← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

رواه أحمد (١/ ١٧٥)، والبخاري (٥٠٧٣)، ومسلم (١٤٠٢)، والترمذي (١٠٨٣)، والنسائي (٦/ ٥٨)، وابن ماجه (١٨٤٨). * * * ــ الاختصاء (١)؟ وهو قطع عضوين شريفين بهما قوام النسل، وفي قطعهما ألم عظيم لا يجوز لأحد أن يُدخِلَهُ على نفسه، وضررٌ عظيم ربما يفضي بصاحبه إلى الهلاك، وهو محرمٌ بالاتفاق. والجواب: إن ذلك لازم من حيث إن مطلق التبتل يتضمنه، وكأنَّ قائل ذلك وقع له: أنَّ التبتل الحقيقي الذي تؤمن معه شهوة النساء هو الخصاء. فكأنّه أخذ بأكثر مما يدل عليه الاسم. وقولكم: هو ألم عظيم مُسَلَّم، لكنه مُغتفرٌ في جنب صيانة الدّين، فقد يُغتفر الألم العظيم في جنب ما هو أعظم منه، كقطع اليد للأكلة، وكالكيِّ، والبَطِّ (٢)، وغير ذلك. وقولكم: هو مُفض إلى الهلاك غالبًا، غير مُسلَّم، بل نقول: وقوعُ الهلاك منه نادرٌ، فلا يُلتَفتُ إليه، وخصاء البهائم يشهد لذلك. وما ذكرناه إنما هو تقدير ما وقع لسعدٍ، ولا يُظَنُّ أن ذلك يجوز لأحدٍ اليوم، بل هو محرّم بالإجماع. وكلُّ ما ذكرناه مبنيٌّ على الأخذ بظاهر: (لاختصينا)، ويحتمل أن يريد به سعدٌ: لمنعنا أنفسنا من النساء منع المختصي. والظاهر هو الأول، والله الموفق. وحديث أنس وسهلٍ يدلان على أن التزويج أفضل من التفرغ للعبادة. وهو أحد القولين المتقدمين. ويمكن أن يقال: كان ذلك في أول الإسلام، لما كان النساء عليه من المعونة على الدِّين والدنيا، وقلة الكلف، والتعاون على البر والتقوى، والحنوّ، والشفقة على الأزواج. وأمَّا في هذه الأزمان فنعوذ بالله من

стр. 2102

(٢) باب ردّ ما يقع في النفس بمواقعة الزوجة [١٤٥٠] عَن جَابِرٍ أَنَّ رسول الله ﷺ رَأَى امرَأَةً فَأَتَى امرَأَتَهُ زَينَبَ، وَهِيَ تَمعَسُ مَنِيئَةً لَهَا فَقَضَى حَاجَتَهُ منها، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصحَابِهِ فَقَالَ: إِنَّ المَرأَةَ تُقبِلُ فِي صُورَةِ شَيطَانٍ، وَتُدبِرُ فِي صُورَةِ شَيطَانٍ، فَإِذَا أَبصَرَ أَحَدُكُم امرَأَةً، فَليَأتِ أَهلَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفسِهِ. ــ الشيطان والنسوان. فوالله الذي لا إله إلا هو لقد حلَّت العزبة والعزلة، بل وتعيّن الفِرار من فتنتهنَّ، والرحلة، فلا حول ولا قوة إلا بالله (١). (٢) ومن باب: ردّ ما يقع في النفس بمواقعة الزوجة (قوله: رأى امرأة) أي: وقع بصره عليها فجأة، وكان ﷺ لا تحتجب النساء منه، وكان إذا أعجبته امرأة فرغب فيها حَرُمَ على زوجها إمساكها، هكذا ذكره أبو المعالي وغيره. و(قوله: وهي تَمعَسُ منيئةً لها) أي: تدبغ جلدًا. قال أبو عبيد: الجلد أول ما يُدبغ يسمّى: منيئة، على وزن فعيلة، ثم هو: أَفِيق، وجمعه: أَفَقٌ، ثم يكون أدِيمًا. و(قوله: إن المرأة تقبل في صورة شيطان) أي: في صفته من الوسوسة، والتحريك للشهوة؛ لما يبدو منها من المحاسن المثيرة للشهوة النفسية، والميل الطبيعي، وذلك يدعو إلى الفتنة التي هي أعظم من فتنة الشيطان، ولذلك قال ﷺ :

стр. 2103

وفي رواية: إِذَا أَحَدُكُم أَعجَبَتهُ المَرأَةُ فَوَقَعَت فِي قَلبِهِ فَليَعمِد إِلَى امرَأَتِهِ فَليُوَاقِعهَا. رواه أحمد (٣/ ٣٣٠)، ومسلم (١٤٠٣) (٩) و (١٠)، وأبو داود (٢١٥١)، والترمذي (١١٥٨). * * * ــ (ما تركت في أمتي فتنة أعظم على الرجال من النساء) (١) فلمّا خاف ﷺ هذه المفسدة على أمته أرشدهم إلى طريق بها تزول وتنحسم، فقال: (إذا أبصر أحدكم المرأة فأعجبته فليأت أهله) (٢) ثم أخبر بفائدة ذلك، وهو قوله: (فإن ذلك يردّ ما في نفسه). وللردّ وجهان: أحدهما: أنَّ المنَّي إذا خرج انكسرت الشهوة، وانطفأت، فزال تعلُّق النَّفس بالصّورة المَريبة. وثانيهما: أن محل الوطء والإصابة متساوٍ من النساء كلِّهن، والتفاوت إنما هو من خارج ذلك، فليُكتَف بمحلِّ الوطء، الذي هو المقصود، ويُغفَل عمَّا سواه، وقد دلّ على هذا ما جاء في هذا الحديث في غير الأم بعد قوله: (فليأت أهله): (فإن معها مثل الذي معها) (٣). تحذير: لا يُظنُّ برسول الله ﷺ لَمَّا فعل ذلك - ميلُ نَفسٍ، أو غلبة شهوة - حاشاه عن ذلك، وإنما فعل ذلك لِيَسُنَّ، وليُقتدى به، وليحسمَ عن نفسه ما يتوقع وقوعه.

стр. 2104

(٣) باب ما كان أبيح في أول الإسلام من نكاح المتعة [١٤٥١] عن عَبدَ اللَّهِ قُالُ: كُنَّا نَغزُو مَعَ رسول الله ﷺ لَيسَ لَنَا نِسَاءٌ ــ (٣) ومن باب: ما كان أبيح في أول الإسلام من نكاح المتعة ونسخه (قوله: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ليس لنا نساء) هذا الحديث، وأكثر أحاديث هذا الباب تدلّ على أن نكاح المتعة إنما أُبيح في السفر لحال الضرورة، في مدة قصيرة، كما قال ابن أبي عمرة: إنها كانت رخصة (١) في أول الإسلام، لمن اضطر إليها، كالميتة، والدّم، ولحم الخنزير. وقد اختلفت الروايات واضطربت في وقت إباحتها، وتحريمها، اضطرابًا شديدًا، بحيث يتعذر فيها التلفيق، ولا يحصل معه تحقيق، فعن ابن أبي عمرة: أنها كانت في أول الإسلام، كما تقدَّم. وفي رواية: ومن رواية سلمة أنها كانت عام أوطاس. ومن رواية سبرة: إباحتُها يوم الفتح، وهما متقاربان، ثم تحريمها حينئذ في حديثيهما. ومن رواية علي: تحريمها يوم خيبر. وهو قبل الفتح. وفي غير كتاب مسلم عن عليّ: نهيه ﷺ عنها في غزوة تبوك. وقد روى أبو داود من حديث الرّبيع بن سَبرَة: النهي عنها في حجة الوداع (٢). وروي أيضًا عن الحسن البصري: أنها ما حلّت قطُّ إلا في عمرة القضاء. وروي هذا عن سبرة أيضًا. قلت: ولما اختلفت هذه الروايات اختلف العلماءُ في ذلك على وجهين:

стр. 2105

فَقُلنَا: أَلَا نَستَخصِي فَنَهَانَا عَن ذَلِكَ، ــ أحدهما: ترجيح بعض هذه الروايات على بعض. وثانيهما: أن إباحة ذلك وتحريمه تكرَّر في مواطن. قلت: وعلى الجملة: فالروايات كلُّها متفقة على وقوع إباحة المُتعة، وأن ذلك لم يَطُل، وأنه نُسخ، وحُرِّم تحريمًا مؤبدًا. وأجمع السَّلف والخلف على تحريمها، إلا ما روي عن ابن عباس، ورُوي عنه: أنَّه رجع عنه، وإلَاّ الرافضة، ولا يُلتَفَت لخلافهم؛ إذ ليسوا على طريقة المسلمين. وأجمعوا: على أنَّ نكاح المتعة متى وقع فسخ قبل الدّخول وبعده، إلا ما حُكي عن زُفَر، فإنه يُلغي الأجل، ويصحَّحُ العقد، وكأنَّه رأى: أنه متى فسد ألغي الشرط؛ وَحَكَمَ بالصحة. وهو خلافٌ شاذٌّ. واختلف أصحابنا إذا دخل في نكاح المتعة هل يُحَدُّ ولا يُلحَقُ به الولد؟ أو يُدفَعُ الحَدُّ بالشبهة، ويُلحَقُ الولدُ؟ على قولين، ولكن يُعَزَّر ويُعاقب. وإذا تقررت هذه المقدِّمة فلنبحث عن ألفاظ الأحاديث الواقعة في هذا الباب. و(قوله: ألا نستخصي) أي: نستدعي من يفعل الخصاء، أو نحاول ذلك بأنفسنا. وقد تقدَّم تفسير الخصاء. و(قوله: فنهانا عن ذلك) هذا النهي على التحريم. ولا خلاف في تحريم ذلك في بني آدم؛ لما فيه من الضرر (١) وقطع النّسل، وإبطال معنى الرجولية. وهو في غير بني آدم ممنوع أيضًا في الحيوان، إلا لمنفعة حاصلة في ذلك، كتطييب اللحم، أو قطع ضرر ذلك الحيوان. وسيأتي لهذا مزيد تفصيل (٢).

стр. 2106

ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَن نَنكِحَ المَرأَةَ بِالثَّوبِ إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ قَرَأَ عَبدُ اللَّهِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُم وَلَا تَعتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ المُعتَدِينَ. رواه البخاري (٤٦١٥)، ومسلم (١٤٠٤). [١٤٥٢] وعَن سَلَمَةَ بنِ الأَكوَعِ، وجَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَا: خَرَجَ عَلَينَا مُنَادِي رسول الله ﷺ فَقَالَ: إِنَّ رسول الله ﷺ قَد أَذِنَ لَكُم أَن تَستَمتِعُوا (يَعنِي مُتعَةَ النِّسَاءِ). رواه البخاري (٥١١٧)، ومسلم (١٤٠٥) (١٣). [١٤٥٣] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قُالُ: كُنَّا نَستَمتِعُ بِالقَبضَةِ مِن التَّمرِ وَالدَّقِيقِ الأَيَّامَ عَلَى عَهدِ رسول الله ﷺ ، وَأَبِي بَكرٍ حَتَّى نَهَى عَنهُ عُمَرُ فِي ــ و(قوله: رخَّصَ لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل) وفي حديث جابر: (بالقبضة من التمر والدقيق) وليس في هذا حجة لمن قال: إن الصداق لا يتقدّر أقله بمقدار، وهو قول الشافعي؛ لأن هذا الحديث كلَّه منسوخ؛ ولأن ذلك للضرورة وعدم الوجدان لأكثر منه، ولإمكان أن تساوي القبضةُ من الدّقيق أو التمر أقل الصداق على قول من يحدّده؛ لأن تلك الأوقات أوقات المجاعات والشدائد، وكان نكاح المتعة ينفسخ بحلول الأجل، من غير طلاق، ولا يجب به ميراث. وقد قدّمنا الكلام على هذا في باب المتعة في الحج. واستدلال عبد الله بن مسعود على إباحته بقوله: لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُم، لا حجة فيه؛ لأن الله تعالى هو الذي حَرَّمَ نكاح المتعة لا نحن. وكأنَّه ما كان إذ ذاك بَلَغَه الناسخ، وبعد ذلك بلغه، ورجع عن ذلك. وقول جابر: (كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر - في رواية -: وعمر) ظاهر هذا: استمرار العمل عندهم، وفي أعصارهم

стр. 2107

شَأنِ عَمرِو بنِ حُرَيثٍ. رواه مسلم (١٤٠٥) (١٦). [١٤٥٤] وعَن أَبِي نَضرَةَ قَالَ: كُنتُ عِندَ جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ، فَأَتَاهُ آتٍ فَقَالَ: ابنُ عَبَّاسٍ وَابنُ الزُّبَيرِ اختَلَفَا فِي المُتعَتَينِ، فَقَالَ جَابِرٌ: فَعَلنَاهُمَا مَعَ رسول الله ﷺ ، ثُمَّ نَهَانَا عَنهُمَا عُمَرُ فَلَم نَعُد لَهُمَا. رواه مسلم (١٤٠٥) (١٧). * * * ــ على نكاح المتعة، واشتهار ذلك إلى أن نهى عنه عمر. وهذا مخالفٌ لأكثر أحاديث هذا الباب، كما ذكره. والصحيح الأوّل، كما ذكرناه. وهذا محمول من جابر على إخباره عمن لم يبلغه الناسخ كابن عباس، فاستمر على التمسك بالإباحة الأولى في هذه الأعصار، إلى أن أوضح عمر وعبد الله بن الزبير أن ذلك منسوخ، وتقدما في ذلك، وتوعَّدا عليه بالرجم، فتبين الصبح لذي عينين، وضاءت الشمس لسليم الحاسّتَين. وكان شأن عمرو بن حريث: أنّه تزوج امرأةً نكاح المتعة، وأنه استمر عليها إلى زمان خلافة عمر؛ لأنه لم يسمع الناسخ، فحملت منه، فأُنهِيَ أَمرُهُ إلى عمر، فنهي عن ذلك. وقد تقدّم القول على قول جابر: (فعلناها مع رسول الله ﷺ في باب متعة الحج. * * *

стр. 2108

(٤) باب نسخ نكاح المتعة [١٤٥٥] عَن سَلَمَةَ بن الأكوع، قَالَ: رَخَّصَ رسول الله ﷺ عَامَ أَوطَاسٍ فِي المُتعَةِ ثَلَاثًا، ثُمَّ نَهَى عَنهَا. رواه مسلم (١٤٠٥) (١٨). [١٤٥٦] وعَن الرَّبِيعِ بنِ سَبرَةَ الجهني أَنَّ أَبَاهُ غَزَا مَعَ رسول الله ﷺ فَتحَ مَكَّةَ قَالَ: فَأَقَمنَا بِهَا خَمسَ عَشرَةَ (ثَلَاثِينَ بَينَ لَيلَةٍ وَيَومٍ) فَأَذِنَ لَنَا رسول الله ﷺ فِي مُتعَةِ النِّسَاءِ فَخَرَجتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِن قَومِي وَلِي عَلَيهِ فَضلٌ فِي الجَمَالِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِن الدَّمَامَةِ، مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ ــ (٤) ومن باب: نسخ نكاح المتعة (١) غزوة أوطاس هي: غزوة حنين، على ما قاله أبو عمر، وكانت غزوة حنين بعد فتح مكة بأيام (٢)، وذلك: أن فتح مكة كان لعشر بقين من شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة، وكانت وقعة حنين في أول شوال من السنة المذكورة. و(قوله: رخَّصَ لنا في المتعة ثلاثًا) وفي حديث سبرة: (فكنّ معنا ثلاثًا) يدلُّ على قِصَرِ مدّة الرخصة، وأنه لم يكن إلا ثلاث ليال لا غير. و(الدَّمامةُ) - بالدال المهملة - هي: دِقة في الخَلق، وقُبحٌ في المنظر (٣).

стр. 2109

مِنَّا بُردٌ، فَبُردِي خَلَقٌ، وَأَمَّا بُردُ ابنِ عَمِّي فَبُردٌ جَدِيدٌ غَضٌّ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَسفَلِ مَكَّةَ (أَو بِأَعلَاهَا) فَلَقّينَا فَتَاةٌ مِثلُ البَكرَةِ العَنَطنَطَةِ فَقُلنَا: هَل لَكِ أَن يَستَمتِعَ مِنكِ أَحَدُنَا؟ قَالَت: وَمَاذَا تَبذُلَانِ؟ فَنَشَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بُردَهُ، فَجَعَلَت تَنظُرُ إِلَى الرَّجُلَينِ، وَيَرَاهَا صَاحِبِي تَنظُرُ إِلَى عِطفِهَا فَقَالَ: إِنَّ بُردَ هَذَا خَلَقٌ، وَبُردِي جَدِيدٌ غَضٌّ فَتَقُولُ: بُردُ هَذَا لَا بَأسَ بِهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، أَو مَرَّتَينِ، ثُمَّ استَمتَعتُ مِنهَا، فَلَم أَخرُج حَتَّى حَرَّمَهَا رسول الله ﷺ . وفي رواية: فَكُنَّ مَعَنَا ثَلَاثًا، ثُمَّ أَمَرَنَا رسول الله ﷺ بِفِرَاقِهِنَّ. رواه أحمد (٣/ ٤٠٤)، ومسلم (١٤٠٦) (٢٠) و (٢١)، وابن ماجه (١٩٦٢). [١٤٥٧] وعنه عن أبيه أَنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي كُنتُ أَذِنتُ لَكُم فِي الِاستِمتَاعِ مِن النِّسَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ قَد حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَومِ ــ و(الجديد): الغضُّ الذي عليه نضارة الجدَّة، وغضارتها. والغضُّ من التفاح: الطَّريّ، المتناهي طيبًا. و (البكرة): الفتيَّة من الإبل؛ شبهها بها لقوتها، وعبالتها. و (العَنَطنَطَة): الطويلةُ العنق باعتدالٍ وحُسنٍ، وهي: العيطاء أيضًا؛ كما جاء في الرواية الأخرى. والعنقاء، والعطبول نحوه. وفي الأم (١): (بُردُ هذا خَلِقٌ مُحٌ) بالميم والحاء المهملة المشددة، وهو الدَّارس، المتغير من القدم. و (العِطف) بكسر العين: الجانب. وكأنها تتبختر، وتُزهَى بنفسها. و(قوله: فلم أخرج حتى حرَّمها) يعني: من مكة، وهذا نصٌّ صريح في التحريم بعد الإباحة. و(قوله: ثم أمرنا رسول الله ﷺ بفراقهن) وفي الرواية الأخرى: (من كان

стр. 2110

القِيَامَةِ فَمَن كَانَ عِندَهُ مِنهُنَّ شَيءٌ فَليُخَلِّ سَبِيلَهُ، وَلَا تَأخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا. وفي رواية: قال رأيت رسول الله ﷺ قائما بين الركن والباب وهو يقول: أيها الناس. . . نحوه. رواه مسلم (١٤٠٦) (٢١). [١٤٥٨] وعن عَبدَ اللَّهِ بنَ الزُّبَيرِ أنه قَامَ بِمَكَّةَ فَقَالَ: إِنَّ نَاسًا أَعمَى اللَّهُ قُلُوبَهُم كَمَا أَعمَى أَبصَارَهُم يُفتُونَ بِالمُتعَةِ يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ ــ عنده منهنّ شيءٌ فليخلِّ سبيلها) هذا ردٌّ على زُفر؛ إذ صَحَّح العقد، وأبطل الشرط، وهو حجة للجمهور على قولهم: (إنه يُفسخُ على كل حال). و(قوله: ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا) يعني: لأنهن قد استحققن ذلك بالدّخول عليهن. و(قوله: بين الركن والباب) يعني: الحجر الأسود. وهذا كان يوم الفتح كما قاله (١) في الرواية الأخرى. ويمكن أن يقال: لا تناقض بين هذا وبين ما رُوي من تحريم نكاح المتعة يوم حنين، وفي حجة الوداع، ويوم الفتح، وفي غزوة تبوك؛ لأن ذلك محمولٌ على أنّه كرَّر تحريمها في هذه المواطن كلها توكيدًا لها، وزيادة في الإبلاغ. و(قوله: يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ) يعني به: ابن عباس، وكان إذ ذاك قد عَمِي، وكان هذا من عبد الله زمن إمارته، وإنما قَدَعَه (٢) ابنُ الزبير بهذا القول؛ لظهور الناسخ لنكاح المتعة، وشهرة الأحاديث في ذلك، فكأنَّه نسبه إلى التفريط. وكان

стр. 2111

فَنَادَاهُ فَقَالَ: إِنَّكَ لَجِلفٌ جَافٍ، فَلَعَمرِي لَقَد كَانَت المُتعَةُ تُفعَلُ عَلَى عَهدِ إِمَامِ المُتَّقِينَ يُرِيدُ رسول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ ابنُ الزُّبَيرِ: فَجَرِّب بِنَفسِكَ، فَوَاللَّهِ لَئِن فَعَلتَهَا لَأَرجُمَنَّكَ بِأَحجَارِكَ. قَالَ ابنُ شِهَابٍ: فَأَخبَرَنِي خَالِدُ بنُ ــ عبد الله بن عبَّاس في آخر عمره (١) قل ما يُصغي لمن يحدّث عن رسول الله ﷺ كما تقدّم من قوله: (فلما ركب الناس الصعب والذلول لم يأخذ من الناس إلا ما يعرف). وكان قد عرف الإباحة فاقتصر عليها، ولم يُصغِ إلى غيرها. كما قال: (لقد كانت تفعل على عهد إمام المتقين رسول رب العالمين، رسول الله ﷺ . و(الجِلفُ) و (الجافي) هما بمعنى واحد؛ قاله ابن السكيت وغيره. وكرَّرَهما لفظًا لاختلافهما على عادة العرب في ذلك، وعليه حملوا: ﴿إِنَّمَا أَشكُو بَثِّي وَحُزنِي إِلَى اللَّهِ﴾ و: حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَو تَكُونَ مِنَ الهَالِكِينَ. وأصل الجلف: الشاة المسلوخة بغير رأس ولا قوائم، قاله القُتبي والهروي. و(التائه) (٢): الحائد عن مقصوده، الحائر. و(قوله: لئن فعلتها لأرجمنَّك بأحجارك) حجة لأحد القولين المتقدمين في أن من نكح نكاح المتعة أقيم عليه الحدّ. ويحتمل أن يُحمل على الإرهاب والتغليظ. وكِنَايَتُهم عن ابن عباس في هذه المسألة بـ (رجل) سترٌ منهم له؛ لأجل هذه الفتيا التي صدرت عنه، فإنها ما كانت تليق بعلمه، ولا بمنصبه في الفضل والدين. وإنكار علي، وابن الزبير، وغيرهما، وإغلاظهم عليه، ولا منكر عليهم، يدلُّ على أن تحريم ذلك كان عندهم معلومًا.

стр. 2112

المُهَاجِرِ بنِ سَيفِ اللَّهِ أَنَّهُ بَينَما هُوَ جَالِسٌ عِندَ رَجُلٍ جَاءَهُ رَجُلٌ فَاستَفتَاهُ فِي المُتعَةِ، فَأَمَرَهُ بِهَا فَقَالَ لَهُ ابنُ أَبِي عَمرَةَ الأَنصَارِيُّ: مَهلًا قَالَ: مَا هِيَ؟ وَاللَّهِ لَقَد فُعِلَت فِي عَهدِ إِمَامِ المُتَّقِينَ. قَالَ ابنُ أَبِي عَمرَةَ: إِنَّهَا كَانَت رُخصَةً فِي أَوَّلِ الإِسلَامِ لِمَن اضطُرَّ إِلَيهَا كَالمَيتَةِ، وَالدَّمِ، وَلَحمِ الخِنزِيرِ، ثُمَّ أَحكَمَ اللَّهُ الدِّينَ، وَنَهَى عَنهَا. رواه مسلم (١٤٠٦) (٢٧)، وأبو داود (٣٠٧٢)، والنسائي (٦/ ١٢٦). [١٤٥٩] وعَن عَلِيٍّ بن أبي طالب وسَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ يُلَيِّنُ فِي نكاح المُتعَةِ فَقَالَ: مَهلًا يَا ابنَ عَبَّاسٍ، فَإِنَّ رسول الله ﷺ نَهَى عَن متعة النساء يَومَ خَيبَرَ، وَعَن أكل لُحُومِ الحُمُرِ الِأنسِيَّةِ. رواه أحمد (١/ ٧٩)، والبخاري (٥١١٥)، ومسلم (١٤٠٧) (٣٠)، والترمذي (١١٢١)، والنسائي (٧/ ٢٠٢)، وابن ماجه (١٩٦١). * * * ــ وقول ابن عباس: (لقد فُعِلَت على عهد إمام المتقين) تنبيه منه: على أنه لو كانت المتعة مِمّا يُتَّقَى: لكان النبي ﷺ أولى بتقاةِ ذلك، فإنه أتقى لله، وأخوف من كل مُتِّقٍ. وقول ابن أبي عمرة هو الحق الصريح، كما شهدت له الأحاديث الصحيحة المتقدمة. وقول عليّ ﵁: (إنّ رسول الله ﷺ نهى عن المتعة يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الأَنَسِيَّة) إلى ظاهر هذا ذهب جمهور العلماء، فحكموا بتحريم المتعة على ما قدّمناه، وبتحريم الحمر الأهلية؛ إلا أنه روي عن

стр. 2113

(٥) باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها وما جاء في نكاح المحرم [١٤٦٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : لَا يُجمَعُ بَينَ المَرأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَينَ المَرأَةِ وَخَالَتِهَا. ــ ابن عباس، وعائشة، وبعض السَّلف إباحة ذلك؛ أعني: الحمر. وقد اختلف عنهم في ذلك. واختلف عن مالك، هل ذلك النهي محمول على التحريم، أو على الكراهية؟ وسيأتي استيفاء هذا المعنى في كتاب الأطعمة، إن شاء الله تعالى. و(الأَنَسِيَّةُ) جمهور الرواة على فتح الهمزة والنون، ورواه جماعة: بكسر الهمزة وسكون النون، قال القاضي: والأنس - بفتح الهمزة -: الناس، وكذلك بكسرها. قلت: وعلى هذا فتكون النسبتان قياسيتين، ودّل على ذلك قول الجوهري: الإنس: البشر، الواحد: إِنسِيٌّ، وأَنَسِي. وهذا هو الصحيح. (٥) ومن باب: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها (قوله: لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها). لا يجمع - برفع العين - هي الرواية على الخبر عن المشروعية، فيتضمّن النهي عن ذلك. وهذا الحديث مجمع على العمل به في تحريم الجمع بين من ذكر فيه بالنكاح. وكذلك: أجمع المسلمون على تحريم الجمع بين الأختين بالنكاح؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَن تَجمَعُوا بَينَ الأُختَينِ﴾ وأمَّا بملك اليمين؛ فروي عن بعض السَّلف جوازه، وهو خلاف شاذٌّ استقر الإجماع بعده على خلافه. وأجاز الخوارج الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، وخالتها. ولا يُعتد بخلافهم؛ لأنهم

стр. 2114

قَالَ ابنُ شِهَابٍ: فَنُرَى خَالَةَ أَبِيهَا، وَعَمَّةَ أَبِيهَا بِتِلكَ المَنزِلَةِ. رواه أحمد (٢/ ٤٦٢)، والبخاري (٥١٠٩)، ومسلم (١٤٠٨) (٣٣) و (٣٦)، والنسائي (٦/ ٩٦). ــ مرقوا من الدِّين، وخرجوا منه؛ ولأنهم مخالفون للسُّنة الثابتة. و(قول ابن شهاب: (فنرى خالة أبيها، وعمة أبيها في تلك المنزلة) إنما صار ابن شهاب إلى ذلك؛ لأنه حمل الخالة والعمّة على العموم، وتَمَّ له ذلك؛ لأن العَمَّة: اسم لكل امرأة شاركت أباك في أصلَيه، أو في أحدهما. والخالة: اسم لكل أنثى شاركت أمك في أصليها، أو في أحدهما. وقد عقد علماؤنا فيمن يحرمُ الجمع بينهما عقدًا حسنًا، فقالوا: كل امرأتين بينهما نسب؛ بحيث لو كانت إحداهما ذكرًا لحرمت عليه الأخرى، فلا يجمع بينهما. وإن شئت أسقطَّت: بينهما نسب (١). وقلت بعد قولك: كانت إحداهما ذكرًا لحرمت عليه الأخرى من الطرفين. وفائدة هذا الاحتراز مسألةُ نكاح المرأة وربيبتها؛ فإن الجمع بينهما جائز، ولو قدرت امرأة الأب رجلًا لحلّت له الأخرى. وهذا التحرّي هو على مذهب الجمهور المجيزين للجمع بين المرأة وربيبتها، وقد منعه الحسن، وابن أبي ليلى، وعكرمة. وعلّل الجمهور منع الجمع بين من ذكرناه؛ لما يُفضِي إليه الجمع من قطع الأرحام القريبة؛ بما يقع بين الضرائر من الشَّنَآن والشرور بسبب الغيرة. وقد شهد لصحة هذا التعليل ما ذكره أبو محمد الأصيلي (٢) في فوائده، وأبو عمر بن عبد البر، عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ أن يتزوج الرجل المرأة على العَمَّة، أو على

стр. 2115

[١٤٦١] وعَنه عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَخطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطبَةِ أَخِيهِ، وَلَا يَسُومُ عَلَى سَومِ أَخِيهِ، وَلَا تُنكَحُ المَرأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا عَلَى ــ الخالة. وقال: (إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم) (١). ومن مراسيل أبي داود عن حسين قال: (نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة) (٢). وقد طرد بعض السلف هذه العلة، فمنع الجمع بين بنتي العمَّتين والخالتين، وبنتي الخالين والعمّين). وجمهور السلف وأئمة الفتوى (٣) على خلافه، وقصر التحريم على ما ينطلق عليه لفظ العمّات والخالات. وقد روى الترمذي حديث أبي هريرة هذا وقال فيه: (إنَّ رسول الله ﷺ نهى أن تُنكح المرأة على عمتها، أو العمّة على ابنة أخيها، والمرأة على خالتها، أو الخالة على ابنة أختها، ولا تنكح الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى) (٤). وقال: حديث حسن صحيح. وهو مَسَاق حسن بيِّن، غير أن فيه واوًا اقتضت إشكالًا، وهي التي في قوله: (ولا) وذلك: أنَّه قد ذكر العَمَّة؛ وهي الكبرى، وابنة أخيها وهي الصغرى، والخالة وهي الكبرى، وابنة أخيها وهي الصغرى، ثم أتى بالنهي عن إدخال إحداهنَّ على الأخرى، طردًا وعكسًا. ويرتفعُ الإشكال بأن تُقدَّر الواو زائدةً. ويكون الكلام الذي بعدها مؤكِّدًا لما قبلها، ومؤيدًا له. وفي كتاب أبي داود من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: نهى أن يجمع بين العَمَّة والخالة، وبين العمتين والخالتين (٥). قال ابن النحاس: الواجب على لفظ هذا الحديث: ألا يجمع بين امرأتين، إحداهما عمة الأخرى،

стр. 2116

خَالَتِهَا، وَلَا تَسأَلُ المَرأَةُ طلاق أُختِهَا لِتَكتَفِئَ صَحفَتَهَا، وَلتَنكِح فَإِنَّمَا لَهَا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهَا. رواه البخاري (٢١٤٠)، ومسلم (١٤١٣) (٥١) و (٥٤)، وأبو داود (٢٠٨٠)، والترمذي (١١٣٤)، والنسائي (٧/ ٢٥٨)، وابن ماجه (١٢٧٢). [١٤٦٢] وعن عُثمَانَ بنَ عَفَّانَ أن رسول الله ﷺ قَالَ: لَا يَنكِحُ المُحرِمُ، وَلَا يُنكَحُ، وَلَا يَخطُبُ. ــ والأخرى خالة الأخرى. وهذا يخرج على وجه صحيح. وهو: أن يكون رجل وابنه تزوجا امرأة وابنتها؛ تزوج الأب البنت والابن الأم، فولدت كل واحدة منهما بنتًا، فابنة الأب عمة ابنة الابن، وابنة الابن خالة ابنة الأب. وأما الخالتان: فأن يتزوج رجل ابنة رجل، ويتزوج الثاني ابنة الأول، فيولد لكلِّ منهما ابنة، فابنة كل واحد منهما خالة الأخرى. وأما العمتان: فأن يتزوج رجل أم رجل، ويتزوج الآخر أم الآخر، ثم يولد لكل واحد منهما ابنة، فبنت كل واحد منهما عمة الأخرى. و(قوله: ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ صحفتها) قال الهروي: تكتفئ: تفتعل، من كفأتُ القدر: إذا فرّغتها. وهذا مثلُ لإمالة الضرّة حق صاحبتها من زوجها إلى نفسها. وقال الكسائي: أكفأت الإناء: كَبَبتُه. وكفأته: أملتُه. وقيل: هو كناية عن الجماع، والرغبة في كثرة الولد. والأول أولى. و(قوله: ولتنكح، فإنما لها ما كتب الله لها) يعني أنها تنكح ولا تشترط طلاق الضرّة، فإن الله تعالى إن كان قد قدر أن تنفرد بذلك الزوج وصلت إلى ذلك، وإن لم يقدّره لم ينفعها الشرط. فقد يطلق الضّرّة، ثم يردّها، فلا يحصل للمشترطة مقصودها. و(قوله: لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب) لا خلاف في منع

стр. 2117

رواه مسلم (١٤٠٩)، وأبو داود (١٨٤١)، والترمذي (٨٤٠)، والنسائي (٥/ ١٩٢). [١٤٦٣] وعَن ابنَ عَبَّاسٍ أَنَّه قال تزوج رسول الله ﷺ مَيمُونَةَ وَهُوَ مُحرِمٌ. رواه البخاري (٤٢٥٨)، ومسلم (١٤١٠) (٤٧)، وأبو داود (١٨٤٤)، والترمذي (٨٤٢)، والنسائي (٥/ ١٩١). ــ المُحرم من الوطء. والجمهور على منعه من العقد لنفسه، ولغيره، ومن الخطبة كما هو ظاهر هذا الحديث، وكما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ﴾؛ على أحد التأويلات المتقدمة في كتاب الحج. وذهب بعضهم: إلى أنه يجوز للمحرم ذلك تمسُّكًا بحديث ابن عباس: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم. وهذا لا حجة فيه لأوجه: أحدها: إن هذا الحديث مما انفرد به ابن عباس دون غيره من كبراء الصحابة ومعظم الرواة. وثانيها: إنكار ميمونة لهذا، وإخبارها بأنه ﷺ تزوج بها وهو حلال، وهي أعلم بقصَّتها منه. وثالثها: أن بعض أهل النقل والسِّير ذكر (١): أن النبي ﷺ بعث مولاه أبا رافع من المدينة، فعقد نكاحها بمكة بوكالة النبي ﷺ له على ذلك، ثم وافى النبي ﷺ محرمًا، فبنى بها بسَرِف حلالًا، وأشهر تزويجها بمكة عند وصوله إليها.

стр. 2118

[١٤٦٤] وعَن يَزِيدَ بنِ الأَصَمِّ قال: حَدَّثَتنِي مَيمُونَةُ بِنتُ الحَارِثِ أَنَّ رسول الله ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ قَالَ: وَكَانَت خَالَتِي وَخَالَةَ ابنِ عَبَّاسٍ. رواه أحمد (٦/ ٣٣٣)، ومسلم (١٤١١)، وأبو داود (١٨٤٣)، والترمذي (٨٤٥)، وابن ماجه (١٩٦٤). * * * ــ ورابعها: أن قول ابن عباس: (وهو محرم) يحتمل أن يكون دخل في الحرم، فإنَّه يقال: أحرم؛ إذا دخل في الحرم، واسم الفاعل منه: مُحرِم؛ كما يقال: أَنجَد، وأتهَمَ. وهو مُنجِد، ومُتهِم؛ إذا دخل ذلك. وخامسها: تسليم ذلك كلّه، وادعاء الخصوصية بالنبي ﷺ فقد ظهرت تخصيصاته في باب النكاح بأمور كثيرة؛ كما خُصَّ بالموهوبة، وبنكاح تسعٍ، وبالنكاح من غير ولي، ولا إذن الزوجة؛ كما فعل مع زينب، إلى غير ذلك. وسادسها: أن هذه حكاية حال واقعة معينة، تحتمل أنواعًا من الاحتمالات المتقدّمة. والحديث المقتضي للمنع ابتداء تقعيد قاعدة وتقريرها، فهو أولى على كل حال، والله الموفق. * * *

стр. 2119

(٦) باب النهي عن خِطبَةِ الرجل على خِطبَةِ أخيه وعن الشغار وعن الشرط في النكاح [١٤٦٥] عَن نَافِعٍ، عَن ابنِ عُمَرَ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَبِع بَعضُكُم عَلَى بَيعِ بَعضٍ، وَلَا يَخطُب بَعضُكُم عَلَى خِطبَةِ بَعضٍ. رواه أحمد (٢/ ١٥٣)، والبخاري (٢١٣٩)، ومسلم (١٤١٢)، وأبو داود (٢٠٨٠)، والترمذي (١٢٩٢)، والنسائي (٦/ ٧٢ - ٧٣)، وابن ماجه (٢١٧١). ــ (٦) ومن باب: النهي عن خِطبَةِ الرجل على خِطبَةِ أخيه الخِطبة - بالكسر -: هي استدعاء التزويج والكلام فيه، يقال منه: خطبت المرأة خطبة - بالكسر -: طلبتها منه (١). والخُطبة - بالضم -: هي كلام الخطباء. ومن كلام علمائنا: تستحب الخُطبةُ - بالضّم - عند الخِطبة - بالكسر -. وهذه الأحاديث التي جاء فيها النهي عن خطبة الرجل على (٢) خطبة أخيه ظاهرها العموم، لكن قد خصَّصها أصحابنا بحديث فاطمة بنت قيس الذي يأتي ذكره في الطلاق. وذلك: أنها لَمّا انقضت عدتُها أتت النبي ﷺ فقالت: إن أبا جهم بن حذيفة ومعاوية خطباني. فقال لها رسول الله ﷺ ما سيأتي ذِكرُه. وهذا يدلّ: على جواز الخِطبة على الخِطبة (٣)، لكن جمعَ أئمتنا بين الحديثين بأن حملوا النهي على ما إذا تقاربا وتراكنا. وحملوا حديث الجواز على ما قبل ذلك. وهي طريقة حسنة؛

стр. 2120

[١٤٦٦] وعَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ شِمَاسَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عُقبَةَ بنَ عَامِرٍ عَلَى ــ فإن فيها إعمال كل واحد من الحديثين، ومراعاة للمعنى. فإن المفسدة إنما تحصل بتأكد التراكن. واختلف أصحابنا في التراكن. فقيل: هو مجرّد الرِّضا بالزوج، والميل إليه، وقيل: بتسمية الصَّداق. وهذا عند أصحابنا محمول على ما إذا كانا شكلين. قال ابن القاسم: لا أرى الحديث إلا في الرجلين المتقاربين، فأمَّا صالِحٌ وفاسقٌ فلا. قال ابن العربي: لا ينبغي أن يختلف في هذا. وقال الشافعي: إنما النهي فيما إذا أذنت المرأة لوليها أن ينكحها من رجل مُعيَّن. قلت: وهذا فيه بُعدٌ، فإنه حمل العموم الذي قُصِد به تقعيد قاعدة على صورة نادرة. وهذا مثل ما أنكره الشافعي على أبي حنيفة؛ إذ حمل قوله ﷺ : (لا نكاح إلا بولي) (١) على المكاتبة. وتحقيقه في الأصول. والقول في قوله ﷺ : (لا يبع أحدكم على بيع أخيه) محمول على مثل ما تقدّم في قوله: (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه). وقد حمله بعض العلماء على ظاهره وعمومه، حتى كره بيع المزايدة خوفًا من الوقوع في ذلك. وهذا ليس بصحيح؛ لأن الله تعالى قد أحل البيع مطلقا، وقد باع النبي ﷺ بنفسه بيع المزايدة على ما في كتاب (٢) أبي داود (٣): فأخذ في يده حِلسًا وقَدَحًا كانا لرجل سأله صدقة، فقال ﷺ : (من يشتري مني هذا بدرهم؟ ) وقال رجل: هو لي بدرهم. فقال: (من يشتري مني هذا بدرهمين؟ ) فقال آخر: هو لي بدرهمين. فباعه منه، ثم دفعهما لصاحب الحِلسِ والقدح. وسيأتي الحديث في كتاب البيوع إن شاء

стр. 2121

المِنبَرِ يَقُولُ: إِنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: المُؤمِنُ أَخُو المُؤمِنِ، فَلَا يَحِلُّ لِلمُؤمِنِ أَن يَبتَاعَ عَلَى بَيعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخطُبَ عَلَى خِطبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَذَرَ. رواه مسلم (١٤١٤). ــ الله تعالى. فإذا طرح بيع المزايدة عن المنع، فلم يبق إلا أن يحمل على ما إذا تقاربا وتراكنا. واختلف فيما إذا وقعت الخِطبة على الخِطبة، والبيع على البيع. فذهب جُلُّ أصحابنا، والكوفيون إلى إمضاء العقد. وذهب داود وبعض أصحابنا إلى فسخه. وقد رُوِيَ القولان لمالك والشافعي على ما شرح من مذهبه. وقول ثالث في النكاح: الفسخ فيه قبل البناء، والإمضاء بعده. وهو لأصحابنا. ولا خلاف في أن فاعل ذلك عاصٍ، آثم. و(قوله: لا يبع) و (لا يسم (١)) قد يصحُّ أن يحملا على معنى واحد. فيقال: سُمت؛ بمعنى: بعت، ويصحّ أن يحمل: سُمتُ على اشتريت، فيكونان متغايرين؛ أعني: بعتُ، وسمتُ. على أنَّ: بعتُ واشتريتُ يدخل كل واحد منهما على الآخر؛ فيقال: بعتُه؛ بمعنى: اشتريته، وشريتُه؛ بمعنى: بِعتُه. وكذلك: سُمتُ. وسيأتي لهذا مزيد بيان في البيوع إن شاء الله تعالى. و(قوله: المُؤمن أخو المُؤمن، فلا يحل له أن يبتاع على بيع أخيه) تنبيه على صحة هذا المعنى الذي أبديناه، فإنه أتى فيه بالأخوة الإيمانية، ثم علَّق فَاءَ التعليل بها. و(يذر) أي: يترك. وهو من الأفعال التي لم يستعمل منها إلا لفظ المضارع والأمر. فلا يقال: وَذِرَ، ولا: وَذرًا، ولا: وًاذِرً. اكتفوا عن ذلك بـ (تَرَكَ) وفيه

стр. 2122

[١٤٦٧] وعَن عبيد الله بن نَافِعٍ، عَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رسول الله ﷺ نَهَى عَن الشِّغَارِ، قال عبيد الله: قلت لنافع ما الشِّغَارُ؟ قال: أَن يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابنَتَهُ عَلَى أَن يُزَوِّجَهُ ابنَتَهُ، وَلَيسَ بَينَهُمَا صَدَاقٌ. رواه البخاري (٥١١٢)، ومسلم (١٤١٥) (٥٧ و ٥٨)، وأبو داود (٢٠٧٤)، والترمذيُّ (١١٢٤)، والنسائي (٦/ ١١٢)، وابن ماجه (١٨٨٣). ــ إشعارٌ بصحة ما قلناه من التعليل بالرُّكون، فإنه لا يترك الشيء إلا من تشبّث به. وأوّل التشبث بهذه العقود التراكن من المتعاقدين، أو أحدهما. و(قوله: نهى عن الشِّغار). الشِّغار: مصدر: شاغر، يشاغر، شغارًا. وهو مفاعلة مما لا يكون إلا بين اثنين. قال بعض علمائنا: إن الشغار كان من أنكحة الجاهلية، يقول: شاغِرنِي وَلِيَّتي بوليّتك؛ أي: عاوضني جماعًا بجماع. وقال أبو زيد: شغرت المرأة: رفعت رجليها عند الجماع. قال ابن قتيبة: كُلُّ واحدٍ منهما: يشغر: إذا نكح (١). وأصله: الكلب إذا رفع رِجلَه ليبول. وقيل: إنه مأخوذ من: شَغَرَ البلد: إذا بَعُد. وقيل: من: شَغَر البلدُ بمعنى: إذا خلا. قلت: وتصح ملاحظة هذه المعاني في الحديث، وحملُه عليها. لكن منها ما يبعد عن صناعة الاشتقاق. ومنها ما يقرب. وأقربها القول الأول. ولا خلاف بين العلماء في منع الإقدام عليه، لكن اختلفوا فيما إذا وقع، هل يفسخ أبدًا وإن دخل؟ فحكى ابن المنذر ذلك عن الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وهو أحد قولي مالك. أو هل يصحُّ وإن لم يدخل؟ وهو قول عطاء، وعمرو بن دينار، ومكحول، والثوري، والزهري، وأصحاب الرأي قالوا: يصحّ

стр. 2123

[١٤٦٨] وعَن ابنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا شِغَارَ فِي الإِسلَامِ. رواه مسلم (١٤١٥) (٦٠). [١٤٦٩] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: نَهَى رسول الله ﷺ عَن الشِّغَارِ. وَالشِّغَارُ: أَن يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: زَوِّجنِي ابنَتَكَ وَأُزَوِّجُكَ ابنَتِي، وزَوِّجنِي أُختَكَ وَأُزَوِّجُكَ أُختِي. رواه مسلم (١٤١٦)، والنسائي (٦/ ١١٢). ــ ويُرجع فيه إلى صداق المثل. وهل يُفسخ قبلُ ويفوت بالدخول ويثبت بَعد؟ وهو قول الأوزاعي، وأحد قولي مالك. وموجب هذا الخلاف: اختلافهم في: هل هذا النهي راجع لعين العقد؛ فيكون فاسدًا أبدًا؛ لأن كل واحد من الزوجين معقود عليه، ومعقود به. وهما متناقضان؟ أو هو راجع إلى إخلاء العقد من الصداق؟ وهو أمر يُتدارك بفرض صداق المثل، كنكاح التفويض؟ وأمّا وجه الفرق فهو: أن إيقاع العقد على غير الوجه المنهي عنه ممكن قبل الدخول فيفسخ، فيستأنفان عقدًا جائزًا. فأما إذا دخل؛ فقد فات، فيُرجع فيه إلى صداق المثل. و(قوله: لا شغار في الإسلام) أي: لا صحة لعقد الشغار في الإسلام، وهو حجة لمن قال بفساده على كل حال، وهو ظاهر هذه الصيغة؛ كقوله: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام) (١) و: (لا عمل إلا بنية) (٢) و: (لا رجل في الدار) فإن الظاهر من هذه الصيغة (٣) نَفي الأصل والصحة، ونَفي الكمال محتمل فلا يصار إليه إلا بدليل، كما بيَّنَّاه في قوله: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) (٤).

стр. 2124

[١٤٧٠] وعَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : إِنَّ أَحَقَّ الشَّروطِ أَن يُوفَى بِهِ مَا استَحلَلتُم بِهِ الفُرُوجَ. ــ وقد جاء تفسير الشِّغار في حديث ابن عمر من قول نافع، وجاء في حديث أبي هريرة من كلام رسول الله ﷺ وفي مساقه. وظاهره الرفع إلى النبي ﷺ . ويحتمل أن يكون من تفسير أبي هريرة، أو غيره من الرواة، أعني: في حديث أبي هريرة. وكيفما كان فهو تفسير صحيح موافق لما حكاه أهل اللسان. فإن كان من قول رسول الله ﷺ فهو المقصود، وإن كان من قول صحابي فمقبول؛ لأنهم أعلم بالمقال، وأقعد بالحال. و(قوله: إن أحق الشروط أن يُوفَّى به ما استحللتم به الفروج) لا تدخل في هذا الشروط الفاسدة؛ لأنها لا يستحل بها شيء؛ ولقوله ﷺ : (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط) (١) فإذا: المراد من الشروط ما كان جائزًا، ثم هم على ضربين: ما يرجع إلى الصَّداق، وما يكون خارجًا عنه. فالأول لا بد من الوفاء به؛ كشَّورة، ووَصِيف، وغير ذلك. والثاني وهو: ما يكون خارجًا عنه؛ مثل: ألا يخرجها من بلدها، أو لا يتزوّج عليها، أو لا يفرق بينها وبين أولادها، وما أشبه ذلك. فهذا النوع إن علَّقه على طلاق أو عتق لزم اتفاقًا عند من يقول بتنفيذ الطلاق والعتق المُعَلَّقَين على التزويج والمِلك. وهو مشهور مذهب مالك. فإن لم يعلَّق عليه ذلك؛ فقيل هو لازم يُجبر عليه من أَبَاهُ للحديث. وقيل: يُستحبُّ الوفاء به، ولا يُجبر عليه، وهو مذهب مالك. واختلفوا فيما إذا اشترط المنكح حباءً (٢) لنفسه غير الصداق، وهو المسمى عند العرب: الحلوان. فقال قوم: هو للمرأة مطلقا. وبه قال عطاء، وطاوس،

стр. 2125

رواه البخاريُّ (٢٧٢١)، ومسلم (١٤١٨)، وأبو داود (٢١٣٩)، والترمذي (١١٢٧)، والنسائي (٦/ ٩٢ - ٩٣). * * * ــ وعكرمة، وعمر بن عبد العزيز، والثوري، وأبو عبيد. وقال آخرون: هو لمشترطه. وبه قال علي بن الحسين، ومسروق، وشرطَ عشرة آلاف؛ جعلها في الحجّ والمساكين لَمّا زوج ابنته. وقيل: هذا مقصورٌ على الأب خاصة للتبسُّط في مال ولده. وقال الشافعي: لها مَهرُ مثلها. وقال مالك: إن كان هذا الاشتراط في حال العقد، فهو للمرأة لاحقٌ بصداقها. وإن كان بعده فهو لمن وهب له. وفيه تفريعٌ يُعرفُ في كتب أصحابنا. ويشهد لمذهب مالك ما خرَّجه أبو داود عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: أن النبي ﷺ قال: (أيُّما امرأة نكحت على صداق وحباء، أو عدة، قبل عصمة النكاح فهو لمن أعطيه، وأحق ما أكرم عليه الرَّجل ابنته أو أخته) (١) يعني: لمن أعطيه المرأة؛ بدليل قوله: (على صداق) فإن الصَّداق لا يكون إلا للمرأة، وكذلك ما ذكر معه من الحباء والعدة. و(قوله: أحق ما أكرم عليه الرَّجل ابنته. . .) استئناف كلام يقتضي الحضَّ على إكرام الوليّ تطييبًا لنفسه، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 2126

(٧) باب استئمار الثيب واستئذان البكر والصغيرة يزوجها أبوها [١٤٧١] عن أَبي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تُنكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُستَأمَرَ، وَلَا تُنكَحُ البِكرُ حَتَّى تُستَأذَنَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيفَ إِذنُهَا؟ قَالَ: أَن تَسكُتَ. رواه البخاريُّ (٥١٣٦)، ومسلم (١٤١٩)، وأبو داود (٢٠٩٢)، والترمذيُّ (١١٠٧)، والنسائي (٦/ ٨٥). [١٤٧٢] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفسِهَا مِن وَلِيِّهَا، وَالبِكرُ تُستَأمَرُ، وَإِذنُهَا سُكُوتُهَا. ــ (٧) ومن باب: استئمار الثيب (قوله: الأيِّمُ أحقُّ بنفسها من وليِّها) اتفق أهل اللغة على أن الأيِّم في الأصل (١): هي المرأة التي لا زوج لها بكرًا كانت أو ثيبًا. ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُم﴾. تقول العرب: تَأَيَّمَت المرأة: إذا أقامت لا تتزوّج. ويقال: أيِّمٌ بَيِّنَةُ الأيمَةِ، وقد آمَت هي، وإمتُ أنا. قال الشاعر: لقد إمتُ حتى لامنِي كُلُّ صاحب ... رجاء بسَلمَى أن تَئِيمَ كما إِمتُ قال أبو عبيد: يقال: رجل أَيِّمٌ، وامرأة أَيِّم. وأكثر ما يكون في النساء، وهو كالمستعار في الرِّجال. قلت: والأيّم في هذا الحديث هي: الثَّيِّب؛ بدليل الرواية المفسِّرة التي جعل

стр. 2127

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيها الثَّيب مكان الأيِّم، وبدليل: أنها قوبل بها البكر، وفُصِلَ بينهما، فأُعطيت كلُّ واحدة منهما حكمهما. وهذا واضح جدًّا. وعليه: فلا مبالاة بما يقوله الكوفيون وزفر والشعبي (١) في هذا الحديث؛ من أنَّ المراد بالأيَّم: التي لا زوج لها بكرًا كانت أو ثيبًا. مستدلين به على أن الولي ليس بشرط في النكاح، بل للمرأة أن تُنكِح نفسها بغير ولي، بكرًا كانت أو ثيبا إذا بلغت. وحملوا قوله ﷺ : (أحق) على العقد؛ أي: أحقُّ من وليها بالعقد عليها. وهذا لا يصح؛ لما ذكرناه؛ ولأن مقصود الحديث بيانُ حكم الثَّيب والأبكار بالنسبة إلى سماع الإذن. فالثيب تُعرِبُ عن نفسها؛ أي: تنطق بنفسها مرادها، ولا يُكتفَى منها بالسكوت. والبكر يُكتفَى منها بالسكوت. فقوله: (أحق بنفسها) أي: تنطق بنفسها، ولا ينطق الوليُّ عنها. ثم نقول: بل هذا الحديث حجة للجمهور في اشتراط الوليِّ؛ بدليل صحة ما وقعت فيه المفاضلة. وبيان ذلك: أنَّ (أَفعَلَ مِن كذا) لا بدَّ فيها من اشتراك في شيء مما وقع فيه التفاضل؛ فإنك إذا قلت: فلان أعلم من فلان. اقتضى ذلك اشتراكهما في أصل العلم، وانفرد أحدهما بمزية (٢) فيه؛ وكذلك قوله: (أحق) لا بدَّ فيه أنّ يشاركها الوليُّ في حَقِّيَّةٍ ما، فإذًا: له مدخل. ثم وجدنا في الشريعة مواضع كثيرة تدلّ على أن ذلك المدخل هو شرط في صحة النكاح. فمنها قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم﴾ ووجه الاستدلال بها: أنه خطابٌ للأولياء والسَّادة بالعقد على من يكون عليهم، وقد سَوَّى بينهما بالخطاب. فكما أنه لا ينعقد النكاح على أَمَةِ الغير إلا بولاية سيدها، فكذلك لا ينعقد نكاح الحرَّة إلا بإذن وليّها؛ ضرورة التسوية بين النوعين في حكم الخطاب. وهو واضح جدًّا.

стр. 2128

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنه قوله تعالى: ﴿فَلا تَعضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحنَ أَزوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوا بَينَهُم بِالمَعرُوفِ﴾ والاستدلال بها من وجهين: أحدهما: نهيه عن العَضل. فلولا أن له مدخلًا في الولاية لَمَا صح له العَضل. وثانيهما: تعليقُ النَّهي عّن العَضل على تراضي الأزواج بالمعروف. فإن لم يتراضوا به فللولي العضل. وسيأتي الكلام على هذه الآية عند ذكر حديث معقل بن يسار ﵁ وفيه: لما أنزل الله الآية قال معقل: الآن أفعل. فزوَّجها إيَّاه، مع أنها كانت مدخولًا بها (١). ومنها: الحديث الذي ذكره الدارقطني، وصحّحه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (لا تزوِّج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها) (٢). قال: هذا صحيح. ومنها: ما خرَّجه أبو داود من حديث أبي موسى مرفوعًا، قال: (لا نكاح إلا بوليّ) (٣). وفيه: عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : (أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل - ثلاث مرَّات -، فإن دخل بها فالمهرُ لها بما أصاب منها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له) (٤). وهذه الأحاديث مشهورة صحيحة عند تحقيق النظر فيها. ولا يلتفت إلى

стр. 2129

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شيء مما ذكر فيها، كما ذكر من أن حديث عائشة تفرّد به سليمان بن موسى؛ فإنه إمام ثقة، وهو الأشدق، ولم يكن في أصحاب مكحول أحفظ منه. قال البزار: هو أحفظ من مكحول. وقال: هو أَجَلُّ من ابن جريج. وكما قيل عن ابن جريج: أنه سأل ابن شهاب عن هذا الحديث فأنكره. وهذا لا يلتفت إليه؛ لأن هذه الحكاية أُنكرت على ابن عليَّة، وهو الذي أوردها، ولو صحّت، فلم ينكر ابن شهاب الحديث إنكار قطع بتكذيبه، بل إنكار ناسٍ، والراوي عنه ثقة جازم في الرواية، فينبغي للزهري أن يقول: حدثني فلان عني بكذا، كما قد حكي عنه: أنه قال في مثل هذا: حدثني مالك عني. وكل هذا نسيان، وليس بدعًا في الإنسان. وبسط الكلام فيه في كتب الخلاف. وكل ما ذكر أيضًا حجة على من قال: إن صحة عقد النكاح موقوفة على إجازة القاضي، وبه قال الأوزاعي، ومحمد بن الحسن، وأبو يوسف. وأنَصُّ ما في الردّ على هؤلاء حديث معقل. و(قوله: والبكر تستأمر) هكذا وقع في حديث ابن عباس، وفي حديث أبي هريرة: (الأيِّم تستأمر، والبكر تستأذن) وهو أتقن مساقًا من حديث ابن عباس (١)؛ لأن (تستأمر) معناه: يُستدعى أمرها. وهذا يظهر منه أن يصدر منها بالقول ما يُسَمَّى: أمرًا. وهذا ممكن من الثيّب؛ لأنها لا يلحقها من الخجل والانقباض ما يلحق البكر. فلا يكتفى منها إلا بنطق يدلّ على مرادها صريحًا. وأمّا (تستأذن) فإنه يقتضي أن يظهر منها ما يدلّ على رضاها وإذنها بأي وجه كان، من سكوت، أو غيره، ولا تُكلَّف النُّطق؛ ولذلك لما قال في حديث ابن عباس: (لا تنكح البكر حتى تستأذن) أشكل عليهم كيفية إذنها، فسألوا فأجيبوا: بأنَّ إذنها

стр. 2130

وفي رواية: وَالبِكرُ يَستَأذِنُهَا أَبُوهَا. رواه مسلم (١٤٢١)، وأبو داود (٢٠٩٨)، والترمذي (١١٠٨)، والنسائي (٦/ ٨٤). ــ أن تسكت. وهذا منه ﷺ مراعاة لتمام صيانتها، ولإبقاء حالة الاستحياء، والانقباض عليها، بأن ينظر لها في ذلك المحل ما هو أصون لها، وأليق بها، فإنها لو تكلمت تصريحًا لظن أن ذلك رغبة منها في الرجال. وهذا غير لائق بالبكر، بل هو مُنقِصٌ لها، ومُزَهِّدٌ فيها، بخلاف الثَّيب. وقد استحب علماؤنا أن تُعَرَّف البكر أن سكوتها محمول منها على الإذن، ليكون ذلك زيادة في تعريفها، وتنبيهًا لها على ما يخاف أن تجهله. وقد كان بعض من لقيناه من الفقهاء يقول لها بعد عرض الزوج والمهر عليها: إن كنتِ راضية فاصمتي، وإن كنت كارهة فتكلَّمي. وهو تنبيه حسن. و(قوله في الرواية الأخرى: والبكر يستأذنها أبوها) هذه الزيادة من رواية ابن أبي عمر. قال أبو داود: وليست بمحفوظة. وعلى تقدير صحة هذه الزيادة، فمحملُها على الاستحباب، لا على الإيجاب؛ بدليل الإجماع المنعقد على أن للأب إنكاح ابنته الصغيرة وإجبارها عليه بغير إذنها. وكذلك السيّد في أَمَتِه. وقد أبدى بعض أصحابنا لاستئذان الأب لابنته البكر فائدة، وهي: تطييب قلبها، واستعلام حالها، فقد تكون موصوفةً بما يخفى على الأب مما يمنع النكاح، فإذا استأذنها أعلمته. وقد روى أبو داود من حديث أبي هريرة من طريق صحيحة قال: قال رسول الله ﷺ : (تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها) (١) وفي رواية: (فإن بكت أو سكتت). قال: وليس ذلك بمحفوظ.

стр. 2131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قلت: وتفسير حديث أبي داود مقيدٌ لمطلق البكر الذي جاء في حديث مسلم وغيره، ومبيّن أن استئذان الأب البكر ليس بواجب، وإنما يجب ذلك في اليتيمة باتفاق. ثم اختلف القائلون باشتراط الولي، هل يكتفى في صحة العقد بوجود ولي، أيِّ وليٍّ كان، من غير مراعاة لولاية خاصة ولا عامة، أو لا بدّ من مراعاة الخاصّة على مراتبها، فإن فقدت رُجع للعامة؟ قولان: وللأول ذهب أبو ثور، وقال: كل مَن وَقَعَ عليه اسم وليٍّ فله أن ينكح. وقاله بعض علمائنا. وحكاه ابن المنذر عن مالك. والجمهور على القول الثاني؛ لقول النبي ﷺ : (أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل) ثم قال بعد ذلك: (فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له) (١). فاقتضى: أن ولاية القرابة مقدّمة على ولاية السلطان. وإذا كان كذلك كان أحرى أن تكون مُقدَّمة على ولاية الدين، وهو واضحٌ. ويقول عمر بن الخطاب ﵁: (لا تنكح المرأة إلا بإذن وليّها، أو ذي الرأي من أهلها، أو السلطان). ثم اختلف المرتِّبون فيما إذا أنكح الأبعد مع وجود الأقعد (٢) في الولاية الخاصة فيمن يستأذن؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يفسخ على كل حال. وبه قال المغيرة. وثانيها: أن الأقعد مخيَّر في فسخه أو إجازته. وعليه جماعة من أصحابنا. ومأخذ خلافهما: أن الفسخ لحقِّ الله، فلا بدّ منه، أو لحق الولي فله إجازته وفسخه.

стр. 2132

[١٤٧٣] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسِتِّ سِنِينَ، ــ وثالثها: أنه ماضٍ، ولا مقال للولي الخاص. وهو قول مالك. وهو بناءٌ على أنَّ مراعاة المراتب من باب الأَولى، والأحسن، والله تعالى أعلم. وقول عائشة ﵂: (تزوجني رسول الله ﷺ لستِّ سنين). وفي الرواية الأخرى: وهي بنت سبع سنين. ظاهر هاتين الروايتين الاختلاف. فيمكن أن يقال: إن ذلك تقدير لا تحقيق، ويمكن أن يقال: إن ذلك كان في أوائل السنة السابعة. فيكون (١) معنى قولها: (لست سنين) انقضت. و(قولها: وهي بنت سبع سنين) أي: هي فيها، والله تعالى أعلم. وهذا الحديث مستند الإجماع على أن الأب يجبر البكر الصغيرة على النكاح. وإذا جاز ذلك في الأنثى التي لا تملك حلَّ العقد عن نفسها، فلأن يجوز في الصغير؛ الذي يملك حلَّ العقد عن نفسه عند بلوغه أحرى وأولى. وما ذكرناه جارٍ على مذهب مالك والشافعي، وفقهاء أهل الحجاز. وأمَّا أهل العراق فقالوا: لها الخيار إذا بلغت، إلا أبا يوسف، فإنه قال: لا خيار لها. ثم اختلفوا في غير الأب، من وليٍّ أو وصيٍّ، هل له أن يجبر أم لا؟ فمنع الجمهور ذلك؛ غير أن الشافعي جعل الجدَّ بمنزلة الأب، وغير ما روي عن مالك في الوصي على الإنكاح: أنه يجبر - في أحد قوليه - وهو الذي حكاه الخطَّابي عن مالك (٢)، وعن حمَّاد بن أبي سلمة، وقاله شريح، وعروة بن الزبير. والمشهور عن مالك المنع من ذلك. وقال أبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعي، وجماعة من السلف بجواز ذلك. وليس بصحيح؛ لما يختصّ به الأب من فرط الشَّفقة، والاجتهاد في ابتغاء المصلحة، فإنه يختصُّ من ذلك بما لا يوجد في غيره غالبًا. ويكفي هذا فارقًا مانعًا من الإلحاق.

стр. 2133

وَبَنَى بِي وَأَنَا بِنتُ تِسعِ سِنِينَ. قَالَت: فَقَدِمنَا المَدِينَةَ فَوُعِكتُ شَهرًا، فَوَفَى شَعرِي جُمَيمَةً، فَأَتَتنِي أُمُّ رُومَانَ وَأَنَا عَلَى أُرجُوحَةٍ، وَمَعِي صَوَاحِبِي ــ و(قولها: (وبنى بي وأنا بنت تسع سنين) ذهبت طائفة إلى أن بلوغ المرأة إلى تسعٍ يوجب إجبارها على الدخول إذا طلبه الزوج. وبه قال أحمد وأبو عبيد. وقال مالك وأبو حنيفة: حدُّ ذلك أن تطيق الرّجُل، فإن لم تطق؛ لم يُمَكَّن الزوج منها، وإن بلغت التسع. وقال الشافعي: حدُّ ذلك أن تطيق الرّجُل، وتقارب البلوغ. وحكم إلزام الزوج النفقة حكم الجبر، فمتى أجبرناها على الدخول ألزمناه لها النفقة. قال الدَّاودي: وكانت ﵂ قد شبّت شبابًا حسنًا. و(قولها: (فقدمنا المدينة فَوُعِكتُ شهرًا) أي: مرضت بالحمَّى، وكان هذا في أوّل قدومهم المدينة في الوقت الذي وعك فيه أبو بكر ﵁ وقبل أن يَدعُوُ النبي ﷺ للمدينة بأن يصحِّحها، وينقل حُمَّاها إلى الجُحفَة، فلمّا دعا؛ فعل الله ذلك. و(قولها: (فوفى شعري جُمَيمَة) أي: بلغ إلى أن صار جُمَّةً صغيرة. وقد تقدم: أنَّ (الجمَّة) إلى شحمة الأذن و (اللمَّة) للمنكب. وفي كلامها حذف، وتقديره: فوُعِكتُ؛ فسقط شعري، ثم بَرِئتُ فوفى جُميمةً. و(قوله: فأتتني أُمَّ رُومان) أم رُومان - بضم الراء المهملة، ويقال بفتحها، والأول أشهر -، واسمها: زينب بنت عامر الكنانية، وهي زوج أبي بكر الصديق وأم ولديه: عبد الرحمن، وعائشة. أسلمت وهاجرت، وتوفيت في حياة رسول الله ﷺ ، ونزل رسول الله ﷺ في قبرها، واستغفر لها (١). و(الأرجوحة): خشبة يَركَبُ على طرفيها صغيران، فيترجح أحدهما على

стр. 2134

فَصَرَخَت بِي فَأَتَيتُهَا، وَمَا أَدرِي مَا تُرِيدُ، فَأَخَذَت بِيَدِي فَأَوقَفَتنِي عَلَى البَابِ فَقُلتُ: هَه هَه حَتَّى ذَهَبَ نَفَسِي فَأَدخَلَتنِي بَيتًا، فَإِذَا نِسوَةٌ مِن الأَنصَارِ فَقُلنَ: عَلَى الخَيرِ وَالبَرَكَةِ، وَعَلَى خَيرِ طَائِرٍ، فَأَسلَمَتنِي إِلَيهِنَّ ــ الآخر تارة، والآخر أخرى. ويقال: الأرجوحة: حبل يُعَلَّق، فيركبه الصبيان، يلعبون عليه. قاله شيخنا المنذري الشافعي (١). و(صَرَخَت بِي) أي: صاحت صياحًا مُزعِجًا. و(قولها: (فقلت: هه، هه) هي حكاية عن صوت المنبَهِر؛ الذي ضاق نَفَسه، وذلك أنَّها كانت تترجح، ثم إنها صِيح بها صياحًا مزعجًا، فأتت مسرعة، فضاق نفسها لذلك، وانبهرت. ولذلك قالت: (حتى ذهب نفسي) وهو بفتح الفاء، وقد أخطأ من سكَّنها. وقول النساء: (على الخير والبركة) هو نحو مِمَّا روي من حديث معاذ: أنَّ النبي ﷺ قال لرجل من الأنصار شهد إملاكه، فقال: (على الألفة والخير والطائر الميمون) (٢). وقد قال ﷺ لابن عوف: (بارك الله لك) (٣). وروي عنه ﷺ أنه قال: (بارك الله لكم وعليكم) (٤). قلت: وهذه أدعية، والدُّعاء كلُّه حسن، غير أن الدُّعاء بما دعا به النبي ﷺ أولى، ولذلك كره بعضهم قول العرب: بالرفاء والبنين. وقولهن: على خير طائر. وقول النبي ﷺ : (وعلى الطائر الميمون) (٥) على

стр. 2135

فَغَسَلنَ رَأسِي، وَأَصلَحنَنِي فَلَم يَرُعنِي إِلَّا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضُحًى، فَأَسلَمنَنِي إِلَيهِ. رواه البخاريُّ (٣٨٩٦)، ومسلم (١٤٢٢) (٦٩)، وأبو داود (٤٩٣٣)، والنسائي (٦/ ٨٢)، وابن ماجه (١٨٧٦). [١٤٧٤] وعَنها أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنتُ سَبعِ سِنِينَ، وَزُفَّت إِلَيهِ وَهِيَ بِنتُ تِسعِ سِنِينَ وَلُعَبُهَا مَعَهَا، وَمَاتَ عَنهَا وَهِيَ بِنتُ ثَمَانَي عَشرَةَ. رواه مسلم (١٤٢٢) (٧١). (١٤٢٣) [١٤٧٥] وعَنها قَالَت: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي شَوَّالٍ، وَبَنَى بِي ــ جهة التفاؤل الحسن، والكلام الطيب، وليس هذا من قبيل الطيرة المنهي عنها؛ التي قال فيها ﷺ : (لا طيرة، وخيرها الفأل) (١). وقد ذكرنا أصل هذه اللفظة وحكمها في كتاب الإيمان. و(قولها: فلم يَرُعنِي) أي: لم يُفزِعني. والرَّوع: الفَزَع. وهو مستعملٌ في كلِّ أمر يطرأ على الإنسان فجأة من خير أو شرٍّ؛ فيرتاع لفجأته. و(قوله: ومعها لُعَبُها) أي: البنات التي تلعب بها الجواري. وقد جاء: أن النبي ﷺ رآهنّ يَلعَبن بها، فأقرّهنّ على ذلك (٢)؛ لتطييب قلوبهن، وليتدربن على تربية أولادهن، وإصلاح شأنهنّ وبيوتهن. وفي هذا الحديث أبواب من الفقه لا تخفى. و(قولها: تزوّجني رسول الله ﷺ في شوّال. . .) الحديث؛ هذا إنما قالته

стр. 2136

فِي شَوَّالٍ، فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَحظَى عِندَهُ مِنِّي؟ وَكَانَت عَائِشَةُ تَستَحِبُّ أَن تُدخِلَ نِسَاءَهَا فِي شَوَّالٍ. رواه مسلم (١٤٢٣)، والترمذيُّ (١٠٩٣)، والنسائي (٦/ ١٠٣)، وابن ماجه (١٩٩٠). * * * ــ عائشة ﵂ لتردَّ به قول مَن كان (١) يُكره عقدُ النكاح في شهر شوّال، ويتشاءم به من جهة: أن شَوَّالًا من الشَّول، وهو الرَّفع. ومنه: شالتِ الناقةُ بِذَنَبِهَا. وقد جعلوه كناية عن الهلاك؛ إذ قالوا: شالت نعامتُهم؛ أي: هلكوا. فـ (شوَّال) معناه: كثير الشول، فإنَّه للمبالغة، فكأنهم كانوا يتوهّمون أنَّ كلَّ مَن تزوّج في شوَّال منهن شال الشنآن بينها وبين الزوج، أو شالت نفرته، فلم تحصل لها حظوة عنده، ولذلك قالت عائشة رادَّةً لذلك الوهم: (فأي نسائه كان أحظى عنده مني) أي: لم يضرّني ذلك، ولا نقص من حظوتي. ثم إنها تبرّكت بشهر شوَّال، فكانت تحب أن تُدخل نساءها على أزواجهنّ في شوّال؛ للذي حصل لها فيه من الخير برسول الله ﷺ ومن الحظوة عنده، ولمخالفة ما يقول الجُهَّال من ذلك. ومن هذا النوع كراهة الجُهَّال عندنا اليوم عقد النكاح في شهر المحرَّم، بل ينبغي أن يُتَيَمَّن بالعقد والدخول فيه، تَمَسُّكًا بما عظَّم الله ورسوله من حرمته، ورَدعًا للجُهَّال عن جهالاتهم. * * *

стр. 2137

(٨) باب النّظر إلى المخطوبة [١٤٧٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجتُ امرَأَةً مِن الأَنصَارِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : هَل نَظَرتَ إِلَيهَا فَإِنَّ فِي عُيُونِ الأَنصَارِ شَيئًا؟ قَالَ: قَد نَظَرتُ إِلَيهَا قَالَ: عَلَى كَم تَزَوَّجتَهَا؟ قَالَ: عَلَى أَربَعِ أَوَاقٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : عَلَى أَربَعِ أَوَاقٍ؟ ! كَأَنَّمَا تَنحِتُونَ ــ (٨) ومن باب: إباحة النّظر للمخطوبة (قوله: اذهب فانظر إليها) هذا الأمر على جهة الإرشاد إلى المصلحة؛ فإنه إذا نظر إليها -أعني المخطوبة - فلعلّه يرى منها ما يرغبه في نكاحها. وقد نبه النبي ﷺ على هذا بقوله فيما ذكره أبو داود من حديث جابر إذ قال: (إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل) (١). ولا قائل فيما أعلمه بحمل هذا الأمر على الوجوب. وقد دلَّ على أنه ليس كذلك قوله: (فإن استطاع فليفعل) ولا يقال مثل هذا في الواجب. وقاعدة النكاح - وإن كان فيها معاوضة - مُفَارِقَةٌ لقاعدة البيوع، من حيث إنها مبنيَّة على المكارمة، والمواصلة، وإظهار الرَّغبات، والعمل على مكارم الأخلاق، بحيث يجوز فيها النكاح من غير ذكر صداق، وتجوز فيها ضروب من الجهالات والأحكام، لا يجوز شيءٌ منها في البيوع والمعاملات المبنية على المشاحَّة والمغَابنة. ومن هنا جاز عقد النكاح على امرأة لا يعرف حالها من جمال، وشباب، وحُسن خُلُق، وتمام خُلق. وهذه وإن كانت مجهولة حالة العقد، لم يضر الجهل بها؛ إذ لم يلتفت الشرع إليه في هذا الباب. فالأمر بالنظر إلى المخطوبة أحرى بألَاّ يكون واجبا. فلم يبق إلا أن يُحمل ذلك الأمر على ما تقدَّم. وبهذا قال جمهور الفقهاء: مالك،

стр. 2138

الفِضَّةَ مِن عُرضِ هَذَا الجَبَلِ، مَا عِندَنَا مَا نُعطِيكَ، وَلَكِن عَسَى أَن نَبعَثَكَ فِي بَعثٍ تُصِيبُ مِنهُ. فَبَعَثَ بَعثًا إِلَى بَنِي عَبسٍ. بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِم. ــ والشافعي، والكوفيون، وغيرهم، وأهل الظاهر. وقد كره ذلك قومٌ، لا مبالاة بقولهم؛ للأحاديث الصحيحة في هذا الباب. ثم اختلف الجمهور، فقال مالك: يُنظر إلى وجهها، وكفَّيها، ولا ينظر إليها إلا بإذنها. وقال الشافعي وأحمد: بإذنها، وبغير إذنها إذا كانت مستترة. وقال الأوزاعي: ينظر إليها ويجتهد، وينظر مواقع اللحم منها. وقال داود: ينظر إلى سائر جسدها تمسكًا بظاهر اللفظ. وأصول الشريعة تردّ عليه في تحريم الاطلاع على الصورة. وقد تقدَّم ذكر (الأُوقِية) (١). و(تنحتون): تقطعون وتنجرون. والنَّحتُ: النَّجر والقَطع، ومنه: ﴿وَتَنحِتُونَ مِنَ الجِبَالِ بُيُوتًا﴾ وقوله تعالى: ﴿أَتَعبُدُونَ مَا تَنحِتُونَ﴾ والنَّحَّات: النَّجار. و (عُرضُ الجبل): جانبه، وصفحه. وهو بضم العين. والعَرض -بفتح العين -: خِلاف الطول. وعًرضُ البحر، والنَّهر، والمال: الوسَطُ من ذلك؛ قاله الحربي. وهذا الإنكار منه ﷺ على هذا الرَّجُل المتزوج على أربعة أواقٍ ليس إنكارًا لأجل المغالاة، والإكثار في المهر، فإنه ﷺ قد أصدق نساءه خمسمائة درهم، وأربعة أواقٍ: مائة وستون درهمًا (٢). وإنما أنكر بالنسبة إلى حال الرجل؛ فإنه كان فقيرًا في تلك الحال، فأدخل نفسه في مشقة تَعرَّض للسؤال بسببها، ولذلك قال له: (ما عندنا ما نعطيك). ثم إن النبي ﷺ بكرم أخلاقه، ورأفته، ورحمته جبرَ مُنكَسِرَ قلبه بقوله: (ولكن عسى أن نبعثك في بعث فتصيب منه) يعني به: سرية

стр. 2139

وفي رواية: أَنَظَرتَ إِلَيهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَاذهَب فَانظُر إِلَيهَا فَإِنَّ فِي أَعيُنِ الأَنصَارِ شَيئًا. رواه أحمد (٢/ ٢٩٩)، مسلم (١٤٢٤) (٧٤) و (٧٥)، والنسائيُّ (٦/ ٦٩). * * * (٩) باب في اشتراط الصَّداق في النكاح وجواز كونه منافع [١٤٧٧] عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: جَاءَت امرَأَةٌ إِلَى ــ في الغزو. فبعثه، فأصاب حاجته ببركة النبي ﷺ . و(قوله: فإن في عيون الأنصار شيئًا) قال أبو الفرج الجوزي: يعني: شيئًا زرقًا، أو صِغَرًا، وقيل: رَمَصًا. (٩) ومن باب: اشتراط الصَّداق في النكاح هذه الترجمة يدلُّ على صحتها قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحلَةً﴾ وقوله تعالى: ﴿أَن تَبتَغُوا بِأَموَالِكُم﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَن لَم يَستَطِع مِنكُم طَولا﴾ الآية. وقوله ﷺ في هذا الحديث: (هل عندك شيء تصدقه إيَّاها؟ ) إلى قوله: (التمس ولو خاتَمًا من حديد). ولا اختلاف في اشتراطه؛ وإن اختلفوا في مقدار أصله، وفي نوعه على ما يأتي بيانه، إن شاء الله تعالى.

стр. 2140

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئتُ أَهَبُ لَكَ نَفسِي، فَنَظَرَ إِلَيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأطَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأسَهُ، فَلَمَّا رَأَت المَرأَةُ أَنَّهُ لَم يَقضِ فِيهَا شَيئًا جَلَسَت فَقَامَ رَجُلٌ مِن أَصحَابِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِن لَم يَكُن لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجنِيهَا فَقَالَ: فَهَل عِندَكَ مِن شَيءٍ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: اذهَب إِلَى أَهلِكَ، فَانظُر هَل تَجِدُ شَيئًا؟ فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا وَجَدتُ شَيئًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : التمس وَلَو خَاتِمًا مِن حَدِيدٍ فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: ــ و(قولها: جئت أهب لك نفسي) أي: أُحكِّمُك فيها من غير عوضٍ. وكأنَّ هذه المرأة فهمت جواز ذلك من قوله تعالى: ﴿وَامرَأَةً مُؤمِنَةً إِن وَهَبَت نَفسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ وقد ذهب معظم العلماء: إلى أنَّ ذلك مخصوصٌ بالنبي ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤمِنِينَ﴾ وقد دلَّ على هذا المعنى من هذا الحديث قول الرُّجُل للنبي (١) ﷺ : (إن لم يكن لك حاجة بها زوّجنيها). ولم يقل: هَبهَا لي. واختلفوا في النكاح: هل ينعقد بلفظ الهبة، ويكون فيه صداق المثل، أو لا ينعقد بها وإن سمى فيه مهرًا؟ وإلى الأول ذهب مالك، وأبو حنيفة، والجمهور. وبالثاني قال الشافعي. و(قوله: فصعَّد النظر فيها، وصوَّبه، ثم طأطأ رأسه) أي: نظر أعلاها، وأسفلها مرارًا. و (طأطأ) أي: خفض وأَطرق. وهذا دليل على جواز نظر الخاطب إلى المخطوبة، وتأمُّله ما لاح من محاسنها؛ لكن وعليها ثيابها، كما قال مالك. و(قوله: التمس ولو خاتَمًا من حديد) تمسَّك به من لم ير للصَّداق حدًّا.
следующие страницы →