← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

رواه مسلم (١٥٤٣) (٨٥)، وأبو داود (٣٤٠٤)، والترمذي (١٣١٣)، والنسائي (٧/ ٢٩٦)، وابن ماجه (٢٢٦٦). * * * ــ وكذلك: الثَّنوى - بفتح الثاء - على وزن: طَرفَى. ذكر ذلك في الصحاح. قال الهروي: بيع الثُّنيا هو: أن يُستثنى من المبيع شيء مجهول، فيفسد البيع. وقال القتبي: هو أن يبيع شيئًا جزافًا ويستثني منه شيئًا. قلت: والحاصل: أن الثنيا اسم جنس لما فيه استثناء، سواء كان ذلك من البائع، أو من المبتاع. فيكون الأصل في كل ذلك المنع لأجل النَّهي، غير أن في ذلك تفصيلًا يظهر بصور: الأولى: جائزة باتفاق، وهي: أن يستثني البائع نخلات معينات من حائط، قلت، أو كثرت؛ لأن البيع لم يقع عليهن، بل على ما عداهن. الثانية: أن يستثني نخلات مجهولات، أو كيلًا مجهولًا من الثمرة؛ على أن يعين ذلك بعد البيع. فذلك ممنوع فاسد باتفاق؛ لتناول النهي له وللجهل بالمبيع والغرر (١). الثالثة: أن يستثني من الثَّمر كيلًا معلومًا. فذهب الجمهور إلى أن ذلك لا يجوز منه قليل ولا كثير. ورأوا أن ذلك النهي متناول له؛ لما فيه من الجهالة. وذهب مالك في جماعة أهل المدينة: إلى أن ذلك جائز فيما بينه وبين ثلث الثمرة، ولا يجوز زيادة على ذلك. ورأوا: أن خرص الثمرة وحَزرها مما يُعرف

стр. 2417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مقدارها، وأن استثناء القليل منها لا يكثر فيه الغرر. والقليل من الغرر مغتفر في مواضع كثيرة من الشرع. وما دون الثلث قليل. قلت: وهذا تخصيص للعموم بالنظر. الرابعة: أن يستثني جزءًا من الثَّمرة مشاعًا. فيجوز عند مالك وعامة أصحابه، قل، أو كثر. وذهب عبد الملك: إلى أنَّه لا يجوز استثناء الأكثر. والخلاف في ذلك مبني على جواز استثناء الأكثر من الأقل، وعدم جوازه. وقد بيّنا جوازه في أصول الفقه. الخامسة: أن يقول البائع للمشتري: أبيعك هذا الشيء بكذا، على أنك إن جئتني بالثمن إلى أجل كذا رددت عليك ملكك. فهذا فاسد للنهي عنه، ولأنه ذريعة للسَّلف الذي يجر نفعًا. ويفسخ ما لم يَفُت، فإن فات ضمن بالقيمة، ويُفيتُه ما يُفيت البيع الفاسد. السادسة: أن يعقد المشتري على أنه إن لم يأت بالثمن إلى وقت كذا فلا بيع بينهما. فاختلف فيه. فبعضهم أبطل الشرط، وصحح العقد. ومنهم من ألزم قائله الشرط، وجعل للآخر الخيار. والوجهان مرويان عن مالك. * * *

стр. 2418

(١٢) باب ما جاء في كراء الأرض [١٦٢٨] وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن كِرَاءِ الأَرضِ. رواه أحمد (١/ ٢٣٤)، ومسلم (١٥٤٧) (١١١)، وأبو داود (٣٣٨٩)، والنسائي (٧/ ٣٧). [١٦٢٩] وعنه قال: كَانَ لِرِجَالٍ فُضُولُ أَرَضِينَ مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن كَانَ لَهُ فَضلُ أَرضٍ فَليَزرَعهَا أَو لِيَمنَحهَا أَخَاهُ، فَإِن أَبَى فَليُمسِك أَرضَهُ. وفي أخرى: مَن كَانَت لَهُ أَرضٌ فَليَزرَعهَا، أَو لِيُزرِعهَا أَخَاهُ، وَلَا يُكرِهَا. رواه أحمد (٣/ ٣٥٤)، والبخاري (٢٣٤٠)، ومسلم (١٥٣٦) (٨٩ و ٩٢)، والنسائي (٧/ ٣٧). ــ (١٢ و ١٣) ومن باب: كراء الأرض (١) نَهيُه ﷺ عن كراء الأرض و (قوله: من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه، ولا يُكرِها) حجة لمن منع كراء الأرض مطلقا، وحرَّمه؛ وهم: رافع بن خديج، وابن عمر - فيما رجع إليه -، وطاوس اليماني، وأبو بكر بن

стр. 2419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عبد الرحمن، والحسن البصري. وخالفهم في ذلك الجمهور. ثم هم فريقان: الأول: أجاز كراءها بكلِّ ما يجوز أن يكون ثمنًا في البياعات من العروض، والذهب، والفضة، والأطعمة المضمونة. وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، والأوزاعي، والثوري، متمسكين بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيعَ﴾ والإجارة بيعٌ، وبقول رافع: أما بالذهب والفضة فلا بأس. وفي طريق آخر: أما بشيء معلوم مضمون فلا بأس به، وبقياس إجارة الأرض على العقار، وهو من أقوى أنواع القياس، لأنه في معنى الأصل. واعتذر هؤلاء عن أحاديث النَّهي بوجهين: أما أبو حنيفة: فعلى أصله في ترجيح القياس على خبر الواحد (١). وأما الشافعي ومن قال بقوله: فيمكن أن يقال: حملوا مطلق تلك النواهي على مقيدها، ورأوا: أن محل النهي إنما هو ما لم يكن مضمونًا، ولا معلومًا. ويمكن أن يقال: إنهم صرفوا ظاهر النهي إلى التنزه عن ترك الأولى والأحسن، كما فهمه ابن عباس حيث قال: لم ينه عن ذلك رسول الله ﷺ إنما قال: (يمنح أحدكم أرضه خير من أن يأخذ عليها خرَجًا معلومًا) وفي اللفظ الآخر: (لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليه كذا وكذا - لشيء معلوم -). وقوله: (لم ينه) أي: لم ينه (٢) عنه نهي تحريم، بل نهي تنزيه، على ما تقرر. الفريق الثاني: هو مالك وأصحابه. فالمشهور من مذهبه: أنه لا يجوز كراؤها بشيء من الطعام كان؛ مما تُنبته، أو مما لا تنبته؛ كالعسل واللبن وغيرهما، ولا بشيء مما تنبته ما عدا القصب والخشب. وقال ابن كنانة: لا تكرى بشيء إن أعيد فيها نبت، ولا بأس أن تكرى بغير ذلك. وبه قال يحيى بن يحيى،

стр. 2420

[١٦٣٠] وعنه قَالَ: كُنَّا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَأخُذُ الأَرضَ بِالثُّلُثِ أَو الرُّبُعِ بِالمَاذِيَانَاتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: مَن كَانَت لَهُ أَرضٌ. وذكر نحو ما تقدم. وفي أخرى: قَالَ: كُنَّا نُخَابِرُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَنُصِيبُ مِن ــ وقال: إنه من قول مالك. وقال ابن نافع: تكرى بجميع الأشياء كلها؛ ما أكل منها وما لم يؤكل؛ خرج منها، أو لم يخرج؛ إذا كان ما تكرى به بخلاف ما يزرع فيها، وكأن مالكا ﵀ جمع بين الأدلة، فحمل أحاديث النهي على كرائها بالطعام أو بما تنبت. وأدلة الإباحة على ما عدا ذلك، وفهم: أن علة المنع: الرِّبا. وذلك: أن الأرض تكرى ليخرج منها الطعام، فجعل لها حكم الطعام، فلا يجوز أن تكرى بطعام؛ لأنه يضارع طعامًا بطعام إلى أجل. وقد شهد بصحة ما رآه ما جاء في بعض ألفاظ حديث رافع بن خديج؛ فيما خرَّجه أبو داود: أنه زرع أرضًا فمرَّ به النبي ﷺ وهو يسقيها، فسأله: (لمن الزرع؟ ولمن الأرض؟ ) فقال: زرعي بيدي وعملي، لي الشطر، ولبني فلان الشطر. فقال: (أربيتما، فرُدَّ الأرض إلى أهلها، وخذ نفقتك) (١). وهذا صريح: في أن ذلك من باب الربا وجهته. وهذا في الطعام واضح. وأما فيما ليس بطعام مما تنبته فسدٌ للذريعة على أصله، والله تعالى أعلم. وهذا القدر كاف. وقد كتبنا في هذه المسألة جزءًا حسنا. و(قوله: كنا نأخذ الأرض بالثلث والربع في الماذيانات) الماذيانات معروفة - بكسر الذال-، وقد فتحت وليست عربية، ولكنها سوادية. قاله الإمام. وهي: مسايل الماء. والمراد بها ها هنا: ما ينبت على شطوط الجداول، ومسايل الماء. وهو من باب تسمية الشيء باسم غيره إذا كان مجاورًا له أو كان منه بسبب. و(أقبال الجداول) - بفتح الهمزة -: أوائلها. و (الجداول): السواقي.

стр. 2421

القِصرِيِّ وَمِن كَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن كَانَت لَهُ أَرضٌ. وذكر نحوه. رواه مسلم (١٥٤٣) (٩٥ و ٩٦). ــ ويسمى الجدول: الربيع. ويجمع: ربعان. وقال الخليل: الأربعاء: الجداول. جمع ربيع. ومعنى هذا: أن صاحب الأرض كان يؤاجر أرضه بالثلث، أو بالربع، وبأن يكون له ما يزرع على جوانب الأنهار والجداول، وعلى أفواهها، وكان منهم من يؤاجر أرضه بالماذيانات خاصة، كما قال في الرواية الأخرى. وفي هذا الحديث حجة للجمهور وأئمة الفتوى: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة. وهو مذهب ابن عباس، وابن عمر، ورافع بن خديج على منع كراء الأرض بجزء مما يخرج منها على من أجاز ذلك؛ وهم: الليث بن سعد، وابن أبي ليلى، وسفيان الثوري، والحسن بن حي، والأوزاعي. وهو مذهب علي وعمار، وابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص. ووجه الاستدلال بذلك: أن هذه كانت مزارعاتهم، فلما أخبر النبي ﷺ بذلك نهى عنها، وبين ما يجوز فعله في الأرض، وهو: أن يزرعها بنفسه، أو يزرعها غيره، أو يكريها بشيء معلوم مضمون، كما قد بيناه، ولأن ذلك هي المخابرة المنهي عنها، كما تقدَّم، ولما فيه من الجهالة، والغرر، والخطر، بل قد جاءت نصوص في كتاب أبي داود بتحريم ذلك: فمنها: ما رواه عن زيد بن ثابت قال: نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة. فقيل له: وما المخابرة؟ قال: أن تأخذ الأرض بنصف، أو ثلث، أو ربع (١). وهذا نصٌّ من تفسير الصحابي، وهو أعلم بالحال، وأقعد بالمقال. وقد روي أيضًا من حديث جابر: أن رسول الله ﷺ قال: (من لم يذر المخابرة فليأذن (٢) بحرب من الله ورسوله) (٣).

стр. 2422

[١٦٣١] وعَن نَافِعٍ: أَنَّ ابنَ عُمَرَ كَانَ يُكرِي مَزَارِعَهُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَفِي إِمَارَةِ أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَصَدرًا مِن خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، حَتَّى بَلَغَهُ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ: أَنَّ رَافِعَ بنَ خَدِيجٍ يُحَدِّثُ فِيهَا بِنَهيٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ ، فَدَخَلَ عَلَيهِ وَأَنَا مَعَهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنهَى عَن كِرَاءِ المَزَارِعِ، فَتَرَكَهَا ابنُ عُمَرَ بَعدُ، وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنهَا بَعدُ قَالَ: زَعَمَ ابنُ خَدِيجٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنهَا. قال مُجَاهِدٍ قَالَ ابنُ عُمَرَ: لَقَد مَنَعَنَا رَافِعٌ نَفعَ أَرضِنَا. رواه أحمد (٤/ ١٤٠)، والبخاري (٢٣٤٣)، ومسلم (١٥٤٧) (١٠٨ و ١٠٩)، والنسائي (٧/ ٤٥)، وابن ماجه (٢٤٥٣). [١٦٣٢] وعَن رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا نُحَاقِلُ الأَرضَ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنُكرِيهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالطَّعَامِ المُسَمَّى، فَجَاءَنَا ذَاتَ يَومٍ رَجُلٌ مَن عُمُومَتِي فَقَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن أَمرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا، ــ (القِصري) - بكسر القاف والراء، وسكون الضاد -: هو الرواية الصحيحة؛ وهو ما يبقى من الحبوب في سنبله بعد الدَّرس. وهي لغة شامية. قاله ابن دريد. وقد قيده بعضهم بفتح القاف مقصورًا، وبعضهم بضمها مقصورًا. و(قول ابن عمر: (كنا نكري الأرض على عهد رسول الله ﷺ وإمارة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وصدرًا من خلافة معاوية) يدل على أن ذلك كان أمرًا معمولًا به، مشهورًا. وهو محمول على أنهم كانوا يكرونها بشيء معلوم، مضمون. وأمَّا بالجزء مما يخرج منها فلا، لما تقدَّم، ثم إن ابن عمر ترك ذلك لما بلغه حديث رافع (١) ترك ورع وتقية، لا أنه جزم بالتحريم. ويظهر من قوله التوقف

стр. 2423

فَطَوَاعِيَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنفَعُ لَنَا نَهَانَا أَن نُحَاقِلَ الأَرضَ فَنُكرِيَهَا عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالطَّعَامِ المُسَمَّى، وَأَمَرَ رَبَّ الأَرضِ أَن يَزرَعَهَا أَو يُزرِعَهَا، وَكَرِهَ كِرَاءَهَا وَمَا سِوَى ذَلِكَ. رواه أحمد (٤/ ١٤٢)، والبخاري (٢٣٤٦)، ومسلم (١٥٤٨) (١١٣)، وأبو داود (٣٢٩٤)، والنسائي (٧/ ٤٩). [١٦٣٣] وعَن حَنظَلَةَ بنِ قَيسٍ: أَنَّهُ سَأَلَ رَافِعَ بنَ خَدِيجٍ عَن كِرَاءِ الأَرضِ فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن كِرَاءِ الأَرضِ قَالَ: فَقُلتُ: أَبِالذَّهَبِ وَالوَرِقِ؟ فَقَالَ: أَمَّا بِالذَّهَبِ وَالوَرِقِ فَلَا بَأسَ بِهِ. رواه أحمد (٣/ ٤٦٣)، ومسلم (١٥٤٨) (١١٥)، وأبو داود (٣٣٩٣ و ٣٣٩٧)، والنسائي (٧/ ٤٣). [١٦٣٤] وعنه قَالَ: سَأَلتُ رَافِعَ بنَ خَدِيجٍ عَن كِرَاءِ الأَرضِ بِالذَّهَبِ وَالوَرِقِ فَقَالَ: لَا بَأسَ بِهِ، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهدِ رسول الله ﷺ بما عَلَى المَاذِيَانَاتِ، وَأَقبَالِ الجَدَاوِلِ والأنهار، وَأَشيَاءَ مِن الزَّرعِ فَيَهلِكُ هَذَا وَيَسلَمُ هَذَا، وَيَسلَمُ هَذَا وَيَهلِكُ هَذَا، فَلَم يَكُن لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إِلَّا هَذَا، فَلِذَلِكَ زُجِرَ عَنهُ، فَأَمَّا شَيءٌ مَعلُومٌ مَضمُونٌ فَلَا بَأسَ بِهِ. رواه أحمد (٤/ ١٤٠)، ومسلم (١٥٤٨) (١١٦)، وأبو داود (٣٣٩٢)، والنسائي (٧/ ٤٣). ــ في حديث رافع بن خديج، لكنه غلب حكم الورع، فعمل على عادته ﵁. وأما سكوت ابن عمر عن مدَّة إمارة عليٍّ، فلم يذكرها - والله أعلم -؛ لأن

стр. 2424

(١٣) باب فيمن رأى أن النهي عن كراء الأرض إنما هو من باب الإرشاد إلى الأفضل [١٦٣٥] عَن عَمرٍو بنُ طَاوُسٍ، عَن طَاوُسٍ: أَنَّهُ كَانَ يُخَابِرُ، قَالَ عَمرٌو: فَقُلتُ: يَا أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ، لَو تَرَكتَ هَذِهِ المُخَابَرَةَ، فَإِنَّهُم يَزعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَن المُخَابَرَةِ. فَقَالَ: أَي عَمرُو، أَخبَرَنِي أَعلَمُهُم بِذَلِكَ، (يَعنِي ابنَ عَبَّاسٍ): أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يَنهَ عَنهَا، إِنَّمَا قَالَ: يَمنَحُ أَحَدُكُم أَخَاهُ خَيرٌ لَهُ مِن أَن يَأخُذَ عَلَيهَا خَرجًا مَعلُومًا. رواه أحمد (١/ ٢٣٤)، ومسلم (١٥٥٠) (١٢١). [١٦٣٦] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَأَن يَمنَحَ أَحَدُكُم ــ ابن عمر لم يتفرغ فيها لكراء الأرض، ولا للبحث عنها لما كان في تلك المدَّة من الحروب والفتن، ولفراره (١) عنها، والله تعالى أعلم. وعلى الجملة حديث رافع بن خديج مضطرب غاية الاضطراب، كما قد وقع في الأصل وفي غيره من كتب الحديث. فينبغي ألا يعتمد عليه، ويتمسك في جواز كرائها بشيء معلوم بالقياس الذي ذكرناه، غير أنه لا تكرى بطعام مخافة طعام بطعام، فإنها ريبة. وقد أمر عمر ﵁ بتركها. والرِّبا أحق ما حُمِيت مراتعه (٢)، وسُدَّت ذرائعه، أو يسلك في الامتناع من ذلك طريقة الورع، كما سلكها ابن عمر، وهي الأسلم، والله تعالى أعلم.

стр. 2425

أَخَاهُ أَرضَهُ، خَيرٌ لَهُ مِن أَن يَأخُذَ عَلَيهَا كَذَا وَكَذَا لِشَيءٍ مَعلُومٍ، وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الحَقلُ، وَهُوَ بِلِسَانِ الأَنصَارِ المُحَاقَلَةُ. رواه أحمد (١/ ٣١٣)، ومسلم (١٥٥٠) (١٢٢). [١٦٣٧] وعَن ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن المُزَارَعَةِ، وَأَمَرَ بِالمُؤَاجَرَةِ، وَقَالَ: لَا بَأسَ بِهَا. رواه مسلم (١٥٤٩) (١١٩). * * * (١٤) باب المساقاة على جزء من الثمر والزرع (١٥٥١) (٢) [١٦٣٨] عَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: أَعطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيبَرَ بِشَطرِ مَا ــ (١٤) ومن باب: المساقاة وهي مأخوذة من السقي. وأصلها: تعاهد الأشجار بالماء. ثم قد صارت عبارة - بحكم العرف- عن العمل في الأشجار بما يصلحها من سقي، وإبار، وجداد، وغير ذلك من العمل الذي تصلح به الثمرة على جزء مسمى، يأخذه العامل من الثمرة. وقد اختلف العلماء في حكمها، ومحلها، ووقتها. فأما حكمها: فالجواز عند مالك، والشافعي، وابن أبي ليلى، وكثير من الكوفيين، تمسّكًا بهذه الأحاديث المذكورة في هذا الباب، وبقياسها على القراض. وهو متفق عليه؛ لأنها في معناه. ومنعها أبو حنيفة، وزفر من أصحابه لما فيها من الغرر؛ ولأنها من باب: بيع الثمر قبل طيبه. وهو منهي عنه كما تقدَّم. وحمل أحاديث مساقاة خيبر على أن أهلها كانوا عبيدًا للنبي ﷺ فما أخذ فهو له،

стр. 2426

يَخرُجُ مِن تَمَرٍ أَو زَرعٍ، وكَانَ يُعطِي أَزوَاجَهُ كُلَّ سَنَةٍ مِائَةَ وَسقٍ ثَمَانِينَ وَسقًا ــ وهذا بناه على أن النبي ﷺ فتحها عنوة. وهذا غير مُسَلّم له، فإن خيبر كانت قرى كثيرة؛ فمنها ما فتح عنوة، ومنها ما فتح صلحًا؛ كذلك رواه مالك ومن تابعه، وهو قول ابن عقبة. ولو سُلِّم: أنه فتحها عنوة فلا يُسلّم أن السيد يجوز له أن يعامل عبده بالرِّبا، ولا أن يعاقده عقدًا فاسدًا بغرر أو مجهول. وقد نصَّ في هذا: أنَّه عاقدهم عليها، وشرط عليهم، وشرطوا عليه. ولا يجوز أن يحمل ذلك على أنه انتزاع مال من أيديهم، لا لغة، ولا عرفًا. فبطل ما قالوه. وأما محلها: فمنعها داود في كل شيء إلا في النخل. والشافعي إلا في النخل، والكرم. وأجازها مالك في سائر الشجر؛ إذا احتاج للمساقاة. والمشهور عندنا: منعها في الزرع إلا إذا عجز عنه أهله. فأمَّا داود: فقصرها على محل ورودها، وأما الشافعي: فبناه على أنها رخصة، ولا تتعدى الرخص. لكنه قد ألحق بالنخيل الكرم، مع أنه ليس فيه حديث صحيح. فإن كان ثبت عنده به نقل فقد صح له المشي على ذلك الأصل، وإن لم يثبت ذلك فليزمه مذهب داود. والإلحاق كما ذهب إليه مالك، لأن الشجر كله في معنى النخل، من حيث إنه يحتاج إلى علاج، وعمل، وسقي إلى انتهاء الثمرة. وهي أصول قائمة ثابتة يدوم أمرها، وتدوم الحاجة إلى القيام عليها. ومن هنا فارقت الزرع القائم. فإن ألغينا هذا القيد؛ جازت فيه المساقاة على ما تقدَّم. والله تعالى أعلم. وأما وقت انعقادها: فعند الشافعي ما لم تظهر الثمرة؛ لأنها إذا ظهرت فقد ملكها رب النخل، فإذا دفع جزأها في مقابلة العمل؛ فقد باع الثمرة قبل بدوِّ صلاحها. وعند مالك: ما لم تطب، وإن كانت قد ظهرت. وعنه في ذلك بعد الطيب قولان. وأصله في ذلك: أن القراض، والمساقاة، عقدان مستثنيان من الإجارة المجهولة، للحاجة إلى ذلك، وللرفق الحاصل لرب المال والعامل؛ إذ ليس كل من له مال يحسن القيام عليه ولا العمل فيه، ثم من الناس من يحسن

стр. 2427

مِن تَمرٍ، وَعِشرِينَ وَسقًا مِن شَعِيرٍ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بن الخطاب قَسَمَ خَيبَرَ خَيَّرَ أَزوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ أَن يُقطِعَ لَهُنَّ الأَرضَ وَالمَاءَ، أَو يَضمَنَ لَهُنَّ الأَوسَاقَ ــ العمل ولا مال له. فاقتضت حكمة الشرع أن يرفق بكل واحد منهما على ما تيسر غالبًا. ولما ظهر له ذلك طرد المعنى، فحيث دعت الحاجة إلى ذلك أعملها. وعلى هذا فتجوز المساقاة في النخل بعد الطيب. وفي الزرع إذا عجز عنه أهله. والله تعالى أعلم. و(قوله: أعطى رسول الله ﷺ خيبر) وفي لفظ آخر: (عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع) بإثبات لفظ: (أو) التي للتنويع. أو بمعنى: (الواو) كما قال في الرواية الأخرى: (على نصف ما يخرج منها من الثمر والزرع) بغير ألف، وظاهر هذا الحديث: أن أرض خيبر - أعني: بياضها - كان كثيرًا، وأنه كان مقصودًا له ﷺ ولهم، وأنه ضم المساقاة في الأصول وكراء الأرض بما يخرج منها في عقد واحد. ويتمسَّك به من قال: يجوز كراء الأرض بجزء مما تنبت، كما تقدم (١). ويتمسَّك به أيضًا من جوز أن يضم إلى المساقاة عقد غيرها. قلت: والجمهور على ترك هذا الظاهر لما تقدَّم في منع كراء الأرض بجزء مما يخرج منها. وإذا منع ذلك منفردًا للغرر والرِّبا؛ كان أحرى، وأولى أن يمنع إذا اجتمع مع غيره مما يكثر فيه الغرر، ولما كان ذلك حمل الجمهور هذا على أحد محملين. فأمَّا مالك فقال: إن بياض خيبر كان قليلًا تابعًا للأصول بين أضعاف السو د، فجاز ذلك فيه لتبعية الأصول، وشرط في الجواز اتفاق البياض والأصول في الجزء. فلو اختلفا في الجزء لم يجز لزوال التبعية. وقال غيره: يجوز أن يكون الذين ساقى غير الذين زارع. وتكون مزارعته لمن زارعه منهم على الوجه الجائز فيها، ثم إن الراوي نقل ذلك جملة، ولم يفصل كيف وقعت المزارعة، ولا من الذين سوقوا من الذين زورعوا، والله تعالى أعلم.

стр. 2428

كُلَّ عَامٍ فَاختَلَفنَ، فَمِنهُنَّ مَن اختَارَ الأَرضَ وَالمَاءَ، وَمِنهُنَّ مَن اختَارَ الأَوسَاقَ كُلَّ عَامٍ، فَكَانَت عَائِشَةُ وَحَفصَةُ مِمَّن اختَارَتَا الأَرضَ وَالمَاءَ. رواه البخاري (٢٢٨٥)، ومسلم (١٥٥١) (٢)، وأبو داود (٣٠٠٨)، وابن ماجه (٢٤٦٧). [١٦٣٩] وعنه: أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ أَجلَى اليَهُودَ وَالنَّصَارَى مِن أَرضِ الحِجَازِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيبَرَ، أَرَادَ إِخرَاجَ اليَهُودِ مِنهَا، فَسَأَلَت اليَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَن يُقِرَّهُم بِهَا، عَلَى أَن يَكفُوا عَمَلَهَا وَلَهُم نِصفُ الثَّمَرِ، فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نُقِرُّكُم بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئنَا. فَقَرُّوا بِهَا حَتَّى أَجلَاهُم عُمَرُ إِلَى تَيمَاءَ وَأَرِيحَاءَ. ــ و(قوله: وكان يعطي أزواجه كل سنة مائة وسق) يريد بقسمته بينهن ألا تطالبه واحدة منهن بنفقة تلك السنة، وهذا - والله أعلم - كان بعد أن كان أزواجه طالبنه بالنفقة، وأكثرن عليه، كما تقدَّم في كتاب النكاح. ويدل هذا على أن ادخار ما يحتاج الإنسان إليه، ويعده للحاجات المتوقعة في الاستقبال، ليس قادحًا في التوكل، ولا منقصًا منه. و(قوله: فلما ولي عمر قسم خيبر) يعني: قسم سهم النبي ﷺ الذي كان له بخيبر الذي كان وقفه النبي ﷺ لمؤونة عياله وعامله بعد إجلاء عمر ﵁ اليهود منها. وإنما أجلى عمر بن الخطاب اليهود والنصارى من الحجاز؛ لأنهم لم يكن لهم عهد من النبي ﷺ على بقائهم بالحجاز دائمًا، بل ذلك كان موقوفًا على مشيئته، ولما عهد النبي ﷺ عند موته بإخراجهم من جزيرة العرب، وانتهت النوبة إلى عمر، أخرجهم من الحجاز إلى تيماء، وأريحاء، على ما يأتي، إن شاء الله تعالى. و(قوله ﷺ : (نقركم بها على ذلك ما شئنا) تمسَّك به بعض أهل الظاهر

стр. 2429

رواه أحمد (٢/ ١٤٩)، والبخاري (٢٣٣٨)، ومسلم (١٥٥١) (٦) وأبو داود (٣٠٠٨)، وابن ماجه (٢٤٦٧). * * * ــ على جواز المساقاة إلى أجل مجهول. وجمهور الفقهاء: مالك، والشافعي، والثوري، وأكثر علماء المدينة: على أنها لا تجوز إلا لأمد معلوم. وقالوا: إن هذا الكلام جواب لما طلبوه حين أراد إخراجهم منها. وقولهم له: على أن نكفيكم العمل، إنما كان منهم على سبيل إظهار المصلحة المرغبة في إبقائهم في تلك البلاد، فكأنهم قالوا: إبقاؤنا فيها أنفع لكم من إخراجنا؛ لأنا نكفيكم مؤونة العمل في أرضكم، وتأخذون نصف ما يخرج منها، فإن أخرجنا بقيت الأرض أو غالبها لا عامر لها. فلما فهمت المصلحة أجابهم إلى الإبقاء، ووقفه على مشيئته. وبعد ذلك عاملهم على عقد المساقاة، والله تعالى أعلم. وقد دلَّ على ذلك قول ابن عمر ﵁: (عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر على شطر ما يخرج منها). فأفرد العقد بالذكر دون ذكر الصلح على الإبقاء. فإن قيل: فلم ينصّ ابن عمر على مدَّة معلومة، لا هو ولا غيره ممن روى القصة، فمن أين يشترط الأجل؛ فالجواب: أن الإجماع قد انعقد على منع الإجارة المجهولة فيما من شأنه أن يعرف العمل فيه بالزمان. والمساقاة من باب الإجارة، لكن اغتُفِرَت فيها حالة جهالة مقدار ما يحصل من الأجرة. وهذا موضع الرخصة الخاصة بها، فاستثني جواز ذلك، وبقي تعيين الزمان على أصله من وجوب المراعاة. فإن قيل: لا نسلم أنها من باب الإجارة، بل هي أخت القراض، وهو أصلها، كما قدمتم. والقراض لا يحتاج إلى ضرب مدة، فكذلك المساقاة. فالجواب: أن المساقاة، وإن أشبهت القراض (١)، فيما ذكرناه، غير أنها تفارقه من وجه آخر؛ وهو: أن الفائدة الحاصلة منها مقيدة في العادة بالزمان؛ إذ الغالب من

стр. 2430

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثمرة أنها لا بدّ منها في كل سنة، وهي الفائدة. ولذلك قلنا نحن وأبو ثور: إذا وقعت المساقاة، ولم تتعين فيها مدة، صحت، وحملت على مدة فائدة تلك السَّنة، وليس كذلك القراض؛ إذ لا يدرى هل يحصل منه فائدة أو لا؟ وإذا حصلت فلا يدرى ما هي؟ فكان القراض بباب الجعل أولى، ولذلك كان في المشهور عقدًا جائزًا (١)، ولا يحتاج إلى أجل. وكانت المساقاة بباب الإجارة أولى، ولذلك كانت عقدًا لازمًا، واحتاج إلى ضرب الأجل. وعلى هذا فيحتمل الحديث أن يكون النبي ﷺ عيَّ للمساقاة أجلًا لم يسمعه الراوي، فلم ينقله، أو وقع عقد المساقاة، وحمل على سنة واحدة، فلما جاءت السنة الأخرى بقاهم على ذلك. وهكذا في الأعوام المتوالية، والله تعالى أعلم. و(قوله: دفع رسول الله ﷺ نخل خيبر ليهودها على أن يعملوها من أموالهم) يعني به: النفقة فيما تحتاج الثمرة إليه من نفقة الأجراء، والدواب، والعلوفة، والآلات، والأجر في العزاق والجداد، وغير ذلك مما يذهب بذهاب المساقاة. وأما ما يبقى بعدها كبناء حائط، أو حفر بئر أو نحوه فلا يلزم العامل. و(قوله: كان يعطي أزواج النبي ﷺ كل سنة مائة وسق: ثمانين وسق من تمر، وعشرين وسق من شعير) دليل لمالك: على قوله: إن بياض خيبر كان تابعًا لسوادها. ألا ترى: أن الشعير خمس، والتمر أربعة أخماس؛ ولذلك صحَّ أن يدخل في المساقاة بالشرط، ولكن بشرط اتفاق الجزء كما تقدَّم. وقد استحب مالك أن يلغيه للعامل رفقًا به، وإحسانًا إليه. وهذا الحديث وغيره دليل على أن النبي ﷺ كان قسم أرض خيبر على خمسة أخماس، على قسم الغنائم. وكذلك قال الشافعي. وهو مقتضى عموم قوله تعالى: ﴿وَاعلَمُوا أَنَّمَا غَنِمتُم مِن شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ ومالك وأصحابه يرون إيقاف الأرض للمسلمين ممن

стр. 2431

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حضر وغاب، وممن يأتي بعد، تمسكًا بفعل عمر ﵁ في أرض العراق والشام ومصر، فإنه أقرها، ولم يقسمها، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعدِهِم﴾ وتأول عطفه على قوله: ﴿لِلفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ﴾ وذهب الكوفيون إلى تخيير الإمام في قسمتها، أو إقرارها بأيدي أهلها، وتوظيف الخراج عليها، وتصييرها ملكًا لهم كأرض الصلح. فإن قيل: فكيف يرفع فعل النبي ﷺ وعمله بمقتضى عموم الآية بقول عمر وفعله؟ فالجواب: أن عمر بن الخطاب ﵁ فهم عن النبي ﷺ أن الذي فعله في قسم خيبر ليس على جهة التحتيم الذي لا يجوز غيره، وإنما هو أحد الوجهين الجائزين. غير أن النبي ﷺ ظهر له: أن الأولى قسمتها في ذلك الوقت، لشدَّة حاجة أولئك الغانمين. ولما كان زمن عمر ﵁ اتسعت أموال المسلمين لكثرة الفتوحات عليهم؛ فرأى: أن إيقافها لمصالح المسلمين أولى من قسمتها (١)، وتابعه على ذلك أهل عصره، ولم يخالفه أحد من الصحابة، فصار كالإجماع على صحة ما فعل وجوازه. وعند هذا يظهر: أن الأولى قول الكوفيين؛ الذي هو التخيير؛ لأنه جمع بين الأمرين. وهو الذي فهمه عمر ﵁ قطعًا. ولذلك قال عمر ﵁ فيما رواه عنه مالك (٢): لولا أن أترك آخر الناس لا شيء لهم ما افتتح المسلمون قرية إلا قسمتها سهمانًا، كما قسم رسول الله ﷺ خيبر سهمانًا. فلم يخبر بنسخ فعل النبي ﷺ ولا بتخصيصه بهم. فلم يبق إلا ما ذكرناه. غير أن الكوفيين زادوا على ما فعل عمر. فإن عمر إنما وقفها على مصالح المسلمين، ولم يملكها لأهل الصلح، وهم قالوا للإمام أن يملكها أهل الصلح. وأما من لم يسلك هذه الطريقة فيلزمه: إما نسخ

стр. 2432

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فعل النبي ﷺ بفعل عمر ﵁ وهو باطل قطعًا. وإما نسبة عمر ومن كان معه من الصحابة إلى الخطأ، حيث فعلوا ما لا يجوز. وهو باطل قطعًا. وقد استمر العمل بين الأمة بعد ذلك الصدر على استمرار وقف تلك الأراضي التي وقف عمر ﵁ إلى الآن، ولم يتعرض أحد إلى نقضها، ولا إلى تغييرها عما وضعها عليه عمر - فيما علمت - حتى اليوم. فتطابق إجماع السابقين واللاحقين، ولم يلتفت إلى من خالفهم من المتأخرين. وإنما خيّر عمر ﵁ أزواج النبي ﷺ بين إقطاع الأرض، وبين ضمان الأوساق مبالغة في صيانتهن، وكفايتهن التبذل في تحصيل ذلك، فسلك معهن ما يطيب قلوبهن ويصونهن. ولم يكن هذا الإقطاع لمن اختاره منهن إقطاع تمليك؛ لأنه لو كان ذلك منه لكان تغييرًا لما فعله النبي ﷺ . وقد قال عمر لعليّ والعباس: لا أغير من أمرها شيئًا، إني أخاف إن غيرت من أمرها شيئًا أن أزيغ. وقد كان النبي ﷺ قال: (ما تركت بعد نفقة عيالي، ومؤونة عاملي فهو صدقة) (١) ووقف الأرض لذلك. وإنما كان إقطاع اغتلال. وذلك أنه قسم عدد الأوساق المائة على عدد أزواج النبي ﷺ فمن اختارت الأوساق ضمنها لها. ومن اختارت النخل أقطعها قدر ذلك لتتصرف فيها تصرف المستغل، لا المالك، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 2433

(١٥) باب في فضل من غرس غرسًا [١٦٤٠] عَن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا مِن مُسلِمٍ يَغرِسُ غَرسًا إِلَّا كَانَ مَا أُكِلَ مِنهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنهُ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ ــ (١٥) ومن باب: فضل من غرس غرسًا (قوله: ما من مسلم يغرس غرسًا إلا كان ما أكل منه له صدقة. . .) الحديث؛ إنما خصَّ المسلم بالذكر لأنه ينوي عند الغرس غالبًا أن يتقوَّى بثمرة ذلك الغرس المسلمون على عبادة الله تعالى، ولأن المسلم هو الذي يحصل له ثواب. وأما الكافر فلا يحصل له بما يفعله من الخيرات ثواب، وغايته أن يُخَفَّف العذاب عنه، وقد يطعم في الدنيا، ويعطى بذلك؛ كما تقدَّم في كتاب الإيمان. ويعني بـ (الصدقة) هنا: ثواب صدقة مضاعفًا، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَموَالَهُم فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَت سَبعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ الآية. وفيه دليل: على أن الغراس، واتخاذ الضياع مباح، وغير قادح في الزهد، وقد فعله كثير من الصحابة. وقد ذهب قوم من المتزهدة: إلى أن ذلك مكروه وقادح. ولعلّهم تمسكوا في ذلك بما قد خرَّجه الترمذي من قوله ﷺ : (لا تتخذوا الضيعة، فتركنوا إلى الدنيا) (١) من حديث ابن مسعود، وقال فيه: حديث حسن. والجواب: أن هذا النهي محمول على الاستكثار من الضياع والانصراف إليها بالقلب الذي يفضي بصاحبه إلى الركون للدنيا. فأما إذا اتخذها غير مستكثر، وقلل منها، وكانت له كفافًا وعفافًا فهي مباحة، غير قادحة في الزهد، وسبيلها كسبيل المال الذي استثناه النبي ﷺ بقوله: (إلا من أخذه بحقه، ووضعه في

стр. 2434

فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَت الطَّيرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَلَا يَرزَؤُهُ أَحَدٌ إِلَّا كَانَت لَهُ صَدَقَةٌ. رواه مسلم (١٥٥٢) (٧). [١٦٤١] وعنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ مُبَشِّرٍ الأَنصَارِيَّةِ فِي نَخلٍ لَهَا فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : مَن غَرَسَ هَذَا النَّخلَ، أَمُسلِمٌ أَم كَافِرٌ؟ . فَقَالَت: بَل مُسلِمٌ. فَقَالَ: لَا يَغرِسُ مُسلِمٌ غَرسًا، وَلَا يَزرَعُ زَرعًا، فَيَأكُلَ مِنهُ إِنسَانٌ وَلَا دَابَّةٌ. وفي رواية: وَلَا طَيرٌ وَلَا شَيءٌ، إِلَّا كَانَت لَهُ صَدَقَةٌ. وفي رواية: إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِ أَجرٌ. رواه مسلم (١٥٥٢) (٨ و ٩). * * * ــ حقه) (١) فأمَّا لو غرس، واتخذ الضيعة ناويًا بذلك معونة المسلمين، وثواب ما يؤكل ويتلف له منها، ويفعل بذلك معروفًا، فذلك من أفضل الأعمال، وأكرم الأحوال، ولا بُعد في أن يقال: إن أَجرَ ذلك يعود عليه أبدًا دائمًا، وإن مات وانتقلت إلى غيره. ولولا الإكثار لذكرنا فيمن اتخذ الضياع من الفضلاء، والصحابة جملة من صحيح الأخبار. و(قوله: ولا يرزؤه أحد) أي: لا ينقصه. يقال: ما رزأته زِبَالًا؛ أي: ما نقصته. والزبال: ما تحمله النملة في فيها. و(قوله: دخل على أمِّ مبشِّر) هذا أصحّ الروايات الواقعة في كتاب مسلم. وقد روي فيه: أمُّ مِعبَد. وقد روي: أمُّ معبد، أو أم مُبشر على الشك، وقد روي:

стр. 2435

(١٦) باب في وضع الجائحة [١٦٤٢] عَن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَو بِعتَ مِن أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَن تَأخُذَ مِنهُ شَيئًا، بِمَ تَأخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيرِ حَقٍّ؟ رواه مسلم (١٥٥٤)، وأبو داود (٣٤٧٠)، والنسائي (٧/ ٢٦٥)، وابن ماجه (٢١١٩). [١٦٤٣] وعنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِوَضعِ الجَوَائِحِ. رواه أحمد (٣/ ٣٠٩)، ومسلم (١٥٥٤) (١٧)، وأبو داود (٣٣٧٤)، والنسائي (٧/ ٢٦٥). ــ عن أم بشر. وقد روي عن امرأة زيد بن حارثة. قال أبو علي الجياني: إن الصواب: أم مبشر. قال: وكذا في ديوان الليث بن سعد. قال: وقال لي أبو عمر: أم مبشر الأنصارية بنت البراء بن معرور، وزوج زيد بن حارثة. ويقال لها: أم مبشر قال: واسمها فيما قيل: خليدة. ولم يصح. (١٦) ومن باب: وضع الجوائح (قوله: لو بعت من أخيك ثمرًا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق) دليل واضح على وجوب إسقاط ما أُجيج من الثمرة عن المشتري. ولا يلتفت إلى قول من قال: إن ذلك لم يثبت مرفوعًا إلى النبي ﷺ وإنما ثبت من قول أنس؛ لأن ذلك ليس بصحيح؛ بل الصحيح: رَفعُ ذلك من حديث جابر وأنس. على ما ذكرناه في الأصل، واعتضد ذلك بأمره ﷺ بوضع الجوائح.

стр. 2436

[١٦٤٤] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن بَيعِ الثَّمَرَةِ ــ وقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: لا يوضع منها شيء عن المشتري؛ لأنها كلها في ضمانه بالشراء. وبه قال الشافعي في الجديد. وثانيها: أنها توضع عنه، قليلها، وكثيرها. وبه قال أحمد بن حنبل، وأبو عبيد القاسم بن سلام. وبه قال الشافعي في القديم. وثالثها: الفرق بين أن تأتي الجائحة على الثلث فأكثر، فتوضع عن المشتري (١)، أو على أقل من الثلث، فلا توضع، وتكون منه، وهو قول مالك وأصحابه. حجة القول الأول: حديث أبي سعيد الخدري؛ الذي قال فيه: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فتصدَّق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه. فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: (خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك) (٢). وهذا واضح في أنه أُجيحت الثمرة، ولم يوضع منها شيء عن المشتري، ويعضد هذا: بأنه قد أقبضه؛ إذ قد خلَّى بينه وبينها. وذلك هو قبضها، فإن قبض كل شيء بحسبه. وقد انفصل أصحابنا عن هذا الحديث: بأن الأحاديث المتقدِّمة أولى لوجهين: أحدهما: أنها ذكرت لبيان القاعدة وحكمها. وهذا الحديث واقعة معينة. فالأول أولى. وثانيهما: أنه يحتمل أن يكون اشترى تلك الثمرة بعد تناهي طيبها، وإذ ذاك

стр. 2437

حَتَّى تُزهِيَ. قَالُوا: وَمَا تُزهِيَ؟ قَالَ: تَحمَرُّ. ــ لا تحتاج إلى تبقية، ولا إلى سَقي، فيكون ضمانها من المشتري على كل حال. حجة القول الثاني: ما تقدَّم من الحديث. ويعضد ذلك: بأنها بقي فيها حق توفية. فكأنها لم تقبض. وذلك: أنها محتاجة إلى بقائها إلى تكامل طيبها على أصولها؛ إذ بقي على البائع سقيها إلى انتهائها، فكان ذلك كالتوفية بالكيل والوزن. فما بيع من ذلك فهلك قبل كيله ووزنه، فمصيبته من بائعه قولًا واحدًا. وأما تفريق مالك بين القليل والكثير فوجهه: أن القليل معلوم الوقوع، بحكم العادة؛ إذ لا بدَّ من سقوط شيء منه، وعفنه، وتتريبه (١). فكأن المشتري دخل عليه، ورضي به، وليس كذلك الكثير. فإنه لم يدخل عليه. فلما افترق الحال في العادة فينبغي أن يفترق في الحكم. وإذا لم يكن بُدٌّ من فرق بينهما، فالقليل ما دون الثلث. والكثير: الثلث فما زاد؛ لقوله ﷺ : (الثلث، والثلث كثير، أو كبير) (٢). ثم هل يعتبر ثلث مكيله الثمرة، أو ثلث الثمن؟ قولان: الأول لابن القاسم. والثاني لأشهب. وقد اعتذر لأبي حنيفة رحمه الله تعالى عن الأمر بوضع الجوائح: بأن ذلك إنما كان في حق من باع الثمرة قبل بدوِّ الصلاح، كما كانوا يفعلون قبل النهي عن ذلك. وأجيب بأن ذلك تخصيص لا دليل عليه. فإن الأمر بوضع الجوائح عام. وأيضًا: فقوله ﷺ : (لو بعت من أخيك ثمرًا. . .) يدل على البيع الشرعي، لا الممنوع. فكيف يذكر البيع الفاسد، ولا ينهى عنه، ولا يبين فساده، ثم يعدل عنه في إبطاله إلى أمر خارج عنه؛ فظاهر هذا الحديث: أن هذا البيع وقع صحيحًا. وذلك لا يكون إلا بعد الزهو، ثم طرأت الجائحة. فعلل منع حِلِّيَةِ المال بها. وحاصل ما ذكرنا: أن الأمر بوضع الجائحة يتضمن صحة بيع ما توضع فيه الجائحة لا إفساده. وهذا واضح لمن تأمَّله.

стр. 2438

وفي رواية: وَتَصفَرُّ، وَقَالَ: إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ تَستَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ؟ رواه أحمد (٣/ ١١٥)، والبخاري (٢١٩٥)، ومسلم (١٥٥٥)، والنسائي (٧/ ٢٦٤). [١٦٤٥] وعنه، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِن لَم يُثمِرهَا اللَّهُ، فَبِمَ يَستَحِلُّ أَحَدُكُم مَالَ أَخِيهِ؟ رواه مسلم (١٥٥٥) (١٦). * * * ــ و(قوله: إذا منع الله الثمرة) أي: إذا منع تكاملها، وطيبها. لأن الثمرة قد كانت موجودة مزهية حين البيع، كما قال في الرواية الأخرى: (إن لم يثمرها الله) أي: لم يكمل ثمرتها. وقد تقدَّم القول في أصل الجائحة في كتاب الزكاة. واختلف أصحابنا في حدِّها. فروي عن ابن القاسم: أنها ما لا يمكن دفعه. وعلى هذا الخلاف فلا يكون (١) السارق جائحة. وكذا في كتاب محمد. وفي الكتاب: إنه جائحة. وقال مُطرِّف وابن الماجشون: الجائحة: ما أصاب الثمرة من السماء من عَفَنٍ، أو برد، أو عطش، أو حرٍّ، أو كسر الشجر بما ليس بصنع آدميّ. والجيش ليس بجائحة. وفي رواية ابن القاسم: إنه جائحة. * * *

стр. 2439

(١٧) باب قسم مال المفلس، والحث على وضع بعض الدين [١٦٤٦] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ثِمَارٍ ابتَاعَهَا فَكَثُرَ دَينُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَصَدَّقُوا ــ (١٧) ومن باب: قسم مال المفلس (قوله: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها) هذا الرَّجل هو معاذ بن جبل. وكان غرماؤه يهود، فكلمهم النبي ﷺ في أن يخففوا عنه، أو ينظروه، فأبوا، فحكم النبي ﷺ بما ذكر. وظاهر هذا الحديث: أن الجائحة أتت على كل الثمرة، حتى لم يبق له منها ما يباع عليه، فقد ثبتت عسرته. فحكمه الإنظار إلى الميسرة، كما قال الله تعالى (١). فمن كان كذلك فلا يحبس مثله خلافًا لشريح؛ فإنه قال: يحبس أبدًا، ولا يلازم. خلافًا لأبي حنيفة؛ فإنه قال: يلازم لإمكان أن يظهر له مال، ولا يكلَّف أن يكتسب، لا هو ولا مستولدته. وهذا كلّه مردود بنص القرآن، وبقوله ﷺ لغرماء معاذ: (خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك). ولا يجب أن يتصدق عليه، ومن فعل ذلك، أو حضَّ عليه كان خيرًا له، وفيه ثواب كثير؛ لأنه سعى في تخليص ذمة المسلم من المطالبة المستقبلة، أو من الإثم اللاحق بتأخير الأداء عند الإمكان إن كان قد وقع ذلك. وفعل النبي ﷺ ذلك بمعاذ ليتبين خصومه: أنه ليس عنده شيء، ولتطيب قلوبهم بما أخذوا، فيسهل عليهم ترك ما بقي، وليخف الدَّين عن معاذ، وليتشارك المتصدقون في أجر المعونة وثوابها. وليكن ذلك سُنَّة حسنة. وفيه ما يدل على نسخ بيع الجزء في الدَّين، كما كان في أول الإسلام. وعلى نسخه تدل الآية، والإجماع.

стр. 2440

عَلَيهِ. فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيهِ، فَلَم يَبلُغ ذَلِكَ وَفَاءَ دَينِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ: خُذُوا مَا وَجَدتُم، وَلَيسَ لَكُم إِلَّا ذَلِكَ. رواه أحمد (٣/ ٣٦)، ومسلم (١٥٥٦) (١٨)، وأبو داود (٣٤٦٩)، والترمذي (٦٥٥)، والنسائي (٧/ ٢٦٥)، وابن ماجه (٢٣٥٦). [١٦٤٧] وعن عَائِشَةَ قَالَت: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَوتَ خُصُومٍ بِالبَابِ عَالِيَةٍ أَصوَاتُهُم، وَإِذَا أَحَدُهُم يَستَوضِعُ الآخَرَ وَيَستَرفِقُهُ فِي شَيءٍ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَفعَلُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَينَ المُتَأَلِّي عَلَى ــ و(قوله: خذوا ما وجدتم) يدلُّ على أن المفلس يؤخذ منه كل ما يوجد له، ويستثنى من ذلك ما كان من ضرورته. وروى ابن نافع عن مالك: أنه لا يترك له إلا ما يواريه. والمشهور: أنه يترك له كسوته المعتادة، ما لم يكن فيها فضل، ولا ينزع منه رداؤه، إن كان ذلك مزريًا به، أو منقصًا. وفي ترك كسوة زوجته، وبيع كتبه إن كان عالمًا خلافٌ. ولا يترك له مسكن، ولا خاتم، ولا ثوب جمعته، ما لم تقل قيمتها. و(الخصوم): جمع خصم، كفلس وفلوس. وقد يقال: خصم على الجمع، والاثنين، كما قال تعالى: ﴿وَهَل أَتَاكَ نَبَأُ الخَصمِ إِذ تَسَوَّرُوا المِحرَابَ﴾ ويقال: خصم أيضًا للمذكر والمؤنث. و(قوله: وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه) أي: يسأله أن يضع عنه، ويرفق به. و(المتألي): الحالف. يقال: تألَّى، يتألَّى، وائتلى، يأتلي. وآلى يؤلي. كل ذلك بمعنى الحلف. وفيه ما يدلُّ على أن سؤال الحطيطة والرفق جائز؛ إذ لم ينكر النبي ﷺ ذلك إذ سمعه. وقد كره مالك ذلك، لما فيه من المهانة، والمنَّة.

стр. 2441

اللَّهِ ألَا يَفعَلُ المَعرُوفَ؟ قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ. رواه أحمد (٦/ ٦٩)، والبخاري (٢٧٠٥)، ومسلم (١٥٥٧). [١٦٤٨] وعن كَعبِ بنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ تَقَاضَى ابنَ أَبِي حَدرَدٍ دَينًا كَانَ لَهُ فِي عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي المَسجِدِ، فَارتَفَعَت أَصوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَشَفَ سِجفَ حُجرَتِهِ، وَنَادَى كَعبَ بنَ مَالِكٍ فَقَالَ: يَا كَعبُ. فَقَالَ: لَبَّيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قال: فَأَشَارَ إِلَيهِ بِيَدِهِ أَن ضَع الشَّطرَ مِن دَينِكَ، قَالَ كَعبٌ: ــ قلت: وهذه الكراهة من مالك: إنما هي من طريق تسمية ترك الأولى: مكروهًا. و(قوله: فله أي ذلك أحبَّ) أي: الوضع أو الرفق. وكان حقه: أي ذينك. فإن المشار إليهما اثنان، لكنه أشار إلى الكلام المتقدِّم المذكور. فكأنه قال: فله أي ذلك المذكور أحب. كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَفعَل ذَلِكَ يَلقَ أَثَامًا﴾ وإذا تأملت هذا الكلام بان لك لطافة النبي ﷺ وحُسن سياسته، وكرم خلق الرَّجل، ومسارعته إلى فعل الخير. و(قوله: إن كعبًا تقاضى ابن أبي حَدرد دَينًا في المسجد) أي: سأل من ابن أبي حدرد أن يقضيه دينه الذي له عليه، فارتفعت أصواتهما بسبب ذلك حتى سمعهما النبي ﷺ من بيته، ولم ينكر عليهم، فكان ذلك دليلًا على استباحة مثل ذلك في المسجد ما لم يتفاحش. فإن تفاحش كان ذلك ممنوعًا؛ إذ قد نهى رسول الله ﷺ عن رفع الأصوات في المساجد. و(قوله بالإشارة: (ضع الشطر من دينك) دليل: على أن الإشارة بمنزلة

стр. 2442

قَد فَعَلتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُم فَاقضِهِ. رواه أحمد (٣/ ٣٩٠)، والبخاري (٤٥٧)، ومسلم (١٥٥٨) (٢٠)، والنسائي (٨/ ٢٤٤)، وابن ماجه (٢٤٢٩). * * * (١٨) باب من أدرك ماله عند مُفلس [١٦٤٩] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا أَفلَسَ الرَّجُلُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ عِندَهُ سِلعَتَهُ بِعَينِهَا، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا. ــ الكلام إذا فُهِمَت؛ لأنها دلالة على الكلام كالحروف والأصوات، فتصح شهادة الأخرس، ويمينه، ولعانه، وعقوده إذا فهم ذلك عنه، وهذا منه ﷺ أمر على جهة الإرشاد إلى الصلح. وهذا صُلح على الإقرار؛ لأن نزاعهما لم يكن في أصل الدَّين، وإنما كان في التقاضي. وهو متفق عليه. وأما الصُّلح على الإنكار، فهو الذي أجازه مالك، وأبو حنيفة والشعبي، والحسن البصري. وقال الشافعي: الصلح على الإنكار باطل. وبه قال ابن أبي ليلى. و(قوله: قم فاقضه) أمرٌ على جهة الوجوب؛ لأن ربَّ الدَّين لَمَّا أطاع بوضع ما وضع تعيَّن على المِديان أن يقوم بما بقي عليه، لئلا يُجمع على ربِّ الدَّين وضيعة ومُطل. وهكذا ينبغي أن يبتَّ الأمر بين المتصالحين، فلا يترك بينهما علقة ما أمكن. (١٨) ومن باب: من أدرك ماله عند مُفلس (قوله: إذا أفلس الرَّجل فوجد الرَّجل عنده سلعته بعينها فهو أحق بها). وقوله: (أفلس الرجل): في اللغة: صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دنانير، كما يقال:

стр. 2443

وفي رواية: أَيُّمَا امرِئٍ فُلِّسَ. رواه أحمد (٢/ ٢٢٨)، والبخاري (٢٤٠٢)، ومسلم (١٥٥٩) (٢٢ و ٢٥)، وأبو داود (٣٥١٩)، والترمذي (١٢٦٢)، والنسائي (٧/ ٣١١)، وابن ماجه (٢٣٥٨). ــ أخبث الرجل، أي: صار أصحابه خبثاء. وأقطف الرَّجل؛ إذا صارت دابته قطوفًا (١). والمفلس في عرف العرب: من لا مال له عينًا، ولا عرضًا، ولا غيره. ولذلك قال النبي ﷺ لأصحابه ﵃: (أتدرون من المفلس؟ ) قالوا: ما هو المعروف عندهم، فأجابوه بقولهم: من لا درهم له، ولا متاع (٢). وهو في عرف الشرع: عبارة عن مِديان (٣) قصر ما بيده عن وفاء ما عليه من الديون، فطلب الغرماء أخذ ما بيده. وإذا كان كذلك، فللحاكم أن يحجر عليه، ويمنعه من التصرف فيما بيده، ويُحَصِّله، ويجمع الغرماء، فيقسمه عليهم. وهذا هو مذهب الجمهور من الصحابة وغيرهم، كعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وعروة بن الزبير، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد. وقال النخعي والحسن البصري وأبو حنيفة: ليس للحاكم أن يحجر عليه، ولا يمنعه من التصرف في ماله، لكن يحبسه ليوفي ما عليه، وهو يبيع ما عنده. والحجة للجمهور على هؤلاء حديث تفليس معاذ المتقدم. وقد قال فيه الزهري: ادَّانَ معاذٌ فباع رسول الله ﷺ ماله حتى قضى دينه (٤). وكذلك فعل عمر بن الخطاب ﵁ بالجهني الذي قال فيه: ألا إن أُسَيفَعَ جُهينة رضي لدينه وأمانته أن يقال: سَبَقَ الحَاجَّ، ثم

стр. 2444

[١٦٥٠] وعنه عَن النَّبِيِّ ﷺ فِي الرَّجُلِ الَّذِي يُعدِمُ إِذَا وُجِدَ عِندَهُ المَتَاعُ وَلَم يُفَرِّقهُ، إنَّهُ لِصَاحِبِهِ الَّذِي بَاعَهُ. رواه مسلم (١٥٥٩) (٢٣). * * * ــ ادَّان مُعرضًا (١). فمن كان له عليه دين فليحضر، فإنا نبيع ماله (٢). ولم يخالفه أحدٌ، ثم يباع عليه كل ماله وعقاره. وقال أبو حنيفة: لا يباع عليه عقاره. وقوله مخالف (٣) للأدلة التي ذكرناها، فإنها عامة لجميع الأموال، ولأن الدَّين حق مالي في ذمَّته، فيباع عليه فيه عقاره، كما يباع في نفقة الزوجات، ولأن الفلس معنى طارئ يوجب قسمة المال، فيباع فيه لعقار كالموت. وقد اختلف العلماء في مشتري السِّلعة إذا أفلس أو مات، ولا وفاء عنده بثمنها ووُجِدت. فقال الشافعي: صاحبها أحق بها في الفَلَس والموت. وقال أبو حنيفة: صاحبها أسوة الغرماء فيها. وقال مالك: هو أحق بها في الفَلَس دون الموت. وسبب الخلاف: معارضة الأصل الكلِّي للأحاديث. وذلك: أن الأصل أن الدَّين في ذمَّة المفلس والمَيِّت وما بأيديهما محل للوفاء، فيشترك جميع الغرماء فيه بقدر رؤوس أموالهم، ولا فرق في هذا من أن تكون أعيان السلع موجودة، أو لا؛ إذ قد خرجت عن مالك بائعها، ووجبت أثمانها لهم في الذمة بالإجماع، فلا يكون لهم إلا أثمانها إن وجدت، أو ما وُجِد منها. فتمسَّك أبو حنيفة بهذا، وردَّ الأخبار بناءً على أصله في ردِّ أخبار الآحاد عند معارضة القياس. وأما الشافعي ومالك:

стр. 2445

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فتمسكا بالأخبار الواردة في الباب، وخصَّصَا بها تلك القاعدة. غير أن الشافعي تمسَّك في التسوية بين الموت والفَلَس بما رواه أبو داود من حديث أبي المعتمر، عن عمر بن خَلدة قال: أتينا أبا هريرة ﵁ في صاحب لنا أفلس. فقال: لأقضين فيكم بقضاء رسول الله ﷺ : من أفلس أو مات، فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به (١). وبإلحاق الموت بالفلس؛ لأنه في معناه، ولم ينقدح بينهما فرق مؤثر عنده. وأما مالك: فإنه فرَّق بينهما، لما رواه عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن: أن رسول الله ﷺ قال: (أيُّما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض من ثمنه شيئًا، فوجده بعينه، فهو أحق به، فإن مات الذي ابتاعه، فصاحب المتاع أسوة الغرماء) (٢). قلت: وهذا مرسل صحيح. وقد أسنده أبو داود من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة (٣)، وهو طريق صحيح، وفيه زيادة ألفاظ نذكرها بعد إن شاء الله تعالى، ومذهب مالك أولى؛ لأن حديثه أصح من حديث الشافعي؛ لأن أبا المعتمر مجهول على ما ذكره أبو داود، وللفرق بين الفلس والموت، وذلك: أن ذمَّة المفلس باقية، غير أنها انعابت، ويمكن أن يزول ذلك العيب بالإيسار، فيجد الغرماء الذين لم يأخذوا من السلعة شيئًا ما يرجعون عليه، وليس كذلك في الموت، فإن ذمَّة الميت قد انعدمت، فلا يرتجعون (٤) شيئًا؛ فافترقا، والله تعالى أعلم. وقد تعسَّف بعض الحنفية في تأويل أحاديث الإفلاس تأويلات لا تقوم على أساس، ولا تتمشى على لغةٍ، ولا قياسٍ. فلنُضرب عن ذكرها، لوضوح فسادها.

стр. 2446

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ و(قوله: فوجد الرَّجل سلعته بعينها، فهو أحق بها) مقتضى دليل خطابه: أنَّه لو وجدها قد تغيرت عن حالها، أو وجد بعضها، لم يكن له أن يأخذها. وهذا يليق بمذهب أهل الظاهر. لكن علماؤنا فصلوا التغير إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: تغير انتقال، كالعبد المتغير بزمانة، أو بعتق، أو عقد من عقوده. وكالثوب المتغير بقطعه قُمُصًا، أو غيرها، وكالحنطة المتغيرة بخلط مُسوِّس بها أو بغير نوعها، أو بطحنها، أو خبزها. وكالخشبة المتغيرة بجعلها بابًا، أو غيره. فهذا النوع مفوِّت، ليس له الرُّجوع معه. الثاني: تغير غير انتقال، كالمتغير بالمرض اليسير، وكخلط القمح بمثله. فهذا له الرُّجوع فيه؛ إذ لا أثر لذلك التغير. ومن هذا النوع وجدان بعض السلعة. فله أن يأخذ ويضرب معهم بسهمه فيما بقي. الثالث: تغير بإضافة غير السلعة إليها، كالعرصة تُبنى، والغزل يُنسج. فهذا يرجع في سلعته، ويدفع قيمة البناء، والنسج. وله مشاركة الغرماء في تلك القيمة؛ إن بقي له من دينه شيء. وفي هذا الباب فروع مختلف فيها بسبب تردُّدها بين هذه الأنواع. و(قوله في حديث الزهري؛ الذي خرَّجه أبو داود: (فإن كان قضاه من ثمنه شيئًا، فما بقي فهو أسوة الغرماء) بمقتضى هذا قال الشافعي، فرأى: أن قبض بعضه مفوِّت. ولم يره مالك مفوِّتًا، مع أنه روي معناه عن الزهري، كما قدَّمناه من حديثه. فقال-أعني مالكا -: إن شاء ربُّ السِّلعة أن يردَّ ما اقتضى، ويأخذ السِّلعة، كان له ذلك. وهذا مخالف لذلك الظاهر. وفيه إشكال، غير أنّ الذي صح عند مالك هو اللفظ الذي في موطئه؛ أعني مرسل أبي بكر بن عبد الرحمن،

стр. 2447

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ونصَّه ما قد بيَّنَّاه (١). وهو يدل: على هذا الشرط بدليل المفهوم. وحديث أبي هريرة الذي في الأصل يدلُّ على إلغاء ذلك الشرط (٢) بدليل العموم. والتمسك به راجح على التمسك بالمفهوم كما ذكرناه في أصول الفقه. فتأمل هذا، فإنَّه حَسنٌ بالغٌ. والشافعي حيث تمسك بما رواه أبو داود من ذلك كان يلزمه أن يفرِّق بين الموت والفَلَس؛ لأن الحديث واحد، فإنه قال فيه: (وأيُّما امرئ هلك وعنده متاع امرئ بعينه اقتضى منه شيئًا، أو لم يقتض فهو أسوة الغرماء) (٣). فأخذ ببعضه، وترك بعضه لحديث مجهول، كما قد بيَّنَّاه. وما تقدَّم من الأحاديث في المفلس تدلُّ على أن جميع ما عليه من الدَّين يدخل في المحاصَّة، ما حل منها، وما لم يحل. وهو قول الجمهور، خلا أن الشافعي قال في أحد قوليه: لا يحل عليه من دين مؤجل. وهذا ليس بصحيح للأحاديث المتقدِّمة؛ ولأنه إذا خربت ذمَّة المفلس فقد لا تنعمر. فلا يحصل لمن تأخر دينه شيء مع أنه يمكن أن يكون عِوَض دينه موجودًا حال الفلس، أو بدله، فيؤخذ شيئه ولا يحصل له شيء، وإذا كان ذلك في الفلس كان الموت بذلك أولى. وهو متفق عليه، إلا ما يحكى عن الحسن أنه قال: لا يحل ما على الميت من دين مؤجل. وهو محجوج بما تقدَّم؛ وبأن الدَّين إما أن يبقى متعلقًا بذمة الميت، وهو محالٌ لذهابها، أو بذمَّة الورثة، وهو محال لعدم الموجب. ثم لا يلزم صاحب الدَّين اتباع ذمَّتهم، وتسليم التركة إليهم. أو يبقى هذا الدَّين لا في ذمَّة؛ فلا يطالب به أحدٌ، وهو محال. فلم يبق إلا ما ذكرناه، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 2448

(١٩) باب في إنظار المُعسِر والتجاوز عنه ومطل الغني ظلم، والحوالة [١٦٥١] عَن حُذَيفَةَ قَالَ: أُتِيَ اللَّهُ بِعَبدٍ مِن عِبَادِهِ، آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَقَالَ لَهُ: مَاذَا عَمِلتَ فِي الدُّنيَا؟ قَالَ: يَومَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَو تُسَوَّى بِهِمُ الأَرضُ وَلَا يَكتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا قَالَ: يَا رَبِّ، آتَيتَنِي مَالَكَ فَكُنتُ أُبَايِعُ النَّاسَ، فَكَانَ مِن خُلُقِي الجَوَازُ، وَكُنتُ ــ (١٩) ومن باب: إنظار المُعسِر والتجاوز عنه الإنظار: التأخير. والمعسر هنا: هو الذي يتعذَّر عليه الأداء في وقت دون وقت. فندب الشرع إلى تأخيره إلى الوقت الذي يمكنُ له ما يؤدي. وأما المُعسِر بالإفلاس: فتحرم مطالبته إلى أن يتبين يساره. والمال: كل ما يتموَّل، أو يُتملَّك من عين، وعَرَض، وحيوان، وغير ذلك. ثم قد يخصُّه أهلُ كل مال بما يكون غالب أموالهم. فيقول أصحاب الإبل: المال: الإبل. وأصحاب النخل: النخل. وهكذا. و(قوله: ولا يكتمون الله حديثًا) أي: لا يستطيع أحد أن يكتم يوم القيامة شيئًا من أعماله. فإن كتم شهدت عليه جوارحه كما يأتي. و(قوله: وكان من خلقي الجواز) أي: التجاوز عن حقوقه، فأمَّا من حلول الأجل فيؤخره، وأما من استيفاء الحق فيسقط بعضه، أو يسامح في الزّيف. و(قول الله تعالى: (أنا أحق بذلك) صدقٌ، وحقٌ؛ لأنه تعالى متفضل ببذل ما لا يستحق عليه، ومسقط بعفوه عن عبده ما يجب له من الحقوق عليه. ثم يتلافاه برحمته، فيكرمه، ويقرِّبه منه، وإليه. فله الحمد كِفَاءَ إنعامه، وله الشكر على إحسانه.

стр. 2449

أَتَيَسَّرُ عَلَى المُوسِرِ، وَأُنظِرُ المُعسِرَ. فَقَالَ اللَّهُ ﵎: أَنَا أَحَقُّ بِذَا مِنكَ، تَجَاوَزُوا عَن عَبدِي فَقَالَ عُقبَةُ بنُ عَامِرٍ الجُهَنِيُّ، وَأَبُو مَسعُودٍ الأَنصَارِيُّ: هَكَذَا سَمِعنَاهُ مِن فِيِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رواه مسلم (١٥٦٠) (٢٩). [١٦٥٢] وعَن أَبِي مَسعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّن كَانَ قَبلَكُم، فَلَم يُوجَد لَهُ مِن الخَيرِ شَيءٌ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَكَانَ مُوسِرًا، فَكَانَ يَأمُرُ غِلمَانَهُ أَن يَتَجَاوَزُوا عَن المُعسِرِ. قَالَ: قَالَ اللَّهُ : نَحنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنهُ، تَجَاوَزُوا عَنهُ. رواه مسلم (١٥٦١)، والترمذي (١٣٠٧). ــ و(قوله: حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له شيء من الخير) هذا العموم مخصَّص قطعًا بأنه كان مؤمنًا، ولولا ذلك لما تجاوز عنه، فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ وهل كان قائمًا بفرائض دينه من الصلاة، والزكاة، وما أشبهها؛ هذا هو الأليق بحاله. فإن هذا الحديث يشهد بأنه كان ممَّن وُقي شح نفسه. وعلى هذا: فيكون معنى هذا العموم: أنه لم يوجد له شيء من النوافل إلا هذا. ويحتمل أن يكون له نوافل أخر، غير أن هذا كان الأغلب عليه، فنودي به، وجوزي عليه، ولم يذكر غيره اكتفاءً بهذا، والله تعالى أعلم. ويحتمل أن يكون المراد بالخير: المال، فيكون معناه: أنه لم يوجد له فِعل برّ في المال إلا ما ذكر من إنظار المعسر، والله تعالى أعلم. والتنفيس عن المعسر: تأخيره إلى الإمكان. والوضع: الإسقاط. و(قوله: كان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر) دليل على جواز إذن السيد لعبده في التجارة. وفي الأم: (أَقبَلُ المَيسُورَ، وأَتجاوزُ عن المعسر) (١)

стр. 2450

[١٦٥٣] وعَن أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّه طَلَبَ غَرِيمًا لَهُ، فَتَوَارَى عَنهُ ثُمَّ وَجَدَهُ فَقَالَ: إِنِّي مُعسِرٌ، قَالَ: آللَّهِ؟ قَالَ: أللَّهِ. قَالَ: فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن سَرَّهُ أَن يُنجِيَهُ اللَّهُ مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، فَليُنَفِّس عَن مُعسِرٍ أَو يَضَع عَنهُ. رواه مسلم (١٥٦٣). [١٦٥٤] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَطلُ الغَنِيِّ ظُلمٌ، ــ رواية الجماعة: أقبل - بالهمزة المفتوحة، وبالقاف ساكنة، وبالباء بواحدة تحتها مفتوحة - من القبول. والميسور: المُتَيسَّر. ووقع لبعضهم: بضم الهمزة، وكسر القاف، وياء باثنتين تحتها، من الإقالة، وفيه بُعدٌ؛ لأنه لا يستقيم المعنى حتى يكون الميسور بمعنى الموسر. ولا يعطيه قانون التصريف، ولا يعضده نقل. والكرب: جمع كُربَة، وهي: الشدَّة، والفاقة. وكُرَب الآخرة: شدائدها، وأهوالها. و(قوله: مطل الغني ظلم) المطل: منع قضاء ما استحق أداؤه مع التمكن من ذلك، وطلب المستحق حقه. وهو الذي قال فيه في الحديث الآخر: (لَيّ الواجد يحل عرضه وعقوبته) (١) أي: مطل الموسر المتمكن إذا طولب بالأداء ظلم للمستحق، يبيح من عرضه أن يقال فيه: فلان يمطل الناس، ويحبس حقوقهم. ويبيح للإمام أدبه وتعزيره حتى يرتدع عن ذلك. حُكي معناه عن سفيان. و (الظلم): وضع الشيء في غير موضعه في أصل اللغة. وهو في الشرع محرَّم مذموم. ووجهه هنا: أنه وضع المنع موضع ما يجب عليه من البذل، فحاق به

стр. 2451

وَإِذَا أُتبِعَ أَحَدُكُم عَلَى مَلِيءٍ فَليَتبَع. رواه البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤)، وأبو داود (٣٣٤٥)، والترمذي (١٣٠٨)، والنسائي (٧/ ٣١٧)، وابن ماجه (٢٤٠٤). * * * ــ الذم والعقاب. والغني الذي أضيف المطل إليه هو الذي عليه الحق؛ بدليل قوله: (لي الواجد) وهو الظاهر من الحديث والمراد منه، ولا يلتفت لقول من قال: إنه صاحب الحق، لبعد المعنى، وعدم ما يدل عليه. و(قوله: وإذا أُتبِعَ أحدكم على مليء فليتبع) أُتبع -بضم الهمزة، وتخفيف التاء، وكسر الباء - مبنيًّا لما لم يُسم فاعله عند الجميع. فأما: (فليتبع) فبعضهم قَيَّده بتشديد التاء، وكذلك قيَّدته على من يوثق به. وقد روي بتخفيفها. وهو الأجود؛ لأن العرب تقول: تبعت الرَّجل بحِّقي، أتبعه، تباعة: إذا طلبته به، فأنا له تبيع -كل ذلك بالتخفيف -، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُم عَلَينَا بِهِ تَبِيعًا﴾، ومعناه: إذا أحيل أحدكم فليحتل. وهذا الأمر عند الجمهور محمول على الندب؛ لأنه من باب المعروف والتيسير على المعسر. وقد حمله داود على الوجوب تمسَّكًا بظاهر الأمر. وهذا ليس بصحيح؛ لأن ملك الذمم كملك الأموال. وقد أجمعت الأمة على أن الإنسان لا يجبر على المعاوضة بشيء من ملكه بملك غيره، فكذلك الذمم. وأيضًا: فإن نقل الحق من ذمة إلى ذمة تيسير على المعسر، وتنفيسٌ عنه، فلا يجب، وإنما هو من باب المعروف بالاتفاق. وإذا تقرَّر ذلك فالحوالة معناها: تحويل الدَّين (١) من ذمَّة إلى ذمَّة. وهي مستثناة من بيع الدَّين بالدَّين لما فيها من الرِّفق، والمعروف. ولها شروط:

стр. 2452

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فمنها: أن تكون بدين، فإن لم تكن بدين لم تكن حوالة، لاستحالة حقيقتها إذ ذاك، وإنما تكون حمالة. ومنها: رضا المحيل والمحال دون المحال عليه. وهو قول الجمهور، خلافًا للإصطخري، فإنَّه اعتبره. وإطلاق الحديث حجة عليه. وقد اعتبره مالك إن قصد المحيل بذلك الإضرار بالمحال عليه. وهذا من باب دفع الضرر. ومنها: أن يكون الدين المحال به حالاًّ؛ لقوله ﷺ : (مطل الغني ظلم). ولا يصح المطل، ولا يصدق الظلم إلا في حق من وجب عليه الأداء، فيمطل. ثم قال بعده: (فإذا أتبع أحدكم فليتبع) فأفاد ذلك: أن الدَّين المحال به لا بُدَّ أن يكون حالاًّ؛ لأنه إن لم يكن حالاًّ كَثُرَ الغَرَرُ بتأجيل الدينين. ومنها: أن يكون الدين المحال عليه من جنس المحال به؛ لأنه إن خالفه في نوعه خرج من باب المعروف إلى باب المبايعة، والمكايسة، فيكون بيع الدَّين بالدَّين المنهي عنه. فإذا كملت شروطها برئت ذمة المحيل بانتقال الحق الذي كان عليه إلى ذمة المحال عليه. فلا يكون للمحال الرُّجوع على المحيل، وإن أفلس المحال عليه، أو مات. وهذا قول الجمهور. وقد ذهب أبو حنيفة إلى رجوعه عليه، إن تعذر أخذه الدين من المحال عليه. والأول الصحيح؛ لأن الحوالة عقد معاوضة، فلا يرجع بطلب أحد العوضين بعد التسليم، كسائر عقود المعاوضات؛ ولأن ذمة المحيل قد برئت من الحق المحال به بنفس الحوالة، فلا تعود مشتغلةً به إلا بعقد آخر، ولا عقد، فلا شغل. غير أن مالكا قال: إن غرَّ المحيل المحال بذمَّة المحال عليه كان له الرُّجوع على المحيل. وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه؛ لوضوحه. * * *

стр. 2453

(٢٠) باب النَّهي عن بيع فضل الماء، وإثم منعه [١٦٥٥] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن بَيعِ فَضلِ المَاءِ. رواه أحمد (٣/ ٣٥٦)، ومسلم (١٥٦٥) (٣٤)، والنسائي (٧/ ٣٠٦)، وابن ماجه (٢٤٧٧). ــ (٢٠) ومن باب: النَّهي عن بيع فضل الماء (قوله: نهى عن بيع فضل الماء) ظاهر هذا اللفظ النهي عن نفس بيع الماء الذي يشرب، فإنه السَّابق إلى الفهم، وقد حمله بعض العلماء على ماء الفحل. وفيه بُعدٌ، لا سيما وقد قرنه في الحديث الآخر بالنهي عن ضراب الجمل. فدل على أنه ليس هو، فإنَّه يكون تكرارًا بلا فائدة. وقد اختلف في المسألتين. فأما بيع الماء: فالمسلمون مُجمعون على أن الإنسان إذا أخذ الماء من النيل مثلًا، فقد ملكه، وأن له بيعه. قال بعض مشايخنا: فيه خلاف شاذٌّ، لا يلتفت إليه. وأما ماء الأنهار، والعيون، وآبار الفيافي، التي ليست بمملوكة: فالاتفاق حاصل على أن ذلك لا يجوز منعه، ولا بيعه، ولا يشك في تناول أحاديث النهي لذلك. وأما فضل ماء في ملك: فهذا هو محل الخلاف، هل يُجبر على بذل فضله لمن احتاجه، أو لا يُجبر؟ وإذا أجبر، فهل بالقيمة أو لا؟ قولان سببهما معارضة عموم النهي عن بيع فضل الماء لأصل الملكية، وقياس الماء على الطعام إذا احتاج إليه. والأرجح - إن شاء الله - حمل الخبر على عمومه، فيجب بذل الفضل بغير قيمة. ويفرّق بينه وبين الطعام بكثرة الماء غالبًا، وعدم المشاحة فيه، وقلة الطعام غالبًا، ووجود المشاحة فيه.

стр. 2454

[١٦٥٦] وعنه قال: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن بَيعِ ضِرَابِ الجَمَلِ، وَعَن بَيعِ المَاءِ، وَالأَرضِ لِتُحرَثَ، فَعَن ذَلِكَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . رواه مسلم (١٥٦٥) (٣٥)، والنسائي (٧/ ٣١٠). [١٦٥٧] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يُمنَعُ فَضلُ المَاءِ لِيُمنَعَ بِهِ الكَلَأُ. وفي رواية: لَا يُبَاعُ فَضلُ المَاءِ لِيُبَاعَ بِهِ الكَلَأُ. رواه أحمد (٢/ ٢٤٤)، والبخاري (٢٣٥٣)، ومسلم (١٥٦٦)، (٣٦ و ٣٨)، والترمذي (١٢٧٢)، وابن ماجه (٢٤٧٨). * * * ــ و(قوله: لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ) وفي اللفظ الآخر: (لا يبع) (١) فمعناه - والله أعلم -: أن الإنسان السَّابق للماء الذي في الفيافي إذا منعه من الماشية، فقد منع الكلأ، وهو العشب الذي حول ذلك الماء، من الرعي؛ لأن البهائم لا ترعى إلا بعد أن تشرب. وهذه اللام وإن سَمَّاها النحويون: لام كي، فهي لبيان العاقبة، والمآل، كما قال تعالى: ﴿فَالتَقَطَهُ آلُ فِرعَونَ لِيَكُونَ لَهُم عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ والكلام في حكم الكلأ وتفاصيله كالكلام في الماء، فتأمَّله. وهذا الحديث يفيد النهي عن بيع الكلأ، وهو حجة لمالك في القول بسدِّ الذرائع. وقال أهل اللغة: الكلأ - مهموزًا مقصورًا، مفتوح الكاف - هو: العشب والنبات. والأخضر منه يُسمَّى: الرُّطب - بضم الراء، وسكون الطاء -، واليابس منه يُسَمَّى: الحشيش. وأمَّا المسألة الثانية - وهي مسألة بيع ماء الفحل -: فلا يختلف في فساده إذا

стр. 2455

(٢١) باب النهي عن ثمن الكلب، والسنور، وحلوان الكاهن، وكسب الحجام [١٦٥٨] عَن أَبِي مَسعُودٍ الأَنصَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن ثَمَنِ الكَلبِ، وَمَهرِ البَغِيِّ، وَحُلوَانِ الكَاهِنِ. رواه البخاري (٥٣٤٦)، ومسلم (١٥٦٧)، وأبو داود (٣٤٨١)، والترمذي (١٢٧٦)، والنسائي (٧/ ٣٠٩). ــ وقع بلفظ البيع، وأريد تحصيل العوض؛ الذي هو حصول ماء الفحل في محل الرَّحم، وعقوق الأنثى (١). فإنه غرر، ومجهول. وأما على معنى إجارة الفحل للطَّرق أعوامًا معلومة، أو إلى مدَّة معلومة: فأجازه مالك؛ لكمال شروط الإجارة، مع أن أخذ الأجرة على ذلك ليس من مكارم الأخلاق، ولا يفعله غالبًا إلا أولو الدناءة. ويكون هذا كالحجامة على ما يأتي بيانه -إن شاء الله تعالى -. وقد ذهب أبو حنيفة، والشافعي، وأبو ثور: إلى منع ذلك جملة. والأرجح -إن شاء الله تعالى - ما صار إليه مالك، لما ذكرناه. وبأنه قول جماعة من الصحابة والتابعين على ما حكاه القاضي عياض. (٢١) ومن باب: النهي عن ثمن الكلب (قوله: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب) وفي الحديث الآخر: (وثمن الكلب خبيث) ظاهرٌ في تحريم بيع الكلاب كلها، ولا شك في تناول هذا العموم لغير المأذون فيه منها، لأنها إمَّا مضرّة؛ فيحرم اقتناؤها، فيحرم بيعها. وإما غير
следующие страницы →