(٢٢) بَابُ إِثمِ مَن كَفَّرَ مُسلِمًا أو كَفَرَ حَقَّهُ
[٥٠] عَنِ ابنِ عُمَرَ؛ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَيُّمَا امرِئٍ قَالَ
ــ
(٢٢) وَمِن بَابِ إِثمِ مَن كَفَّرَ مُسلِمًا أو كَفَرَ حَقَّهُ
كَفَّرَ الأوَّلُ - مشدَّدا - ومعناه: نسبَهُ إلى الكفر، وحكَمَ عليه به، وكفَرَ الثاني - مخفَّفٌ - بمعنى: جحَدَ حقَّهُ، ولم يقم به.
و(قوله ﵊: أَيُّمَا امرِئٍ قَالَ لأخِيهِ: كَافِرٌ) صوابُ تقييده: كافرٌ بالتنوين، على أن يكون خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: أنتَ كافر، أو هو كافرٌ. وربَّما قيَّده بعضهم: كَافِرُ بغير تنوين؛ فجعله منادًى مفردًا محذوفَ حرف النداء. وهذا خطأٌ؛ إذ لا يحذفُ حرفُ النداء مع النكرات ولا مع المُبهَمات، إلَاّ فيما جرى مجرى المَثَل؛ في نحو قولهم: أَطرِق كَرَا (١)، وافتَدِ مخنوقُ (٢)، وفي حديث موسى: ثَوبِي حَجَرُ، ثَوبِي حَجَرُ (٣)، وهو قليلٌ. وأصلُ الكفر: التغطيةُ والستر؛ ومنه سُمِّيَ الزارع: كافرًا؛ ومنه قوله تعالى: أَعجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ أي: الزُّرَّاع، ومنه قول الشاعر:
стр. 247
لأخِيهِ: كَافِرٌ، فَقَد بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، إِن كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلاّ رَجَعَت عَلَيهِ.
رواه أحمد (٢/ ٦٠)، ومسلم (٦٠).
ــ
. . . . . . . . . . . ... فِي لَيلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا (١)
أي: ستَرَ وغطَّى، والغمام: السحاب.
وأمَّا الكفر الواقعُ في الشرع، فهو جحدُ المعلومِ منه ضرورةً شرعيَّةً، وهذا هو الذي جَرَى به العُرفُ الشرعيُّ، وقد جاء فيه الكُفرُ بمعنَى جَحدِ المُنعِم، وتَركِ الشكرِ على النِّعَم، وتركِ القيامِ بالحقوق؛ ومنه قوله ﵊ للنساء: يكفُرنَ الإِحسَانَ، ويكفُرنَ العَشِيرَ (٢)، أي: يَجحَدنَ حقوقَ الأزواج وإحسانهم؛ ومِن هاهنا صحَّ أن يقال: كفرٌ دون كفرٍ، وظُلمٌ دون ظلمٍ، وسيأتي لهذا مزيدُ بيان.
و(قوله: فَقَد بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا) أي: رجَعَ بإثمها، ولازَمَ ذلك؛ قال الهرويُّ: وأصلُ البَوء: اللزوم؛ ومنه: أَبُوءُ بِنِعمَتِكَ عَلَيَّ (٣)، أي: أُقِرُّ بها وأُلزِمها نفسي، وقال غيره من أهل اللغة: إنَّ باء في اللغة: رجَعَ بِشَرٍّ.
والهاءُ في بها راجعٌ إلى التكفيرةِ الواحدة التي هي أقلُّ ما يدلُّ عليها لفظ كافر.
ويحتملُ أن يَعُودَ إلى الكلمة، ونعني بهذا أنَّ المقولَ له كافر إن كان كافرًا كفراً شرعيًّا، فقد صدَقَ القائلُ له ذلك، وذهَبَ بها المقولُ له، وإن لم يكن كذلك، رجعَت للقائلِ مَعَرَّةُ (٤) ذلك
стр. 248
[٥١] وَعَن أَبِي ذَرٍّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: لَيسَ مِن رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيرِ أَبِيهِ - وهو يَعلَمُهُ - إِلَاّ كَفَرَ، وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيسَ لَهُ، فَلَيسَ مِنَّا،
ــ
القولِ وإثمُهُ.
وأحدهما هنا يعني به: المقول له على كلِّ وجه؛ لقوله: إِن كَانَ كَمَا قَالَ، وأمَّا القائُل، فهو المَعنِيُّ بقوله: وَإِلَاّ رَجَعَت عَلَيهِ. وبيانُهُ بما في حديث أبي ذرٍّ الذي قال فيه: مَن دَعَا رَجُلاً بِالكُفرِ، أو قَالَ: عَدُو اللهِ ولَيسَ كَذَلِكَ، إلَاّ حَارَ عَلَيهِ (١)، أي: على القائل. وحار: رجع، ويعني بذلك وِزرَ ذلك وإثمَهُ.
و(قوله: لَيسَ مِن رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيرِ أَبِيهِ، وهو يَعلَمُهُ، إِلَاّ كَفَرَ) أي: انتسَبَ لغير أبيه رغبةً عنه مع عِلمِه به. وهذا إنَّما يفعله أهلُ الجفاءِ والجهلِ والكِبر؛ لِخِسَّةِ مَنصِبِ الأب ودناءته؛ فيرى الانتسابَ إليه عارًا ونقصًا في حقِّه. ولا شكَّ في أنَّ هذا محرَّمٌ معلومُ التحريمِ، فمَن فعَلَ ذلك مستحلاًّ، فهو كافرٌ حقيقةً، فيبقى الحديثُ على ظاهره.
وأمَّا إن كان غيرَ مستحلٍّ، فيكونُ الكفرُ الذي في الحديثِ محمولاً على كفرانِ النِّعَمِ والحقوقِ؛ فإنَّه قابَلَ الإحسانَ بالإساءة، ومَن كان كذلك، صدَقَ عليه اسمُ الكافر، وعلى فِعلِهِ أنَّهُ كُفرٌ؛ لغةً وشرعًا على ما قرَّرناه، ويحتملُ أن يقال: أُطلِقَ عليه ذلك؛ لأنَّه تَشَبَّهَ بالكُفَّار أهلِ الجاهليَّةِ، أهلِ الكِبرِ والأنفة؛ فإنَّهم كانوا يفعلون ذلك، والله تعالى أعلم.
و(قوله: مَنِ ادَّعَى مَا لَيسَ لَهُ، فَلَيسَ مِنَّا) ظاهره: التبرِّي المُطلَقُ، فيبقى على ظاهره في حقِّ المستحِلِّ لذلك؛ على ما تقدَّم. ويُتأوَّلُ في حقِّ غير المستحلِّ بأنَّه ليس على طريقة النبيِّ ﷺ ، ولا على طريقةِ أهلِ دينه؛ فإنَّ ذلك ظلمٌ، وطريقةُ أهلِ الدِّينِ: العدلُ، وتركُ الظلم، ويكونُ هذا كما قال: لَيسَ مِنَّا مَن ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوب (٢)، ويقرُبُ منه: مَن لم يَأخُذ مِن شاربِهِ، فليس مِنَّا (٣).
стр. 249
وَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَن دَعَا رَجُلاً بِالكُفرِ، أو قَالَ: عَدُو اللهِ وَلَيسَ كَذَلِكَ، إِلَاّ حَارَ عَلَيهِ.
رواه أحمد (٥/ ١٦٦)، والبخاري (٣٥٠٨)، ومسلم (٦١).
[٥٢] وَعَن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبِي بَكرَةَ، كِلَاهُمَا قَالَ: سَمِعَتهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلبِي، مُحَمَّدًا ﷺ يَقُولُ: مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيرِ أَبِيهِ وهو يَعلَمُ أَنَّهُ غَيرُ أَبِيهِ، فَالجَنَّةُ عَلَيهِ حَرَامٌ.
رواه أحمد (١/ ١٧٤) و (٥/ ٤٦)، والبخاري (٦٧٦٦)، ومسلم (٦٣)، وأبو داود (٥١١٣)، وابن ماجه (٢٦١٠).
[٥٣] وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : سِبَابُ المُسلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفرٌ.
رواه أحمد (١/ ٣٨٥ و ٤٣٣ و ٤٣٩ و ٤٤٦ و ٤٥٤ و ٤٥٥)، والبخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤)، والترمذي (٢٦٣٦)، والنسائي (٧/ ١٢٢)، وابن ماجه (٦٩) و (٣٩٣٩).
ــ
و(قوله: سَمِعَتهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلبِي: مُحَمَّدًا ﷺ ) الضميرُ في سَمِعَتهُ ضميرُ المصدر الذي دَلَّ عليه سَمِعَتهُ، أي: سَمِعَته سمعًا أُذنَايَ؛ كما تقولُ العربُ: ظننتُهُ زيدًا قائمًا، أي: ظَنَنتُ ظنًّا زيدًا قائمًا، وهذا الوجهُ أحسنُ ما يقالُ فيه إن شاء الله تعالى. ويجوزُ: أن يكونَ الضميرُ عائدًا على معهودٍ متصوَّرٍ في نفوسهم، ومحمّد بدلٌ منه، والله أعلم.
و(قوله: سِبَابُ المُسلِمِ فُسُوقٌ) أي: خروجٌ عن الذي يجبُ من احترامِ المسلم، وحرمةِ عِرضِهِ وسَبِّه، وقد تقدَّم القولُ في الفِسق.
و(قوله: وَقِتَالُهُ كُفرٌ) القول فيه على نحو ما ذكرناه آنفا.
стр. 250
[٥٤] وَعَن جَرِيرٍ، قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: استَنصِت لِيَ النَّاسَ، ثُمَّ قَالَ: لَا تَرجِعُوا بَعدِي كُفَّارًا؛ يَضرِبُ بَعضُكُم رِقَابَ بَعضٍ.
رواه أحمد (٤/ ٣٥٨ و ٣٦٣ و ٣٦٦)، والبخاري (١٢١)، ومسلم (٦٥)، والنسائي (٧/ ١٢٧ - ١٢٨)، وابن ماجه (٣٩٤٢).
[٥٥] وَعَنهُ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَيُّمَا عَبدٍ أَبَقَ مِن مَوَالِيهِ، فَقَد كَفَرَ، حَتَّى يَرجِعَ إِلَيهِم.
وَفِي آخَرَ: أَيُّمَا عَبدٍ أَبَقَ، فَقَد بَرِئَت مِنهُ الذِّمَّةُ.
ــ
و(قوله: لَا تَرجِعُوا بَعدِي كُفَّارًا؛ يَضرِبُ بَعضُكُم رِقَابَ بَعضٍ) أي: لا تَتشَبَّهُوا بالكفَّار في المقاتلةِ والمقاطعة. وفيه: ما يدلُّ على أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يعلم ما يكونُ بعده في أمَّته من الفتن والتقاتل، ويَدُلُّ أيضًا: على قربِ وقوعِ ذلك مِن زمانه؛ فإنَّه خاطَبَ بذلك أصحابَهُ، وظاهُرُه: أنَّه أرادهم؛ لأنَّه بهم أعنَى، وعليهم أحنَى، ويَحتَمِلُ غيرَ ذلك.
و(قوله: أَيُّمَا عَبدٍ أَبَقَ مِن مَوَالِيهِ، فَقَد كَفَرَ) محمولٌ على ما ذكرنا.
و(قوله: فَقَد بَرِئَت مِنهُ الذِّمَّةُ) أي: ذِمَّةُ الإيمان وعهدُهُ وخَفَارَتُهُ (١): إن كان مستحلاًّ للإباق، فيجبُ قتلُهُ بعد الاستتابة؛ لأنَّه مرتدٌّ، وإن لم يكن كذلك، فقد خرَجَ عن حُرمة المؤمنين وذِمَّتهم؛ فإنَّهُ تجوزُ عقوبتُهُ على إباقه، وليس لأحدٍ أن يحولَ بين سيَّده وبين عقوبتِهِ الجائزةِ إذا شاءها السَّيِّد. ويقال: بَرِئتُ مِنَ الرَّجُلِ والدَّينِ بَرَاءةً، وبَرئتُ أَبرَأُ إليه بُرءًا وبُرُوءًا، يقالُ أيضًا: بَرُؤتُ - بضمِّ الراء - أَبرُؤُ.
стр. 251
وَفِي آخَرَ: إِذَا أَبَقَ العَبدُ، لَم تُقبَل لَهُ صَلَاةٌ.
رواه أحمد (٤/ ٣٥٧ و ٣٦٥)، ومسطم (٦٨ و ٦٩ و ٧٠)، وأبو داود (٤٣٦٠)، والنسائي (٧/ ١٠٢).
[٥٦] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اثنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِم كُفرٌ: الطَّعنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ.
رواه أحمد (٢/ ٤٩٦)، ومسلم (٦٧).
* * *
ــ
و(قوله: لَم تُقبَل لَهُ صَلَاةٌ) إن كان مستحلاًّ، حُمِلَ الحديثُ على ظاهره؛ لأنَّه يكون كافرًا، ولا يُقبَلُ لكافرٍ عملٌ.
وإن لم يكن كذلك، لم تصحَّ صلاتُهُ على مذهب المتكلِّمين في الصلاة في الدار المغصوبة؛ لأنَّه منهيٌّ عن الكَونِ في المكانِ الذي يصلِّي فيه، ومأمورٌ بالرجوع إلى سيِّده، وأمَّا على مذهب الفقهاءِ المصحِّحين لتلك الصلاة، فيمكنُ أن يُحمَلَ الحديثُ على مذهبهم على أنَّ الإِثمَ الذي يلحقه في إباقِه أكثَرُ من الثواب الذي يدخُلُ عليه من جهة الصلاة؛ فكأنَّه صلاتَهُ لم تُقبَل؛ إذ لم يتخلَّص بسببها من الإثم، ولا حصَلَ له منها ثوابٌ يتخلَّصُ به من عقابِ الله على إباقه؛ فكان هذا كما قلناه في قوله ﵊: إنَّ شَارِبَ الخَمرِ لَا تُقبَلُ منهُ صَلَاةٌ أَربَعِينَ يَومًا (١)، وقد كنا كتبنا في ذلك الحديثِ جزءًا حسنًا.
و(قوله: اثنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِم كُفرٌ) أي: مِن خصالِ أهلِ الكفر؛ كما قال ﵊: أَربَعٌ فِي أُمَّتِي مِن أَمرِ الجَاهِلِيَّةِ لَا يَترُكُونَهنَّ: الطَّعنُ فِي الأحسَابِ، وَالفَخرُ بالأنسَابِ، وَالاِستِسقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ (٢).
стр. 252
(٢٣) بَابٌ نِسبَةُ الاِختِرَاعِ لِغَيرِ اللهِ حَقِيقَةً كُفرٌ
[٥٧] عَن زَيدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبحِ بِالحُدَيبِيَةِ فِي إِثرِ سَمَاءٍ كَانَت مِنَ اللَّيلِ، فَلَمَّا انصَرَفَ، أَقبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: هَل تَدرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُم؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ.
ــ
(٢٣) وَمِن بَابِ: نِسبَةُ الاِختِرَاعِ إِلَى غَيرِ اللهِ حَقِيقَةً كُفرٌ
(قوله: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبحِ بِالحُدَيبِيَةِ فِي إِثرِ سَمَاءٍ كَانَت مِنَ اللَّيلِ) أكثرُ الرواة يشدِّدون ياء الحُدَيبِيَّةِ، وهي لغةُ أهلُ اليمن، وأهل العراق يخفِّفونها. والجِعِرَّانة يقولها أهلُ المدينة بكسر العين وتشديد الراء، وأهلُ العراق يُسكِنون العين ويُخفِّفون الراء، وابنُ المسيِّب وأهلُ المدينة يكسرون الياءَ مشدَّدة، وأهلُ العراق يفتحونها، وكذلك قرأتُهُ، وقيَّدته على مَن لَقِيته وقَيَّدتُّ عليه.
والحديبية: موضعٌ فيه ماءٌ بينه وبين مَكَّة أميال، وَصَلَ النبيُّ ﷺ إليه وهو مُحرِمٌ بعمرة قبل فتح مكَّة، فصدَّه المشركون عن البيت، فصالحهم وشرَطَ لهم وعليهم، ولم يدخُل مكَّةَ في تلك السنة، ورجَعَ إلى المدينة، فلمَّا كان العامُ المقبلُ، دخلها، وسيأتي تفصيلُ ذلك كلِّه، إن شاء الله تعالى.
وإثرَ الشَّيءِ بكسرِ الهمزة وإسكانِ الثاء المثلَّثة: بَعدَهُ وعَقِبَهُ، ويقال فيه: أَثَر، بفتح الهمزة والثاء. والسَّمَاءُ هنا المطرُ، سُمِّي بذلك؛ لأنَّه من السماء ينزل، وحقيقةُ السماء: كلُّ ما علاك فأظلَّك.
و(قوله: فَلَمَّا انصَرَفَ، أَقبَلَ عَلَى النَّاسِ) أي: انصرَفَ مِن صلاته، وفرَغَ منها؛ فظاهره: أنَّه لم يكن يثبت في مكان صلاتِهِ بعد سلامه؛ بل كان ينتقلُ عنه ويتغيَّرُ عن حالته، وهذا الذي يستحبَّهُ مالك للإمامِ في المسجد؛ كما سيأتي.
стр. 253
قَالَ: قَالَ: أَصبَحَ مِن عِبَادِي مُؤمِنٌ بِي وَكَافِرٌ؛ فَأَمَّا مَن قَالَ: مُطِرنَا بِفَضلِ اللهِ وَرَحمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوكَبِ، وَأَمَّا مَن قَالَ: مُطِرنَا بِنَوءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤمِنٌ بِالكَوكَبِ.
رواه أحمد (٤/ ١١٧)، والبخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١)، وأبو داود (٣٩٠٦)، والنسائي (٣/ ١٦٥).
ــ
و(قوله: أَصبَحَ مِن عِبَادِي مُؤمِنٌ بِي وَكَافِرٌ) ظاهره: أنَّه الكُفرُ الحقيقيُّ؛ لأنَّه قابَلَ به المؤمنَ الحقيقيَّ، فيُحمَلُ على مَنِ اعتقَدَ أنَّ المطر مِن فعل الكواكبِ وخَلقِها، لا مِن فِعلِ الله تعالى؛ كما يعتقده بعضُ جهَّال المنجِّمين والطبائعيِّين والعَرَب.
فأمَّا من اعتقَدَ أنَّ الله تعالى هو الذي خلَقَ المَطَرَ واخترعَهُ ثُمَّ تكلَّم بذلك القولِ، فليس بكافر؛ ولكنَّه مخطئٌ من وجهَين:
أحدهما: أنّه خالَفَ الشرع؛ فإنَّه قد حذَّر من ذلك الإطلاق.
وثانيهما: أنَّه قد تشبَّه بأهلِ الكفر في قولهم، وذلك لا يجوزُ؛ لأنَّا قد أَمَرَنَا بمخالفتهم؛ فقال: خَالِفُوا المُشرِكين (١)، وخَالِفُوا اليَهُودَ (٢). ونُهِينَا عن التشبُّهِ بهم؛ وذلك يقتضي الأَمرَ بمخالفتهم في الأفعالِ والأقوالِ على ما يأتي إن شاء الله تعالى، ولأنّ الله تعالى قد مَنَعَنا من التشبُّهِ بهم في النطق، بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا لمَّا كان اليهودُ يقولون تلك الكلمةَ للنبيِّ ﷺ يقصدون ترعينَهُ (٣)، مَنَعَنَا اللهُ مِن إطلاقها، وقولِهَا للنبي ﷺ وإن قَصَدنا بها الخيرَ؛ سَدًّا للذريعة، ومنعًا من التشبُّهِ بهم. فلو قال غير هذا اللفظ
стр. 254
[٥٨] وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَصبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ، وَمِنهُم كَافِرٌ، قَالُوا: هَذِهِ رَحمَةُ اللهِ،
ــ
الممنوع يريدُ به الإخبارَ عمَّا أَجرَى الله به سُنَّتَهُ جاز؛ كما قال ﵊: إذا نشَأَت بَحرِيَّةٌ ثُمَّ تشاءَمَت، فَتِلكَ عَينٌ غَدِيقَةٌ (١).
و(قوله: فَأَمَّا مَن قَالَ: مُطِرنَا بِفَضلِ اللهِ وَرَحمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوكَبِ) أي: مصدِّقٌ بأنَّ المطر خَلقِي لا خلقُ الكوكب، أَرحَمُ به عبادي، وأتفضَّل عليهم به، كما قال: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيثَ مِن بَعدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحمَتَهُ وَهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ.
والنَّوء لغةً: النهوضُ بثِقَلٍ، يقال: ناء بكذا: إذا نهَضَ به متثاقلاً؛ ومنه: لَتَنُوءُ بِالعُصبَةِ أي: لَتُثقِلُهُم عند النهوضِ بها (٢). وكانت العَرَبُ إذا طلع نجمٌ من المشرِقِ، وسقَطَ آخر من المغرب، فحدَثَ عند ذلك مطرٌ أو ريح: فمنهم مَن يَنسُبُهُ إلى الطالِعِ، ومنهم مَن ينسبه إلى الغارب (٣) الساقِطِ نِسبَةَ إيجادٍ واختراعٍ، ويُطلِقون ذلك القولَ المذكور في الحديث، فنهى الشرعُ عن إطلاقِ ذلك؛ لئلا يَعتَقِدَ أحدٌ اعتقادَهُم، ولا يتشبَّهَ بهم في نُطقهم، والله أعلم.
و(قوله: أَصبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ، وَمِنهُم كَافِرٌ) أصلُ الشكر: الظهورُ؛ ومنه قولهم: دابَّةٌ شَكُورٌ: إذا ظهر عليها من السِّمَن فوق ما تأكلُهُ من العلف. والشاكرُ: هو الذي يُثنِي بالنعمةِ ويُظهِرها ويعترفُ بها للمُنعِم، وجَحدُهَا: كفرانُهَا؛ فمَن
стр. 255
وَقَالَ بَعضُهُم: لَقَد صَدَقَ نَوءُ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَنَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ: فَلَا أُقسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ حَتَّى بَلَغَ: وَتَجعَلُونَ رِزقَكُم أَنَّكُم تُكَذِّبُونَ.
رواه مسلم (٧٣).
* * *
ــ
نسَبَ المطَرَ إلى الله تعالى، وعرَفَ مِنَّتَهُ فيه، فقد شكَرَ الله تعالى، ومَن نسبه إلى غيره، فقد جحَدَ نعمةَ الله تعالى في ذلك، وظلَمَ بنسبتها لغير المُنعِم بها؛ فإن كان ذلك عن اعتقاد، كان كافرًا ظالمًا حقيقةً، وإن كان عن غير معتقد، فقد تشبَّهَ بأهلِ الكفر والظلمِ الحقيقيِّ؛ كما قلناه آنفًا.
وقد قابل في هذا الحديث بين الشكر والكفر؛ فدلَّ ظاهره على أن المراد بالكفر هاهنا كفرانُ النعم، لا الكفرُ بالله تعالى.
ويحتملُ أن يكون المرادُ به الكفرَ الحقيقيَّ؛ ويؤيِّد ذلك استدلالُ النبيِّ ﷺ بقوله تعالى: وَتَجعَلُونَ رِزقَكُم أَنَّكُم تُكَذِّبُونَ أي: تجعلون شُكرَ رزقِكُمُ التكذيبَ؛ على حذفِ المضاف؛ قاله المفسِّرون، وقرأ عليٌّ: وَتَجعَلُونَ شُكرَكُم فعبَّر عن الرزق بالشُّكرِ، والرزقُ: الشكرُ بلغَةِ أَزدِ شَنُوءة، يقال: ما أرزقَهُ! أي: ما أشكَرهُ! وما رزَقَ فلانٌ فلانًا، أي: ما شَكَره (١).
و(قوله: فَلَا أُقسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) أصله: للقسم؛ قاله ابنُ عبَّاس. وقرأ عيسى: لَأُقسِمُ بحذفِ الألف؛ كأنه قال: لَأُقسِمَنَّ، فحذَفَ نونَ التوكيد، وكذلك قرأ الحسَنُ والفراء (٢) في رواية البزي (٣): لأقسم
стр. 256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بيوم القيامة (١) ويلزمُ ذلك النونُ الشديدةُ أو الخفيفةُ، وحَذفُهَا شاذٌّ.
ومواقع النجوم مساقطها، وقيل: مطالعها، وقيل: انكدارُهَا وانتثارها يوم القيامة. وقيل في تأويلِ الآية: إنها قَسَمٌ بقلبِ محمد ﷺ ، والنجومُ هي القرآن؛ لأنَّه أُنزِلَ نجومًا؛ وروي ذلك عن ابن عبَّاس، والقَسَمُ: الإيلاءُ والحَلِفُ. وهذا وأشباهه قَسَمٌ من الله تعالى على جهة التشريفِ للمقسَمِ به، والتأكيدِ للمُقسَمِ له، ولله تعالى أن يُقسِمَ بما شاء مِن أسمائه وصفاتِهِ ومخلوقاتِهِ تشريفًا وتنويهًا؛ كما قال: وَالشَّمسِ وَضُحَاهَا، وَاللَّيلِ إِذَا يَغشَى، وَالعَادِيَاتِ، وَالمُرسَلَاتِ، وَالنَّازِعَاتِ ونحو هذا.
وقد تكلَّف بعضُ العلماء، وقال: إنَّ المقسَمَ به في مثلِ هذه المواضع محذوفٌ للعلم به؛ فكأنه قال: وربِّ الشمسِ، وربِّ الليل. والذي حمله على ذلك: أنَّه لمَّا سَمِع أنَّ الشرع قد نهانا أن نَحلِفَ بغير الله تعالى، ظنَّ أنَّ الله تعالى يمتنعُ مِن ذلك، وهذا ظن قاصر وفهمٌ غيرُ حاضر؛ إذ لا يَلزَمُ شيءٌ من ذلك؛ لأنَّ للهِ تعالى أن يحكمَ بما شاء، ويفعَلَ من ذلك (٢) ما يشاء؛ إذ لا يتوجَّهُ عليه حُكم، ولا يترتَّبُ عليه حَقٌّ. وأيضًا: فإنَّ الشرع إنما منعنا من القسمِ بغيرِ الله تعالى؛ حمايةً عن التشبُّهِ بالجاهليةِ فيما كانوا يُقسِمون به من معبوداتهم ومُعَظَّمَاتِهم الباطلةِ؛ على ما يأتي الكلامُ عليه في الأَيمَان.
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكنُونٍ﴾ الكريم: الشريفُ الكثيرُ المنافعِ السَّهلهَا. والمكنونُ: المَصُونُ المحفوظ، ويعني بالكتاب: اللوحَ المحفوظَ؛ كقوله: بَل هُوَ قُرآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوحٍ مَحفُوظٍ.
والمُطَهَّرُونَ بحكم عُرفِ الشرع: هم المتطهِّرون من الحدَثِ؛ وعليه فتكونُ لَا نهيًا، ويَمَسّهُ مجزومٌ بالنهي، وضُمَّت سينه لأجل الضمير؛ كما قالوا: شُرهُ ومُرهُ. ويجوزُ أن يكون خبرًا
стр. 257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن المشروعيَّة، أي: لا يجوزُ مسُّهُ إلَاّ لمن تطهَّر من الحدث، ويكونُ هذا نحو قولِهِ تعالى: وَالوَالِدَاتُ يُرضِعنَ أَولَادَهُنَّ حَولَينِ كَامِلَينِ. وهذا تقريرُ وجهِ منِ استدلَّ بالآية على تحريمِ مَسِّ القرآنِ على غير طهارة، وهُمُ الجمهور، وأَمَّا مَن أجاز ذلك، وهم أهلُ الظاهر: فحملوا الآية على أنَّها خبرٌ عمَّا في الوجود، أي: لا يَمَسُّهُ ولا ينالُهُ ولا يباشرُهُ إلا الملائكةُ، وهم المطهَّرون بالحقيقةِ، وتكونُ هذه الآيةُ مثلَ قوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾؛ وإلى هذا صار مالكٌ في تفسير هذه الآية، مع أنَّ مذهبَهُ أنَّه لا يجوزُ لِمُحدِثٍ مسُّ المصحف؛ أخذًا بهذا الحكم مِنَ السُّنَّةِ الثابتة عنده، لا مِنَ الآية، والله تعالى أعلم. وقد قيل في الآية: لَا يَمَسُّهُ: لا يفهمُهُ ولا يجدُ حلاوتَهُ إلا المؤمنون المحقِّقون، والأول الظاهر.
و(قوله: أَفَبِهَذَا الحَدِيثِ أَنتُم مُدهِنُونَ يعني بالحديث: القرآنَ؛ لأنه أحاديثُ عن الأممِ الماضيةُ والوقائعِ الآتية، والأحكامِ الجارية. ومُدهِنُونَ: مكذِّبون، وأصله من الدَّهن؛ يقال: أَدهَنَ، وداهَنَ؛ أي: ترَكَ ما هو عليه وتلبَّس بغيره.
* * *
стр. 258
(٢٤) بَابٌ حُبُّ عَلِيٍّ وَالأَنصَارِ آيَةُ الإيمَانِ، وَبُغضُهُم آيَةُ النِّفَاقِ
[٥٩] عَن أَنَسٍ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: حُبُّ الأَنصَارِ آيَةُ الإِيمَانِ، وَبُغضُهُم آيَةُ النِّفَاقِ.
رواه البخاري (١٧)، ومسلم (٧٤)، والنسائي (٨/ ١١٦).
ــ
(٢٤) وَمِن بَابِ حُبُّ عَلِيٍّ وَالأَنصَارِ مِنَ الإيمَانِ
(قوله: آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنصَارِ) الحديث، الآيةُ: العَلَامَةُ والدَّلَالة، وقد تكون ظَنِّيَّة، وقد تكون قطعيَّة. وحُبُّ الأَنصَارِ من حيث كانوا أنصارَ الدِّينِ ومُظهِريهِ، وباذلين أموالَهُم وأَنفُسَهُم في إعزازِهِ وإعزازِ نبيِّه وإعلاءِ كلمته دلالةٌ قاطعةٌ على صِحَّةِ إيمانِ مَن كان كذلك، وصحَّةِ محبَّته للنبيِّ ﷺ ، وبُغضُهم كذلك دلالةٌ قاطعةٌ على النفاق.
وكذلك القولُ في حُبِّ عليٍّ وبغضه؛ فمَن أحبَّه لسابقته في الإسلام، وقِدَمِهِ في الإيمان، وغَنَائِهِ فيه، وذوده عنه وعن النبيِّ ﷺ ، ولمكانته من النبي ﷺ وقرابتِهِ ومصاهرته، وعلمِهِ وفضائله، كان ذلك منه دليلاً قاطعًا على صِحَّةِ إيمانه ويقينِهِ ومحبتِهِ للنبيِّ ﷺ ، ومَن أبغضَهُ لشيء من ذلك، كان على العكس.
قال المؤلف ﵀: وهذا المعنَى جارٍ في أعيان الصحابة كالخلفاء، والعَشَرة، والمهاجرين، بل وفي كُلِّ الصحابة؛ إذ كُلُّ واحدٍ منهم له شاهد وغَنَاءٌ في الدِّين، وأَثَرٌ حَسَنٌ فيه؛ فحبُّهم لذلك المعنى محضُ الإيمان، وبُغضُهُم له محضُ النفاق، وقد دَلَّ على صحَّة ما ذكرناه: قوله ﵊ فيما أخرجه
стр. 259
[٦٠] وعَنِ البَرَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي الأَنصَارِ: لَا يُحِبُّهُم إِلَاّ مُؤمِنٌ، وَلَا يُبغِضُهُم إِلَاّ مُنَافِقٌ؛
ــ
البَزَّار في أصحابه كلِّهم: فَمَن أحبَّهم فبحبِّي أحبَّهم، ومَن أبغضَهُم فببغضي أبغَضَهُم (١). لكنَّهم لما كانوا في سوابقهم ومراتبهم متفاوتين، فمنهم المتمكِّن الأمكن، والتالي والمقدَّم، خَصَّ الأمكَنَ منهم بالذكر في هذا الحديث، وإن كان كلٌّ منهم له في السوابق أشرَفُ حديث، وهذا كما قال العليُّ الأعلى: لَا يَستَوِي مِنكُم مَن أَنفَقَ مِن قَبلِ الفَتحِ وَقَاتَلَ، إلى قوله: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الحُسنَى.
تنبيه: مَن أبغض بعضَ مَن ذَكَرنا من الصحابة من غير تلك الجهات التي ذكرناها، بل لأمرٍ طارئ، وحدَثٍ واقعٍ؛ من مخالفةِ غَرَضٍ، أو ضررٍ حصل، أو نحو ذلك: لم يكن كافرًا، ولا منافِقًا بسبب ذلك؛ لأنهم - رضي الله عن جميعهم - قد وقعت بينهم مخالفاتٌ عظيمة، وحروبٌ (٢) هائلة، ومع ذلك فلم يكفِّر بعضُهُم بعضًا، ولا حُكِمَ عليه بالنفاقِ لِمَا جرى بينهم من ذلك، وإنما كان حالُهُم في ذلك حالَ المجتهدين في الأحكام؛ فإمَّا أن يكونَ كلُّهم مصيبًا فيما ظهَرَ له. أو المصيبُ واحدٌ، والمخطئُ معذور، بل مخاطبٌ بالعملِ على ما يراه ويظنُّه مأجور.
فمَن وقع له بُغضٌ في واحد منهم لشيءٍ من ذلك، فهو عاصٍ يجبُ عليه التوبةُ من ذلك، ومجاهدةُ نفسه في زوال ما وقَعَ له من ذلك، بأن يذكر فضائلَهُم وسوابقَهُم، وما لهم على كلِّ مَن بعدَهم مِنَ الحقوقِ الدينيَّةِ والدنيوية؛ إذ لم يصل أحدٌ ممن بعدهم بشيءٍ من الدنيا ولا الدِّينِ إلا بهم، وبسببهم وأدبهم وصلَت
стр. 260
مَن أَحَبَّهُم أَحَبَّهُ اللهُ، وَمَن أَبغَضَهُم أَبغَضَهُ اللهُ.
رواه البخاري (٣٧٨٣)، ومسلم (٧٥)، والترمذي (٣٨٩٦).
[٦١] وَعَن زِرٍّ، عَن عَليٍّ قَالَ: وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ!
ــ
لنا (١) كلُّ (٢) النِّعَم، واندفَعَت عنا الجهالاتُ والنِّقَم، ومَن حَصَلَت به مصالِحُ الدنيا والآخِرَة، فبغضُهُ كفرانٌ للنِّعَمِ، وصفقتُهُ خاسِرَة.
و(قوله: فَمَن أَحَبَّهُم أَحَبَّهُ اللهُ، وَمَن أَبغَضَهُم أَبغَضَهُ اللهُ) هذا على مقابلة اللفظ باللفظ، ومعناه: أنَّ من أحبَّهم، جازاه الله على ذلك جزاءَ المحبوبِ المُحِبَّ من الإكرامِ، والتَّرفِيع، والتشفيع، وعكس ذلك في البغض. وظاهرُ هذا الكلام: أنَّه خبرٌ عن مآلِ كُلِّ واحدٍ من الصنفين. ويصلح أن يقال: إنَّ ذلك الخبر خرَجَ مخرجَ الدعاء لكلِّ واحدٍ من الصنفين؛ فكأنَّه قال: اللهمَّ، افعَل بهم ذلك، كما قال: صلَّى اللهُ على محمَّد وآله، والله أعلم.
و(قولُ عليٍّ ﵁: وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ) أي: شقَّها بما يخرُجُ منها؛ كالنَّخلة من النواة، والسنبلةِ مِن حَبَّةِ الحنطة، والحَبَّة بفتح الحاء: لما يُزرَعُ ويُستَنبَتُ، وبكسرها: لبذور بُقُولِ الصحراء التي لا تزرع.
و(قوله: وبَرَأَ النَّسَمَةَ) أي: خلقها، والنَّسَمَةُ: النَّفسُ، وقد يقال على الإنسان: نَسَمة، وقد يقال أيضًا على الرَّبو؛ ومنه الحديث: تنكَّبوا الغُبَارَ؛ فمنه تكونُ النَّسَمَةُ) (٣) أي: الرَّبو والبُهرُ، وهو امتلاءُ الجوف من الهواء.
стр. 261
إِنَّهُ لَعَهدُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ ﷺ إِلَيَّ: أَلا يُحِبَّنِي إِلَاّ مُؤمِنٌ، وَلَا يُبغِضَنِي إِلَاّ مُنَافِقٌ.
رواه مسلم (٧٨)، والترمذي (٣٧٣٧)، والنسائي (٨/ ١١٧).
* * *
ــ
و(قوله: إِنَّهُ لَعَهدُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ ألَا يُحِبَّنِي إِلَاّ مُؤمِنٌ، وَلَا يُبغِضَنِي إِلَاّ مُنَافِقٌ) العهد: الميثاق. والأُمِّيُّ: هو الذي لا يَكتُبُ؛ كما قال: إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكتُبُ وَلَا نَحسُبُ (١)، وهو منسوبٌ إلى الأُمِّ؛ لأنَّه باقٍ على أصلِ وِلَادتها؛ إذ لم يتعلَّم كتابةً ولا حسابًا. وقيل: ينسبَ إلى معظمِ أُمَّةِ العرب؛ إذِ الكتابةُ كانت فيهم نادرةً. وهذا الوصفُ مِنَ الأوصافِ التي جعلها الله تعالى مِن أوصافِ كمال النبيِّ ﷺ ، ومدَحَهُ بها، وإنَّما كان وصفَ نقصٍ في غيره؛ لأنَّ الكتابةَ والدراسةَ والدّربة على ذلك: هي الطرقُ الموصِّلَةُ إلى العلومِ التي بها تشرُفُ نفسُ الإنسان، ويعظُمُ قَدرُهَا عادةً.
فلمَّا خَصَّ اللهُ تعالى نبيَّنا محمَّدًا ﷺ بعلومِ الأوَّلين والآخرين مِن غير كتابة ولا مدارسة، كان ذلك خارقًا للعادة في حقِّه، ومِن أوصافه الخاصَّةِ به، الدالَّة على صدقه، التي نُعِتَ بها في الكُتُبِ القديمة، وعُرِفَ بها في الأممِ السابقة؛ كما قال الله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكتُوبًا عِندَهُم؛ فقد صارت الأُمِّيَّةُ في حقِّه من أعظمِ معجزاتِه، وأجلِّ كراماتِه، وهي في حَقِّ غيره نقصٌ ظاهر، وعجزٌ حاضر؛ فسبحان الذي صيَّر نقصَنَا في حقِّه كمالَا، وزادَهُ تشريفًا وجلالا.
و(قوله: ألَا يُحِبَّنِي) بفتح همزة أَلا؛ لأنَّها همزةُ أَنِ الناصبةِ للفعل المضارع، ويَحتمِل: أن تكون المخفَّفةَ من الثقيلة؛ وكذلك روي: يُحِبُّنِي، بضمِّ الباء وفتحها، وكذلك: يُبغِضني؛ لأنَّه معطوفٌ عليه. والضميرُ في إنَّه ضميرُ الأمر والشأن، والجملةُ بعده تفسيرٌ له.
стр. 262
(٢٥) بَابُ كُفرَانِ العَشِيرِ، وَكُفرٍ دُونَ كُفرٍ
[٦٢] عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: يَا مَعشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقنَ، وَأَكثِرنَ الاِستِغفَارَ؛ فَإِنِّي رَأَيتُكُنَّ أَكثَرَ أهل النَّارِ. فَقَالَتِ امرَأَةٌ مِنهُنَّ جَزلَةٌ: وَمَا لَنَا - يَا رسولَ الله - أَكثَرَ أهل النَّارِ؟ قَالَ: تُكثِرنَ اللَّعنَ،
ــ
(٢٥) وَمِن بَابِ كُفرَانِ العَشِيرِ، وَكُفرٍ دُونَ كُفرٍ
(قوله: يَا مَعشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقنَ، وَأَكثِرنَ الاِستِغفَارَ؛ فَإِنِّي رَأَيتُكُنَّ أَكثَرَ أهل النَّارِ) هذا نداءٌ لجميع (١) نساء العالم إلى يوم القيامة، وإرشادٌ لهنَّ إلى ما سيُخَلِّصُهُنَّ من النار، وهو الصدقةُ مطلقًا، واجبُهَا وتطوُّعُهَا.
والظاهر: أنّ المراد هنا القدرُ المشترَكُ بين الواجبِ والتطوُّع؛ لقوله في بعض طرقه: ولو مِن حُلِيِّكُنَّ (٢). والاستغفار: سؤالُ المغفرة، وقد يعبَّر به عن التوبة؛ كما قال تعالى: استَغفِرُوا رَبَّكُم إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا أي: توبوا، وإنما عبَّر عن التوبةِ بالاستغفارِ؛ لأنَّه إنَّما يصدُرُ عن الندمِ وجل الإصرار، وذلك هو التوبة. فأمَّا الاستغفارُ مع الإصرار، فحالُ المنافقين والأشرار، وهو جديرٌ بالردِّ وتكثيرِ الأوزار، وقد قال بعضُ العارفين: الاستغفارُ باللسانِ توبةُ الكذَّابين.
و(قوله: رَأَيتُكُنَّ أَكثَرَ أهل النَّارِ) أي: اطَّلَعَ على نساءٍ آدميَّات من نوع المخاطَبَات، لا أنفس المخاطبات؛ كما قال في الرواية الأخرى: اطَّلَعتُ عَلَى
стр. 263
وَتَكفُرنَ العَشِيرَ، مَا رَأَيتُ مِن نَاقِصَاتِ عَقلٍ وَدِينٍ أَذهَبَ لِذِي لُبٍّ مِنكُنَّ! قَالَت: يَا رسولَ الله وَمَا نُقصَانُ العَقلِ وَالدِّينِ؟ قَالَ: أَمَّا نُقصَانُ العَقلِ:
ــ
النَّارِ، فَرَأَيتُ أكثَرَ أَهلِهَا النِّسَاءَ (١). فلمَّا سمع النساءُ ذلك، عَلِمنَ أنَّ ذلك كان لسبب ذنبٍ سبَقَ لهنَّ، فبادرَت هذه المرأةُ لجزالتها وشِدَّةِ حرصها على ما يُخَلِّصُ من هذا الأمر العظيم، فسأَلَت عن ذلك، فقالت: وَمَا لَنَا أَكثَرَ أهل النَّارِ؟ ، فأجابها ﷺ : تُكثِرنَ اللَّعنَ، وتَكفُرنَ العشيرَ، أي: يدور اللعنُ على ألسنتهنَّ كثيرًا لمن لا يجوزُ لعنه؛ وكان ذلك عادةً جاريةً في نساء العرب، كما قد غَلَبَت بعد ذلك على النساءِ والرجال، حتَّى إنَّهم إذا استحسنوا شيئًا ربَّما لعنوه، فيقولون: ما أشعرَهُ! لَعَنَهُ الله! ! ، وقد حكى بعضهم أنَّ قصيدةَ ابنِ دُرَيدٍ كانت تسمَّى عندهم: الملعونة؛ لأنَّهم كانوا إذا سمعوها، قالوا: ما أشعرَهُ! لعَنَهُ اللهُ! ! ، وقد تقدَّم أنَّ أصل اللعن: الطردُ والبُعد.
والعَشِير: هو المعاشرُ والمخالط مطلقًا، والمرادُ به هنا: الزَّوج، والكفر: كفرانُ الحقوق؛ ويدلُّ على صحَّة الأمرين: حديثُ الموطَّأ، الذي قال فيه: لكفُرهنَ، قيل: أَيَكفُرنَ بالله؟ فقال: يَكفُرنَ العَشِيرَ، وَيَكفُرنَ الإِحسَانَ، لَو أَحسَنتَ إِلَى إِحدَاهُنَّ الدَّهرَ، ثُمَّ رَأَت مِنكَ شَيئًا، قَالَت: مَا رَأَيتُ مِنكَ خَيرًا قَطُّ (٢).
والجَزَالَة: الشهامةُ والجدَّة، مع العقل والرفق؛ قال ابن دُرَيد: الجزالةُ: الوقارُ والعقل، وأصلُ الجزالة: العِظَمُ من كلِّ شيء، ومنه: عطاءٌ جَزلٌ. واللُّبُّ: العقلُ، سمِّي بذلك؛ لأنَّه خلاصةُ الإنسان ولبُّه ولبابُهُ، ومنه سُمِّيَ قلب الحبّ: لُبًّا.
والعقلُ الذي نُقِصَهُ النساء: هو التثبُّتُ في الأمور، والتحقيقُ فيها، والبلوغُ فيها إلى غاية الكمال، وهُنَّ في ذلك غالبًا بخلافِ الرجال.
وأصل العقل: العلمُ، وقد يقال على الهدوءِ والوقارِ والتثبُّتِ في الأمور،
стр. 264
فَشَهَادَةُ امرَأَتَينِ تَعدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ؛ فَهَذَا نُقصَانُ العَقلِ، وَتَمكُثُ اللَّيَالِيَ وَمَا تُصَلِّي، وَتُفطِرُ فِي رَمَضَانَ؛ فَهَذَا نُقصَانُ الدِّينِ.
رواه أحمد (٢/ ٦٦)، ومسلم (٧٩)، وابن ماجه (٤٠٠٣).
* * *
ــ
وللعلماءِ خلافٌ في حَدِّ العقل المشتَرَطِ في التكليف، ليس هذا موضعَ ذكره.
والدِّين هنا يرادُ به: العباداتُ، وليس نقصانُ ذلك في حقِّهنَّ ذمًّا لهنَّ؛ وإنَّمَا ذكر النبيُّ ﷺ ذلك مِن أحوالهنَّ على معنى التعجبِ من الرجال، حيثُ يغلبهم مَن نقَصَ عن درجتهم، ولم يبلُغ كمالهم؛ وذلك هو صريحُ قوله ﵊: مَا رَأَيتُ مِن نَاقِصَاتِ عَقلٍ وَدِينٍ أَذهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِن إِحدَاكُنَّ (١)؛ وذلك نحوا ممَّا قاله الأعشى فيهنَّ:
وَهُنَّ شَرُّ غَالِبٌ لِمَن غَلَب
ونحو قولهم فيما جرَى مجرى المثل: يَغلِبنَ الكِرَام، ويَغلِبُهُنَّ اللِّئَام. وفيه: ما يدلُّ على أنَّ الحائضَ لا تُصَلِّي ولا تصومُ مُدَّةَ حَيضِها، وهو مجمعٌ عليه، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 265
(٢٦) بَابُ تَركُ الصَّلَاةِ جَحدًا أو تَسفِيهًا لِلأَمرِ كُفرٌ
[٦٣] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ؛ قَالَ: سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: بَينَ الرَّجُلِ وَبَينَ الشِّركِ وَالكُفرِ تَركُ الصَّلاةِ.
رواه أحمد (٣/ ٢٨٩)، ومسلم (٨٢)، وأبو داود (٤٦٧٨)، والترمذي (٢٦٢٢)، وابن ماجه (١٠٧٨).
ــ
(٢٦) وَمِن بَابِ: تَركُ الصَّلَاةِ جَحدًا أو تَسفِيهًا لِلأَمرِ كُفرٌ
(قوله: بَينَ الرَّجُلِ وَبَينَ الشِّركِ تَركُ الصَّلَاةِ) يعني: أَنَّ من تركَ الصلَاةَ، لم يَبقَ بينه وبين الكفر حاجزٌ يحجزه عنه، ولا مانعٌ يمنعه منه، أي: قد صار كافرًا؛ وهذا إنَّما يكونُ بالاتِّفاق فيمَن كان جاحدًا لوجوبها، فأمَّا لو كان معترِفًا بوجوبها، متهاونًا بفعلها، وتاركًا لها، فالجمهورُ: على أنَّه يُقتَلُ إذا أخرَجَهَا عن آخِرِ وقتها، ثُمَّ هل يُقتَلُ كُفرًا، أو حَدًّا؟ فممَّن ذهَبَ إلى الأوَّل: أحمدُ بنُ حنبل، وابنُ المبارك، وإسحاقُ، وابنُ حَبِيبٍ من أصحابنا، ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ بن أبي طالب، وممن ذهَبَ إلى الثاني: مالكٌ، والشافعيُّ، وكثيرٌ من أهل العلم؛ قالوا: يقتل حَدًّا إذا عُرِضَت عليه فلم يفعلها، ثم هل يستتاب أم لا؟ قولان لأصحابنا.
وقال الكوفيُّون: لا يقتلُ، ويؤمر بفعلها، ويعزَّرُ حتى يفعلها. والصحيحُ: أنَّه ليس بكافر؛ لأنَّ الكفر الجحد كما تقدم، وليس بجاحد، ولأنَّ رسولَ الله ﷺ قد قال: خَمسُ صَلَوَاتٍ افتَرَضَهُنَّ اللهُ على العِبَادِ، فَمَن جَاءَ بِهِنَّ لَم يُضَيِّع مِنهُنَّ شَيئًا، كَانَ لَهُ عِندَ اللهِ عَهدٌ أَن يَغفِرَ لَهُ، وَمَن لَم يَأتِ بِهِنَّ، فَلَيسَ لَهُ على اللهِ عَهدٌ؛ إِن شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِن شَاءَ عَذَّبَهُ (١)؛ فهذا ينصٌّ على أَنَّ تركَ الصلاةِ ليس بِكُفر، وأنَّه مما دون الشِّركِ الذي قال
стр. 266
[٦٤] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا قَرَأَ ابنُ آدَمَ السَّجدَةَ فَسَجَدَ، اعتَزَلَ الشَّيطَانُ يَبكِي، ويَقُولُ: يَا وَيلَهُ! - وَفِي رِوَايَةٍ:
ــ
الله تعالى فيه: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ. واختلف العلماء في أخواتِ الصلاة من الفرائض؛ كالزكاة، والصيام، والحج، والوضوءِ، والغُسلِ من الجنابة، هل يُقتَلُ الآبي مِن فعِلِهَا وإن اعترَفَ بوجوبها، أم يعاقبُ حتى يَفعَل؟ وهل هو كافرٌ أم عاصٍ؟ مذهب مالك: في أنَّ من قال: لا أتوضَّأُ ولا أصوم، أنَّه يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل، وإن قال: لا أُزَكِّي، أُخِذَت منه كرهًا، فإن امتنع، قوتل، فإن قال: لا أَحُجُّ، لم يُجبَر؛ لكونِ فرضِهِ على التراخي.
قال المؤلف ﵀: هكذا أطلق أئمتنا، وينبغي أن يقال: إنَّه إذا انتهى الممتنع إلى حالةٍ يخافُ معها الفَوتَ؛ كالهَرَمِ، والمرض، حُمِلَ على الفعل؛ لئلا يُخلى زمانَهُ عن الحجِّ مع استطاعته، وأما من يقول: إنَّ الحجَّ على الفور إذا حصلَت الاستطاعةُ، فقياسُ مذهبه: يقتضي أن يُحمَلَ على الفعل في تلك الحال، لكنَّ أصحابنا لم يقولوا به، ولا كفَّروه بترك الحجِّ كما فعلوا في الصلاة؛ لأنَّ كونَ وجوبِهِ على الفور ليس بمعلومِ التحديد والتوقيف مِنَ الشرع؛ كما هو في الصلاة، وإنما قيل ذلك بالاجتهادِ والظَّنِّ، والله أعلم.
وقال ابن حَبِيب: مَن قال عند الإمام: لا أصلِّي وهي عَلَيَّ، قُتِلَ ولا يستتاب، وكذلك من قال: لا أتوضَّأ، ولا أغتسلُ من الجنابة، ولا أصوم. وقال أيضًا: مَن ترك الصلاةَ متعمِّدًا أو مُفَرِّطًا: كافرٌ، ومَن ترك أخواتِهَا متعمِّدًا؛ من زكاة، وحجٍّ، وصوم: كافر، وقاله الحَكَم بن عُتَيبة وجماعةٌ من السلف.
و(قوله: إِذَا قَرَأَ ابنُ آدَمَ السَّجدَةَ، اعتَزَلَ الشَّيطَانُ) أصلُ السجود في اللغة: الخضوعُ والخشوع؛ قال زَيدُ الخَيلِ:
стр. 267
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِجَمعٍ تَصلي البُلقُ (١) فِي حَجَرَاتِه ... تَرَى الأُكمَ فِيهَا سُجَّدًا لِلحَوَافِرِ
أي: خاضعةً. ويقالُ أيضًا: على المَيلِ؛ يقال: سجَدَتِ النخلةُ، أي: مالَت، وسجدَتِ الناقةُ: طأطأَت رأسَهَا، قال يعقوبُ: أسجَدَ الرجلُ: إذا طأطَأَ رأسه، وسجَدَ: إذا وضع جبهتَهُ في الأرض، وقال ابن دُرَيد: أصلُ السجود: إدامةُ النظر مع إطراقٍ إلى الأرض.
قال المؤلف ﵀: والحاصلُ أن أصلَ السجودِ: الخضوعُ، وسُمِّيَت هذه الأحوالُ سجودًا؛ لأنها تلازمُ الخضوع غالبًا، ثم قد صار (٢) في الشرعِ عبارةً عن وضع الجبهة على الأرض على نحو مخصوصٍ. والسجودُ المذكور في هذا الحديث: هو سجودُ التلاوة؛ لقوله: إِذَا قَرَأَ ابنُ آدَمَ السَّجدَةَ فَسَجَدَ. وقد اختُلِفَ في حُكمه:
فذهَبَ الجمهور: إلى أنَّه مندوبٌ وفضيلة، وصار أبو حنيفة: إلى أنه واجب؛ مستدلاًّ بهذا الحديث. ووجهه: أنَّ إبليس عصَى بترك ما أُمِرَ به من السجود؛ فذُمَّ ولُعِنَ، وابنُ آدم أطاعَ بفعله؛ فمُدِحَ وأُثِيبَ بالجنَّة؛ فلو تَرَكَهُ لعصى؛ إذ السجودُ نوعٌ واحد، فلزم من ذلك كونُ السجود واجبًا. والجوابُ: أنَّ ذمَّ إبليس ولَعنَهُ لم يكن لأجلِ تَركِ السجود فقط، بل لترك السجود عُتُوًّا على الله وكِبرًا، وتسفيهًا لأمره تعالى، وبذلك كفَرَ، لا بترك العملِ بمطلق السجود؛ أَلَا ترى قوله تعالى مُخبِرًا عنه بذلك حين قال: أَبَى وَاستَكبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ، وقال: لَم أَكُن لِأَسجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقتَهُ مِن صَلصَالٍ مِن حَمَإٍ مَسنُونٍ، وقال: أَنَا خَيرٌ مِنهُ خَلَقتَنِي مِن نَارٍ وَخَلَقتَهُ مِن طِينٍ. سلَّمنا: أنَّه ذُمَّ على ترك السجود، لكن لا نُسلِّمُ أنَّ السجودَ نوعٌ واحد؛ فقد قال بعضُ المفسِّرين: إنَّ
стр. 268
يَا وَيلَتَا! - أُمِرَ ابنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ؛ فَلَهُ الجَنَّةُ، وَأُمِرتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيتُ؛ فَلِيَ النَّارُ.
رواه أحمد (٢/ ٤٤٠ و ٤٤٣)، ومسلم (٨١)، وابن ماجه (١٠٥٢).
* * *
ــ
السجود الذي أمَرَ اللهُ به الملائكةَ إنَّما كان طأطأةَ الرأسِ لآدمَ تحيَّةً له، وسجودُ التلاوة وَضعُ الجبهة بالأرض على كيفيَّة مخصوصة، فافترَقَا؛ سلَّمنا: أنَّه نوعٌ واحد؛ لكن منقسمٌ بالإضافة، ومتغايرٌ بها، فيصحُّ أن يُؤمَرَ بأحدها ويُنهَى عن الآخر؛ كما يؤمَرُ بالسجود لله تعالى ويُنهَى عن السجود للصنم؛ فما أُمِرَ به الملائكةُ من السجود لآدم محرَّمٌ على ذُرِّيَّته (١)، كما قد حُرِّمَ ذلك علينا؛ وكيف يُستَدَلُّ بوجوبِ أحدهما على وجوبِ الآخر؟ ! وسيأتي القولُ في سجود القرآن في بابِهِ، إن شاء الله تعالى.
وبكاءُ إبليسَ المذكورُ في الحديث: ليس ندمًا على معصية، ولا رجوعًا عنها، وإنَّما ذلك لفرطِ حَسَده وغيظِهِ وألمِهِ مما أصابه مِن دخولِ أحدٍ من ذُرِّيَّةِ آدم الجنَّةَ ونجاتِهِ، وذلك نحو ما يعتريه عند الأذانِ والإقامةِ ويومِ عرفة؛ على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
و(قوله: يَا وَيلَتَا) الويلُ: الهلاك، وويلٌ: كلمةٌ تقال لمن وقَعَ في هلكة، والألف في يا ويلتا: للندبةِ والتفجُّع.
* * *
стр. 269
(٢٧) بَابٌ الإِيمَانُ بِاللهِ أَفضَلُ الأَعمَالِ
[٦٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَيُّ الأَعمَالِ أَفضَلُ؟ قَالَ: الإِيمَانُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ،
ــ
(٢٧) وَمِن بَابٍ الإِيمَانُ أَفضَلُ الأَعمَالِ
(قوله ﵊ وقد سُئِلَ عن أفضلِ الأعمال: الإيمَانُ بِاللهِ) يدلُّ على أنَّ الإيمانَ من جملة الأعمالِ، وهي داخلٌ فيها، وهو إطلاقٌ صحيحٌ لغةً وشرعًا؛ فإنَّه عملُ القلب وكسبه، وقد بَيَّنَّا أنَّ الإيمانَ هو التصديقُ بالقلب، وأنَّهُ منقسمٌ إلى ما يكونُ عنه برهان، وعن غير برهان. ولا يُلتَفَتُ لخلافِ مَن قال: إنَّ الإيمانَ لا يسمَّى عملاً؛ لجهله بما ذكرناه. ولا يخفَى أنَّ الإيمانَ بالله تعالى أفضلُ الأعمال كلِّها (١)؛ لأنَّه متقدِّمٌ عليها، وشرطٌ في صحَّتها، ولأنَّه من الصفات المتعلِّقة، وشرفُهَا بحسب متعلَّقاتها، ومتعلَّقُ الإيمانِ هو الله تعالى، وكتبُهُ، ورسلُهُ، ولا أشرَفَ من ذلك؛ فلا أشرَفَ في الأعمال من الإيمان، ولا أفضَلَ منه.
و(قوله: ثُمَّ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) ظاهرُ هذا الحديثِ: أنَّ الجهاد أفضلُ من سائر الأعمال بعد الإيمان، وظاهرُ حديثِ أبي ذَرٍّ أنَّ الجهادَ مساو للإيمان في الفضل، وظاهرُ حديثِ ابن مسعود (٢) يخالفهما؛ لأنَّه أخَّر الجهادَ عن الصلاةِ، وعن بِرِّ الوالدَين، وليس هذا بتناقض؛ لأنَّه إنَّما اختلفَت أجوبتُهُ لاختلاف أحوالِ السائلين، وذلك أنَّه ﵊ كان يجيبُ كلَّ سائلٍ بالأفضل في حقِّه، وبالمتأكِّد
стр. 270
قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبرُورٌ.
ــ
في حقه؛ فمن كان متأهِّلاً للجهاد، وراغبا فيه، كان الجهادُ في حقِّه أفضلَ مِنَ الصلاةِ وغيرها، وقد يكونُ هذا الصالِحُ للجهاد له أبوانِ يحتاجان إلى قيامِهِ عليهما، ولو تركهما لضاعا؛ فيكونُ بِرُّ الوالدَينِ في حقِّه أفضَلَ من الجهاد، كما قد استأذن رجلٌ النبيَّ ﷺ في الجهادِ، فقال: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قال: نعم، قال: فَفِيهِمَا فَجَاهِد (١)، وهكذا سائرُ الأعمال.
وقد يكونُ الجهادُ في بعضِ الأوقاتِ أفضلَ مِن سائر الأعمال، وذلك في وقتِ استيلاءِ العَدُو، وغَلَبتِهِ على المسلمين؛ كحالِ هذا الزمان، فلا يخفَى على مَن له أدنى بصيرة أنَّ الجهادَ اليومَ أوكَدُ الواجبات، وأفضلُ الأعمال؛ لما أصابَ المسلمين مِن قَهرِ الأعداء، وكثرةِ الاستيلاء، شرقًا وغربًا، جَبَرَ اللهُ صَدعنا، وجدّد نصرنا.
والحاصل من هذا البحث: أنَّ تلك الأفضليَّةَ تختلفُ بِحَسَبِ الأشخاصِ والأحوال، ولا بُعدَ في ذلك. فأمَّا تفصيلُ هذه القواعد مِن حيثُ هي، فعلى ما تقدَّم في حديثِ ابن عمر الذي قال فيه: بُنِيَ الإسلامُ عَلَى خَمسٍ (٢)، والله أعلم.
والحَجُّ المَبرُورُ: هو الذي لا يخالطُهُ شيءٌ من المأثم؛ قاله شَمِرٌ (٣)، وقيل هو المقبول، وذُكِرَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قيل له: مَا بِرُّ الحَجِّ؟ فَقَالَ: إِطعَامُ الطَّعَامِ، وَطِيبُ الكَلَامِ (٤). ويقال: بُرَّ حَجُّكَ، بضمِّ الباء مبنيًّا للمفعول، وبَرَّ اللهُ حَجَّكَ بفتحها للفاعل.
стр. 271
رواه أحمد (٢/ ٣٣٠ و ٣٨٨ و ٥٣١)، والبخاري (٥٠)، ومسلم (٨٣)، والترمذي (١٦٥٨)، والنسائي (٥/ ١١٣).
[٦٦] وعَن أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلتُ: يَا رسولَ الله، أَيُّ الأَعمَالِ أَفضَلُ؟ قَالَ: الإِيمَانُ بِاللهِ، وَالجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، قَالَ: قُلتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفضَلُ؟ قَالَ: أَنفَسُهَا عِندَ أَهلِهَا، وَأَكثَرُهَا ثَمَنًا، قَالَ: قُلتُ: فَإِن لَم أَفعَل؟ قَالَ: تُعِينُ صانعًا، أو تَصنَعُ لِأَخرَقَ، قَالَ: قُلتُ: يَا رسولَ الله، أَرَأَيتَ إِن
ــ
و(قوله: أَيُّ الرِّقَابِ أَفضَلُ؟ ) أي: في العتق. وأَنفَسُهَا: أَغبَطُها وأَرفَعُها، والمالُ النفيس: هو المرغوبُ فيه، قاله الأصمعيُّ، وأصله: من التنافُسِ في الشيء الرفيع.
و(قوله: فَإن لَم أَفعَل) أي: لم أَقدِر عليه، ولا تيسَّرَ لي؛ لأنَّ المعلوم من أحوالهم: أنَّهم لا يمتنعون من فِعلِ مِثلِ هذا إلَاّ إذا تعذَّر عليهم.
و(قوله: تُعِينُ صَانعًا) الروايةُ المشهورة بالضاد المعجمة، وبالياء مِن تحتها، ورواه عبد الغافرِ الفارسيُّ: صَانِعًا - بالصاد المهملة والنون -، وهو أحسَنُ؛ لمقابلتِهِ لأخرق، وهو الذي لا يُحسِنُ العَمَلَ؛ يقال: رجلٌ أخرَقُ، وامرأةٌ خَرقاء، وهو ضدِّ الحاذق بالعمل، ويقال: رجلٌ صَنَعٌ، وامرأةٌ صَنَاعٌ، بألفٍ بعد النون؛ قال أبو ذُؤَيب في المذكَّر:
وَعَلَيهِمَا مَسرُوِدَتَانِ قَضَاهُمَا ... دَاوُدُ أو صَنَعُ السَّوَابِغِ تُبَّعُ
وقال آخر في المؤنّث:
صَنَاعٌ بِأشفَاهَا حَصَانٌ بِشَكرِهَا ... جَوَادٌ بِقُوتِ البَطنِ وَالعِرقُ راجز
والشَّكر بفتح الشين: الفَرج، وبضمِّها: الثناءُ بالمعروف كما تقدم.
стр. 272
ضَعُفتُ عَن بَعضِ العَمَلِ؟ قَالَ: تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ؛ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنكَ عَلَى نَفسِكَ.
رواه أحمد (٥/ ١٥٠ و ١٦٣ و ١٧١)، والبخاري (٢٥١٨)، ومسلم (٨٤)، والنسائي (٦/ ١٩).
* * *
(٢٨) بَابٌ أيُّ الأَعمَالِ أَفضَلُ بَعدَ الإِيمَانِ ؟
[٦٧] وعَنِ ابنِ مَسعُودٍ، قَالَ: سَأَلتُ رسولَ الله ﷺ : أَيُّ العَمَلِ أَفضَلُ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ لِوَقتِهَا،
ــ
و(قوله: تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنكَ عَلَى نَفسِكَ) دليلٌ على أنَّ الكَفَّ فعلٌ للإنسان، داخلٌ تحت كسبه، ويؤجَرُ عليه، ويعاقَبُ على تركه؛ خلافًا لبعض الأصوليِّين القائلِ: إنَّ الترك نَفيٌ محضٌ لا يدخُلُ تحتَ التكليف ولا الكَسب؛ وهو قولٌ باطل بما ذكرناه هنا، وبما بسطناه في الأصول؛ غيرَ أنَّ الثواب لا يحصُلُ على الكَفِّ إلَاّ مع النيَّاتِ والمقصود، وأمَّا مع الغفلة والذهول فلا، والله تعالى أعلم.
(٢٨) وَمِن بَابٍ أيُّ الأَعمَالِ أَفضَلُ بَعدَ الإِيمَانِ؟ (١)
(قوله: الصَّلَاةُ لِوَقتِهَا) هذه اللامُ للتأقيت؛ كما قال تعالى: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمسِ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكرِي أي: عند
стр. 273
قَالَ: قُلتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: بِرُّ الوَالِدَينِ، قَالَ: قُلتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَمَا تَرَكتُ أَستَزِيدُهُ إِلَاّ إِرعَاءً عَلَيهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: الصَّلَاةُ عَلَى مَوَاقِيتِهَا.
رواه البخاري (٧٥٣٤)، ومسلم (٨٥)، والترمذي (١٨٩٩)، والنسائي (١/ ٩٣ و ٩٤).
* * *
ــ
ذلك؛ كما قال في الرواية الأخرى: الصَّلَاةُ عَلَى مَوَاقِيتِهَا. وقد روى الدَّارَقُطنِيُّ هذا الحديثَ من طريق صحيح وقال: الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقتِهَا (١)، وهو ظاهرٌ في أنَّ أوائلَ أوقاتِ الصلوات أفضلُ؛ كما ذهب إليه الشافعيُّ، وعند مالك تفصيلٌ يأتي في الأوقات، إن شاء الله تعالى.
و(قوله: وَبِرُّ الوَالِدَينِ) هو القيامُ بحقوقهما، والتزامُ طاعتهما، والرفقُ بهما، والتذلُّلُ لهما، ومراعاةُ الأدبِ معهما في حياتهما، والترحُّمُ عليهما، والاستغفارُ لهما بعد موتهما، وإيصالُ ما أمكنَهُ من الخير والأَجرِ لهما.
و(قوله: مَا تَرَكتُ أَستَزِيدُهُ إِلَاّ إِرعَاءً عَلَيهِ) أي: إبقاءً لئلا أُحرِجَهُ، وأنتقصَ مِن حرمته؛ قال صاحب الأفعال (٢): الإرعاءُ: الإبقاء على الإنسان. ففيه من الفقه: احترامُ العالِمِ والفاضِلِ، ورعايةُ الأدبِ معه وإن وَثِقَ بِحِلمه وصَفحه، والله أعلم.
* * *
стр. 274
(٢٩) بَابُ أَيُّ الذَّنبِ أَعظَمُ؟ وَذِكرِ الكَبَائِرِ
[٦٨] عَن عَبدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رسولَ الله، أَيُّ الذَّنبِ أَكبَرُ عِندَ اللهِ؟ قَالَ: أَن تَدعُو لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: أَن تَقتُلَ وَلَدَكَ؛ مَخَافَةَ أَن يَطعَمَ مَعَكَ، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟
ــ
(٢٩) وَمِن بَابٍ أَيُّ الذَّنبِ أَعظَمُ؟ وَذِكرِ الكَبَائِرِ
(قوله: أَن تَدعُو لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ) النِّدُّ: المِثلُ، وجمعه: أنداد، وهو نحو قوله تعالى: فَلَا تَجعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُم تَعلَمُونَ ومعناه: أنَّ اتِّخَاذَ الإنسانِ إلهًا غيرَ خالقِهِ المُنعِمِ عليه، مع علمه بأنَّ ذلك المُتَّخَذَ ليس هو الذي خلقَهُ، ولا الذي أنعَمَ عليه: مِن أقبَحِ القبائح، وأعظمِ الجهالات؛ وعلى هذا فذلك أكبَرُ الكبائر، وأعظَمُ العظائم.
و(قوله: أَن تَقتُلَ وَلَدَكَ؛ مَخَافَةَ أَن يَطعَمَ مَعَكَ) هذا مِن أعظمِ الذنوب؛ لأنَّه قتلُ نفسٍ محرَّمةٍ شرعًا، محبوبةٍ طبعًا، مرحومةٍ عادةً؛ فإذا قتلها أبوها، كان ذلك دليلاً على غلبةِ الجَهلِ والبُخل، وغِلَظِ الطبعِ والقسوة، وأنَّه قد انتهَى من ذلك كلِّه إلى الغاية القُصوَى.
وهذا نحو قوله تعالى: وَلَا تَقتُلُوا أَولَادَكُم مِن إِملَاقٍ أي: فقرٍ، وهذا خطابٌ لمن كان فقره حاصلاً في الحال، فيخفّف عنه بقتلِ ولدِهِ مؤنتُهُ مِن طعامه ولوازمه، وهذه الآية بخلافِ الآية الأخرى التي قال فيها: خَشيَةَ إِملَاقٍ؛ فإنَّه خطابٌ لمن كان واجدًا لما يُنفِقُ عليه في الحال؛ غيرَ أنَّه كان يقتله مخافةَ الفقر في ثاني حال، وكان بعضُ جفاةِ الأعرابِ وجُهَّالُهُم ربَّما يفعلون ذلك. وقد قيل: إنَّ الأولاد في هاتَينِ الآيتَينِ هم البنات، كانوا يدفنونهنَّ أحياءً؛ أَنَفَةً وكبرًا، ومخافةَ العَيلَةِ والمَعَرَّة، وهي الموءودةُ
стр. 275
قَالَ: أَن تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ، فَأَنزَلَ اللهُ تَصدِيقَهَا: وَالَّذِينَ لَا يَدعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقتُلُونَ النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ وَلَا يَزنُونَ وَمَن يَفعَل ذَلِكَ يَلقَ أَثَامًا.
رواه البخاري (٦٨٦١)، ومسلم (٨٦)، وأبو داود (٢٣١٠)، والترمذي (٣١٨١).
ــ
التي ذكر الله تعالى: ﴿وَإِذَا المَوءُودَةُ سُئِلَت * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَت﴾
والحاصلُ: أنَّ أهلَ الجاهليَّةِ كانوا يصنعونَ كلَّ ذلك؛ فنهى الله تعالى عن ذلك، وعظَّم الإثمَ فيه والمعاقَبَةَ عليه، وأخبَرَ النبيُّ ﷺ أنَّ ذلك مِن أعظمِ الكبائر.
و(قوله: وَأَن تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ) الحَلِيلَةُ، بالحاء المهملة: هي التي يَحِلُّ وطؤها بالنكاح أو التسرِّي. والجار: المُجَاوِرُ في المسكن، والداخلُ في جوار العهد. وتُزَانِي: تحاولُ الزِّنَى، يقال: المرأةُ تزاني مُزَانَاة زنى (١)، والزِّنَى وإن كان من أكبر (٢) الكبائرِ والفواحش، لكنَّه بحليلة الجارِ أفحشُ وأقبح؛ لما ينضمُّ إليه من خيانةِ الجار، وهَتكِ ما عظَّم الله ورسولُهُ مِن حرمته، وشِدَّةِ قبح ذلك شرعًا وعادة؛ فلقد كانتِ الجاهليةُ يتمدَّحون بصون حرائمِ الجار، ويَغُضُّون دونهم الأبصار؛ كما قال عنترة:
وَأَغُضُّ طَرفِي مَا بَدَت لِي جَارَتِي ... حَتَّى يُوَارِي جَارَتِي مَأوَاهَا
و(قوله: فَأَنزَلَ اللهُ تَصدِيقَهَا: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقتُلُونَ النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالحَقِّ وَلا يَزنُونَ﴾ يعني إلى آخر الآية؛ ظاهِرُ هذا: أنَّ هذه الآيةَ نزلَت بسببِ هذا الذنبِ الذي ذكرَهُ النبيُّ ﷺ ، وليس كذلك؛ لأنَّ الترمذيَّ قد روى هذا الحديثَ، وقال فيه: وتلا النبيُّ ﷺ هذه الآيةَ: ﴿وَالَّذِينَ لا
стр. 276
[٦٩] وعَن أَبِي بَكرَةَ، قَالَ: كُنَّا عِندَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: أَلَا أُنَبِّئُكُم بِأَكبَرِ الكَبَائِرِ؟ (ثَلَاثًا) الإِشرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَينِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، (أو: قَولُ الزُّورِ) وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُتَّكِئًا، فَجَلَسَ، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلنَا: لَيتَهُ سَكَتَ! .
رواه أحمد (٥/ ٣٦ و ٣٨)، والبخاري (٢٦٥٤)، ومسلم (٨٧)، والترمذي (٢٣٠٢).
[٧٠] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: اجتَنِبُوا السَّبعَ المُوبِقَاتِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّركُ بِاللهِ، وَالسِّحرُ،
ــ
يَدعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآيةَ، بدَلَ: فَأَنزَلَ اللهُ. .، وظاهرُهُ: أنَّه ﵊ قرأ بعد ذِكرِ هذا الحديث ما قد كان أُنزِلَ منها، على أَنَّ الآيةَ تضمَّنَت ما ذكره في حديثِهِ بِحُكمِ عمومها، وسيأتي الكلامُ على هذه الآية في تفسيرِ سُورَةِ الفرقان.
و(قوله: وعُقُوقُ الوَالِدَينِ) عُقُوقُ الوَالِدَينِ عصيانُهُمَا، وقَطعُ البِرِّ الواجبِ عنهما، وأصلُ العَقِّ: الشقُّ والقطع، ومنه قيل للذبيحة عن المولود (١): عَقِيقَةٌ؛ لأنَّه يُشَقُّ حُلقُومها؛ قاله الهَرَوِيُّ وغيره.
وشَهَادَةُ الزُّورِ الشهادةُ بالكذب والباطل، وإنما كانت مِن أكبر الكبائر؛ لأنها يتوصَّلُ بها إلى إتلاف النفوسِ والأموال، وتحليلِ ما حرَّم الله، وتحريمِ ما حَلل الله، فلا شيءَ من الكبائر أعظَمُ ضررًا، ولا أكثَرُ فسادًا منها بعد الشرك، والله أعلم.
و(قوله: اجتَنِبُوا السَّبعَ المُوبِقَاتِ) أي: المُهلِكات، جمعُ مُوبِقَةٍ من
стр. 277
وَقَتلُ النَّفسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَاّ بِالحَقِّ، وَأَكلُ الرِّبَا، وَأَكلُ مَالِ اليَتِيمِ،
ــ
أَوبَقَ. وَوَابقَة: اسم فاعل من وَبَقَ يَبِقُ وُبُوقًا: إذا هلَكَ، والمَوبِقُ: مَفعِلٌ منه، كالمَوعِد: مَفعِلٌ من الوعد؛ ومنه قوله تعالى: وَجَعَلنَا بَينَهُم مَوبِقًا، وفيه لغة ثانية: وَبِقَ، بكسر الباء، يَوبَقُ بالفتح، وَبَقًا، وفيه لغة ثالثة: وَبِقَ يَبِقُ بالكسر فيهما، وأوبَقَهُ: أهلكه.
وسمّيت هذه الكبائرَ مُوبِقَاتٍ؛ لأنَّها تُهلِكُ فَاعِلَهَا في الدنيا بما يترتَّب عليها (١) من العقوبات، وفي الآخرة مِنَ العذاب. ولا شكَّ في أنَّ الكبائرَ أكثَرُ مِن هذه السبع؛ بدليلِ الأحاديثِ المذكورة في هذا الباب وفي غيره؛ ولذلك قال ابن عباس حين سئل عن الكبائر، فقال: هي إلى السبعينَ أقرَبُ منها إلى السبع، وفي رواية عنه: هي إلى سبعمائةٍ أقرَبُ منها إلى سبع (٢).
وعلى هذا: فاقتصارُهُ ﵊ على هذه السبعِ في هذا الحديث يَحتملُ: أن تكونَ لأنَّها هي التي أُعلِمَ بها في ذلك الوقت بالوحي، ثُمَّ بعد ذلك أُعلِمَ بغيرها. ويَحتملُ أن يكون ذلك؛ لأنَّ تلك السبع هي التي دعت الحاجةُ إليها في ذلك الوقت، أو التي سُئِلَ عنها في ذلك الوقت؛ وكذلك القولُ في كُلِّ حديثٍ خَصَّ عددًا من الكبائر، والله تعالى أعلم.
وقد اختلفَ العلماءُ قديمًا وحديثًا في الكبائر ما هي؟ وفي الفرق بينها وبين الصغائر، فرُوِيَ عن ابن مسعود: أنَّ الكبائر: جميعُ ما نهى الله عنه من أوَّلِ سورةِ النساء إلى قوله: إِن تَجتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنهَونَ عَنهُ نُكَفِّر عَنكُم سَيِّئَاتِكُم. وعن الحسن: أنَّها كُلُّ ذنبٍ ختمه اللهُ بنارٍ أو غضبٍ أو لعنةٍ أو عذاب. وقيل: هي كلُّ ما أوعَدَ اللهُ عليه بنارٍ، أو بِحَدٍّ في الدنيا. وروي عن ابن عباس: أنَّها كُلُّ ما نَهَى الله عنه (٣).
стр. 278
وَالتَّوَلِّي يَومَ الزَّحفِ، وَقَذفُ المُحصَنَاتِ الغَافِلَاتِ المُؤمِنَاتِ.
ــ
قال المؤلف ﵀: وما أظنُّه صحيحًا عنه (١)؛ لأنَّه مخالفٌ لما في كتابِ الله تعالى من التفرقةِ بين المنهيَّاتِ، فإنَّه قد فرَّق بينها في قوله تعالى: إِن تَجتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنهَونَ عَنهُ نُكَفِّر عَنكُم سَيِّئَاتِكُم، وقوله: الَّذِينَ يَجتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثمِ وَالفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ؛ فجعَلَ من المنهيَّات: كبائِرَ وصغائر، وفرَّق بينهما في الحُكمِ لمَاَّ جعَلَ تكفيرَ السيئاتِ في الآيةِ مشروطًا باجتنابِ الكبائر، واستثنى اللَّمَمَ مِنَ الكبائرِ والفواحشِ؛ فكيف يَخفَى هذا الفَرقُ على مثل ابن عباس وهو حَبرُ القرآن؟ ! فتلك الروايةُ عن ابن عباس ضعيفةٌ، أو لا تصحُّ، وكذلك أكثَرُ ما روي عنه؛ فقد كذَبَ الناسُ عليه كثيرًا.
قال المؤلف ﵀: والصحيحُ إن شاء الله تعالى: أنَّ كلَّ ذنب أطلَقَ الشرعُ عليه أنَّهُ كبيرٌ أو عظيمٌ، أو أخبَرَ بشدَّةِ العقابِ عليه، أو علَّق عليه حَدًّا، أو شَدَّدَ النكيرَ عليه وغلَّظه، وشَهِدَ بذلك كتابُ اللهِ أو سنةٌ أو إجماعٌ: فهو كبيرة. والنظَرُ في أعيانِ الذنوب نظَرٌ طويلٌ لا يليق بهذا الكتاب، وسيأتي القولُ في السحر، إن شاء الله تعالى.
والزَّحفُ: القتال، وأصله: المشيء المتثاقل؛ كالصَّبِيِّ يَزحَفُ قبل أن يمشي، والبعيرِ إذا أعيا؛ فَجَرَّ فرَسَنَهُ (٢)، وقد سُمِّيَ الجيشُ بالزَّحف؛ لأنَّه يُزحَفُ فيه. والتَّوَلِّي عن القتال: إنما يكون كبيرةً إذا فَرَّ إلى غير فئة، وإذا كان العدو ضِعفَيِ المسلمين؛ على ما يأتي في الجهاد إن شاء الله تعالى.
وقَذفُ المُحصَنَاتِ: رَميُهُنَّ بالزنى، والإحصانُ هنا: العِفَّةُ عن الفواحش، وسيأتي ذكرُهُ، والغَافِلَاتُ، يعني: عمَّا رُمِينَ به مِنَ الفاحشة، أي: هنَّ بريئات من ذلك، لا خبَرَ عندهنَّ منه، وسيأتي (٣) القولُ في الزنى.
стр. 279
رواه البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩)، وأبو داود (٢٨٧٤)، والنسائي (٦/ ٢٥٧).
[٧١] وعَن عَبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العَاصِ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: إِنَّ مِنَ الكَبَائِرِ شَتمَ الرَّجُلِ وَالِدَيه، قَالُوا: يَا رسولَ الله، وَهَل يَشتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيهِ؟ ! قَالَ: نَعَم، يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ؛ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ؛ فَيَسُبُّ أُمَّهُ.
رواه أحمد (٢/ ٢١٤)، والبخاري (٥٩٧٣)، ومسلم (٩٠)، وأبو داود (٥١٤١)، والترمذي (١٩٠٣).
* * *
ــ
و(قوله: إِنَّ مِنَ الكَبَائِرِ شَتمَ الرَّجُلِ وَالِدَيهِ) يعني: مِن أكبرِ الكبائر؛ لأنَّ شتم المسلمِ الذي ليس بِأَبٍ كبيرةٌ، فشتمُ الآباءِ أكبَرُ منه.
و(قوله: وَهَل يَشتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيهِ؟ ! ) استفهامُ إنكارٍ واستبعادٍ؛ لوقوع ذلك مِن أحدٍ من الناس، وهو دليلٌ على ما كانوا عليه من المبالغة في بِرِّ الوالدين، ومِن الملازمةِ لمكارمِ الأخلاق والآداب.
و(قوله: يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ؛ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ؛ فَيَسُبُّ أُمَّهُ) دليلٌ على أنَّ سبب الشيء قد ينزله الشرعُ منزلةَ الشيء في المَنع؛ فيكونُ حُجَّةً لمن منَعَ بيعَ العنبِ ممَّن يعصره خمرًا، ويمنَعَ بيعَ ثيابِ الخز ممَّن يلبسها، وهي لا تَحِلُّ له، وهو أحدُ القولَين لنا. وفيه: حُجَّةٌ لمالكٍ على القولِ بِسَدِّ الذرائع، وهو مِن نحو قوله تعالى: وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدوًا بِغَيرِ عِلمٍ والذريعةُ: هي الامتناعُ مما ليس ممنوعًا في نفسه؛ مخافةَ الوقوعِ في محظورٍ؛ على ما بيَّنَّاه في الأصول.
стр. 280
(٣٠) بَابٌ لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن فِي قَلبِهِ كِبرٌ
[٧٢] عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن كَانَ فِي قَلبِهِ مِثقَالُ ذَرَّةٍ مِن كِبرٍ، فقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَن يَكُونَ
ــ
(٣٠) وَمِن بَابٍ: لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن فِي قَلبِهِ كِبرٌ
الكِبرُ والكِبرِيَاء في اللغة: هو (١) العظمة، يقال فيه: كَبُرَ الشيءُ، بضمِّ الباء، أي: عَظُمَ، فهو كبيرٌ وكُبَار، فإذا أفرَطَ قيل: كُبَّار، بالتشديد؛ وعلى هذا فيكونُ الكِبرُ والعظمةُ اسمَين لمسمًّى واحد.
وقد جاء في الحديث ما يُشعِر بالفرق بينهما؛ وذلك أنَّ الله تعالى قال: الكِبرِيَاءُ رِدَائِي، والعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَن نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنهُمَا، قَصَمتُهُ (٢)؛ فقد فرَّق بينهما بأن عبَّر عن أحدهما بالإزار، وعن الآخر بالرداء، وهما مختلفان، ويَدُلُّ أيضًا على ذلك قوله: فَمَن نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنهُمَا؛ إذ لو كانا واحدًا، لقال: فمَن نازعنيه. فالصحيحُ إِذَنِ الفرقُ، ووجهُهُ: أنَّ جهة الكِبرِيَاءَ: يستدعي متكبَّرًا عليه؛ ولذلك لمَّا فسَّر الكِبرَ، قال: الكِبرُ: بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمطُ النَّاسِ، وهو احتقارُهُم، فذكَرَ المتكبَّرَ عليه، وهو الحقُّ أو الخَلقُ، والعَظَمَةُ: لا تقتضي ذلك.
فالمتكبِّرُ يلَاحِظ ترفعَ نفسِهِ على غيره بسببِ مزيَّةِ كمالها فيما يراه، والمعظِّمُ يلَاحِظ كمالَ نفسه مِن غير ترفعٍ لها على غيره، وهذا التعظيمُ هو المعبَّرُ عنه بالعُجبِ في حقِّنا إذا انضَاف إليه نِسيانُ مِنَّةِ الله تعالى علينا فيما خصَّنا به مِن ذلك الكمال.
وإذا تقرَّر هذا: فالكِبرِيَاءُ والعَظَمَةُ مِن أوصافِ كمالِ الله تعالى
стр. 281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واجبان له؛ إذ ليست أوصافُ كمالِ (١) الله وجلالُهُ مُستفادةً مِن غيره، بل هي واجبة الوجود لذواتها، بحيثُ لا يجوزُ عليها العدَمُ ولا النقص، ولا يجوزُ عليه تعالى نقيضُ شيءٍ من ذلك، فكمالُهُ وجلالُهُ حقيقةٌ له؛ بخلاف كمالنا، فإنَّه مستفادٌ مِنَ الله تعالى، ويجوزُ عليه العدَمُ وطروءُ النقيضِ والنقصِ.
وإذا كان هذا، فالتكبُّرُ والتعاظُمُ خُرقٌ مِنَّا، ومستحيل في حقِّنا؛ ولذلك حرَّمهما الشرع، وجعلهما من الكبائر؛ لأنَّ مَن لاحظَ كمالَ نفسه ناسيًا مِنَّةَ الله تعالى فيما خصَّه به، كان جاهلاً بنفسه وبربِّه، مغترًّا بما لا أصلَ له، وهي صفةُ إبليسَ الحاملةُ له على قوله: أَنَا خَيرٌ مِنهُ وصفةُ فرعونَ الحاملةُ له على قوله: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعلَى ولا أقبَحَ ممَّا صارا إليه؛ فلا جَرَمَ كان فرعونُ وإبليسُ أَشَدَّ أهلِ النار عذابًا؛ نعوذ بالله من الكِبرِ والكفر.
وأمَّا مَن لاحظ مِن نفسه كمالاً، وكان ذاكرًا فيه مِنَّةَ الله تعالى عليه به، وأنَّ ذلك مِن تفضُّله تعالى ولطفه، فليس مِنَ الكِبرِ المذمومِ في شيء، ولا مِنَ التعاظُمِ المذموم، بل هو اعترافٌ بالنعمة، وشُكرٌ على المِنَّة. والتحقيقُ في هذا: أنَّ الخَلقَ كلَّهم قوالبُ وأشباح، تجري عليهم أحكامُ القُدرة؛ فمَن خصَّه الله تعالى بكمالٍ، فذلك الكمالُ يرجعُ للمكمِّلِ الجاعل، لا للقالَبِ القابل. ومع ذلك: فقد كمَّل الله الكمالَ بالجزاءِ والثناءِ عليه؛ كما قد نقَصَ النقصَ بالذمِّ والعقوبةِ عليه، فهو المُعطِي والمُثنِي، والمُبلِي والمعافي؛ كيف لا وقد قال العليُّ الأعلى: أَنَا اللهُ خَالِقُ الخَيرِ وَالشَّرِّ؛ فَطُوبَى لِمَن خَلَقتُهُ لِلخَيرِ وَقَدَرتُهُ عَلَيهِ، وَالوَيلُ لِمَن خَلَقتُهُ لِلشَّرِّ وَقَدَرتُهُ عَلَيهِ (٢)؛ فلا حِيلَةَ تعمل مع قهر؛ لَا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ.
стр. 282
ثَوبُهُ حَسَنًا، وَنَعلُهُ حَسَنَةً؟ قَالَ: إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ؛ الكِبرُ: بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمطُ النَّاسِ.
ــ
ولمَّا تقرَّر أنَّ الكِبرَ يستدعي متكبَّرًا عليه، فالمتكبَّرُ عليه إن كان هو اللهَ تعالى، أو رُسُولَهُ، أو الحَقَّ الذي جاءت به رسلُهُ؛ فذلك الكِبرُ كُفر. وإن كان غَيرَ ذلك؛ فذلك الكِبرُ معصيةٌ وكبيرة، يُخَافُ على المتلبِّس بها المُصِرِّ عليها أن تُفضِيَ به إلى الكُفر، فلا يدخُلُ الجنَّة أبدًا.
فإن سَلِمَ مِن ذلك، ونفَذَ عليه الوعيد، عوقبَ بالإذلالِ والصَّغَار، أو بما شاء اللهُ مِن عذابِ النار، حتَّى لا يبقى في قلبه مِن ذلك الكِبرِ مثقالُ ذَرَّة، وخَلُصَ من خَبَثِ كِبره حتى يصيرَ كالذَّرَّة؛ فحينئذ يتداركُهُ الله برحمتِه، ويخلِّصُهُ بإيمانِهِ وبركتِه. وقد نصَّ على هذا المعنى النبيُّ ﷺ في المحبوسين على الصِّرَاط لما قال: حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا، أُذِنَ لَهُم فِي دُخُولِ الجَنَّةِ (١)، والله تعالى أعلم.
و(قوله: إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ): الجمالُ لغةً: هو الحُسنُ؛ يقال: جَمُلَ الرجلُ يَجمُلُ بالضمِّ، جَمَالاً؛ فهو جميلٌ، والمرأةُ جميلة، ويقال: جَملَاءُ عن الكِسائيِّ.
وهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ الجميل مِن أسماء الله تعالى، وقال بذلك جماعةٌ من أهل العلم، إلَاّ أنَّهم اختلفوا في معناه: فقيل: معناه معنى الجليل؛ قاله القشيريُّ.
وقيل: معناه ذو النُّورِ والبهجة، أي: مالكُهُمَا؛ قاله الخَطَّابيّ. وقيل: جميلُ الأفعالِ بكُم والنظرِ إليكم؛ فهو يُحِبُّ التجمُّلَ منكم في قلَّةِ إظهارِ الحاجة إلى غيره؛ قاله الصَّيرَفيُّ. وقال: الجميلُ: المنزَّهُ عن النقائص، الموصوفُ بصفاتِ الكمال، الآمِرُ بالتجمُّلِ له بنظافةِ الثياب والأبدان، والنزاهةِ عن الرذائلِ والطغيان، وسيأتي القولُ في أسماء الله تعالى.
وبَطَرُ الحقِّ: إبطالُهُ؛ من قول العرب: ذهَبَ دمُهُ بِطرًا وبُطرًا؛ أي: باطلاً.
стр. 283
وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يَدخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلبِهِ مِثقَالُ حَبَّةٍ مِن خَردَلٍ مِن إِيمَانٍ، وَلَا يَدخُلُ الجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلبِهِ مِثقَالُ حَبَّةِ من خَردَلٍ مِن كِبرٍ.
رواه أحمد (١/ ٣٩٩ و ٤٥١)، ومسلم (٩١)، وأبو داود (٤٠٩١)، والترمذي (١٩٩٩)، وابن ماجه (٥٩).
ــ
وقال الأصمعيُّ: البَطَرُ: الحَيرة، أي: يتحيَّرُ عند الحقِّ؛ فلا يراه حَقًّا. وغَمطُ النَّاسِ: احتقارُهُم واستصغارهم؛ لما يرى مِن رِفعته عليهم، وهو بالغين المعجمة والطاء المهملة. ويُروَى: غَمص بالصاد المهملة في كتاب الترمذي، ومعناهما واحد؛ يقال: غَمَطَ الناسَ وغَمَصَهُم: إذا احتقرهم. والمِثقَالُ: مِفعالٌ من الثِّقَلِ، ومِثقالُ الشيء: وزنه، يقال: هذا على مِثقَالِ هذا، أي: على وزنه.
والمرادُ بالإيمان في هذا الحديث: التصديقُ القلبيُّ المذكورُ في حديث جبريل، ويُستفادُ منه: أنَّ التصديق القلبيَّ على مراتب، ويزيدُ وينقصُ؛ على ما يأتي في حديث الشفاعة، إن شاء الله تعالى.
وهذه النارُ المذكورةُ هنا: هي النارُ المُعَدَّةُ للكفَّارِ التي لا يُخرَجُ منها مَن دخلها؛ لأنَّه قد جاء في أحاديثِ الشفاعةِ المذكورةِ بعد هذا أنَّ خَلقًا كثيرًا ممَّن في قلبه ذَرَّاتٌ كثيرةٌ من الإيمانِ يدخلون النار، ثُمَّ يُخرَجون منها بالشفاعة أو بالقَبضة (١)؛ على ما يأتي، ووجهُ التلفيق: أنَّ النارَ دَرَكَاتٌ؛ كما قال الله تعالى: إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّركِ الأَسفَلِ مِنَ النَّارِ وأهلُهَا في العذاب على مراتبَ ودَرَكاتٍ؛ كما قال الله تعالى: أَدخِلُوا آلَ فِرعَونَ أَشَدَّ العَذَابِ، وأنَّ نارَ مَن يعذَّبُ من الموحِّدين أخفُّها عذابًا، وأقرَبُهَا خروجًا؛ فمَن أُدخِلَ النارَ من الموحِّدين، لم يُدخَل نار الكفَّار، بل نارًا أخرى يموتون فيها، ثُمَّ يُخرَجون منها؛ كما جاء في الأحاديث الصحيحة الآتية بعد هذا، إن شاء الله تعالى.
стр. 284
[٧٣] وَعَن جَابِرٍ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رسولَ الله، مَا المُوجِبَتَانِ؟ قَالَ: مَن مَاتَ لَا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَن مَاتَ يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ النَّارَ.
رواه أحمد (٣/ ٣٩١ - ٣٩٢)، ومسلم (٩٣).
* * *
ــ
و(قوله: ما المُوجِبَتَانِ؟ ) سؤالُ مَن سمعهما ولم يدر ما هما، فأجابَهُ النبيُّ ﷺ بأنَّهما: الإيمانُ، والشِّرك، وسُمِّيَا بذلك؛ لأنَّ الله تعالى أوجَبَ عليهما ما ذكره مِنَ الخلودِ في الجنة أو في النار.
و(قوله: مَن مَاتَ لَا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا، دَخَلَ الجَنَّةَ) أي: من مات لا يتخذ معه شريكًا في الإلهية، ولا في الخَلقِ، ولا في العبادة. ومن المعلومِ مِنَ الشَّرعِ المجمَعِ عليه مِن أهل السنَّة: أنَّ مَن مات على ذلك فلا بدَّ له من دخول الجنَّة، وإن جرَت عليه قبل ذلك أنواعٌ من العذاب والمحنَة، وأنَّ مَن مات على الشرك لا يدخُلُ الجَنَّة، ولا يناله من الله تعالى رَحمَة، ويخلُدُ في النارِ أبدَ الآباد، مِن غيرِ انقطاعِ عذابٍ ولا تصرمِ آباد، وهذا معلومٌ ضروريٌّ من الدِّين، مجمَعٌ عليه من (١) المسلمين.
وأما قولُ ابن مسعود المذكورُ في أصلِ كتاب مسلم، وهو قوله: قُلتُ أَنَا: وَمَن مَاتَ لَا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، فيعني بذلك: أنه لم يسمع هذا اللفظَ من النبيِّ ﷺ نصًّا، وإنما استنبطَهُ استنباطًا من الشريعة؛ فإمَّا مِن دليلِ خطابِ قولِهِ ﵊: مَن مَاتَ يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ النَّارَ، أو مِن ضرورةِ انحصار الجزاءِ في الجنة والنار، أو مِن غير ذلك. وعلى الجملة فهذا الذي لم يسمعه ابنُ مسعودٍ من النبيِّ ﷺ هو حقٌّ في نفسه، وقد رواه جابرٌ في هذا الحديث من قول النبي ﷺ ؛ ولذلك اكتفينا به في المختصَرِ عن نقل ابن مسعود.
стр. 285
(٣١) بَابٌ رُكُوبُ الكَبَائِرِ غَيرُ مُخرِجٍ للمُؤمِنَ مِن إِيمَانِهِ
٩٤ - [٧٤] عَن أَبي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَتَانِي جِبرِيلُ ﵇، فَبَشَّرَنِي: أَنَّهُ مَن مَاتَ مِن أُمَّتِكَ لَا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، قُلتُ: وَإِن زَنَى وَإِن سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِن زَنَى، وَإِن سَرَقَ.
ــ
(٣١) وَمِن بَابٍ رُكُوبُ الكَبَائِرِ غَيرُ مُخرِجٍ للمُؤمن مِن إِيمَانِهِ
(قوله ﵊: أَتَانِي جِبرِيلُ، فَبَشَّرَنِي: أَنَّهُ مَن مَاتَ مِن أُمَّتِكَ لَا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ) يدلُّ على شِدَّةِ تَهمُّمِ النبيِّ ﷺ بأمرِ أُمَّته، وتعلُّقِ قَلبِهِ بما يُنجِيهم، وخوفِهِ عليهم؛ ولذلك سكَّن جبريلُ قلبَهُ بهذه البشرَى. وهذا نحو مِن حديثِ عمرو بن العاص الذي يأتي بعد هذا، الذي قال فيه: إنَّ النبيَّ ﷺ تلا قولَ إبراهيمَ ﵇: فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَن عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وقولَ عيسى: إِن تُعَذِّبهُم فَإِنَّهُم عِبَادُكَ وَإِن تَغفِر لَهُم فَإِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ. فرفَعَ النبيُّ ﷺ يدَيهِ وبكى (١)، وقال: رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، فنزَلَ عليه جبريلُ، فقال له مُخبِرًا عن الله تعالى: إِنَّ الله سيُرضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا يَسُوؤُكَ (٢). وهذا منه ﷺ مُقتَضَى ما جبله الله تعالى عليه من الخُلُقِ الكريم، وأنَّه بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم.
و(قوله: لَا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا) معناه بحكم أصلِ الوضعِ: ألَاّ يَتَّخِذَ معه شريكًا في الألوهية، ولا في الخَلقِ؛ كما قدَّمناه. لكنَّ هذا القولَ قد صار بحكمِ العُرف: عبارةً عن الإيمان الشرعي؛ أَلَا تَرَى أنَّ من وحَّد الله تعالى ولم يؤمن