والله تعالى أعلم-: هل أرادكم رسول الله ﷺ أو أراد بذلك جملة أهل المغرب؛ لما هم عليه من التمسُّك بالسُّنة والجماعة، وطهارتهم من البدع والإحداث في الدِّين، والاقتفاء لآثار من مضى من السَّلف الصالح؟ والله تعالى أعلم (٢). قلت: وفي هذا الحديث دلالة على صحَّة الإجماع؛ لأن الأمة إذا أجمعت فقد دخلت فيهم هذه العصابة المختصة، فكل الأمة مُحق فإجماعهم حق. ويفيد هذا المعنى أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمِمَّن خَلَقنَا أُمَّةٌ يَهدُونَ بِالحَقِّ وَبِهِ يَعدِلُونَ﴾ ولا تعارض بين هذا الحديث وبين قوله ﷺ : (لا تقوم السَّاعة إلا على شرار الخلق) (٣)، وبين قوله: (لا تقوم السَّاعة وفي الأرض من يقول: الله، الله) (٤)؛ لما يأتي في حديث عقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو، فإنه ﷺ بيّن ذلك فيه بيانًا شافيًا، فتأمله، فلا مزيد عليه.

стр. 2014

(٥٥) باب من آداب السفر [١٣٩١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا سَافَرتُم فِي الخِصبِ، فَأَعطُوا الإِبِلَ حَظَّهَا مِن الأَرضِ، وَإِذَا سَافَرتُم فِي السَّنَةِ، فَأَسرِعُوا عَلَيهَا السَّيرَ، وَإِذَا عَرَّستُم بِاللَّيلِ، فَاجتَنِبُوا الطَّرِيقَ فَإِنَّهَا مَأوَى الهَوَامِّ بِاللَّيلِ. وفي رواية: فإذا سافرتم في السنة فبادروا بها نقيها. رواه أحمد (٢/ ٣٣٧)، ومسلم (١٩٢٦)، وأبو داود (٢٥٦٩)، والترمذي (٢٨٥٨). ــ (٥٥) ومن باب: آداب السَّفر قوله: (إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض)؛ أي: ارفقوا بها في الرَّعي حتى تأخذ منه ما يمسك قواها، ويرد شهوتها، ولا تعجّلوها فتمنعوها المرعى مع وجوده، فيجتمع عليها ضعف القوى مع ألم كسر شهوتها. وقوله: (وإذا سافرتم في السَّنة فأسرعوا عليها السير)؛ السَّنة: الجدب، ضد الخصب. وإنما أمر بالإسراع بها في الجدب لتقرب مدة سفرها، فتبقى قوتها الأولى، فإنه إن رفق بها طال سفرها، فهزلت وضعفت؛ إذ لا تجد مرعى تتقوَّى به. وإلى هذا أشار ﷺ بقوله: (بادروا بها نقيها)؛ والنقي: مخ العظام، وهو بكسر النون. و(التعريس): النزول من آخر الليل. وهذه الأوامر من باب الإرشاد إلى المصالح والندب إليها.

стр. 2015

[١٣٩٢] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: السَّفَرُ قِطعَةٌ مِن العَذَابِ، يَمنَعُ أَحَدَكُم نَومَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُم نَهمَتَهُ مِن وَجهِهِ، فَليُعَجِّل إِلَى أَهلِهِ. رواه أحمد (٢/ ٢٣٦)، والبخاري (١٨٠٤)، ومسلم (١٩٢٧)، وابن ماجه (٢٨٨٢). [١٣٩٣] وعَن أَنَسِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يَطرُقُ أَهلَهُ لَيلًا، وَكَانَ يَأتِيهِم غُدوَةً أَو عَشِيَّةً. رواه مسلم (١٩٢٨). [١٣٩٤] وعَن جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن يَطرُقَ الرَّجُلُ أَهلَهُ لَيلًا، يَتَخَوَّنُهُم أَو يطلب عَثَرَاتِهِم. ــ وقوله: (السَّفر قطعة من العذاب)؛ أي: لما فيه من المشقات، والأنكاد، ومكابدة الأضداد، والامتناع من الراحات، واللذات. و(النهمة) - بفتح النون-: بلوغ الغرض، والوصول إلى المقصود. وقوله: (فليعجل إلى أهله)؛ أي: يسرع بالرجوع إلى أهله ليزول عذابه، ويطيب له طعامه وشرابه، وتزول مشقته. وقوله: (فلا يأتينَّ أهله طُرُوقًا) (١) - بضم الطاء-؛ يعني: ليلًا، وهو مصدر: طرق، طروقًا، أي: خرج خروجًا. والطارق: الآتي ليلًا. ومنه سُمي النجم: طارقًا. ومنه: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ و(تستحد): أي: تستعمل

стр. 2016

رواه أحمد (٣/ ٢٩٩)، والبخاري (٥٢٤٣)، ومسلم (٧١٥) (١٨٤) في الإمارة، وأبو داود (٢٧٧٦)، والترمذي (٢٧١٢). * * * ــ الحديدة في حلق الشعر. و(المغيبة): التي غاب عنها زوجها. وهو من: أغابت، تغيب، فهي: مغيبة. و (الشعثة)؛ التي علاها الشعث. وهو: الغبار، والوسخ في الشعر؛ يعني بذلك: أن المرأة في حال غيبة زوجها متبذلة، لا تمتشط، ولا تدَّهن، ولا تتنظف، فلو بغتها زوجها من سفره، وهي على تلك الحال، استقذرها، ونفرت نفسه منها، وربما يكون ذلك سبب فراقها، فإذا قدم نهارًا سمعت بخبر قدومه؛ فأصلحت من شأنها، وتهيأت له، فحسنت الحال، وأمنت النفرة المذكورة. وفيه من الفقه: أن المرأة ينبغي لها أن تتحسَّن، وتتزيَّن، وتتطيَّب وتتصنَّع للزوج بما أمكنها، وتجتهد في ألا يرى منها زوجها ما تنفر نفسه منها بسببه؛ من الشعث والوسخ، وغير ذلك. وأما نهيه ﷺ في حديث جابر عن الطروق: فلمعنًى آخر، وهو: أن يظن بهن خيانة في أنفسهن، أو فيما في أيديهن مما أمَّنهن عليه. وهو ظنّ لا يحل، وتخمين منهي عنه. فصار النهي عن طروق الرجل أهله معللًا بعلتين، بالأولى، وبالثانية. والله تعالى أعلم. * * *

стр. 2017

(١٤) كِتَاب الإِمَارَةِ وَالبَيعَةِ (١) بَاب اشتِرَاطِ نَسَبِ قُرَيشٍ في الخِلافَةِ [١٣٩٥] عَن أبي هُرَيرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ : النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيشٍ في هذا الشَّأنِ؛ مُسلِمُهُم لِمُسلِمِهِم، وَكَافِرُهُم لِكَافِرِهِم. رواه أحمد (٢/ ٢٤٢)، والبخاري (٣٤٩٥)، ومسلم (١٨١٨) (١)، والترمذي (٣٩٠٣). ــ (١٤) كتاب الإمارة (١) ومن باب: اشتراط نسب قريش في الخلافة (١) قوله الناس تبعٌ لقريشٍ في هذا الشأن؛ يعني به شأنَ الولايةِ والإمارةِ، وذلك أنَّ قريشًا كانت في الجاهلية رؤساءَ العرب وقادتَها، لأنَّهم أهلُ البيت والحرم، حتَّى كانت العرب تسمِّيهم أهلُ اللهِ، وإليهم كانوا يرجعونَ في أمورِهم ويعتمدون عليهم فيما ينوبُهم، ولذلك توقَّف كثيرٌ من الأعرابِ عن الدُّخولِ في الإسلامِ قبل أن تدخل فيه قريشٌ، فلمّا أسلموا ودخلوا فيه أطبقت العرب على

стр. 2018

[١٣٩٦] وَمِن حَدِيثِ جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ: النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيشٍ في الخَيرِ وَالشَّرِّ. رواه أحمد (٣/ ٣٨٣)، ومسلم (١٨١٩). [١٣٩٧] وَعَن عَبدِ اللهِ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يَزَالُ هذا الأمرُ في قُرَيشٍ مَا بَقِيَ مِن النَّاسِ اثنَانِ. رواه مسلم (١٨٢٠)، وعبد الله هو ابن عمر. ــ الدُّخول في الدِّين بحكم أنَّهم كانوا لهم تابعينَ ولإسلامهم منتظرين - كذا ذكره ابنُ إسحاق وغيره، فهذا معنى تَبَعِيَّةِ النَّاسِ لهم في الجاهلية. ثم لَمَّا جاء الإسلام استقر أمر الخلافة والملك في قريش شرعًا ووجودًا، ولذلك قالت قريشٌ يومَ السَّقِيفَةِ للأنصار: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء. قال عمر في كلامه: إنَّ هذا الأمر لا تعرفه الناس إلا لهذا الحيِّ من قريش، فانقادوا لذلك ولم يخالف فيه أحدٌ، وهو إجماع السَّلف والخلف، ولا اعتبار بقول النَّظَّام (١) ولا ضرار بن عمرو وأهل البدع من الخوارج وغيرهم إذ قالوا بجواز صحتها لغير قريش؛ لأنَّهم إمَّا مُكَفَّرٌ وإما مُفَسَّقٌ، ثم إنهم مسبوقون بإجماع السَّلف ومُحجُوجون بهذه الأحاديث الكثيرة الشهيرة، ويعني بالخير في الرِّواية الأخرى ولاية قريش في الإسلام. وقوله لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان، هذا خبرٌ عن المشروعية؛ أي: لا تنعقدُ الإمامة (٢) الكبرى إلَاّ لهم متى وجد منهم واحدٌ، وفي

стр. 2019

[١٣٩٨] وَعَن عَامِرِ بنِ سَعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ قال: كَتَبتُ إِلَى جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ مَعَ غُلامِي نَافِعٍ أَن أَخبِرنِي بِشَيءٍ سَمِعتَهُ مِن رسول الله ﷺ . قال: فَكَتَبَ إِلَيَّ: سَمِعتُ رسول الله ﷺ يَومَ جُمُعَةٍ عَشِيَّةَ رُجِمَ الأَسلَمِيُّ ــ حديث آخر الأَئِمَّةُ مِن قُرَيشٍ (١)، وقد استدلَ بهذا اللَّفظ وما في معناه من قوله قَدِّمُوا قُرَيشًا وَلا تَتَقَدَّمُوها (٢) كُبراء أصحاب الشافعي ﵀ على ترجيح مذهب الشافعي على غيره من حيث إنه قرشيٌّ، ولا حجة فيه؛ لأنَّه لا يصحُّ الاحتجاج به إلَاّ حتى تُحمَل الإمامةُ فيه على العموم في كل شيء يُحتاج إلى الاقتداء فيه، من الإِماَمةِ الكُبرى، وإمامة الفَتوى، والقضاء، والصَّلاة، وغير ذلك من الولايات. ولا يصح ذلك للإجماع على خِلافِه؛ إذ قد أجمعت الأمة على أن جميع الولايات تصحُّ لغير قريش ما خلا الإمامة الكبرى، فهي المقصودة بالحديث قَطعًا. وقد قدَّم النبي ﷺ غير قريش على قريش، فإنه قدَّم زيد بن حارثة وولده أسامة ومعاذ بن جبل، وقدَّم سالِمًا مولى أبي حُذيفة على الصلاة بقباء، فكان يَؤُمُّهُم وفيهم أبو بكر وعمر وغيرهم من كبراء قريش، ثم إن الشافعي رحمه الله تعالى أول من ترك عموم تلك الأخبار، فإنَّه قد اقتدى بمالك واستَفتَاهُ، ومالك ليس بقرشيٍّ، وإنما هو أَصبَحيٌّ صَرِيحًا. وأيضًا: فإنَّه لم يُرو عنه أنه منع من تقليد من ليس بقرشي - فدلَّ هذا كُلُّه على أن المُستَدلَّ بذلك الحديث على تقديم مذهب الشافعي صَحِبَتهُ غَفلَةٌ قارنها من تَصمِيم التَّقليد طَيشَةٌ، وربما رووا ألفاظًا رفعوها؛ كقوله: تَعَلَّمُوا من قريش ولا تُعَلِّمُوها، وذلك لا يصحُّ نَقلًا ولا معنى لما تقدَّم، والله تعالى أعلم.

стр. 2020

يَقول: لا يَزَالُ الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، أَو يَكُونَ عَلَيكُم اثنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُم مِن قُرَيشٍ. ــ وقوله لا يزال الدِّين قائمًا حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة، يعني بالدِّين دين الإسلام، وهو الظاهر، ويعني بقوله قائمًا أي عزيزًا ممتنعًا (١)، كما جاء مفسرًا في الرواية الأخرى. وقوله أو يكون عليكم قَيَّدناه على من يُوثَقُ بِتَقَيِّيدِه بالنَّصب، وتكون أو بمعنى (إلى أن)، كقوله (٢): فَقلتُ لَهُ لا تَبكِ عَينَكَ إِنَّما ... نُحَاوِلُ مُلكًا أَو نَمُوتَ فَنُعذَرَا وقد دلَّ على هذا الرِّواية الأخرى، وهي قولهُ لا يزال هذا الأمر عزيزًا إلى اثني عشر خليفة كلهم (٣) من قريش؛ يعني به أنه لا تزال عزَّةُ دين الإسلام قائمة إلى اثني عشر خليفة من قريش، وقد اختلف فيهم على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنهم خلفاء العَدلِ؛ كالخلفاء الأربعة وعمر بن عبد العزيز، ولا بُدَّ من ظهور من يَتَنَزَّلُ مَنزِلَتُهم في إظهار الحق والعدل حتى يَكمُل ذلك العدد، وهو أولى الأقوال عندي (٤). وثانيها: أنَّ هذا إخبارٌ عن الولايات الواقعة بَعدَهُ وبَعدَ أصحابه، وكأنه أشار بذلك إلى مدة ولاية بني أُمَيَّة، ويعني بالدِّين الملك والولاية، وهو شرح الحال

стр. 2021

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في استقامة السَّلطَنَةِ لهم لا على طريق المدح. وقد يقال الدِّينُ على المُلكِ؛ كما قال (١): لَئِن حَلَلتَ بِجوٍّ من (٢) بني أسدٍ ... في دِينِ عمرٍو وحَالت بيننا فَدَكُ وقيل ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَأخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ المَلِكِ﴾ (٣) ثم عدّد هذا القائل ملوكهم فقال: أَوَّلُهم يزيدُ بنُ معاوية، ثم أتبعه معاويةُ بن يزيد - وقال: ولم يذكر ابن الزبير لأنه صحابي، ولا مروان لأنه غاصب لابن الزبير - ثم عبد الملك، ثم الوليد، ثم سليمان، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، ثم الوليد بن يزيد، ثم يزيد بن الوليد، ثم إبراهيم بن الوليد، ثم مروان بن محمد. فهؤلاء اثنا عشر، ثم خرجت الخلافة منهم إلى بني العباس. وثالثها: أن هذا خبر عن اثني عشر (٤) خليفة من قريش يجتمعون في زمان واحد في آفاق مختلفة كما قد وقع، فقد كان بالأندلس منهم في عصر واحد بعد أربعمائة وثلاثين سنة ثلاثة كلهم يَدَّعيها ويَلَقَّب بها، ومعهم صاحبُ مصر وخليفة بغداد، فكذلك يجوز أن يجتمع الاثنا عشر خليفة في العصر الواحد، وقد دلّ على هذا قوله ﷺ سيكون خلفاء فتكثر (٥)، وكلٌّ محتمل، والأول أولاها لبُعده عن الاعتراض.

стр. 2022

وَسَمِعتُهُ يَقول: عُصَيبَةٌ مِن المُسلِمِينَ يَفتَتِحُونَ البَيتَ الأَبيَضَ بَيتَ كِسرَى أَو آلِ كِسرَى. وَسَمِعتُهُ يَقول: إِنَّ بَينَ يَدَي السَّاعَةِ كَذَّابِينَ، فَاحذَرُوهُم. ــ وقوله عُصَيبَةٌ من المسلمين يفتتحون البيت الأبيض بيت كسرى، العُصَيبَة تصغير العِصابة، وهي الجماعة من الناس، قيل: أقلهم أربعون. ويحتمل أن يكون هذا التصغير للمفتتحين لقلة من يباشر فتح البيت - أعني بيتَ كسرى - فإنه يروى أن سعد بن أبي وقاص خاض دجلة - وهي مطلع إلى دار كسرى - فما بلغ الماء إلى حزام الفرس، وما ذهب للمسلمين شيء، ووجدوا قبابًا مملوءة سلالًا فيها آنية الذهب والفضة، ووجدوا كافورا كثيرا فظنوه ملحًا فعجنوا به فوجدوا مرارته، وكان في بيوت كسرى ثلاثة آلاف ألف ألف ألف دينار (١) - ثلاث مرات. ويحتمل أن يكون تصغيرهم بالنسبة إلى عدوهم، ويحتمل أن يكون تصغيرهم على جهة التعظيم، كما قالوا: . . . . . . . . . . . . . . ... دُوَيهِيَّة تَصفَّرُ منها الأنامل (٢) ووصف بيت كسرى بالأبيض لأنه كان مبنيًا بالجص ومزخرفًا بالفضة، والله تعالى أعلم. وقوله إن بين يدي السَّاعة كذابين، هذا يفسّره الحديث الآخر الذي قال فيه لا تقوم السَّاعة حتى يخرج ثلاثون كذّابون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين (٣).

стр. 2023

وَسَمِعتُهُ يَقول: أَنَا الفَرَطُ على الحَوضِ. وَسَمِعتُهُ يَقول: إِذَا أَعطَى اللَّهُ أَحَدَكُم خَيرًا فَليَبدَأ بِنَفسِهِ وَأَهلِ بَيتِهِ. وفي رواية: لا يَزَالُ هذا الأمر عَزِيزًا إِلَى اثنَي عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُم مِن قُرَيشٍ. رواه أحمد (٥/ ٩٠)، والبخاري (٧٢٢٣)، ومسلم (١٨٢١) (٨)، و (١٨٢٢) (١٠)، والترمذي (٢٢٢٣). * * * ــ وقوله إذا أعطى الله أحدكم خيرًا فليبدأ بنفسه وأهل بيته، خيرًا يعني به مالًا، وهذا كما قال في الحديث الآخر ابدأ بمن تعول (١)، وكقوله في حديث آخر إذا أنعم الله على عبد نعمة أحبَّ أن يرى أثر نعمته عليه (٢). ومعنى هذا الأمر الابتداء بالأهم فالأهم والأولى فالأولى، وقد بينّا هذا المعنى في كتاب الزكاة. وقوله أنا الفرط على الحوض فتح الراء، وهو المتقدّم إلى الماء ليهيئه ويصلحه، وهو الفارط أيضًا. والفَرطُ - بسكون الراء - السَّبق والتقدّم. * * *

стр. 2024

(٢) باب في جواز ترك الاستخلاف [١٣٩٩] عَن ابنِ عُمَرَ قال: دَخَلتُ عَلَى حَفصَةَ - ونوساتها تنطف - فَقالت: أَعَلِمتَ أَنَّ أَبَاكَ غير مُستَخلِفٍ؟ قال: قلتُ: مَا كَانَ لِيَفعَلَ! قالت: إِنَّهُ فَاعِلٌ! قال: فَحَلَفتُ أَنّ أُكَلِّمُهُ فِي ذلك، فَسَكَتُّ حَتَّى غَدَوتُ فَلَم أُكَلِّمهُ. قال: فَكُنتُ كَأَنَّمَا أَحمِلُ بِيَمِينِي جَبَلًا، حَتَّى رَجَعتُ فَدَخَلتُ عَلَيهِ، فَسَأَلَنِي عَن حَالِ النَّاسِ وَأَنَا أُخبِرُهُ. قال: ثُمَّ قلتُ لَهُ: إِنِّي سَمِعتُ النَّاسَ يَقولونَ مَقالةً فَآلَيتُ أَن أَقولهَا لَكَ؛ زَعَمُوا أَنَّكَ غير مُستَخلِفٍ وَأنَّهُ لَو كَانَ لَكَ رَاعِي غَنَمٍ أَو رَاعِي إِبِلٍ ثُمَّ جَاءَكَ وَتَرَكَهَا رَأَيتَ أَنه قَد ضَيَّعَ، ــ (٢) ومن باب: جواز ترك الاستخلاف قوله ونوساتها تنطف، النّوسات: ما تحرك من شعر أو غيره متدليًا. والنَّوسُ: تحرُّك الشيء متذبذبًا - يقال منه: ناس، ينوس، نوسًا، ونوسانًا. ومنه: ذو نواس، سُمِّي بذلك لذؤابته؛ كانت تنوس على ظهره. ونطف الشَّعرُ وغيره ينطِف وينطُف: إذا قطر. وليلةٌ نَطُوف: دائمةُ القطر. وكأنَّه دخل عليها وقد اغتسلت. وقول ابن عمر كأنما أحمل بيميني جبلًا؛ يعني (١) أنه وجد من الثقل بسبب اليمين التي حلفها كثقل مَن يحمل جبلًا، هو تشبيه واستعارة. وقوله زعموا أنك غير مستخلف، هذا إنما قاله الناس حين طعن عمر وسقوه لبنًا فخرج من طعنته ﵁ فيئسوا منه، وعلموا أنه هالك، فجرى ذلك. وقوله لو كان راعي غنم. . . إلى آخر الكلام - فيه من الفقه استعمال

стр. 2025

فَرِعَايَةُ النَّاسِ أَشَدُّ! قال: فَوَافَقَهُ قولي، فَوَضَعَ رَأسَهُ سَاعَةً ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَيَّ فَقال: إِنَّ اللَّهَ يَحفَظُ دِينَهُ، وَإِنِّي إن لَا أَستَخلِف فَإِنَّ رسول الله ﷺ لَم يَستَخلِف، ــ القياس، فإنه قَرَّرَ على الأصل المعلوم، وهي رعاية الغنم والإبل، ثم حمل عليه رعاية الناس ورأى أنها أولى، فكانَّ ذلك إلحاق مسكوتٍ عنه بمنطوقٍ به على طريق الأَولى، وهو نوع من أنواع الإلحاق كما يعرف في موضعه. وقوله فوافقه قولي؛ يعني أنه مال إليه ونظر فيه، ولذلك وضع عمر رأسه يفكر في المسألة، ثم لَمَّا لاح له نَظَرٌ آخر أخذ يُبدِيه، فرفع رأسه وقال: إن الله يحفظ دينه، وإنما قال ذلك للذي قد علمه من قوله تعالى: ﴿لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ ومن قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ، ولغير ذلك مما بشر به النبي ﷺ من استيلاء المسلمين وما يفتح الله تعالى عليهم من المشارق والمغارب، ومن قوله إنَّ الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أُمَّتِي سيبلغ ما زوى لي منها (١)، وغير ذلك. وقوله فإن رسول الله ﷺ لم يستخلف؛ أي: لم ينصّ على خليفة، لا على أبي بكر ولا على غيره، وهذا هو مذهب جماعة من أهل السُّنة والصحابة ومن بعدهم. وقد ذهب بكر ابن أخت عبد الواحد إلى أن تقديم أبي بكر كان بالنص من النبي ﷺ ، وذهب ابن الراوندي إلى أنه نصّ على العباس، وذهب الشيعة والرافضة (٢) إلى أنه نصّ على عليّ، وكل ذلك أقوال باطلة قطعًا؛ إذ لو كان ذلك لكان المهاجرون والأنصار أعرف بذلك، فإنهم اختلفوا في ذلك يوم السَّقيفة، وقال كل واحد منهم ما عنده في ذلك من النظر، ولم ينقل منهم أحدٌ نصًّا على

стр. 2026

وَإِن أَستَخلِف فَإِنَّ أَبَا بَكرٍ قَد استَخلَفَ. قال: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَن ذَكَرَ رسول الله ﷺ وَأَبَا بَكرٍ فَعَلِمتُ أَنَّهُ لَم يَكُن لِيَعدِلَ بِرسول الله ﷺ أَحَدًا، وَأَنَّهُ غير مُستَخلِفٍ. رواه البخاري (٤١٠٨)، ومسلم (١٨٢٣) (١٢)، وأبو داود (٢٩٣٩)، والترمذي (٢٢٢٦). [١٤٠٠] وعَنه قال: حَضَرتُ أبي حِينَ أُصِيبَ، فَأَثنَوا عَلَيهِ وَقالوا: جَزَاكَ اللَّهُ خَيرًا. فَقال: رَاغِبٌ وَرَاهِبٌ! قالوا: استَخلِف. فَقال: ــ رجل بعينه، ولو كان عندهم نصٌّ لاستحال السكوت عليه في مثل ذلك الوقت العظيم والخطب المهم الجسيم والحاجة الفادحة، مع عدم التقية والتواطُؤ من ذلك الجمع على الكتمان. ومدعي النص في ذلك كاذب قطعًا، فلا يُلتَفَتُ إليه. وكل من ذكر له خلاف في هذه المسألة لا يُعتَدُّ بخلافه، فإنه إما مُكَفِّر وإما مُفَسِّق مُبَدَّع، ومن كان كذلك لا يعتد بخلافه (١)، والمسألة إجماعية قطعية، والله الموفق. وقوله وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف؛ يعني أن أبا بكر استخلفه ونصّ عليه وعيَّنه، وهذا لا خلاف في أن الأمر كذلك وقع ولا في أنَّ هذا طريق مشروع في الاستخلاف. ثم إن عمر ﵁ سلك طريقا بين طريقتين جمعت له الاقتداء بهما، فاقتدى برسول الله ﷺ في أنه لم ينصّ على واحدٍ بعينه فصدق عليه أنه غير مستخلف، واقتدى بأبي بكر من حيث إنه لم يترك أمر المسلمين مهملًا، فإنه جعل الأمر شورى في ستة ممن يصلح للخلافة وفوّض التعيين لاختيارهم. وقوله راغب وراهب هذا خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أنتم على هذين

стр. 2027

أَتَحَمَّلُ أَمرَكُم حَيًّا وَمَيِّتًا! لَوَدِدتُ أَنَّ حَظِّي مِنهَ الكَفَافُ لَا عَلَيَّ وَلَا لِي، فَإِن أَستَخلِف فَقَد استَخلَفَ مَن هُوَ خَيرٌ مِنِّي - يَعنِي أَبَا بَكرٍ - وَإِن أَترُككُم فَقَد تَرَكَكُم مَن هُوَ خَيرٌ مِنِّي رسول الله ﷺ . قال عَبدُ اللَّهِ: فَعَرَفتُ أَنَّهُ حِينَ ذَكَرَ رسول الله ﷺ غير مُستَخلِفٍ. رواه مسلم (١٨٢٣) (١١). * * * ــ الحالين، أو مبتدأ وخبره محذوف؛ أي: منكم راغب، ومنكم راهب. ثم ما الذي رغبوا فيه ورهبوا منه؟ وظاهره أنه الثناء المتقدّم الذي أثنوا عليه؛ أي: منهم من رغب في الثناء لغرض له، ومنهم من رغب عنه لما يخاف منه. وقيل: راغب في الخلافة لنيل منصبها، وراهب منها لعظيم حقوقها وشدّتها. وقيل: تقديره أنا راغب في الاستخلاف لئلا يضيع المسلمون، وراهب منه لئلا يفرّط المستخلَف ويقصر فيما يجب عليه من الحقوق - وكلٌّ محتمل، والله تعالى أعلم. وقد حصل من هذا الحديث أنَّ نَصبَ الإمام لا بدَّ منه، وأن لنصبه طريقين؛ أحدهما: اجتهاد أهل الحل والعقد. والآخر: النصُّ؛ إما على واحدٍ بعينه، وإما على جماعة بأعيانها ويفوّض التخيير إليهم في تعيين واحد منهم - وهذا مما أجمع عليه السَّلف الصالح، ولا مبالاة بخلاف أهل البدع في بعض هذه المسائل، فإنهم مسبوقون بإجماع السلف، وأيضًا: فإنهم لا يُعتدُّ بخلافهم على ما تقدَّم. * * *

стр. 2028

(٣) باب النهي عن سؤال الإمارة والحرص عليها وأن من كان منه ذلك لا يولاها [١٤٠١] عن عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ سَمُرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ : يَا عَبدَ الرَّحمَنِ، لَا تَسل الإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِن أُعطِيتَهَا عَن مَسأَلَةٍ وكِلتَ إِلَيهَا، وَإِن أُعطِيتَهَا عَن غير مَسأَلَةٍ أُعِنتَ عَلَيهَا. رواه أحمد (٥/ ٦٢ و ٦٣)، والبخاريُّ (٧١٤٧)، ومسلم (١٦٥٢)، وأبو داود (٢٩٢٩)، والترمذيُّ (١٥٢٩)، والنسائي (٨/ ٢٢٥). [١٤٠٢] وعن أبي مُوسَى قال: أَقبَلتُ إِلَى النبي ﷺ وَمَعِي رَجُلَانِ ــ (٣) ومن باب: النهي عن سؤال الإمارة قوله لا تسل الإمارة هو نهيٌ، وظاهره التحريم، وعلى هذا يدلّ قوله هذا إنَّا والله لا نولي على هذا العمل أحدًا يسأله أو حرص عليه، وسببه أن سؤالها والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلص منها دليلٌ على أنه يطلبها لنفسه ولأغراضه، ومَن كان هكذا أوشك أن تغلب عليه نفسه فيهلك، وهذا معنى قوله وكل إليها، ومن أباها لعلمه بآفاتها ولخوفه من التقصير في حقوقها وفرَّ منها ثم إن ابتلي بها فَيُرجَى له ألا تغلب عليه نفسه للخوف الغالب عليه، فيتخلّص من آفاتها، وهذا معنى قوله أعين عليها. وهذا كلّه محمول على ما إذا كان هنالك جماعة ممن يقوم بها ويصلح لها، فأما لو لم يكن هنالك ممن يصلح لها إلا واحد لتعيَّن ذلك عليه ووجب أن يتولاها ويسأل ذلك، ويخبر بصفاته التي يستحقها بها من العلم والكفاية وغير ذلك؛ كما قال يوسف ﵇: ﴿قَالَ اجعَلنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾

стр. 2029

مِن الأَشعَرِيِّينَ أَحَدُهُمَا عَن يَمِينِي وَالآخَرُ عَن يَسَارِي، فَكِلَاهُمَا سَأَلَ العَمَلَ، وَالنبي ﷺ يَستَاكُ، فَقال: مَا تَقول يَا أَبَا مُوسَى؟ أَو: يَا عَبدَ اللَّهِ بنَ قَيسٍ؟ قال: قلتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أَطلَعَانِي عَلَى مَا فِي أَنفُسِهِمَا وَمَا شَعَرتُ أَنَّهُمَا يَطلُبَانِ العَمَلَ! قال: وَكَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى سِوَاكِهِ تَحتَ شَفَتِهِ وَقَد قلصَت! فَقال: لَن - أَو: لَا - نَستَعمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَن أَرَادَهُ، وَلَكِن اذهب أَنتَ يَا أَبَا مُوسَى - أَو يَا عَبدَ اللَّهِ بنَ قَيسٍ. فَبَعَثَهُ عَلَى اليَمَنِ ثُمَّ أَتبَعَهُ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيهِ قال: انزِل - وَأَلقَى لَهُ وِسَادَةً، وَإِذَا رَجُلٌ عِندَهُ مُوثَقٌ، قال: مَا هذا؟ قال: هذا كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسلَمَ، ثُمَّ رَاجَعَ دِينَهُ ــ وقوله ﷺ ما تقول يا أبا موسى؟ استفهامُ استعلامٍ عمَّا عنده من إرادته العمل أو من معونته لهما على استدعائهما العمل، فأجابه بما يقتضي أنه لم يكن عنده إرادة ذلك ولا خبر من إرادة الرجلين، فلمَّا تحقق النبي ﷺ ذلك ولَاّه العمل إذ لم يسأله ولا حرص عليه، ومنعه الرَّجلين لحرصهما وسؤالهما على ما تقرر آنفًا من أن الحريص عليها مخذول والكاره لها معان. ومما جرى من الكلام بهذا المعنى مجرى المثل: الحرص على الأمانة دليل الخيانة. وقلصَت شَفَتُه تقبَّضت وقَصُرت، وكأنَّ السَّواك كان فيه قَبضٌ، أو يكون النبي ﷺ قبض شفته ليتمَكَّن من تسويك أسنانه. وقوله فبعثه على اليمن ثم أتبعه معاذ بن جبل، ظاهر هذا أنه ﷺ وَلَّى معاذًا على أبي موسى ولم يعزل أبا موسى، وعلى هذا يدل تنفيذ معاذ الحُكم بقتل المرتد وإمضاؤه. ويحتمل أن يكون (١) ﷺ وَلَّى كلّ واحد منهما على عمل غير عمل الآخر؛ فإما في الجهات، وإما في الأعمال (٢)، وهذا هو الصحيح

стр. 2030

دِينَ السَّوءِ فَتَهَوَّدَ! قال: لَا أَجلِسُ حَتَّى يُقتَلَ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ! فَقال: اجلِس، نَعَم! قال: لَا أَجلِسُ حَتَّى يُقتَلَ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ - ثَلَاثَ ــ بدليل ما وقع في صحيح البخاري أن النبي ﷺ ولَّى معاذًا على مخلاف من اليمن وأبا موسى على مخلاف (١)، والمخلاف واحد المخاليف وهي الكُوَرُ (٢). وقوله لا أجلس حتى يُقتل، قضاء الله ورسوله يدل بظاهره على أن المرتدّ لا يستتاب وأنه يقتل من غير استتابة، وبه قال الحسن وطاوس وبعض السَّلف، وحُكي عن عبد العزيز بن أبي سلمة، وهو قول أهل الظاهر، وحكاه الطحاوي عن أبي يوسف. قالوا: وتنفعه توبته عند الله تعالى، ولكن لا تدرأ عنه القتل. وفرَّق عطاء بين من ولد مسلمًا فلم نستتبه وبين من أسلم ثم ارتد، وجمهور الأئمة والفقهاء على استتابته، وحكى ابن القَصَّار إجماع الصحابة على استتابته. ثم اختلف هؤلاء في مدة الاستتابة وهل يضرب لها أجل؛ فقال أحمد وإسحاق: ثلاثةُ أيام - واستحسنه مالك وأبو حنيفة، وقاله الشافعي مرةً، وحكى ابن القصَّار عن مالك فيه قولين: الوجوب، والاستحباب. وقال الزهري: يُدعى إلى الإسلام ثلاث مرات، فإن أبى قُتِلَ. وقاله الشافعي مرةً. وقال المزني: يُقتل مكانه إن لم يتب. وعن عليّ ﵁ أنه يستتاب شهرًا، وقال النَّخعي: يستتاب أبدًا - وقاله الثوري. وعن أبي حنيفة: يستتاب ثلاث مرات أو ثلاث جُمع، أو ثلاثة أيام مرة في كل يوم أو جمعة. والرَّجل والمرأة عند الجمهور سواء، وفرَّق أبو حنيفة فقال: تُسجن المرأة ولا تقتل. وشذَّ قتادة والحسن فقالا: تُستَرَقُّ ولا تقتل. ورُوي مثله عن علي. وخالف أصحاب الرأي في الأمةِ فقالوا: تُدفَعُ إلى سيدها، ويجبرها على الإسلام.

стр. 2031

مَرَّاتٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ، ثُمَّ تَذَاكَرَا قِيَامَ اللَّيلِ، فَقال أَحَدُهُمَا - مُعَاذٌ: ــ وَقَتل المرتد بالسيف عند الجمهور. وذهب ابن سُريج (١) من أصحاب الشافعي إلى أنه يُقتل بالخشب ضربًا؛ لأنه أبطأُ لقتله، لعله يُراجع التوبة أثناء ذلك. وفيه حجة على أن لولاة الأمصار إقامة الحدود في القتل والزنى وغير ذلك، وهو مذهب كافة العلماء: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وغيرهم. واختلف في إقامة ولاة المياه وأشباههم لذلك؛ فرأى أشهب ذلك لهم إذا جعل ذلك لهم الإمام، وقال ابن القاسم نحوه، وقال الكوفيون: لا يقيمه إلا فقهاء الأمصار، ولا يقيمه عامل السَّواد. واختلف في القضاة إذا كانت ولايتهم مطلقة غير مقيّدة بنوع من الأحكام؛ فالجمهور على أن جميع ذلك لهم من إقامة الحدود وإثبات الحقوق وتغيير المناكر والنظر في المصالح، قام بذلك قائم أو اختص بحق الله تعالى (٢)، وحكمُه عندهم حكم الوصيِّ المطلق اليد في كل شيء إلا ما يختصّ بضبط بيضة الإسلام من إعداد الجيوش وجباية الخراج. واختلف أصحاب الشافعي: هل له نظر في مال الصدقات والتقديم للجُمَع والأعياد أم لا؟ على قولين، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا نظر له في إقامة حدٍّ ولا في مصلحةٍ إلا لطالب مُخَاصِمٍ، وحكمه عندهم حكم الوكيل. وقوله ثم تذاكرا قيام الليل؛ أي فضل قيام الليل، هل الأفضل قيامُه كله أو قيام بعضه؟ فكأنّ أبا موسى ذهب إلى أن قيامه كله لمن قَوِيَ عليه

стр. 2032

أَمَّا أَنَا فَأَنَامُ وَأَقُومُ، وَأَرجُو فِي نَومَتِي مَا أَرجُو فِي قَومَتِي. وفي رواية: فقال ﵊: إِنَّا وَاللَّهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هذا العَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيهِ. رواه البخاريّ (٤٣٤١ و ٤٣٤٢)، ومسلم (١٧٣٣) في الإمارة (١٤ و ١٥)، وأبو داود (٤٣٥٤ - ٤٣٥٧)، والنسائي (١/ ١٠). [١٤٠٣] وعَن أبي ذَرٍّ قال: قلتُ: يَا رسول الله، أَلَا تَستَعمِلُنِي؟ ــ أفضل، وهذا كما وقع لعبد الله بن عمرو في حديثه المتقدّم (١)، وكأنّ معاذًا رأى أن قيام بعضه ونوم بعضه (٢) أفضل، وهذا كما أشار إليه النبي ﷺ في حديث عبد الله بقوله إنك إذا فعلت ذلك هجمت عينُك ونفهت نفسك، وكما قاله في حديث البخاري المتقدم (٣) أمَّا أنا فأقوم وأنام، وقال في آخره: فمن رغب عن سنتي فليس مني. وقوله وأرجو في نومتي ما أرجوه في قَومَتِي، إنما كان ذلك لأنه كان ينام ليقوم؛ أي: يقصد بنومه الاستعانة على قيامه والتنشيط عليه والتفرُّغ من شغل النوم عن فهم القرآن، فكان نومه عبادة يرجو فيها من الثواب ما يرجوه في القيام، ولا يتفطن لمثل هذا إلا مثل معاذ الذي يسبق العلماء يوم القيامة برتوة؛ أي: رمية قوس - كما قاله ﷺ . وعلى هذا فما من مُباحٍ إلا ويمكن أن يقصد فيه وجه من وجوه الخير، فيصير قُربَةٌ بحسب القصد الصحيح، والله تعالى أعلم.

стр. 2033

قال: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنكِبِي، ثُمَّ قال: يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَومَ القِيَامَةِ خِزيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَن أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيهِ فِيهَا. رواه أحمد (٥/ ١٧٣ - ٢٦٧)، ومسلم (١٨٢٥). [١٤٠٤] وعَنه أَنَّ رسول الله ﷺ قال: يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثنَينِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ. رواه مسلم (١٨٢٦)، وأبو داود (٢٨٦٨)، والنسائي (٦/ ٢٥٥). * * * ــ وقوله ﷺ لأبي ذر إنك ضعيف؛ أي: ضعيف عن القيام بما يتعّين على الأمير من مراعاة مصالح رعيته الدنيوية والدينية، ووجهُ ضعف أبي ذر عن ذلك أنّ الغالب عليه كان الزهد واحتقار الدنيا وترك الاحتفال بها، ومَن كان هذا حاله لم يعتن بمصالح الدنيا ولا بأموالها اللذَين بمراعاتهما تنتظم مصالح الدين ويتم أمره. وقد كان أبو ذر أفرط في الزهد في الدنيا، حتى انتهى به الحال إلى أن يُفتِيَ بتحريم الجمع للمال وإن أُخرِجَت زكاته، وكان يرى أنه الكنز الذي توَعَّد اللَّهُ عليه بِكَيِّ الوجوه والجنوب والظهور، وقد قدّمنا ذلك في كتاب الزكاة، فلما علم النبي ﷺ منه هذه الحالة نَصَحَهُ ونهاه عن الإمارة وعن ولاية مال الأيتام، وأكَّد النصيحة بقوله وإنّي أحبُّ لك ما أحبُّ لنفسي، وغلَّظَ الوعيد بقوله وإنّها أي الإمارة خزيٌّ وندامة أي: فضيحة قبيحة على مَن لم يؤدِّ الأمانة حقّها ولم يقم لرعيته برعايتها، وندامة على تقلدها وعلى تفريطه فيها، وأمّا من عدل فيها وقام بالواجب منها ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ وهو من السبعة الذين يظلهم الله في

стр. 2034

(٤) باب فضل الإمام المقسط وإثم القاسط وقوله كلكم راع [١٤٠٥] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : إِنَّ المُقسِطِينَ عِندَ اللَّهِ تعالى عَلَى مَنَابِرَ مِن نُورٍ عَن يَمِينِ الرَّحمَنِ، ــ ظله يوم لا ظل إلا ظله، وقد شهد بصحة ما قلناه قوله في الحديث نفسه إلا من أخذها بحقها وأدَّى الذي عليه فيها. (٤) ومن باب: فضل الإمام المقسط وإثم القاسط المقسطون جمع مُقسط، اسم فاعل من أقسط؛ أي: عدل. ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَقسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقسِطِينَ﴾ وقَسَطَ: إذا جَارَ، واسم الفاعل منه: قاسط. ومنه: ﴿وَأَمَّا القَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وقد فسَّر المقسطين في آخر الحديث فقال: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا. والمنبر سُمِّي بذلك لارتفاعه؛ يقال: نَبَرَ الجرح وانتبر - أي ارتفع وانتفخ، ويعني به مجلسًا رفيعًا يتلألأُ نورًا، ويُحتمل أن يكون عبَّر به عن المنزلة الرفيعة المحمودة، ولذلك قال عن يمين الرحمن، وقال ابن عرفة: يقال أتاه عن يمين إذا أتاه من الجهة المحمودة. وقال المفسرون في قوله تعالى ﴿وَأَصحَابُ اليَمِينِ مَا أَصحَابُ اليَمِينِ﴾ أي أصحاب المنزلة الرفيعة، وقيل غير هذا في الآية. وقد شهد العقل والنقل أن الله تعالى منزه عن مماثلة الأجسام وعن

стр. 2035

وَكِلتَا يَدَيهِ يَمِينٌ - الَّذِينَ يَعدِلُونَ فِي حُكمِهِم وَأَهلِيهِم وَمَا وَلُوا. رواه أحمد (٢/ ١٦٠)، ومسلم (١٨٢٧)، والنسائي (٨/ ٢٢١). [١٤٠٦] وعَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ شِمَاسَةَ قَالَ: أَتَيتُ عَائِشَةَ أَسأَلُهَا عَن ــ الجوارح المركَّبة من الأعصاب والعظام، وما جاء في الشريعة مِمّا يوهم شيئًا من ذلك فهو توسُّعٌ واستعارة حسب عادات مخاطباتهم الجارية على ذلك. وقد توسَّعت العرب في اليمين فأطلقوه ولا يريدون به يمين الجارحة، بل الجهة المحمودة والظفر بالخصلة الشريفة المقصودة، كما قال شاعرهم (١): إذا ما رايةٌ رُفِعت لِمَجدٍ ... تلّقاها عُرابةُ باليمين والمَجدُ: الشرف. ورايتُه عبارةٌ عَمَّا يظهرُ مَن خِصَالَه، وهما معنويان؛ فاليمين التي تتلَقَّى به تلك الراية معنويّ لا محسوس (٢)، فأشَبَهُ ما يُحمَلُ عليه اليمين في هذا الحديث ما قاله ابن عرفة: إنه عبارة عن المنزلة الرفيعة والدرجة المنيعة. وقد قدّمنا أن اشتقاق اليمين من اليُمن، وأن كل ذلك راجع إلى اليُمن والبركة. وقوله وكلتا يديه يمين تحرّز عن توهم نقصٍ وضعفٍ فيما أضافه إلى الحق مِمّا قصد به الإكرام والتشريف على ما مَرَّ، وذلك أنه لما كانت اليمين في حقِّنا يقابلها الشمال - وهي أنقص منها رتبةً وأضعف حركةً وأثقل لفظًا - حَسَمَ تَوهُّم مثل هذه في حق الله تعالى، فقال وكلتا يديه يمين؛ أي: كُلَّ ما نُسِبَ إليه من ذلك شريف محمود لا نقص يُتوهم فيه ولا قصور.
следующие страницы →