← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

[١٤٩٢] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَو أَنَّ أَحَدَهُم إِذَا أَرَادَ أَن يَأتِيَ أَهلَهُ قَالَ: بِسمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبنَا الشَّيطَانَ، وَجَنِّب الشَّيطَانَ مَا رَزَقتَنَا، فَإِنَّهُ إِن يُقَدَّر بَينَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَم يَضُرَّهُ شَيطَانٌ أَبَدًا. رواه أحمد (١/ ٢٨٦)، والبخاريُّ (١٤١) و (٣٢٨٣)، ومسلم (١٤٣٤)، وأبو داود (٢١٦١)، والترمذيُّ (١٠٩٢)، والنَّسائي في عمل اليوم والليلة (٢٦٦)، وابن ماجه (١٩١٩). * * * ــ واحدٍ؛ يعني به: القُبُل. وأصل الصمام هو: ما تسدُّ به القارورة. و(قوله: لو أن أحدهم إذا أتى أهله. . .) وذكر الحديث إلى قوله: (لم يضُرَّهُ شيطان أبدًا) قيل: معنى لم يضره: لم يصرَعه الشيطانُ. وقيل: لا يطعن فيه الشيطان عند ولادته، ويطعن في خاصرةِ مَن لا يقال له ذلك. قال القاضي: ولم يحمله أحد على العموم في جميع الضرر والإغواء والوسوسة. قلت: أمَّا قصره على الصرع وحده، فليس بشيء؛ لأنه تَحَكُّمٌ بغير دليل، مع صلاحية اللفظ له ولغيره. وأمَّا القول الثاني ففاسدٌ بدليل قوله ﷺ : (كل مولود يطعن الشيطان في خاصرته إلا ابن مريم، فإنَّه جاء يريد أن يطعنه فطعن في الحجاب) (١) هذا يدلُّ على أن الناجي من هذا الطعن إنما هو عيسى وحده ﵇؛ وذلك لخصوص دعوة أم مريم، حيث قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ثم إن طعنه ليس بضرر، ألا ترى أنه قد طعن كثيرًا من الأولياء والأنبياء، ولم يضرهم ذلك. ومقصود هذا الحديث - والله تعالى أعلم -: أنَّ الولد الذي يقال له ذلك يُحفَظُ من إضلال الشيطان وإغوائه، ولا يكون للشيطان عليه

стр. 2172

(١٦) باب تحريم امتناع المرأة على زوجها إذا أرادها، ونشر أحدهما سر الآخر [١٤٩٣] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا مِن رَجُلٍ يَدعُو امرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهَا، فَتَأبَى عَلَيهِ إِلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيهَا، حَتَّى يَرضَى عَنهَا. ــ سلطان؛ لأنه يكون من جملة العباد المحفوظين، المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطَانٌ﴾ وذلك ببركة نيَّة الأبوين الصالحين، وبركة اسم الله تعالى، والتعوُّذ به، والالتجاء إليه. وكأنَّ هذا شِوب (١) من قول أم مريم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ولا يُفهم من هذا نفي وسوسته، وتشعيثه، وصرعه. فقد يكون كلُّ ذلك، ويحفظ الله تعالى ذلك الولد من ضرره في: قلبه، ودينه، وعاقبة أمره، والله تعالى أعلم. (١٦) ومن باب: تحريم امتناع المرأة على زوجها (قوله: والذي نفسي بيده) هو قسم بالله تعالى؛ أي: والذي هو مالك نفسي، أو قادرٌ عليها. ففيه دليل: على أن الحلف بالألفاظ المبهمة المراد بها: اسم الله تعالى، يمين جائزة، حكمها حكم الأسماء الصريحة على ما يأتي. و(قوله: ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها، فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها) دليل على تحريم امتناع المرأة على زوجها إذا أرادها. ولا خلاف فيه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ والمرأة في ذلك بخلاف الرَّجل، فلو دعت المرأة زوجها إلى ذلك لم يجب عليه

стр. 2173

وفي لفظ آخر: إِذَا بَاتَت المَرأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوجِهَا لَعَنَتهَا المَلَائِكَةُ حَتَّى تُصبِحَ. رواه البخاري (٥١٩٣)، ومسلم (١٤٣٦)، وأبو داود (٢١٤١)، والنسائي (٨٤) في عشرة النساء. [١٤٩٤] وعن أَبي سَعِيدٍ الخدري قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ مِن شَرِّ النَّاسِ عِندَ اللَّهِ مَنزِلَةً يَومَ القِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفضِي إِلَى امرَأَتِهِ، وَتُفضِي إِلَيهِ، ثُمَّ يَنشُرُ سِرَّهَا. ــ إجابتها، إلَاّ أن يقصد بالامتناع مضارَّتها، فيحرم عليه ذلك. والفرق بينهما: أن الرَّجل هو الذي ابتغى بماله، فهو المالك للبضع. والدرجة التي له عليها هي السلطنة التي له بسبب ملكه. وأيضًا: فقد لا ينشطُ الرَّجل في وقت تَدعُوه، فلا ينتشر، ولا يتهيأ له ذلك، بخلاف المرأة. و(قوله: الذي في السماء) ظاهره: أن المراد به: الله تعالى؛ ويكون معناه بمعنى قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَن فِي السَّمَاءِ﴾ وقد تكلمنا عليه في كتاب الصلاة. ويحتمل أن يراد به هنا: الملائكة. كما جاء في الرواية الأخرى: (إلا لعنتها الملائكة حتى تُصبح). و(قوله: إن من شرِّ النَّاس منزلة الرَّجل يفضي إلى امرأته، ثم ينشر سرها) وقد تقدَّم الكلام على لفظي (شر) و (خير) وأنهما يكونان للمفاضلة، وغيرها. و (شر) هنا للمفاضلة؛ بمعنى: (أشر) وهو أصلها. و (من) هنا: زائدة على (شر). و(يفضي): يصل، وهو كناية عن الجماع، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَد أَفضَى بَعضُكُم إِلَى بَعضٍ﴾ و (سرّها): نكاحها، كما قال (١):

стр. 2174

وفي لفظ آخر: إِنَّ مِن أَعظَمِ الأمانَةِ عِندَ اللَّهِ يَومَ القِيَامَةِ الرَّجُلَ. . . ثم ذكره. وفي رواية: إِنَّ أَعظَمِ. بإسقاط من. رواه مسلم (١٤٣٧) (١٢٣) و (١٢٤)، وأبو داود (٤٨٧٠). ــ ولا تنظرنَّ جارةً إنَّ سِرَّها ... عليك حرامٌ فانكِحَن أو تَأَبَّدا وكني به عن النكاح لأنه يفعل في السرّ. ومقصود هذا الحديث هو: أن الرجل له مع أهله خلوة، وحالة يَقبُحُ ذِكرُها، والتحدُّث بها، وتحمل الغيرة على سترها، ويلزم من كشفها عار عند أهل المروءة والحياء. فإن تكلم بشيء من ذلك، وأبداه، كان قد كشف عورة نفسه وزوجته؛ إذ لا فرق بين كشفها للعيان، وكشفها للأسماع والآذان؛ إذ كل واحد منهما يحصل به الاطلاع على العورة، ولذلك قال ﷺ : (لا تعمد المرأة فتصف المرأة لزوجها، حتى كأنّه ينظر إليها) (١) فإن دعت حاجة إلى ذِكر شيء من ذلك، فليذكره مبهمًا، غير مُعَيّنٍ، بحسب الحاجة والضرورة، كما قال ﷺ : (فعلتُه أنا وهذه) (٢) وكقوله: (هل أعرستم الليلة؟ ) (٣) وكقوله: (كيف وجدت أهلك؟ ) والتصريح بذلك وتفصيله ليس من مكارم الأخلاق، ولا من خصال أهل الدين. و(قوله: إن أعظم الأمانة) أي: أوكد، وأكبر في مقصود الشرع. و (الأمانة) للجنس؛ أي: الأمانات. وقد تقدَّم: أن الأمانة ما يُوكل إلى حفظ

стр. 2175

(١٧) باب في العزل عن المرأة [١٤٩٥] عن أَبي سَعِيدٍ الخدري قال: غَزَونَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزوَةَ بَلمُصطلق، ــ الإنسان، وقيامه به. وقد سقطت (من) في إحدى الروايتين. والصواب: إثباتها؛ فإنَّها تُفيد: أنَّ هذه الأمانة من جنس الأمانات العظيمة، وهو صحيح. وإسقاطها يشعر: بأن هذه الأمانة أعظم الأمانات كلها، وليس بصحيح، فإن الأمانة على صحيح الإيمان أعظم. وكذلك على الطهارة وغيرها مما يؤتمن عليه الإنسان من خفي الأعمال. (١٧) ومن باب: العزل (قوله: بَلمُصطلق) أي: بنو المصطلق، كما قالوا: بلعنبر. قال أبو عمر: بنو المصطلق: قومٌ من خزاعة، كانت الوقعة بهم في موضع يقال له: المريسيع من نحو قُديد، في سنة ست من الهجرة. وتعرف هذه الغزوة بـ (غزوة بني المصطلق) وبـ (غزوة المريسيع). قال: وقد روى هذا الحديث موسى بن عقبة، عن ابن مُحيريز، عن أبي سعيد، قال: (أصبنا سَبيًا من سبي أوطاس). قال: وهو سبي هوازن. وكان ذلك يوم حنين في سنة ثمانٍ من الهجرة. قال: فوهم ابن عقبة في ذلك والله تعالى أعلم. قال: وقد رواه أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الودَّاك، عن أبي سعيد قال: لما أصبنا سبي حنين سألنا رسول الله ﷺ عن العزل. فقال: (ليس من كل الماء يكون الولد. . .) الحديث. قلت: الذي ذكره مسلم في كتابه عن علي بن أبي طلحة، عن أبي الودَّاك، عن أبي سعيد في هذا الحديث: سئل رسول الله ﷺ عن العزل فقال: (ليس من كل

стр. 2176

فَسَبَينَا كَرَائِمَ العَرَبِ، فَطَالَت عَلَينَا العُزبَةُ، وَرَغِبنَا فِي الفِدَاءِ، ــ الماء يكون الولد). ولم يذكر فيه سبي (١) حنين، ولا غيره. وكذلك ما ذكره أبو عمر من رواية ابن عقبة عن ابن محيريز ذكره مسلم أيضًا، ولم يذكر فيه: (مِن سَبِي أوطاس) ولا غيره. وإنما ذكر مسلم (يوم أوطاس) في حديث أبي علقمة الهاشمي، عن أبي سعيد في قضية تحرُّج أصحابه من وطء المسبيات، من أجل أزواجهنَّ على ما يأتي، وهي قصة أخرى، في زمان آخر غير زمان بني المصطلق. والصَّحيح في الحديث الأ ل رواية من رواه: (بني المصطلق) والله تعالى أعلم. و(قوله: فسبينا كرائم العرب) أي: كبراءَهم، وخيارَهُم. جمع كريمة. وبنو المصطلق وثنيون بلا شك. و(قوله: فطالت علينا العزبة) أي: لتعذُّر النكاح عليهم عند تعذُّر أسبابه، لا لطول إقامتهم في تلك الغزوة، فإن غيبتهم فيها عن المدينة لم تكن طويلة. و(قوله: ورغبنا في الفداء) أي: في أخذ المال عوضًا عنهن. يقال: (فدى أسيره): إذا دفع فيه مالًا وأخذه. و (فاداه): إذا دفع فيه رجلًا؛ على ما حكاه أبو عمر. وظاهر هذا: جواز إقدامهم على وطء المسبيات الوثنيات من غير أن يُسلِمنَ. وإنَّما توقفوا في وطئهن مخافة أن يَحمَلنَ منهم. فيتعذر فداؤهن؛ لأجل حملهن؛ فسألوا: هل يجوز لهم العزل؟ فأُجيبوا في العزل. وسكت لهم عن وطئهن في حال شركهن. وبهذا الظاهر اغتَّر قومٌ فقالوا بجواز الوثنيات، والمجوسيات بالمِلك، وإن لم يُسلمن. وإليه ذهب طاوس وسعيد بن المسيب. واختلف في ذلك عن عطاء، ومجاهد. ويَرِدُّ هذا القول قوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا المُشرِكَاتِ حَتَّى يُؤمِنَّ﴾ وإلى التمسُّك بعموم هذه الآية صار جمهور العلماء. ولم يُعوِّلوا على ما ظهر من هذا الحديث، ورأوا أنَّ ذلك محمول على جواز وطء من أسلم

стр. 2177

فَأَرَدنَا أَن نَستَمتِعَ، وَنَعزِلَ فَقُلنَا: نَفعَلُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَينَ أَظهُرِنَا لَا نَسأَلُهُ؟ ــ منهن، وأن الفداء المُتخوَّف مِن فَوتِه بوطئهنَّ إنما هو أثمانهن. وقد دلَّ على صحة هذا التأويل نصُّ ما جاء في رواية الزهري عن ابن محيريز، عن أبي سعيد قال: (جاء رجلٌ من الأنصار، فقال: يا رسول الله! إنَّا نصيب سبيًا، ونحب الأثمان، فكيف بالعزل؟ ) وَوَجهُ تخوّفهم من فوات الثمن بالوطء: أنهنَّ إذا حملنَ؛ لم يصح لهم بيعهنّ لكونهنّ حوامل من ساداتهن. وأمَّا بعد انفصال حملهن؛ فلكونهنّ أمهات أولادٍ، على ما صار إليه الجمهور، على ما يأتي إن شاء الله تعالى. ثم إنَّا نقول: لو سلَّمنا أن ظاهر ذلك الحديث جواز الإقدام على وطء المسبيَّات من غير إسلام، لزم منه جواز الإقدام على وطئهنَّ من غير استبراء، ومع وجود الحمل البيِّن، وهو ممنوع اتفاقًا، فيلزم المنعُ من الوطء؛ لاستوائهما في الظهور. وأيضًا: فكما نعلم قطعًا أنهم كانوا لا يقدمون على وطء فرج لا تتحقَّقُ حلِّيته، فكذلك نعلم: أنهم لا بدَّ لهم من استبراءٍ وإسلام. وإن كان الراوي قد سكت عنه. وسكوت الراوي؛ إمَّا للعلم بها. وإمَّا لأنَّ الكلام يُجمل في غير مقصود، ويُفَصَّلُ في مقصوده. والذي يزيح الإشكال ويرفعه جملة واحدة ما رواه عبد الرزاق بإسناده عن الحسن قال: (كنَّا نغزو مع أصحاب رسول الله ﷺ ، فإذا أراد أحدهم أن يصيب الجارية من الفيء أمرها فغسلت ثيابها، واغتسلت، ثم علَّمها الإسلام، وأمرها بالصَّلاة، واستبرأها بحيضة، ثم أصابها) (١). وكذلك روى عبد الرزاق أيضًا عن سفيان الثوري: أنه قال: (السُّنَّة ألَاّ يقع أحدٌ على مشركة حتى تُصلي ويستبرئها، وتغتسل). وهذه أدلَّة تدلُّ على صحة ما اخترناه، والموفق الإله. و(قوله: فأردنا أن نستمتع ونعزل) وفي الرواية الأخرى: (فكنَّا نعزل)

стр. 2178

فَسَأَلنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا عَلَيكُم أَلَا تَفعَلُوا، مَا كَتَبَ اللَّهُ خَلقَ نَسَمَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، إِلَّا سَتَكُونُ. وفي رواية: لَا عَلَيكُم ألَا تَفعَلُوا، فَإِنَّمَا هُوَ القَدَرُ. قال محمد بن المثنى: لا عليكم. أقرب إلى النهي. رواه أحمد (٣/ ٦٨)، والبخاريُّ (٢٥٤٢)، ومسلم (١٤٣٨) (١٢٥)، وأبو داود (٢١٧٢). ــ يعني: أنَّ منهم من وقع سؤاله قبل أن يعزل، ومنهم من وقع سؤاله بعد أن عزل. ويحتمل أن يكون معنى: (كنا نعزل) أي: عَزَمنا على ذلك. فيرجع معناها إلى الأولى. و(قوله: وقد سئل عن العزل: لا عليكم ألَاّ تفعلوا). العَزلُ: هو أن يُنَحِّي الرَّجلُ ماءه عند الجماع عن الرَّحم، فيلقيه خارجه. والذي حرَّكهم للسؤال عنه: أنهم خافوا أن يكون مُحَرَّمًا؛ لأنَّه قطعٌ للنَّسل، ولذلك أطلق عليه: الوأد الخفي. واختلف في قوله: (لا عليكم ألَاّ تفعلوا) ففهمت طائفةٌ منه: النهي والزجر عن العزل؛ كما حُكي عن الحسن، ومحمد بن المثنى. وكأنَّ هؤلاء فهموا من (لا) النهي عما سئل عنه، وحذف بعد قوله: (لا) فكأنَّه قال: لا تعزلوا، وعليكم ألَاّ تفعلوا. تأكيدا لذلك النهي. وفهمت طائفة أخرى منها الإباحة، وكأنَّها جعلت جواب السؤال قوله: (لا عليكم ألا تفعلوا) أي: ليس عليكم جناح في أن لا تفعلوا. وهذا التأويل أولى بدليل قوله: (ما من نسمة كائنة إلا ستكون) وبقوله: (لا عليكم ألَاّ تفعلوا، فإنما هو القدر) وبقوله: (إذا أراد الله خلق الشيء لم يمنعه شيء) وهذه الألفاظ كلها مصرَّحة بأنَّ العزل لا يَرُدُّ القَدَرَ، ولا يضره. فكأنه قال: لا بأس به. وبهذا تمسَّك من رأى إباحة العزل مطلقا عن الزوجة والسُّرِّيَّة، وبه قال كثير من الصحابة، والتابعين، والفقهاء. وقد كرهه آخرون من الصَّحابة وغيرهم

стр. 2179

[١٤٩٦] وعَنه قَالَ: أَصَبنَا سَبَايَا فَكُنَّا نَعزِلُ، ثُمَّ سَأَلنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَن ذَلِكَ. فَقَالَ لَنَا: وَإِنَّكُم لَتَفعَلُونَ؟ وَإِنَّكُم لَتَفعَلُونَ؟ (ثلاثا) مَا مِن نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ إِلَّا هِيَ كَائِنَةٌ. رواه مسلم (١٤٣٨) (١٢٧). ــ متمسّكين بالطريقة المتقدمة. وبقوله ﷺ : (ذلك الوأد الخفيّ) (١). قلت: وتشبيه العزل بالوأد المُحَرَّم يقتضي أن يكون محرمًا. ووجه التشبيه بينهما: أنهم كانوا في الجاهلية يدفنون البنات أحياء، يقتلونهن بذلك؛ خشية المعَرَّة، ومنهم من كان يفعل ذلك بالإناث والذكور خشية الفقر. كما هو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلا تَقتُلُوا أَولادَكُم خَشيَةَ إِملاقٍ﴾ والإملاق: الفقر؛ على أنَّه قد قيل: إن الأولاد هنا هم البنات. فإذًا الوأد: رفع الموجود والنسل. والعزل: مَنع أصل النَّسل. فتشابها، إلَاّ أن قتل النفس أعظم وزرًا، وأقبح فعلًا؛ ولذلك قال بعض علمائنا: إنه يفهم من قوله ﷺ في العزل: (إنه الوأد الخفي): الكراهة، لا التحريم. وذهب مالك والشافعي: إلى أن العزل عن الحرَّة لا يجوز إلا بإذنها. وكأنهم رأوا: أن الإنزال من تمام لذتها، ومن حقها في الولد، ولم يريا ذلك في الموطوءة بالمِلك، فله أن يعزل عنها بغير إذنها؛ إذ لا حقَّ لها في شيء مما ذكر. قلت: ويمكن على هذا المذهب الثالث أن يجمع بين الأحاديث المتعارضة في ذلك. فتُصيَّر الأحاديث التي يُفهم منها المنع: إلى الزوجة الحُرَّة، إذا لم تأذن، والتي يُفهم منها الإباحة إلى الأمةِ والزوجة، إذا أَذِنت. فيصحّ الجميع، ويرتفع التعارض، والله تعالى أعلم. و(قوله: وإنكم لتفعلون - ثلاثا -) ظاهره: الإنكار، والزَّجر. غير أنَّه

стр. 2180

[١٤٩٧] وعنه قَالَ: ذُكِرَ العَزلُ عِندَ رسول الله ﷺ قَالَ: وَمَا ذَاكُم؟ قَالُوا: الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ المَرأَةُ تُرضِعُ له، فَيُصِيبُ مِنهَا، وَيَكرَهُ أَن تَحمِلَ مِنهُ، وَالرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الأمةُ فَيُصِيبُ مِنهَا، وَيَكرَهُ أَن تَحمِلَ مِنهُ. قَالَ: فَلَا عَلَيكُم أَلَا تَفعَلُوا، فَإِنَّمَا هُوَ القَدَرُ قَالَ الحَسَنَ: وَاللَّهِ لَكَأَنَّ هَذَا زَجرٌ. رواه مسلم (١٤٣٨) (١٣١). [١٤٩٨] وعنه قَالَ: ذُكِرَ العَزلُ لرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: وَلِمَ يَفعَلُ ذَلِكَ أَحَدُكُم؟ (وَلَم يَقُل: فَلَا يَفعَل ذَلِكَ أَحَدُكُم) فَإِنَّهُ لَيسَت نَفسٌ مَخلُوقَةٌ إِلَّا اللَّهُ خَالِقُهَا. رواه مسلم (١٤٣٨) (١٣٢). ــ يضعفه قوله: (ما من نسمة كائنة إلا هي كائنة) على ما قررناه آنفًا، فإذًا معناه: الاستبعاد لفعلهم له؛ بدليل ما جاء في الرواية الأخرى: (ولِمَ يفعل ذلك أحدكم؟ ). قال الراوي: ولم يقل: فلا يفعل ذلك أحدكم. ففهم: أنَّه ليس بنهيٍ، وهو أعلم بالمقال، وأقعد بالحال. و(قولهم: الرَّجل تكون له المرأة تُرضِعُ فيصيبُ منها، ويكره أن تحمل منه، والرجل تكون له الأمة، فيصيب منها، ويكره أن تحمل منه (١)؛ دليل على أن قوله: (فلا عليكم ألَاّ تفعلوا) إنما خرج جوابًا عن سؤالين: العزل عن الحرَّة، وعن الأمة، فلا بُعَدُ أن يذكر الراوي في وقت أحد السؤالين، ويسكت عن الآخر، ويذكرهما جميعًا في وقت آخر، كما قد جاء في هذه الروايات. ولا يُعَدُّ مثل هذا اضطرابًا.

стр. 2181

[١٤٩٩] وعنه قُالُ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن العَزلِ فَقَالَ: مَا مِن كُلِّ المَاءِ يَكُونُ الوَلَدُ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلقَ شَيءٍ لَم يَمنَعهُ شَيءٌ. رواه مسلم (١٤٣٨) (١٣٣). [١٥٠٠] وعَن جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ لِي جَارِيَةً هِيَ خَادِمُنَا وَسَانِيَتُنَا، وَأَنَا أَطُوفُ عَلَيهَا، وَأَنَا أَكرَهُ أَن تَحمِلَ. فَقَالَ: اعزِل عَنهَا إِن شِئتَ، فَإِنَّهُ سَيَأتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا. فَلَبِثَ الرَّجُلُ، ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ الجَارِيَةَ قَد حَملَت. فَقَالَ: قَد أَخبَرتُكَ أَنَّهُ سَيَأتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا. ــ و(قوله: ما من كل الماء يكون الولد) يعني: أنّه ينعقد الولد في الرَّحم من جزءٍ من الماء، لا يشعر العازلُ بخروجه؛ فيظنَّ أنَّه قد عزلَ كلَّ الماء، وهو إنما عزل بعضه، فيخلق الله الولد (١) من ذلك الجزء اللطيف الذي بادر بالخروج (٢). و(قوله في حديث جابر ﵁: (إن لي جارية هي خادمنا، وسانِيَتُنَا) هكذا مشهور الرواية عند كافة الرواة. ويعني بالسَّانية: المستقية للماء. يقال: سنت الدَّابة، فهي سانية: إذا استُقيَ عليها. وعند ابن الحذَّاء: (سايستنا): اسم فاعل من: ساس الفرس، يسوسه: إذا خدمه. و(قوله: اعزل عنها إن شئت) نصٌّ في إباحة العزل. وهو حجة لمالك، ولمن قال بقوله على ما تقدَّم. و(قوله ﷺ عندما قيل له: إن الجارية قد حملت: (قد أخبرتُك أنَّه سيأتيها ما قدَّر لها) دليل على إلحاق الولد بمن اعترف بالوطء، وادَّعى العزل في الحرائر والإماء. وسبَبُه انفلاتُ الماء، ولا يشعر به العازلُ. ولم يُختلف عندنا في ذلك إذا

стр. 2182

وفي رواية: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنَا عَبدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. رواه مسلم (١٤٣٩)، وأبو داود (٢١٧٣). [١٥٠١] وعَنه قَالَ: كُنَّا نَعزِلُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ، فَلَم يَنهَنَا. رواه أحمد (٣/ ٣٧٧)، والبخاريُّ (٥٢٠٧)، ومسلم (١٤٤٠) (١٣٨)، والترمذي (١١٣٧). * * * ــ كان الوطء في الفَرج، فإن كان في غير الفرج مِمَّا يقاربه، أو كان العزل البيِّن؛ الذي لا شك فيه لم يلحق. وفيه حجة: على كون الأمة فراشًا إذا كان الوطء. و(قوله: أنا عبد الله ورسوله) تنبيه منه على صدقه وصحّة رسالته؛ كما قال عند تكثير الطَّعام: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأنِّي رسول الله) (١). وقول جابر ﵁: (كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ فبلغ ذلك نبي الله ﷺ فلم ينهنا) حجة واضحة على إباحة العزل مطلقا، ولكن مَحمله على ما إذا لم يعارضه حقُّ الزوجة كما ذكرنا، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 2183

(١٨) باب تحريم وطء الحامل من غيره حتى تضع، وذكر الغيل [١٥٠٢] عَن أَبِي الدَّردَاءِ، عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَتَى بِامرَأَةٍ مُجِحٍّ عَلَى بَابِ فُسطَاطٍ فَقَالَ: لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَن يُلِمَّ بِهَا؟ فَقَالُوا: نَعَم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَقَد هَمَمتُ أَن أَلعَنَهُ لَعنًا يَدخُلُ مَعَهُ قَبرَهُ، ــ (١٨) ومن باب: تحريم وطء الحامل المسبيَّة (قوله: أنَّه ﷺ أتى بامرأة، مُجِحٍّ) روايتنا فيه: (أتَى) - بفتح الهمزة والتاء -، على أنَّه فعل ماض؛ بمعنى: جاز، ومرَّ. و (مُجِحٍّ) - بضم الميم، وكسر الجيم، وتشديد الحاء المهملة -، وهي: المرأة (١) التي قربت ولادتها. و (الفسطاط): خِباءٌ صغير. وفيه لغتان: فَسطاط وفُسطاط. و(قوله: لعلَّه يريد أن يُلِمَّ بها؟ ) كناية عن إصابتها. وأصل الإلمام: النزول، كما قال: متى تأتنا تُلمم بنا في دِيارنا ... تجد خير نار عندها خير مُوقِد (٢) و(قوله: لقد هممت أن ألعنه لعنًا يدخل معه قبره) هذا وعيدٌ شديدٌ على وطء الحبالى حتى يضعنَ. وهو دليل على تحريم ذلك مطلقا، سواء كان الحمل من وطء صحيح، أو فاسد، أو زنا. فإنَّه ﷺ لم يستفصل عن سبب الحمل، ولا ذكر أنه يختلف حكمه. وهذا موضع لا يصحُّ فيه تأخير البيان. وإلى الأخذ بظاهر هذا ذهب جماهير العلماء، غير أن القاضي عياضا قال في المرأة تزني

стр. 2184

كَيفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ كَيفَ يَستَخدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ . رواه أحمد (٦/ ٤٤٦)، ومسلم (١٤٤١). ــ فتحمل، ويتبين حملها: أن أشهب أجاز لزوجها وطأها. قال: وكرهه مالك وغيره من أصحابه. قال: فاتفقوا على كراهته، ومنعه من وطئها في ماء الزنا ما لم يتبين الحمل. وهذا الذي حكاه عن أشهب يردُّه هذا الحديث. ومعناه على ما يأتي. وكراهة مالك لذلك بمعنى: التحريم، والله تعالى أعلم. وإنما لم يُوقِع النبي ﷺ ما هَمَّ به من اللَّعن؛ لأنه ما كان بَعدُ تقدَّم في ذلك بشيء. وأمَا بَعدَ أن تقدَم هذا الوعيد وما في معناه: ففاعل ذلك متعرِّضٌ للّعن يدخل معه قبره، ويدخله جهنم. و(قوله: كيف يورثه وهو لا يحل له؟ ! كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟ ! ) هذا تنبيه منه ﷺ على أن واطئ الحامل له مشاركة في الولد. وبيانه: أن ماء الوطء يُنَمِّي الولد، ويزيد في أجزائه، ويُنعِّمه، فتحصل مشاركة هذا الواطئ للأب؛ ولذلك قال رسول الله ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه زرع غيره) (١). فإذا وطئ الأمة الحامل لم يصحّ أن يحكم لولدها بأنه ابن لهذا الواطئ؛ لأنه من ماء غيره نشأ. وعلى هذا فلا يحلُّ له أن يرثه، ولا يصح أيضًا أن يحكم لذلك الولد بأنه عبدٌ للواطئ؛ لما حصل في الولد من أجزاء مائه، فلا يحلَّ له أن يستخدمه استخدام العبيد؛ إذ ليس له بعبدٍ، لِمَا خالطه من أجزاء الحُرِّ. وفيه من الفقه: ما يتبيَّن به استحالة اجتماع أحكام الحرية، والرِّق في شخص واحد، وأن مَن فيه شائبة بُنُوَّةٍ لا يُملَك، و (٢) أن من فيه شائبة رقٍّ لا يكون حكمه حكم الحرّ، على ما يأتي إن شاء الله تعالى. وفيه: أن السِّباء يهدمُ النكاح، وهو مشهورُ مذهبنا، سواء سُبيا مجتمعين أو مفترقين، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.

стр. 2185

[١٥٠٣] وعَن عَائِشَةَ عَن جُدَامَةَ بِنتِ وَهبٍ الأَسَدِيَّةِ أَنَّهَا سَمِعَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَقَد هَمَمتُ أَن أَنهَى عَن الغِيلَةِ، حَتَّى ذَكَرتُ أَن الروم وَفَارِسَ يَصنَعُونَ ذَلِكَ، فَلَا يَضُرُّ أَولَادَهُم. وفي رواية: ثُمَّ سَأَلُوهُ عَن العَزلِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ذَلِكَ الوَأدُ الخَفِيُّ. رواه مسلم (١٤٤٢) (١٤٠) و (١٤١)، وأبو داود (٣٨٨٢)، والترمذي (٢٠٧٨)، والنسائي (٦/ ١٠٦ - ١٠٧). ــ وقد ذكر أبو داود في المنع من وطء الحامل حديثًا نصًّا، هو أصلٌ في هذا الباب؛ من حديث أبي الودَّاك: جبر بن نوف، عن أبي سعيد الخدري، رفعه، قال في سبايا أوطاس: (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة) (١). تفرد أبو الودَّاك بقوله: (حتى تحيض حيضة) (٢). وأبو الودَّاك وثّقه ابن معين. وقد خرَّج عنه مسلم في صحيحه. و(جُدامة الأسديَّة) رويناه بالدال المهملة. وهكذا قاله مالك، وهو الصواب. قال أبو حاتم: الجُدامة: ما لم يندق من السُّنبل. قال غيره: هو ما يبقى في الغِربال من نَصية (٣). وقال غير مالك بالذال المنقوطة. وهو من: الجذم؟ الذي هو القطع. وهي: جُدامة بنت وهب بن محصن الأسديَّة، تكنى: أم قيس؛ وهي ابنة أخي عكَّاشة بن محصن. أسلمت عام الفتح. و(قوله: لقد هممت أن أنهى عن الغِيلة) - بكسر الغين لا غير- وهي

стр. 2186

[١٥٠٤] وعَن سَعدَ بنَ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النبي ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَعزِلُ عَن امرَأَتِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لِمَ تَفعَلُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ ــ الاسم من الغَيل. وإذا دخلت عليه الهاء فليس إلا الكسر، وإذا حُذفت الهاء فليس إلا الفتح في الغين. وقال بعضهم: يقال: الغَيلة - بالفتح - للمرة الواحدة من الغَيل. وللغويين في تفسيرها قولان: أحدهما: أن الغِيلة هي: أن يجامع الرَّجل امرأته وهي تُرضع. حُكي معناه عن الأصمعي. يقال منه: غال الرَّجل المرأةَ، وأغالها، وأغيلها. وثانيهما: أنَّها أن تُرضع المرأة وهي حامل. يقال منه: غالت، وأغالت، وأغيلت؛ قاله ابن السِّكِّيت. قلت: والحاصل: أن كل واحد منهما (١) يقال عليه: (غيلة) في اللغة، وذلك: أن هذا اللفظ كيفما دار إنما يرجع إلى الضرر، والهلاك؛ ومنه تقول العرب: غالني أمرُ كذا؛ أي: أضرَّ بي. وغالته الغول؛ أي: أهلكته. وكلُّ واحدة من الحالتين المذكورتين مضرَّة بالولد. ولذلك يصح أن تحمل الغيلة في الحديث على كل واحد منهما. فأمَّا ضرر المعنى الأول: فقالوا: إن الماء - يعني: المني - يغيلُ اللَّبن؛ أي: يفسده. ويُسأل عن تعليله أهل الطبِّ. وأمَّا الثاني: فضرره بيِّنٌ محسوسٌ. فإن لبن الحامل داءٌ وعلَّة في جوف الصبي، يظهر أثره عليه. ومراده ﷺ بالحديث: المعنى الأول، دون الثاني؛ لأنه هو الذي يحتاج إلى نظر في كونه يضرُّ الولد؛ حتى احتاج النبي ﷺ إلى أن ينظر إلى أحوال غير العرب؛ الذين يصنعون ذلك. فلمَّا رأى أنَّه لا يضرُّ أولادهم لم يَنه عنه. وأمَّا الثاني: فضرره معلومٌ للعرب وغيرهم، بحيث لا يحتاج إلى نظر، ولا فكر. وإنما هَمَّ النبي ﷺ بالنهي عن الغيلة لما أكثرت العرب من اتقاء ذلك،

стр. 2187

الرَّجُلُ: إني أُشفِقُ عَلَى وَلَدِهَا أَو عَلَى أَولَادِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَو كَانَ ذَلِكَ ضَارًّا ضَرَّ فَارِسَ وَالرُّومَ. رواه مسلم (١٤٤٣). * * * ــ والتحدُّث بضرره، حتى قالوا: إنه ليدرك الفارس فيدعثره عن فرسه. وقد روي ذلك مرفوعًا من حديث أسماء ابنة يزيد، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تقتلوا أولادكم سرًّا فإن الغيل يدرك الفارس فيدعثره عن فرسه) (١). ذكره ابن أبي شيبة. ثم لما حصل عند النبي ﷺ أنه لا يضرّ أولاد العجم؛ سوى بينهم وبين العرب في هذا المعنى، فسوَّغه. فيكون حجة لمن قال من الأصوليين: إن النبي ﷺ كان يحكم بالرأي والاجتهاد. وقد تقدم ذلك. وقول السائل عن العزل: (أشفق على ولدها) يعني: أخاف إن لم أعزل أن تَحمِل فيضرَّ ذلك ولدها، على ما تقدَّم. ويحتمل: أنَّه يخاف فساد اللَّبن بالوطء. على ما ذكرناه آنفًا. و(قوله: لو كان ذلك ضارًّا ضرَّ فارس والرُّوم) دليل على أنَّ الأصل في نوع الإنسان المساواة في الجبلَاّت والخَلق، وإن جاز اختلاف العادات والمناشئ. وفيه حجة على إباحة العزل، كما تقدَّم، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 2188

أبواب الرضاع (١٩) باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة [١٥٠٥] عَن عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عِندَهَا، وَإِنَّهَا سَمِعَت صَوتَ رَجُلٍ يَستَأذِنُ فِي بَيتِ حَفصَةَ قَالَت عَائِشَةُ: فَقُلتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ يَستَأذِنُ فِي بَيتِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أُرَاهُ فُلَانًا (لِعَمِّ حَفصَةَ مِن الرَّضَاعَةِ) فَقَالَت عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَو كَانَ فُلَانٌ حَيًّا (لِعَمِّهَا مِن الرَّضَاعَةِ) دَخَلَ عَلَيَّ؟ ــ أبواب الرِّضاع (١٩) ومن باب: يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة (١) (قول عائشة ﵂: لو كان فلان حيًّا - لعمها من الرَّضاعة - دخل عليَّ؟ ) نصٌّ في: أنَّ هذا السؤال إنَّما كان بعد موت عمها، وهو يخالف قولها: إن عمّها من الرّضاعة يُسَمَّى: أفلح استأذن عليها. وهذا نصٌّ في أن سؤالها كان وهو حيٌّ، فاختلف المتأولون لذلك: هل هما عمَّان أو عمّ واحد؟ فقال أبو الحسن القابسي: هما عمَّان؛ أحدهما: أخو أبيها، أبي بكر ﵁ من الرَّضاعة، أرضعتهما امرأة واحدة. والثاني: أخو أبيها، أبي القُعَيس من

стр. 2189

فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَم إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الوِلَادَةُ. رواه البخاريُّ (٢٦٤٦ و ٥٠٩٩)، ومسلم (١٤٤٤) (١)، وأبو داود (٢٠٥٥)، والترمذي (١١٤٧)، والنسائي (٩٩١٦)، وابن ماجه (١٩٣٧). [١٥٠٦] وعَن عَائِشَةَ أَنَّ عَمَّهَا مِن الرَّضَاعَةِ يُسَمَّى أَفلَحَ استَأذَنَ عَلَيهَا فَحَجَبَتهُ، فَأَخبَرَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهَا: لَا تَحتَجِبِي مِنهُ فَإِنَّهُ يَحرُمُ مِن الرَّضَاعَةِ مَا يَحرُمُ مِن النَّسَبِ. رواه مسلم (١٤٤٥) (٩). * * * ــ الرضاعة. وقال ابن حازم: هما واحد. قال القاضي أبو الفضل: والأشبه قول أبي الحسن. قلت: وتتميم ما قاله: أنهما عمَّان، وأن سؤالها للنبي ﷺ كان مرتين في زمانين، وتكرر منها ذلك. إمَّا لأنها نسيت القضية (١) الأولى، فاستجدَّت سؤالًا آخر، وإمَّا لأنَّها جوزت تَبَدُّل الحكم. فسألت مرة أخرى، والله تعالى أعلم. و(قوله ﷺ : إن الرَّضاعة تحرّم ما تحرِّم الولادة) وفي الأخرى: (يحرم من الرَّضاعة ما يحرم من النسب) دليل على جواز نقلهم بالمعنى، إن كانت القضية واحدة. ويحتمل أن يكون تكرر ذلك المعنى منه باللفظين المختلفين. وقد صرَّح الرواة عن عائشة برفع هذه الألفاظ للنبي ﷺ فهي مسندة، مرفوعة، ولا يضرَّها وقف مَن وقفها على عائشة، كما جاء في الرواية الأخرى. ويفيد هذا الحديث: أن ينشرُ الحرمةَ بين الرضيع والمرضعة، وزوجها صاحب اللَّبن، أو سيدها، فإذا أرضعت المرأةُ صبيًّا حُرِّمت عليه؛ لأنها أمه، وأمُّها؛

стр. 2190

(٢٠) باب التحريم من قِبَل الفحل [١٥٠٧] عَن عَائِشَةَ قالت: جَاءَ أَفلَحُ أَخُو أَبِي القُعَيسِ يَستَأذِنُ عَلَيهَا بَعدَ مَا نَزَلَ الحِجَابُ، وَكَانَ أَبُو القُعَيسِ أَبَا عَائِشَةَ مِن الرَّضَاعَةِ، قَالَت عَائِشَةُ: فَقُلتُ: وَاللَّهِ لَا آذَنُ لِأَفلَحَ حَتَّى أَستَأذِنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّ أَبَا القُعَيسِ لَيسَ هُوَ أَرضَعَنِي، وَلَكِن أَرضَعَتنِي امرَأَتُهُ قَالَت عَائِشَةُ: فَلَمَّا ــ لأنها جدَّته. وأختها؛ لأنها خالته، وبنتها لأنَّها أخته. وكذلك بنت صاحب اللبن؛ لأنها أخته، وأمِّه؛ لأنّها جدته، وأخته لأنَّها عمته، وهكذا. غير أن التحريم لا يتعدَّى الرضيع إلى أحد من قرابته. فليس أخته من الرَّضاعة أختًا لأخيه، ولا بنتًا لأبيه، إذ لا رضاع بينهم. وحكمة ما ذكرناه: أن الشرع اعتبر في التحريم ما ينفصل من أجزاء المرأة وهو اللَّبن، ويتصل بالرضيع، فيغتذي به، فتصير أجزاؤها أجزاءه، فينتشر التحريم بينهما. واعتبر في حقّ صاحب اللبن: أن وجود اللَّبن بسبب مائه، وغذائه. فأمَّا قرابات الرَّضيع فليس بينهم ولا بين المرضعة، ولا زوجها نسبٌ، ولا سببٌ. فَتَدَبَّرهُ. (٢٠) ومن باب: التحريم من قِبَل الفحل (قولها: جاء أفلح أخو أبي القُعَيس) هكذا هو الصحيح. و (أفلح) هو الذي كُنِّي عنه في روايةٍ أخرى: بأبي الجُعَيد؛ وهو عمُّ عائشة من الرَّضاعة؛ لأنَّه أخو أبي القُعَيس نسبًا. و (أبو القعيس): أبو عائشة رضاعةً. وما سوى ما ذكرناه من الروايات وَهمٌ. فقد وقع في الأم (١): (جاء أفلح بن أبي قعيس) و (أن أبا القعيس استأذن عليها) وكل ذلك وهمٌ من بعض الرواة.

стр. 2191

دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَفلَحَ أَخَا أَبِي القُعَيسِ جَاءَنِي يَستَأذِنُ عَلَيَّ، فَكَرِهتُ أَن آذَنَ لَهُ حَتَّى أَستَأذِنَكَ قَالَت: فَقَالَ رسول الله ﷺ : ائذَنِي لَهُ قَالَ عُروَةُ: فَبِذَلِكَ كَانَت عَائِشَةُ تَقُولُ: حَرِّمُوا مِن الرَّضَاعَةِ مَا تُحَرِّمُونَ مِن النَّسَبِ. وفي رواية: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَليَلِج عَلَيكِ، قُلتُ: إِنَّمَا أَرضَعَتنِي المَرأَةُ، وَلَم يُرضِعنِي الرَّجُلُ قَالَ: إِنَّهُ عَمُّكِ فَليَلِج عَلَيكِ. وفي أخرى: إنه عمك تربت يمينك. رواه أحمد (٦/ ٣٣)، والبخاريُّ (٦١٥٦)، ومسلم (١٤٤٥) (٥ - ٧ - ٨). * * * ــ وهذا الحديث حجة لمن يرى: أن لبن الفحل يُحرِّم؛ وهم الجمهور من الصحابة وغيرهم. قال القاضي أبو الفضل: لم يقل أحدٌ من أئمة الفقهاء، وأهل الفتيا بإسقاط حرمة لبن الفحل إلا أهل الظاهر، وابن عُليَّة. قال أبو محمد عبد الوهاب: ويتصوَّر مع افتراق الأمين، كرجلٍ له امرأتان؛ ترضع إحداهما صبيًّا، والأخرى صبيَّة: فيحرم أحدُهما على الآخر؛ لأنهما أخوان لأب. قلت: ووجه الاستدلال من حديث عائشة ﵂ هذا على أن لبن الفحل يحرم: أن النبي ﷺ أثبت لأفلح عمومة عائشة، وإنما ارتضعت عائشةُ لبنَ امرأةِ أبي القعيس؛ لأن أبا القعيس قد صار لها أبًا، فينتشر التحريم كما تقدَّم. وعلى هذا فلو تزوجت المرأة أزواجًا، وأصابوها على الوجه المسوِّغ؛ واللَّبن الأول باق انتشرت الحرمة بين الرضعاء وبين الأزواج؛ لأنهم أصحاب ذلك اللَّبن ما دام متصلًا، فإن انقطع اللَّبن فلكلِّ زوجٍ حُكم نَفسِه، والله تعالى أعلم. وقد تقدَّم القول على: (تربت يمينك) في كتاب الطهارة.

стр. 2192

(٢١) باب تحريم الأخت وبنت الأخ من الرضاعة [١٥٠٨] عَن عَلِيٍّ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ تَنَوَّقُ فِي قُرَيشٍ وَتَدَعُنَا؟ فَقَالَ: وَعِندَكُم شَيءٌ؟ قُلتُ: نَعَم ابِنة حَمزَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّهَا لَا تحل لي إِنَّهَا ابنَةُ أَخِي مِن الرَّضَاعَةِ. رواه أحمد (١/ ٨٢)، ومسلم (١٤٤٦)، والنسائي (٦/ ٩٩). [١٥٠٩] وبعده من حديث ابنِ عَبَّاسٍ: وَيَحرُمُ مِن الرَّضَاعَةِ مَا يَحرُمُ مِن الرَّحِمِ. رواه البخاري (٥١٠٠)، ومسلم (١٤٤٧)، والنسائيّ (٦/ ١٠٠)، وابن ماجه (١٩٣٨) وهذا الحديث لم يرد في النسخة (ش). ــ (٢١) ومن باب: تحريم الأخت وبنت الأخ من الرضاعة (قوله: ما لك تنَوَّق في قريش وتدعنا؟ ) هذا الحرف عند أكثر الرواة بفتح النون والواو وتشديدها. وهو فعل مضارع محذوف إحدى التاءين، وماضيه: تَنَوَّقَ، ومصدره: تَنَوُّقًا؛ أي: بَالَغَ في اختيار الشيء، وانتقائه. وعند العُذري، والهَوزَنِي، وابن الحذَّاء: تَتُوق - بتاء مضمومة من: تَاقَ، يَتُوقُ، تَوقًا وتَوقَانًا: إذا اشتاق. وعرض عليٍّ ﵁ على النبي ﷺ ابنةَ حمزة ليتزوَّجها: كأنَّه لم يعلم بأخوَّة حمزة له من الرَّضاعة؛ لأن النبي ﷺ وحمزة بن عبد المطلب ﵁ عمَّ النبي ﷺ أرضعتهما ثويبةُ مولاة أبي لهب؛ حكاه ابن الأثير. وبعيد أن يقال: إنَّه لم يعلم بتحريم ذلك. وأمَّا أمُّ حبيبة فالأمران في حقها مسوّغان.

стр. 2193

[١٥١٠] ومن حديث أُمَّ سَلَمَةَ وقَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ حَمزَةَ أَخِي مِن الرَّضَاعَةِ. رواه مسلم (١٤٤٨) وهذا الحديث استدرك من النسخة (ك). [١٥١١] وعَنَّ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنتِ أَبِي سُفيَانَ قَالَت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلتُ: هَل لَكَ فِي أُختِي عزة بِنتِ أَبِي سُفيَانَ؟ فَقَالَ: أَفعَلُ مَاذَا؟ قُلتُ: تَنكِحُهَا قَالَ: أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكِ؟ قُلتُ: لَستُ لَكَ بِمُخلِيَةٍ وَأَحَبُّ مَن يشَرِكَنِي فِي الخَيرِ أُختِي قَالَ: فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي قُلتُ: فَإِنِّي أُخبِرتُ أَنَّكَ تَخطُبُ دُرَّةَ بِنتَ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: بِنتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ قُلتُ: نَعَم قَالَ: لَو أَنَّهَا لَم تَكُن رَبِيبَتِي فِي حِجرِي مَا حَلَّت لِي، ــ و(قولها: لست لك بِمُخلِية) - بضم الميم، وسكون الخاء، وكسر اللام - اسم فاعل من: أخلى، يَخلِي؛ أي: لست بمنفردةٍ بك، ولا خالية من ضرَّة. و(دُرَّة): الصحيح في هذا الاسم: بضم الدَّال المهملة. ووقع لبعض الرواة: ذَرة - بفتح الذال المعجمة - وكأنَّه وَهمٌ. و(قوله: لو أنَّها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلَّت لي) تقييد تحريم الرَّبيبة هنا بكونها في حجر المتزوِّج؛ كتقيدها به في قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُم مِن نِسَائِكُمُ﴾ وبهذا التقييد تمسَّك داود، فقال: لا تحرم الربيبة إلا إذا كانت في حجر المتزوّج بأمِّها. وجمهور العلماء من السَّلف والخلف على أن ذلك ليس بشرط في التحريم، وإنما خرج ذلك القيد على تعريفهنَّ بغالب أحوالهن. قال ابن المنذر (١): قد أجمع كلُّ مَن ذكرناه، وكلُّ مَن لم نذكره من علماء الأمصار على خلاف قول داود. وقد احتج بعضهم على عدم

стр. 2194

إِنَّهَا ابنَةُ أَخِي مِن الرَّضَاعَةِ أَرضَعَتنِي وَأَبَاهَا ثُوَيبَةُ فَلَا تَعرِضنَ عَلَيَّ أَخَوَاتِكُنَّ، وَلَا بَنَاتِكُنَّ. رواه البخاريُّ (٥١٠١)، ومسلم (١٤٤٩)، وأبو داود (٢٠٥٦)، والنسائي (٦/ ٩٦)، وابن ماجه (١٩٣٩). * * * ــ اشتراط الِحجر بقول النبي ﷺ : (لا تعرضن عليَّ بناتكن ولا أخواتكن) ولم يقل: اللاتي في حجري. و(قوله: إنَّها ابنة أخي من الرَّضاعة) هذا حجة على أن لبن الفحل يحرّم كما تقدَّم. وفيه تنبيه على جواز تعليل الحكم بعلّتين؛ فإنه علَّل تحريمها: بأنها ربيبة، وابنة أخ. وقد اختلف الأصوليون في ذلك، والصحيح جوازه لهذا الحديث وغيره. و(ثُوَيبَةُ) - بضم الثاء المثلثة، وفتح الواو، وياء التصغير-: تصغير: ثوبة؛ وهي المَرَّةُ الواحدةُ، من: ثَابَ: إذا رَجَع. يقال: ثاب، يثوب، ثوبًا، وثوبة. وثويبةُ هذه: جاريةُ لأبي لهب، كانت أرضعت النبي ﷺ وأبا سلمة، ولأجل رضاعها للنبي ﷺ سقي أبو لهب نطفةً من ماء في جهنم؛ وذلك أنه جاء في الصحيح: أنه رُئِيَ في النوم. فقيل له: ما فعل بك؟ فقال: سُقيت في مثل هذه، وأشار إلى ظفر إبهامه (١). و(قوله: فلا تَعرِضنَ عليَّ بناتكن، ولا أخواتكن) أي بلفظ الجمع وإن كانتا اثنتين؛ ردعًا وزجرًا أن يعود له أحدٌ بمثل ذلك. ولذلك يحسنُ من المنكر على المرأة مثلًا المكلِّمة لرجل واحدٍ أن يقول: أتكلمين الرِّجال يا لكعاء؟ !

стр. 2195

(٢٢) باب لا تُحرِّم المَصَّةُ ولا المَصَّتان [١٥١٢] عَن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تُحَرِّمُ المَصَّةُ وَالمَصَّتَانِ. رواه أحمد (٦/ ٩٥)، ومسلم (١٤٥٠)، وأبو داود (٢٠٦٣)، والترمذي (١١٥٠)، والنسائي (٦/ ١٠١)، وابن ماجه (١٩٤١). [١٥١٣] وعَن أُمِّ الفَضلِ قَالَت: دَخَلَ أَعرَابِيٌّ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ فِي بَيتِي فَقَالَ، يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي كَانَت لِي امرَأَةٌ، فَتَزَوَّجتُ عَلَيهَا أُخرَى، فَزَعَمَت امرَأَتِي الأُولَى أَنَّهَا أَرضَعَت امرَأَتِي الحُدثَى رَضعَةً أَو رَضعَتَينِ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : لَا تُحَرِّمُ الإِملَاجَةُ وَلا الإِملَاجَتَانِ. وفي لفظ آخر: لَا تُحَرِّمُ الرَّضعَةُ أَو الرَّضعَتَانِ، أَو المَصَّةُ أَو المَصَّتَانِ. ــ (٢٢) ومن باب: لا تُحرِّم المَصَّةُ ولا المَصَّتان (قوله: لا تُحرِّم الإملاجة والإملاجتان) قال أبو عبيد: يعني: المَصَّة والمَصَّتين. والملج: المَصّ. يقال: ملج الصبي أمَّه، يملجها -بالجيم - وملح، يملح - بالحاء المهملة -. وأملَجَت المرأةُ صبيَّها. والإملاجة: أن تُمِصَّه لبنَهَا مرة واحدة. وأمَّا الرَّضاعة: فقال ابن السكيت وغيره: فيه لغتان؛ كسر الراء وفتحها. وكذلك: الرَّضاع. وقد رضع -بفتح الضاد وكسرها - لغتان. ورضُع - بضم الضاد -: إذا كان لئيمًا، فهو: راضع، وجمعه: رُضَّع. ومنه قول ابن الأكوع: واليوم يوم الرُضَّع أي: يوم هلاك اللِّئام.

стр. 2196

رواه أحمد (٦/ ٣٤٠)، ومسلم (١٤٥١) (١٨ و ٢٠)، والنسائي (٦/ ١٠٠ و ١٠١)، وأبو داود (٢٠٦٤)، والترمذي (١١٥٣). ــ قلت: لم يقل أحدٌ فيما علمت بظاهر ذلك (١) الحديث إلا داود. فإنَّه قال: أقل ما يُحرِّم ثلاث رضعات، ولا تُحرِّم الرضعة ولا الرضعتان. وهو تمسُّكٌ بدليل الخطاب. وذهب الشافعي: إلى أن أقل ما يقع به التحريم خمس رضعات، أخذًا بحديث عائشة الآتي. وشذَّت طائفة، فقالت: أقل ما يقع به التحريم عشر رضعات. تمسُّكًا بأنَّه كان فيما أنزل: عشر رضعات. وكأنهم لم يبلغهم الناسخ. وذهب مَن عدا هؤلاء من أئمة الفتوى إلى أن الرضعة الواحدة تُحَرِّم إذا تحققت؛ متمسِّكين بأقل ما ينطلق عليه اسم الرَّضاع. ولا شك في صدق الاسم في مثل قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرضَعنَكُم وَأَخَوَاتُكُم مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وفي قوله: (يحرم من الرَّضاعة ما يحرم من النَّسب) (٢) على القليل، كما صدق على الكثير. وعُضِّدَ هذا بما وُجِد من العمل عليه في المدينة. فقد روى مالك عن عروة، وسعيد بن المسيب، وابن شهاب: أن القطرة الواحدة تُحَرِّم. وقد عُضِّدَ ذلك بقياس الرَّضاع على الصِّهر بعلّة: أنه طارئ يقتضي تأبيد الحرمة (٣)، فلا يشترط فيه العدد، كالصِّهر (٤). أو يقال: مائع يلج الباطن محرمٌ، فلا يشترط فيه عدد كالمني. واعتذر عن تلك الأحاديث بأمور: أحدها: أنه ليس عليها العمل. قال مالك: ليس العمل على حديث: (ثم نُسِخنِ بخمس معلومات). وهذا إنما يتمشَّى على مذهب من يقول: إن العمل أولى من الخبر. وهو مذهب مالك وأصحابه على تفصيل يعرف في الأصول.

стр. 2197

[١٥١٤] وعَنها: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ أَتُحَرِّمُ المَصَّةُ؟ قَالَ: لَا. رواه مسلم (١٤٥١) (٢٣). * * * ــ وثانيها: أنها أحاديث مضطربة متعارضة، الأعداد؛ فيها: عشر، وخمس، وثلاث. فوجب تركها، والتمسَّك بالأصل. وثالثها: أن عائشة ﵂ ذكرت: (في عشر رضعات، ونسخها في خمس) (١): أن ذلك كان بالقرآن، ولم يتواتر إلينا، فليست بقرآن، ولا رفعته إلى النبي ﷺ فيكون خبرًا من أخبار الآحاد، فلا يصلح التمسُّك به، كما ذكر في الأصول. وغاية ما يحمل عليه حديث عائشة: أن ذلك كان كذلك، ثم نُسخ كُلُّ ذلك تلاوةً وحُكمًا، والله تعالى أعلم. وأمَّا حديث: (لا تُحَرِّمُ المصَّة ولا المصَّتان) فهو أنصُّ ما في الباب، غير أنه يمكن أن يُحمل على ما إذا لم يتحقق وصول اللَّبن إلى جوف الرَّضيع. ويؤيد هذا التأويل قوله: (عشر رضعات معلومات) و (خمس معلومات). فوَصفُهَا بالمعلومات إنما هو تحرُّز مما يتوهم، أو يشك في وصوله إلى الجوف من الرضعات. ويفيد دليل خطابه: أن الرضعات إذا كانت غير معلومات لم تُحرِّم. وقال بعضهم: لعل هذا حين كان يشترط في التحريم العشر والعدد، فلما نسخ ارتفع ذلك كلُّه، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 2198

(٢٣) باب نسخ عشر رضعات بخمس، ورضاعة الكبير [١٥١٥] عَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: كَانَ فِيمَا أُنزِلَ مِن القُرآنِ عَشرُ رَضَعَاتٍ مَعلُومَاتٍ يُحَرِّمنَ، ثُمَّ نُسِخنَ بِخَمسٍ مَعلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهُنَّ فِيمَا يُقرَأُ مِن القُرآنِ. رواه مسلم (١٤٥٢) (٢٤)، وأبو داود (٢٠٦٢)، والترمذي (١١٥٠)، والنسائيُّ (٦/ ١٠٠)، وابن ماجه (١٩٤٢). [١٥١٦] وعَنها قَالَت: جَاءَت سَهلَةُ بِنتُ سُهَيلٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَرَى فِي وَجهِ أَبِي حُذَيفَةَ مِن دُخُولِ سَالِمٍ (وَهُوَ ــ (٢٣) ومن باب: رضاعة الكبير (سالم) هذا هو: سالم بن معقل، مولى سلمى بنت يعار، زوجة أبي حذيفة. وقيل: سَهلة بنت سُهيل. وقيل في اسمها غير سَلمى. وكان أبو حذيفة قد تبنَّاه على ما كانت عادتهم في التبنِّي، وكان قد نشأ في حجر أبي حذيفة وزوجته نشأة الابن، فلمَّا أنزل الله تعالى: ﴿ادعُوهُم لآبَائِهِم﴾ بطل حكم التبنِّي، وبقي سالم على دخوله على سهلة بحكم صغره، إلى أن بَلَغَ مبلغ الرجال، وجدا - أعني: أبا حذيفة وسهلة - في نفوسهما كراهة ذلك، وثَقل عليهما أن يمنعاه الدخول؛ للإلف السابق، إلى أن سألا عن ذلك (١) رسول الله ﷺ فقال لها رسول الله ﷺ : (أرضعيه تحرمي عليه، ويذهب ما في نفس أبي حذيفة) فأَرضعته، فكان ذلك. فرأى سائر أزواج النبي ﷺ خلا عائشة: أن ذلك خاصٌّ بسالم، وأن

стр. 2199

حَلِيفُهُ) فَقَالَ رسول الله ﷺ : أَرضِعِيهِ قَالَت: وَكَيفَ أُرضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: قَد عَلِمتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ. وفي رواية: إِنَّهُ ذُو لِحيَةٍ. بدل رجل كبير. رواه أحمد (٦/ ٣٨ و ٣٩)، ومسلم (١٤٥٣) (٢٦) و (٣٠)، والنسائي (٦/ ١٠٤ و ١٠٥)، وابن ماجه (١٩٤٣). ــ ذلك لا يتعداه؛ لِمَا اقترن بذلك (١) من القرائن التي ذكرناها، ولِمَا يعارضه مما يأتي ذِكرُهُ. وإلى مذهبهنَّ في ذلك صار جمهور السَّلف والخلف من الفقهاء وغيرهم. وحملوا الحديث على الخصوص. ورأوا: أن رضاعة الكبير للأجنبية لا تجوز، وإن وقعت لم يلزم بها حكم، لا في النكاح، ولا في الحجاب، ما خلا داود فإنه قال: يرفع تحريم الحجاب لا غير؛ تمسُّكًا بحديث سالم. قال ابن الموَّاز (٢): لو أخذ بهذا في الحجابة لم أعِبه، وتركه أحبُّ إليَّ، وما علمت مَن أخذ به عامًّا إلا عائشة. قال الباجي: قد انعقد الإجماع على خلاف التحريم برضاعة الكبير. قال أبو الفضل عياض: لأن الخلاف إنما كان أوَّلا ثم انقطع. قلت: وفيما ذكره ابن المَوَّاز عن عائشة: أنها ترى رضاعة الكبير تحريِمًا عامًّا نظر؛ فإن نصَّ حديث الموطأ عنها: أنها إنما كانت تأخذ بذلك في الحجاب خاصَّة. فتأمل ما في الموطأ (٣) من حديث سالم هذا، فإن مالكا ﵁ ساقه أكمل مساق وأحسنه، وذكر فيه جملة من القرائن الدالة على خصوصية سالم بذلك.

стр. 2200

[١٥١٧] وعَنها أَنَّ سَالِمًا مَولَى أَبِي حُذَيفَةَ كَانَ مَعَ أَبِي حُذَيفَةَ وَأَهلِهِ فِي بَيتِهِم، فَأَتَت (تَعنِي بنَت سُهَيلٍ) النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَت: إِنَّ سَالِمًا قَد بَلَغَ مَا يَبلُغُ الرِّجَالُ، وَعَقَلَ مَا عَقَلُوا، وَإِنَّهُ يَدخُلُ عَلَينَا، وَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ فِي نَفسِ أَبِي حُذَيفَةَ مِن ذَلِكَ شَيئًا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : أَرضِعِيهِ تَحرُمِي عَلَيهِ، وَيَذهَب الَّذِي فِي نَفسِ أَبِي حُذَيفَةَ. رواه مسلم (١٤٥٣) (٢٧). ــ وقد اعتضد للجمهور على الخصوصية بأمور: أحدها: أن ذلك مخالف للقواعد؛ منها: قاعدة الرَّضاع؛ فإن الله تعالى قد قال: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرضِعنَ أَولادَهُنَّ حَولَينِ كَامِلَينِ لِمَن أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ فهذه أقصى مدَّة الرضاع المحتاج إليه عادة، المعتبر شرعًا، فما زاد عليه بمدَّة مؤثرةٍ غير محتاج إليه عادةً، فلا يعتبر شرعًا؛ لأنه نادر، والنادر لا يحكم له بحكم المعتاد. ومنها: قاعدة تحريم الاطلاع على العورة؛ فإنه لا يختلف في أن ثدي الحرَّة عورة، وأنَّه لا يجوز الاطلاع عليه، لا يقال: يمكن أن يرضع ولا يطلع؛ لأنَّا نقول: نفس التقام حَلَمَةَ الثدي بالفم اطّلاع، فلا يجوز. ومنها: أنه مخالف لقوله ﷺ : (إنما الرَّضاعة من المَجَاعة) (١). وهذا منه ﷺ تقعيد قاعدة كلية؛ تُصرِّح بأن الرَّضاعة المعتبرة في التحريم؛ إنما هي في الزمان الذي تغني فيه عن الطعام، وذلك إنما يكون في الحولين وما قاربهما. وهو الأيام اليسيرة بعد الحولين عند مالك. وقد اضطرب أصحابه في تحديدها. فالمكثر يقول: شهرًا. وكأن مالكا يشير: إلى أنه لا يفطم الصبي في دفعة واحدة، في يوم

стр. 2201

[١٥١٨] وعَن زَينَبَ بِنتَ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ أُمَّهَا أُمَّ سَلَمَةَ زَوجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَت تَقُولُ: أَبَى سَائِرُ أَزوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَن يُدخِلنَ عَلَيهِنَّ أَحَدًا بِتِلكَ الرَّضَاعَةِ، وَقُلنَ لِعَائِشَةَ: وَاللَّهِ مَا نَرَى هَذَا إِلَّا رُخصَةً أَرخَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسَالِمٍ خَاصَّةً، فَمَا هُوَ بِدَاخِلٍ عَلَينَا أَحَدٌ بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ، وَلَا رَائِينَا. رواه مسلم (١٤٥٤). * * * ــ واحد، بل في أيام وعلى تدريج. فتلك الأيام التي يحاول فيها فطامه حُكمها حكم الحولين؛ لقضاء العادة بمعاودة الرَّضاع فيها. وقد أطلق بعض الأئمة على حديث سالم: أنَّه منسوخ. وأظنُّه سُمِّى التخصيص نسخًا، وإلا فحقيقة النسخ لم تحصل هنا؛ على ما يعرف في الأصول. و(قوله: أرضعيه يذهب ما في نفس أبي حذيفة) يعني: أنه إذا علم أبو حذيفة أنَّه قد حكم له بحكم ذوي المحارم، وقد رفع عنه ما كان يخافه من الحرج والتأثيم (١): لم يبق له كراهة، ولا نفرة تغير وجهَه. وكذلك كان. * * *

стр. 2202

(٢٤) باب إنما الرَّضاعة من المَجَاعة [١٥١٩] عَن مَسرُوقٍ قَالَ: قَالَت عَائِشَةُ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَعِندِي رَجُلٌ قَاعِدٌ فَاشتَدَّ ذَلِكَ عَلَيهِ، وَرَأَيتُ الغَضَبَ فِي وَجهِهِ قَالَت: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ أَخِي مِن الرَّضَاعَةِ، قَالَت: فَقَالَ: انظُرنَ إِخوَانَكُنَّ مِن الرَّضَاعَةِ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ عن المَجَاعَةِ. وفي رواية من بدل عن. رواه البخاري (٥١٠٢)، ومسلم (١٤٥٥)، وأبو داود (٢٠٥٨)، والنسائي (٦/ ١٠٢). * * * ــ (٢٤) ومن باب: إنما الرَّضاعة من المَجَاعة (١) (غضب النبي ﷺ لما رأى في بيته من لا يعرفه): هو تأديب منه لها. وقد كان ﷺ أخذ على النساء: ألا يوطئن فرشهن أحدًا يكرهه الزوج. ولذلك بادرت بالعذر، فقالت: (إنه أخي من الرَّضاعة). و(قوله: انظرن إخوانكن من الرَّضاعة) يعني: تحققن صحة (٢) الرَّضاعة، ووقتها؛ فإنها إنما تنشر الحرمة إذا وقعت على شرطها، وفي وقتها، كما ذكرناه آنفًا. و(قوله: إنما الرَّضاعة عن المَجاعة) إنما: للحصر، فكأنه قال: لا رضاعة معتبرة إلا المُغنِية عن المَجَاعة، أو المطعمة من المَجَاعة، كما قال

стр. 2203

(٢٥) باب في قوله تعالى: (والمحصنات من النساء) [١٥٢٠] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَومَ حُنَينٍ ــ تعالى: ﴿أَطعَمَهُم مِن جُوعٍ﴾ فـ (عن) أو (من) على اختلاف الروايتين متعلَّق بمحذوف، تقديره ما ذكرناه. (٢٥) ومن باب: قوله تعالى: ﴿وَالمُحصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (المحصنة) اسم مفعول، من: أحصنت. وأصل الإحصان: المنع؛ ومنه الِحصن الذي يُمتَنَع فيه. والفرس حِصان؛ لأنه يتحصن عليه. ويقال: محصنة على ذات الزوج؛ لأن الزوج قد منعها من غيره، وعلى العفيفة؛ لأنها قد (١) منعت نفسها من الفواحش. ويقال على الحرة؛ لأن الحرية تمنعها مما يتعاطاه العبيد. وقد جاءت الأوجه الثلاثة في القرآن. والمراد به في هذه الآية: ذوات الأزواج؛ أي: هنَّ (٢) ممن حرم عليكم. ثم استثنى بقوله: ﴿إِلا مَا مَلَكَت أَيمَانُكُم﴾ وهذه الآية اختلف الناس في سبب نزولها. وحديث أبي سعيد هذا أصحُّ ما نقل في ذلك. وبه يرتفع الخلاف. فإنه نصَّ فيه: على أنها نزلت بسبب تحرُّج أصحاب رسول الله ﷺ عن إتيان المسبيَّات ذوات الأزواج، فأنزل الله تعالى في جوابهم: ﴿أَو مَا مَلَكَت أَيمَانُكُم﴾ فالمسبيات ذوات الأزواج داخلات في عموم ﴿إِلا مَا مَلَكَت أَيمَانُكُم﴾ (٣) فالسَّبي فَسخٌ لنكاحهنَّ بلا شك. وهل هو فسخ

стр. 2204

بَعَثَ جَيشًا إِلَى أَوطَاسَ، فَلَقُوا العَدُوًّ فَقَاتَلُوهُم فَظَهَرُوا عَلَيهِم، وَأَصَابُوا ــ بطلاق، أو بغير طلاق؟ ذهب للأول الحسن البصري. ثم هل يقصر التحريم عليهن -أعني المسبيَّات لأنهن السبب -، أو يُحمل اللفظ على عمومه؟ قولان لأهل العلم. وعن هذا نشأ الخلاف في بيع الأمة ذات الزوج، وهبتها، وميراثها، وعتقها. فقال الحسن: إن ذلك كلّه طلاق لها من زوجها. وروي عن عمر في قوله: ﴿إِلا مَا مَلَكَت أَيمَانُكُم﴾ بملك نكاح، أو يمين، أو غلبة (١). وذهب مالك، وجمهور العلماء: إلى أنه ليس شيء من ذلك فسخًا ولا طلاقا؛ بدليل حديث بريرة: أنها لما أعُتقِت خُيِّرت. فلو كان عتقها طلاقا لما صحَّ خيارها، فإنَّه كان يقع بنفس العتق. وهو يدلّ على أن الآية مقصورة على سببها. فإذا تقرَّر: أن السَّبِي فسخٌ، فالمشهور من مذهبنا: أنه لا فرق بين أن يُسبى الزوجان مجتمعين أو مفترقين. وروى ابن بكير عن مالك: أنهما إن سُبيا جميعًا، واستبقي الرَّجل، أقرَّا على نكاحهما. فرأى في هذه الرواية: أن استبقاءه إبقاء لما يملكه؛ لأنه قد صار له عهد، وزوجته من جملة ما يملكه، فلا يحال بينها وبينه. والصحيح الأول للتمسُّك بظاهر الآية كما تقدّم، ولأنها قد مُلِكَت رقبتُها بالسباء، فتُملَكُ جميع منافعها، ولا ينتقض ذلك بالبيع، ولا بغيره من الوجوه التي تنقل الملك المذكور على ما تقدَّم، لأنها خروج من مالك مِلكًا مُحقَّقًا، والكافر لا يملك ملكًا محضًا، فافترقا (٢). و(قوله: في سبي أوطاس) قد قدَّمنا أن غزوة أوطاس هي غزوة حنين. وقول (٣) مَن قال: إن ذلك كان في خيبر وَهمٌ.

стр. 2205

لَهُم سَبَايَا، فَكَأَنَّ نَاسًا مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَحَرَّجُوا مِن غِشيَانِهِنَّ مِن أَجلِ أَزوَاجِهِنَّ مِن المُشرِكِينَ فَأَنزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: وَالمُحصَنَاتُ مِن النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَت أَيمَانُكُم كِتَابَ اللَّهِ عَلَيكُم وَأُحِلَّ لَكُم مَا وَرَاءَ ذَلِكُم أَن تَبتَغُوا بِأَموَالِكُم مُحصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ فَمَا استَمتَعتُم بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُم فِيمَا تَرَاضَيتُم بِهِ مِن بَعدِ الفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا. أَي فَهُنَّ لَكُم حَلَالٌ إِذَا انقَضَت عِدَّتُهُنَّ. رواه مسلم (١٤٥٦) (٣٣)، وأبو داود (٢١٥٥)، والترمذيُّ (١١٣٢)، والنسائي (٦/ ١١٠). * * * ــ و(قوله: تحرَّجوا من غِشيانهن) أي: خافوا الحرج، وهو: الإثم هنا. وفي الأم (١) في إحدى الروايات: (تحوَّبوا) أي: خافوا الحوب. وهو الإثم أيضًا. و (غشيانهن) أي: وطؤهن. و(قوله: من أجل أزواجهن) أي: ظنُّوا أنَّ نكاح أزواجهن لم تنقطع عصمته. وفي هذا ما يدلُّ على وجوب توقف الإنسان، وبحثه، وسؤاله عمَّا لا يتحقق وجهه، ولا حكمه. وهو دأب من يخاف الله تعالى. ولا يختلف في أن ما لا يتبين حكمه لا يجوز الإقدام عليه. و(قوله: فهنّ لكم حلال إذا انقضت عدتهن) يعني بالعدَّة: الاستبراء من ماء الزوج الكافر، وذلك يكون بحيضة واحد، فإن نكاح الكافر فاسد عندنا بحكم

стр. 2206

(٢٦) باب الولد للفراش [١٥٢١] عَن عَائِشَةَ قَالَت: اختَصَمَ سَعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبدُ بنُ زَمعَةَ فِي غُلَامٍ فَقَالَ سَعدٌ: هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ابنُ أَخِي عُتبَةَ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ــ الأصالة على المشهور. وهو الصحيح لِعُرُّوِّ أنكحتهم عن الشروط الشرعية. وقد تقدَّم من حكاية الحسن: أن الصحابة ﵃ كانوا يستبرئون المسبيَّة بحيضة. وأمَّا على قول من يرى أن أنكحتهم صحيحة - وهو الشافعي، وأبو حنيفة - فتعتد عدَّةً كاملةً؛ لأنها قد انفسخ عنها نكاح صحيح كان، لولا أن عارض السَّبِي قَطَعَه، وهي أولى بذلك على مذهب الحسن الذي يقول: إن نكاحها ينفسخ بطلاق، فتكون مطلقة من زوج في نكاح صحيح، وتعتدّ عدَّة كاملة. وهل تعتد على مذاهب هؤلاء عدَّة الأمة، أو عدَّة الحرَّة؛ فيه نظر على أصولهم. (٢٦) ومن باب: الولد للفراش (قوله: اختصم سعد بن أبي وقاص، وعبد بن زمعة في غلام) سببُ هذا الاختصام: أنهم كانوا يبتاعون الإماء في الجاهلية، ويستأخرونهن للوطء، ويُلحقون النسب بالزنى، فمن ألحقته المزنيُّ بها التحق به، ومن ألحقه بنفسه من الزناة بها التحق به إذا لم ينازعه غيره. فكان عتبة بن أبي وقاص قد وقع بأَمَةِ زمعة؛ فحملت فولدت غلامًا، فلمَّا حضرت وفاةُ عتبة عَهِدَ لأخيه سعدٍ بأن يأخذه إليه، لأنه ابنه، ثم مات عتبة على شركه، فحينئذٍ تخاصم سعد مع عبد بن زمعة في ذلك الغلام، فاحتجّ سعد باستلحاق أخيه عتبة له على عاداتهم في الاستلحاق بالزنى. وتمسَّك عبدٌ بفراش أبيه، وكأنَّ عبدًا كان قد سمع: أن الشرع يُلحق بالفراش. وإلَاّ فلم تكن عادتهم الإلحاق به. فقضى النبي ﷺ بالولد لصاحب الفراش، وقطع الإلحاق بالزنى بقوله: (وللعاهر الحجر).

стр. 2207

عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابنُهُ انظُر إِلَى شَبَهِهِ، وَقَالَ عَبدُ بنُ زَمعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِن وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى شَبَهِهِ فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتبَةَ، فَقَالَ: هُوَ لَكَ يَا عَبدُ؛ ــ و(قول عبد بن زمعة في الغلام: أخي، وابن وليدة أبي) تمسَّك به الشافعي: على أن الأخ يستلحق، ومنعه مالك وقال: لا يستلحق إلا الأب خاصَّة؛ لأنه لا يتنزل غيره في تحقيق الإصابة منزلته. وقد اعتذر لمالك عن ذلك الظاهر بوجهين: أحدهما: أن الحديث ليس نصًّا في أنه ألحقه به بمجرد نسبة الأخوة، فلعل النبي ﷺ علم وطء زمعة تلك الأمة (١) بطريق اعتمدها من اعترافٍ، أو غيره، فحكم بذلك، لا باستلحاق الأخ. والثاني: أن حكمه به لم يكن لمجرد الاستلحاق، بل بالفراش. ألا ترى قوله: (الولد للفراش)؟ وهذا تقعيد قاعدة، فإنه لَمَّا انقطع إلحاق هذا الولد بالزاني، لم يَبق إلا أن يلحق بصاحب الفراش؛ إذ قد دار الأمر بينهما. وهذا أحسن الوجهين. وهذا الحديث حجة على أبي حنيفة، حيث يقول: إن الولد لا يلحق إلا إذا تقدَّمه ولد سابق، على ما حكاه عنه الإمام أبو عبد الله المازري. و(قوله: فرأى شبهًا بيِّنًا بعتبة، وقال: (هو لك يا عبد) يدلُّ على أن الشبه لا يعمل عليه في الإلحاق عند وجود ما هو أقوى منه، فإنَّه ألغاه هنا، وحكم بالإلحاق لأجل الفراش، كما ألغاه في حديث اللعان لأجل اللعان. وأمَّا في حديث القافة: فليس له هناك معارض هو أقوى منه، فأُعمِل. و(قوله: هو لك يا عَبدُ) هكذا الرواية بإثبات (يا) النداء و (عبد) منادى

стр. 2208

الوَلَدُ لِلفِرَاشِ، ــ مفرد، يريد به: عبد بن زمعة، ولا شك في هذا. وقد وقع لبعض الحنفية: (عبدُ) بغير (يا) فنوَّنه. وفرَّ بذلك عمَّا لزمهم من إلحاق الولد من غير اشتراط ولد متقدم. وقالوا: إنما ملَّكَه إياه؛ لأنه ابن أَمَةِ أبيه، لا أنَّه ألحقه بأبيه. وهذه غفلةٌ عن الرواية واللسان. أمَّا الرواية: فقد ذكرناها. وأمَّا اللسان: فلو سلَّمنا أن الرواية بغير (يا) فالمخاطب عبد بن زمعة، وهو بلا شك: منادى، إلا أن العرب تحذف حرف النداء من الأسماء الأعلام؛ كما قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعرِض عَن هَذَا﴾، وهو كثير. و (عبد) هنا: اسم علمٌ يجوز حذفُ حرف النداء منه. و(قوله: الولد للفراش) الفراش هنا: كناية عن الموطوءة؛ لأن الواطئ يستفرشها؛ أي: يُصَيِّرها كالفراش. ويعني به: أن الولد لاحِقٌ بالواطئ. قال الإمام: وأصحاب أبي حنيفة يحملونه على أن المراد به صاحب الفراش، ولذلك لم يشترطوا إمكان الوطء في الحرَّة. واحتجُّوا بقول جرير: باتت تعانقه وبات فراشها ... خلق العباءة في الدماء قتيلًا يعني: زوجها، والأول أولى لما ذكرناه من الاشتقاق، ولأن ما قدَّره من حذف المضاف ليس في الكلام ما يدلُّ عليه، ولا يُحوج إليه. وعلى ما أصَّلناه فقد أخذ بعموم قوله: (الولد للفراش) الشعبيُّ، ومن قال بقوله. فقال: الولد لا ينتفي عمَّن له الفراش لا بلعان، ولا غيره. وهو شذوذ، وقد حكي عن (١) بعض أهل المدينة، ولا حجة لهم في ذلك العموم لوجهين: أحدهما: أنه خرج على سبب ولد الأمة، فيُقصر على سببه. وثانيهما: أن الشرع قد قعَّد قاعدة اللّعان في حقّ الأزواج، وأن الولد ينتفي

стр. 2209

وَلِلعَاهِرِ الحَجَرُ، وَاحتَجِبِي مِنهُ يَا سَودَةُ بِنتَ زَمعَةَ، قَالَت: فَلَم يَرَ سَودَةَ قَطُّ. رواه أحمد (٦/ ٣٧)، والبخاريُّ (٢٢١٨)، ومسلم (١٤٥٧) (٣٦)، وأبو داود (٢٢٧٣)، والنَّسائيُّ (٦/ ١٨٠)، وابن ماجه (٢٠٠٤). * * * ــ بالتعانهما، فيكون ذلك العموم المظنون مخصَّصًا بهذه القاعدة المقطوع بها. ولا يختلف في مثل هذا الأصل. و(قوله: وللعاهر الحجر) العاهر: الزاني. وهو اسم فاعل من: عَهَرَ الرَّجلُ المرأة، يعهَرُهَا: إذا أتاها للفجور. وقد عهرت (١) هي، وتعيهرت؛ إذا زنت. والعهر: الزنى. واختلف في معنى: (للعاهر الحجر). فمنهم من قال: عنى به الرَّجم للزاني المحصن. ومنهم من قال: يعني به: الخيبة؛ أي: لا حظَّ له في الولد؛ لأن العرب تجعل هذا مثلًا. كما يقولون: امتلأت يده ترابًا؛ أي: خيبة. قلت: وكأن هذا هو الأشبه بمساق الحديث، وبسببه. وهي حاصلة؛ أي: الخيبة لكل الزناة. فيكون اللفظ محمولًا على عمومه. وهو الأصل. ويؤخذ دليل الرَّجم من موضع آخر. وحمله على الزاني المحصن تخصيص اللفظ من غير حاجة ولا دليل. و(قوله ﷺ لسودة: (احتجبي منه) يُستَدلُّ به على إعطاء الشوائب المختلفة أحكامها المختلفة؛ فإنه ألحق الولد بصاحب الفراش، وأمر سودة بالاحتجاب من الغلام الملحق، وإن كان أخاها شرعًا للشَّبَه (٢). وهذا منه ﷺ من باب الاحتياط، وتوقَّي الشُّبهات. ويحتمل أن يكون ذلك لتغليظ أمر الحجاب في حق سودة؛ لأنها

стр. 2210

(٢٧) باب قبول قول القافة في الولد [١٥٢٢] عَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيَّ مَسرُورًا تَبرُقُ أَسَارِيرُ وَجهِهِ ــ من زوجاته ﵅. وقد غلّظ ذلك في حقهنَّ، ولذلك قال ﷺ لحفصة وعائشة في حق ابن أم مكتوم: (أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه؟ ! ) (١). وقال لفاطمة بنت قيس: (انتقلي إلى بيت ابن أمِّ مكتوم، تضعين ثيابك عنده) (٢) فأباح لها ما منعه لأزواجه. وفيه ما يدلُّ على أن وطء الزنى يُوجب الحرمة. وهو مذهب أهل الرأي، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وهو أحد قولي مالك، وروي عنه في الموطأ: أنه لا يُحرِّم، وهو قول الشافعي، وأبي ثور. وهو الصحيح؛ لأن وطء الزنى لا حرمة له اتفاقًا، فلا تكون له محرمية. وتفصيله في الخلاف. وعلى القول بأنَّه لا يحرّم، يكون الأمر لسودة بالاحتجاب من الملحق (٣) واجبا. (٢٧) ومن باب: قبول قول القافة في الولد (قول عائشة ﵂: دخل عليَّ رسول الله ﷺ مسرورًا تبرقُ أسارير وجهه) وفي رواية: (أسارير جبهته) وهي: الطرائق الدقيقة، والتكَسُّر اليسير الذي يكون في الجبهة والوجه، والغضون أكثر من ذلك. وواحد الأسارير: أسرار، وواحدها: سِرٌّ وسَرَرٌ. فأسارير: جَمعُ الجمع. ويجمع في
следующие страницы →