(٢٦) باب الولد للفراش
[١٥٢١] عَن عَائِشَةَ قَالَت: اختَصَمَ سَعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبدُ بنُ زَمعَةَ فِي غُلَامٍ فَقَالَ سَعدٌ: هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ابنُ أَخِي عُتبَةَ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ
ــ
الأصالة على المشهور. وهو الصحيح لِعُرُّوِّ أنكحتهم عن الشروط الشرعية.
وقد تقدَّم من حكاية الحسن: أن الصحابة ﵃ كانوا يستبرئون المسبيَّة بحيضة. وأمَّا على قول من يرى أن أنكحتهم صحيحة - وهو الشافعي، وأبو حنيفة - فتعتد عدَّةً كاملةً؛ لأنها قد انفسخ عنها نكاح صحيح كان، لولا أن عارض السَّبِي قَطَعَه، وهي أولى بذلك على مذهب الحسن الذي يقول: إن نكاحها ينفسخ بطلاق، فتكون مطلقة من زوج في نكاح صحيح، وتعتدّ عدَّة كاملة. وهل تعتد على مذاهب هؤلاء عدَّة الأمة، أو عدَّة الحرَّة؛ فيه نظر على أصولهم.
(٢٦) ومن باب: الولد للفراش
(قوله: اختصم سعد بن أبي وقاص، وعبد بن زمعة في غلام) سببُ هذا الاختصام: أنهم كانوا يبتاعون الإماء في الجاهلية، ويستأخرونهن للوطء، ويُلحقون النسب بالزنى، فمن ألحقته المزنيُّ بها التحق به، ومن ألحقه بنفسه من الزناة بها التحق به إذا لم ينازعه غيره. فكان عتبة بن أبي وقاص قد وقع بأَمَةِ زمعة؛ فحملت فولدت غلامًا، فلمَّا حضرت وفاةُ عتبة عَهِدَ لأخيه سعدٍ بأن يأخذه إليه، لأنه ابنه، ثم مات عتبة على شركه، فحينئذٍ تخاصم سعد مع عبد بن زمعة في ذلك الغلام، فاحتجّ سعد باستلحاق أخيه عتبة له على عاداتهم في الاستلحاق بالزنى. وتمسَّك عبدٌ بفراش أبيه، وكأنَّ عبدًا كان قد سمع: أن الشرع يُلحق بالفراش. وإلَاّ فلم تكن عادتهم الإلحاق به. فقضى النبي ﷺ بالولد لصاحب الفراش، وقطع الإلحاق بالزنى بقوله: (وللعاهر الحجر).
стр. 2207
عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابنُهُ انظُر إِلَى شَبَهِهِ، وَقَالَ عَبدُ بنُ زَمعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِن وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى شَبَهِهِ فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتبَةَ، فَقَالَ: هُوَ لَكَ يَا عَبدُ؛
ــ
و(قول عبد بن زمعة في الغلام: أخي، وابن وليدة أبي) تمسَّك به الشافعي: على أن الأخ يستلحق، ومنعه مالك وقال: لا يستلحق إلا الأب خاصَّة؛ لأنه لا يتنزل غيره في تحقيق الإصابة منزلته. وقد اعتذر لمالك عن ذلك الظاهر بوجهين:
أحدهما: أن الحديث ليس نصًّا في أنه ألحقه به بمجرد نسبة الأخوة، فلعل النبي ﷺ علم وطء زمعة تلك الأمة (١) بطريق اعتمدها من اعترافٍ، أو غيره، فحكم بذلك، لا باستلحاق الأخ.
والثاني: أن حكمه به لم يكن لمجرد الاستلحاق، بل بالفراش. ألا ترى قوله: (الولد للفراش)؟ وهذا تقعيد قاعدة، فإنه لَمَّا انقطع إلحاق هذا الولد بالزاني، لم يَبق إلا أن يلحق بصاحب الفراش؛ إذ قد دار الأمر بينهما. وهذا أحسن الوجهين.
وهذا الحديث حجة على أبي حنيفة، حيث يقول: إن الولد لا يلحق إلا إذا تقدَّمه ولد سابق، على ما حكاه عنه الإمام أبو عبد الله المازري.
و(قوله: فرأى شبهًا بيِّنًا بعتبة، وقال: (هو لك يا عبد) يدلُّ على أن الشبه لا يعمل عليه في الإلحاق عند وجود ما هو أقوى منه، فإنَّه ألغاه هنا، وحكم بالإلحاق لأجل الفراش، كما ألغاه في حديث اللعان لأجل اللعان. وأمَّا في حديث القافة: فليس له هناك معارض هو أقوى منه، فأُعمِل.
و(قوله: هو لك يا عَبدُ) هكذا الرواية بإثبات (يا) النداء و (عبد) منادى
стр. 2208
الوَلَدُ لِلفِرَاشِ،
ــ
مفرد، يريد به: عبد بن زمعة، ولا شك في هذا. وقد وقع لبعض الحنفية: (عبدُ) بغير (يا) فنوَّنه. وفرَّ بذلك عمَّا لزمهم من إلحاق الولد من غير اشتراط ولد متقدم. وقالوا: إنما ملَّكَه إياه؛ لأنه ابن أَمَةِ أبيه، لا أنَّه ألحقه بأبيه. وهذه غفلةٌ عن الرواية واللسان. أمَّا الرواية: فقد ذكرناها. وأمَّا اللسان: فلو سلَّمنا أن الرواية بغير (يا) فالمخاطب عبد بن زمعة، وهو بلا شك: منادى، إلا أن العرب تحذف حرف النداء من الأسماء الأعلام؛ كما قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعرِض عَن هَذَا﴾، وهو كثير. و (عبد) هنا: اسم علمٌ يجوز حذفُ حرف النداء منه.
و(قوله: الولد للفراش) الفراش هنا: كناية عن الموطوءة؛ لأن الواطئ يستفرشها؛ أي: يُصَيِّرها كالفراش. ويعني به: أن الولد لاحِقٌ بالواطئ. قال الإمام: وأصحاب أبي حنيفة يحملونه على أن المراد به صاحب الفراش، ولذلك لم يشترطوا إمكان الوطء في الحرَّة. واحتجُّوا بقول جرير:
باتت تعانقه وبات فراشها ... خلق العباءة في الدماء قتيلًا
يعني: زوجها، والأول أولى لما ذكرناه من الاشتقاق، ولأن ما قدَّره من حذف المضاف ليس في الكلام ما يدلُّ عليه، ولا يُحوج إليه. وعلى ما أصَّلناه فقد أخذ بعموم قوله: (الولد للفراش) الشعبيُّ، ومن قال بقوله. فقال: الولد لا ينتفي عمَّن له الفراش لا بلعان، ولا غيره. وهو شذوذ، وقد حكي عن (١) بعض أهل المدينة، ولا حجة لهم في ذلك العموم لوجهين:
أحدهما: أنه خرج على سبب ولد الأمة، فيُقصر على سببه.
وثانيهما: أن الشرع قد قعَّد قاعدة اللّعان في حقّ الأزواج، وأن الولد ينتفي
стр. 2209
وَلِلعَاهِرِ الحَجَرُ، وَاحتَجِبِي مِنهُ يَا سَودَةُ بِنتَ زَمعَةَ، قَالَت: فَلَم يَرَ سَودَةَ قَطُّ.
رواه أحمد (٦/ ٣٧)، والبخاريُّ (٢٢١٨)، ومسلم (١٤٥٧)(٣٦)، وأبو داود (٢٢٧٣)، والنَّسائيُّ (٦/ ١٨٠)، وابن ماجه (٢٠٠٤).
* * *
ــ
بالتعانهما، فيكون ذلك العموم المظنون مخصَّصًا بهذه القاعدة المقطوع بها. ولا يختلف في مثل هذا الأصل.
و(قوله: وللعاهر الحجر) العاهر: الزاني. وهو اسم فاعل من: عَهَرَ الرَّجلُ المرأة، يعهَرُهَا: إذا أتاها للفجور. وقد عهرت (١) هي، وتعيهرت؛ إذا زنت. والعهر: الزنى.
واختلف في معنى: (للعاهر الحجر). فمنهم من قال: عنى به الرَّجم للزاني المحصن. ومنهم من قال: يعني به: الخيبة؛ أي: لا حظَّ له في الولد؛ لأن العرب تجعل هذا مثلًا. كما يقولون: امتلأت يده ترابًا؛ أي: خيبة.
قلت: وكأن هذا هو الأشبه بمساق الحديث، وبسببه. وهي حاصلة؛ أي: الخيبة لكل الزناة. فيكون اللفظ محمولًا على عمومه. وهو الأصل. ويؤخذ دليل الرَّجم من موضع آخر. وحمله على الزاني المحصن تخصيص اللفظ من غير حاجة ولا دليل.
و(قوله ﷺ لسودة: (احتجبي منه) يُستَدلُّ به على إعطاء الشوائب المختلفة أحكامها المختلفة؛ فإنه ألحق الولد بصاحب الفراش، وأمر سودة بالاحتجاب من الغلام الملحق، وإن كان أخاها شرعًا للشَّبَه (٢). وهذا منه ﷺ من باب الاحتياط، وتوقَّي الشُّبهات. ويحتمل أن يكون ذلك لتغليظ أمر الحجاب في حق سودة؛ لأنها
стр. 2210
(٢٧) باب قبول قول القافة في الولد
[١٥٢٢] عَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيَّ مَسرُورًا تَبرُقُ أَسَارِيرُ وَجهِهِ
ــ
من زوجاته ﵅. وقد غلّظ ذلك في حقهنَّ، ولذلك قال ﷺ لحفصة وعائشة في حق ابن أم مكتوم: (أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه؟ ! ) (١). وقال لفاطمة بنت قيس: (انتقلي إلى بيت ابن أمِّ مكتوم، تضعين ثيابك عنده) (٢) فأباح لها ما منعه لأزواجه.
وفيه ما يدلُّ على أن وطء الزنى يُوجب الحرمة. وهو مذهب أهل الرأي، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وهو أحد قولي مالك، وروي عنه في الموطأ: أنه لا يُحرِّم، وهو قول الشافعي، وأبي ثور. وهو الصحيح؛ لأن وطء الزنى لا حرمة له اتفاقًا، فلا تكون له محرمية. وتفصيله في الخلاف. وعلى القول بأنَّه لا يحرّم، يكون الأمر لسودة بالاحتجاب من الملحق (٣) واجبا.
(٢٧) ومن باب: قبول قول القافة في الولد
(قول عائشة ﵂: دخل عليَّ رسول الله ﷺ مسرورًا تبرقُ أسارير وجهه) وفي رواية: (أسارير جبهته) وهي: الطرائق الدقيقة، والتكَسُّر اليسير الذي يكون في الجبهة والوجه، والغضون أكثر من ذلك. وواحد الأسارير: أسرار، وواحدها: سِرٌّ وسَرَرٌ. فأسارير: جَمعُ الجمع. ويجمع في
стр. 2211
فَقَالَ: أَلَم تَرَي أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيدِ بنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بنِ زَيدٍ.
ــ
القلة أيضًا: أسرّة.
وهذا عبارة عن انطلاق وجهه، وظهور السرور عليه، ويُعَبِّر عن خلاف ذلك بالمقطب؛ أي: المجمع. فكأنَّ الحزن والغضب جَمَعَهُ وقبضَه.
و(مُجَزِّز) - بفتح الجيم، وكسر الزاي الأولى - هو المعروف عند الحفَّاظ. وكان ابن جريج يقول: مجزز - بفتح الزاي -. وقيل عنه أيضًا: مُحرِز - بحاء مهملة ساكنة، وراء مكسورة -. والصَّواب الأول. فإنه روي أنه إنما سُمِّي مُجززًا؛ لأنه كان إذا أخذ أسيرًا جز ناصيته. وقيل: حلق لحيتَه. قاله الزُّبيري. وكان من بني مُدلج، وكانت القِيافة فيهم وفي بني أسد.
قال الإمام أبو عبد (١) الله: كانت الجاهلية تقدح في نسب أسامة، لكونه أسود شديد السَّواد، وكان زيدٌ أبوه أبيض من القطن. هكذا ذكره أبو داود عن أحمد بن صالح.
قال القاضي: وقال غير أحمد: كان زيدٌ أزهر اللون، وكان أسامةُ شديد الأُدمة (٢). وزيد بن حارثة عربيٌّ صريحٌ من كلب، أصابه سِبَاءٌ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد ﵂، فوهبته للنبي ﷺ فتبنَّاه، فكان يُدعَى: زيدَ بنَ محمد. حتى نزل قوله تعالى: ﴿ادعُوهُم لآبَائِهِم﴾ فقيل: زيد بن حارثة. وابن زيد أسامة، وأمُّه أمُّ أيمن: بركة، وكانت تُدعَى: أم الظِّباء، مولاة عبد الله بن عبد المطلب، وداية رسول الله ﷺ . ولم أر لأحد أنها كانت سوداء، إلا ما روي عن ابن سيرين في تاريخ أحمد بن سعيد. فإن كان هذا؛ فلهذا خرج أسامة أسود، لكن لو كان هذا صحيحًا لم ينكر النَّاس لونه؛ إذ لا ينكر أن يلد الإنسان أسود من سوداء. وقد نسبها الناس فقالوا: أم أيمن بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان. وقد ذكر مسلم في الجهاد عن ابن شهاب: أن أم أيمن كانت من الحبش وصيفة لعبد الله بن
стр. 2212
وفي رواية: عَلَيهِمَا قَطِيفَةٌ قَد غَطَّيَا رُؤوسَهُمَا، وَبَدَت أَقدَامُهُمَا
ــ
عبد المطلب: أبي النبي ﷺ ، وقد ذكره الواقديُّ.
وكانت للنبي ﷺ بركة أخرى حبشية، كانت تخدم أمِّ حبيبة، فلعلّه اختلط اسمها على ابن شهاب، على أن أبا عمر قد قال في هذه: أظنَّها أمَّ أيمن. أو لعلّ ابن شهاب نسبها إلى الحبشة؛ لأنها من مهاجرة الحبشة، والله تعالى أعلم.
وقلت: هذا أظهر، وتزوَّجها عبيد بن زيد من بني الحارث، فولدت له أيمن، وتزوَّجها بعده زيد بن حارثة بعد النُّبوة، فولدت له أسامة. شهدت أحدًا، وكانت تداوي الجرحى. وشهدت خيبر، وتوفيت في أول خلافة عثمان بعشرين يومًا.
روى عنها ابنها أنس، وأنس بن مالك، وطارق بن شهاب. قالت أم أيمن: بات رسول الله ﷺ في البيت، فقام من الليل، فبال في فخارة، فقمت وأنا عطشى، لم أشعر ما في الفخارة، فشربت ما فيها، فلما أصبحنا. قال: (يا أم أيمن! أهريقي ما في الفخارة) قلت: والذي بعثك بالحق! لقد شربت ما فيها، فضحك حتى بدت نواجذه، قال: (إنه لا تتجعّنَّ بطنُك بعدها أبدًا (١)) (٢).
و(القطيفة): كساء غليظ.
وقد استدل جمهور العلماء على إلى قول القافة عند التنازع في الولد بسرور النبي ﷺ بقول هذا القائف. وما كان ﷺ بالذي يسر بالباطل، ولا يعجبه. ولم يأخذ بذلك أبو حنيفة والثوري، وإسحاق، وأصحابهم متمسّكين بإلغاء النبي ﷺ الشَّبَه في حديث اللعان على ما يأتي، وي حديث سودة كما تقدم، وقد انفصل عن هذا بما تقدم آنفًا، من أن إلغاء الشَبَه في تلك المواضع التي ذكروها، إنما كانت لمعارض أقوى منه، وهو معدوم هنا، فانفصلا، والله تعالى أعلم.
стр. 2213
فَقَالَ: إِنَّ بَعضَ هَذِهِ الأَقدَامِ لَمِن بَعضٍ. وفي رواية: وكان مجزز قائفا.
رواه أحمد (٦/ ٨٢)، والبخاريُّ (٦٧٧٠)، ومسلم (١٤٥٩)، (٣٨) و (٣٩)، وأبو داود (٢٢٦٨)، والترمذيّ (٢١٢٩)، والنسائيُّ (٦/ ١٨١ و ١٨٤).
* * *
ــ
ثم اختلف الآخذون بأقوال القافة: هل يؤخذ بذلك في أولاد الحرائر والإماء، أو يختص بأولاد الإماء؟ على قولين:
فالأول: قول الشافعي، ومالك في رواية ابن وهب عنه. ومشهور مذهبه: قَصرُه على ولد الأمة. وفرَّق بينهما: بأن الواطئ في الاستبراء يستند وطؤه لعقد صحيح فله شبهة المِلك، فيصح إلحاق الولد به، إذا أتت به لأكثر من ستة أشهر من وطئه، وليس كذلك الوطء في العدَّة؛ إذ لا عقد إذ لا يصحّ. وعلى هذا فيلزم من نكح في العدَّة أن يُحَدَّ، ولا يلحق به الولد؛ إذ لا شبهة له. وليس مشهور مذهبه. وعلى هذا فالأولى: ما رواه ابن وهب عنه، وقاله الشافعي.
ثم العجب أن هذا الحديث الذي هو الأصل في هذا الباب إنما وقع في الحرائر، فإن أسامة وأباه ابنا حُرَّتَين. فكيف يلغى السبب الذي خرج عليه دليل الحكم، وهو الباعث عليه؟ ! هذا ما لا يجوز عند الأصوليين.
وكذلك اختلف هؤلاء؛ هل يكتفى بقول واحد؛ لأنه خبر من القافة، أو لا بدَّ من اثنين؛ لأنها شهادة؟ وبالأوَّل قال ابن القاسم. وهو ظاهر الخبر، بل نصُّه. وبالثاني قال مالك، والشافعي، ويلزم عليه أن يراعى فيها شروط الشهادة؛ من العدالة وغيرها.
واختلفوا أيضًا فيما إذا ألحقته القافة بمدَّعِيَين، هل يكون ابنًا لهما؟ وهو قول سحنون، وأبي ثور. وقيل: يُترك حتى يكبر، فيُوالي من شاء منهما؛ وهو قول عمر بن الخطاب ﵁. وقاله مالك والشافعي. وقال عبد الملك، ومحمد بن مسلمة: يُلحَق بأكثرهما شبهًا.
стр. 2214
(٢٨) باب المقام عند البكر والثيب
[١٥٢٣] عَن أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ أَقَامَ عِندَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ: إِنَّهُ لَيسَ بِكِ عَلَى أَهلِكِ هَوَانٌ إِن شِئتِ سَبَّعتُ لَكِ، وَإِن سَبَّعتُ لَكِ سَبَّعتُ لِنِسَائِي.
ــ
واختلف نفاة القول بالقافة في حكم ما أشكل، وتُنُوزِع فيه. فقال أبو حنيفة: يلحق الولد بهما، وكذلك بامرأتين. وقال محمد بن الحسن: يلحق بالآباء وإن كثروا، ولا يلحق إلا بأم واحدة. ونحوه قال أبو يوسف. وقال إسحاق: يقرع بينهم. وقاله الشافعي في القديم. ويُستدل على هذا بما خرَّجه أبو داود من حديث عليّ ﵁ وذلك أن ثلاثة وقعوا على امرأة في طهر واحد، فأتت بولد فترافعوا إلى عليّ، وكلهم يدّعي الولد لنفسه، فأقرع عليّ بينهم، فألحقه بالذي طارت عليه القرعة. وكان عليّ باليمن، فلما قدم على النبي ﷺ أخبره بذلك، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه (١). وسنده صحيح.
(٢٨) ومن باب: المقام عند البكر والثيب
(قوله ﷺ لأم سلمة: إنه ليس بك على أهلك هوان) الضمير في (إنه) للأمر، والشأن. و (ليس بك) أي: لا يتعلّق بك، ولا يقع بك. و (أهلك): يريد به نفسه. وكل واحد من الزوجين أهل لصاحبه. و (الهوان): النقص، والاحتقار. وإنما قال لها ذلك حين أخذت بثيابه تستزيده من المقام عندها، فاستلطفها بهذا القول الحسن. ثم بعد ذلك بيَّن لها وجه الحكم بقوله: (للبكر سبع، وللثيب ثلاث) وهذا تقعيد للقاعدة، وبيان لحكمها. وهو حجة للجمهور على أبي حنيفة حيث
стр. 2215
زاد في رواية: وَإِن شِئتِ ثَلَّثتُ ودُرتُ. قَالَت: ثَلِّث.
وفي أخرى: لما أَرَادَ أَن يَخرُجَ أَخَذَت بِثَوبِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِن شِئتِ زِدتُكِ وَحَاسَبتُكِ بِهِ لِلبِكرِ سَبعٌ، وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ.
رواه مسلم (١٤٦٠)(٤١)(٤٢)، وأبو داود (٢١٢٢).
ــ
يقول: لا يختص بذلك واحدة منهن، بل يقضي لسائر نسائه بمثل ذلك، تمسُّكًا منه بمطلق الأمر بالعدل بينهن. ولا يتم له ذلك؛ لأنه مخصّص بهذا الحديث وشبهه.
وقد يقال: إذا كان الحكم: أن للثيب ثلاثًا، وللبكر سبعًا؛ فكيف خيرها بين التسبيع والتثليث؟ ثم إن اختارت التسبيع سبّع لنسائه، وسقط حقها من الثلاث.
ويجاب عن ذلك: بأن ظاهر قوله: (للثيب ثلاث، وللبكر سبع) أن ذلك حق للزوجة. وهو أحد القولين عند مالك ﵀ في هذا. فإذا رضيت بإسقاطه سقط، فكأنه عرض عليها: أنها إن اختارت السبع سقط حقها من الثلاث.
وقد اختلف؛ هل لغير النبي ﷺ أن يسبع للثيب أم لا؟ فذهب مالك فيما ذكر عنه ابن الموَّاز: إلى أنه ليس له أن يسبع. وكأنَّه رأى أن ذلك كان من خصوصيَّات النبي ﷺ ؛ إذ قد ظهرت خصوصياته في هذا الباب كثيرًا.
وقال ابن القصَّار: إذا سبع للثيب سبع لسائر نسائه؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث. ولا يدلّ عنده على سقوط (١) الثلاث لها. وكأنه تمسك بالرواية التي قال لها فيها: (إن شئت زدتك وحاسبتك) وكل هذا منه ﷺ عمل بالعدل بين أزواجه، ومراعاة له.
وهل كان ذلك منه - أعني القسم - على جهة الوجوب، كما هو على غيره بالاتفاق، أو هو مندوب إلى ذلك، لكنه أخذ نفسه بذلك رغبة في تحصيل الثواب، وتطييبًا لقلوبهن، وتحسينًا للعشرة على مقتضى خُلُقه الكريم، وليُقتدى به في ذلك؟ قولان لأهل العلم.
مستند القول بالوجوب: التمسَّك بعموم القاعدة الكلية في وجوب العدل
стр. 2216
[١٥٢٤] وعَن أَنَسٍ قَالَ: مِن السُّنَّةِ أَن يُقِيمَ عِندَ البِكرِ سَبعًا قَالَ خَالِدٌ: وَلَو شِئتُ قُلتُ: رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ .
رواه مسلم (١٤٦٠)(٤٥).
* * *
ــ
بينهن، وبقوله: (اللهم هذه قسمتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك، ولا أملك) (١) يعني: الحب، والبغض.
ومستند نفيه: قوله تعالى: ﴿تُرجِي مَن تَشَاءُ مِنهُنَّ وَتُؤوِي إِلَيكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابتَغَيتَ مِمَّن عَزَلتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيكَ﴾ وقد تقدَّم التنبيه على الخلاف في تأويلها. ولم يختلف في حق غير النبي ﷺ ممن له زوجات: أن العدل عليه واجب؛ لقوله ﷺ : (من كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة، وشقه مائل، أو ساقط) (٢) ولقوله تعالى: ﴿وَلَن تَستَطِيعُوا أَن تَعدِلُوا بَينَ النِّسَاءِ وَلَو حَرَصتُم فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيلِ فَتَذَرُوهَا كَالمُعَلَّقَةِ﴾ وسيأتي القول (٣) في كيفية القسم.
و(قوله: من السُّنة أن يقيم عند البكر سبعًا) ظاهره الرفع عند جمهور الأصوليين؛ لأنه إنما يعني به سنة النبي ﷺ وقد دلّ على الرفع هنا قول خالد: (لو شئت قلت: رفعه) وقد تقدَّم قوله ﷺ : (للبكر سبع، وللثيب ثلاث). والرفع فيه منصوصٌ عليه.
وقد اختلف في هذا الحكم؛ هل هو لكل بكر وثيب؟ وإن لم يكن للزوج غيرها، أو إنما يكون ذلك إذا كان له غيرها. على قولين عندنا.
قال أبو عمر: أكثر العلماء على أن ذلك واجب لها؛ كان عند الرجل زوجة أم لا؛ لعموم الحديث.
وقال غيره: معنى الحديث فيمن له زوجة غير هذه؛ لأن من لا زوجة له مقيم مع هذه.
стр. 2217
(٢٩) باب في القَسم بين النساء وفي جواز هبة المرأة يومها لضرتها
[١٥٢٥] عَن أَنَسٍ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ تِسعُ نِسوَةٍ، فَكَانَ إِذَا قَسَمَ بَينَهُنَّ لَا يَنتَهِي إِلَى المَرأَةِ الأُولَى فِي تِسعٍ، فَكُنَّ يَجتَمِعنَ كُلَّ لَيلَةٍ فِي
ــ
قلت: وهذا هو الصحيح لوجهين:
أحدهما: أنه هو السبب الذي خرج عليه اللفظ.
والثاني: النظر إلى المعنى، وذلك: أن من له زوجات يحتاج إلى استئناف القسم بعد أن يوفي لهذه المستجدة حقها من تأنيسها، والانبساط إليها، وإزالة نُفرتها، وتطييب عيشها. وأيضًا: فيستوفي لنفسه ما يجده من التشوُّق إليها، والاستلذاذ بها، فإن الجديد له استلذاذ جديد. وذلك مفقود فيمن ليس له زوجة غير التي تَزَوَّجَ بها.
(٢٩) ومن باب: القَسم بين الزوجات
قد تقدم القول آنفا في حكم وجوب القَسم بين الزوجات. فأمَّا كيفية القسم: فلا خلاف في أن عليه أن يفرد كل واحدة بليلتها، وكذلك قول عامَّة العلماء في النَّهار. وذهب بعضهم إلى وجوب ذلك في الليل دون النهار، ولا يدخل لإحداهما في يوم الأخرى وليلتها ولغير حاجة.
في دخوله لحاجة وضرورة. فالأكثرون على جوازه؛ مالك وغيره. وفي كتاب ابن حبيب منعه. ويعدل بينهن في النفقة، والكسوة؛ إذا كنَّ معتدلات الحال، ولا يلزم ذلك في المختلفات المناصب. وأجاز مالك أن يُفضِّل إحداهما في الكسوة على غير جهة الميل. فأمَّا الحب والبغض فخارجان عن الكسب، فلا يتأتى العدل فيهما. وهو المعنِيُّ
стр. 2218
بَيتِ الَّتِي يَأتِيهَا، فَكَانَ فِي بَيتِ عَائِشَةَ، فَجَاءَت زَينَبُ فَمَدَّ يَدَهُ إِلَيهَا فَقَالَت: هَذِهِ زَينَبُ فَكَفَّ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ، فَتَقَاوَلَتَا حَتَّى استَخَبَتَا
ــ
بقوله ﷺ : (فلا تلمني فيما تملك ولا أملك). وعند أبي داود: يعني القلب. وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَن تَستَطِيعُوا أَن تَعدِلُوا بَينَ النِّسَاءِ وَلَو حَرَصتُم﴾
و(قوله: كان للنبي ﷺ تسع نسوة، فكان إذا قسم لا ينتهي إلى المرأة الأولى في تسع) كذا صحت روايتنا (١): (في تسع) من غير إلَاّ الإيجابية. وقد وقع في بعض النسخ: (إلا في تسع) وهو أصوب، وأوضح. فتأمله.
و(قوله: فكنَّ يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها) حجة في أن الزوج لا يأتي غير صاحبة القَسم. فأما اجتماعهن عند صاحبة القَسم في بعض الأوقات فباختيارهن، ومن حق صاحبة القَسم أن تمنعهن إن شاءت.
و(قوله: فكان في بيت عائشة فجاءت زينب، فمدَّ يده إليها، فقالت: هذه زينب فكف) كان هذا في الوقت الذي لم يكن في البيوت مصابيح، وإنما مدَّ يده إليها يظنَّها عائشة.
وفيه ما يدل: على صحة ما ذكرناه من أنه لا يجوز للزوج الاستمتاع بالواحدة في وقت الأخرى. فأمَّا ما خرَّجه البخاري وأبو داود من حديث عائشة: من أنَّه ﷺ (كان يطوف بعد العصر على نسائه، فيدنو منهن من غير مسيس (٢)). فقد قيل: إن ذلك كان إذ لم يكن القَسم عليه واجبا. ويحتمل أن يقال: كان (٣) ذلك برضا أزواجه.
و(قوله: فتقاولتا حتى استخبتا): عند كافة الشيوخ: بالخاء المعجمة، بعدها
стр. 2219
وَأُقِيمَت الصَّلَاةُ. فَمَرَّ أَبُو بَكرٍ عَلَى ذَلِكَ، فَسَمِعَ أَصوَاتَهُمَا فَقَالَ: اخرُج يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَاحثُ فِي أَفوَاهِهِنَّ التُّرَابَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَت عَائِشَةُ: الآنَ يَقضِي النَّبِيُّ ﷺ صَلَاتَهُ فَيَجِيءُ أَبُو بَكرٍ فَيَفعَلُ بِي وَيَفعَلُ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاتَهُ أَتَاهَا أَبُو بَكرٍ، فَقَالَ لَهَا قَولًا شَدِيدًا، وَقَالَ: أَتَصنَعِينَ هَكذَا؟ .
رواه مسلم (١٤٦٢).
ــ
باء بواحدة مفتوحتين: من السَّخب. وهو: اختلاط الأصوات، وارتفاعها. ويقال: بالصاد. ووقع في رواية السمرقندي: استحثيا -بالحاء المهملة - وسكونها، وبعدها ثاء مثلثة، وبعدها ياء باثنتين من تحتها. ومعناه -إن لم يكن تصحيفًا-: حثت كل واحدة منهما في وجه الأخرى التراب. وصوابه: استحثتا - باثنتين من فوقها (١)، وسبب هذا الواقع بينهما: الغيرة.
وفيه ما يدل على جميل عشرة النبي ﷺ ومداراته.
و(قوله: وأقيمت الصلاة) يدلّ على أن تلك الحالة الواقعة لهم كانت قريب الفجر، وأنهما دامتا على المقاولة إلى أن أقيمت صلاة الصبح (٢).
وليس في مَدِّ يده إلى زينب دليلٌ على أن اللمس لا ينقض الوضوء، كما قد زعمه بعضهم؛ إذ لم ينقل أنه كان منه لمس على غير حائل، ولا أنه كان توضأ قبل ذلك، فلعلَّه بعد ذلك توضأ.
وقول أبي بكر ﵁: (احث في أفواههن التراب) مبالغة في الرَّدع والزجر لهنَّ، عن رفع أصواتهن على صوت النبي ﷺ وترك احترامه.
стр. 2220
[١٥٢٦] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: مَا رَأَيتُ امرَأَةً أَحَبَّ إِلَيَّ أَن أَكُونَ فِي مِسلَاخِهَا مِن سَودَةَ بِنتِ زَمعَةَ مِن امرَأَةٍ فِيهَا حِدَّةٌ. قَالَت: فَلَمَّا كَبِرَت جَعَلَت يَومَهَا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَائِشَةَ. قَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَد جَعَلتُ يَومِي فيكَ لِعَائِشَةَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقسِمُ لِعَائِشَةَ يَومَينِ يَومَهَا وَيَومَ سَودَةَ.
ــ
و(قول عائشة: ما رأيت امرأة أحب إليَّ أن أكون في مسلاخها من سودة) أي: في جلدها. وحقيقة ذلك: أنَّها تمنَّت أن تكون هي؛ لأن أحدًا لا يتمنى أن يكون في جلد غيره. وهذا اللفظ قد جرى مجرى المثل. ومقصودها: أنها أحبت أن تكون على مثل حالها في الأوجه التي استحسنت منها.
و(قولها: من امرأة فيها حِدَّة) (من) هنا: للبيان، والخروج من وصف إلى ما يخالفه، ولم تُرِد تنقيصَها بذلك، وإنما أرادت: أنَّها كانت شهمةَ النفس، حديدة القلب، حازمة مع عقل رصين، وفضل متين. ولذلك جعلت يومها لعائشة.
وفيه دليل على أن حق للزوجة ذات الضرائر. وأنَّه يجوز لها بذله لغيرها بعوض وغير عوض، إذا رضيَ بذلك الزوجُ. ويشهد لهذا كله قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امرَأَةٌ خَافَت مِن بَعلِهَا نُشُوزًا أَو إِعرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَن يُصلِحَا بَينَهُمَا صُلحًا وَالصُّلحُ خَيرٌ﴾
وفي هذه القصَّة نزلت هذه الآية على ما قيل. لكن عند مالك لها الرجوع في مثل هذا إذا شاءت؛ لأنها حقوق متجددة آنًا فآنًا، فلكل متجدِّد حكمه، بخلاف الحقوق الثابتة؛ تلك التي لا يًرجِعُ في شيء منها مَن أسقطها، مثل ما يترتب في الذمم، أو في الأبدان. وهذا أحد قولي مالك. وقيل: يلزم ذلك دائمًا (١).
و(قوله: فكان يقسم لعائشة يومين، يومها ويوم سودة) لا يفهم من هذا
стр. 2221
وفي رواية: قَالَت: وَكَانَت أَوَّلَ امرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا بَعدِي.
رواه البخاريُّ (٥٢١٢)، ومسلم (١٤٦٣)(٤٧) و (٤٨).
* * *
(٣٠) باب في قوله تعالى: ﴿تُرجِي مَن تَشَاءُ مِنهُنَّ وَتُؤوِي إِلَيكَ مَن تَشَاءُ﴾
[١٥٢٧] عَن عَائِشَةَ قَالَت: كُنتُ أَغَارُ عَلَى اللَّاتِي وَهَبنَ أَنفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَقُولُ: وَتَهَبُ المَرأَةُ نَفسَهَا؟ فَلَمَّا أَنزَلَ اللَّهُ :
ــ
توالي اليومين. بل يوم سودة على الرتبة التي كانت لها قبل الهبة.
و(قولها: وكانت أوَّل امرأة تزوَّجها بعدي) هذه رواية يونس، عن شريك. وهكذا قال يونس أيضًا عن ابن شهاب، وعبد الله بن محمد بن عقيل. وأشار بعضهم إلى الجمع بين القولين فقال: أول من عقد عليها بعد خديجة عائشة، وأول من دخل عليها بعد خديجة سودة، فإنه دخل عليها بمكة قبل (١) الهجرة، ودخل على عائشة بالمدينة في شوَّال سنة اثنتين من الهجرة (٢). وروى عقيل بن خالد عن ابن شهاب خلافه، وأنه ﷺ تزوج سودة قبل عائشة. قال أبو عمر: وهذا قول قتادة، وأبي عبيدة.
(٣٠) ومن باب: قوله تعالى: ﴿تُرجِي مَن تَشَاءُ مِنهُنَّ وَتُؤوِي إِلَيكَ مَن تَشَاءُ﴾ الآية.
اختلف السَّلف في هذه الآية. فقيل: هي ناسخة لقوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعدُ﴾ مبيحة له أن يتزوَّج ما شاء. وقيل: بل نُسخ
стр. 2222
﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ [الأحزاب: ٥١]
ــ
قوله: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ بالسنَّة. قال زيد بن أسلم: تزوَّج رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية ميمونة، ومليكة، وصفية، وجويرية. وقالت عائشة: (ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النساء) (١).
وقيل عكس هذا، وهو: إن قوله: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ ناسخة لقوله: ﴿إِنَّا أَحلَلنَا لَكَ أَزوَاجَكَ﴾ الآية، ولقوله: ﴿تُرجِي مَن تَشَاءُ مِنهُنَّ﴾ وقيل غير هذا مما هو ظاهر الفساد. وإن صحَّ ما نقله زيد بن أسلم: فالقول قوله، والله تعالى أعلم (٢).
ترجي: قُرئ مهموزًا وغير مهموز، وهما لغتان. يُقال: أرجيتُ الأمر، وأرجأته: إذا أخَّرته. وتُؤوي: تضم. ابن عباس: تطلق من تشاء، وتمسك من تشاء. فأراد تطليق سودة، فوهبت يومها لعائشة فَبَقَّاها. مجاهد: تعزل من تشاء بغير طلاق، وتضم إليك من تشاء.
وكان ممن آوى إليه عائشة، وحفصة، وأم سلمة. وأرجأ سودة، وجويرية، وصفية، وميمونة، وأم حبيبة. وكان يقسم لهن ما شاء. وتوفي ﷺ وقد آوى جميعهن إلا صفية، وهذا يدلّ على أن القَسم لم يكن عليه (٣) واجبا. وهو أحد القولين كما قدمناه.
ابتغيت؛ أي: طلبت الإصابة. ذلك؛ أي: الابتغاء أدنى؛ أي: أقرب لطيب قلوبهن؛ أي: إذا علمن أنَّ العَزل بأمر الله تعالى قرَّت أعيُنُهُنَّ بذلك، ورضين. هذا قول أهل التفسير.
وفي هذه الآيات أبحاث ليس هذا موضع ذكرها. وما نقلناه أشبه ما قيل فيها (٤).
стр. 2223
قَالَت: قُلتُ: وَاللَّهِ مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ.
وفي رواية: إن عَائِشَةَ كَانَت تَقُولُ: أَمَا تَستَحيِي المرَأَةٌ تَهَبُ نَفسَهَا لِرَجُلٍ؟ حَتَّى أَنزَلَ اللَّهُ وذكره.
رواه البخاريُّ (٥١١٣)، ومسلم (١٤٦٤)(٤٩) و (٥٠)، وأبو داود (٢١٣٦)، والنسائي (٥٤١٦).
ــ
و(قول عائشة ﵂: ما أرى ربَّك إلا يسارع في هواك). قول (١) أبرزته الغيرةُ والدَّلالُ. وهذا من نوع قولها: (ما أهجر إلا اسمك) (٢) و (لا أحمد إلا الله) (٣). وإلا فإضافة الهوى إلى النبي ﷺ مباعدٌ لتعظيمه، وتوقيره (٤)؛ الذي أمرنا الله تعالى به، فإن النبي ﷺ مُنَزَّهٌ عن الهوى بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى﴾، وهو ممن نهى النفس عن الهوى. ولو جعلت مكان (هواك) (مرضاتك) لكان أشبه، وأولى. لكن أبعد هذا في حقِّها عن نوع الذنوب: أنَّ ما يفعل المحبوب محبوب.
و(قولها: (أما تستحيي المرأة تهب نفسها؟ ! ) تقبيح منها على من فعلت ذلك. وتنفير أوجبه غيرتها. وإلَاّ فقد علمت أن الله تعالى أباح هذا للنبي ﷺ خاصَّة، وأن النساء كلّهن لو مَلَّكنَ رقَّهُنَّ ورِقَابهنَّ للنبي ﷺ لكُنَّ معذورات في ذلك، ومشكورات عليه لعظيم بركته، ولشرف منزلة القرب منه.
وعلى الجملة فإذا حُقِّقَ النظرُ في أحوال أزواجه؛ عُلِمَ: أنَّه لم يحصل أحدٌ في العالم على مثل ما حصلنَّ عليه. ويكفيك من ذلك مخالطة اللحوم، والدماء، ومشابكة الأعضاء،
стр. 2224
[١٥٢٨] وعن عَطَاءٌ قَالَ: حَضَرنَا مَعَ ابنِ عَبَّاسٍ جَنَازَةَ مَيمُونَةَ زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ بِسَرِفَ فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ زَوجُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِذَا رَفَعتُم نَعشَهَا فَلَا تُزَعزِعُوا، وَلَا تُزَلزِلُوا، وَارفُقُوا فَإِنَّهُ كَانَ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِسعٌ،
ــ
والأجزاء. وناهيك بها مراتب فاخرة. لا جرم هنَّ أزواجه المخصوصات به في الدنيا والآخرة.
و(سرف): موضع على ستة أميال من مكة. وقيل: سبعة. وقيل: تسعة. وقيل: اثنا عشر ميلًا. ولا خلاف: أن ميمونة ﵂ توفيت به. وهي آخر أزواج النبي ﷺ موتًا. قيل: إنها ماتت سنة ثلاث وستين. وقيل: ست وستين. وعلى هذا تكون ميمونة آخرهن موتًا. وقيل: سنة إحدى وخمسين، قبل عائشة؛ لأن عائشة توفيت سنة سبع وخمسين. وقيل: ثمان وخمسين. وعلى هذا فتكون عائشة آخرهن موتًا. وأما صفية: فتوفيت سنة خمسين.
وقول عطاء: (كانت آخرهن موتًا، ماتت بالمدينة) قول مشكل، يلزم عليه وهم؛ وذلك: أنَّه إن كان أراد ميمونة؛ فقد وَهِمَ في قوله: إنها ماتت بالمدينة. وقد بينَّا: أنها ماتت بسرف. إلا أن يريد بـ (المدينة) هنا (مكة) وفيه بُعدٌ. وإن أراد بها صفية؛ فقد وَهِمَ أيضًا؛ لأنها لم تكن آخرهن موتًا على ما قدّمناه. وقد وهم أيضًا في قوله: إن التي لا يقسم لها هي صفية، فإن المشهور: أن التي لا يقسم لها هي: سودة، وهبت يومها لعائشة، كما تقدَّم.
وقول ابن عباس ﵄: (فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوا، ولا تزلزلوا، وارفقوا) كلُّ ذلك تنبيه على ما يجب من احترام أزواجه ﷺ لعظيم رتبتهنَّ، وشرف منزلتهن، كما قدمناه.
وقد تقدَّم لنا القول في وجه خصوصية النبي ﷺ بكثرة النساء، وأبدينا هنالك فوائد كثرة النساء في أول كتاب النكاح، ونزيد هنا نكتة نبَّه عليها أبو سليمان الخطَّابي بكلام معناه: إن الله تعالى اختار لنبيه ﷺ من الأمور أفضلها، وأكملها، وجمع له من الفضائل التي تزداد بها نفوس
стр. 2225
فَكَانَ يَقسِمُ لِثَمَانٍ، وَلَا يَقسِمُ لِوَاحِدَةٍ. قَالَ عَطَاءٌ: الَّتِي لَا يَقسِمُ لَهَا صَفِيَّةُ بِنتُ حُيَيِّ بنِ أَخطَبَ. وكَانَت آخِرَهُنَّ مَوتًا مَاتَت بِالمَدِينَةِ.
رواه أحمد (١/ ٢٣١)، والبخاريُّ (٥٠٦٧)، ومسلم (١٤٦٥)(٥١) و (٥٢)، والنسائيُّ (٦/ ٥٣).
* * *
(٣١) باب الحث على نكاح الأبكار وذوات الدين
[١٥٢٩] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ أَنَّ عَبدَ اللَّهِ هَلَكَ، وَتَرَكَ تِسعَ بَنَاتٍ
ــ
العرب جلالة، وفخامة. وكانت العرب تتفاخر بقوة النكاح، وكان ﷺ من قوة البنية، واعتدال المزاج، وكمال الخلقة على نهايتها، على ما شهدت به الأخبار. ومن كان بهذه الصِّفة؛ كانت دواعي هذا الباب أغلب عليه، وكان من عداها منسوبًا إلى نقص الجبلّة، وضعف النَّحيزة (١)، فأبيح له الزيادة على أربع لاحتياجه إلى ذلك. وأيضًا: فلقوَّته على العدل بينهن. ولَمَّا لم يكن غيره كذلك: قصر على أربع، والله تعالى أعلم.
(٣١) ومن باب: الحث على نكاح الأبكار
(قول جابر بن عبد الله ﵁: (إن عبد الله هلك) يعني: والده. وكان استشهد يوم أحد، اختلفت عليه أسياف المسلمين. وهم يظنونه من الكفار.
стр. 2226
(أَو قَالَ: سَبعَ) فَتَزَوَّجتُ امرَأَةً ثَيِّبًا فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا جَابِرُ تَزَوَّجتَ؟ قَالَ: قُلتُ: نَعَم قَالَ: فَبِكرٌ أَم ثَيِّبٌ؟ قَالَ: قُلتُ: بَل ثَيِّبٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَال: فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ وتُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ! قَالَ: قُلتُ لَهُ: إِنَّ عَبدَ اللَّهِ هَلَكَ، وَتَرَكَ تِسعَ بَنَاتٍ - أَو سَبعَ -، وَإِنِّي كَرِهتُ أَن آتِيَهُنَّ - أَو أَجِيئَهُنَّ - بِمِثلِهِنَّ، فَأَحبَبتُ أَن أَجِيءَ بِامرَأَةٍ تَقُومُ عَلَيهِنَّ، وَتُصلِحُهُنَّ قَالَ: فَبَارَكَ اللَّهُ لَكَ أَو قَالَ لِي: خَيرًا.
وفي رواية: قَالَ: فَأَينَ أَنتَ مِن العَذَارَى وَلِعَابِهَا؟
ــ
فكان جابر يقول: أبي! أبي! فلم يسمعوه حتى استشهد فتصدَّق ابنه بدمه على المسلمين (١).
و(الثيب): المرأة التي دخل بها الزوج، وكأنَّها ثابت إلى غالب أحوال كبار (٢) النساء.
و(قوله: فهلَاّ جارية (٣) تلاعبها، وتلاعبك) يدلُّ على تفضيل نكاح الأبكار، كما قال في الحديث الآخر: (فإنهنَّ أطيب أفواهًا، وأنتَقُ أرحامًا) (٤).
و(تلاعبها): من اللعب، بدليل قوله: (وتضاحكها). وفي كتاب أبي عبيد: (تداعبها وتداعبك).
و(قوله في الرواية الأخرى: (أين أنت من العذارى ولعابها) - بكسر
стр. 2227
رواه البخاري (٢٠٩٧)، ومسلم (٧١٥)(٥٥) و (٥٦)، والنسائي (٦/ ٦٥)، وابن ماجه (١٨٦٠).
[١٥٣٠] وعَن أبي هريرة: عَن النَّبِيِّ ﷺ قَال: تُنكَحُ المَرأَةُ لِأَربَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا
ــ
اللام هنا لا غير - وهو مصدر لاعب، من الملاعبة. كما يقال: قِتالًا؛ من: قَاتَل، يقاتل. وقد رواه أبو ذر (١) من طريق المستملي: (لُعَابها) - بالضم-؛ يعني به: ريقها عند التقبيل. وفيه بُعدٌ. والصواب: الأول.
وهذا الحديث يدلُّ على فضل عقل جابر؛ فإنه راعى مصلحة صيانة أخواته، وآثرها على حق نفسه، ونيل لذته؛ ولذلك استحسنه منه النبي ﷺ وقال له: (فبارك الله لك) وقال له خيرًا.
وفيه ما يدلُّ على قصد الرجل من الزوجة القيام له بأمور وبمصالح ليست لازمة لها في الأصل، ولا يُعاب من قصد شيئًا من ذلك.
و(قوله: تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها) أي: هذه الأربع الخصال هي المُرغِّبة في نكاح المرأة. وهي التي يقصدها الرِّجال من النساء. فهو خبرٌ عما في الوجود من ذلك، لا أنه أمرٌ بذلك. وظاهره إباحة النكاح؛ لقصد مجموع هذه الخصال أو لواحدة منها، لكن قصد الدِّين أولى وأهم؛ ولذلك قال: (فاظفر بذات الدِّين تربت يمينك) (٢).
و(الحسب) هنا: الشرف،
стр. 2228
فَاظفَر بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَت يَدَاكَ.
رواه أحمد (٢/ ٤٢٨)، والبخاري (٥٠٩٠)، ومسلم (١٤٦٦)(٥٣)، وأبو داود (٢٠٤٧)، والنسائي (٦/ ٦٨)، وابن ماجه (١٨٥٨).
ــ
والرفعة. وأصله من الحساب؟ الذي هو العدد، وذلك أن الشريف يعد لنفسه ولآبائه مآثر جميلة وخصالًا شريفة. والحسب - بسكون السين -: المصدر، وبفتحها: الاسم. كالنّقض، والنَّقَض، والقَبض، والقَبَض. وقد يراد بالحسب: قرابة الرجل، وأهله، وذريته؛ كما جاء في وفد هوازن؛ إذ قيل لهم: اختاروا، إما المال، وإمَّا السبي. فقالوا: إنا نختار الحسب. فاختاروا أبناءهم ونساءهم. وقد تقدم القول على: (تربت يداك).
ولا يُظَّنُّ من هذا الحديث أن مجموع هذه الأربع والمساواة فيها هي الكفاءة، فإن ذلك لم يقل به أحدٌ من العلماء فيما علمت، وإن كانوا قد اختلفوا في الكفاءة ما هي؟
فعند مالك: الكفاءة في الدِّين. فالمسلمون بعضهم لبعض أكفاء، والمولى كفؤ للقُرشيّة. وروى مثله عمر، وابن مسعود، وجماعة من الصحابة والتابعين.
وقال غيره: الكفاءة معتبرة في الحال والحسب. فعند أبي حنيفة: قريش كلهم أكفاء، وليس غيرهم من العرب لهم بكفؤ. والعرب بعضهم لبعض أكفاء، وليس الموالي لهم بأكفاء. ومن له من الموالي آباء في الإسلام؛ فبعضهم لبعض أكفاء، وليس المعتق نفسه لهم بكفؤ.
وقال الثوري: يفرق بين العربية والمولى، وشدَّدَ في ذلك، وقاله أحمد (١). قال الخطابي: الكفاءة في قول أكثر العلماء في
стр. 2229
[١٥٣١] وعن جَابِرُ قَالَ: تَزَوَّجتُ امرَأَةً على عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وذكر نحو ما تقدم، وزاد فقَالَ له رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : تُنكَحُ المَرأَةَ عَلَى دِينِهَا، وَجَمَالِهَا، وَمَالِهَا، فَعَلَيكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَت يَدَاكَ.
رواه مسلم (٧١٥)(٥٤).
* * *
ــ
أربعة: في الدِّين، والنَّسب، والحرِّية، والصناعة. واعتبر بعضهم السلامة من العيوب. والكل منهم متفقون: على أنه لا يعتبر في الكفاءة المساواة فيما يُعَدُّ كفاءة، بل يكفي أن يكونا ممن ينطلق عليها اسم ذلك المعنى المعتبر في الكفاءة. فالمفضول كفؤ للأفضل، والمشروف كفؤ للأشرف؛ لأنهما قد اشتركا في أصل ذلك المعنى.
وقد استدل أصحابنا بهذا الحديث: على أن للزوج حق الاستمتاع والتجمُّل بمال الزوجة. ووجه ذلك: أنها إذا كانت ذات مال رغب الزوج فيها ووسّع في المهر لأجل المال، وبذل لها من ذلك أكثر مما يبذل للفقيرة. وقد سوَّغ الشرع هذا القصد، فلا بدَّ له من أثر ومقابل، لا جائز أن يكون عين مالها بالاتفاق، فلم يبق إلا أن يكون الاستمتاع، والتجمُّل به، وكفاية كثير من المؤن. وينبني على ذلك: أنها تُمنع من تفويت مالها كلِّه لأجل حق الزوج.
وقد شهد بصحة هذا الاعتبار قوله ﷺ فيما خرَّجه النسائي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنه ﷺ قال: (لا يحل لامرأة أن تقضي في ذي بال من مالها إلا بإذن زوجها) (١). قال الإمام أبو عبد الله: وفي ظاهر هذا حجة لقولنا: إن المرأة إذا رفع لها الزوج في الصَّداق ليسارها، ولأنها تسوق إلى بيته من الجهاز ما جرت عادة أمثالها به، وجاء الأمر بخلافه، فإن للزوج مقالًا في ذلك، ويحط عنه من الصَّداق الزيادة (٢) التي زادها
стр. 2230
(٣٢) باب مَن قَدم من سفر فلا يعجل بالدخول على أهله فإذا دخل فالكيس الكيس
[١٥٣٢] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَلَمَّا أَقبَلنَا تَعَجَّلتُ عَلَى بَعِيرٍ لِي قَطُوفٍ، فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ خَلفِي،
ــ
لأجل الجهاز على الأصح عندنا، على أصلنا؛ إذ قد كان المقصود من الجهاز في حكم التبع لاستباحة البضع، كمن اشترى سلعتين، فاستُحِقَّ الأدنى منهما، فإنَّه إنما ينقض البيع في قدر المستحقَّة خاصة.
قال القاضي: وإذا تقرر: أن للزوج حق الاستمتاع؛ فإن مكنته من ذلك؛ أي: من الاستمتاع بالجهاز (١)، وطابت نفسها به كان له ذلك، وإن منعته، فله مقدار ما بذل من الصَّداق. وعلى هذا في إجبارها على التجهيز بصداقها. فألزمها ذلك مالك، ولم يجز لها منه قضاء دينٍ، ولا نفقة في غير جهازها؛ إلا أن تنفق اليسير من الكثير. وقال الكوفيون: لا تُجبر على شيء، وهو مالها، تفعل فيه ما تشاء، والله أعلم.
(٣٢) ومن باب: مَن قَدم من سفر فلا يعجل بالدخول على أهله
(قوله: فلما أقفلنا) كذا لابن ماهان. ووجه الكلام: قفلنا -ثلاثيًّا -، يقال: قفل الجند من مبعثهم؛ أي: رجعوا، وأقفلهم الأمير، وقَفَلَهُم أيضًا. وتحتمل الرواية أن تكون بفتح اللام؛ أي: أقفَلَنَا النبي ﷺ وتحتمل أن تكون اللام ساكنة. ويكون معناه: أقفل بعضنا بعضًا. ورواه ابن سفيان: (أقبلنا) بالباء المنقوطة بواحدة، من الإقبال.
و(القطوف): هو البعير البطيء المشي، المتقارب الخطو؛ قاله الخليل
стр. 2231
فَنَخَسَ بَعِيرِي بِعَنَزَةٍ كَانَت مَعَهُ، فَانطلق بَعِيرِي كَأَجوَدِ مَا أَنتَ رَاءٍ مِن الإِبِلِ، فَالتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا يُعجِلُكَ يَا جَابِرُ؟ قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي حَدِيثُ عَهدٍ بِعُرسٍ فَقَالَ: أَبِكرًا تَزَوَّجتَهَا أَم ثَيِّبًا؟ قَالَ: قُلتُ: بَل ثَيِّبًا قَالَ: هَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟ . قَالَ: فَلَمَّا قَدِمنَا المَدِينَةَ ذَهَبنَا لِنَدخُلَ فَقَالَ: أَمهِلُوا حَتَّى نَدخُلَ لَيلًا (أَي عِشَاءً) كَي
ــ
وغيره. قال الثعالبي: إذا كان الفرس يمشي وثبًا وثبًا؛ فهو قطوف، فإن كان يرفع يديه ويقوم على رجليه؛ فهو شبوب، فإن كان يلتوي برأسه حتى يكاد يسقط عنه راكبه؛ فهو قموص، فإذا كان مانعًا ظهره؛ فهو شموس.
و(العَنَزَةُ): عصا مثل نصف الرمح (١)، أو أكثر، وفيها: زُجٌّ؛ قاله أبو عبيد. قال الثعالبي: فإن طالت شيئًا؛ فهي النيزك، ومِطرَدٌ، فإذا زاد طولها وفيها سنان عريض؛ فهي ألة وحربة.
و(قوله: فانطلق بعيري كأجود ما أنت راء) أي: كأسرع بعير تراه من الإبل. وهذا من بركات رسول الله ﷺ ومن كراماته.
و(قوله: أمهلوا حتى ندخل ليلًا) أي: ارفقوا.
و(الشَّعِثَة): المتغيرة الحال والهيئة. و (تَستَحِدَّ): تستعمل الحديدة؛ يعني به: حلق الشعر. و (المَغِيبة): هي التي غاب عنها زوجها. يقال: أغابت المرأة، فهي مغيبة - بالهاء -، وأشهدت: إذا حضر زوجها. فهي: مُشهِد - بغير هاء -.
وفي هذا من التنبيه على رعاية المصالح الجزئية في الأهل، والإرشاد إلى مكارم الأخلاق، وتحسين المعاشرة ما لا يخفى. وذلك: أن المرأة تكون في حالة غيبة زوجها على حالة بذاذة، وقلة مبالاة بنفسها، وشعث. فلو قَدِمَ الزوج عليها وهي في تلك
стр. 2232
تَمتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَستَحِدَّ المُغِيبَةُ قَالَ: وَقَالَ: فإِذَا قَدِمتَ فَالكَيسَ الكَيسَ! .
رواه أحمد (٣/ ٣٧٥)، والبخاري (٢٠٩٧)، ومسلم (٧١٥)(٥٧).
* * *
ــ
الحال ربما نفر منها، وزَهِدَ فيها، وهانت عليه. فنبَّه على ما يزيل ذلك، ولا يعارض قوله: (حتى ندخل ليلًا) نهيه في الحديث الآخر عن أن يطرق الرَّجل أهله؛ لأن ذلك إذا لم يتقدَّم إليهم خبره؛ لئلا يستغفلهم، ويرى منهم ما يكرهه. وقد جاء هذا مبيَّنًا في الجهاد؛ إذ قال: (كان لا يطرق أهله ليلًا) (١) وكان يأتيهم غدوًّا وعشيًّا. وقد جاء في حديث النهي عن الطروق التنبيه على علَّة أخرى. وهي: أنه لا يطرقهم يتخوَّنهم، ويطلب عثراتهم. وهو معنى آخر غير الأول. وينبغي أيضًا: أن يجتنب الطروق لأجل ذلك.
و(قوله: فإذا قدمت فالكَيس الكَيس). قال ابن الأعرابي: الكَيس: الجماع، والكَيس: العقل. فكأنه جعل طلب الولد عقلًا. ومنه الحديث: (أي المؤمنين أكيَس) (٢) أي: أعقل.
* * *
стр. 2233
(٣٣) باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة، ومداراة النساء
[١٥٣٣] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الدُّنيَا مَتَاعٌ، وَخَيرُ مَتَاعِ الدُّنيَا المَرأَةُ الصَّالِحَةُ.
رواه مسلم (١٤٦٧)، والنسائي (٦/ ٦٩).
[١٥٣٤] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ المَرأَةَ خُلِقَت مِن ضِلَعٍ، لَن تَستَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ، فَإِن استَمتَعتَ بِهَا استَمتَعتَ وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِن ذَهَبتَ تُقِيمُهَا كَسَرتَهَا وَكَسرُهَا طلاقهَا.
رواه البخاري (٥١٨٤)، ومسلم (١٤٦٨)، والترمذي (١١٨٨).
ــ
(٣٣) ومن باب: خير متاع الدنيا المرأة الصالحة
(قوله: الدُّنيا متاع) أي: شيء يتمتع به حينًا ما، كما قال تعالى: ﴿قُل مَتَاعُ الدُّنيَا قَلِيلٌ﴾
و(المرأة الصَّالحة): هي الصالحة في دينها، ونفسها. والمُصلِحَةُ لحال زوجها. وهذا كما قال في الحديث الآخر: (ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء؟ ) قالوا: بلى. قال: (المرأة الصالحة؛ التي إذا نظر إليها سرّته، وإذا غاب عنها حفظته، وإذا أمرها أطاعته) (١).
و(قوله: إن المرأة خلقت من ضلع) هذا يؤيد ما ينقله المفسِّرون: أن
стр. 2234
[١٥٣٥] وعَنه: عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَن كَانَ يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَإِذَا شَهِدَ أَمرًا فَليَتَكَلَّم بِخَيرٍ أَو يَسكُت، وَاستَوصُوا بِالنِّسَاءِ خيرا، فَإِنَّ المَرأَةَ خُلِقَت مِن ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعوَجَ شَيءٍ فِي الضِّلَعِ أَعلَاهُ إِن ذَهَبتَ تُقِيمُهُ كَسَرتَهُ، وَإِن تَرَكتَهُ لَم يَزَل أَعوَجَ استَوصُوا بِالنِّسَاءِ خَيرًا.
رواه مسلم (١٤٦٨)(٦٠).
[١٥٣٦] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَفرَك مُؤمِنٌ مُؤمِنَةً، إِن كَرِهَ مِنهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنهَا آخَرَ أَو قَالَ غَيرَهُ.
رواه مسلم (١٤٦٩).
ــ
حواء خلقت من آخر أضلاع آدم ﵉، وهي: القصيرى - مقصورً-. ومعنى (خلقت) أي: أخرجت كما تخرج النخلة من النَّواة. ويحتمل أن يكون هذا قصد به المثل. فيكون معنى (من ضلع) أي: من مثل ضلع. فهي كالضلع. ويشهد له قوله: (لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمعت بها؛ استمتعت وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكَسرُهَا طلاقها).
و(عَوَج) - بالفتح -: في الأجسام المحسوسة. و (عِوَج) - بالكسر-: في المعاني.
و(قوله: واستوصوا بالنساء خيرًا) أي: اقبلوا وصيتي فيهن، واعملوا بها، فاصبروا عليهن، وارفقوا بهنَّ، وأحسنوا إليهنَّ.
و(قوله: لا يَفرك مؤمن مؤمنة) أي: لا يبغضها بغضًا كليًّا يحمله على فراقها؛ أي: لا ينبغي له ذلك، بل يغفر سيئتها لحسنها، ويتغاضى عما يكره لِمَا يحب. وأصل الفرك إنما يقال في النساء. يقال: فركت المرأةُ زَوجَها تفركه. وأبغض الرَّجلُ امرأته. وقد استعمل الفرك في الرَّجل قليلًا، وتجوزا. ومنه ما في هذا الحديث.
стр. 2235
[١٥٣٧] وعَنه قال: قال رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : لَولَا حَوَّاءُ لَم تَخُن أُنثَى زَوجَهَا الدَّهرَ ولَولَا بَنُو إِسرَائِيلَ لَم يَخبُث الطَّعَامُ، وَلَم يَخنَز اللَّحمُ.
رواه البخاري (٣٣٣٠)، ومسلم (١٤٧٠)(٦٣).
* * *
ــ
و(قوله: لولا حواء لم تخن أنثى زوجها) يعني: أنها أمُّهُنَّ فأشبَهنَها بالولادة، ونزع العِرق؛ لما جرى في قصة الشجرة مع إبليس، فإنه أغواها من قَبلِ آدم، حتى أكلت من الشجرة، ثم إنها أتت آدمَ فزيَنت له ذلك، حتى حملته على أن أكل منها.
و(قوله: ولولا بنو إسرائيل لم يَخبُث الطعام ولم يَخنَز اللحم) يقال: خَنَزَ اللَّحم - بفتح النون في الماضي، وقد تُكسر - خَنَزًا وخُنُوزًا: إذا تغير. ومثله: خَزِنَ - بكسر الزاي - يَخزَنُ خَزنًا وخَزَنًا. قال طرفة:
نحن لا يَخزُنُ فينا لَحمُهَا ... إنَّما يَخزَنُ لحمُ المُدَّخِر
ويروى: يَخنَزُ. ويعني به: أنه لما أنزل الله تعالى على بني إسرائيل المَنَّ والسلوى، كان المَنَّ يسقط عليهم في مجالسهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس كسقوط الثلج، فيؤخذ منه بقدر ما يغني ذلك اليوم، إلا يوم الجمعة فيأخذون منه للجمعة والسبت، فإن تَعَدَّوا إلى أكثر من ذلك فسد ما ادخروا، ففسد عليهم، فكان ادخارهم فسادًا للأطعمة عليهم وعلى غيرهم، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 2236
(١٦) كتاب الطلاق
(١) باب في طلاق السنة
[١٥٣٨] عَن نَافِعٍ، عَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّهُ طلق امرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ على عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَن ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مُرهُ فَليُرَاجِعهَا،
ــ
(١٦) كتاب الطلاق
الطلاق هو: حل العصمة المنعقدة بين الأزواج بألفاظ مخصوصة. والفسخ هو: إزالة ما يتوَّهم انعقاده لموجب يمنع العقد. وقد يطلق الفسخ ويراد به الطلاق على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
(١) ومن باب: طلاق السُّنَّة
(قوله: إن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمرُ رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فأمره رسول الله ﷺ أن يراجعها). وفي الرواية الأخرى: (أن عمر لما ذكر ذلك للنبي ﷺ تغيَّظ، ثم أمره بمراجعتها). فيه دليل: على أن الطلاق في الحيض يحرم؛ فإنه أنكره بتغيُّظه عليه، مع أن ابن عمر لم يكن عرف تحريم ذلك عليه. فتغيَّظَ بسبب ذلك وأمره بالمراجعة. وهو مذهب الجمهور.
стр. 2237
ثُمَّ لِيَترُكهَا حَتَّى تَطهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطهُرَ،
ــ
واختلف في منع الطلاق في الحيض. فقيل: هو عبادة غير معقولة. وقيل: هو معلَّل بتطويل العِدَّة. وهذا على أصلنا في أن الأقراء هي: الأطهار. وينبني على هذا الخلافِ الخلافُ في المطلقة قبل الدخول والحامل في حال الحيض. فإذا قلنا: هو عبادة؛ لم يجز أن يُطلقا وهما حائضان، وإذا قلنا هو للتطويل جاز ذلك؛ لأن المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها، ولأن عدة الحامل وضع حملها.
وقيل: إن علّة ذلك: خوف الإسراع إلى الطلاق، والتساهل فيه بسبب: أنه لا يتلذذ الزوج بوطئها لأجل الحيض، بل تنفر نفسُهُ منها، ويهون عليه أمرها غالبًا، فقد تحمله تلك الحالة على الإسراع في الطلاق، والتساهل فيه.
و(الطلاق أبغض الحلال إلى الله) كما قاله (١) ﷺ ؛ لأنه نقيض الألفة المطلوبة شرعًا، وإنما شُرع الطلاق تخلُّصًا من الضرر اللاحق بالزوج؛ ولذلك كُرِهَ الطلاق من غير سبب. وإلى هذا الإشارة بقوله: (لا يفرك مؤمن مؤمنة) (٢) و (المرأة خلقت من ضلع أعوج) (٣) الحديثين المتقدمين.
وأمره ﷺ ابن عمر بالمراجعة دليل لمالك على وجوب الرجعة في مثل ذلك. وهو حجة على أبي حنيفة والشافعي، حيث قالا: لا يجب ذلك.
وفيه دليل: على أن الطلاق في الحيض يقع، ويلزم. وهو مذهب الجمهور خلافًا لمن شذَّ وقال: إنه لا يقع. ثم إذا حكمنا بوقوعه اعتد له بها من عدد الطلاق الثلاث. كما قال نافع، وابن عمر في هذا الحديث على ما يأتي.
و(قوله: ثم يتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر) اختلف في المعنى
стр. 2238
ثُمَّ إِن شَاءَ أَمسَكَ، وَإِن شَاءَ أن يطلق قَبلَ أَن يَمَسَّ فَتِلكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَن يُطلق لَهَا النِّسَاءُ.
ــ
الذي لأجله منعه من إيقاع الطلاق في الطهر الثاني للحيضة التي طلق فيها. فقيل فيه أقوال:
أحدها: أنه لو طلق فيه لكان كالموقع طلقتين في قُرءٍ واحد، من حيث: إنه لا يعتدّ بالحيض الذي طلق فيه من العِدَّة، وليس كذلك طلاق السُّنَّة.
وثانيها: أنها مؤاخذة بنقيض القصد، من حيث: إنه عجَّل ما حقَّه أن يتأخر، فكان كمستعجل الميراث بقتل مُوَرِّثه. وله نظائر. ولا يقال: إن هذا ليس بشيء؛ لأن ابن عمر لم يقصد فعل المحرم؛ إذ لم يعلم التحريم، فلا يعاقب؛ لأنَّا نقول: هو تقعيد القاعدة، وبيان حكمها مطلقا، وليس هذا من قبيل العقوبة الأخروية، وإنما هذا من قبيل ربط الأحكام بالأسباب، كما لو حلف فحنث ساهيًا، فإنه يقع الحنث وإن لم يكن مأثومًا.
وثالثها: إنما منع من ذلك لَتَحَقَّق الرجعة؛ لأنه إن (١) لم يمس فيه؛ فكأنه ارتجع للطلاق، لا للنكاح. وليس هذا موضوع الرجعة.
ورابعها: ليطول مقامه معها. ويتمكن منها بزوال الحيض، فتزول تلك النُّفرَة التي ذكرناها، فيتلذذ، ويطأ، فيمسك، ويحصل مقصود الزوجية، والألفة. وهذا أشبهها، وأحسنها، والله تعالى أعلم.
و(قوله: فتلك العدّة التي أمر الله أن تطلق لها النساء). (تلك): إشارة إلى الحالة التي عيَّنها بقوله المتقدم؛ لجواز إيقاع الطلاق فيها، وهي أن تكون في طهر لم تُمَسَّ فيه، وهي حوالة على قوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وفي بعض رواياته: أن رسول الله ﷺ قرأ الآية: (فطلقوهن لِقُبُلُ
стр. 2239
وفي رواية: قَالَ ابنُ عُمَرَ: وَقَرَأَ رسول الله ﷺ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طلقتُم النِّسَاءَ فَطلقوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ.
ــ
عدَّتهن).
وفيها دليل واضح لمالك، ولمن قال بقوله: على أن الأقراء هي الأطهار. كما قالت عائشة، وغيرها. وهي حجة على من قال: إن الأقراء هي الدِّماء؛ وهو أبو حنيفة، وغيره.
وقد دلَّ هذا الحديث: على أن طلاق السُّنة يراعى فيه وقت الطهر. وهل يكفي ذلك في كون الطلاق للسُّنة، أو لا بدَّ من زيادة قيود أُخَر.
فقال الشافعي وأحمد وأبو ثور: يكفي ذلك، وليس في عدد الطلاق سنة ولا بدعة.
وقال مالك وعامَّة أصحابه: لا بدَّ في طلاق السُّنَّة من أن يعتبر مع الوقت أن يطلقها واحدة، ويتركها حتى تنقضي عدتها، ولا يُردِفُهَا، ومتى خالف شيئًا من ذلك خرج عن طلاق السُّنة، ووصف بالبدعة.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: هذا أحسن الطلاق. وله قول آخر: إن شاء طلقها ثلاثًا، طلقها في كل طهر مرَّة. وكلاهما عند الكوفيين طلاق سنة. وقاله ابن مسعود. واختلف فيه قول أشهب. فقال مرة مثل ذلك. وقال مرة: يجوز أن يرتجع، ثم يطلق ثلاثًا.
ومعنى طلاق السُّنَّة: هو الواقع على الوجوه المشروعة، وطلاق البدعة نقيضه.
وقد اختلف فيما إذا طلقها في طهر مسَّ فيه. فالجمهور على أنه لا يجبر على الرجعة. وقد شذَّ بعضهم فقال: يُجبر كما يُجبر عليها في الحيض. والفريقان متفقان: على أن ذلك لا يجوز لإلباس العدة عليها؛ لأنها إن لم تكن حاملًا اعتدّت بالأقراء، وإن كانت حاملًا اعتدت بوضع الحمل، ولإمكان وقوع (١) الندم للمطلق عند ظهور الحمل.
стр. 2240
وفي رواية: أَنَّهُ طلق امرَأَةً لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ تَطلِيقَةً وَاحِدَةً، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن يُرَاجِعَهَا، ثُمَّ يُمسِكَهَا حَتَّى تَطهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ عِندَهُ حَيضَةً أُخرَى، ثُمَّ يُمهِلَهَا حَتَّى تَطهُرَ مِن حَيضَتِهَا، فَإِن أَرَادَ أَن يُطلقهَا فَليُطلقهَا
ــ
واختلف عندنا فيما إذا لم تُرتَجع المطلقة في الحيض حتى جاء الطهر الذي يجوز أن تطلق فيه. هل يُجبر على الرجعة؛ لأنها حق عليه، ولا يزول بزوال وقته، أو لا يجبر؛ لأنه قادر على إيقاع الطلاق في الحال فلا معنى للرجعة.
و(قوله: إنه طلقها تطليقة واحدة) هذا هو الصحيح، أنها كانت واحدة. ورواية من روى: أنها كانت ثلاثًا وَهمٌ، كما ذكره مسلم عن ابن سيرين: أنَّه أقام عشرين سنة يحدّثه من لا يتهم: أنه طلقها ثلاثًا حتى أتى الباهليُّ، واسمه: يونس بن جبير، يكنى: أبا غَلاب، بفتح الغين، وتخفيف اللام عند أبي بَحرٍ، وتشديدها عند غيره، وكذا قيَّده الأمير: أبو نصر بن ماكولا - وكان ذا ثبت - فحدَّثه عن ابن عمر: أنَّه طلقها تطليقة. وقد روي كذلك من غير وجه مسألة متعلقة بالطهر الذي مسَّ فيه. وتلك: أنَّ كُلَّ من قال: إن الأقراء هي الأطهار، فإذا طلق في طهر مَسَّ فيه، اعتدّ له بذلك الطهر عند الجمهور خلا ابن شهاب، فإنه يلغيه. وقد وجَّهت الحنفيةُ عليهم اعتراضًا؛ وهو: أنهم قالوا: أمر الله المطلقة ذات الأقراء أن تعتدّ ثلاثة أقراء، وأنتم تجعلون ذلك قرأين وبعضَ قرء، فكان قولكم مخالفًا للنص، فدلَّ ذلك على إبطال قولكم: إن الأقراء هي الأطهار. ودلَّ على صحة مذهبنا: أن الأقراء هي الحيض. وقد صحت تسمية الدَّم قرءا في كلام العرب، كما قال: (دعي الصلاة أيام أقرائك) (١) أي: دمك. وكما قال الشاعر (٢):
يا رُبَّ ذِي ضِغنٍ عَليَّ فَارِضِ ... له قُرُوءٌ كَقُروءِ الحائضِ
стр. 2241
حِينَ تَطهُرُ مِن قَبلِ أَن يُجَامِعَهَا، فَتِلكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَن تُطلق لَهَا النِّسَاءُ.
ــ
يعني: أنه طعنه، فكان له دم كدم الحائض. وهو المنقول عن أبي عمر، والأخفش (١).
والجواب: أما عن قولهم: إن الأقراء هي الحيض في اللغة، فالمعارضة بأنها أيضًا فيها الأطهار؛ كما قال الشاعر، وهو الأعشى:
مورّثةٍ مالًا وفي الحيِّ غبطةٍ ... لِمَا ضَاعَ فيها مِن قُرُوء نِسائِكا
أي: من أطهارهن.
وقالت عائشة: الأقراء: الأطهار. وهو منقول عن كثير من أئمة اللغة.
والإنصاف: أن لفظ: (القرء) مشترك في اللغة، ولكنه ينطلق عليهما، لاشتراكهما في أصل واحد، وذلك: أن أصل القرء في اللغة (٢)، هو: الجمع، كما قال الشاعر (٣) يصف ناقته:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... هِجَانِ اللَّونِ لَم تَقرَأ جَنِينًا
стр. 2242
وَكَانَ عَبدُ اللَّهِ إِذَا سُئِلَ عَن ذَلِكَ، قَالَ لِأَحَدِهِم: إمَّا أَنتَ طلقتَ امرَأَتَكَ مَرَّةً أَو مَرَّتَينِ؛
ــ
أي: لم تجمع في جوفها، أو التَّغير من حال إلى حال، كما قالوا: قرأ النَّجم: إذا أفل، وإذا ظهر. وكل واحد من الأصلين موجود في المُسمَّى: قرءا.
أمَّا الأول: فلأن الدَّم (١) يجتمع في الرَّحم في أيام الطهر، ثم يجتمع في الخروج في أيام الحيض. وأيضًا: فإن الطهر، والحيض يتصل أحدهما بالآخر، ويجتمع معه.
وأمَّا الثاني: فانتقال المرأة من حال الحيض إلى حال الطهر محسوس، وحال القرء فيما ذكرناه كحال الصريم، فإنه ينطلق على الليل والنهار؛ لأن كل واحد منهما ينصرم عن صاحبه. وعند الوقوف على ما ذكرناه يحصل الانفصال عما ألزمنا الحنفية من إطلاق القرء على بعض قرء، فإنه إذا كان القرء: الجمع بين الطهر والحيض، فلو طلقها في آخر الطهر الذي مسَّ فيه فقد صحَّ مسمَّى القرء؛ لاجتماع الدَّم معه. وقد انفصل حالها من الطهر إلى الحيض، فصحَّ الاسم، والله الموفق.
وقد أجاب أصحابنا بجواب آخر، وهو: أن قوله: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ كقوله تعالى: ﴿الحَجُّ أَشهُرٌ مَعلُومَاتٌ﴾ وهي شهران وبعض شهر. وسِرُّه: أنَّ البعض بالنسبة إلى الكل قد لا يلتفت إليه، والله تعالى أعلم.
وأمَّا ما ذهب إليه ابن شهاب: فليس بشيء؛ لأنه انفرد به دون العلماء، ولأنه إذا ألغى ذلك أضرَّ بالمرأة، وزاد في تطويل العدّة طولًا كثيرًا، فإنَّه يلغي ذلك الطُّهر، والدَّم الذي بعده، فتشتد المضرَّة عليها، ويحصل الحرج المرفوع بأصل الشريعة.
وقول ابن عمر ﵄: (إمَّا أنت طلقت امرأتك مرة أو مرتين؛ فإن رسول الله ﷺ أمرني بهذا. وإن كنت طلقتها ثلاثًا، فقد حرمت عليك،
стр. 2243
فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنِي بِهَذَا، وَإِن كُنتَ طلقتَهَا ثَلَاثًا فَقَد حَرُمَت عَلَيكَ، حَتَّى تَنكِحَ زَوجًا غَيرَكَ، وَعَصَيتَ اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكَ مِن طلاق امرَأَتِكَ.
ــ
وعصيت ربَّك). (إمَّا أنت): هو بكسر الهمزة؛ كقولهم:
أبا خُراشة إِمَّا أنتَ ذا نَفَرِ ... فإن قوّمِيَ لم تَأكُلهُم الضَّبُعُ
أي: إن كنت. فحذفوا الفعل الذي يلي (إن) وجعلوا (ما) عوضًا منه، وأدغموا (إن) في (ما) ووضعوا (أنت) مكان (التاء) في كنت. هذا قول النحويين.
و(قوله: وعصيت ربك) يعني: بالطلاق ثلاثًا في كلمة. وظاهره: أنه مُحَرَّم، وهو قول ابن عباس المشهور عنه، وعمر بن الخطاب، وعمران بن حصين. وإليه ذهب مالك. وقال الكوفيون: إنه غير جائز، وإنه للبدعة.
وقال الشافعي: له أن يطلق واحدة، أو اثنتين، أو ثلاثًا. كل ذلك سُنَّة. ومثله قال أحمد بن حنبل، إلا أنَّه قال: أحبُّ إليَّ أن يوقع واحدةً. وهو الاختيار. والأول أولى؛ لما يأتي إن شاء الله تعالى.
و(قوله: فإن رسول الله ﷺ أمرني بهذا) إشارة إلى أمره ﷺ بالمراجعة. فكأنَّه قال للسائل: إن طلقت تطليقة أو تطليقتين فأنت مأمور بالمراجعة لأجل الحيض، وإن طلقت ثلاثًا (١) لم تكن لك مراجعة؛ لأنها لا تحل لك (٢) إلا بعد زوج. وكذا جاء مفسَّرًا في رواية أخرى في الأم.
و(قوله: وإن كنت طلقت ثلاثًا؛ فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك، وعصيت الله) دليلٌ على أن الطلاق الثلاث من كلمة واحدة محرَّم لازم إذا وقع
стр. 2244
وفي طريق أخرى: قَالَ عُبَيدُ اللَّهِ: قُلتُ لِنَافِعٍ: مَا صَنَعَت التَّطلِيقَةُ؟ قَالَ: وَاحِدَةٌ اعتَدَّ بِهَا.
وفي أخرى: لما ذَكَرَ عُمَرُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، تَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ نحو ما تقدم. وفيها: وَكَانَ عَبدُ اللَّهِ طلقهَا تَطلِيقَةً وَاحِدَةً فَحُسِبَت مِن طلاقهَا وَرَاجَعَهَا عَبدُ اللَّهِ، كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وفي أخرى: فَقَالَ ﵊: مُرهُ فَليُرَاجِعهَا، ثُمَّ لِيُطلقهَا طَاهِرًا أَو حَامِلًا.
وفي أخرى: قال أَنَسِ بنِ سِيرِينَ قَلَت لابنَ عُمَرَ: فَاعتَدَدتَ بِتِلكَ التَّطلِيقَةِ الَّتِي طلقتَ وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: مَا لِيَ لَا أَعتَدُّ بِهَا؟ وَإِن كُنتُ عَجَزتُ وَاستَحمَقتُ.
ــ
على ما يأتي (١) وهو مذهب الجمهور.
و(قوله: مرّه فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا) فيه دليل على جواز طلاق الحامل في أي وقت شاء، وإنه للسُّنة. وهو قول كافة العلماء، وهم على أصولهم. فمالك، ومحمد بن الحسن، وزفر يرون: أنَّه لا يكرر عليها الطلاق إلى أن تضع. والشافعي: يجوز تكرار الطلاق عليها فيه. وأبو حنيفة وأبو يوسف: يجعل بين التطليقتين شهرًا.
و(قوله: أرأيت إن عجز أو استحمق؟ ! ) هذه الرواية فيها إشكال. يفسره ما وقع في رواية أخرى: (أرأيت إن كان ابن عمر عجز أو استحمق، فماذا يمنعه أن يكون طلاقا) يعني: أنَّه لو طرأ عليه عجز عن الرجعة أو ذهاب عقل حتى
стр. 2245
رواه أحمد (٢/ ٦)، والبخاري (٥٣٣٢)، ومسلم (١٤٧١)(١) و (٣) و (١١) و (١٤)، وأبو داود (٢١٧٩)، والنسائي (٦/ ١٣٨)، وابن ماجه (٢٠١٩).
* * *
ــ
لا يتأتى له الارتجاع، أكان يُنحِلُّ ذلك بالطلاق المتقدم، أو كانت المرأة تبقى معلقة، لا ذات زوج، ولا مطلقة. وكأنَّه يقول: المعلوم من الشريعة: أنه لو طرأ شيء مما ذكر لما كان قادحًا في الطلاق المُتقدِّم. فإذًا: الطلقة واقعة يحتسب له بها، كما قال: (فحسبت من طلاقه).
(واستحمق) - بفتح التاء -: مبنيًّا للفاعل، وهو غير متعدٍّ، فلا يجوز أن يُرَدّ لِما لم يُسَمَّ فاعله لذلك. ومعناه: حمق، وظهر عليه ذلك.
و(قوله: وقرأ النبي ﷺ : (فطلقوهن لقبل عدتهن) هذا تصريح برفع هذه القراءة إلى رسول الله ﷺ غير أنها شاذة عن المصحف، ومنقولة آحادًا، فلا تكون قرآنًا، لكنها خبر مرفوع إلى النبي ﷺ صحيح، فهي حجة واضحة لمن يقول بأن الأقراء هي الأطهار، كما تقدَّم. وهي قراءة ابن عمر، وابن عباس. وفي قراءة ابن مسعود: (لقبل طهرهن). قال جماعة من العلماء: وهي محمولة على التفسير، لا التلاوة.
* * *