مَرَّاتٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ، ثُمَّ تَذَاكَرَا قِيَامَ اللَّيلِ، فَقال أَحَدُهُمَا - مُعَاذٌ:
ــ
وَقَتل المرتد بالسيف عند الجمهور. وذهب ابن سُريج (١) من أصحاب الشافعي إلى أنه يُقتل بالخشب ضربًا؛ لأنه أبطأُ لقتله، لعله يُراجع التوبة أثناء ذلك.
وفيه حجة على أن لولاة الأمصار إقامة الحدود في القتل والزنى وغير ذلك، وهو مذهب كافة العلماء: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وغيرهم.
واختلف في إقامة ولاة المياه وأشباههم لذلك؛ فرأى أشهب ذلك لهم إذا جعل ذلك لهم الإمام، وقال ابن القاسم نحوه، وقال الكوفيون: لا يقيمه إلا فقهاء الأمصار، ولا يقيمه عامل السَّواد.
واختلف في القضاة إذا كانت ولايتهم مطلقة غير مقيّدة بنوع من الأحكام؛ فالجمهور على أن جميع ذلك لهم من إقامة الحدود وإثبات الحقوق وتغيير المناكر والنظر في المصالح، قام بذلك قائم أو اختص بحق الله تعالى (٢)، وحكمُه عندهم حكم الوصيِّ المطلق اليد في كل شيء إلا ما يختصّ بضبط بيضة الإسلام من إعداد الجيوش وجباية الخراج.
واختلف أصحاب الشافعي: هل له نظر في مال الصدقات والتقديم للجُمَع والأعياد أم لا؟ على قولين، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا نظر له في إقامة حدٍّ ولا في مصلحةٍ إلا لطالب مُخَاصِمٍ، وحكمه عندهم حكم الوكيل.
وقوله ثم تذاكرا قيام الليل؛ أي فضل قيام الليل، هل الأفضل قيامُه كله أو قيام بعضه؟ فكأنّ أبا موسى ذهب إلى أن قيامه كله لمن قَوِيَ عليه
стр. 2032
أَمَّا أَنَا فَأَنَامُ وَأَقُومُ، وَأَرجُو فِي نَومَتِي مَا أَرجُو فِي قَومَتِي.
وفي رواية: فقال ﵊: إِنَّا وَاللَّهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هذا العَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيهِ.
رواه البخاريّ (٤٣٤١ و ٤٣٤٢)، ومسلم (١٧٣٣) في الإمارة (١٤ و ١٥)، وأبو داود (٤٣٥٤ - ٤٣٥٧)، والنسائي (١/ ١٠).
[١٤٠٣] وعَن أبي ذَرٍّ قال: قلتُ: يَا رسول الله، أَلَا تَستَعمِلُنِي؟
ــ
أفضل، وهذا كما وقع لعبد الله بن عمرو في حديثه المتقدّم (١)، وكأنّ معاذًا رأى أن قيام بعضه ونوم بعضه (٢) أفضل، وهذا كما أشار إليه النبي ﷺ في حديث عبد الله بقوله إنك إذا فعلت ذلك هجمت عينُك ونفهت نفسك، وكما قاله في حديث البخاري المتقدم (٣) أمَّا أنا فأقوم وأنام، وقال في آخره: فمن رغب عن سنتي فليس مني.
وقوله وأرجو في نومتي ما أرجوه في قَومَتِي، إنما كان ذلك لأنه كان ينام ليقوم؛ أي: يقصد بنومه الاستعانة على قيامه والتنشيط عليه والتفرُّغ من شغل النوم عن فهم القرآن، فكان نومه عبادة يرجو فيها من الثواب ما يرجوه في القيام، ولا يتفطن لمثل هذا إلا مثل معاذ الذي يسبق العلماء يوم القيامة برتوة؛ أي: رمية قوس - كما قاله ﷺ .
وعلى هذا فما من مُباحٍ إلا ويمكن أن يقصد فيه وجه من وجوه الخير، فيصير قُربَةٌ بحسب القصد الصحيح، والله تعالى أعلم.
стр. 2033
قال: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنكِبِي، ثُمَّ قال: يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَومَ القِيَامَةِ خِزيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَن أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيهِ فِيهَا.
رواه أحمد (٥/ ١٧٣ - ٢٦٧)، ومسلم (١٨٢٥).
[١٤٠٤] وعَنه أَنَّ رسول الله ﷺ قال: يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثنَينِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ.
رواه مسلم (١٨٢٦)، وأبو داود (٢٨٦٨)، والنسائي (٦/ ٢٥٥).
* * *
ــ
وقوله ﷺ لأبي ذر إنك ضعيف؛ أي: ضعيف عن القيام بما يتعّين على الأمير من مراعاة مصالح رعيته الدنيوية والدينية، ووجهُ ضعف أبي ذر عن ذلك أنّ الغالب عليه كان الزهد واحتقار الدنيا وترك الاحتفال بها، ومَن كان هذا حاله لم يعتن بمصالح الدنيا ولا بأموالها اللذَين بمراعاتهما تنتظم مصالح الدين ويتم أمره. وقد كان أبو ذر أفرط في الزهد في الدنيا، حتى انتهى به الحال إلى أن يُفتِيَ بتحريم الجمع للمال وإن أُخرِجَت زكاته، وكان يرى أنه الكنز الذي توَعَّد اللَّهُ عليه بِكَيِّ الوجوه والجنوب والظهور، وقد قدّمنا ذلك في كتاب الزكاة، فلما علم النبي ﷺ منه هذه الحالة نَصَحَهُ ونهاه عن الإمارة وعن ولاية مال الأيتام، وأكَّد النصيحة بقوله وإنّي أحبُّ لك ما أحبُّ لنفسي، وغلَّظَ الوعيد بقوله وإنّها أي الإمارة خزيٌّ وندامة أي: فضيحة قبيحة على مَن لم يؤدِّ الأمانة حقّها ولم يقم لرعيته برعايتها، وندامة على تقلدها وعلى تفريطه فيها، وأمّا من عدل فيها وقام بالواجب منها ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ وهو من السبعة الذين يظلهم الله في
стр. 2034
(٤) باب فضل الإمام المقسط وإثم القاسط وقوله كلكم راع
[١٤٠٥] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : إِنَّ المُقسِطِينَ عِندَ اللَّهِ تعالى عَلَى مَنَابِرَ مِن نُورٍ عَن يَمِينِ الرَّحمَنِ،
ــ
ظله يوم لا ظل إلا ظله، وقد شهد بصحة ما قلناه قوله في الحديث نفسه إلا من أخذها بحقها وأدَّى الذي عليه فيها.
(٤) ومن باب: فضل الإمام المقسط وإثم القاسط
المقسطون جمع مُقسط، اسم فاعل من أقسط؛ أي: عدل. ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَقسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقسِطِينَ﴾
وقَسَطَ: إذا جَارَ، واسم الفاعل منه: قاسط. ومنه: ﴿وَأَمَّا القَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾
وقد فسَّر المقسطين في آخر الحديث فقال: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا.
والمنبر سُمِّي بذلك لارتفاعه؛ يقال: نَبَرَ الجرح وانتبر - أي ارتفع وانتفخ، ويعني به مجلسًا رفيعًا يتلألأُ نورًا، ويُحتمل أن يكون عبَّر به عن المنزلة الرفيعة المحمودة، ولذلك قال عن يمين الرحمن، وقال ابن عرفة: يقال أتاه عن يمين إذا أتاه من الجهة المحمودة.
وقال المفسرون في قوله تعالى ﴿وَأَصحَابُ اليَمِينِ مَا أَصحَابُ اليَمِينِ﴾ أي أصحاب المنزلة الرفيعة، وقيل غير هذا في الآية.
وقد شهد العقل والنقل أن الله تعالى منزه عن مماثلة الأجسام وعن
стр. 2035
وَكِلتَا يَدَيهِ يَمِينٌ - الَّذِينَ يَعدِلُونَ فِي حُكمِهِم وَأَهلِيهِم وَمَا وَلُوا.
رواه أحمد (٢/ ١٦٠)، ومسلم (١٨٢٧)، والنسائي (٨/ ٢٢١).
[١٤٠٦] وعَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ شِمَاسَةَ قَالَ: أَتَيتُ عَائِشَةَ أَسأَلُهَا عَن
ــ
الجوارح المركَّبة من الأعصاب والعظام، وما جاء في الشريعة مِمّا يوهم شيئًا من ذلك فهو توسُّعٌ واستعارة حسب عادات مخاطباتهم الجارية على ذلك.
وقد توسَّعت العرب في اليمين فأطلقوه ولا يريدون به يمين الجارحة، بل الجهة المحمودة والظفر بالخصلة الشريفة المقصودة، كما قال شاعرهم (١):
إذا ما رايةٌ رُفِعت لِمَجدٍ ... تلّقاها عُرابةُ باليمين
والمَجدُ: الشرف. ورايتُه عبارةٌ عَمَّا يظهرُ مَن خِصَالَه، وهما معنويان؛ فاليمين التي تتلَقَّى به تلك الراية معنويّ لا محسوس (٢)، فأشَبَهُ ما يُحمَلُ عليه اليمين في هذا الحديث ما قاله ابن عرفة: إنه عبارة عن المنزلة الرفيعة والدرجة المنيعة. وقد قدّمنا أن اشتقاق اليمين من اليُمن، وأن كل ذلك راجع إلى اليُمن والبركة.
وقوله وكلتا يديه يمين تحرّز عن توهم نقصٍ وضعفٍ فيما أضافه إلى الحق مِمّا قصد به الإكرام والتشريف على ما مَرَّ، وذلك أنه لما كانت اليمين في حقِّنا يقابلها الشمال - وهي أنقص منها رتبةً وأضعف حركةً وأثقل لفظًا - حَسَمَ تَوهُّم مثل هذه في حق الله تعالى، فقال وكلتا يديه يمين؛ أي: كُلَّ ما نُسِبَ إليه من ذلك شريف محمود لا نقص يُتوهم فيه ولا قصور.
стр. 2036
شَيءٍ فَقَالَت: مِمَّن أَنتَ؟ فَقُلتُ: رَجُلٌ مِن أَهلِ مِصرَ. فَقَالَت: كَيفَ كَانَ صَاحِبُكُم لَكُم فِي غَزَاتِكُم هَذِهِ؟ قَالَ: مَا نَقَمنَا شَيئًا، إِن كَانَ لَيَمُوتُ لرَّجُلِ مِنَّا البَعِيرُ فَيُعطِيهِ البَعِيرَ، وَالعَبدُ فَيُعطِيهِ العَبدَ، وَيَحتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ فَيُعطِيهِ النَّفَقَةَ. فَقَالَت: أَمَا إِنَّهُ لَا يَمنَعُنِي الَّذِي فَعَلَ فِي مُحَمَّدِ بنِ أَبِي بَكرٍ أَخِي أَن أُخبِرَكَ بمَا سَمِعتُ مِن رسول الله ﷺ ، يَقُولُ فِي بَيتِي هَذَا: اللَّهُمَّ مَن وَلِيَ مِن أَمرِ أُمَّتِي شَيئًا فَشَقَّ عَلَيهِم فَاشقُق عَلَيهِ، وَمَن وَلِيَ مِن أَمرِ أُمَّتِي شَيئًا فَرَفَقَ بِهِم فَارفُق بِهِ.
رواه أحمد (٦/ ٩٣)، ومسلم (١٨٢٨).
[١٤٠٦/م] وقد تقدم قوله ﵊ في حديث مَعقِلَ: مِن مُاتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ.
رواه أحمد (٥/ ٢٥)، والبخاريُّ (٧١٥٠)، ومسلم (١٤٢)(٢٢٧).
[١٤٠٧] وعن عَائِذَ بنَ عَمرٍو وَكَانَ مِن أَصحَابِ رسول الله ﷺ ودَخَلَ عَلَى عُبَيدِ اللَّهِ بنِ زِيَادٍ، فَقَالَ: أَي بُنَيَّ، إِنِّي سَمِعتُ رسول الله ﷺ
ــ
وقول عائشة ﵂ لعبد الرحمن بن شُمَاسَة كيف كان صاحبكم لكم في غزاتكم هذه؟ ، اختلف في اسم هذا الصاحب من هو؟ فقيل: كان عمرو بن العاصي - قاله خليفةُ بن خَيَّاط، وقيل معاويةُ بن حُدَيج التَّجيبي فيما قاله الهمذاني.
واختلف في كيفية قتل محمد بن أبي بكر؛ فقيل: قُتل في المعركة. وقيل: جيء به أسيرًا فقُتل. وقيل: دخل بعد الهزيمة خِربة فوجد فيها حمارًا ميتًا فدخل في جوفه، فأحرق فيه! (١)
стр. 2037
يَقُولُ: إِنَّ من شَرَّ الرِّعَاءِ الحُطَمَةُ، فَإِيَّاكَ أَن تَكُونَ مِنهُم! فَقَالَ لَهُ: اجلِس، فَإِنَّمَا أَنتَ مِن نُخَالَةِ أَصحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ . فَقَالَ: وَهَل كَانَت لَهُم نُخَالَةٌ! إِنَّمَا كَانَت النُّخَالَةُ بَعدَهُم وَفِي غَيرِهِم.
رواه أحمد (٥/ ٦٤)، ومسلم (١٨٣٠).
[١٤٠٨] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ،
ــ
وقوله إن من شرِّ الرّعاء، الرّعاء جَمع راع، كقاضٍ وقضاةٍ ورامٍ ورُماةٍ؛ وهو المُراعي للشيء والقائم بحفظه.
والحطمة هنا يعني الذي يشق على رعيته ويُلقي بعضها (١) على بعض، ومنه (٢) سُميت جهنّم الحطمة، وأصلها من الحَطمِ وهو كسر الحطام، وقيل: هو الأكول - يقال رجل حطمة إذا كان كثير الأكل.
وهذا الكلام من عائذ بن عمرو وعظ ونصيحة وذكرى لو صادفت مَن تنفعه الذكرى، لكنها صادفت غليظ الطبع والفهم ومن إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم، فلقد غلب عليه الشقاء (٣) والجهالة حتى جعل فيمن اختاره الله لصحبة نبيه ﷺ الحثالة ونسبهم إلى النُّخالة والرُّذالة، فهو معهم على الكلمة التي طارت وحلت: رمتني بدائها وانسلّت! ولقد أحسن عائِذ في الردّ عليه حيث أسمعه من الحق ما ملأ قلبه وأصمَّ أُذنيه، فقال - ولم يبال بهجرهم: وهل كانت الحثالة إلا بعدهم وفي غيرهم!
حثالة الشيء ورُذَالتُهُ وسقطُهُ: شِرارُهُ.
وقوله إنما الإمام جُنَّة، المَجَنُّ والجُنَّةُ والجَانُّ والجَنَّةُ والجِنَّةُ - كله راجع إلى معنى السِّتر والتَّوَقِّي؛ يعني أنه يُتَّقى بنظره ورأيه في الأمور
стр. 2038
يُقَاتَلُ مِن وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِن أَمَرَ بِتَقوَى اللَّهِ وَعَدَلَ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجره،
ــ
العظام والوقائع الخطيرة ولا يُتَقدّم على رأيه، ولا يُنفرد دونه بأمر مهم حتى يكون هو الذي يشرع في ذلك.
وقوله يُقاتل من ورائه؛ أي أمامه، ووراء من الأضداد، يقال بمعنى خلف وبمعنى أمام، وعلى هذا حمل أكثر المفسرين قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُم مَلِكٌ﴾؛ أي: أمامهم - وأنشدوا قول الشاعر (١):
أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفَلاة ورائيا؟ !
وأصله أن كل ما توارى عنك - أي غاب - فهو وراء، وهذا خبر منه ﷺ عن المشروعية، فكأنه قال: الذي يجب أو يتعيَّن أن يقاتل أمام الإمام ولا يترك يباشر القتال بنفسه لما فيه من تعرّضه للهلاك، فيهلك كل من معه. ويكفي دليلًا في هذا المعنى تغبية (٢) رسول الله ﷺ أصحابه يوم بدر وغيره، فإنه ﷺ كان في العريش في القلب والمقاتِلة أمامه.
وقد تضمن هذا اللفظ - على إيجازه - أمرين؛
أحدهما: أن الإمام يُقتدى برأيه ويُقاتل بين يديه، فهما خبران عن أمرين متغايرين، وهذا أحسن ما قيل في هذا الحديث، على أن ظاهره أنه يكون أمام الناس في القتال وغيره، وليس الأمر كذلك، بل كما بينَّاه، والله تعالى أعلم.
وقوله فإن أمر بتقوى الله وعدل كان له بذلك أجر؛ أي أجر عظيم، فَسَكَتَ عن الصفة للعلم بها، وقد دلّ على ذلك ما تقدَّم من قوله ﷺ إن المقسطين على منابر من نور، وقوله في السبعة الذين يظلهم الله في ظله وإمام عادل (٣).
стр. 2039
وَإِن يَأمُر بِغَيرِهِ كَانَ عَلَيهِ مِنهُ.
رواه البخاريُّ (٢٩٥٧)، ومسلم (١٨٤١)، وأبو داود (٢٧٥٧)، والنسائي (٨/ ١٥٥).
[١٤٠٩] وعَن ابنِ عُمَرَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: أَلَا كُلُّكُم رَاعٍ وَكُلُّكُم مَسؤولٌ عَن رَعِيَّتِهِ؛ فَالأميرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسؤولٌ عَن رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهلِ بَيتِهِ وَهُوَ مَسؤولٌ عَنهُم، وَالمَرأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيتِ بَعلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسؤولَةٌ عَنهُم، وَالعَبدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسؤولٌ عَنهُ، أَلَا فَكُلُّكُم رَاعٍ وَكُلُّكُم مَسؤولٌ عَن رَعِيَّتِهِ.
رواه أحمد (٢/ ٥ و ٥٤ - ٥٥)، والبخاريُّ (٢٥٥٤)، ومسلم (١٨٢٩)، والترمذيُّ (١٧٠٥)، وأبو داود (٢٩٢٨).
* * *
ــ
وقوله وإن يأمر بغيره كان عليه منه؛ أي: إن أمر بجور (١) كان عليه الحظ الأكبر من إثم الجور. ومن هنا للتبعيض؛ أي لا يختص هو بالإثم، بل المُنَفِّذ لذلك الجَور يكون عليه أيضًا حظه من الإثم والراضي به، فالكل يشتركون في إثم الجَور، غير أن الإمام أعظمهم حظًّا منه لأنه مُمضِيه وَحَامِلٌ عليه.
وقوله كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، قد تقدَّم أن الراعي هو الحافظ للشيء المراعي لمصالحه، وكل من ذكر في هذا الحديث قد كُلِّف ضبطَ ما أُسند إليه من رعيته واؤتُمِنَ عليه، فيَجِبُ عليه أن يجتهد في ذلك وينصح ولا يفرط في شيء من ذلك، فإن وفَّى ما عليه من الرعاية حصل له الحظ الأوفر
стр. 2040
(٥) باب تغليظ أمر الغلول
[١٤١٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَامَ فِينَا رسول الله ﷺ ذَاتَ يَومٍ فَذَكَرَ الغُلُولَ وَعَظَّمَ أَمرَهُ، ثُمَّ قَالَ: لَا أُلفِيَنَّ أَحَدَكُم يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ يَقُولُ: يَا رسول الله أَغِثنِي! فَأَقُولُ: لَا أَملِكُ لَكَ من الله
ــ
والأجر الأكبر، وإن كان غير ذلك طالبه كلُّ واحدٍ من رعيته بحقِّه فكثر مُطالبوه وناقشه محاسبوه، ولذلك قال ﷺ : مَا مِن أمير عشرة فما فوقهم إلا ويُؤتى به يوم القيامة مغلولًا؛ فإما أن يفكّه العدلُ، أو يُوبقُه الجور (١)، وقد تقدّم قوله ﷺ من استرعي رعية فلم يجتهد لهم ولم ينصح لم يدخل معهم الجنّة (٢).
(٥) ومن باب: تغليظ أمر الغلول
وهو في الأصل الخيانة مطلقا، ثم صار بحكم العرف عبارة عن الخيانة في المغانم، قال نَفطَوِيه: سِّمي بذلك لأن الأيدي تغل عنه - أي تُحبس، يقال: غل غلولًا، وأغل إغلالًا.
وقوله لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يوم القيامة يجيء على رقبته بعير، هكذا صحيح الرواية لا ألفين بالفاء، ومعناه: لا يأخذنَّ أحدٌ شيئًا من المغنم فأجده يوم القيامة على تلك الحال - وهذا مثل قول العرب: لا أرينَّك ها هنا؛ أي: لا تكن ها هنا فأراك. وقد رواه العذري بالقاف من اللقاء، وله وجه، وجاء في الحديث الآخر لا أعرفنَّ (٣)، والمعنى متقارب، وبعض الرواة يقوله لأعرفنَّ بغير مدٍّ على أن تكون لام القسم، وفيه بُعدٌ، والأول أوجه وأحسن.
стр. 2041
شَيئًا، قَد أَبلَغتُكَ! لَا أُلفِيَنَّ أَحَدَكُم يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمحَمَةٌ يَقُولُ: يَا رسول الله أَغِثنِي! فَأَقُولُ: لَا أَملِكُ لَكَ شَيئًا، قَد أَبلَغتُكَ! لَا أُلفِيَنَّ أَحَدَكُم يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ يَقُولُ: يَا رسول الله أَغِثنِي! فَأَقُولُ: لَا أَملِكُ لَكَ شَيئًا، قَد أَبلَغتُكَ! لَا أُلفِيَنَّ أَحَدَكُم يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ نَفسٌ لَهَا صِيَاحٌ فَيَقُولُ: يَا رسول الله أَغِثنِي! فَأَقُولُ: لَا أَملِكُ لَكَ شَيئًا، قَد أَبلَغتُكَ! لَا أُلفِيَنَّ أَحَدَكُم يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخفِقُ فَيَقُولُ: يَا رسول الله أَغِثنِي! فَأَقُولُ: لَا أَملِكُ لَكَ
ــ
والرُّغَاء للإبل، والثُّغاء للغنم، والنُّهيق للحمير، والنُّعاق للغراب، واليُعار للمعز خاصة - ومنه شاة تيعر، والحَمحَمَةُ للفرس، والصِّياح للإنسان؛ كل ذلك أصواتُ مَن أُضيفت إليه.
وقوله ورقاع تخفق؛ أي: تحركها الرياح فتضطرب وتصفق فيها، والصَّامت الذهب والفضة.
وكأنّ هذا الحديث تفصيلُ ما أجمله قوله تعالى: ﴿وَمَن يَغلُل يَأتِ بِمَا غَلَّ يَومَ القِيَامَةِ﴾؛ أي: يأت به مُعذَّبًا بحمله وثقله ومرعوبًا بصوته، ومُوَبَّخًا بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد، وهذا يدلُّ على أن الغلول كبيرة من الكبائر.
وأجمع العلماء على أن على الغالّ أن يردّ الغلول إلى المقاسم قبل أن يتفرَّق الناس، فأما إذا تفرَّقوا ففات الردُّ فذهب معظمهم إلى أنه يدفع خمس ما أغلَّ للإمام ويتصدق بالباقي، وهو قول الحسن ومالك والأوزاعي والثوري والليث، وروي معناه عن معاوية وابن مسعود وابن عباس وأحمد بن حنبل، وقال الشافعي: ليس له الصدقة بمال غيره.
ثم اختلفوا فيما يُفعل بالغالّ؛ فالجمهور على أنه يعزّر بقدر اجتهاد الإمام
стр. 2042
شَيئًا، قَد أَبلَغتُكَ! لَا أُلفِيَنَّ أَحَدَكُم يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ فَيَقُولُ: يَا رسول الله أَغِثنِي! فَأَقُولُ: لَا أَملِكُ لَكَ شَيئًا، قَد أَبلَغتُكَ!
رواه أحمد (٢/ ٤٢٦)، والبخاريُّ (٣٠٧٣)، ومسلم (١٨٣١)(٢٤).
* * *
ــ
ولا يحرّق رَحلُهُ، ولم يثبت عندهم ما روي عن ابن عمر من أنه يُحرّق رحلُهُ ويُحرم سهمه؛ لأنه مما انفرد به صالح بن محمد عن سالم، وهو ضعيف، ولأن النبي ﷺ لم يُحرِّق رَحلَ الذي وجد عنده الخرزة والعباءة. وقال قوم بمقتضى ذلك الحديث: يُحَرَّقُ رحلُه ومتاعُه كله - وهو قول مكحول والحسن والأوزاعي، وقال: إلا سلاحه وثيابه التي عليه. وقال الحسن: إلا الحيوان والمصحف. قال الطحاوي: ولو صحّ حديث ابن عمر لَحُمل على أنه كان ذلك لَمَّا كانت العقوبة في الأموال، وذلك كله منسوخ.
وقوله لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك! ؛ أي: لا أملك لك مغفرةً ولا شفاعةً إلَاّ إذا أذن الله له في الشفاعة، فكأنَّ هذا القول منه أبرزه غضب وغيظ، ألا ترى قوله قد أبلغتك أي ليس لك عذر بعد الإبلاغ.
ثم إنه ﷺ بما قد جبله الله تعالى عليه من الرأفة والرَّحمة والخلق الكريم لا يزال يدعو الله تعالى ويرغب إليه في الشفاعة حتى يأذن الله تعالى له في الشفاعة، فيشفع في جميع أهل الكبائر من أمته حتى تقول خزنة النار: يا محمد، ما تركت لربك في أمتك من نقمة (١)، كما قد صحّ عنه.
وفي هذا الحديث ما يدلّ على أن العقوبات في الآخرة تناسب الذنوب المكتسبة في الدنيا، وقد تكون على المقابلة، كما يحشر المتكبرون أمثال الذر في صور الرجال.
стр. 2043
(٦) باب ما جاء في هدايا الأمراء
[١٤١١] عَن أَبِي حُمَيدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: استَعمَلَ رسول الله ﷺ رَجُلًا مِن الأَسدِ - يُقَالَ لَهُ ابنُ اللُّتبِيَّةِ - عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُم، وَهَذَا أهدي لِي! قَالَ: فَقَامَ رسول الله ﷺ عَلَى المِنبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثنَى عَلَيهِ، وَقَالَ: مَا بَالُ عَامِلٍ أَبعَثُهُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُم وَهَذَا أُهدِيَ لِي! أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيتِ أَبِيهِ أَو فِي بَيتِ أُمِّهِ حَتَّى يَنظُرَ أَيُهدَى لهِ أَم لَا؟ ! وَالَّذِي نَفسُ
ــ
(٦) ومن باب: ما جاء في هدايا الأمراء
اللُّتبيَّة بضم اللام وفتح التاء هي الرواية المعروفة هنا، قال القاضي أبو الفضل عياض: وصوابُه الأُتبيَّة بسكون التاء باثنتين من فوقها. قال: ولُتب بضم اللام وسكون التاء بطنٌ من العرب.
قلت: وقد جاء في الرواية الأخرى الأُتبِيَّة، وكلاهما صحيح الرواية جائز.
وهذا الحديث يدلّ دلالة صحيحة واضحة على أن هدايا الأمراء والقضاة وكل من ولي أمرًا من أمور المسلمين العامَّة لا تجوز، وأن حكمها حكم الغلول في التغليظ والتحريم؛ لأنها أكل المال بالباطل وَرُشًا - وهو قول مالك وغيره بتفصيل يعرف في الفقه.
وقوله أفلا قعد في بيت أبيه وأمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا؟ ؛ يعني أن الذي يستخرج الهدايا من الناس للأمير إنما هو رهبة (١) منه أو رغبة فيما في يديه أو في يدي غيره، ويستعين به عليه، فهي رشوة.
стр. 2044
مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَنَالُ أَحَدٌ مِنكُم شَيئًا إِلَّا جَاءَ يَومَ القِيَامَةِ يَحمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ: بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، أَو بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ، أَو شَاةٌ تَيعِرُ. ثُمَّ رَفَعَ يَدَيهِ حَتَّى رَأَينَا عُفرَتَي إِبطَيهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَل بَلَّغتُ - مَرَّتَينِ.
وفي رواية: استَعمَلَ رسول الله ﷺ رَجُلًا مِن الأَسدِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيمٍ يُدعَى ابنَ الأُتبِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ، قَالَ: هَذَا مَالُكُم، وَهَذَا هَدِيَّةٌ! فَقَالَ رسول الله ﷺ : فَهَلَّا جَلَستَ فِي بَيتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِن كُنتَ صَادِقًا؟ ! ثُمَّ خَطَبَنَا فذكر نحوه.
رواه البخاريُّ (٦٩٧٩)، ومسلم (١٨٣٢) (٢٦ و ٢٧)، وأبو داود (٢٩٤٦).
ــ
والعُفرة بياض يضرب إلى الصفرة - قاله الأصمعي.
ويفهم من تكرار اللهم هل بلغت؟ ومن هذه الحالة تعظيم ذلك وتغليظه.
وليس لأحدٍ أن يتمسك في استباحة هدايا الأمراء بأن رسول الله ﷺ كان يقبل الهدية (١)، ولا بما يروى أن النبي ﷺ أباح لمعاذٍ الهدية حين وجَّههُ إلى اليمن.
أما الجواب عن النبي ﷺ فمن وجهين؛
أحدهما: أنه كان لا يقبل الهدية إلا ممن يعلم أنه طيب النفس بها، ومع ذلك فكان يكافئ عليها بأضعافها غالبًا.
والثاني: أنه ﷺ معصوم عن الجور والميل الذي يُخاف منه على غيره
стр. 2045
[١٤١٢] وعَن عَدِيِّ بنِ عَمِيرَةَ الكِندِيِّ قَالَ: سَمِعتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: مَن استَعمَلنَاهُ مِنكُم عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِخيَطًا فَمَا فَوقَهُ كَانَ غُلُولًا يَأتِي بِهِ يَومَ القِيَامَةِ. قَالَ: فَقَامَ إِلَيهِ رَجُلٌ أَسوَدُ مِن الأَنصَارِ كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَيهِ، فَقَالَ: يَا رسول الله، اقبَل عَنِّي عَمَلَكَ! قَالَ: وَمَالَكَ؟ قَالَ: سَمِعتُكَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: وَأَنَا أَقُولُهُ الآنَ، مَن استَعمَلنَاهُ مِنكُم عَلَى عَمَلٍ فَليَجِئ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ؛ فَمَا أُوتِيَ مِنهُ أَخَذَ، وَمَا نُهِيَ عَنهُ انتَهَى.
رواه أحمد (٤/ ١٩٢)، ومسلم (١٨٣٣)، وأبو داود (٣٥٨١).
* * *
ــ
بسبب الهدية.
وأما عن حديث معاذ (١) فلأنه لم يجئ في الصحيح، ولو صحَّ لكان ذلك مخصوصًا بمعاذ لما عَلِمَ رسول الله ﷺ من حاله وتحقُّقه من فضله ونزاهته ما لا يشاركه فيه غيره، ولم يُبح ذلك لغيره بدليل هذه الأحاديث الصّحاح، والله تعالى أعلم.
وقوله من استعملناه على عمل فليجئ بقليله وكثيره يدلّ على أنه لا يجوز له أن يقتطع منه شيئًا لنفسه؛ لا أجرة ولا غيرها، ولا لغيره - إلا أن يأذن له الإمام الذي تلزمه طاعته.
والمِخيَطُ: الإبرة.
* * *
стр. 2046
(٧) باب قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم﴾
[١٤١٣] عن ابنُ عباس قال: نَزَلَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمرِ مِنكُم فِي عَبدِ اللَّهِ بنِ حُذَافَةَ بنِ قَيسِ بنِ عَدِيٍّ السَّهمِيِّ؛ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ.
رواه البخاري (٤٥٨٤)، ومسلم (١٨٣٤)، وأبو داود (٢٦٢٤)، والترمذيُّ (١٦٧٢)، والنسائيُّ (٧/ ١٥٤ - ١٥٥).
ــ
(٧) ومن باب قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم﴾
قول ابن عباس بعثه رسول الله ﷺ في سرية كلام غير تام، وتتمته (١) أن عبد الله بن حُذَافَةَ أمرهم بأمر فخالف بعضهم وأَنِفَ، على عادة العرب أنهم كانوا يأنفون من الطّاعة، قال الشافعي: كانت العرب تأنف من الطّاعة للأمراء، فلمَّا أطاعوا رسول الله ﷺ أمرهم بطاعة الأمراء. وقال أبو العالية: نزلت الآيةُ بسبب عمَّار بن ياسر (٢)؛ خرج في سرية أميرهم خالد بن الوليد، فأجار عَمَّار رجلًا فأبى خالد أن يُجِيزَ أمانَهُ، فأخبر بذلك النبي ﷺ فأجاز أمان عَمَّار ونهى أن يُجار على الأمير.
قلت: وقول ابن عباس أشهر وأصح وأنسب، وعلى هذا فأولو الأمرِ في الآية هم الأمراء، وهو أظهر من قول من قال هم العلماء - قاله الحسن
стр. 2047
[١٤١٤] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَن أَطَاعَنِي فَقَد أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَن يَعصِنِي فَقَد عَصَى اللَّهَ،
ــ
ومالك، وله وجه؛ وهو أن الأمراء شرطهم أن يكونوا آمرين بما يقتضيه العلم، وكذلك كان أمراءُ رسول الله ﷺ ، وحينئذ تجب طاعتهم، فلو أمروا بما لا يقتضيه العلم حَرُمَت طاعتهم، فإذًا: الحكم للعلماء والأمرُ لهم بالأصالة، غير أنهم لهم الفتيا من غير جبر، وللأمير الفتيا والجبر.
وهذان القولان أشبه ما قيل في هذه الآية.
وقوله: ﴿فَإِن تَنَازَعتُم فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية، تنازعتم اختلفتم، وأصله التجاذب والتعاطي، ومنه سُمِّي المستقيان متنازعين؛ لأنهما يتجاذبان الدّلو بالحبل، ولا شك أن المواجه بهذا الخطاب الصحابة.
وعلى هذا فالمراد بقوله ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾؛ أي: انتظروا أن يُنزل الله فيه قرآنًا أو يبيّن فيه رسول الله ﷺ سُنَّة.
وقيل: المراد الصحابة وغيرهم. والمعنى: أنَّ المرجع عند التنازع كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ قاله قتادة.
وقوله ذلك خير؛ أي الردُّ إلى كتاب الله وسُنّة رسوله ﷺ خير من الردّ إلى التحكّم بالهوى، وخير للمفاضلة التي على منهاج قولهم: العسل أحلى من الخل. ومنه قوله تعالى: ﴿أَصحَابُ الجَنَّةِ يَومَئِذٍ خَيرٌ مُستَقَرًّا وَأَحسَنُ مَقِيلا﴾ وخير هنا بمعنى الواجب؛ أي: ذلك الواجب عليكم. وتأويلًا أي مآلًا ومرجعًا - قاله قتادة وغيره.
وقوله من أطاعني فقد أطاع الله، هذا مُنتَزَعٌ من قوله تعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وذلك أنه ﷺ لَمَّا كان مُبَلِّغًا أمر الله وحُكمَهُ وأمر الله بطاعته؛ فمن أطاعه فقد أطاع أمر الله ونفّذ حكمه.
стр. 2048
وَمَن يُطِع الأميرَ فَقَد أَطَاعَنِي، وَمَن يَعصِ الأميرَ فَقَد عَصَانِي.
وفي رواية: ومن أطاع. . . ومن عصى أميري. . . .
رواه أحمد (٢/ ٢٤٤ و ٣٤٢)، والبخاريُّ (٢٩٥٧)، ومسلم (١٨٣٥) (٣٢ و ٣٣)، والنسائي (٧/ ١٥٤)، وابن ماجه (٣).
[١٤١٥] وعَنه قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : عَلَيكَ السَّمعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسرِكَ وَيُسرِكَ، وَمَنشَطِكَ وَمَكرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيكَ.
رواه أحمد (٢/ ٣٨١)، ومسلم (١٨٣٦).
ــ
وقوله ومن أطاع الأمير - أو أميري - فقد أطاعني، وَوَجهُهُ أنّ أمير رسول الله ﷺ إنما هو مُنَفِّذٌ أَمرَهُ، ولا يتصرف إلا بأمره، فمن أطاعه فقد أطاع أمر رسول الله ﷺ ، وعلى هذا فكل من أطاع أمير رسول الله ﷺ فقد أطاع الرسول، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله. فينتج أنَّ مَن أطاع أمير رسول الله ﷺ فقد أطاع الله، وهو حق صحيح، وليس هذا الأمر خاصَّا بمن باشره رسول الله ﷺ بتولية الإمارة، بل هو عام في كل أمير للمسلمين عدل، ويلزم منه نقيض ذلك في المخالفة والمعصية.
وقوله وعليك السَّمع والطَّاعة بالنصب على الإغراء، ويلزم منه الوجوب.
ولا خلاف في وجوب طاعة أمراء المسلمين على الجملة، وسيأتي تفصيله.
والمنشط والمكره مصدران، ويعني بذلك أنَّ طاعة الأمير واجبة على كل حال، سواء كان المأمور به موافقًا لنشاط الإنسان وهواه أو مخالفًا.
وقوله وأَثَرَةٍ عليك رويناه بفتح الهمزة وفتح الثاء المثلثة، ورويناه
стр. 2049
[١٤١٦] وعَن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: إِنَّ خَلِيلِي أَوصَانِي أَن أَسمَعَ وَأُطِيعَ، وَإِن كَانَ عَبدًا حبشيا مُجَدَّعَ الأَطرَافِ.
رواه مسلم (١٨٣٧)، وأبو داود (٤٣١)، والترمذيُّ (١٣٦)، والنَّسائيُّ (٢/ ٧٥).
* * *
ــ
أيضًا بضم الهمزة وإسكان الثاء، وكلاهما بمعنى؛ والمعنى: أنّ الطاعة للأمراء واجبة وإن استأثروا بالأموال دون الناس، بل وعلى أشد من ذلك؛ لأنه ﷺ قال لحذيفة: فاسمع وأطع، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك (١).
وقوله وإن كان عبدًا حبشيًّا مجدَّع الأطراف، الجَدعُ: القطُع - وأصله في الأنف. والأطراف: الأصابع.
وهذا مبالغة في وصف هذا العبد بالضعة والخسّة؛ وذلك أن العبد إنما تنقطع أطرافه من كثرة العمل والمشي حافيًا، وهذا منه ﷺ على جهة الإغياء على عادة العرب في تمكينهم المعاني وتأكيدها، كما قال النبي ﷺ : من بنى مسجدًا لله ولو مثل مِفحَصِ قطاةِ بنى الله تعالى له بيتًا في الجنَّة (٢)، ومفحص قطاة لا يصلح لمسجد، وإنما هو تمثيل للتصغير على جهة الإغياء، فكأنَّه قال: أصغر ما يكون من المساجد. وعلى هذا التأويل لا يكون فيه حجة لمن استدل به على جواز تأمير العبد فيما دون الإمامة الكبرى، وهم بعض أهل الظاهر فيما أحسب، فإنه قد اتُّفِقَ على أن الإمام الأعظم لا بُدَّ أن يكون حرًّا على ما يأتي بنص أصحاب مالك، على أن القاضي لا بُدَّ أن يكون حرًّا.
قلت: وأمير الجيش والحرب في معناه، فإنها مناصب دينية يتعلّق بها تنفيذ
стр. 2050
(٨) باب إنما الطاعة ما لم يأمر بمعصية
[١٤١٧] عَن يَحيَى بنِ حُصَينٍ قَالَ: سَمِعتُ جَدَّتِي تُحَدِّثُ أَنَّهَا سَمِعَت النَّبِيَّ ﷺ يَخطُبُ فِي حجة الوَدَاعِ، وَهُوَ يَقُولُ: وَلَو استُعمِلَ عَلَيكُم عَبدٌ يَقُودُكُم بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا.
رواه أحمد (٤/ ٦٩)، ومسلم (١٨٣٨)(٣٧)، والنسائي (٧/ ١٥٤).
[١٤١٨] وعَن ابنِ عُمَرَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: عَلَى المَرءِ المُسلِمِ السَّمعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَن يُؤمَرَ بِمَعصِيَةٍ، فَإِن أُمِرَ بِمَعصِيَةٍ فَلَا سَمعَ وَلَا طَاعَةَ.
رواه البخاري (٧١٤٤)، ومسلم (١٨٣٩)، وأبو داود (٢٦٢٦)، والترمذي (١٧٠٧)، والنسائي (٧/ ١٦٠)، وابن ماجه (٢٨٦٤).
ــ
أحكام شرعية، فلا يصلح لها العبد لأنه ناقص بالرِّقِّ مَحجُورٌ عليه لا يستقل بنفسه، ومسلوبُ أهليةِ الشهادة والتنفيذ فلا يصلح للقضاء ولا للإمارة، وأظن أنَّ جمهور علماء المسلمين على ذلك.
وقد ورد ذكر العبد في هذا الحديث مطلقا، وقد قيَّده بالحديث الآتي بعد هذا الذي قال فيه: ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله (١).
(٨) ومن باب: إنما تجب طاعة الإمام ما لم يأمر بمعصية
قوله على المرء المسلم السَّمع والطاعة ظاهر في وجوب السمع والطّاعة للأئمة والأمراء والقضاة، ولا خلاف فيه إذا لم يأمر بمعصية، فإن أمر
стр. 2051
[١٤١٩] وعَن عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: بَعَثَ رسول الله ﷺ سَرِيَّةً وَاستَعمَلَ عَلَيهِم رَجُلًا مِن الأَنصَارِ، وَأَمَرَهُم أَن يَسمَعُوا لَهُ وَيُطِيعُوا،
ــ
بمعصية فلا تجوز طاعته في تلك المعصية قولًا واحدًا، ثم إن كانت تلك المعصية كفرًا وَجَبَ خَلعُه على المسلمين كلهم، وكذلك لو ترك إقامة قاعدة من قواعد الدين كإقام الصلاة وصوم رمضان وإقامة الحدود ومَنَع من ذلك، وكذلك لو أباح شرب الخمر والزنا ولم يمنع منها لا يختلف في وجوب خَلعِهِ، فأمَّا لو ابتدع بدعة ودعا النَّاس إليها فالجمهور على أنه يُخلَع.
وذهب البصريون إلى أنه لا يُخلَع تمسُّكًا بقوله ﵊: إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان (١)، وهذا يدلّ على استدامة ولاية المتأوّل وإن كان مبتدعًا، فأمَّا لو أمر بمعصية مثل أخذ مال بغير حق أو قتل أو ضرب بغير حق فلا يطاع في ذلك ولا ينفذ أمره، ولو أفضى ذلك إلى ضرب ظهر المأمور وأخذ ماله؛ إذ ليس دم أحدهما ولا ماله بأولى من دم الآخر ولا ماله، وكلاهما يحرم شرعًا؛ إذ هما مسلمان، ولا يجوز الإقدام على واحد منهما لا للآمر ولا للمأمور؛ لقوله ﷺ : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (٢) كما ذكره الطبري، ولقوله هنا: فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة.
فأمَّا قوله في حديث حذيفة اسمع وأطع، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك (٣) فهذا أمر للمفعول به ذلك للاستسلام والانقياد، وترك الخروج عليه مخافة أن يتفاقم الأمر إلى ما هو أعظم من ذلك.
ويحتمل أن يكون ذلك خطابًا لمن يُفعل به ذلك بتأويل يسوّغ للأمير بوجهٍ يظهر له ولا يظهر ذلك للمفعول به، وعلى هذا يرتفع التعارض بين الأحاديث ويصحّ الجمع، والله تعالى أعلم.
وقول عليٍّ واستعمل عليهم رجلًا من الأنصار ظاهر في أنه ليس
стр. 2052
فَأَغضَبُوهُ فِي شَيءٍ، فَقَالَ: اجمَعُوا لِي حَطَبًا. فَجَمَعُوا، ثُمَّ قَالَ: أَوقِدُوا نَارًا. فَأَوقَدُوا، ثُمَّ قَالَ: أَلَم يَأمُركُم رسول الله ﷺ أَن تَسمَعُوا لِي وَتُطِيعُوا؟ قَالَوا: بَلَى! قَالَ: فَادخُلُوهَا! قَالَ: فَنَظَرَ بَعضُهُم إِلَى بَعضٍ فَقَالَوا: إِنَّمَا فَرَرنَا إِلَى رسول الله ﷺ مِن النَّارِ! فَكَانُوا كَذَلِكَ، وَسَكَنَ غَضَبُهُ، وَطُفِئَتِ النَّارُ، فَلَمَّا رَجَعُوا إلى رسول الله ﷺ ذَكَرُوا ذَلِكَ إلى رسول الله ﷺ ، فَقَالَ: لَو دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنهَا، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعرُوفِ.
وفي رواية: فَأَرَادَ نَاسٌ أَن يَدخُلُوهَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: إِنَّما فَرَرنَا مِنهَا! فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرسول الله ﷺ ، فَقَالَ لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَن يَدخُلُوهَا: لَو دَخَلتُمُوهَا لَم تَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَومِ القِيَامَةِ. وَقَالَ لِلآخَرِينَ قَولًا حَسَنًا،
ــ
عبد الله بن حُذَافة؛ فإنه مهاجريٌّ وذلك أنصاريٌّ، فافترقا. وقضية عبد الله بن حُذَافة هي التي ذكر منها ابن عباس ﵄ طرفًا كما تقدَّم، فلا معنى لقول من قال: إن هذا الذي حكى عنه عليُّ بن أبي طالب ﵁ هو عبد الله بن حُذَافة. وكذلك لا معنى لقول من قال: إنَّ ذلك الأمير إنما أمرهم بدخول النار ليختبر طاعتهم له. وقد قال في هذه الرواية: إنهم أغضبوه. وقال: وسكن غَضَبُهُ عليهم، فأراد عقوبتهم بذلك. وهذه نصوص في أنه إنما حمله على ذلك غضبه عليهم.
وقوله لو دخلتموها لم تزالوا فيها إلى يوم القيامة ظاهر في أنه تَحرُمُ الطاعةُ في المعصية المأمور بها، وأنَّ المطيع فيها يستحق العقاب.
وقوله للآخرين قولًا حسنًا يدلّ على مدح المصيب في المجتهدات، كما أنّ القول الأول يدلّ على ذمِّ المقصر المخطئ وتعصيته، مع أنه ما كان تقدّم لهم في مثل تلك النازلة نصٌّ، لكنهم قصروا حيث لم ينظروا في قواعد الشريعة الكلية ومقاصدها المعلومة الجليّة.
стр. 2053
وَقَالَ: لَا طَاعَةَ فِي مَعصِيَةِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعرُوفِ.
رواه أحمد (١/ ٩٤)، والبخاري (٧٢٥٧)، ومسلم (١٨٤٠)، (٣٩ و ٤٥)، وأبو داود (٢٦٢٥)، والنسائي (٧/ ١٠٩).
* * *
ــ
وقوله إنّما الطاعة في المعروف، إنّما هذه للتحقيق والحصر؛ فكأنه قال: لا تكون الطّاعة إلا في المعروف. ويعني بالمعروف هنا ما ليس بمنكرٍ ولا معصية، فيدخل فيها الطاعات الواجبة والمندوب إليها والأمور الجائزة شرعًا، فلو أمر بجائزِ لصارت طاعته فيه واجبة ولما حَلَّت مخالفتُه، فلو أمر بما زجر الشرع عنه زَجرَ تنزيهٍ لا تحريمٍ فهذا مُشكِلٌ، والأظهر جواز المخالفة تمسَّكًا بقوله إنما الطاعة في المعروف، وهذا ليس بمعروف إلا بأن يخاف على نفسه منه، فله أن يمتثل (١)، والله تعالى أعلم.
تنبيه: هذا الحديث يَرُدُّ حكايةً حُكيت عن بعض مشايخ الصوفية، وذلك أن مريدًا له قال له يومًا: قد حمي التنورُ، فما أصنع؟ فتغافل عنه، فأعاد عليه القول فقال له: ادخل فيه. فدخل المريد في التنور، ثم إن الشيخ تذكّر فقال: الحقوه، كان قد عقد على نفسه ألا يخالفني! فلحقوه فوجدوه في التنور لم تضره النار! وهذه الحكاية أظنها من الكذب الذي كُذِبَ به على هذه الطائفة الفاضلة، فكم قد كَذَبَ عليها الزنا قةُ وأعداءُ الدين، وبيان ما يحقق ذلك أنَّ هذا الشيخ إمّا أن يكون قاصدًا لأمر ذلك المريد بدخول التنور أو لا، فإن كان قاصدًا كان قَصدُهُ ذلك معصيةً، ولا طاعة فيها بنصِّ النبي ﷺ ، ويكون امتثال المريد لذلك معصيةً، وكيف
стр. 2054
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تظهر الكراماتُ على العصاة في حال معصيتهم؟ ! فإنَّ الكرامةَ تدلُّ على حُسن حال من ظهرت على يديه وأنه مطيع لله تعالى في تلك الحالة مع جواز أمر آخر يكون في المستقبل، وإن كان ذلك الشيخ غير قاصدٍ لذلك ولا شاعرٍ بما صدر عنه فكيف يحلُّ للمريد أن يُلقي نفسه في النار بأمر غلطٍ لا حقيقةَ له؟ ! ثم هذا المريد عاصٍ بذلك الفعل، ولا يظهر على العاصي كرامةٌ في حال ملابسته للمعصية، ولو جاز ذلك لجاز للزَّناة وَشَرَبَةِ الخمر والفَسَقَة أن يدَّعوا الكرامات وهم ملابسون لفسقهم، هذا ما لا يجوز إجماعًا، وإنما تُنسب الكراماتُ لأولياء الله وهم أهل طاعته لا إلى أولياء الشيطان، وهم أهل الفسق والعصيان.
والأولى في هذه الحكاية وأشباهها مما لا يليق بأحوال الفضلاء والعلماء الطعن على الناقل لا على المنقول عنه، والله تعالى أعلم.
فإن قيل: إن الشيخ لم يكن قاصدًا لإدخال المريد نفسه النار، وإنما صَدَر ذلك منه على جهة التأديب والتغليظ لكونه أكثر عليه من السؤال، فكأنَّه قَطَعَهُ عمَّا كان أولى به في ذلك الحال، والمريد لصحة اعتقاده في شيخه وللوفاء بما جعل له عليه من الطاعة وترك المخالفة ولاعتقاده أنه لا يأمره إلا بما فيه مصلحة دينية، ثم إنه قد صحَّ توكّل هذا المريد على الله تعالى وصِدقِه في حاله، فيحتمل (١) له من مجموع ذلك أن الله تعالى ينجيه من النار ويجعل له في ذلك مخرجًا.
والجواب أن يقول مَن يُجوّز الإقدام على تلك الحالة بتلك القيود المذكورة يلزمُه أن يُجوز ما هو محرّم إجماعًا، بيانُ ذلك أنه لو قال له على تلك الحال (٢) بتلك القيود اقتل فلانًا المسلم، أو: ازن بفلانة، أو: اشرب الخمر -
стр. 2055
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لم يجز الإقدام على شيء من ذلك بالإجماع، ولو كانت له تلك القيود كلها. ولا فرق بين صورة الحكاية المذكورة وبين هذه الصور التي ذكرناها؛ إذ الكل مُحرَّمٌ قطعًا، وإن جُوِّزَ انخراق العادة في أن النار لا تحرق والسيف لا يحز الرقبة والمدية لا تقطع الحلق، لكن هذه التجويزات لا يُلتفت إليها ولا تُهَدُّ القواعدُ الشرعية لأجلها، فلو أقدم على شيء من تلك الأمور لأجل أمر هذا الشيخ لكان عاصيًا، فكذلك إذا ألقى نفسه في النار، ولا فرق.
ثم نقول: إنَّ التوكل على الله لا يصحّ مع المخالفة والمعصية، وذلك أن التوكل على الله تعالى هو الاعتماد عليه والتفويض إليه فيما يجوز الإقدام عليه أو فيما يخافُ وقوعه أو يُرتجى حصوله، وقد يُفضِي التوكّل بصاحبه إلى ألا يخاف شيئًا إلا الله ولا يرجو سواه؛ إذ لا فاعل على الحقيقة إلا هو، وهذه الحالة إنما تثمرها المعرفة بالله تعالى وبأحكامه وملازمة الطاعة والتقوى والتوفيق الخاص الإلهي.
وعلى هذا فمن المحال حصول هذه الحالة مع المعصية والمخالفة، والصحيح ما قاله رسول الله ﷺ : لو دخلوها ما خرجوا منها، وهذا هو الحق المبين ولو كره أكثر الجاهلين.
ومن نوع هذه الحكاية حكاية أبي حمزة الذي وقع في البئر، ثم جاء قوم وغطّوا البئر وهو في قعره ساكت لم يتكلم؛ متوكلًا على الله تعالى، إلى أن غطّوا البئر وانصرفوا - وللكلام في هذا موضع آخر.
* * *
стр. 2056
(٩) باب في البيعة على ماذا تكون
[١٤٢٠] عَن عُبَادَةَ بنِ الصامت قَالَ: بَايَعنَا رسول الله ﷺ عَلَى السَّمعِ وَالطَّاعَةِ فِي العُسرِ وَاليُسرِ وَالمَنشَطِ وَالمَكرَهِ،
ــ
(٩) ومن باب: البيعة
وهي مأخوذة من البيع، وذلك أن المبايع للإمام يلتزم أن يقيَهُ بنفسه وماله، فكأنّه قد بذل نفسه وماله لله تعالى، وقد وعده الله تعالى على ذلك بالجنة، فكأنّه قد حصلت له المعاوضة، فصدق على ذلك اسم البيع والمبايعة والشراء؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشتَرَى مِنَ المُؤمِنِينَ أَنفُسَهُم وَأَموَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ إلى أن قال: فَاستَبشِرُوا بِبَيعِكُمُ الَّذِي بَايَعتُم بِهِ، وعلى نحوٍ من هذا قال النبي ﷺ لصهيب: ربح البيع أبا يحيى (١)، وكانت قريشُ تبعته لتردّه عن هجرته، فبذل لهم ماله في تخليص نفسه ابتغاء ثواب الله تعالى، فسمَّاه النبي ﷺ بيعًا، وهذا أحسن ما قيل في المبايعة.
ثم هي واجبة على كل مسلم لقوله ﷺ : من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية (٢)، غير أنّه مَن كان مِن أهل الحل والعقد والشهرة فبيعته بالقول والمباشرة باليد إن كان حاضرًا، أو بالقول والإشهاد عليه إن كان غائبًا، ويكفي مَن لا يُؤبَهُ لَهُ ولا يُعرَف أن يعتقد دخوله تحت طاعة الإمام ويسمع ويطيع له في السرّ والجهر ولا يعتقد خلافًا لذلك، فإن أضمره فمات مات ميتة جاهلية؛ لأنه لم يجعل في عنقه بيعة.
وقوله بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، هذه البيعة تسمَّى بيعة
стр. 2057
وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَينَا، وَعَلَى أَن لَا نُنَازِعَ الأمرَ أَهلَهُ، وَعَلَى أَن نَقُولَ بِالحَقِّ حَيثَمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَومَةَ لَائِمٍ.
زاد في رواية بعد قوله وَأَلَا نُنَازِعَ الأمرَ أَهلَهُ قَالَ: إِلَّا أَن تَرَوا كُفرًا بَوَاحًا
ــ
الأمراء، وسُمّيت بذلك لأن المقصود بها تأكيد السمع والطاعة على الأمراء، وقد كان عُبَادَةُ بايع رسول الله ﷺ بيعة النساء، وسُمّيت بذلك لأنه لم يكن فيها ذِكرُ حربٍ ولا قتال. وقد بايع النبي ﷺ أصحابه بيعة الرِّضوان، وسُمّيت بذلك لقول الله تعالى: ﴿لَقَد رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤمِنِينَ إِذ يُبَايِعُونَكَ تَحتَ الشَّجَرَةِ﴾ وسيأتي ذِكرُهَا.
وقوله وعلى أَثَرةٍ علينا، قد تقدّم القول في تقييد أثرة وفي معناه، وكأنَّ هذا القول خاصٌّ بالأنصار، وقد ظهر أثر ذلك يوم حنين حيث آثر النبي ﷺ قريشًا بالفيء ولم يُعط الأنصار شيئًا، فجرى من الحديث ما تقدّم في كتاب الزكاة، وهناك قال النبي ﷺ : اصبروا حتى تلقوني على الحوض (١)، فقالوا: سنصبر إن شاء الله. وفيه أيضًا تنبيه لهم على أن الخلافة في غيرهم، وقد صرّح بذلك في قوله: وعلى ألا ننازع الأمر أهله، وكذلك فعلوا لَمّا علموا أهلية أبي بكر للخلافة أذعنوا وسلّموا وسمعوا وأطاعوا.
وقوله إلا أن تروا كفرًا بواحًا، كذا روايةُ هذه اللفظة بالواو عند كافة الرّواة، وهي من باح الرجل بالشيء يبوح به بوحًا وبواحًا إذا أظهره، وقال ثابت (٢): رواه النسائي بُؤَاحًا أو بَؤُوحًا - وهي بمعناه، إلا ما زادت من معنى
стр. 2058
عِندَكُم مِن اللَّهِ فِيهِ بُرهَانٌ.
رواه أحمد (٥/ ٣١٦)، والبخاري (٧١٩٩)، ومسلم (١٧٠٩) في الإمارة (٤١ و ٤٢)، والنسائي (٧/ ١٣٨).
[١٤٢١] وعن ابنَ عُمَرَ قُالُ: كُنَّا نُبَايِعُ رسول الله ﷺ عَلَى السَّمعِ وَالطَّاعَةِ، فيَقُولُ: مَا استَطَعتَم.
رواه أحمد (٢/ ٩)، والبخاري (٧٢٠٢)، ومسلم (١٨٦٧)، وأبو داود (٢٩٤٠)، والنسائي (٧/ ١٥٢).
* * *
ــ
المبالغة، وقد رواها أبو جعفر بَرَاحًا بالراء، من قولهم: بَرِحَ الخَفَاءُ؛ أي: ظَهَرَ.
وقوله عندكم من الله فيه برهان؛ أي: حجة بيّنة وأمرٌ لا شك فيه يحصل به اليقين أنه كفر، فحينئذ يجب (١) أن يخلع من عُقِدَت له البيعة على ما قدّمناه.
وقوله ﷺ للمبايعين فيما (٢) استطعتم رفعٌ لِمَا يخاف من التحرّج بسبب مخالفة تقعُ غلطًا أو سهوًا أو غلبة، فإنَّ ذلك كله غير مُؤاخذٍ به. ولا يُفهم من هذا تسويغُ المخالفة فيما يشقّ ويثقل مما يأمر به الإمام، فإنه قد نصّ في الأحاديث المتقدّمة على خلافه حيث قال: على المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره؛ في المنشط والمكره، والعسر واليسر، وقال: فاسمع وأطع، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فلا مشقة أكبر من هذه.
стр. 2059
(١٠) باب الأمر بالوفاء ببيعة الأول ويضرب عنق الآخر
[١٤٢٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كَانَت بَنُو إِسرَائِيلَ تَسُوسُهُم الأَنبِيَاءُ؛ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ،
ــ
(١٠) ومن باب: الوفاء ببيعة الأول وضرب عنق الآخر
قوله كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء ﵈، كلما هلك نبي خَلَفَهُ نبي، إسرائيل هو يعقوب ﵇، وبنوه أولاده وهم الأسباط، وهم كالقبائل في أولاد إسماعيل، قال ابن عباس: إسرا هو عبد، وإيل هو الله تعالى، فمعناه: عبد الله - وفيه لغات، وقيل: هو عِبرِيٌّ، اسم واحد بمعنى يعقوب.
ويعني بهذا الكلام أنّ بني إسرائيل كانوا إذا ظهر فيهم فساد أو تحريفٌ في أحكام التوراة بعد موسى بعث الله تعالى لهم نبيا يقيم لهم أمرهم ويصلح لهم حالهم، ويزيل ما غُيّرَ وبُدِّلَ من التوراة وأحكامها، فلم يزل أمرهم كذلك إلى أن قتلوا يحيى وزكريا (١) ﵉، فقطع الله تعالى ملكهم وَبَدَّدَ شملهم ببختنصَّر وغيره، ثم جاءهم عيسى ثم محمد صلى الله عليهما وسلم فكذبوهما، ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾؛ وهو في الدنيا ضَربُ الجزية ولزوم الصَّغار والذلة، وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ.
ولما كان نبينا ﷺ آخر الأنبياء بعثًا، وكتابه لا يقبل التغيير أسلوبًا ونظمًا، وقد تَوَلَّى الله تعالى كلامه صيانةً وحفظًا، وجعل علماء أمته قائمين ببيان مشكله وحفظ حروفه وإقامة أحكامه وحدوده، كما قال ﷺ : يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله؛ ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل
стр. 2060
وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعدِي، وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ فتَكثُرُ.
ــ
الجاهلين (١)، ويروى عنه ﷺ أنه قال: علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل (٢)، ولَمّا كان أمر هذه الأمة كذلك اكتفى بعلمائها عمَّا كان من توالي الأنبياء هنالك.
وقوله وإنه لا نبي بعدي، هذا النفي عامٌ في الأنبياء والرُّسل؛ لأن الرَّسول نبي وزيادة، وقد جاء نصًّا في كتاب الترمذي قوله لا نبي بعدي ولا رسول (٣)، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَكِن رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ومن أسمائه في الكتب القديمة (٤) وفيما أطلقته هذه الأمة: خاتم الأنبياء. ومما سمى به نفسه: العاقب، والمقفي؛ فالعاقب: الذي يَعقُبُ الأنبياءَ، والمُقَفَّي: الذي يقفوهم؛ أي: يكون بعدهم.
وعلى الجملة: هو أمرٌ مجمع عليه معلوم من دين هذه الأمة، فمن ادَّعى أنَّ بَعدَهُ نبي أو رسول فإن كان مُسِرًّا لذلك واطّلع عليه بالشهادة المعتبرة قُتل قِتلة زنديق، فإن صرَّح بذلك فهو مرتد يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتِل قِتلة مُرتدٍّ فيسبى ماله.
وقوله (٥) وستكون خلفاء فتكثر، هذا منه ﷺ إخبار عن غيب وقع على نحو ما أخبر به ووُجد كذلك في غير ما وقت؛ فمن ذلك مبايعة الناس لابن الزبير
стр. 2061
قَالَوا: فَمَا تَأمُرُنَا؟ قَالَ: فُوا بِبَيعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ،
ــ
بمكة ولمروان بالشام ولبني العباس بالعراق ولبني مروان بالأندلس ولبني عبيد بمصر، ثم لبني عبد المؤمن بالمغرب (١).
وقوله فُوا ببيعة الأوّل فالأوّل دليل على وجوب الوفاء ببيعة الأول، وسكت في هذا الحديث عمَّا يحكم به على الآخر، وقد نصَّ عليه في الحديث الآتي حيث قال: فإن جاء أحد ينازعه فاضربوا عنق الآخر، وفي رواية فاضربوه بالسيف كائنًا من كان، وهذا الحكم مجمعٌ عليه عند تقارب الأقطار وإمكان استقلال واحد بأمور المسلمين وضبطها، فأمَّا لو تباعدت الأقطار وخيف ضَيعَةُ البعيد من المسلمين ولم يتمكن الواحد من ضبط أمور من بَعُدَ عنه فقد ذكر بعضُ الأصوليين أنهم يُقيمون لأنفسهم واليًا يدبرهم ويستقل بأمورهم، وقد ذكر أنَّ ذلك مذهب الشافعي في الأم.
قلت: ويمكن أن يقال إنهم يقيمون من يدبّر أمورهم على جهة النيابة عن الإمام الأعظم، لا أنّهم يخلعون الإمام المتقدم حكمًا ويُوَلُّونَ هذا بنفسه مستقلًا، هذا ما لا يوجد نصًّا عن أحدٍ ممن يُعتبر قوله. والذي يمكن أن يُفعل مثل هذا إذا تعذر الوصول إلى الإمام الأعظم أن يُقيموا لأنفسهم من يدبّرهم ممن يعترفُ للإمام بالسَّمع والطَّاعة، فمتى أمكنهم الوصول إلى الإمام فالأمر له في إبقاء ذلك أو عَزلِه.
ثم للإمام أن يفوض لأهل الأقاليم البعيدة التفويض العام، ويجعل للوالي عليهم الاستقلال بالأمور كلِّها لتعذر المراجعة عليهم، كما قد اتفق لأهل الأندلس وأقصى بلاد العجم.
فأمَّا لو عُقِدت البيعةُ لإمامين معًا في وقتٍ واحدٍ في بلدين متقاربين
стр. 2062
وَأَعطُوهُم حَقَّهُم، فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُم عَمَّا استَرعَاهُم.
رواه البخاريّ (٣٤٥٥)، ومسلم (١٨٤٢).
[١٤٢٣] وعن عَبدُ اللَّهِ بنُ عَمرِو قَالَ: كُنَّا مَعَ رسول الله ﷺ فِي سَفَرٍ، فَنَزَلنَا مَنزِلًا، فَمِنَّا مَن يُصلِحُ خِبَاءَهُ وَمِنَّا مَن يَنتَضِلُ، وَمِنَّا مَن هُوَ فِي جَشَرِهِ، إِذ نَادَى مُنَادِي رسول الله ﷺ : الصَّلَاةَ جَامِعَةً! فَاجتَمَعنَا إِلَى
ــ
فالإمامة لأرجحهما، وهل قرابة أحدهما من الإمام المتوفى موجبة للرجحان أم لا؟ اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال: يُقَدّم الأقعد فالأقعد به (١) كولاية النكاح. ومنهم من لم يعتبر ذلك وفرَّق بين الولايتين، والفرق واضحٌ، فأمَّا لو تساويا من كل وجه فَيُقرعُ بينهما. والفرض في اثنين كل واحد منهما كامل أهلية الولاية باجتماع الشروط المعتبرة المنصوص عليها في كتب أئمتنا المتكلمين.
وقوله أعطوهم حقهم يعني به السَّمع والطاعة والذَّبَّ عِرضًا ونفسًا والاحترام، والنُّصرة له على مَن بغى عليه.
وقوله ومنا من ينتضل؛ أي: يرمي بالسهام تَدرُّبا ومداومةً - والمناضلةُ: المراماة بالسهام.
وقوله ومنَّا من هو في جشره، قال أبو عبيد: الجشر قوم يخرجون إلى المرعى بدوابهم. قال الأصمعي: وهم يبيتون فيه، فربما رأوا أنه (٢) سفر تُقصر فيه الصلاة وليس كذلك، ولذلك قال في حديث عثمان: لا يغرَّنكم جَشَرُكُم من صلاتكم (٣)؛ يعني: لا تَقصُروا صلاتكم فيه.
وقول منادي رسول الله ﷺ الصلاة جامعة خبرٌ بمعنى الأمر؛ كأنَّه قال:
стр. 2063
رسول الله ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ لَم يَكُن نَبِيٌّ قَبلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيهِ أَن يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيرِ مَا يَعلَمُهُ لَهُم، وَيُنذِرَهُم شَرَّ مَا يَعلَمُهُ لَهُم، وَإِنَّ أُمَّتَكُم هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ وَأُمُورٌ تُنكِرُونَهَا، وَتَجِيءُ فِتنَةٌ فَيُدفِّقُ بَعضُهَا بَعضًا، وَتَجِيءُ الفِتنَةُ فَيَقُولُ المُؤمِنُ: هَذِهِ مُهلِكَتِي! ثُمَّ تَنكَشِفُ، وَتَجِيءُ الفِتنَةُ فَيَقُولُ المُؤمِنُ: هَذِهِ هَذِهِ! فَمَن أَحَبَّ أَن يُزَحزَحَ
ــ
اجتمعوا للصلاة. وكأنَّهُ كان وقت صلاة، فلمَّا جاؤوا صلّوا معه، وسكت الراوي عن ذلك، وإلَاّ فمن المُحال أن يناديَ منادي الصَّادق بالصلاةِ ولا صلاةَ.
وقوله ﷺ إنَّه لم يكن نبي إلَاّ كان حقًّا عليه أن يدلّ أُمَّته على خير ما يَعلَمُه لهم؛ أي حقًّا واجبا؛ لأن ذلك من طريق النصيحة والاجتهاد في التبليغ والبيان.
وقوله وإن أمتكم هذه جُعِلَ عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاءٌ وأمورٌ تنكرونها، يعني بأوّل الأمة زمانَه وزمانَ الخلفاءِ الثلاثة إلى قتل عثمان، فهذه الأزمنة كانت أزمنة اتفاق هذه الأمة (١) واستقامة أمرها وعافية دينها (٢)، فلما قتل عثمان ماجت الفتن كموج البحر، وتتابعت كقطع الليل المظلم، ثم لم تزل ولا تزال متواليةً إلى يوم القيامة. وعلى هذا فأول آخر هذه الأمة - المَعنِيُّ في هذا الحديث - مقتل عثمان، وهو آخر بالنسبة إلى ما قبله من زمان الاستقامة والعافية، وقد دلّ على هذا قوله وأمور تنكرونها، والخطاب لأصحابه - فدلّ على أن منهم من يدرك أول ما سَمَّاه آخرًا، وكذلك كان.
وقوله وتجيء الفتنةُ فَيَدفِقُ بعضها بعضًا، الرواية يدفق بالتخفيف وفتح الياء، هذه رواية الطبري عن الفارسي، ومعنى فيدفق يدفع، والدَّفقُ الدَّفعُ.
стр. 2064
عَن النَّارِ وَيُدخَلَ الجَنَّةَ فَلتَأتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ، وَليَأتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَن يُؤتَى إِلَيهِ، وَمَن بَايَعَ إِمَامًا فَأَعطَاهُ صَفقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلبِهِ فَليُطِعهُ إِن استَطَاعَ، فَإِن جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ. قال عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة: فَدَنَوتُ مِنهُ فَقُلتُ: أَنشُدُكَ اللَّهَ، آنتَ سَمِعتَ هَذَا مِن رسول الله ﷺ ؟ فَأَهوَى إِلَى أُذُنَيهِ وَقَلبِهِ بِيَدَيهِ وَقَالَ: سَمِعَتهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلبِي! فَقُلتُ لَهُ: هَذَا ابنُ عَمِّكَ مُعَاوِيَةُ يَأمُرُنَا أَن نَأكُلَ أَموَالَنَا
ــ
ومنه الماء الدَّافِق. ويعني: أنها كموج البحر الذي يدفق بعضه بعضًا، وشُبِّه المؤمنُ في هذه الفتن بالعائِم الغريق بين الأمواج، فإذا أقبلت عليه موجة قال: هذه مهلكتي! ثم تروح عنه تلك، فتأتيه أخرى فيقول: هذه هذه! إلى أن يغرق بالكلّية، وهذا تشبيه واقع. ورواه أكثر الرُّواة فيُرَقِّقُ بالراء المفتوحة والقاف الأولى المكسورة؛ أي: يُسَيبُ بعضها بعضًا ويشيرُ إليه، كما قالوا في المثل: عن صَبُوحٍ تًرَقِّقُ؟
ويُزَحزَح عن النار: يُنَحَّى عنها ويُؤخّر منها.
وقوله وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه؛ أي: يجيء إلى الناس بحقوقهم من النصح والنيّة الحسنة بمثل الذي يحبُّ أن يُجَاءَ إليه به، وهذا مِثلُ قوله ﷺ لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه (١)، والنَّاسُ هنا الأئمة والأمراء، فيجب عليه لهم من السمع والطاعة والنُّصرة والنَّصيحة مثل ما لو كان هو الأمير لكان يحب أن يُجاءَ له به.
وقوله ومن بايع إمامًا فأعطاه صَفقَةَ يده وثمرةَ فؤاده يدلّ على أن البيعة لا يكتفى فيها بمجرّد عقد اللسان فقط، بل لا بد من الضرب باليد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوقَ أَيدِيهِم﴾ ولكن
стр. 2065
بَينَنَا بِالبَاطِلِ وَنَقتُلَ أَنفُسَنَا، وَاللَّهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأكُلُوا أَموَالَكُم بَينَكُم بِالبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِنكُم وَلَا تَقتُلُوا أَنفُسَكُم، قَالَ: فَسَكَتَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: أَطِعهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَاعصِهِ فِي مَعصِيَةِ اللَّهِ.
رواه مسلم (١٨٤٤)(٤٦)، وأبو داود (٤٢٤٨)، والنسائي (٧/ ١٥٣).
* * *
ــ
ذلك للرجال فقط على ما يأتي، ولا بُدَّ من التزام البيعة بالقلب وترك الغش والخديعة فإنها من أعظم العبادات، فلا بُدَّ فيها من النية والنصيحة.
والصفقة أصلها الضرب بالكفِّ على الكفِّ أو بأصبعين على الكفّ، وهو التصفيق، وقد تقدَّم في كتاب الصلاة.
واستحلاف عبد الرحمن زيادةٌ في الاستيثاق لا أنه كذَّبَهُ ولا اتّهمه، وما ذكره عبد الرحمن عن معاوية إغيَاءٌ في الكلام على حسب ظنه وتأويله، وإلَاّ فمعاوية ﵁ لم يُعرف مِن حاله ولا من سيرته شيء مما قاله له، وإنما هذا كما قالت طائفة من الأعراب: إنَّ ناسًا من المُصَّدِّقين يظلموننا - فسمّوا أخذ الصدقة ظُلمًا حسب ما وقع لهم.
وقول ابن عمرو أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية (١) الله، هذا كما قاله ﷺ : فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة (٢).
* * *
стр. 2066
(١١) باب يصبر على أذاهم وتؤدَّى حقوقهم
[١٤٢٤] عَن أُسَيدِ بنِ حُضَيرٍ أَنَّ رَجُلًا مِن الأَنصَارِ خَلَا بِرسول الله ﷺ فَقَالَ: أَلَا تَستَعمِلُنِي كَمَا استَعمَلتَ فُلَانًا؟ فَقَالَ: إِنَّكُم سَتَلقَونَ بَعدِي أَثَرَةً، فَاصبِرُوا حَتَّى تَلقَونِي عَلَى الحَوضِ.
رواه البخاريُّ (٣٧٩٢)، ومسلم (١٨٤٥)، والترمذي (٢١٩٠)، والنسائي (٨/ ٢٢٤ - ٢٢٥).
[١٤٢٥] وعَن سَلَمَةُ بنُ يَزِيدَ الجُعفِيُّ وسأل رسول الله ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَرَأَيتَ إِن قَامَت عَلَينَا أُمَرَاءُ يَسأَلُونَنا حَقَّهُم وَيَمنَعُونَنا حَقَّنَا، فَمَا تَأمُرُنَا؟ فَأَعرَضَ عَنهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَأَعرَضَ عَنهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَو فِي الثَّالِثَةِ فَجَذَبَهُ الأَشعَثُ بنُ قَيسٍ، فَقَالَ رسول الله ﷺ : اسمَعُوا وَأَطِيعُوا،
ــ
(١١) ومن باب: يصبر على أذاهم وتؤدَّى حقوقهم
قوله ﷺ للأنصار اصبروا حتى تلقوني على الحوض بشارة لهم بأنهم يَردُون عليه الحوض، ولعلّهم المشار إليهم بقوله ﷺ إني لأذود الناس عن حوضي بعصاي لأهل اليمن (١) فإن المدينة يمانية، وأهلها سبَّاق أهل اليمن إلى الإسلام وهم الأنصار. وسكوتُ النبي ﷺ عن السائل حتى كرّر السؤال ثلاثًا يُحتمل أن يكون لأنه كان ينتظر الوحي، أو لأنه كان يستخرج من السائل حرصه على مسألته واحتياجه إليها، أو لأنه كره تلك المسألة لأنها لا تصدر في الغالب إلا من قلب فيه تشوّف لمخالفة الأمراء والخروج عليهم.
стр. 2067
فَإِنَّمَا عَلَيهِم مَا حُمِّلُوا وَعَلَيكُم مَا حُمِّلتُم.
رواه مسلم (١٨٤٦)(٤٩)، والترمذيُّ (٢٢٠٠).
[١٤٢٦] وعن حُذَيفَةَ بنَ اليَمَانِ قالُ: كَانَ النَّاسُ يَسأَلُونَ رسول الله ﷺ عَن الخَيرِ وَكُنتُ أَسأَلُهُ عَن الشَّرِّ مَخَافَةَ أَن يُدرِكَنِي، فَقُلتُ: يَا رسول الله، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الخَيرِ، فَهَل بَعدَ هَذَا الخَيرِ شَرٌّ؟ قَالَ: نَعَم.
ــ
وقوله عليهم ما حُمّلوا وعليكم ما حملتم يعني أن الله تعالى كلَّف الولاة العدل وحسن الرعاية وكلّف المَولَّى عليهم الطاعة وحسن النصيحة، فأراد أنه إن عصى الأمراءُ الله فيكم ولم يقوموا بحقوقكم فلا تعصوا الله أنتم فيهم وقوموا بحقوقهم، فإن الله مُجاز كل واحدٍ من الفريقين بما عمل.
وقول حذيفة كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر يعني أنه كان أكثر مسائل الناس عن الخير وكانت أكثر مسائله عن الشر، وإلَاّ فقد سأل غيره رسول الله ﷺ عن كثير من الشر، وقد كان حذيفة أيضًا يسأل رسول الله ﷺ عن كثير من الخير.
والخير والشر المعنِيان في هذا الحديث إنما هما استقامة أمر دين هذه الأمة والفتن الطارئة عليها، بدليل باقي الحديث وجواب النبي ﷺ له بذلك.
وقوله مخافة أن يدركني يدل على حزم حذيفة وأخذه بالحذر، وذلك أنه كان يتوقع موت النبي ﷺ فيتغير الحال وتظهر الفتن كما اتفق، وفيه دليل على فرض المسائل والكلام عليها قبل وقوعها إذا خيف مَوتُ العالم.
وقوله فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم يعني به الفتن الطارئة بعد انقراض زمان الخليفتين والصدر من زمان عثمان كما تقدّم.
стр. 2068
فَقُلتُ: هَل بَعدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِن خَيرٍ؟ قَالَ: نَعَم، وَفِيهِ دَخَنٌ. قُلتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: قَومٌ يَستَنُّونَ بِغَيرِ سُنَّتِي وَيَهدُونَ بِغَيرِ هَديِي، تَعرِفُ مِنهُم وَتُنكِرُ! فَقُلتُ: هَل بَعدَ ذَلِكَ الخَيرِ مِن شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَم؛ دُعَاةٌ عَلَى
ــ
وقوله فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن بفتح الدال والخاء لا غير، وهو عبارةٌ عن الكدر، ومنه قولهم: هُدنَةٌ على دخنٍ - حكى معناه أبو عبيد. وقيل: هي لغة في الدُّخان. ومنه الحديث: وذكر فتنة فقال: دَخَنُهَا تحت قدمِي (١).
وقيل: إنَّ خبر حذيفة هذا إشارةٌ إلى مُدَّة عمر بن عبد العزيز.
قلت: وفيه بُعدٌ، بل الأولى أن الإشارة بذلك إلى مُدّة خلافة معاوية فإنها كانت تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر، وهي مدّة الهدنة التي كان فيها الدَّخن؛ لأنه لما بايع الحسن معاوية واجتمع الناس عليه كره ذلك كثير من الناس بقلوبهم وبقيت الكراهة فيهم، ولم تُمكِنُهم المخالفة في مدة معاوية ولا إظهارها إلى زمن يزيد بن معاوية فأظهرها كثير من الناس. ومدة خلافة معاوية كان الشرّ فيها قليلًا والخير غالبًا، فعليهم يصدق قوله ﵊ تعرف منهم وتنكر. وأمَّا خلافة ابنه فهي أول الشرِّ الثالث؛ فيزيد وأكثر ولاته ومن بعده من خلفاء بني أميةَ هم الذين يَصدُق عليهم أنّهم دُعَاةٌ على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، فإنهم لم يسيروا بالسَّواء ولا عدلوا في القضاء، يدل على ذلك تَصَفَّحَ أخبارهم ومطالعة سِيَرهم، ولا يُعتَرضُ على هذا بمدة خلافة عمر بن عبد العزيز بأنها كانت خلافة عدل لقصرها وندورها في بني أمية، فقد كانت سنتين وخمسة أشهر، فكأنَّ هذا الحديث لم يتعرض لها، والله تعالى أعلم.
ودعاة جَمعُ داعٍ، كقضاة وقاض. وقذفوه رموه - يعني بذلك أن
стр. 2069
أَبوَابِ جَهَنَّمَ، مَن أَجَابَهُم إِلَيهَا قَذَفُوهُ فِيهَا! فَقُلتُ: يَا رسول الله، صِفهُم لَنَا. قَالَ: هَم قَومٌ مِن جِلدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلسِنَتِنَا. قُلتُ: يَا رسول الله، فَمَا تَرَى إِن أَدرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلزَمُ جَمَاعَةَ المُسلِمِينَ وَإِمَامَهُم. قُلتُ: فَإِن لَم تَكُن لَهُم جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: فَاعتَزِل تِلكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَو أَن تَعَضَّ عَلَى أَصلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدرِكَكَ المَوتُ وَأَنتَ عَلَى ذَلِكَ.
ــ
مَن وافقهم على آرائهم واتبعهم على أهوائهم كانوا قائديه إلى النار.
وقوله هم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا يعني بأنهم ينتمون إلى نَسَبِهِ، فإنهم من قريشٍ ويتكلمون بكلام العرب، وكذلك كانت أحوال بني أُميَّة.
وقوله تلزم جماعة المسلمين وإمامهم يعني أنه متى اجتمع المسلمون على إمام فلا يُخرج عليه وإن جَارَ - كما تقدّم، وكما قال في الرواية الأخرى فاسمع وأطع، وعلى هذا فتُشهد مع أئمة الجَور الصلوات والجماعات والجهاد والحج، وتُجتَنَبُ معاصيهم ولا يطاعون فيها.
وقوله فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام، هذه إشارة إلى مثل الحالة التي اتفقت للناس عند (١) موت معاوية بن يزيد بن معاوية، فإنه توفي لخمسٍ بقين من ربيع الأول سنة أربع وستين ولم يًعهَد لأحدٍ، وبَقِي الناس بعده بقية ربيع الأول وجمادين وأيامًا من رجب من السَّنة المذكورة لا إمام لهم حتى بايع الناس بمكة لابن الزبير وفي الشام لمروان بن الحكم.
وقوله فاعتزل تلك الفرق كلَّها، هذا أمرٌ بالاعتزال عند الفتن، وهو على جهة الوجوب لأنه لا يَسلَمُ الدِّينُ إلَاّ بذلك، وهذا الاعتزال عبارة عن ترك الانتماء إلى من لم تتم إمامته من الفرق المختلفة، فلو بايع أهل الحل والعقد
стр. 2070
وفي رواية قَالَ: يَكُونُ بَعدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهتَدُونَ بِهُدَايَ وَلَا يَستَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِم رِجَالٌ قُلُوبُهُم قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثمَانِ إِنسٍ! قَالَ: قُلتُ: كَيفَ أَصنَعُ يَا رسول الله إِن أَدرَكتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: تَسمَعُ وَتُطِيعُ، وَإِن ضُرِبَ ظَهرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسمَع وَأَطِع.
رواه البخاري (٧٠٨٤)، ومسلم (١٨٤٧) (٥١ و ٥٢).
* * *
ــ
لواحدٍ موصوف بشروط الإمامة لانعقدت له الخلافة وحرمت على كل أحدٍ المخالفة، فلو اختلف أهل الحل والعقد فعقدوا لإمامين كما اتفق لابن الزبير ومروان لكان الأول هو الأرجح كما تقدَّم.
وقوله يكون بعدي أمراء قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، هذا خبرٌ عن أمرٍ غيب وقع موافقًا لمخبره، فكان دليلًا على صحة رسالته وصدقه ﷺ .
والشياطين جمع شيطان، وهو المارد من الجن الكثير الشر، وهل هو مأخوذ من شَطَنَ أي بَعُدَ عن الخير والرحمة، أو من شَاطَ يَشِيطُ إذا احتدَّ واحترق غيظًا؟ اختلف فيه النحويون، وعلى الأول فالنُّونُ أصلية فيُنصَرفُ وَاحِدُهُ، وعلى الثاني فهي غير أصلية فلا ينصَرِف. والجثمان والشخص والآل والطَّلَلُ - كلُّها الجسم، على ما حكاه اللغويون.
* * *