← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

(١١) باب يصبر على أذاهم وتؤدَّى حقوقهم [١٤٢٤] عَن أُسَيدِ بنِ حُضَيرٍ أَنَّ رَجُلًا مِن الأَنصَارِ خَلَا بِرسول الله ﷺ فَقَالَ: أَلَا تَستَعمِلُنِي كَمَا استَعمَلتَ فُلَانًا؟ فَقَالَ: إِنَّكُم سَتَلقَونَ بَعدِي أَثَرَةً، فَاصبِرُوا حَتَّى تَلقَونِي عَلَى الحَوضِ. رواه البخاريُّ (٣٧٩٢)، ومسلم (١٨٤٥)، والترمذي (٢١٩٠)، والنسائي (٨/ ٢٢٤ - ٢٢٥). [١٤٢٥] وعَن سَلَمَةُ بنُ يَزِيدَ الجُعفِيُّ وسأل رسول الله ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَرَأَيتَ إِن قَامَت عَلَينَا أُمَرَاءُ يَسأَلُونَنا حَقَّهُم وَيَمنَعُونَنا حَقَّنَا، فَمَا تَأمُرُنَا؟ فَأَعرَضَ عَنهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَأَعرَضَ عَنهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَو فِي الثَّالِثَةِ فَجَذَبَهُ الأَشعَثُ بنُ قَيسٍ، فَقَالَ رسول الله ﷺ : اسمَعُوا وَأَطِيعُوا، ــ (١١) ومن باب: يصبر على أذاهم وتؤدَّى حقوقهم قوله ﷺ للأنصار اصبروا حتى تلقوني على الحوض بشارة لهم بأنهم يَردُون عليه الحوض، ولعلّهم المشار إليهم بقوله ﷺ إني لأذود الناس عن حوضي بعصاي لأهل اليمن (١) فإن المدينة يمانية، وأهلها سبَّاق أهل اليمن إلى الإسلام وهم الأنصار. وسكوتُ النبي ﷺ عن السائل حتى كرّر السؤال ثلاثًا يُحتمل أن يكون لأنه كان ينتظر الوحي، أو لأنه كان يستخرج من السائل حرصه على مسألته واحتياجه إليها، أو لأنه كره تلك المسألة لأنها لا تصدر في الغالب إلا من قلب فيه تشوّف لمخالفة الأمراء والخروج عليهم.

стр. 2067

فَإِنَّمَا عَلَيهِم مَا حُمِّلُوا وَعَلَيكُم مَا حُمِّلتُم. رواه مسلم (١٨٤٦) (٤٩)، والترمذيُّ (٢٢٠٠). [١٤٢٦] وعن حُذَيفَةَ بنَ اليَمَانِ قالُ: كَانَ النَّاسُ يَسأَلُونَ رسول الله ﷺ عَن الخَيرِ وَكُنتُ أَسأَلُهُ عَن الشَّرِّ مَخَافَةَ أَن يُدرِكَنِي، فَقُلتُ: يَا رسول الله، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الخَيرِ، فَهَل بَعدَ هَذَا الخَيرِ شَرٌّ؟ قَالَ: نَعَم. ــ وقوله عليهم ما حُمّلوا وعليكم ما حملتم يعني أن الله تعالى كلَّف الولاة العدل وحسن الرعاية وكلّف المَولَّى عليهم الطاعة وحسن النصيحة، فأراد أنه إن عصى الأمراءُ الله فيكم ولم يقوموا بحقوقكم فلا تعصوا الله أنتم فيهم وقوموا بحقوقهم، فإن الله مُجاز كل واحدٍ من الفريقين بما عمل. وقول حذيفة كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر يعني أنه كان أكثر مسائل الناس عن الخير وكانت أكثر مسائله عن الشر، وإلَاّ فقد سأل غيره رسول الله ﷺ عن كثير من الشر، وقد كان حذيفة أيضًا يسأل رسول الله ﷺ عن كثير من الخير. والخير والشر المعنِيان في هذا الحديث إنما هما استقامة أمر دين هذه الأمة والفتن الطارئة عليها، بدليل باقي الحديث وجواب النبي ﷺ له بذلك. وقوله مخافة أن يدركني يدل على حزم حذيفة وأخذه بالحذر، وذلك أنه كان يتوقع موت النبي ﷺ فيتغير الحال وتظهر الفتن كما اتفق، وفيه دليل على فرض المسائل والكلام عليها قبل وقوعها إذا خيف مَوتُ العالم. وقوله فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم يعني به الفتن الطارئة بعد انقراض زمان الخليفتين والصدر من زمان عثمان كما تقدّم.

стр. 2068

فَقُلتُ: هَل بَعدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِن خَيرٍ؟ قَالَ: نَعَم، وَفِيهِ دَخَنٌ. قُلتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: قَومٌ يَستَنُّونَ بِغَيرِ سُنَّتِي وَيَهدُونَ بِغَيرِ هَديِي، تَعرِفُ مِنهُم وَتُنكِرُ! فَقُلتُ: هَل بَعدَ ذَلِكَ الخَيرِ مِن شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَم؛ دُعَاةٌ عَلَى ــ وقوله فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن بفتح الدال والخاء لا غير، وهو عبارةٌ عن الكدر، ومنه قولهم: هُدنَةٌ على دخنٍ - حكى معناه أبو عبيد. وقيل: هي لغة في الدُّخان. ومنه الحديث: وذكر فتنة فقال: دَخَنُهَا تحت قدمِي (١). وقيل: إنَّ خبر حذيفة هذا إشارةٌ إلى مُدَّة عمر بن عبد العزيز. قلت: وفيه بُعدٌ، بل الأولى أن الإشارة بذلك إلى مُدّة خلافة معاوية فإنها كانت تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر، وهي مدّة الهدنة التي كان فيها الدَّخن؛ لأنه لما بايع الحسن معاوية واجتمع الناس عليه كره ذلك كثير من الناس بقلوبهم وبقيت الكراهة فيهم، ولم تُمكِنُهم المخالفة في مدة معاوية ولا إظهارها إلى زمن يزيد بن معاوية فأظهرها كثير من الناس. ومدة خلافة معاوية كان الشرّ فيها قليلًا والخير غالبًا، فعليهم يصدق قوله ﵊ تعرف منهم وتنكر. وأمَّا خلافة ابنه فهي أول الشرِّ الثالث؛ فيزيد وأكثر ولاته ومن بعده من خلفاء بني أميةَ هم الذين يَصدُق عليهم أنّهم دُعَاةٌ على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، فإنهم لم يسيروا بالسَّواء ولا عدلوا في القضاء، يدل على ذلك تَصَفَّحَ أخبارهم ومطالعة سِيَرهم، ولا يُعتَرضُ على هذا بمدة خلافة عمر بن عبد العزيز بأنها كانت خلافة عدل لقصرها وندورها في بني أمية، فقد كانت سنتين وخمسة أشهر، فكأنَّ هذا الحديث لم يتعرض لها، والله تعالى أعلم. ودعاة جَمعُ داعٍ، كقضاة وقاض. وقذفوه رموه - يعني بذلك أن

стр. 2069

أَبوَابِ جَهَنَّمَ، مَن أَجَابَهُم إِلَيهَا قَذَفُوهُ فِيهَا! فَقُلتُ: يَا رسول الله، صِفهُم لَنَا. قَالَ: هَم قَومٌ مِن جِلدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلسِنَتِنَا. قُلتُ: يَا رسول الله، فَمَا تَرَى إِن أَدرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلزَمُ جَمَاعَةَ المُسلِمِينَ وَإِمَامَهُم. قُلتُ: فَإِن لَم تَكُن لَهُم جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: فَاعتَزِل تِلكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَو أَن تَعَضَّ عَلَى أَصلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدرِكَكَ المَوتُ وَأَنتَ عَلَى ذَلِكَ. ــ مَن وافقهم على آرائهم واتبعهم على أهوائهم كانوا قائديه إلى النار. وقوله هم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا يعني بأنهم ينتمون إلى نَسَبِهِ، فإنهم من قريشٍ ويتكلمون بكلام العرب، وكذلك كانت أحوال بني أُميَّة. وقوله تلزم جماعة المسلمين وإمامهم يعني أنه متى اجتمع المسلمون على إمام فلا يُخرج عليه وإن جَارَ - كما تقدّم، وكما قال في الرواية الأخرى فاسمع وأطع، وعلى هذا فتُشهد مع أئمة الجَور الصلوات والجماعات والجهاد والحج، وتُجتَنَبُ معاصيهم ولا يطاعون فيها. وقوله فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام، هذه إشارة إلى مثل الحالة التي اتفقت للناس عند (١) موت معاوية بن يزيد بن معاوية، فإنه توفي لخمسٍ بقين من ربيع الأول سنة أربع وستين ولم يًعهَد لأحدٍ، وبَقِي الناس بعده بقية ربيع الأول وجمادين وأيامًا من رجب من السَّنة المذكورة لا إمام لهم حتى بايع الناس بمكة لابن الزبير وفي الشام لمروان بن الحكم. وقوله فاعتزل تلك الفرق كلَّها، هذا أمرٌ بالاعتزال عند الفتن، وهو على جهة الوجوب لأنه لا يَسلَمُ الدِّينُ إلَاّ بذلك، وهذا الاعتزال عبارة عن ترك الانتماء إلى من لم تتم إمامته من الفرق المختلفة، فلو بايع أهل الحل والعقد

стр. 2070

وفي رواية قَالَ: يَكُونُ بَعدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهتَدُونَ بِهُدَايَ وَلَا يَستَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِم رِجَالٌ قُلُوبُهُم قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثمَانِ إِنسٍ! قَالَ: قُلتُ: كَيفَ أَصنَعُ يَا رسول الله إِن أَدرَكتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: تَسمَعُ وَتُطِيعُ، وَإِن ضُرِبَ ظَهرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسمَع وَأَطِع. رواه البخاري (٧٠٨٤)، ومسلم (١٨٤٧) (٥١ و ٥٢). * * * ــ لواحدٍ موصوف بشروط الإمامة لانعقدت له الخلافة وحرمت على كل أحدٍ المخالفة، فلو اختلف أهل الحل والعقد فعقدوا لإمامين كما اتفق لابن الزبير ومروان لكان الأول هو الأرجح كما تقدَّم. وقوله يكون بعدي أمراء قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، هذا خبرٌ عن أمرٍ غيب وقع موافقًا لمخبره، فكان دليلًا على صحة رسالته وصدقه ﷺ . والشياطين جمع شيطان، وهو المارد من الجن الكثير الشر، وهل هو مأخوذ من شَطَنَ أي بَعُدَ عن الخير والرحمة، أو من شَاطَ يَشِيطُ إذا احتدَّ واحترق غيظًا؟ اختلف فيه النحويون، وعلى الأول فالنُّونُ أصلية فيُنصَرفُ وَاحِدُهُ، وعلى الثاني فهي غير أصلية فلا ينصَرِف. والجثمان والشخص والآل والطَّلَلُ - كلُّها الجسم، على ما حكاه اللغويون. * * *

стр. 2071

(١٢) باب فيمن خلع يدا من طاعة وفارق الجماعة [١٤٢٧] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: مَن خَرَجَ مِن الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الجَمَاعَةَ فَمَاتَ فمِيتَته جَاهِلِيَّةً، وَمَن قَاتَلَ تَحتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغضَبُ لِعَصَبَةٍ أَو يَدعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَو يَنصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتلَته جَاهِلِيَّةٌ، ــ (١٢) ومن باب: إثم من خلع يدا من طاعة قوله من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فميتته جاهلية، يعني بالطاعة طاعة ولاة الأمر، وبالجماعة جماعة المسلمين على إمام أو أمر مجتُمِعُ عليه، وفيه دليل على وجوب نصب الإمام وتحريم مخالفة إجماع المسلمين، وأنَّه واجب الاتباع. ويُستَدلُ بظاهره من كَفَّر بخرق الإجماع مطلقا. والحق التفصيل، فإن كان الإجماع مقطوعًا به فمخالفته وإنكاره كفر، وإن كان مظنونًا فإنكاره ومخالفته معصية وفسوق، ويعني بميتة الجاهلية أنهم كانوا فيها لا يبايعون إمامًا ولا يدخلون تحت طاعته، فمن كان من المسلمين لم يدخل تحت طاعة إمام فقد شابههم في ذلك، فإن مات على تلك الحالة مات على مثل حالهم مرتكبًا كبيرةً من الكبائر ويخاف عليه بسببها ألَاّ يموت على الإسلام. وقوله ومن قاتل تحت راية عمّية رويته بكسر العين وتشديد الميم والياء، ويقال بضم العين، قال بعضهم: العَمِّية الضلالة. وقال أحمد بن حنبل: هو الأمر الأعمى كالعصبية لا يستبين ما وُجهُهُ. وقال إسحاق: هذا في تهارج القوم وقتل بعضهم بعضًا، كأنَّه من التعمية وهو التلبيس. وقوله يغضب لعصبة أو ينصر عصبة، هكذا رواية الجمهور بالعين والصاد المهملتين من التَّعصُّب، وقد رواه العذري بالغين والضاد المعجمتين من

стр. 2072

وَمَن خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا وَلَا يَنَحَاشَ عِن مُؤمِنِهَا وَلَا يَفِي لِذِي عَهدٍ عَهدَهُ فَلَيسَ مِنِّي وَلَستُ مِنهُ. ــ الغضب، والأوَّل أصحّ وأبيَن، ويَعضُدُهُ تأويلُ أحمد بن حنبل المتقدم. ولرواية العذري وَجهٌ، وهو: أنّه يريد به الغضب الذي يحمل عليه التعصب. وقوله ومن خرج على أُمَّتي يضرب بَرَّها وفاجرها، البَرُّ: التقي، والفاجر: المُسيء. وفيه دليل على أن ارتكاب المعاصي والفجور لا يخرج عن الأمة. وقوله ولا ينحاش عن مؤمنها؛ أي يجانب ولا يميل، يُقال: انحاش إلى كذا؛ أي: انضم إليه ومال. وفي الرَّواية الأخرى ولا يتحاشى من المحاشاة بمعنى ما تقدَّم. وقوله ولا يفي لذي عَهدٍ بعهده يعني به عَهد البيعة والولاية. وقوله فليس مني ولستُ منه، هذا التَّبَرِّي ظاهره أنه ليس بِمُسلم، وهذا صحيحٌ إن كان معتقدًا لحِلِّيَّة ذلك، وإن كان معتقدًا لتحريمه فهو عاصٍ من العصاة مرتكب كبيرة فأمره إلى الله تعالى، ويكون معنى التَّبَرِّي على هذا أي ليست له ذمّة ولا حرمة، بل إن ظُفِر به قُتِل أو عُوقب بحسب حاله وجريمته، ويحتمل أن يكون معناه: ليس (١) على طريقتي ولست أرضى طريقته - كما تقدم أمثال هذا. وهذا الذي ذكره في هذا الحديث هي أحوال المقاتلين على المُلك والأغراض الفاسدة والأهواء الركيكة وحمية الجاهلية، وقد أبعَدَ مَن قال إنهم الخوارج؛ فإنهم إنما حملهم على الخروج الغيرة للدِّين لا شيء من العصبية والملك، لكنهم أخطؤوا التأويل وحَرَّفوا التنزيل.

стр. 2073

وفي رواية: وَمَن قُاتِلَ تَحتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغضَبُ لِلعَصَبَةِ وَيُقَاتِلُ لِلعَصَبَةِ فَلَيسَ مِني. وفيها: ولَا يَتَحَاشَ مُؤمِنِهَا. رواه أحمد (٢/ ٢٩٦)، ومسلم (١٨٤٨) (٥٣ و ٥٤)، والنسائي (٧/ ١٢٣)، وابن ماجه (٣٩٤٨). [١٤٢٨] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ، عَن رسول الله ﷺ قَالَ: مَن كَرِهَ مِن أَمِيرِهِ شَيئًا فَليَصبِر عَلَيهِ، فَإِنَّهُ لَيسَ أَحَدٌ مِن النَّاسِ يخَرَجَ مِن السُّلطَانِ شِبرًا فَمَاتَ عَلَيهِ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً. رواه أحمد (١/ ٢٧٥)، والبخاري (٧٠٥٣)، ومسلم (١٨٤٩) (٥٦). [١٤٢٩] وعَن نَافِعٍ قَالَ: جَاءَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ إِلَى عَبدِ اللَّهِ بنِ مُطِيعٍ حِينَ كَانَ مِن أَمرِ الحَرَّةِ مَا كَانَ مَنَ يَزِيدَ بنِ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: اطرَحُوا لِأَبِي عَبدِ الرَّحمَنِ وِسَادَةً. فَقَالَ: إِنِّي لَم آتِكَ لِأَجلِسَ؛ أَتَيتُكَ لِأُحَدِّثَكَ ــ وعبد الله بن مطيع كان أميرًا على المدينة عند قيام ابن الزبير على يزيد بن معاوية في جماعة من أبناء المهاجرين والأنصار وبقية من مشيختهم وجمع من الصحابة، وعلى يديه كانت وقعة الحرَّة في الجيش الذي وَجَّه به يزيد بن معاوية لحربهم فهزموا أهل المدينة وقتلوهم واستباحوها ثلاثة أيام، وقُتِل فيها عدة من بقية الصَّحابة من أبناء المهاجرين والأنصار، وعطلت الصلاة والأذان في مسجد النبي ﷺ تلك الأيام - قاله القاضي عياض. وقال غيره من أهل التاريخ: إن الذي وجهه يزيد بن معاوية إلى المدينة وكانت على يديه وقعة الحرَّة هو مسلم بن عقبة المرّي، والله تعالى أعلم. وتحديثُ ابن عمر ابن مطيع بالحديث الذي سمعه من النبي ﷺ إنَّما كان ليبين له أنه لم ينكث بيعةَ يزيد ولم يخلعها من عنقه مخافة هذا الوعيد الذي تضمنه هذا الحديث، والله تعالى أعلم.

стр. 2074

حَدِيثًا سَمِعتُ رسول الله ﷺ يَقُولُهُ، سَمِعتُه يَقُولُ: مَن خَلَعَ يَدًا مِن طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَومَ القِيَامَةِ لَا حجة لَهُ، وَمَن مَاتَ وَلَيسَ فِي عُنُقِهِ بَيعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً. رواه أحمد (٢/ ٩٧)، ومسلم (١٨٥١). * * * (١٣) باب في حكم من فرَّق أمر هذه الأمة وهي جميع [١٤٣٠] عَن عَرفَجَةَ قَالَ: سَمِعتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَن أَرَادَ أَن يُفَرِّقَ أَمرَ هَذِهِ الأمةِ وَهِيَ جَمِيعٌ ــ وقوله لا حجة له (١)؛ أي: لا يجد حجة يحتجّ بها عند السؤال فيستحق العذاب والنكال، لأن رسول الله ﷺ قد أبلغه ما أمره الله بإبلاغه من وجوب السمع والطاعة لأولي الأمر في الكتاب والسنة. (١٣) ومن باب: حكم من فرَّق أمر هذه الأمة هنات جمع هنة، وهي كناية عن نكرة أي شيء كان كما تقدَّم، ويعني به أنَّه سيكون أمور منكرة وفتن عظيمة كما قد ظهر ووجد، وقد بينه في اللفظ الذي بعد هذا. وقوله فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع؛ أي: مجتمعة على إمام واحد (٢).

стр. 2075

فَاضرِبُوهُ بِالسَّيفِ كَائِنًا مَن كَانَ. وفي رواية: مَن أَتَاكُم وَأَمرُكُم جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ منكم يُرِيدُ أَن يَشُقَّ عَصَاكُم أَو يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُم فَاقتُلُوهُ. رواه أحمد (٥/ ٢٤)، ومسلم (١٨٥٢) (٥٩ و ٦٠)، وأبو داود (٤٧٦٢)، والنسائي (٧/ ٩٣). [١٤٣١] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخدري قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَينِ فَاقتُلُوا الآخَرَ مِنهُمَا. رواه مسلم (١٨٥٣). * * * ــ وقوله فاضربوه بالسيف كائنًا من كان؛ أي: لا يحترم لشرفه ونسبه، ولا يهاب لعشيرته ونشبه، بل يبادر بقتله قبل شرارة شره واستحكام فساده وعدوى عرِّه (١). وقوله إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما فيه من الفقه تسمية الملوك بالخلفاء، وإن كانت الخلافةُ الحقيقيَّةُ إنَّما صَحَّت للخلفاء الأربعة ﵃، وفيه أنَّه لا يجوز نصّبُ خليفتين كما تقدم. * * *

стр. 2076

(١٤) باب في الإنكار على الأمراء وبيان خيارهم وشرارهم [١٤٣٢] عَن أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعرِفُونَ وَتُنكِرُونَ، فَمَن عَرَفَ بَرِئَ، وَمَن أَنكَرَ سَلِمَ، وَلَكِن مَن رَضِيَ وَتَابَعَ. قَالَوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُم؟ قَالَ: لَا، مَا صَلَّوا. ــ (١٤) ومن باب: الإنكار على الأمراء وبيان خيارهم قوله ستكون أمراء فتَعرِفُون وتُنكِرُون؛ أي: يعمل الأمراءُ أعمالًا منها ما تعرفون كونه معروفًا، ومنها ما تعرفون كونه منكرا فتنكرونه. وقوله فمن عرف برئ؛ أي: من عرف المنكر وكرهه بقلبه، بدليل الرواية الأخرى، فتُقَيَّدُ إحداهما بالأخرى؛ يعني: أنَّ مَن كان كذلك فقد برئ - أي تبرَّأ من فعل المنكر ومن فاعله. وقوله ومن أنكر فقد سلم؛ أي بقلبه، بدليل تقييده بذلك (١) في الرواية الأخرى، أي اعتقد الإنكار بقلبه وجزم عليه بحيث لو تمكن من إظهار الإنكار لأنكره، ومَن كان كذلك فقد سَلِم من مؤاخذة الله تعالى على الإقرار على المنكر، وهذه المرتبة هي رتبة من لم يقدر على تغيير المنكر لا باللسان ولا باليد، وهي التي قال فيها ﷺ : وذلك أضعف الإيمان (٢)، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل. وقوله ولكن مَن رضي وتابع؛ أي: من رضي المنكر وتابع عليه هو المؤاخذ والمُعَاقَبُ عليه وإن لم يفعله.

стр. 2077

وفي رواية: فَمَن كَرِهَ فَقَد بَرِئَ، وَمَن أَنكَرَ فَقَد سَلِمَ - وذكر نحوه. وفي أخرى: مَن كَرِهَ بِقَلبِهِ وَأَنكَرَ بِقَلبِهِ. رواه أحمد (٦/ ٣٩٥)، ومسلم (١٨٥٤) (٦٢ و ٦٣). [١٤٣٣] وعَن عَوفِ بنِ مَالِكٍ، عَن رسول الله ﷺ قَالَ: خِيَارُ أَئِمَّتِكُم الَّذِينَ تُحِبُّونَهُم وَيُحِبُّونَكُم وَيُصَلُّونَ عَلَيكُم وَتُصَلُّونَ عَلَيهِم، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُم الَّذِينَ تُبغِضُونَهُم وَيُبغِضُونَكُم وَتَلعَنُونَهُم وَيَلعَنُونَكُم. قِيلَ: يَا رسول الله، أَفَلَا نُنَابِذُهُم بِالسَّيفِ؟ قَالَ: لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُم الصَّلَاةَ، وَإِذَا ــ وقوله خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلُّون عليهم ويصلُّون عليكم؛ أي: تدعون لهم في المعونة على القيام بالحق والعدل، ويدعون لكم في الهداية والإرشاد وإعانتكم على الخير، وكل فريق يحب الآخر لما بينهم من المواصلة والتراحم والشفقة والقيام بالحقوق كما كان ذلك في زمن الخلفاء الأربعة وفي زمان عمر بن عبد العزيز ﵃، ونقيض ذلك في الشرار لترك كل فريق منهما القيام بما يجب عليه من الحقوق للآخر ولاتّباع الأهواء والجَورِ والبُخل والإساءة، فينشأ عن ذلك التباغض والتَّلاعن وسائر المفاسد. وقوله أفلا ننابذهم بالسيف؟ ؛ أي: أفلا ننبذ إليهم عهدهم، أي ننقضه، كما قال تعالى: فَانبِذ إِلَيهِم عَلَى سَوَاءٍ، ونخرج عليهم بالسيف، فيكون المجرور متعلقًا بمحذوف دلّ عليه المعنى وحُذف إيجازا واختصارًا. وقوله لا، ما أقاموا فيكم الصلاة ظاهره: ما حافظوا على الصلوات

стр. 2078

رَأَيتُم مِن وُلَاتِكُم شَيئًا تَكرَهُونَهُ فَاكرَهُوا عَمَلَهُ وَلَا تَنزِعُوا يَدًا مِن طَاعَةٍ. رواه أحمد (٦/ ٢٤)، ومسلم (١٨٥٥) (٦٥). * * * (١٥) باب مبايعة الإمام على عدم الفرار وعلى الموت [١٤٣٤] عَن جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا يَومَ الحُدَيبِيَةِ أَلفًا وَأَربَعَمِائَةً، فَبَايَعنَاهُ، ــ المعهودة بحدودها وأحكامها وداموا (١) على ذلك وأظهروه، وقيل: معناه ما داموا على كلمة الإسلام، كما قد عبَّر عن المصلين بالمسلمين، كما قال ﷺ : نهيتُ عن قتل المصلين (٢) أي المسلمين، والأوَّل أظهر، وقد تقدَّم التنبيه على ما في هذا الحديث من الأحكام والخلاف. (١٥) ومن باب: مبايعة الإمام على عدم الفرار الحديبية ماء قريب من مكة نزله النبي ﷺ حين أراد العمرة فصَدَّته قريش، فوجَّه إليهم عثمان بن عفان ليخبرهم بأنه جاء معتمرًا ولم يجئ لقتال، فأبطأ عليه، فأُرجِفَ بأنه قُتل، فبايع النبي ﷺ أصحابه هذه البيعة المسماة ببيعة الرُّضوان - وقد تقدّم ذِكرُها. وقول جابر كنَّا في الحديبية ألفًا وأربعمائة، قد روي أنَّهم كانوا ألفًا وخمسمائة، وإنما اختلف قوله لأنَّ ذلك العدد كان عنده تخمينًا لا تحقيقًا إن لم يكن غلطًا من بعض الرواة.

стр. 2079

وَعُمَرُ آخِذٌ بِيَدِهِ تَحتَ الشَّجَرَةِ - وَهِيَ سَمُرَةٌ، وَقَد بَايَعنَاهُ عَلَى أَن لَا نَفِرَّ، وَلَم نُبَايِعهُ عَلَى المَوتِ. رواه أحمد (٣/ ٣٩٦)، والبخاريُّ (٤١٥٤)، ومسلم (١٨٥٦) (٦٧) والترمذيُّ (١٥٩١ و ١٥٩٤)، والنسائي (٧/ ١٤٠ و ١٤١). ــ وقوله بايعناه على ألا نفرَّ، ولم نبايعه على الموت مخالفٌ لما قاله سلمةُ أنهم بايعوه في ذلك اليوم على الموت، وكذلك قال عبد الله بن زيد: وهذا خلاف لفظيٌّ، وأمَّا المعنى فمتَّفق عليه؛ لأن من بايع على ألا يفرَّ حتى يفتح الله عليه أو يُقتل فقد بايع على الموت، فكأنَّ جابرًا لم يسمع لفظ الموت وأخذ غيره الموتَ من المعنى فعبَّر عنه. ويشهد لما ذكرته أنَّه قد روي عن ابن عمر في غير كتاب مسلم أن البيعة كانت على الصبر (١)، وكان هذا الحكم خاصًّا بأهل الحديبية، فإنه مخالف لما في كتاب الله تعالى من إباحة الفرار عند مِثلَي العدد كما نصَّ عليه في سورة الأنفال (٢)، وعلى مقتضى بيعة الحديبية لا فرار أصلًا، فهذا حكمٌ خاصٌّ بهم، والله تعالى أعلم. ولذلك قال عبد الله بن زيد: لا أبايع على هذا أحدًا بعد رسول الله ﷺ (٣). ثم إنَّ الناس اختلفوا في العدد المذكور في آيتي الأنفال (٤)؛ فحمله جمهور

стр. 2080

[١٤٣٥] وعن أَبي الزُّبَيرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَسأَلُ: هَل بَايَعَ النَّبِيُّ ﷺ بِذِي الحُلَيفَةِ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِن صَلَّى بِهَا، وَلَم يُبَايِع عِندَ شَجَرَةٍ إِلَّا الشَّجَرَةَ الَّتِي بِالحُدَيبِيَةِ. رواه مسلم (١٨٥٦) (٧٠). [١٤٣٦] وعَن مَعقِلِ بنِ يَسَارٍ قَالَ: لَقَد رَأَيتُنِي يَومَ الشَّجَرَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يُبَايِعُ النَّاسَ، وَأَنَا رَافِعٌ غُصنًا مِن أَغصَانِهَا عَن رَأسِهِ، وَنَحنُ أَربَعَ عَشرَةَ مِائَةً. قَالَ: لَم نُبَايِعهُ عَلَى المَوتِ، وَلَكِن بَايَعنَاهُ عَلَى أَلَا نَفِرَّ. رواه مسلم (١٨٥٨). [١٤٣٧] وعَن يَزِيدَ بنِ أَبِي عُبَيدٍ قَالَ: قُلتُ لِسَلَمَةَ: عَلَى أَيِّ شَيءٍ بَايَعتُم رسول الله ﷺ يَومَ الحُدَيبِيَةِ؟ قَالَ: عَلَى المَوتِ. رواه البخاريُّ (٢٩٦٠)، ومسلم (١٨٦٠)، والترمذيُّ (١٩٥٢)، والنسائي (٧/ ١٤١). * * * ــ العلماء على ظاهره من غير اعتبار للقوة والضعف والشجاعة والجبن، وحكى ابن حبيب عن مالك وعبد الملك أنَّ المراد بذلك القوة والتكافؤ دون تعيين (١) العدد، وقال ابن حبيب: والقول الأول أكثر، فلا تفرَّ المائة من المائتين وإن كانوا أشد جلدًا وأكثر سلاحًا (٢). قلت: وهو الظاهر من الآية. قال عياض: ولم يختلف أنه متى جهل منزلة بعضهم على بعض في مراعاة العدد لم يجز الفِرارُ.

стр. 2081

(١٦) باب لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وعمل صالح [١٤٣٨] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ يَومَ الفَتحِ فَتحِ مَكَّةَ: لَا هِجرَةَ، ــ (١٦) ومن باب: لا هجرة بعد الفتح قوله لا هجرة؛ أي لا وجوب هجرة بعد فتح مكة، وإنما سقط فرضها إذ ذاك لقوة المسلمين وظهورهم على عدوهم، ولعدم فتنة أهل مكة لمن كان بها من المسلمين بخلاف ما كان قبل الفتح، فإنَّ الهجرة كانت واجبةً لأمور: سلامة دين المهاجرين من الفتنة، ونُصرة النبي ﷺ ، وتعلُّم الدين وإظهاره. وقد تقدّم أنه لم يختلف في وجوب الهجرة على أهل مكة من المسلمين. واختلف في وجوبها على من كان بغيرها؛ فقيل: كانت (١) واجبة على كل من أسلم تمسُّكًا بمطلق الأمر بالهجرة وذم من لم يهاجر، وببيعة النبي ﷺ على الهجرة كما جاء في حديث مجاشع. وقيل: بل كانت مندوبًا إليها في حق غير أهل مكة - حكاه أبو عبيد. ويُستدلُّ لهذا القول بقول النبي ﷺ للأعرابيِّ الذي استشاره في الهجرة إن شأنها لشديد ولم يأمره بها، بل أَذِنَ له في ملازمة مكانه كما يأتي، وبدليل أنَّه لم يأمر الوفود عليه قبل الفتح بالهجرة. وقيل: إنما كانت واجبة على من لم يسلم جميعُ أهلِ بلده لئلا يبقى تحت أحكام الشرك ويخاف الفتنة على دينه. قلت: ولا يختلف في أنه لا يحل لمسلم المقام في بلاد الكفر مع التمكن من الخروج منها لجريان أحكام الكفر عليه ولخوف الفتنة على نفسه، وهذا حكم ثابت مؤبَّد إلى يوم القيامة، وعلى هذا فلا يجوز لمسلم دخول بلاد الكفر

стр. 2082

وَلَكِن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا استُنفِرتُم فَانفِرُوا. رواه أحمد (١/ ٢٢٦)، والبخاريُّ (١٨٣٤)، ومسلم (١٣٥٣) في الإمارة (٨٥)، وأبو داود (٢٤٨٠)، والترمذي (١٥٩٠)، والنسائي (٧/ ١٤٦). [١٤٣٩] وعن مُجَاشِعُ بنُ مَسعُودٍ السُّلَمِيُّ قَالَ: أَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ أُبَايِعُهُ عَلَى الهِجرَةِ، فَقَالَ: إِنَّ الهِجرَةَ قَد مَضَت لِأَهلِهَا، وَلَكِن عَلَى الإِسلَامِ وَالجِهَادِ وَالخَيرِ. ــ لتجارة (١) أو غيرها مما لا يكون ضروريًّا في الدِّين كالرُّسل وكافتكاك المسلم، وقد أبطل مالك رحمه الله تعالى شهادة من دخل بلاد الهند (٢) للتجارة. وقوله ولكن جهاد ونية؛ أي: ولكن يبقى جهاد ونية، أو جهاد ونية (٣) باقيان - أي نية في الجهاد أو في فعل الخيرات، وهذا يدلّ على أن استمرار حكم الجهاد إلى يوم القيامة وأنه لم ينسخ، لكنه يجب على الكفاية، وإنما يتعين إذا دَهَمَ العدوُّ بلدًا من بلاد المسلمين فيتعين على كلِّ مَن تمكن من نصرتهم، وإذا استنفرهم الإمام تعين على كل من استنفره لنصِّ هذا الحديث على ذلك، وهو أمرٌ مُجمَعٌ عليه. وقوله إن الهجرة قد مضت لأهلها؛ أي ثبتت لمن هاجر قبل الفتح وفازوا بها، وسقطت عن غيرهم لرفع وجوبها عنهم. وقوله ولكن على الإسلام والجهاد والخير؛ أي ولكن بايع على ملازمة الإسلام والجهاد وفعل الخير أبدًا دائمًا.

стр. 2083

رواه أحمد (٣/ ٤٣٨)، والبخاري (٤٣٠٥ و ٤٣٠٦)، ومسلم (١٨٦٣) (٨٣). [١٤٤٠] وعَن سَلَمَةَ بنِ الأَكوَعِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الحَجَّاجِ فَقَالَ: يَا ابنَ الأَكوَعِ، ارتَدَدتَ عَلَى عَقِبَيكَ؟ تَعَرَّبتَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِن رسول الله ﷺ أَذِنَ لِي فِي البَدوِ. رواه البخاريُّ (٧٠٨٧)، ومسلم (١٨٦٢). ــ وقول الحَجَّاج لسلمة بن الأكوع أرتددتَ؟ تَعَرَّبت؟ استفهامٌ على جهة الإنكار عليه؛ لأنه خرج من محل هجرته التي هي المدينة إلى البادية التي هي موطن الأعراب، لما كان المعلوم من حال المهاجر أنه يحرم عليه الانتقال منها إلى غيرها لا سيما إن رجع إلى وطنه، فإنّ ذلك محرم بإجماع الأمة على ما حكاه القاضي عياض، وربما أطلق على ذلك رِدَّة كما أطلقه الحجاج هنا، فأجابه سلمة بأن النبي ﷺ أذن له في ذلك، فكان ذلك خصوصًا في حقه. وتَعَرَّبت أي سكنت مع أعراب البادية، والبدو البادية، وسُمَّيت بذلك لأنها يبدو ما فيها ومن فيها؛ أي: يظهر. أو لأن من خرج إليها من الحاضرة بدا؛ أي: ظهر. والحاضر أصله: النازل على الماء، كما قال (١): مِن سَبَأَ الحاضرين مَأرِبَ إذ ... يَبنُونَ مِن دون سيلِهِ (٢) العَرِمَا وسُمِّي به أهل القرى والحصون؛ لأنهم لا يرحلون (٣) عن ماءٍ يجتمعون عليها. وسؤال الأعرابيّ عن الهجرة إنما كان عن وجوبها عليه، فأجابه النبي ﷺ

стр. 2084

[١٤٤١] وعن أَبُي سَعِيدٍ الخدري أَنَّ أَعرَابِيًّا سَأَلَ رسول الله ﷺ عَن الهِجرَةِ، فَقَالَ: وَيحَكَ! إِنَّ شَأنَ الهِجرَةِ لَشَدِيدٌ، فَهَل لَكَ مِن إِبِلٍ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: فَهَل تُؤدِي صَدَقَتَهَا؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: فَاعمَل مِن وَرَاءِ البِحَارِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَن يَتِرَكَ مِن عَمَلِكَ شَيئًا. زاد في رواية: فقَالَ: هَل تَحلُبُهَا يَومَ وِردِهَا؟ قَالَ: نَعَم. رواه أحمد (٣/ ١٤)، والبخاريُّ (١٤٥٢)، ومسلم (١٨٦٥)، وأبو داود (٢٤٧٧)، والنسائي (٧/ ١٤٣). * * * ــ بقوله إن شأنها لشديد؛ أي: إن أمرها صعبٌ وشروطها عظيمة - ثم أخبره بعد ذلك بما يدلّ على أنها ليست واجبة عليه. قلت: ويحتمل أن يكون ذلك خاصًّا بذلك الأعرابيِّ لما علم من حاله وضعفه عن المقام بالمدينة، فأشفق عليه ورحمه؛ ﴿وَكَانَ بِالمُؤمِنِينَ رَحِيمًا﴾ وصدقة الإبل: زكاتُها. وقوله هل تحلبها يوم وِردِهَا؟ يعني أنهم كانوا إذا اجتمعوا عند ورود المياه حَلَبُوا مواشيهم فسقوا المحتاجين والفقراء المجتمعين على المياه - وقد تقدَّم في كتاب الزكاة. والبحار هنا يُراد بها القُرى، وقد تقدَّم ذِكرُ ذلك. وقوله لن يَتِرَكَ أي ينقصك، ومعنى ذلك أنَّه إذا قام بما يتعيّن عليه من الحقوق وبما يفعله من الخير فإن الله تعالى يثيبه على ذلك ولا يضيع شيئًا من عمله أينما كان من الأرض، ولا بُعدَ في أن يُحصِّل الله له ثواب مهاجرٍ بِحُسنِ نِيّته وفعلِهِ الخير، والله تعالى أعلم.

стр. 2085

(١٧) باب في بيعة النساء والمجذوم وكيفيتها [١٤٤٢] عن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَت المُؤمِنَاتُ إِذَا هَاجَرنَ إِلَى رسول الله ﷺ يُمتَحَنَّ بِقَولِ اللَّهِ تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ المُؤمِنَاتُ يُبَايِعنَكَ عَلَى أَن لَا يُشرِكنَ بِاللَّهِ شَيئًا وَلَا يَسرِقنَ وَلَا يَزنِينَ. . . إِلَى آخِرِ الآيَةِ، قَالَت عَائِشَةُ: فَمَن أَقَرَّ بِهَذَا مِن المُؤمِنَاتِ فَقَد أَقَرَّ بِالمِحنَةِ، وَكَانَ رسول الله ﷺ إِذَا أَقرَرنَ بِذَلِكَ مِن قَولِهِنَّ قَالَ لَهُنَّ رسول الله ﷺ : ــ (١٧) ومن باب: بيعة النساء والمجذوم يُمتَحَنَّ: يُختَبَرن. والامتحان: الاختبار. وقوله ﴿وَلا يَقتُلنَ أَولادَهُنَّ﴾ (١) قال بعض المفسرين: بالوأد والإزلاق (٢). قلت: واللفظ أعم مما ذكره؛ إذ يتناوله وغيره. وقوله: ﴿وَلا يَأتِينَ بِبُهتَانٍ يَفتَرِينَهُ بَينَ أَيدِيهِنَّ وَأَرجُلِهِنَّ﴾، قيل في البهتان هذا: إنه السِّحرُ. وقيل: النميمة. وقيل: الولد من غير الزوج بالالتقاط أو الزنا فتنسبه إلى الزوج. وقيل: النياحة وخَمش الوجه وشق الجيب والدعاء بالويل. قال الكلبي: هو عام في كل أمرٍ. قلت: وهو الصحيح؛ لعموم لفظ البهتان فإنَّه نكرة في سياق النهي. ونسبته إلى ما بين الأيدي والأرجل كناية عما يفعل بجميع الأعضاء والجوارح من البهتان بين الأيدي والأرجل لأنهما الأصل في أعمال الجوارح.

стр. 2086

انطلقنَ فَقَد بَايَعتُكُنَّ. وَلَا وَاللَّهِ مَا مَسَّت يَدُ رسول الله ﷺ يَدَ امرَأَةٍ قَطُّ، غَيرَ أَنَّهُ يُبَايِعُهُنَّ بِالكَلَامِ. قَالَت عَائِشَةُ: وَاللَّهِ مَا أَخَذَ رسول الله ﷺ عَلَى النِّسَاءِ قَطُّ إِلَّا بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى. رواه البخاري (٤٨٩١)، ومسلم (١٨٦٦) (٨٨)، والترمذيُّ (٣٣٠٣). ــ وحكى أهل التفسير أن النبي ﷺ لما فتح مكة جلس على الصَّفا وبايع النساء، فتلا عليهنَّ الآية، فجاءت هند - امرأة أبي سفيان - متنكرة، فلمَّا سمعت ﴿وَلا يَسرِقنَ﴾ قالت: قد سرقت من مال هذا الشيخ. قال أبو سفيان: ما أصبت فهو لك. ولَمَّا سمعت ﴿وَلا يَزنِينَ﴾ قالت: وهل تزني الحرَّة؟ فقال عمر: لو كانت قلوب نساء العرب على قلب هند ما زنت امرأة منهنَّ. ولَمَّا سمعت ﴿وَلا يَقتُلنَ أَولادَهُنَّ﴾ قالت: ربيناهم صغارًا فقتلتموهم كبارًا! ولَمَّا سمعت ﴿وَلا يَأتِينَ بِبُهتَانٍ يَفتَرِينَهُ بَينَ أَيدِيهِنَّ وَأَرجُلِهِنَّ﴾ قالت: والله إن البهتان لأمرٍ قبيح، ما تأمر إلا بالرشد ومكارم الأخلاق. ولما سمعت ﴿وَلا يَعصِينَكَ (١) فِي مَعرُوفٍ﴾ قالت: ما جلسنا هنا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء. والمعروف هنا: الواجبات الشرعية التي يُعَصَّى من تركها. وقوله تعالى: فَبَايِعهُنَّ؛ أي بالكلام كما فعل، ﴿وَاستَغفِر لَهُنَّ اللَّهَ﴾؛ أي: سل الله لهن المغفرة فإنه غفور بتمحيق ما سلف رحيم بتوفيق ما ائتُنِفَ. وما قالته عائشة ﵂ من أن النبي ﷺ ما مَسَّت يده يد امرأة إلَاّ امرأة يملكها (٢)، وإنّما يبايع النساء بالكلام - هو الحقّ والصدق، وإذا كان

стр. 2087

[١٤٤٣] وعَن عَمرِو بنِ الشَّرِيدِ، عَن أَبِيهِ قَالَ: كَانَ فِي وَفدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجذُومٌ، فَأَرسَلَ إِلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّا قَد بَايَعنَاكَ، فَارجِع. رواه مسلم (٢٢٣١)، والنسائي (٧/ ١٠٥)، وابن ماجه (٣٥٤٤). * * * ــ النبي ﷺ يمتنع من ذلك كان غيره أحرى وأولى بالامتناع منه، فيبطل قول من قال: إن عمر كان يأخذ بأيدي النساء عند هذه المبايعة - وليس بصحيح لا نقلًا ولا عقلًا. وفيه التباعد من النساء ما أمكن، وإن كلام المرأة فيما يحتاج إليه من غير تزيُّن ولا تصنُّع ولا رفع صوت ليس بحرام ولا مكروه. وقول عائشة ﵂ ما أخذ رسول الله ﷺ على النساء قط إلا بما أمره الله تعالى تعني به آية المبايعة المذكورة يتلوها عليهن، ولا يزيد شيئًا آخر من قبله. وقوله ﷺ للمجذوم اذهب فقد بايعناك ولم يأخذ بيده عند المبايعة تخفيف عن المجذوم والناس لئلا يشق عليه الاقتحام معهم فيتأذى هو في نفسه ويتأذى به الناس. وقد روى الترمذيُّ عن النبي ﷺ أنَّه أكل مع مجذوم فقال: بسم الله توكلًا على الله (١)، وقد جاء عنه في الصحيح أنه قال: فرَّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد (٢)، وهذا الخطاب إنما هو لمن يجد في نفسه نفرة طبيعية لا يقدر على الانتزاع منها، فأمره بالفرار لئلا يتشوّش عليه ويغلبه وَهمُهُ، وليس ذلك خوفًا

стр. 2088

(١٨) باب وفاء الإمام بما عقده غيره إذا كان العقد جائزا ومتابعة سيد القوم عنهم [١٤٤٤] عن حُذَيفَةُ بنُ اليَمَانِ قَالَ: مَا مَنَعَنِي أَن أَشهَدَ بَدرًا إِلَّا أَنِّي خَرَجتُ أَنَا وَأَبِي حُسَيلٌ، قَالَ: فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيشٍ فقَالَوا: إِنَّكُم تُرِيدُونَ ــ لعدوى، فقد قال ﷺ : لا يُعدي شيء شيئًا (١)، وقال: لا عدوى (٢)، وقال للأعرابيِّ: فمن أعدى الأول (٣). ويفيد هذا الحديث إباحة مباعدة أهل الأسقام الفادحة المستكرهة إذا لم يؤد ذلك إلى إضاعتهم وإهمالهم، والله تعالى أعلم. (١٨) ومن باب: وفاء الإمام بما عقده غيره قول حذيفة خرجت أنا وأبي حُسيلٌ، روي بالتصغير والتكبير؛ أي: حِسلًا، وهو اسم لوالد حذيفة، واليمان لقب له غالبٌ عليه، وقيل: هو اسمٌ لأحد أجداد حذيفة، وهو: حذيفةُ بن حسل بن عامر بن ربيعة بن عمرو بن جِروَة، وهو (٤) اليمان، وكان جروةُ هذا قد أصاب دمًا في قومه فهرب إلى المدينة، فحالف بني عبد الأشهل، فسمَّاه قومه اليماني لأنه حَالَفَ اليمانية.

стр. 2089

مُحَمَّدًا؟ فَقُلنَا: مَا نُرِيدُ إِلَّا المَدِينَةَ! فَأَخَذُوا مِنَّا عَهدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنصَرِفَنَّ إِلَى المَدِينَةِ وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ، فَأَتَينَا رسول الله ﷺ فَأَخبَرنَاهُ الخَبَرَ، فَقَالَ: انصَرِفَا، نَفِي لَهُم بِعَهدِهِم وَنَستَعِينُ اللَّهَ عَلَيهِم. رواه مسلم (١٧٨٧). [١٤٤٥] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ضِمَادًا قَدِمَ مَكَّةَ، وَكَانَ مِن أَزدِ شَنُوءَةَ، وَكَانَ يَرقِي مِن هَذِهِ الرِّيحِ، فَسَمِعَ سُفَهَاءَ مِن أَهلِ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا مَجنُونٌ! فَقَالَ: لَو أَنِّي رَأَيتُ هَذَا الرَّجُلَ لَعَلَّ اللَّهَ يَشفِيهِ عَلَى يَدَيَّ! قَالَ: فَلَقِيَهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي أَرقِي مِن هَذِهِ الرِّيحِ، وَإِنَّ اللَّهَ يَشفِي عَلَى يَدِي مَن يشَاءَ، فَهَل لَكَ؟ فَقَالَ رسول الله ﷺ : إِنَّ الحَمدَ لِلَّهِ، نَحمَدُهُ وَنَستَعِينُهُ، مَن يَهدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِل فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعدُ. قَالَ: فَقَالَ: أَعِد ــ وقوله انصرفا، نَفِي لهم بعهدهم، هكذا وقع ها هنا نفي بنونٍ في أول الفعل، وعلى هذا فيكون هو ﷺ الذي وفَّى بما عهده حذيفة وأبوه للمشركين، وقد وقع في الجمع بين الصحيحين للحميدي تفيا باثنتين من فوقها والألف للاثنين بعد الياء المفتوحة، وعليه فيكون هما اللذان وفّيا بما عقداه إلا أن النبي ﷺ أمضَاهُ. وقوله ﷺ بعد خطبته لضماد أما بعد ولم يذكر جوابَ أمَّا، سكت عنه لأن ضمادًا قطع عليه ما أراد أن يقول حين قال له: أعد عليّ كلماتك هذه، فاشتغل بإعادته عن الجواب، ثمّ إنّ ضمادًا لَمّا (١) كان عالِمًا بأصناف الكلام البليغ ووجد عنده ما حصل له من العلم بذلك قطع بأنه لا يصدر مثل ذلك إلا

стр. 2090

عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ! فَأَعَادَهُنَّ عَلَيهِ رسول الله ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ: فَقَالَ: لَقَد سَمِعتُ قَولَ الكَهَنَةِ وَقَولَ السَّحَرَةِ وَقَولَ الشُّعَرَاءِ، فَمَا سَمِعتُ مِثلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، وَلَقَد بَلَغنَ قَامُوسَ البَحرِ! قَالَ: فَقَالَ: هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعكَ عَلَى الإِسلَامِ! قَالَ: فَبَايَعَهُ، فَقَالَ رسول الله ﷺ : وَعَلَى قَومِكَ؟ فقَالَ: وَعَلَى قَومِي. قَالَ فَبَعَثَ رسول الله ﷺ سَرِيَّةً فَمَرُّوا بِقَومِهِ، فَقَالَ صَاحِبُ السَّرِيَّةِ لِلجَيشِ: هَل أَصَبتُم مِن هَؤُلَاءِ شَيئًا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِن القَومِ: أَصَبتُ مِنهُم مِطهَرَةً! فَقَالَ: رُدُّوهَا؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَومُ ضِمَادٍ! رواه مسلم (٨٦٨). * * * ــ عن نبي وأنه مُحِقٌّ في قوله، فأسلَم وحَسُنَ إسلامه، وضمن عن قومه الإسلام حتى قدم عليهم فأسلَمُوا، فلم يحتج النبي ﷺ بعد خطبته لإنشاء كلام يكون جوابًا لـ أمَّا. وقاموس البحر قَعرَهُ، وقد مضى تفسيره وتفسير ما شابه هذه الصيغة، وهذا القول من ضمادٍ يُحتمل أن يكون على الإغياء؛ يعني أنَّه لو كان في قعر البحر أحدٌ لبلغت ووصلت إليه، ويكون الماضي بمعنى المستقبل، ويحتمل أن يتجوز بالبحر ويعبِّر به عن قلبه؛ لأنه كثير المعارف والفضائل ولسعته لكل ذلك، فكأنَّه قال: بلغت كلماتك قعر قلبي. وتكون هذه الاستعارة كما قال ﷺ في الفرس: وإن وجدناه لبحرًا (١). * * *

стр. 2091

(١٩) باب جواز أمان المرأة [١٤٤٦] عن أُمُّ هَانِئٍ بِنتُ أَبِي طَالِبٍ أنها قُالتُ: يَا رسول الله، زَعَمَ ابنُ أُمِّي عَلِيُّ أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا أَجَرتُهُ - فُلَانُ ابنُ هُبَيرَةَ! فَقَالَ رسول الله ﷺ : قَد أَجَرنَا مَن أَجَرتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ. قَالَ: وَذَلِكَ ضُحًى. رواه أحمد (٦/ ٣٤٣)، والبخاريُّ (٢٨٠)، ومسلم (٣٣٦) في صلاة المسافرين (٨٢) والترمذيُّ (٢٧٣٥)، والنسائيُّ (١/ ١٢٦). * * * ــ (١٩) ومن باب: جواز أمان المرأة قول أمِّ هانئ زعم ابن أمي علي، ولم تقل ابن أبي مع أنه شقيقها لما يقتضيه رحم الأم من الشفقة والحنان والتعطّف، كما قال الشاعر (١): يا ابن أُمِّي وَيَا شُقَيَّق نَفسِي ... أَنتَ خَلَّيتَنِي لِدَهرٍ شَدِيد فكأنها قالت: عليٌّ مع شفقته ورحمته أراد أن يخفر ذمّتي فيقتل فلانًا الكافر الذي أجرتُه. وقوله ﷺ قد أجرنا من أجرت دليل على جواز أمان المرأة على ما ذهب إليه مالك وغيره، وقد تقدَّم. وقد دفع الاستدلال بهذا الحديث من منع أمان المرأة إلا بإذن الإمام بأن قالوا: لو لم يُجز النبي ﷺ أمانها لَمَا جاز. ولا يُسمع هذا؛ لأن موضع احتجاجنا به إنَّما هو قوله مَن أَجَرتِ، فسمَّى جوارها جوارًا حقيقيًّا، وهذا يقتضي نفوذه منفردًا أو مضمومًا إليه غيره، ثم قوله ﷺ قد أجرنا ليس هو إنشاء جوارٍ، إنّما هو موافقةٌ لها على ما أجارت وعملٌ بمقتضى ما عَقَدت، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 2092

(١٥) كتاب النكاح (١) باب الترغيب في النكاح وكراهية التبتل [١٤٤٧] عَن عَلقَمَةَ قَالَ: كُنتُ أَمشِي مَعَ عَبدِ اللَّهِ بِمِنًى فَلَقِيَهُ عُثمَانُ فَقَامَ سعد يتحَدّث، فَقَالَ لَهُ عُثمَانُ: يَا أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ، أَلَا نُزَوِّجُكَ جَارِيَةً شَابَّةً ــ (١٥) كتاب النكاح حقيقة النكاح: الوطءُ، وأصله: الإيلاج. وهو: الإدخال. وقد اشتهر إطلاقه على العقد؛ كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحتُمُ المُؤمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقتُمُوهُنَّ مِن قَبلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ أي: إذا عقدتم عليهن. وقد يُطلق النكاح ويُراد به العقد والوطء؛ كما قال تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا المُشرِكَاتِ حَتَّى يُؤمِنَّ﴾؛ أي: لا تعقدوا عليهن، ولا تطؤوهن. (١) باب الترغيب في النكاح (١) (قوله: ألا نزوجك جاريةً شابةً؟ ) (ألا): عرض وتحضيض. و (الجارية) هنا:

стр. 2093

- وفي رواية بكرا مكان شابة - لَعَلَّهَا تُذَكِّرُكَ مَا مَضَى مِن زَمَانِكَ؟ قَالَ: فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ: لَئِن قُلت ذَاكَ، لَقَد قَالَ لَنَا رسول الله ﷺ : يَا مَعشَرَ الشَّبَابِ مَن استَطَاعَ ــ المعصر (١) وما قارب ذلك. والبِكرُ: الذي لم يتزوج من الرِّجال والنِّساء؛ يقال: رجلٌ بِكرٌ، وامرأةٌ بِكرٌ - بكسر الباء- والبكر أيضًا: أوّلُ الأولاد - بالكسر -؛ كما قال الشاعر: يا بِكرَ بِكرَينِ ويَا خِلبَ الكَبِدِ ... أصبحتَ مِنِّي كذِراعٍ مِن عَضُد وفي مقابلة البكر: الأيِّم، وسيأتي ذِكرُها إن شاء الله تعالى. و(قوله: لعلها تذكرك بعض ما مضى من زمانك) أي: زمان نشاطك وغُلمتك (٢). فقد قال في الرواية الأخرى: (لعلها (٣) ترجع إليك ما كنت تعهد من نفسك) وكان عبد الله قد قلت رغبته في النساء؛ إما للاشتغال بالعبادة، وإمّا للسِّنِّ، وإما لمجموعهما، فحرّكه عثمان بذلك. و(الباءة) - بفتح الباء، والمد -: النِّكَاح. وأصله: المَنزِل؛ يقال: باءةٌ، ومباءة، ومبوَّأ. ومنه قوله ﷺ في المدينة حين أطلَّ عليها: (هذه المبوَّأ) (٤) أي: المنزل. ثم قيل للتزويج: باه؛ لأن من تزوَّج امرأة بوَّأها منزلًا. قال الأصمعي: وفيه لغتان: باهٌ، وباءٌ. قال: هو الغشيان. وإن شئتَ جمعتَ بالتاء، فقلتَ: باءات. قال غيره: فيه أربع لغات، وزاد: باهة، فأبدل من الهمزة هاءً، وباها - بالقصر والهاء -. و(قوله ﷺ : (من استطاع) أي: مَن وَجَدَ ما به يتزوج. و (من لم يستطع)

стр. 2094

مِنكُم البَاءَةَ فَليَتَزَوَّج ــ أي: من لم يجد ذلك. ولا يُراد به هنا: القدرة على الوطءِ؛ لقوله: (فعليه بالصوم، فإنه له وِجَاء). و(قوله: فليتزوج) أمرٌ، وظاهره: الوجوب. وبه قال داود ومَن تابعه. والواجب عندهم العَقدُ لا الدخول، فإنه إنما يجب عندهم مرة في العمر. والجمهور: على أن التزويج مندوب إليه، مُرَغَّبٌ فيه على الجملة. وقد اعتبره بعض علمائنا بالنظر إلى أحوال النَّاس، وقسَّمه بأقسام الأحكام الخمسة (١). وذلك واضحٌ. وصرف الجمهورُ ذلك الأمرَ عن ظاهره لشيئين: أحدهما: أن الله تعالى قد خيَّر بين التزويج والتَّسَرِّي بقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَاءِ مَثنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ ثم قال: ﴿أَو مَا مَلَكَت أَيمَانُكُم﴾، والتَّسرِّي ليس بواجب إجماعًا، فالنكاح لا يكون واجبا؛ لأن التخيير بين واجب وبين ما ليس بواجب يرفع وجوب الواجب. وبَسطُ هذا في الأصول. وثانيهما: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُم لِفُرُوجِهِم حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزوَاجِهِم أو مَا مَلَكَت أَيمَانُهُم فَإِنَّهُم غَيرُ مَلُومِينَ﴾ ولا يقال في الواجب: إنه غير ملوم. ثم هذا الحديث لا حجة لهم فيه لوجهين: أحدهما: أن نقول بموجبه في حق الشابّ المستطيع الذي يَخافُ الضررَ على نفسه ودينه من العُزبة، بحيث لا يرتفع عنه إلَاّ بالتزويج، وهذا لا يُختلف في وجوب التزويج عليه. والثاني: أنهم قالوا: إنّما يجب العقد لا الوطء. وظاهرُ الحديث: إنّما هو الوطء، فإنّه لا يحصل شيءٌ من الفوائد التي أرشد إليها في ذلك الحديث؛ من

стр. 2095

فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلبَصَرِ، وَأَحصَنُ لِلفَرجِ، ــ تحصين الفرج، وغَضِّ البصر بالعقد. بل: إنّما يحصل كلُّ ذلك بالوطء، وهو الذي يحصل دفع الشَّبق إليه بالصوم. فما ذهبوا إليه لم يتناوله الحديث. وما تناوله الحديثُ لم يذهبوا إليه. وذلك دليل على سوء فهمهم، وقلة فطنتهم. ولا حجة لهم في قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية؛ لأنَّه أمرٌ قُصِدَ به بيانُ ما يجوز الجمع بينه من أعداد النساء، لا أنَّه قصد به حكم أصل القاعدة. ولا حجة لهم في قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم﴾؛ فإنَّه أمرٌ للأولياء بالإنكاح، لا للأزواج بالنِّكاح. وأغض: أسدُّ (١). وأحصن: أمنع. و(قوله: فعليه بالصوم) قال الإمام أبو عبد الله: فيه إغراءٌ بالغائب، ومن أصول النحويين ألا يُغرى بغائبٍ، وقد جاء شاذًّا قول بعضهم: عليه رجلًا ليسني؛ على جهة الإغراء. قال القاضي أبو الفضل عياض: هذا الكلام لأبي محمد بن قتيبة والزَّجَّاجي وبعضهم، ولكن على قائله أغاليط ثلاثة: أولها: قوله: لا يجوز الإغراء بالغائب، وصوابه: لا يجوز إغراء الغائب، أو لا يُغرَى غائبٌ. فأمَّا الإغراء بالشاهد والغائب فجائزٌ. وهكذا نصَّ أبو عبيد في هذا الحديث، وكذلك كلام (٢) سيبويه ومَن بعده من أئمة هذا الشأن قالوا: وإنَّما يؤمر بمثل هذا الحاضر، والمخَاطَب، ولا يجوز: دونه زيدًا، ولا: عليه زيدًا - وأنت تريد غير المخاطب -؛ لأنه ليس بفعل له، ولا تصرّف تصرّفه. وإنما جاز

стр. 2096

وَمَن لَم يَستَطِع فَعَلَيهِ بِالصَّومِ، ــ للحاضر؛ لما فيه من معنى الفعل، ودلالة الحال. فأمَّا الغائب فلا يوجد ذلك فيه؛ لعدم حضوره، وعدم معرفته بالحالة الدالة على المراد. وثانيها: عدُّ قولهم: عليه رجلًا ليس من إغراء الغائب. وقد جعله سيبويه والسّيرافي منه. ورأوه شاذًّا. قال القاضي: والذي عندي: أنه ليس المراد بها حقيقة الإغراء، وإن كانت صورته، فلم يُرِد هذا القائلُ تبليغ هذا الغائب، ولا أمره بإلزام غيره، وإنما أراد الإخبار عن نفسه بعدم (١) مبالاته بالغائب، وأنَّه غير متأتٍّ له منه ما يريد، فجاء بهذه الصورة يَدَلُّ على ذلك. ونحوه قولهم: إليك عنّي؛ أي: اجعل شغلك بنفسك عنِّي، ولم يُرِد أن يغريه به، وإنّما مرادُه: دَعني، وكن كمن شُغِلَ عَنِّي. وثالثها: عدُّهم هذه اللفظة في الحديث؛ من إغراء الغائب. قال القاضي: والصَّواب: أنه ليس في هذا الحديث إغراء الغائب جملة. والكلام كلُّه والخطابُ للحضور الذين خاطبهم ﷺ بقوله: (من استطاع منكم الباءة) فالهاء هنا (٢) ليست للغائب، وإنّما هي لمن خصَّ من الحاضرين بعدم الاستطاعة؛ إذ لا يصح خطابُه بكاف الخطاب؛ لأنه لم يتعيّن منهم، ولإبهامه بلفظة (من) وإن كان حاضرًا. وهذا النحو كثيرٌ في القرآن؛ كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ القِصَاصُ فِي القَتلَى الحُرُّ بِالحُرِّ إلى قوله: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أَخِيهِ شَيءٌ﴾ وكقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيرًا فَهُوَ خَيرٌ لَهُ﴾ وكقوله: ﴿وَمَن يَقنُت مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعمَل صَالِحًا نُؤتِهَا أَجرَهَا مَرَّتَينِ﴾، فهذه الهاءاتُ كلّها ضمائرُ للحاضر لا للغائب، ومثله: لو قلتَ

стр. 2097

فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ. رواه أحمد (١/ ٤٣٢)، والبخاري (٥٠٦٦)، ومسلم (١٤٠٠)، وأبو داود (٢٠٤٦)، والترمذي (١٠٨١)، والنَّسائيُّ (٤/ ١٦٩)، وابن ماجه (١٨٤٥). [١٤٤٨] وعَن أَنَسٍ أَنَّ نَفَرًا مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ سَأَلُوا أَزوَاجَ ــ لرجلين: من قام الآن منكما فله درهم (١). فهذه الهاء لمن قام من الحاضرين. قلت: اختصرتُ كلام القاضي في هذا الفصل من غير تبديل، ولا زيادة، وهو حسن جيّدٌ، فلذلك نقلته بلفظه. و(قوله: فإنه له وِجَاء) - بكسر الواو، والمد - وهو: عض الأنثيين (٢)، أو رضهما بحجر ونحوه. وأصله: الغمز، والطّعن. ومنه: وَجَأَ في عُنُقِه، وَوَجَأَ بَطنَهُ بالخنجر. وقال بعضهم: الوَجءُ: أن توجأ العروق والخصيتان باقيتان بحالهما. والخصاء: شق الخصيتين، واستئصالهما. والجب: أن تحمى الشفرة، ثم تستأصل بها الخصيتان. وقد قاله بعضهم: (وجا) بفتح الواو، والقصر. وليس بشيء؛ لأن ذلك هو: الحفا في ذوات الخُفِّ، قاله الخطابي. وفيه دليل: على جواز المعاناة لقطع الباه بالأدوية. وعلى أن مقصود النكاح: الوطء. وعلى وجوب الخيار في العنّة. و(المعشر): الجماعة من الناس. و(قوله: أن نفرًا) النفر: الجماعة من الناس (٣)، وأقلهم ثلاثة وهم كذلك

стр. 2098

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هنا. وقد ذكر البخاري حديث أنس هذا على سياق أحسن من هذا وأتم، فقال: جاء ثلاثة رهطٍ إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادته، فلمّا أخبروا كأنهم تقالوها. فقالوا: أين نحن من النبي ﷺ ، قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر. قال أحدهم: أمَّا أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال الآخر: أمَّا أنا فأصوم الدَّهرَ ولا أفطر. وقال الآخر: وأنا أعتزلُ النساء، فلا أتزوّج أبدًا. فجاء رسول الله ﷺ فقال: (أنتم القائلون كذا؟ أَمَا والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكنِّي أصوم وأُفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سُنَّتِي فليس مني) (١). قلت: فهؤلاء القوم حَصَلَ عندهم أنَّ الانقطاعَ عن ملاذِّ الدُّنيا من النساء والطَّيِّب من الطَّعام والنوم، والتَّفرغ لاستغراق الأزمان بالعبادات أولى، فلما سألوا عن عمل رسول الله ﷺ وعبادته، لم يدركوا من عبادته ما وقع لهم أبدَوا فارقًا بينهم وبين النبي ﷺ : بأنَّه مغفورٌ له. ثمَّ أخبر كلّ واحد منهم بما عَزَمَ على فعله، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ أجابهم بأن ألغى الفارق بقوله: (إني أخشاكم لله) وتَقرِيرُ ذلك: إني وإن كنت مغفورًا لي فخشية الله وخوفه يحملني على الاجتهاد وملازمة العبادة، لكن طريق العبادة ما أنا عليه، فمن رغب عنه وتركه؛ فليس على طريقي في العبادة. قلت: ويوضح هذا المعنى ويُبيِّنَه: أنَّ عبادة الله إنَّما هي امتثالُ أوامره الواجبة والمندوبة، واجتناب نواهيه المحظورة والمكروهة، وما من زمان من الأزمان إلا وتتوجَّهُ على المكلَّف فيه أوامر أو نواهٍ، فمن قام بوظيفة كل وقت فقد أدَّى العبادة، وقام بها. فإذا قام بالليل مصلِّيًا: فقد قام بوظيفة ذلك الوقت. فإذا احتاج إلى النوم لدفع ألم السّهر، ولتقوية النفس على العبادة، ولإزالة تشويش

стр. 2099

النَّبِيِّ ﷺ عَن عَمَلِهِ فِي السِّرِّ فَقَالَ بَعضُهُم: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعضُهُم: لَا آكُلُ اللَّحمَ، وَقَالَ بَعضُهُم: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ، ــ مدافعة النوم المشوَّشة للقراءة، أو لإعطاء الزوجة حقَّها من المضاجعة: كان نومُه ذلك عبادةً كصلاتِه، وقد بيّن هذا المعنى سلمان الفارسي لأبي الدرداء بقوله: لكنِّي أقوم وأنام، وأحتسب في نومتي ما أحتسبه في قَومتي. وكذلك القول في الصيام. وأمَّا التزويج فيجري فيه مثل ذلك وزيادة نيَّة تحصين الفرج، والعين، وسلامة الدين، وتكثير نسل المسلمين. وبهذه القصود الصحيحة تتحقق فيه العبادات العظيمة. ولذلك اختلف العلماء في: أيَّ الأمرين أفضل؟ التزويج أم التفرُّغ منه للعبادة؟ كما هو معروف في مسائل الخلاف. وعلى الجملة: فما من شيء من المباحات المستلذات وغيرها، إلا ويُمكن لمن شرح الله صدره أن يصرفه إلى باب العبادات والطاعات بإخطار معانيها بباله، وقصد نية التقرّب بها، كما قد نصَّ عليه المشايخ في كتبهم، كالحارث المحاسبي وغيره. ومَن فَهِمَ هذا المعنى وحصَّلَهُ تحقَّق: أنَّ النبي ﷺ قد حَلَ من العبادات أعلاها؛ لانشراح صدره، وحضور قصده، ولعلمه بحدود الله، وبما يُقرّب منه، ولما لم ينكشف هذا المعنى للنّفر السائلين عن عبادته استقلوها بناءً منهم على أن العبادة إنما هي استفراغ الوسع في الصلاة، والصوم، والانقطاع عن الملاذّ. وهيهات بينهما ما بين الثريَّا والثَّرى، وسُهيل والسُّها (١). وعند الوقوف على ما أوضحناه من هذا الحديث يتحقق أنَّ فيه ردًّا على غلاة المتزهدين، وعلى أهل البطالة من المتصوفين؛ إذ كُلُّ فريقٍ منهم قد عَدَلَ عن طريقه، وحاد عن تحقيقه. و(قوله: وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراشٍ) قال البخاري بدل هذا الكلام: أما أنا فأصوم ولا أفطر. وهذا المساق أحسن؛

стр. 2100

وَأَثنَى عَلَيهِ فَقَالَ: مَا بَالُ أَقوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَن رَغِبَ عَن سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي. رواه أحمد (٣/ ٢٤١)، والبخاريُّ (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١)، والنسائي (٦/ ٦٠). [١٤٤٩] وعن سَعدَ بنَ أَبِي وَقَّاصٍ قُالُ: أَرَادَ عُثمَانُ أَن يَتَبَتَّلَ فَنَهَاهُ رسول الله ﷺ ، وَلَو أَجَازَ لَهُ ذَلِكَ لَاختَصَينَا. ــ لأنه ﷺ أجابهم في الروايتين بقوله: (لكني أصوم وأفطر) ولم يرو فيه مسلم جوابًا عن الأكل والنَّوم على الفراش بأكثر من قوله: (لكنِّي أصوم وأفطر) فبقي أكل اللحم، والنوم على الفراش بغير جواب، فكان مساق البخاري أولى، والله تعالى أعلم. و(قوله: ردَّ على عثمان التَّبَتُّل) (١) وهو هنا: الانقطاع عن النساء. وأصله: الانقطاع مطلقا. يقال: بَتلَ إلى كذا؛ أي: انقطع إليه. وَتَبَتَّل عن كذا؛ أي: انقطع عنه. ومنه: تبَتَلتُ الأمرَ. والبتلة والعذراء: البتول؛ أي: المنقطعة عن الرجل إلى عبادة الله تعالى. وردُّ التَبتل: عبارة عن أنَّه لم يأذن له فيه، ولم يُجزهُ له؛ كما قال: (لا رهبانية في الإسلام) (٢) أي: لا تَبَتُّل. و(قوله: ولو أجاز له ذلك لاختصينا) (٣). قد بيَّنَّا: أن الخصاء هو شَقُّ الخصيتين وانتزاعهما. وقد يقال: من أين يلزم من جواز التبتل عن النساء جواز

стр. 2101

رواه أحمد (١/ ١٧٥)، والبخاري (٥٠٧٣)، ومسلم (١٤٠٢)، والترمذي (١٠٨٣)، والنسائي (٦/ ٥٨)، وابن ماجه (١٨٤٨). * * * ــ الاختصاء (١)؟ وهو قطع عضوين شريفين بهما قوام النسل، وفي قطعهما ألم عظيم لا يجوز لأحد أن يُدخِلَهُ على نفسه، وضررٌ عظيم ربما يفضي بصاحبه إلى الهلاك، وهو محرمٌ بالاتفاق. والجواب: إن ذلك لازم من حيث إن مطلق التبتل يتضمنه، وكأنَّ قائل ذلك وقع له: أنَّ التبتل الحقيقي الذي تؤمن معه شهوة النساء هو الخصاء. فكأنّه أخذ بأكثر مما يدل عليه الاسم. وقولكم: هو ألم عظيم مُسَلَّم، لكنه مُغتفرٌ في جنب صيانة الدّين، فقد يُغتفر الألم العظيم في جنب ما هو أعظم منه، كقطع اليد للأكلة، وكالكيِّ، والبَطِّ (٢)، وغير ذلك. وقولكم: هو مُفض إلى الهلاك غالبًا، غير مُسلَّم، بل نقول: وقوعُ الهلاك منه نادرٌ، فلا يُلتَفتُ إليه، وخصاء البهائم يشهد لذلك. وما ذكرناه إنما هو تقدير ما وقع لسعدٍ، ولا يُظَنُّ أن ذلك يجوز لأحدٍ اليوم، بل هو محرّم بالإجماع. وكلُّ ما ذكرناه مبنيٌّ على الأخذ بظاهر: (لاختصينا)، ويحتمل أن يريد به سعدٌ: لمنعنا أنفسنا من النساء منع المختصي. والظاهر هو الأول، والله الموفق. وحديث أنس وسهلٍ يدلان على أن التزويج أفضل من التفرغ للعبادة. وهو أحد القولين المتقدمين. ويمكن أن يقال: كان ذلك في أول الإسلام، لما كان النساء عليه من المعونة على الدِّين والدنيا، وقلة الكلف، والتعاون على البر والتقوى، والحنوّ، والشفقة على الأزواج. وأمَّا في هذه الأزمان فنعوذ بالله من

стр. 2102

(٢) باب ردّ ما يقع في النفس بمواقعة الزوجة [١٤٥٠] عَن جَابِرٍ أَنَّ رسول الله ﷺ رَأَى امرَأَةً فَأَتَى امرَأَتَهُ زَينَبَ، وَهِيَ تَمعَسُ مَنِيئَةً لَهَا فَقَضَى حَاجَتَهُ منها، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصحَابِهِ فَقَالَ: إِنَّ المَرأَةَ تُقبِلُ فِي صُورَةِ شَيطَانٍ، وَتُدبِرُ فِي صُورَةِ شَيطَانٍ، فَإِذَا أَبصَرَ أَحَدُكُم امرَأَةً، فَليَأتِ أَهلَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفسِهِ. ــ الشيطان والنسوان. فوالله الذي لا إله إلا هو لقد حلَّت العزبة والعزلة، بل وتعيّن الفِرار من فتنتهنَّ، والرحلة، فلا حول ولا قوة إلا بالله (١). (٢) ومن باب: ردّ ما يقع في النفس بمواقعة الزوجة (قوله: رأى امرأة) أي: وقع بصره عليها فجأة، وكان ﷺ لا تحتجب النساء منه، وكان إذا أعجبته امرأة فرغب فيها حَرُمَ على زوجها إمساكها، هكذا ذكره أبو المعالي وغيره. و(قوله: وهي تَمعَسُ منيئةً لها) أي: تدبغ جلدًا. قال أبو عبيد: الجلد أول ما يُدبغ يسمّى: منيئة، على وزن فعيلة، ثم هو: أَفِيق، وجمعه: أَفَقٌ، ثم يكون أدِيمًا. و(قوله: إن المرأة تقبل في صورة شيطان) أي: في صفته من الوسوسة، والتحريك للشهوة؛ لما يبدو منها من المحاسن المثيرة للشهوة النفسية، والميل الطبيعي، وذلك يدعو إلى الفتنة التي هي أعظم من فتنة الشيطان، ولذلك قال ﷺ :

стр. 2103

وفي رواية: إِذَا أَحَدُكُم أَعجَبَتهُ المَرأَةُ فَوَقَعَت فِي قَلبِهِ فَليَعمِد إِلَى امرَأَتِهِ فَليُوَاقِعهَا. رواه أحمد (٣/ ٣٣٠)، ومسلم (١٤٠٣) (٩) و (١٠)، وأبو داود (٢١٥١)، والترمذي (١١٥٨). * * * ــ (ما تركت في أمتي فتنة أعظم على الرجال من النساء) (١) فلمّا خاف ﷺ هذه المفسدة على أمته أرشدهم إلى طريق بها تزول وتنحسم، فقال: (إذا أبصر أحدكم المرأة فأعجبته فليأت أهله) (٢) ثم أخبر بفائدة ذلك، وهو قوله: (فإن ذلك يردّ ما في نفسه). وللردّ وجهان: أحدهما: أنَّ المنَّي إذا خرج انكسرت الشهوة، وانطفأت، فزال تعلُّق النَّفس بالصّورة المَريبة. وثانيهما: أن محل الوطء والإصابة متساوٍ من النساء كلِّهن، والتفاوت إنما هو من خارج ذلك، فليُكتَف بمحلِّ الوطء، الذي هو المقصود، ويُغفَل عمَّا سواه، وقد دلّ على هذا ما جاء في هذا الحديث في غير الأم بعد قوله: (فليأت أهله): (فإن معها مثل الذي معها) (٣). تحذير: لا يُظنُّ برسول الله ﷺ لَمَّا فعل ذلك - ميلُ نَفسٍ، أو غلبة شهوة - حاشاه عن ذلك، وإنما فعل ذلك لِيَسُنَّ، وليُقتدى به، وليحسمَ عن نفسه ما يتوقع وقوعه.

стр. 2104

(٣) باب ما كان أبيح في أول الإسلام من نكاح المتعة [١٤٥١] عن عَبدَ اللَّهِ قُالُ: كُنَّا نَغزُو مَعَ رسول الله ﷺ لَيسَ لَنَا نِسَاءٌ ــ (٣) ومن باب: ما كان أبيح في أول الإسلام من نكاح المتعة ونسخه (قوله: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ليس لنا نساء) هذا الحديث، وأكثر أحاديث هذا الباب تدلّ على أن نكاح المتعة إنما أُبيح في السفر لحال الضرورة، في مدة قصيرة، كما قال ابن أبي عمرة: إنها كانت رخصة (١) في أول الإسلام، لمن اضطر إليها، كالميتة، والدّم، ولحم الخنزير. وقد اختلفت الروايات واضطربت في وقت إباحتها، وتحريمها، اضطرابًا شديدًا، بحيث يتعذر فيها التلفيق، ولا يحصل معه تحقيق، فعن ابن أبي عمرة: أنها كانت في أول الإسلام، كما تقدَّم. وفي رواية: ومن رواية سلمة أنها كانت عام أوطاس. ومن رواية سبرة: إباحتُها يوم الفتح، وهما متقاربان، ثم تحريمها حينئذ في حديثيهما. ومن رواية علي: تحريمها يوم خيبر. وهو قبل الفتح. وفي غير كتاب مسلم عن عليّ: نهيه ﷺ عنها في غزوة تبوك. وقد روى أبو داود من حديث الرّبيع بن سَبرَة: النهي عنها في حجة الوداع (٢). وروي أيضًا عن الحسن البصري: أنها ما حلّت قطُّ إلا في عمرة القضاء. وروي هذا عن سبرة أيضًا. قلت: ولما اختلفت هذه الروايات اختلف العلماءُ في ذلك على وجهين:

стр. 2105

فَقُلنَا: أَلَا نَستَخصِي فَنَهَانَا عَن ذَلِكَ، ــ أحدهما: ترجيح بعض هذه الروايات على بعض. وثانيهما: أن إباحة ذلك وتحريمه تكرَّر في مواطن. قلت: وعلى الجملة: فالروايات كلُّها متفقة على وقوع إباحة المُتعة، وأن ذلك لم يَطُل، وأنه نُسخ، وحُرِّم تحريمًا مؤبدًا. وأجمع السَّلف والخلف على تحريمها، إلا ما روي عن ابن عباس، ورُوي عنه: أنَّه رجع عنه، وإلَاّ الرافضة، ولا يُلتَفَت لخلافهم؛ إذ ليسوا على طريقة المسلمين. وأجمعوا: على أنَّ نكاح المتعة متى وقع فسخ قبل الدّخول وبعده، إلا ما حُكي عن زُفَر، فإنه يُلغي الأجل، ويصحَّحُ العقد، وكأنَّه رأى: أنه متى فسد ألغي الشرط؛ وَحَكَمَ بالصحة. وهو خلافٌ شاذٌّ. واختلف أصحابنا إذا دخل في نكاح المتعة هل يُحَدُّ ولا يُلحَقُ به الولد؟ أو يُدفَعُ الحَدُّ بالشبهة، ويُلحَقُ الولدُ؟ على قولين، ولكن يُعَزَّر ويُعاقب. وإذا تقررت هذه المقدِّمة فلنبحث عن ألفاظ الأحاديث الواقعة في هذا الباب. و(قوله: ألا نستخصي) أي: نستدعي من يفعل الخصاء، أو نحاول ذلك بأنفسنا. وقد تقدَّم تفسير الخصاء. و(قوله: فنهانا عن ذلك) هذا النهي على التحريم. ولا خلاف في تحريم ذلك في بني آدم؛ لما فيه من الضرر (١) وقطع النّسل، وإبطال معنى الرجولية. وهو في غير بني آدم ممنوع أيضًا في الحيوان، إلا لمنفعة حاصلة في ذلك، كتطييب اللحم، أو قطع ضرر ذلك الحيوان. وسيأتي لهذا مزيد تفصيل (٢).
следующие страницы →