← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

فِي شَوَّالٍ، فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَحظَى عِندَهُ مِنِّي؟ وَكَانَت عَائِشَةُ تَستَحِبُّ أَن تُدخِلَ نِسَاءَهَا فِي شَوَّالٍ. رواه مسلم (١٤٢٣)، والترمذيُّ (١٠٩٣)، والنسائي (٦/ ١٠٣)، وابن ماجه (١٩٩٠). * * * ــ عائشة ﵂ لتردَّ به قول مَن كان (١) يُكره عقدُ النكاح في شهر شوّال، ويتشاءم به من جهة: أن شَوَّالًا من الشَّول، وهو الرَّفع. ومنه: شالتِ الناقةُ بِذَنَبِهَا. وقد جعلوه كناية عن الهلاك؛ إذ قالوا: شالت نعامتُهم؛ أي: هلكوا. فـ (شوَّال) معناه: كثير الشول، فإنَّه للمبالغة، فكأنهم كانوا يتوهّمون أنَّ كلَّ مَن تزوّج في شوَّال منهن شال الشنآن بينها وبين الزوج، أو شالت نفرته، فلم تحصل لها حظوة عنده، ولذلك قالت عائشة رادَّةً لذلك الوهم: (فأي نسائه كان أحظى عنده مني) أي: لم يضرّني ذلك، ولا نقص من حظوتي. ثم إنها تبرّكت بشهر شوَّال، فكانت تحب أن تُدخل نساءها على أزواجهنّ في شوّال؛ للذي حصل لها فيه من الخير برسول الله ﷺ ومن الحظوة عنده، ولمخالفة ما يقول الجُهَّال من ذلك. ومن هذا النوع كراهة الجُهَّال عندنا اليوم عقد النكاح في شهر المحرَّم، بل ينبغي أن يُتَيَمَّن بالعقد والدخول فيه، تَمَسُّكًا بما عظَّم الله ورسوله من حرمته، ورَدعًا للجُهَّال عن جهالاتهم. * * *

стр. 2137

(٨) باب النّظر إلى المخطوبة [١٤٧٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجتُ امرَأَةً مِن الأَنصَارِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : هَل نَظَرتَ إِلَيهَا فَإِنَّ فِي عُيُونِ الأَنصَارِ شَيئًا؟ قَالَ: قَد نَظَرتُ إِلَيهَا قَالَ: عَلَى كَم تَزَوَّجتَهَا؟ قَالَ: عَلَى أَربَعِ أَوَاقٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : عَلَى أَربَعِ أَوَاقٍ؟ ! كَأَنَّمَا تَنحِتُونَ ــ (٨) ومن باب: إباحة النّظر للمخطوبة (قوله: اذهب فانظر إليها) هذا الأمر على جهة الإرشاد إلى المصلحة؛ فإنه إذا نظر إليها -أعني المخطوبة - فلعلّه يرى منها ما يرغبه في نكاحها. وقد نبه النبي ﷺ على هذا بقوله فيما ذكره أبو داود من حديث جابر إذ قال: (إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل) (١). ولا قائل فيما أعلمه بحمل هذا الأمر على الوجوب. وقد دلَّ على أنه ليس كذلك قوله: (فإن استطاع فليفعل) ولا يقال مثل هذا في الواجب. وقاعدة النكاح - وإن كان فيها معاوضة - مُفَارِقَةٌ لقاعدة البيوع، من حيث إنها مبنيَّة على المكارمة، والمواصلة، وإظهار الرَّغبات، والعمل على مكارم الأخلاق، بحيث يجوز فيها النكاح من غير ذكر صداق، وتجوز فيها ضروب من الجهالات والأحكام، لا يجوز شيءٌ منها في البيوع والمعاملات المبنية على المشاحَّة والمغَابنة. ومن هنا جاز عقد النكاح على امرأة لا يعرف حالها من جمال، وشباب، وحُسن خُلُق، وتمام خُلق. وهذه وإن كانت مجهولة حالة العقد، لم يضر الجهل بها؛ إذ لم يلتفت الشرع إليه في هذا الباب. فالأمر بالنظر إلى المخطوبة أحرى بألَاّ يكون واجبا. فلم يبق إلا أن يُحمل ذلك الأمر على ما تقدَّم. وبهذا قال جمهور الفقهاء: مالك،

стр. 2138

الفِضَّةَ مِن عُرضِ هَذَا الجَبَلِ، مَا عِندَنَا مَا نُعطِيكَ، وَلَكِن عَسَى أَن نَبعَثَكَ فِي بَعثٍ تُصِيبُ مِنهُ. فَبَعَثَ بَعثًا إِلَى بَنِي عَبسٍ. بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِم. ــ والشافعي، والكوفيون، وغيرهم، وأهل الظاهر. وقد كره ذلك قومٌ، لا مبالاة بقولهم؛ للأحاديث الصحيحة في هذا الباب. ثم اختلف الجمهور، فقال مالك: يُنظر إلى وجهها، وكفَّيها، ولا ينظر إليها إلا بإذنها. وقال الشافعي وأحمد: بإذنها، وبغير إذنها إذا كانت مستترة. وقال الأوزاعي: ينظر إليها ويجتهد، وينظر مواقع اللحم منها. وقال داود: ينظر إلى سائر جسدها تمسكًا بظاهر اللفظ. وأصول الشريعة تردّ عليه في تحريم الاطلاع على الصورة. وقد تقدَّم ذكر (الأُوقِية) (١). و(تنحتون): تقطعون وتنجرون. والنَّحتُ: النَّجر والقَطع، ومنه: ﴿وَتَنحِتُونَ مِنَ الجِبَالِ بُيُوتًا﴾ وقوله تعالى: ﴿أَتَعبُدُونَ مَا تَنحِتُونَ﴾ والنَّحَّات: النَّجار. و (عُرضُ الجبل): جانبه، وصفحه. وهو بضم العين. والعَرض -بفتح العين -: خِلاف الطول. وعًرضُ البحر، والنَّهر، والمال: الوسَطُ من ذلك؛ قاله الحربي. وهذا الإنكار منه ﷺ على هذا الرَّجُل المتزوج على أربعة أواقٍ ليس إنكارًا لأجل المغالاة، والإكثار في المهر، فإنه ﷺ قد أصدق نساءه خمسمائة درهم، وأربعة أواقٍ: مائة وستون درهمًا (٢). وإنما أنكر بالنسبة إلى حال الرجل؛ فإنه كان فقيرًا في تلك الحال، فأدخل نفسه في مشقة تَعرَّض للسؤال بسببها، ولذلك قال له: (ما عندنا ما نعطيك). ثم إن النبي ﷺ بكرم أخلاقه، ورأفته، ورحمته جبرَ مُنكَسِرَ قلبه بقوله: (ولكن عسى أن نبعثك في بعث فتصيب منه) يعني به: سرية

стр. 2139

وفي رواية: أَنَظَرتَ إِلَيهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَاذهَب فَانظُر إِلَيهَا فَإِنَّ فِي أَعيُنِ الأَنصَارِ شَيئًا. رواه أحمد (٢/ ٢٩٩)، مسلم (١٤٢٤) (٧٤) و (٧٥)، والنسائيُّ (٦/ ٦٩). * * * (٩) باب في اشتراط الصَّداق في النكاح وجواز كونه منافع [١٤٧٧] عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: جَاءَت امرَأَةٌ إِلَى ــ في الغزو. فبعثه، فأصاب حاجته ببركة النبي ﷺ . و(قوله: فإن في عيون الأنصار شيئًا) قال أبو الفرج الجوزي: يعني: شيئًا زرقًا، أو صِغَرًا، وقيل: رَمَصًا. (٩) ومن باب: اشتراط الصَّداق في النكاح هذه الترجمة يدلُّ على صحتها قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحلَةً﴾ وقوله تعالى: ﴿أَن تَبتَغُوا بِأَموَالِكُم﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَن لَم يَستَطِع مِنكُم طَولا﴾ الآية. وقوله ﷺ في هذا الحديث: (هل عندك شيء تصدقه إيَّاها؟ ) إلى قوله: (التمس ولو خاتَمًا من حديد). ولا اختلاف في اشتراطه؛ وإن اختلفوا في مقدار أصله، وفي نوعه على ما يأتي بيانه، إن شاء الله تعالى.

стр. 2140

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئتُ أَهَبُ لَكَ نَفسِي، فَنَظَرَ إِلَيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأطَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأسَهُ، فَلَمَّا رَأَت المَرأَةُ أَنَّهُ لَم يَقضِ فِيهَا شَيئًا جَلَسَت فَقَامَ رَجُلٌ مِن أَصحَابِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِن لَم يَكُن لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجنِيهَا فَقَالَ: فَهَل عِندَكَ مِن شَيءٍ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: اذهَب إِلَى أَهلِكَ، فَانظُر هَل تَجِدُ شَيئًا؟ فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا وَجَدتُ شَيئًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : التمس وَلَو خَاتِمًا مِن حَدِيدٍ فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: ــ و(قولها: جئت أهب لك نفسي) أي: أُحكِّمُك فيها من غير عوضٍ. وكأنَّ هذه المرأة فهمت جواز ذلك من قوله تعالى: ﴿وَامرَأَةً مُؤمِنَةً إِن وَهَبَت نَفسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ وقد ذهب معظم العلماء: إلى أنَّ ذلك مخصوصٌ بالنبي ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤمِنِينَ﴾ وقد دلَّ على هذا المعنى من هذا الحديث قول الرُّجُل للنبي (١) ﷺ : (إن لم يكن لك حاجة بها زوّجنيها). ولم يقل: هَبهَا لي. واختلفوا في النكاح: هل ينعقد بلفظ الهبة، ويكون فيه صداق المثل، أو لا ينعقد بها وإن سمى فيه مهرًا؟ وإلى الأول ذهب مالك، وأبو حنيفة، والجمهور. وبالثاني قال الشافعي. و(قوله: فصعَّد النظر فيها، وصوَّبه، ثم طأطأ رأسه) أي: نظر أعلاها، وأسفلها مرارًا. و (طأطأ) أي: خفض وأَطرق. وهذا دليل على جواز نظر الخاطب إلى المخطوبة، وتأمُّله ما لاح من محاسنها؛ لكن وعليها ثيابها، كما قال مالك. و(قوله: التمس ولو خاتَمًا من حديد) تمسَّك به من لم ير للصَّداق حدًّا.

стр. 2141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهم جَمعٌ كثير من الحجازيين، والشاميين؛ قالوا: يجوز النكاح بكل ما تراضى به الزوجان، أو مَن العقدُ إليه، مما فيه منفعة، كالسَّوط، والنعل، ونحوه. وبعضهم قال: بما له بال. وقالت طائفة أخرى: لا بُدَّ أن يكون أقله محدودًا. وحملوه على أقل ما تقطع فيه يد السَّارق، وعلى الطريقة القياسية. وتحريرها: أن يقال: عضو آدمي مُحتَرَم. فلا يُستباح بأقل من كذا. قياسًا على يد السارق. ويمكن أن (١) يكون تحريره على وجه آخر. وتوجيه الاعتراضات عليه والانفصالات، مذكور في مسائل الخلاف. غير أن هؤلاء اختلفوا في أقل ما تُقطع فيه يد السَّارق، فاختلفت لذلك مذاهبهم هنا. فذهب مالك: إلى أن أقل ذلك ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الورق. وقال ابن (٢) شبرمة: أقل ذلك خمسة دراهم. وقال أبو حنيفة: أقله عشرة دراهم. وكذلك قال النخعي في أحد قوليه، وفي آخر: كره أن يتزوج بأقل من أربعين درهمًا. وقد اعتذر بعض المالكية عن قوله ﷺ : (التمس ولو خاتَمًا من حديد) بأوجه: أحدها: بأن ذلك على جهة الإغياء والمبالغة، كما قال: (تصدقوا ولو بظلف محرق) (٣). وفي أخرى: (ولو بفرسن شاة) (٤) وليس الظلف والفرسن مما ينتفع به، ولا يتصَّدق به. ومثل هذا كثير. وثانيها: لعل الخاتم كان يساوي ربع دينار فصاعدًا؛ لأن الصُنَّاع عندهم قليل. وثالثها: أنَّ أَمرَهُ بالتماس الخاتم لعلَّه لم يكن ليكون كلَّ الصداق، بل ليُعَجّلَهُ لها قبل الدّخول.

стр. 2142

لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتِمًا مِن حَدِيدٍ، وَلَكِن هَذَا إِزَارِي. قَالَ سَهلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ فَلَهَا نِصفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا تَصنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِن لَبِستَهُ لَم يَكُن عَلَيهَا مِنهُ شَيءٌ، وَإِن لَبِسَتهُ لَم يَكُن عَلَيكَ مِنهُ شَيءٌ، فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجلِسُهُ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ ــ والذي حمل أصحابنا على تأويل هذا الحديث قوله تعالى: ﴿أَن تَبتَغُوا بِأَموَالِكُم مُحصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ﴾ والدرهم، وأقل منه تافه لا يُقال عليه مالٌ عُرفًا، ولذلك قالت عائشة ﵂: (لم تكن يد السَّارق تقطع في الشيء التافه) وإن كان يقال على من أخذه خفية: سارق. وهي التي قالت: (لم تكن يد السَّارق تقطع في أقل من ثلاثة دراهم). ففرَّقت بين التافه وغير التافه بهذا المقدار. وهي أعرفهم بالمقال، وأقعدهم بالحال. و(الإزار): ثوب يُشَدُّ على الوسط. و (الرداء): ما يُجعل على الكتفين. و (اللحاف): ما يُلحَفُ به جميع الجسد. و(قول سهل: ما له رداء، فلها نصفه) ظاهره: لو كان له رداء لَشَرَكَها النبي ﷺ فيه. وهذا في وَجه لزومه بُعدٌ؛ إذ ليس في كلام النبي ﷺ ولا في كلام الرَّجل ما يدلّ على شيء من ذلك. ويمكن أن يقال: إن مُراد سهل: أنَّه لو كان عليه رداء مضافًا إلى الإزار؛ لكان للمرأة نصف ما عليه؛ الذي هو إمَّا الرداء، وإمَّا الإزار. ألا ترى تعليله منع إعطاء الإزار بقوله: (إن لبِستَه لم يكن عليها منه شيء، وإن لبِسَتهُ لم يكن عليك منه شيء) فكأنه قال: لو كان لك ثوبٌ تنفرد أنت بلبسه، وثوبٌ آخر تأخذه هي، تنفرد بلبسه لكان لها أَخذُهُ، فأمَّا إذا لم يكن ذلك فلا. وفيه ما يدل على أن المهر الأولى فيه أن يكون معجلًا مقبوضًا، وهو الأولى عند العلماء باتفاق. ويجوز أن يكون مؤخَّرًا على ما يدلُّ عليه قوله ﷺ :

стр. 2143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (اذهب فقد زوجتكها بما (١) معك من القرآن، فعلِّمها). فإنه قد انعقد النكاح، وتأخر المهر الذي هو التعليم. وهذا على الظاهر من قوله: (بما معك من القرآن) (٢). فإنَّ الباء للعِوض، كما تقول: خُذ هذا بهذا؛ أي: عوضًا عنه. و(قوله: علِّمها) نصٌّ في الأمر بالتعليم. والمَسَاقُ يشهد بأنَّ ذلك لأجل النكاح. ولا يُلتفت لقول من قال: إن ذلك كان إكرامًا للرَّجل بما حفظه من القرآن؛ فإن الحديث يُصَرِّح بخلافه. وقول المخالف: إن الباء بمعنى اللام، ليس بصحيح لغةً، ولا مساقًا. وكذلك لا يُعَوّل على قول الطحاوي والأبهري: إنَّ ذلك كان (٣) مخصوصًا بالنبي ﷺ كما كان مخصوصًا بجواز الهبة في النكاح لأمور: أحدها: مساق الحديث. وهو شاهد لنفي الخصوصية. وثانيها: قول الرَّجُل: زوجنيها، ولم يقل: هبها لي. وثالثها: قوله ﷺ : (اذهب، فقد زوجتكها بما معك من القرآن، فعلِّمها). ورابعها: إن الأصل التمسُّك بنفي الخصوصية في الأحكام. وفي هذا الحديث من الفقه: جواز اتخاذ خاتم الحديد. وقد أجازه بعض السلف، ومنعه آخرون لقوله ﷺ فيه: (حلية أهل النار) (٤). ورأوا أن المنع هو المتأخر عن الإباحة. وفيه ما يدلّ على جواز كون الصَّداق منافع. وبه قال الشافعي، وإسحاق، والحسن بن حَيٍّ، ومالك في أحد قوليه. وكرهه أحمد، ومالك في القول الثاني. ومنعه أبو حنيفة في الحُرِّ، وأجازه في العبد، إلا أن تكون الإجارة تعليم القرآن، فلا يجوز بناءً على أصله في: أنَّ تعليم القرآن لا يؤخذ عليه

стр. 2144

فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: مَاذَا مَعَكَ مِن القُرآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا عَدَّدَهَا. قَالَ: تَقرَؤُهُنَّ عَن ظَهرِ قَلبِكَ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: اذهَب فَقَد مُلِّكتَهَا بِمَا مَعَكَ مِن القُرآنِ. ــ أجر. والجمهور على جواز ذلك. أعني: على جواز كون الصَّداق منافع. وهذا الحديث ردٌّ على أبي حنيفة في منعه أخذ الأجر على تعليم القرآن. ويردُّ عليه أيضًا قوله ﷺ : (إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله) (١). وسيأتي. وقول الرَّجُل: معي سورة كذا، وسورة كذا) عدَّدَها. فقال: (اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن، فعلِّمها) يدلُّ على أن القَدر الذي انعقد به النكاح من التعليم معلومٌ؛ لأن قوله: (بما معك) معناه: بالذي معك. وهي السور المعدَّدة المحفوظة عنده التي نصَّ على أسمائها. وقد تعيَّنت المنفعة، وصَحَّ كونها صداقًا، وليس فيه جهالة. وقد روى هذا النسائي من طريق عِسلِ بن سفيان، وهو ضعيف. وذكر فيه: (فعلِّمها عشرين آية). وهذا نصٌّ في التحديد، غير أن الصحيح ما تقدَّم. و(قوله: فقد ملكتكها) وفي الرواية الأخرى: (زوّجتكها). وقع في مختصر شيخنا المنذري لكتاب مسلم: (اذهب فقد ملكتها) قال: وروي: (مُلِّكتَهَا) وروي: (ملكتكها) وروي: (زوجتكها). قال أبو الحسن الدارقطني: رواية من قال: (ملكتها) وَهمٌ، ورواية من قال: (زوجتكها) الصواب. وَهُم أكثرُ وأحفظُ. وقال غيره: (مَلَّكتُكَهَا): كلمة عَبَّر بها الراوي عن: زَوَّجتُكَهَا. وقد رواه جماعة فقالوا: (زوجتكها) (٢) دليلٌ على أنَّ كل صيغةٍ تقتضي التمليك مطلقا تجوز عقد النكاح عليها، وهو مذهب أبي حنيفة، وحاصل مذهب مالك. قال ابن القصَّار: يصح النكاح بلفظ الهبة، والصَّدقة، والبيع إذا قصد به النكاح، ولا يصحّ بلفظ الرَّهن،

стр. 2145

وفي رواية قَالَ: انطلق فَقَد زَوَّجتُكَهَا، فَعَلِّمهَا مِن القُرآنِ. رواه البخاريُّ (٥٠٨٧)، ومسلم (١٤٢٥)، وأبو داود (٢١١١)، والترمذيُّ (١١١٤)، والنّسائي (٦/ ١١٣). * * * (١٠) باب كم أصدق النبي ﷺ لأزواجه؟ وجواز الأكثر من ذلك والأقل والأمر بالوليمة (١٤٢٦) [١٤٧٨] عَن أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ قَالَ: سَئَلتُ عَائِشَةَ زَوجَ النَّبِيِّ ﷺ كَم كَانَ صَدَاقُ النبي ﷺ ؟ قَالَت: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزوَاجِهِ ثِنتَي عَشرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّ. قَالَت: أَتَدرِي مَا النَّشُّ؟ قَالَ: قُلتُ: لَا. قَالَت: نِصفُ ــ والإجارة والعارية، والوصية. ومن أصحابنا من أجازه بلفظ الإحلال، والإباحة، ومنعه آخرون؛ إذ لا يدلَاّن على عَقدٍ. وأصل مذهب الشافعي: أنَّه لا يجوز بغير لفظ النكاح والتَّزويج. ويردّ عليه قوله في هذا الحديث، في رواية مَن روى: (ملكتكها) وهي صحيحة. وفي بعض طرق البخاري: (فقد أمكنَّاكها) (١). و(قوله: فعَلِّمها من القرآن) يعني به: السُّور التي عدَّدها له، وأخبره أنه يحفظها، وهو بمعنى قوله في الرواية الأخرى: (بما معك من القرآن) والله تعالى أعلم. (١٠) ومن باب: كم أصدق النبي ﷺ لأزواجه؟ قد تقدَّم ذكر الأوقية. فأمَّا (النَّشُّ) فقد فسَّرته عائشةُ ﵂.

стр. 2146

أُوقِيَّةٍ، فَتِلكَ خَمسُمِائَةِ دِرهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَزوَاجِهِ. رواه مسلم (١٤٢٦)، وأبو داود (٢١٠٥)، والنسائي (٦/ ١١٦ و ١١٧). [١٤٧٩] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ أَثَرَ صُفرَةٍ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي تَزَوَّجتُ ــ وقال كراع: هو نصف الشيء. وقال الخطَّابي: هو اسمٌ موضوع لهذا القدر. قلت: وهو مُعَرَّب مُنَوَّن، غير أنه وقع هنا (نش) على لغة من يقف على المنون بالسكون بغير ألف. وقد تقدَم أنّ هذا القول من عائشة، إنما هو إخبار عن غالب أزواج النبي ﷺ ؛ لأن صفية من جملة أزواجه، وأصدقها نفسها (١) على ما تقدم من الخلاف. وزينب بنت جحش لم يذكر لها صداق. وأمُّ حبيبة بنت أبي سفيان أصدقها النجاشي أربعة آلاف درهم. فقد خرج هؤلاء من عموم قول عائشة، فدلَّ على ما ذكرناه. و(قوله: رأى على عبد الرحمن أثر صفرة) وفي أخرى: (وضر صفرة) وهو بمعنى: الأثر. وفي حديث آخر: (رَدع) بالعين المهملة. يعني: الأثر واللطخ. وفي الأم: (رأى عليَّ بشاشة العرس) (٢). قال الحربيُّ: أَثَرَهُ، وحُسنَهُ. استدل بعض أهل العلم بعدم إنكار النبي ﷺ التزعفر على عبد الرحمن على جوازه للعروس، وأنه مُخَصَّص به؛ لعموم نهيه ﷺ عن التزعفر. وقيل: يحتمل أن تكون تلك الصفرة في ثيابه. ولباس الثياب المزعفرة للرّجال جائز عند مالك وأصحابه، وحكاه عن علماء المدينة. وكان ابن عمر يصبغ بالصفرة (٣)، ويرفعه إلى النبي ﷺ كما تقدَّم في الحج.

стр. 2147

امرَأَةً - وفي رواية: من الأنصار - عَلَى وَزنِ نَوَاةٍ مِن ذَهَبٍ قَالَ: فَبَارَكَ اللَّهُ ــ قلت: وعلى هذا يدل ما رواه أبو داود من حديث أبي موسى مرفوعًا: (لا يقبل الله صلاة رجل في جسده شيء من خلوق) (١) فخصَّ الجسد؛ فيؤخذ من دليل خطابه جوازه في غيره. وحكى ابن شعبان كراهة ذلك في اللحية عن أصحابنا. وكره الشافعي وأبو حنيفة ذلك في الثوب واللحية. ويحتمل أن تُحمل صفرةُ عبد الرحمن على أنَّها تعلَّقت به من جهة العَرُوس، فكانت غير مقصودة له، ويحتمل أن تكون مقصودة له (٢)، لكنه لما احتاج إلى التطّيب لأجل العروس؛ استباح قليلًا منه عند عدم غيره من الطيب، كما قال ﷺ في يوم الجمعة: (ويمسَّ من الطيب ما قدر عليه) وفي بعض طرقه: (ولو من طيب المرأة) (٣) والله تعالى أعلم. و(النواة): قال الخطابي: هو اسمٌ معروف لمقدار معروف. وفسروها بخمسة دراهم، كما سُمِّي الأربعون: أوقية. قلت: وهذا هو تفسير أكثر العلماء، وابن وهب. وقال أحمد بن حنبل: النواة: ثلاثة دراهم وثلث. وقال بعض أصحاب مالك: النواة بالمدينة: ربع دينار. وقيل: النواة هنا: هي نوى التمر عينها؛ أي: وزنها. والأول أظهر وأكثر. وهذا الحديث وحديث عائشة يدلَاّن على أن الصَّداق لا بد منه، وأن أكثره لا حدَّ له. ولا خلاف فيهما. غير أن المغالاة فيه مكروهةٌ؛ لأنها من باب السَّرف، والتعسير، والمباهاة.

стр. 2148

لَكَ. أَولِم وَلَو بِشَاةٍ. رواه البخاريُّ (٥٠٧٣)، ومسلم (١٤٢٧)، وأبو داود (٢٠٥٤)، والترمذيُّ (١١١٥)، والنسائي (٦/ ١١٤). * * * ــ و(قوله: أولم ولو بشاة) ظاهره الوجوب. وبه تمسَّك داود في وجوب الوليمة. وهو أحد قولي الشافعي ومالك. ومشهور مذهب مالك والجمهور: أنها مندوب إليها. و(الوليمة): طعام العرس. وطعام البناء: الوكيرة، وطعام الولادة: الخرس، وطعام الختان: إعذار، وطعام القادم: النقيعة. وكلُّ طعام صُنع لدعوةٍ فهو: مأدبة - بضم الدال، وكسرها - قاله القتبي. وسيأتي ذكر الوليمة بأشبع من هذا. و(قوله: ولو بشاة) دليلٌ على أن التوسعة في الوليمة أولى وأفضل لمن قدر عليه، وإنَّ أقل ما يوسع به من أراد الاقتصار شاة. قال القاضي عياض: ولا خلاف في أنه لا حدَّ لها، ولا توقيت. واختلف السلف في تكرارها زيادة على يومين. فأجازه قومٌ ومنعه آخرون. وقال بعض من أجاز ذلك: إذا دُعِيَ كُلَّ يوم من لم يُدعَ قبله جاز. وكلٌّ كره المباهاة والسمعة. * * *

стр. 2149

(١١) باب عِتق الأمةِ وتزويجها وهل يصح أن يجعل العتق صداقا ؟ [١٤٨٠] عَن أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَزَا خَيبَرَ قَالَ: فَصَلَّينَا عِندَهَا صَلَاةَ الغَدَاةِ بِغَلَسٍ، فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، وَرَكِبَ أَبُو طَلحَةَ وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلحَةَ، فَأَجرَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فِي زُقَاقِ خَيبَرَ وَإِنَّ رُكبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، وَانحَسَرَ الإِزَارُ عَن فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنِّي لَأَرَى بَيَاضَ فَخِذِ ــ (١١) ومن باب: عِتق الأمةِ وتزويجها (قوله: فانحسر الإزار عن فخذ نبي الله ﷺ إلى قوله: (وإن ركبتي لتمسُّ فخذه) قد ذكرنا الخلاف في الفخذ: هل هو عورةٌ أم لا؟ وهذا الحديث مما يستدلُّ به من قال: إنه ليس بعورة، وكذلك حديث عائشة ﵂ الذي ذكرت فيه: أنَّ رسول الله ﷺ كان مُضطجعًا في بيتها كاشفًا عن فخذيه، فدخل أبو بكر وعمر ﵄ وهو كذلك (١). وسيأتي الحديث في مناقب عثمان ﵁. وقد عارض هذه الأحاديث ما رواه الترمذي وصححه غيره من حديث جَرهَدٍ، عن أبيه: أن النبي ﷺ مرَّ به وهو كاشف فخذه، فقال: (غط فخذك فإنها من العورة) (٢). قال البخاري: حديث أنس أسند، وحديث جَرهَد أحوط كي يخرج من اختلافهم. قلت: وقد يترجّح الأخذ بحديث جَرهَد من وجهٍ آخر، وهو: أن تلك

стр. 2150

نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا دَخَلَ المدينَةَ قَالَ: اللَّهُ أَكبَرُ خَرِبَت خَيبَرُ إِنَّا إِذَا نَزَلنَا بِسَاحَةِ قَومٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنذَرِينَ قَالَهَا ثَلَاثَ مرار قَالَ: وَقَد خَرَجَ القَومُ ــ الأحاديث قضايا معيّنة في أوقات وأحوال مخصوصة، يتطرَّق إليها من الاحتمال ما لا يتطرَّق لحديث جرهد، فإنه إعطاء حُكم كلِّيٍّ وتقعيد للقاعدة، فكان أولى. بيان ذلك: أن تلك الوقائع تحتمل خصوصية النبي ﷺ بذلك، أو البقاء على البراءة الأصلية؛ إذ كان لم يحكم عليه في ذلك الوقت بشيء، ثم بعد ذلك حكم عليه: بأن الفخذ عورة. ويحتمل حديث أنس أن النبي ﷺ لم يشعر بانكشافه لِهَمِّه بشأن فتح خيبر، إلى غير ذلك من الاحتمالات التي لا يتوجه بشيء (١) منها على حديث جَرهَد، فكان أولى، والله تعالى أعلم. وتكبيرُه ﷺ تعظيم لله، وتحقيرٌ لهم، وتشجيع عليهم. وقد تكلَّمنا على معنى الله أكبر في كتاب الحج. و(قوله: خربت خيبر) أي: صارت خرابًا منهم. وهل ذلك على حقيقة الخبرية، فيكون ذلك من باب الإخبار عن الغيب، أو على جهة الدُّعاء عليهم، أو على جهة التفاؤل لَمَّا خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم ومرورهم؟ وقد قيل كل ذلك. والأوَّل أولى؛ لقوله ﷺ : (إنَّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين). و(الساحة): الناحية، والجهة. و (ساء): أي: صار سيئًا؛ من السُّوء. و (المنذر): أبلغ الإنذار، وهو التخويف بالإخبار عن المكروه. و (البشارة): الإخبار بالمحبوب. و (الخميس): الجيش؛ سُمِّي بذلك؛ لأنه يقسم خمسة أخماس: القلب، والميمنة، والميسرة، والمقدمة، والساقة. وقيل: لأنه يخمَّس (٢). وليس بشيء؛ لأن هذا أمر مستجد من جهة الشرع، وكان الخميس

стр. 2151

إِلَى أَعمَالِهِم فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ وَالخَمِيسُ قَالَ: وَأَصَبنَاهَا عَنوَةً، وَجُمِعَ السَّبيُ، فَجَاءَهُ دِحيَةُ فَقَالَ: يَا نبي اللَّهِ أَعطِنِي جَارِيَةً مِن السَّبيِ فَقَالَ: اذهَب فَخُذ جَارِيَةً فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنتَ حُيَيٍّ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَعطَيتَ دِحيَةَ صَفِيَّةَ بِنتَ حُيَيٍّ سَيِّدِ قُرَيظَةَ وَالنَّضِيرِ، مَا تَصلُحُ إِلَّا لَكَ قَالَ: ادعُوهُ بِهَا قَالَ: فَجَاءَ بِهَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيهَا نَّبِيُّ الله ﷺ قَالَ: خُذ جَارِيَةً مِن السَّبيِ غَيرَهَا قَالَ: وَأَعتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا. ــ اسما للجيش معروفًا قبل ذلك. و(المكاتل): القفف والزنابيل. و (المرور): الحبال؛ لأنها تمرُّ؛ أي: تفتل، واحدها: مَرٌّ، كانوا يصعدون بها النخل، وقيل: هي المساحي. و(قوله: وأصبناها عنوة) يعني: أوَّل حصونهم، وسيأتي ما افتتح منها عنوة، وما افتتح منها صلحًا. و(قوله: فجاء دِحيَةُ فقال: يا رسول الله! أعطني جارية من السبي. فقال: (اذهب فخذ) فأخذ صفية. ثم ذكر استرجاع النبي ﷺ لصفية منه. قد ظنَّ بعض المتكلّمين على هذا الحديث: أن هذه العطية هبةٌ من النبي ﷺ لدحية، فأشكل عليه استرجاعه إيَّاها، فأخذ يعتذر عن هذا بأعذار. وهذا كله ليس بصحيح، ولا يحتاج إليه. وقد أزال إشكال هذه الرواية الروايات الآتية بعد التي ذكر فيها: أن صفية إنّما صارت لدحية في مَقسَمِه، وأن النبي ﷺ اشتراها منه بسبعة أرؤسٍ. وهذه الروايات المتفقة لا إشكال فيها. بل هي رافعة لما يتوهَّم من إشكال غيرها. ويبقى إشكال بين قوله: (خذ جارية من السَّبي) وبين قوله: (وإنها صارت إليه في مَقسَمِه) يزيله تقدير: إنه إنما أراد: (خذ) بطريق القسمة. وفهم ذلك دِحية بقرائن أو تصريح لم ينقله الراوي، فلم يأخذ دِحية شيئًا إلا بالقسمة. ثم إن النبي ﷺ حصل عنده أنها لا تصلح إلا له، من حيث إنها من بيت النبوَّة؛ فإنها من ولد هارون. ومن بيت الرئاسة؛ فإنها بنت سيد قريظة والنضير، مع ما كانت عليه من الجمال المراد

стр. 2152

فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: يَا أَبَا حَمزَةَ مَا أَصدَقَهَا؟ قَالَ: نَفسَهَا أَعتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، ــ لكمال اللذة الباعثة على كثرة النكاح المؤدية إلى كثرة النسل، وإلى جمال الولد. وهذا من فعله كما قد نبَّه عليه بقوله: (تخيَّروا لنطفكم) (١). وأيضًا: فمثل هذه تصلح أن تكون أمًّا للمؤمنين. وحذارِ من أن يظنَّ جاهل برسول الله ﷺ أن الذي حمله على ذلك غلبةُ الشهوة النفسانية، وإيثار اللَّذة الجسمانية؛ فإن ذلك اعتقاد يَجره جهلٌ بحال النبي ﷺ وبأنّه معصوم من مثل ذلك؛ إذ قد أعانه الله تعالى على شيطانه فأسلم، فلا يأمره إلا بخير. وقد نزع الله من قلبه حظَّ الشيطان، حيث شقَّ قلبه، فأخرجه منه، وطهَّره، وملأه حكمة وإيمانًا، كما تقدَّم في الإسراء (٢). وإنما الباعث له على اختيار ما اختاره من أزواجه ما ذكرت لك، وما في معناه، والله تعالى أعلم. و(قوله: أصدقها عتقها، أو نفسها) استدل بهذا طائفةٌ من أهل العلم على جواز جَعل العتق صداقًا. وبه قال الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو يوسف، وروي عن ابن المسيب، والحسن، والنخعي، والزهري. غير أن الشافعي يقول: هي بالخيار إذا أعتقها. فإن امتنعت فله عليها قيمتها. ومنع ذلك آخرون؛ منهم: مالك، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وزُفر؛ متمسِّكين باستحالة ذلك. ويتقرر ذلك من وجهين: أحدهما: أن عقدها على نفسها، إمَّا أن يقع قبل عتقها؛ وهو محال؛ لتناقض الحكمين: الحرَّية، والرِّق. فإن الحرية حكمها الاستقلال، والرِّق حكمه الجبر، وهو عدم الاستقلال. فهما متناقضان. وإمَّا بعد العِتق، وهو أيضًا محال؛ لزوال حكم الجبر عنها بالعتق، فيجوز ألا ترضى، وحينئذ لا تنكح إلا برضاها.

стр. 2153

حَتَّى إِذَا كَانَت بِالطَّرِيقِ جَهَّزَتهَا لَهُ أُمُّ سُلَيمٍ فَأَهدَتهَا لَهُ مِن اللَّيلِ، ــ وثانيهما: إنَّا إذا جعلنا العتق صداقًا، فإمَّا أن يتقرر العتق لها حالة رِقِّها، وهو محال؛ لتناقضهما، أو حال حُرِّيتها، وحينئذ يلزم بسبقيته على العقد، فيلزم وجود العتق حال فرض عدمه. وهو محال. وبيانه: أنَّ الصَّداق لا بدَّ أن يتقرر تقدمه على الزوج، إمَّا نصًّا، وإمَّا حُكمًا، حتى تملك الزوجة طلبته. وحينئذ يلزم ما ذكرناه، لا يقال يبطل بنكاح التفويض، فإنا قد تحررنا عنه بقولنا: وإمَّا حكمًا. فإنها وإن لم يتعين لها حالة العتق شيء، لكنها تملك مطالبته بالفرض وتعيين الصَّداق، لا سيما على مذهب الشافعي؛ فإن مرجعه عنده إلى صداق المثل في الحياة والموت. فقد ظهر أنها ثبت لها حالة العقد شيء تُطالب به الزّوج، ولا يتأتى مثل ذلك في العتق، فاستحال أن يكون صداقًا. ولَمَّا تقرَّر هذا عند أصحابنا اعتذروا عن قول أنس من أوجه: أحدها: إنَّه قوله، وموقوف عليه. والحجة في قول النبي ﷺ . وثانيها: إن ظاهر قوله: (أعتقها وتزوَّجها) أنه كان قد أعتقها ثم تزوَّجها بَعدُ. وهذا على ما قدمناه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَروَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ وقوله ﷺ : (أبدأ بما بدأ الله) (١) فبدأ بالصَّفا. وثالثها: إن قوله: (أصدقها نفسها) يحتمل أن يكون أنس لَمَّا لم ير صداقًا، وسُئل عنه، قال ذلك. ويعني به: أنه لم يصدقها شيئًا. ويكون هذا من خصوصياته ﷺ . ورابعها: إنه لو سلم كونه مرفوعًا نصًّا؛ فحينئذ يكون من خصائصه ﷺ في باب النكاح. وقد ظهرت له فيه خصائص كثيرة، والله تعالى أعلم. و(قوله: حتى إذا كانت بالطريق جهّزَتها له أُمُّ سُليم، وأهدتها له من الليل)

стр. 2154

فَأَصبَحَ النَّبِيُّ ﷺ عَرُوسًا فَقَالَ: مَن كَانَ عِندَهُ شَيءٌ فَليَجِئ بِهِ قَالَ: وَبَسَطَ نِطَعًا قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالأَقِطِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمنِ فَحَاسُوا حَيسًا فَكَانَت وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رواه أحمد (٣/ ١٨٦)، والبخاريُّ (٩٤٧)، ومسلم (١٣٦٥) (٨٤)، والنسائي (١/ ٢٧١). [١٤٨١] وعنه قَالَ: صَارَت صَفِيَّةُ لِدِحيَةَ فِي مَقسَمِهِ، وَجَعَلُوا يَمدَحُونَهَا عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: وَيَقُولُونَ: مَا رَأَينَا فِي السَّبيِ مِثلَهَا. قَالَ: فَبَعَثَ إِلَى دِحيَةَ فَأَعطَاهُ بِهَا مَا أَرَادَ. وفي رواية: ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى أُمِّي فَقَالَ: أَصلِحِيهَا. وفي رواية: فَاشتَرَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبعَةِ أَرؤُسٍ، ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى أُمِّ سُلَيمٍ تُصَنِّعُهَا، وَتُهَيِّئُهَا له، قَالَ: وَأَحسِبُهُ قَالَ: تَعتَدُّ فِي بَيتِهَا، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن خَيبَرَ، حَتَّى إِذَا جَعَلَهَا فِي ظَهرِهِ نَزَلَ، ثُمَّ ضَرَبَ عَلَيهَا القُبَّةَ، فَلَمَّا أَصبَحَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن كَانَ عِندَهُ فَضلُ زَادٍ فَليَأتِنَا ــ يعني: طريقَ رجوعه من خيبر إلى المدينة، كما جاء في الرواية الأخرى مفَسَّرًا. وكان بين سبائها وبين دخول النبي ﷺ بها زمان أسلمت فيه، واستبرئت، وأصلح حالها فيه، ثم دخل بها بَعدُ. ولذلك قال أنس في الرواية الأخرى: (ثم دفعها لأُمِّي تُصَنِّعُها، وتُهَيِّئُهَا، وتعتّدُ في بيتها) يعني: في بيت أم أَنس. و(قوله: حين أصبح عروسًا: (من كان عنده فضل زاد فليأتنا) دليل على مشروعية الوليمة، وأنَّها بعد الدُّخول. وعلى أنَّ العروس إذا لم يكن له بما يولم، طلب ممن ينبسط معه من أصحابه، ويختصُّ به منهم بما لا يثقل عليهم به مما يخف ويسهل، إذا علم حال أصحابه، وسخاوة أنفسهم بذلك، وطيب قلوبهم.

стр. 2155

بِهِ قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِفَضلِ التَّمرِ وَفَضلِ السَّوِيقِ، حَتَّى جَعَلُوا مِن ذَلِكَ سَوَادًا حَيسًا، فَجَعَلُوا يَأكُلُونَ مِن ذَلِكَ الحَيسِ، وَيَشرَبُونَ مِن حِيَاضٍ إِلَى جَنبِهِم مِن مَاءِ السَّمَاءِ. قَالَ أنس: فَكَانَت تِلكَ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيهَا، قَالَ: فَانطلقنَا حَتَّى إِذَا رَأَينَا جُدُرَ المَدِينَةِ هَشِشنَا إِلَيهَا، فَرَفَعنَا مَطِيَّنَا، وَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَطِيَّتَهُ قَالَ: وَصَفِيَّةُ خَلفَهُ قَد ــ و(قوله: فجعل الرجل يجيء بفضل التمر، وفضل السويق، حتى جعلوا من ذلك سوادًا حيسًا) يعني: جاء كل واحد منهم بما فضل عن حاجته مِمَّا كان عنده. وسواد الشيء: شخصه؛ يعني: أنه اجتمع من ذلك ما له جرمٌ وقدرٌ مرتفع عن الأرض. و (الحيس): تمرٌ، وأقط، وسمن مجتمعٌ، وقد تقدَّم. و(قوله في الأم (١): (فُحِصَتِ الأرض أفاحيص) أي: كشفت عما يمنع القعود عليها من حجارةٍ، وعُشب، وغير ذلك، وسوِّيت حتى خلص إلى التراب. ومنه: مفحص القطاة، وهو الموضع الذي تتخذه لبيضها. وواحد الأفاحيص: أفحوص. و(الأنطاع) جمع: نطع. وفيه أربع لغات: نِطَعٌ، وهي أفصحها. ونِطعٌ، ونَطعٌ، ونَطَعٌ. و(قوله: فانطلقنا حتى إذا رأينا جدر المدينة هششنا إليها) أي: اهتززنا فرحًا وسرورًا. وهذه فرحة القادم، السالم، الغانم؛ إذا وصل إلى وطنه وأهله. و(قوله: فرفعنا مطينا ورفع رسول الله ﷺ مطيته) أي: أجرينا، ورفعنا السير إلى غايته. و(قوله في الأم (٢): (ونَدَرَ رسول الله ﷺ ونَدَرَت) أي: صُرع وصُرعت؛ كما جاء في هذه الرواية مفسَّرًا. وأصل النُّدور: الخروج. ومنه قوله: نوادر الكلام.

стр. 2156

أَردَفَهَا، قَالَ: فَعَثَرَت مَطِيَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصُرِعَ وَصُرِعَت. قَالَ: فَلَيسَ أَحَدٌ مِن النَّاسِ يَنظُرُ إِلَيهِ وَلَا إِلَيهَا، حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَتَرَهَا قَالَ: فَأَتَينَاهُ فَقَالَ: لَم نُضَرَّ قَالَ: فَدَخَلنَا المَدِينَةَ، فَخَرَجَ جَوَارِي نِسَائِهِ يَتَرَاءَينَهَا، وَيَشمَتنَ بِصَرعَتِهَا. وفي رواية، قال: وَقَالَ النَّاسُ: لَا نَدرِي أَتَزَوَّجَهَا أَم اتَّخَذَهَا أُمَّ وَلَدٍ، قَالُوا: إِن حَجَبَهَا فَهِيَ امرَأَتُهُ، وَإِن لَم يَحجُبهَا فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ فَلَمَّا أَرَادَ أَن يَركَبَ حَجَبَهَا فَقَعَدَت عَلَى عَجُزِ البَعِيرِ، فَعَرَفُوا أَنَّهُ قَد تَزَوَّجَهَا، وذكر صرعتها نحوه. رواه أحمد (٣/ ١٩٥)، ومسلم (١٣٦٥) (٨٧ و ٨٨). ــ والنَّادر من النَّاس: الخارج عنهم بما فيه من الزيادة عليهم. وكون النَّاس امتنعوا من النظر إليهما إنما كان ذلك احترامًا وإجلالًا أن يقع بصرٌ على عورة منهما، فإنه كان قد انكشف منهما ما يستر. ألا ترى قوله: (فسترها)؟ و(قوله: لم نُضَرَّ) أي: لم يصبنا ضررٌ؛ إزالة لما غشيهم من التخوِّف عليه، وتسكينًا لنفرتهم، وتطييبًا لقلوبهم. و(قوله: فخرج جواري نسائه يتراءينها، ويشمتن بصرعتها) يعني: الصغارَ الأسنان، اللَّواتي لا ثبات لهن ولا حنكة عندهن. و(يتراءينها): ينظرن، ويتشوَّفن إليها. (ويشمتن بصرعتها) كأنهن سُرِرن بذلك. وهذا فعلٌ يتضمنه طباع الضرائر ومن يتعصّب لهن. و(قولهم: (إن حَجبها فهي امرأته، وإن لم يحجبها فهي أم ولد) هذا يدل على أنه ما كان أبان لهم أمرها، ولا أشهدهم على تزويجها. فيكون فيه دليل على جواز عقد النكاح من غير إشهاد، وبه قال الزهري ومالك، وأهل المدينة،

стр. 2157

[١٤٨٢] وعَنه، عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ تَزَوَّجَ صَفِيَّةَ، وَأَصدَقَهَا عِتقَهَا. رواه مسلم (١٣٦٥) (٨٥). [١٤٨٢/م] وقد تقدم حديث أبي موسى فِي الَّذِي يُعتِقُ جَارِيَتَهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا لَهُ أَجرَانِ. رواه أحمد (٤/ ٤١٥)، ومسلم (١٥٤) (٨٦)، والترمذيُّ (٢٣٨٤). * * * ــ وأبو ثور، وجماعة من السَّلف. وذهب آخرون: إلى أنَّه لا يجوز إلا بشاهدي عدل. وهو قول جماعة من الصَّحابة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد. وقال أبو حنيفة مثله، إلا أنه لا يشترط العدد. واتفق الجميع على أنه شرطٌ في الدُّخول. وعلى هذا فيكون دخوله ﷺ بصفيّة من غير إشهادٍ من خصائصه. ولم يختلف أحدٌ من العلماء في أن كل نكاح استسرَّ به وليس فيه شاهدان أنَّه نكاح السرّ المنهيّ عنه، ويُفسخ أبدًا. واختلفوا فيما إذا استسرَّ مع الشاهد، فذهب الجمهور إلى أنه ليس بنكاح سرٍّ، ولا يُفسخ. وهو عند مالك نكاح سرٍّ، ويُفسخ. و(قوله في حديث أبي موسى في الذي يعتق جاريته ثم يتزوجها: (له أجران) دليلٌ على صحته، وفضيلته، خلافًا لمن كره ذلك من أهل العراق. وشَبَّهَهُ بركوب بدنته. وهو قياسٌ في مقابلة النصّ المذكور، فهو فاسد الوضع، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 2158

(١٢) باب تزويج زينب ونزول الحجاب [١٤٨٣] عَن أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا انقَضَت عِدَّةُ زَينَبَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِزَيدٍ: فَاذكُرهَا عَلَيَّ، فَانطلق زَيدٌ حَتَّى أَتَاهَا وَهِيَ تُخَمِّرُ عَجِينَهَا قَالَ: فَلَمَّا رَأَيتُهَا عَظُمَت فِي صَدرِي حَتَّى مَا أَستَطِيعُ أَن أَنظُرَ إِلَيهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَهَا، فَوَلَّيتُهَا ظَهرِي، وَنَكَصتُ عَلَى عَقِبِي فَقُلتُ: ــ (١٢) ومن باب: تزويج النبي ﷺ زينب ﵂ (قول أنس: لما انقضت عدَّة زينب) يعني من طلاق زيد بن حارثة؛ الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَإِذ تَقُولُ لِلَّذِي أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيهِ وَأَنعَمتَ عَلَيهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنهَا وَطَرًا زَوَّجنَاكَهَا﴾ الآية. وقد ذكرنا في كتاب الإيمان الصحيح من أقوال العلماء في هذه الآية. و(قوله ﷺ لزيد: فاذكرها عليَّ) أي: اخطبها لي. هو امتحان لزيد، وابتلاء له، حتى يظهر صبره، وانقياده، وطوعه. و(تخمير العجين): جعل الخمير فيه، وتركه إلى أن يطيب. و(قوله: فلمَّا رأيتها عظمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول الله ﷺ ذكرها) بفتح (أن) لا غير؛ لأنها في معنى: (لأن) أو: من أجل أنَّ. وهي معمولة لـ (عظمت) ومعناه: أنَّه لما خطبها النبي ﷺ وعلم زيدٌ أنّها صالحة لأن تكون من أزواج النبي ﷺ ومن أمّهات المؤمنين؛ حصل لها في نفسه صورة أخرى، وإجلال زائد على ما كان لها عنده في حال كونها زوجته. وتوليته إيَّاها ظهره: مبالغة في التَّحرز من رؤيتها، وصيانة لقلبه من التعلّق بها. على أنَّ الحجاب إذ ذاك لم يكن مشروعًا بَعدُ، على ما يدلّ عليه بقية الخبر. و(قوله: ونكصت على عقبي) أي: رجع خلفه، وقهقر إليها حتى سمع

стр. 2159

يَا زَينَبُ أَرسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذكُرُكِ قَالَت: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيئًا حَتَّى أُؤَامِرَ رَبِّي، فَقَامَت إِلَى مَسجِدِهَا. وَنَزَلَ القُرآنُ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَدَخَلَ عَلَيهَا بِغَيرِ إِذنٍ قَالَ: فَقَالَ: وَلَقَد رَأَيتُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَطعَمَنَا الخُبزَ، وَاللَّحمَ حِينَ امتَدَّ النَّهَارُ، فَخَرَجَ النَّاسُ، وَبَقِيَ رِجَالٌ يَتَحَدَّثُونَ فِي البَيتِ بَعدَ الطَّعَامِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاتَّبَعتُهُ، فَجَعَلَ يَتَبَّعُ حُجَرَ نِسَائِهِ يُسَلِّمُ عَلَيهِنَّ، وَيَقُلنَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيفَ وَجَدتَ أَهلَكَ؟ قَالَ: فَمَا أَدرِي أَنَا أَخبَرتُهُ أَنَّ القَومَ قَد خَرَجُوا، أَو أَخبَرَنِي قَالَ: فَانطلق حَتَّى دَخَلَ البَيتَ ــ حديثها، فلمَّا أخبرها قالت: (حتى أؤامر ربي) أي: أستخيره، وأنظر أمره علي على لسان رسول الله ﷺ فلمَّا وَكَلَت أمرَها إلى الله، وصحَّ تفويضُها إليه؛ تولّى الله تعالى إنكاحها منه ﷺ ولم يحوجها إلى وليٍّ يتولى عقد نكاحها؛ ولذلك قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنهَا وَطَرًا زَوَّجنَاكَهَا﴾ ولما أعلمه الله تعالى بذلك؛ دخل عليها بغير وليٍّ (١)، ولا تجديد عقد، ولا تقرير صداق، ولا شيء مما يكون شرطًا في حقوقنا، ومشروعًا لنا. وهذا من خصوصياته ﷺ اللاتي لا يشاركه فيها أحدٌ بإجماع المسلمين. و(قوله: ولقد رأيتنا أن رسول الله ﷺ أطعمنا الخبز واللحم حين (٢) امتد النهار) أي: ارتفع واشتدَّ ضحاؤه. وهذه الوليمة التي أولم فيها بالشاة، كما جاء في الرواية الأخرى. وفي خروجه من البيت، وترك المتحدثين على حالهم، ولم يهجُهم: ما يدلُّ على كرم أخلاقه، وحسن معاملته، وكثرة حيائه، وإن يتحمل فيه مشقةً ومخالفةَ مقصده.

стр. 2160

فَذَهَبتُ أَدخُلُ مَعَهُ، فَأَلقَى السِّترَ بَينِي وَبَينَهُ، وَنَزَلَ الحِجَابُ، قَالَ: وَوُعِظَ القَومُ بِمَا وُعِظُوا بِهِ. وفي رواية: فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَن يُؤذَنَ لَكُم﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُم كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ رواه أحمد (٣/ ١٩٥)، ومسلم (١٤٢٨) (٨٧ م)، والنّسائي (٦/ ٧٩). ــ ودورانه على حجر نسائه تفَقُّد لأحوالهن، وجبر لقلوبهن، واستدعاء لما عندهنّ من أحوال قلوبهن؛ لأجل تزويجه؛ ولذلك استلطفنه بقولهن: كيف وجدت أهلك يا رسول الله؟ ! وصدور مثل هذا الكلام عنهن في حال ابتداء اختصاص الضرة الداخلة به يدلُّ على قوة عقولهن، وصبرهن، وحسن معاشرتهنَّ، وإلَاّ فهذا موضع الطيش والخفة للضرائر، لكنَّهنَّ طيِّبَات لطيِّبٍ. و(قوله: ونزل الحجاب، ووُعِظ القوم بما وعظوا به) يعني: أنَّه نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَن يُؤذَنَ لَكُم﴾ الآية، كما جاء في الرواية الأخرى. و﴿نَاظِرِينَ﴾ منتظرين. و ﴿إِنَاهُ﴾: وقتَ نضجه، وهو مقصورٌ، وفيه لغات. يقال: إنًا، وأنًا - بكسر الهمزة وفتحها -، وإناء: بالمد والهمز. ﴿وَلا مُستَأنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ من الأنس بالشيء، وهو معطوف على ﴿نَاظِرِينَ﴾ ﴿وَاللَّهُ لا يَستَحيِي مِنَ الحَقِّ﴾؛ أي: لا يمتنع من بيانه، وإظهاره. و(المتاع): ما يُتمتَّعُ به من العواري والجواري. و﴿أَطهَرُ لِقُلُوبِكُم وَقُلُوبِهِنَّ﴾؛ أي: أنقى للشهوة، والرَّيب، وتقولات المنافقين، وأذاهم. و(قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُم أَن تُؤذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَن تَنكِحُوا أَزوَاجَهُ مِن بَعدِهِ أَبَدًا﴾؛ أي: ما ينبغي، ولا يحل، ولا يجوز شيء من ذلك بوجهٍ من الوجوه.

стр. 2161

[١٤٨٤] وعنه قَالَ: مَا رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَولَمَ عَلَى امرَأَةٍ مَا أَولَمَ عَلَى زَينَبَ فَإِنَّهُ ذَبَحَ شَاةً. وفي رواية: قال ثابت: ثمَ أَولَمَ؟ قَالَ: أَطعَمَهُم خُبزًا وَلَحمًا حَتَّى تَرَكُوهُ. رواه البخاريُّ (٥١٦٨)، ومسلم (١٤٢٨) (٩٠)، وأبو داود (٣٧٤٣)، وابن ماجه (١٩٠٨). * * * ــ ويقال: إن هذه الآية نزلت لَمَّا قال بعضهم - وقد تكلَّم مع زوجة من زوجات النبي ﷺ : لأتزوجنَّ بها بَعدَه؛ فأنزل الله الآية. وقد حكي هذا القول عن بعض فضلاء الصحابة. وحاشاهم عن مثله. وإنما الكذب في نقله. وإنما يليق مثل هذا القول بالمنافقين الجُهَّال. وقد صرَّح أنس في هذا الحديث بأن الحجاب إنما نزل بسبب ما جرى. وقد جاء في الصحيح: أن عمر ﵁ كان قد ألَحَّ على النبي ﷺ في أن يحجب نساءه. وكان يقول له: (احجب نساءك، فإنهن يراهن البَرُّ والفاجر). وكان يقول لسودة إذا خرجت: (قد عرفناك (١) يا سودة) حرصًا على الحجاب؛ فأنزل الله تعالى آية الحجاب. ولا بُعدَ في نزول الآية عند اجتماع هذه الأسباب كلّها، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 2162

(١٣) باب الهدية للعروس في حال خلوته [١٤٨٥] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَدَخَلَ بِأَهلِهِ قَالَ: فَصَنَعَت أُمِّي أُمُّ سُلَيمٍ حَيسًا فَجَعَلَتهُ فِي تَورٍ فَقَالَت: يَا أَنَسُ اذهَب بِهَذَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُل: بَعَثَت بِهَذَا إِلَيكَ أُمِّي، وَهِيَ تُقرِئُكَ السَّلَامَ وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَذَهَبتُ بِهَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلتُ: إِنَّ أُمِّي تُقرِئُكَ السَّلَامَ وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ فَقَالَ: ضَعهُ ثُمَّ قَالَ: اذهَب فَادعُ لِي فُلَانًا وَفُلَانًا، وَمَن لَقِيتَ - وَسَمَّى رِجَالًا - قَالَ: فَدَعَوتُ مَن سَمَّى وَمَن لَقِيتُ. قَالَ: قُلتُ لِأَنَسٍ: عَدَدَ كَم كَانُوا؟ قَالَ: زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةٍ وَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا أَنَسُ هَاتِ التَّورَ قَالَ: فَدَخَلُوا حَتَّى امتَلَأَت الصُّفَّةُ وَالحُجرَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ــ (١٣) ومن باب: الهدية للعروس (قوله: فدخل بأهله) يعني بالأهل: زينب؛ كما نبَّه البخاري وغيره عليه. و (التَّور): آنية من حجارة كالقَدَح. وفيه أبواب من الفقه؛ منها: إدخال السرور على العروس بالإهداء إليه، والقيام عنه ببعض الكلف؛ لكونه مشتغلًا (١) بغيرها. وهو نحو مما يستحبُّ من الإهداء لأهل الميت. وفيه: تعيين مرسل الهدية، والاعتذار عن القليل، وإبلاغ السلام، واستدعاء المعيّن وغير المعيّن، وبالواسطة المفوَّض إليه في ذلك. وقد قال بعض علمائنا: إنه إذا لم يُتعيّن المدعو لم تجب عليه إجابة. وفيه: ما ظهر من معجزات رسول الله ﷺ ومن بركاته. و(قوله: زهاء ثلاثمائة) أي: مقدارها. و (الصُّفَّة): السقيفة. و (الحجرة):

стр. 2163

لِيَتَحَلَّق عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ، وَليَأكُل كُلُّ إِنسَانٍ مِمَّا يَلِيهِ قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا قَالَ: فَخَرَجَت طَائِفَةٌ وَدَخَلَت طَائِفَةٌ حَتَّى أَكَلُوا كُلُّهُم، فَقَالَ لِي: يَا أَنَسُ ارفَع قَالَ: فَرَفَعتُ، فَمَا أَدرِي حِينَ وَضَعتُ كَانَ أَكثَرَ أَم حِينَ رَفَعتُ، قَالَ: وَجَلَسَ منهم طَوَائِفُ يَتَحَدَّثُونَ فِي بَيتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَزَوجَتُهُ مُوَلِّيَةٌ وَجهَهَا إِلَى الحَائِطِ، فَثَقُلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وذكر نحوا مما تقدم. وفي رواية قال: وَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلَى الطَّعَامِ، فَدَعَا فِيهِ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَن يَقُولَ، وَلَم أَدَع أَحَدًا لَقِيتُهُ إِلَّا دَعَوتُهُ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا. وذكر نحوه. رواه أحمد (١/ ١٨١)، ومسلم (١٤٢٨) (٩٤) و (٩٥)، والنسائيُّ (٦/ ١٣٦). * * * ــ الدَّار التي كانت لسكناه. وسميت حجرةً؛ لأنها محجورة؛ أي: محاط بها. وفيه من آداب الأكل: بيان أكثر ما يجتمع على القصعة، وهم عشرة. وبيان الأكل مما يلي الآكل؛ إذا كان الطعام نوعًا واحدًا. و(قوله: وجلس منهم طوائف يتحدَّثون. . .) إلى آخر ما ذكر في الرواية التي قبل هذه؛ هذا يدلُّ على أن القصَّة في الروايتين واحدة، غير أنَّه ذكر في الأولى: أنَّه أولم بشاة، وأنَّه أطعمهم خبزًا ولحما حتى شبعوا، ولم يذكر فيها آيته في تكثير الطعام، وذكر في هذه الرِّواية: أنَّه أشبعهم من الحَيس الذي بعثت به أم سُلَيم في التور، وفيه كانت الآية. فقال القاضي عياض: هو وَهمٌ من بعض الرِّواة، وتركيب قصة على أخرى. قلت: وأولى من هذا أن يقال: إن القضيَّة واحدة، وليس فيها وَهم؛ فإنَّه

стр. 2164

(١٤) باب إجابة دعوة النكاح [١٤٨٦] عن ابنَ عُمَرَ قُالُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعوَةَ إِذَا دُعِيتُم، قَالَ: وَكَانَ عَبدُ اللَّهِ يَأتِي الدَّعوَةَ فِي العُرسِ وَغَيرِ العُرسِ، وَيَأتِيهَا وَهُوَ صَائِمٌ. رواه البخاري (٥١٧٩)، ومسلم (١٤٢٩) (١٠٣). ــ يمكن أن يقال: اجتمع في تلك الوليمة الأمران، فأكل قوم الخبز واللحم حتى شبعوا وانصرفوا. ثم إنَّه لما جاءه الحَيس استدعى الناس وجرى ما ذكر. وهذا كلُّه والمتحدِّثون في بيته جلوسٌ لم يبرحوا إلى أن خرج النبي ﷺ ودار على بيوت أزواجه على ما تقدَّم. وليس في تقدير هذا بُعدٌ، ولا تناقض. وإذا أمكن هذا حملناه عليه، وكان أولى من تطريق الوهم للثقات والأثبات، من غير ضرورة تدعو إليه، ولا أمر بيِّنٍ يدلُّ عليه. والله تعالى أعلم. (١٤) ومن باب: إجابة دعوة النكاح (قوله: أجيبوا هذه الدعوة) قد تقدَّم القول (١) في الوليمة، وفي الأمر بها. والكلام هنا في حكم إجابتها. (الدَّعوة) - بفتح الدال - في الطعام وغيره، والدِّعوة - بالكسر- في النَّسب. ومن العرب من عكس (٢). قال عياض: لم يختلف العلماء في وجوب الإجابة في وليمة العرس. واختلفوا فيما عداها. فمالك وجمهورهم على أنها لا تجب. وذهب أهل الظاهر إلى وجوبها في كل دعوة: عرسا كانت أو غيرها.

стр. 2165

[١٤٨٧] وعَنه أَنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُم إِلَى وَلِيمَةِ عُرسٍ فَليُجِب. وفي لفظ آخر: إِذَا دَعَا أَحَدُكُم أَخَاهُ فَليُجِب عُرسًا كَانَ أَو نَحوَهُ. وفي رواية: إِذَا دُعِيتُم إِلَى كُرَاعٍ فَأَجِيبُوا. رواه البخاريُّ (٥١٧٩)، ومسلم (١٤٢٩) (٩٨ و ١٠٠ و ١٠٤). [١٤٨٨] وعَن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُم إِلَى طَعَامٍ فَليُجِب، فَإِن شَاءَ طَعِمَ وَإِن شَاءَ تَرَكَ. ــ قلت: ومعتمد أهل الظاهر في التسوية بين الوليمة وغيرها في وجوب إتيان الوليمة وغيرها؛ مُطلق أوامر هذا الباب؛ لقوله: (إذا دعيتم فأجيبوا) (وإذا دعا أحدكم أخاه فليجب، عرسًا كان أو نحوه). و(قول أبي هريرة: فقد عصى الله ورسوله). وكأنَّ الجمهور صرفوا هذه المطلقات إلى وليمة العرس؛ لقوله: (أجيبوا هذه الدَّعوة) يعني: وليمة العرس، كما جاء في الرواية الأخرى: (إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس) ويعتضد هذا بالنظر إلى المقصود من الوليمة ومن غيرها. فإنَّ الوليمة يحصل فيها إشاعة النكاح، وإعلانه. وهو مقصود مهمٌّ للشرع. وليس ذلك موجودًا في غيرها، فافترقا. وكلُّ هذا: ما لم يكن في الدعوة منكر، فإن كان، فلا يجوز حضورها عند كافة العلماء. وقد شذَّ أبو حنيفة، وبعضهم، فقالوا: بجواز الحضور. فأما لو كان هناك لَعِبٌ مباح، أو مكروهٌ، فالأكثر على جواز الحضور، وعندنا فيه قولان. وكره مالك لأهل الفضل والهيئات التسرع لإجابة الدَّعوات، وحضور مواضع اللهو المباح. و(قوله: فإن شاء طعم، وإن شاء ترك) هذا صريح في أن الأكل في الوليمة

стр. 2166

رواه مسلم (١٤٣٠)، وأبو داود (٣٧٤٠)، وابن ماجه (١٧٥١). [١٤٨٩] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُم فَليُجِب، فَإِن كَانَ صَائِمًا فَليُصَلِّ، وَإِن كَانَ مُفطِرًا فَليَطعَم. رواه مسلم (١٤٣١)، وأبو داود (٣٧٤٢)، والترمذيُّ (٧٨١). [١٤٩٠] وعَنه أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: بِئسَ الطَّعَامُ طَعَامُ الوَلِيمَةِ يُدعَى لَهِ الأَغنِيَاءُ، وَيُترَكُ المَسَاكِينُ، فَمَن لَم يَأتِ الدَّعوَةَ، فَقَد عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وفي رواية مرفوعا إلى النبي ﷺ : شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ يمنعها ــ ليس بواجب، وهو مذهب الجمهور. ولأهل الظاهر في الوجوب قولان في الوليمة وغيرها. وقال الشافعي: إذا كان مفطرًا أكل، وإن كان صائمًا دعا، أخذًا بالحديث. ويظهر من هذا: أن الأكل أولى من التَّرك عندهم. وهو الحاصل من مذاهب العلماء؛ لما فيه من إدخال السُّرور، وحسن المعاشرة، وتطييب القلوب، ولما في تركه من نقيض ذلك. وهذا كله ما لم يكن في الطعام شبهة، أو تلحق فيه مِنَّة، أو قَارَنَه منكر. فلا يجوز الحضور، ولا الأكل. ولا يختلف فيه. و(قوله: إن كان صائمًا فليصل) معناه: فليدع. وهو تأويل الجمهور. وقد جاء مفسَّرًا في بعض الروايات: (فَليَدعُ) مكان (فليُصَلِّ) (١). وفيه دليل لمالك على قوله: إن من شرع في الصوم لم يجز له أن يفطر في أضعافه (٢)، على ما تقدَّم في باب الصوم. و(قوله: بئس الطعام طعام الوليمة) وفي رواية: (شرُّ الطعام) بدل (بئس).

стр. 2167

من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله. رواه البخاريُّ (٥١٧٧)، ومسلم (١٤٣٢)، وأبو داود (٣٧٤٢). * * * ــ أكثرُ الرواة والأئمة على رواية هذا الحديث موقوفًا على أبي هريرة. وقد انفرد برفعه زياد بن سعد عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: (شرُّ الطَّعام. . .) وذكره. وهو ثقة إمام، وأيضًا فمن وقفه ذكر فيه ما يدلُّ: على أنه مرفوع؛ وذلك أنه قال فيه: (ومن لم يجب الدَّعوة فقد عصى الله ورسوله) (١) وظاهر هذا: الرفعُ؛ لأنَّ الرَّاوي لا يقول مثل هذا من قِبَل نفسه. وقد تبيّن في سياق الحديث أنَّ الجهة التي يكون فيها طعام الوليمة شرُّ الطعام: إنما هي ترك الأَولى. وذلك: أن الفقير هو المحتاج للطعام؛ الذي إن دُعي سارعَ وبادرَ، ومع ذلك فلا يُدعَى. والغنيُّ غير محتاج، ولذلك قد لا يجيب، أو تثقل عليه الإجابة، ومع ذلك فهو يدعى، فكان العكس أولى. وهو: أن يُدعى الفقير، ويُترك الغني. ولا يُفهم من هذا القول - أعني: الحديث -: تحريم ذلك الفعل؛ لأنه لا يقول أحد بتحريم إجابة الدعاء للوليمة فيما علمته؛ وإنما هذا مثل قوله ﷺ : (شرُّ صفوف الرِّجال آخرها، وخيرها أولها، وشرُّ صفوف النساء أولها، وخيرها آخرها) (٢) فإنَّه لم يقل أحد: إن صلاة الرجل في آخر صف حرام، ولا صلاة النساء في أول صف حرام. وإنَّما ذلك من باب ترك الأولى. كما قد يقال عليه: مكروه، وإن لم يكن مطلوب الترك، على ما يُعرَف في الأصول. فإذًا الشرُّ المذكور هنا: قلةُ الثواب والأجر. والخير: كثرة الثواب والأجر.

стр. 2168

(١٥) باب في قوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم) الآية وما يقال عند الجماع (١٤٣٥) [١٤٩١] عن جَابِرً بن عبد الله قُالُ: كَانَت اليَهُودُ تَقُولُ: إِذَا أَتَى ــ ولذلك كره العلماء اختصاص الأغنياء بالدَّعوة. ثم اختلفوا فيمن فعل ذلك: هل تجاب دعوته أم لا؟ فقال ابن مسعود: لا تجاب. ونحوه يحيى بنُ حبيب من أصحابنا (١). وظاهر كلام أبي هريرة وجوب الإجابة. ودعا ابن عمر في وليمة: الأغنياء والفقراء، فأجلس الفقراء على حِدَة؛ وقال: ها هنا، لا تفسدوا عليهم ثيابهم، فإنا سنطعمكم مما يأكلون. ومقصود هذا الحديث: الحضُّ على دعوة الفقراء، والضعفاء، ولا تقصر الدعوة على الأغنياء، كما يفعل مَن لا مبالاة عنده بالفقراء من أهل الدنيا، والله تعالى أعلم. (١٥) ومن باب: قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُم حَرثٌ لَكُم﴾ حديث جابر هذا نصٌّ على أن هذه الآية نزلت بسبب قول اليهود المذكور فيه. وفي كتاب أبي داود عن ابن عباس: أنها نزلت بسبب أن رجلًا من المهاجرين تزَوَّج أنصارية، فأراد أن يطأها شَرحًا (٢) على عادتهم في وطء نسائهم فأبت إلا على

стр. 2169

الرَّجُلُ امرَأَتَهُ مِن دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا كَانَ الوَلَدُ أَحوَلَ فَنَزَلَت: نِسَاؤُكُم حَرثٌ لَكُم فَأتُوا حَرثَكُم أَنَّى شِئتُم. ــ جنب على عادتهن، فاختصما إلى النبي ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُم حَرثٌ لَكُم فَأتُوا حَرثَكُم أَنَّى شِئتُم﴾ (١)؛ أي: مُقبِلات، ومُدبرات، ومُستلقيات؛ يعني بذلك موضع الولد. قلت: هذان سببان مختلفان، لا بُعدَ في نزول الآية جوابًا للفريقين في وقت واحد، وتكرَّر نزول الآية في وقتين مختلفين، كما قد روي عن غير واحد من النقلة في الفاتحة: أنها تكرر نزولها بمكة والمدينة. وقد تمسَّك طائفة بعموم لفظ: ﴿أَنَّى شِئتُم﴾ ورأوا أنَّها متناولة لقُبُلِ المرأة ودُبُرِها. فأجازوا وطء المرأة في دبرها. وممن نُسب إليه هذا القول سعيد بن المسيِّب، ونافع، وابن الماجشون من أصحابنا. وحكي عن مالك في كتاب يُسمَّى: كتاب السرّ، ونسب الكتاب إلى مالك، وحذاق أصحابه ومشايخهم ينكرونه. وقد حكى العُتبِيُّ (٢) إباحة ذلك عن مالك. وأظنه من ذلك الكتاب المنكر نَقل. وقد تواردت روايات أصحاب مالك عنه بإنكار ذلك القول وتكذيبه لمن نقل ذلك عنه. وقد حكينا نصَّ ما نقل عن مالك من ذلك في جزء كتبناه في هذه المسألة سَمَّيناه: إظهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار، وذكرنا فيه غاية أدلة الفريقين، ومتمسكاتهم من الكتاب والسنة على طريقة التحقيق، والتحرير، والنقل، والتحبير. ومن وقف على ذلك قضى منه العَجب العُجاب، وعلم أنه لم يكتب مثله في هذا الباب. وجمهور السلف، والعلماء، وأئمة الفتوى على تحريم ذلك. ثم نقول: لا متمسك للمبُيحين في الآية لأوجه متعددة؛ أقربها ثلاثة أمور:

стр. 2170

زاد في رواية عَن الزُّهرِيِّ إِن شَاءَ مُجَبِّيَةً، وَإِن شَاءَ غَيرَ مُجَبِّيَةٍ غَيرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ. رواه البخاريُّ (٤٥٢٨)، ومسلم (١٤٣٥)، وأبو داود (٢١٦٣)، والترمذي (٢٩٨٢). ــ أحدها: أنها نزلت جوابًا لما ذكر، فيقتصر على نوع ما نزلت جوابًا له، فإنهم سألوا عن جواز الوطء في الفرج من جهات متعددة، فأجيبوا بجوازه. وأنى على عمومها في جهات المسلك الواحد، لا في المسالك. وثانيها: أن قوله تعالى: ﴿فَأتُوا حَرثَكُم أَنَّى شِئتُم﴾ تعيين للقُبُلِ؛ فإنَّه موضع الحَرث، فإنَّ الحرث إنَّما يكون في موضع البذر. وكذلك قال مالك لابن وهب، وعلي بن زياد لَمَّا أخبراه: أن ناسًا بمصر يتحدثون عنه: أنه يجيز ذلك، فنفر من ذلك، وبادر إلى تكذيب الناقل. فقال: كذبوا عليَّ، كذبوا عليَّ، كذبوا عليَّ، ثم قال: ألستم قومًا عربًا؟ ألم يقل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُم حَرثٌ لَكُم﴾؟ وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت؟ ! . وثالثها: أنَّه لو سُلِّم أنَّ أَنَّى شاملة للمسالك بحكم عمومها، فهي مخصَصَّةٌ بأحاديث صحيحة، ومشهورة، رواها عن رسول الله ﷺ اثنا عشر صحابيًّا بمتون مختلفة، كلّها متواردةٌ على تحريم وطء النساء في الأدبار. ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرقها في جزء سَمَّاه: تحريم المحل المكروه. ومن أراد في هذه المسألة زيادة على ما ذكرناه فليطالع الجزء المذكور؛ الذي ألَّفناه. و(قوله: مُجبيَةً وغير مُجبيَةٍ) أي: على وجهها. وقد يقال: (مجبية) على ما إذا وضعت يديها على ركبتيها؛ حكاهما أبو عبيد. و(قوله: غير أن ذلك في صمام واحد) -بالصاد المهملة -؛ أي: في جُحرٍ

стр. 2171

[١٤٩٢] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَو أَنَّ أَحَدَهُم إِذَا أَرَادَ أَن يَأتِيَ أَهلَهُ قَالَ: بِسمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبنَا الشَّيطَانَ، وَجَنِّب الشَّيطَانَ مَا رَزَقتَنَا، فَإِنَّهُ إِن يُقَدَّر بَينَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَم يَضُرَّهُ شَيطَانٌ أَبَدًا. رواه أحمد (١/ ٢٨٦)، والبخاريُّ (١٤١) و (٣٢٨٣)، ومسلم (١٤٣٤)، وأبو داود (٢١٦١)، والترمذيُّ (١٠٩٢)، والنَّسائي في عمل اليوم والليلة (٢٦٦)، وابن ماجه (١٩١٩). * * * ــ واحدٍ؛ يعني به: القُبُل. وأصل الصمام هو: ما تسدُّ به القارورة. و(قوله: لو أن أحدهم إذا أتى أهله. . .) وذكر الحديث إلى قوله: (لم يضُرَّهُ شيطان أبدًا) قيل: معنى لم يضره: لم يصرَعه الشيطانُ. وقيل: لا يطعن فيه الشيطان عند ولادته، ويطعن في خاصرةِ مَن لا يقال له ذلك. قال القاضي: ولم يحمله أحد على العموم في جميع الضرر والإغواء والوسوسة. قلت: أمَّا قصره على الصرع وحده، فليس بشيء؛ لأنه تَحَكُّمٌ بغير دليل، مع صلاحية اللفظ له ولغيره. وأمَّا القول الثاني ففاسدٌ بدليل قوله ﷺ : (كل مولود يطعن الشيطان في خاصرته إلا ابن مريم، فإنَّه جاء يريد أن يطعنه فطعن في الحجاب) (١) هذا يدلُّ على أن الناجي من هذا الطعن إنما هو عيسى وحده ﵇؛ وذلك لخصوص دعوة أم مريم، حيث قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ثم إن طعنه ليس بضرر، ألا ترى أنه قد طعن كثيرًا من الأولياء والأنبياء، ولم يضرهم ذلك. ومقصود هذا الحديث - والله تعالى أعلم -: أنَّ الولد الذي يقال له ذلك يُحفَظُ من إضلال الشيطان وإغوائه، ولا يكون للشيطان عليه

стр. 2172

(١٦) باب تحريم امتناع المرأة على زوجها إذا أرادها، ونشر أحدهما سر الآخر [١٤٩٣] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا مِن رَجُلٍ يَدعُو امرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهَا، فَتَأبَى عَلَيهِ إِلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيهَا، حَتَّى يَرضَى عَنهَا. ــ سلطان؛ لأنه يكون من جملة العباد المحفوظين، المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطَانٌ﴾ وذلك ببركة نيَّة الأبوين الصالحين، وبركة اسم الله تعالى، والتعوُّذ به، والالتجاء إليه. وكأنَّ هذا شِوب (١) من قول أم مريم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ولا يُفهم من هذا نفي وسوسته، وتشعيثه، وصرعه. فقد يكون كلُّ ذلك، ويحفظ الله تعالى ذلك الولد من ضرره في: قلبه، ودينه، وعاقبة أمره، والله تعالى أعلم. (١٦) ومن باب: تحريم امتناع المرأة على زوجها (قوله: والذي نفسي بيده) هو قسم بالله تعالى؛ أي: والذي هو مالك نفسي، أو قادرٌ عليها. ففيه دليل: على أن الحلف بالألفاظ المبهمة المراد بها: اسم الله تعالى، يمين جائزة، حكمها حكم الأسماء الصريحة على ما يأتي. و(قوله: ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها، فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها) دليل على تحريم امتناع المرأة على زوجها إذا أرادها. ولا خلاف فيه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ والمرأة في ذلك بخلاف الرَّجل، فلو دعت المرأة زوجها إلى ذلك لم يجب عليه

стр. 2173

وفي لفظ آخر: إِذَا بَاتَت المَرأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوجِهَا لَعَنَتهَا المَلَائِكَةُ حَتَّى تُصبِحَ. رواه البخاري (٥١٩٣)، ومسلم (١٤٣٦)، وأبو داود (٢١٤١)، والنسائي (٨٤) في عشرة النساء. [١٤٩٤] وعن أَبي سَعِيدٍ الخدري قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ مِن شَرِّ النَّاسِ عِندَ اللَّهِ مَنزِلَةً يَومَ القِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفضِي إِلَى امرَأَتِهِ، وَتُفضِي إِلَيهِ، ثُمَّ يَنشُرُ سِرَّهَا. ــ إجابتها، إلَاّ أن يقصد بالامتناع مضارَّتها، فيحرم عليه ذلك. والفرق بينهما: أن الرَّجل هو الذي ابتغى بماله، فهو المالك للبضع. والدرجة التي له عليها هي السلطنة التي له بسبب ملكه. وأيضًا: فقد لا ينشطُ الرَّجل في وقت تَدعُوه، فلا ينتشر، ولا يتهيأ له ذلك، بخلاف المرأة. و(قوله: الذي في السماء) ظاهره: أن المراد به: الله تعالى؛ ويكون معناه بمعنى قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَن فِي السَّمَاءِ﴾ وقد تكلمنا عليه في كتاب الصلاة. ويحتمل أن يراد به هنا: الملائكة. كما جاء في الرواية الأخرى: (إلا لعنتها الملائكة حتى تُصبح). و(قوله: إن من شرِّ النَّاس منزلة الرَّجل يفضي إلى امرأته، ثم ينشر سرها) وقد تقدَّم الكلام على لفظي (شر) و (خير) وأنهما يكونان للمفاضلة، وغيرها. و (شر) هنا للمفاضلة؛ بمعنى: (أشر) وهو أصلها. و (من) هنا: زائدة على (شر). و(يفضي): يصل، وهو كناية عن الجماع، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَد أَفضَى بَعضُكُم إِلَى بَعضٍ﴾ و (سرّها): نكاحها، كما قال (١):

стр. 2174

وفي لفظ آخر: إِنَّ مِن أَعظَمِ الأمانَةِ عِندَ اللَّهِ يَومَ القِيَامَةِ الرَّجُلَ. . . ثم ذكره. وفي رواية: إِنَّ أَعظَمِ. بإسقاط من. رواه مسلم (١٤٣٧) (١٢٣) و (١٢٤)، وأبو داود (٤٨٧٠). ــ ولا تنظرنَّ جارةً إنَّ سِرَّها ... عليك حرامٌ فانكِحَن أو تَأَبَّدا وكني به عن النكاح لأنه يفعل في السرّ. ومقصود هذا الحديث هو: أن الرجل له مع أهله خلوة، وحالة يَقبُحُ ذِكرُها، والتحدُّث بها، وتحمل الغيرة على سترها، ويلزم من كشفها عار عند أهل المروءة والحياء. فإن تكلم بشيء من ذلك، وأبداه، كان قد كشف عورة نفسه وزوجته؛ إذ لا فرق بين كشفها للعيان، وكشفها للأسماع والآذان؛ إذ كل واحد منهما يحصل به الاطلاع على العورة، ولذلك قال ﷺ : (لا تعمد المرأة فتصف المرأة لزوجها، حتى كأنّه ينظر إليها) (١) فإن دعت حاجة إلى ذِكر شيء من ذلك، فليذكره مبهمًا، غير مُعَيّنٍ، بحسب الحاجة والضرورة، كما قال ﷺ : (فعلتُه أنا وهذه) (٢) وكقوله: (هل أعرستم الليلة؟ ) (٣) وكقوله: (كيف وجدت أهلك؟ ) والتصريح بذلك وتفصيله ليس من مكارم الأخلاق، ولا من خصال أهل الدين. و(قوله: إن أعظم الأمانة) أي: أوكد، وأكبر في مقصود الشرع. و (الأمانة) للجنس؛ أي: الأمانات. وقد تقدَّم: أن الأمانة ما يُوكل إلى حفظ

стр. 2175

(١٧) باب في العزل عن المرأة [١٤٩٥] عن أَبي سَعِيدٍ الخدري قال: غَزَونَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزوَةَ بَلمُصطلق، ــ الإنسان، وقيامه به. وقد سقطت (من) في إحدى الروايتين. والصواب: إثباتها؛ فإنَّها تُفيد: أنَّ هذه الأمانة من جنس الأمانات العظيمة، وهو صحيح. وإسقاطها يشعر: بأن هذه الأمانة أعظم الأمانات كلها، وليس بصحيح، فإن الأمانة على صحيح الإيمان أعظم. وكذلك على الطهارة وغيرها مما يؤتمن عليه الإنسان من خفي الأعمال. (١٧) ومن باب: العزل (قوله: بَلمُصطلق) أي: بنو المصطلق، كما قالوا: بلعنبر. قال أبو عمر: بنو المصطلق: قومٌ من خزاعة، كانت الوقعة بهم في موضع يقال له: المريسيع من نحو قُديد، في سنة ست من الهجرة. وتعرف هذه الغزوة بـ (غزوة بني المصطلق) وبـ (غزوة المريسيع). قال: وقد روى هذا الحديث موسى بن عقبة، عن ابن مُحيريز، عن أبي سعيد، قال: (أصبنا سَبيًا من سبي أوطاس). قال: وهو سبي هوازن. وكان ذلك يوم حنين في سنة ثمانٍ من الهجرة. قال: فوهم ابن عقبة في ذلك والله تعالى أعلم. قال: وقد رواه أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الودَّاك، عن أبي سعيد قال: لما أصبنا سبي حنين سألنا رسول الله ﷺ عن العزل. فقال: (ليس من كل الماء يكون الولد. . .) الحديث. قلت: الذي ذكره مسلم في كتابه عن علي بن أبي طلحة، عن أبي الودَّاك، عن أبي سعيد في هذا الحديث: سئل رسول الله ﷺ عن العزل فقال: (ليس من كل
следующие страницы →