← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

وَإِذَا أُتبِعَ أَحَدُكُم عَلَى مَلِيءٍ فَليَتبَع. رواه البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤)، وأبو داود (٣٣٤٥)، والترمذي (١٣٠٨)، والنسائي (٧/ ٣١٧)، وابن ماجه (٢٤٠٤). * * * ــ الذم والعقاب. والغني الذي أضيف المطل إليه هو الذي عليه الحق؛ بدليل قوله: (لي الواجد) وهو الظاهر من الحديث والمراد منه، ولا يلتفت لقول من قال: إنه صاحب الحق، لبعد المعنى، وعدم ما يدل عليه. و(قوله: وإذا أُتبِعَ أحدكم على مليء فليتبع) أُتبع -بضم الهمزة، وتخفيف التاء، وكسر الباء - مبنيًّا لما لم يُسم فاعله عند الجميع. فأما: (فليتبع) فبعضهم قَيَّده بتشديد التاء، وكذلك قيَّدته على من يوثق به. وقد روي بتخفيفها. وهو الأجود؛ لأن العرب تقول: تبعت الرَّجل بحِّقي، أتبعه، تباعة: إذا طلبته به، فأنا له تبيع -كل ذلك بالتخفيف -، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُم عَلَينَا بِهِ تَبِيعًا﴾، ومعناه: إذا أحيل أحدكم فليحتل. وهذا الأمر عند الجمهور محمول على الندب؛ لأنه من باب المعروف والتيسير على المعسر. وقد حمله داود على الوجوب تمسَّكًا بظاهر الأمر. وهذا ليس بصحيح؛ لأن ملك الذمم كملك الأموال. وقد أجمعت الأمة على أن الإنسان لا يجبر على المعاوضة بشيء من ملكه بملك غيره، فكذلك الذمم. وأيضًا: فإن نقل الحق من ذمة إلى ذمة تيسير على المعسر، وتنفيسٌ عنه، فلا يجب، وإنما هو من باب المعروف بالاتفاق. وإذا تقرَّر ذلك فالحوالة معناها: تحويل الدَّين (١) من ذمَّة إلى ذمَّة. وهي مستثناة من بيع الدَّين بالدَّين لما فيها من الرِّفق، والمعروف. ولها شروط:

стр. 2452

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فمنها: أن تكون بدين، فإن لم تكن بدين لم تكن حوالة، لاستحالة حقيقتها إذ ذاك، وإنما تكون حمالة. ومنها: رضا المحيل والمحال دون المحال عليه. وهو قول الجمهور، خلافًا للإصطخري، فإنَّه اعتبره. وإطلاق الحديث حجة عليه. وقد اعتبره مالك إن قصد المحيل بذلك الإضرار بالمحال عليه. وهذا من باب دفع الضرر. ومنها: أن يكون الدين المحال به حالاًّ؛ لقوله ﷺ : (مطل الغني ظلم). ولا يصح المطل، ولا يصدق الظلم إلا في حق من وجب عليه الأداء، فيمطل. ثم قال بعده: (فإذا أتبع أحدكم فليتبع) فأفاد ذلك: أن الدَّين المحال به لا بُدَّ أن يكون حالاًّ؛ لأنه إن لم يكن حالاًّ كَثُرَ الغَرَرُ بتأجيل الدينين. ومنها: أن يكون الدين المحال عليه من جنس المحال به؛ لأنه إن خالفه في نوعه خرج من باب المعروف إلى باب المبايعة، والمكايسة، فيكون بيع الدَّين بالدَّين المنهي عنه. فإذا كملت شروطها برئت ذمة المحيل بانتقال الحق الذي كان عليه إلى ذمة المحال عليه. فلا يكون للمحال الرُّجوع على المحيل، وإن أفلس المحال عليه، أو مات. وهذا قول الجمهور. وقد ذهب أبو حنيفة إلى رجوعه عليه، إن تعذر أخذه الدين من المحال عليه. والأول الصحيح؛ لأن الحوالة عقد معاوضة، فلا يرجع بطلب أحد العوضين بعد التسليم، كسائر عقود المعاوضات؛ ولأن ذمة المحيل قد برئت من الحق المحال به بنفس الحوالة، فلا تعود مشتغلةً به إلا بعقد آخر، ولا عقد، فلا شغل. غير أن مالكا قال: إن غرَّ المحيل المحال بذمَّة المحال عليه كان له الرُّجوع على المحيل. وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه؛ لوضوحه. * * *

стр. 2453

(٢٠) باب النَّهي عن بيع فضل الماء، وإثم منعه [١٦٥٥] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن بَيعِ فَضلِ المَاءِ. رواه أحمد (٣/ ٣٥٦)، ومسلم (١٥٦٥) (٣٤)، والنسائي (٧/ ٣٠٦)، وابن ماجه (٢٤٧٧). ــ (٢٠) ومن باب: النَّهي عن بيع فضل الماء (قوله: نهى عن بيع فضل الماء) ظاهر هذا اللفظ النهي عن نفس بيع الماء الذي يشرب، فإنه السَّابق إلى الفهم، وقد حمله بعض العلماء على ماء الفحل. وفيه بُعدٌ، لا سيما وقد قرنه في الحديث الآخر بالنهي عن ضراب الجمل. فدل على أنه ليس هو، فإنَّه يكون تكرارًا بلا فائدة. وقد اختلف في المسألتين. فأما بيع الماء: فالمسلمون مُجمعون على أن الإنسان إذا أخذ الماء من النيل مثلًا، فقد ملكه، وأن له بيعه. قال بعض مشايخنا: فيه خلاف شاذٌّ، لا يلتفت إليه. وأما ماء الأنهار، والعيون، وآبار الفيافي، التي ليست بمملوكة: فالاتفاق حاصل على أن ذلك لا يجوز منعه، ولا بيعه، ولا يشك في تناول أحاديث النهي لذلك. وأما فضل ماء في ملك: فهذا هو محل الخلاف، هل يُجبر على بذل فضله لمن احتاجه، أو لا يُجبر؟ وإذا أجبر، فهل بالقيمة أو لا؟ قولان سببهما معارضة عموم النهي عن بيع فضل الماء لأصل الملكية، وقياس الماء على الطعام إذا احتاج إليه. والأرجح - إن شاء الله - حمل الخبر على عمومه، فيجب بذل الفضل بغير قيمة. ويفرّق بينه وبين الطعام بكثرة الماء غالبًا، وعدم المشاحة فيه، وقلة الطعام غالبًا، ووجود المشاحة فيه.

стр. 2454

[١٦٥٦] وعنه قال: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن بَيعِ ضِرَابِ الجَمَلِ، وَعَن بَيعِ المَاءِ، وَالأَرضِ لِتُحرَثَ، فَعَن ذَلِكَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . رواه مسلم (١٥٦٥) (٣٥)، والنسائي (٧/ ٣١٠). [١٦٥٧] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يُمنَعُ فَضلُ المَاءِ لِيُمنَعَ بِهِ الكَلَأُ. وفي رواية: لَا يُبَاعُ فَضلُ المَاءِ لِيُبَاعَ بِهِ الكَلَأُ. رواه أحمد (٢/ ٢٤٤)، والبخاري (٢٣٥٣)، ومسلم (١٥٦٦)، (٣٦ و ٣٨)، والترمذي (١٢٧٢)، وابن ماجه (٢٤٧٨). * * * ــ و(قوله: لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ) وفي اللفظ الآخر: (لا يبع) (١) فمعناه - والله أعلم -: أن الإنسان السَّابق للماء الذي في الفيافي إذا منعه من الماشية، فقد منع الكلأ، وهو العشب الذي حول ذلك الماء، من الرعي؛ لأن البهائم لا ترعى إلا بعد أن تشرب. وهذه اللام وإن سَمَّاها النحويون: لام كي، فهي لبيان العاقبة، والمآل، كما قال تعالى: ﴿فَالتَقَطَهُ آلُ فِرعَونَ لِيَكُونَ لَهُم عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ والكلام في حكم الكلأ وتفاصيله كالكلام في الماء، فتأمَّله. وهذا الحديث يفيد النهي عن بيع الكلأ، وهو حجة لمالك في القول بسدِّ الذرائع. وقال أهل اللغة: الكلأ - مهموزًا مقصورًا، مفتوح الكاف - هو: العشب والنبات. والأخضر منه يُسمَّى: الرُّطب - بضم الراء، وسكون الطاء -، واليابس منه يُسَمَّى: الحشيش. وأمَّا المسألة الثانية - وهي مسألة بيع ماء الفحل -: فلا يختلف في فساده إذا

стр. 2455

(٢١) باب النهي عن ثمن الكلب، والسنور، وحلوان الكاهن، وكسب الحجام [١٦٥٨] عَن أَبِي مَسعُودٍ الأَنصَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن ثَمَنِ الكَلبِ، وَمَهرِ البَغِيِّ، وَحُلوَانِ الكَاهِنِ. رواه البخاري (٥٣٤٦)، ومسلم (١٥٦٧)، وأبو داود (٣٤٨١)، والترمذي (١٢٧٦)، والنسائي (٧/ ٣٠٩). ــ وقع بلفظ البيع، وأريد تحصيل العوض؛ الذي هو حصول ماء الفحل في محل الرَّحم، وعقوق الأنثى (١). فإنه غرر، ومجهول. وأما على معنى إجارة الفحل للطَّرق أعوامًا معلومة، أو إلى مدَّة معلومة: فأجازه مالك؛ لكمال شروط الإجارة، مع أن أخذ الأجرة على ذلك ليس من مكارم الأخلاق، ولا يفعله غالبًا إلا أولو الدناءة. ويكون هذا كالحجامة على ما يأتي بيانه -إن شاء الله تعالى -. وقد ذهب أبو حنيفة، والشافعي، وأبو ثور: إلى منع ذلك جملة. والأرجح -إن شاء الله تعالى - ما صار إليه مالك، لما ذكرناه. وبأنه قول جماعة من الصحابة والتابعين على ما حكاه القاضي عياض. (٢١) ومن باب: النهي عن ثمن الكلب (قوله: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب) وفي الحديث الآخر: (وثمن الكلب خبيث) ظاهرٌ في تحريم بيع الكلاب كلها، ولا شك في تناول هذا العموم لغير المأذون فيه منها، لأنها إمَّا مضرّة؛ فيحرم اقتناؤها، فيحرم بيعها. وإما غير

стр. 2456

[١٦٥٩] وعَن رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ــ مضرة، فلا منفعة فيها. وأما المأذون في اتخاذها: فهل تناولها عموم هذا النهي، أم لا؟ فذهب الشافعي، والأوزاعي، وأحمد: إلى تناوله لها. فقالوا: إن بيعها محرّم، ويفسخ إن وقع، ولا قيمة لما يقتل منها، واعتضد الشافعي لذلك: بأنها نجسة عنده. ورأى أبو حنيفة: أنه لا يتناولها؛ لأن فيها منافع مباحة يجوز اتخاذها لأجلها، فتجوز المعاوضة عليها، ويجوز بيعها. وجل مذهب مالك على جواز الاتخاذ، وكراهية البيع، ولا يفسخ إن وقع. وقد قيل عنه مثل قول الشافعي. وقال ابن القاسم: يكره للبائع، ويجوز للمشتري للضرورة. وكأن مالكا ﵀ في المشهور: لما لم يكن الكلب عنده نجسًا، وكان مأذونًا في اتخاذه لمنافعه الجائزة؛ كان حكمه حكم جميع المبيعات. لكن الشرع نهى عن بيعه تنزيها؛ لأنَّه ليس من مكارم الأخلاق. فإن قيل: فقد سوى النبي ﷺ بين ثمن الكلب، وبين مهر البغي، وحلوان الكاهن في النهي عنها. والمهر والحلوان محرمان بالإجماع، فليكن ثمن الكلب كذلك. فالجواب: إنَّا كذلك نقول. لكنه محمولٌ على الكلب الغير مأذون فيه. ولئن سلمنا: أنَّه متناول للكل، لكن هذا النهي ها هنا قصد به القدر المشترك الذي بين التحريم والكراهة؛ إذ كل واحد منهما منهي عنه. ثم تؤخذ خصوصية كل واحد منهما من دليل آخر، كما قد اتفق هنا فإنا إنما علمنا تحريم مهر البغي، وحلوان الكاهن بالإجماع، لا بمجرد النهي سلمنا ذلك، لكنا لا نسلم: أنه يلزم من الاشتراك في مجرد العطف الاشتراك في جميع الوجوه؛ إذ قد يعطف الأمر على النهي، والإيجاب على النفي. وإنما ذلك في محل (١) مخصوص، كما بيناه في أصول الفقه.

стр. 2457

شَرُّ الكَسبِ: مَهرُ البَغِيِّ، وَثَمَنُ الكَلبِ، وَكَسبُ الحَجَّامِ. رواه مسلم (١٥٦٨) (٤٠). ــ و(قوله: شرُّ الكسب مهر البغيّ، وثمن الكلب، وكسب الحجَّام). (الكسب) في الأصل هو: مصدر. تقول: كسبت المال، أكسبه، كسبًا. وقد وقع في هذا بعض الحديث موضع المكسوب، فإنه أخبر عنه بالثمن. وقد قدمنا القول في: (شر) و (خير) في كتاب الصلاة. ومساق هذا الحديث يدلُّ على صحة ما قلناه، من أنه لا تلزم المساواة في المعطوفات على ما ذكرناه في الأصول (١)، ألا ترى أنه شرَّك بين مهر البغي، وثمن الكلب، وكسب الحجام في (شر) ثم إن نسبة الشر لمهر البغي كنسبته إلى كسب الحجَّام، مع أن (٢) مهر البغي حرام بالاتفاق، وكسب الحجَّام مكروه. فقد صحَّ: أن النبي ﷺ احتجم وأعطى الحجَّام أجره (٣). قال ابن عبَّاس: ولو كان حرامًا لم يعطه. وقد سأل رجل النبي ﷺ عن كسب الحجَّام، فنهاه، ثم سأله، فنهاه، ثم سأله فقال في الثالثة: (اعلفه ناضحك، وأطعمه رقيقك) (٤) فلو كان حرامًا لما أجاز له تملكه، ولا أن يدفع به حقًّا واجبا عليه، وهو: نفقة الرقيق، فيكون (شرّ) في كسب الحجَّام بمعنى: ترك الأولى، والحضّ على الورع. وهذا مثل ما تقدَّم من قوله: (شر صفوف النساء أولها) (٥). ويكون (شرّ) في مهر البغي

стр. 2458

[١٦٦٠] وعنه عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ثَمَنُ الكَلبِ خَبِيثٌ، وَكَسبُ الحَجَّامِ خَبِيثٌ. رواه مسلم (١٥٦٨) (٤١)، وأبو داود (٣٤٢١)، والترمذي (١٢٧٥)، والنسائي (٧/ ١٩٠). ــ على التحريم. وعلى هذا: فإما أن يحمل لفظ: (شر) في صدر الحديث على قدر مشترك بين المحرَّم والمكروه، أو على أن اللفظ المشترك قد يراد به جميع متناولاته. وقد بيَّنَّا ذلك في أصول الفقه. وهذا كلُّه إذا تنزلنا على أن كسب الحجَّام هو ما يأخذه أجرة على نفس عمل الحجامة، فإن حملناه على ما يكتسبه من بيع الدَّم. فقد كانوا في الجاهلية يأكلونه، فلا يبعُد أن يكونوا يشترونه للأكل، فيكون ثمنه حرامًا. كما قد قال ﷺ : (إن الله إذا حرَّم على قوم شيئًا حرَّم عليهم ثمنه) (١). وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث: (ثمن الدَّم حرام). و(حلوان الكاهن) هو: ما يأخذه على تكهنه. يقال: حلوت الرجل، أحلوه: إذا أعطيته شيئًا يستحليه. كما يقال: عسلته، أعسله: إذا أطعمته عسلًا. ومنه: قيل للرِّشوة، ولما يأخذه الرَّجل من مهر ابنته حلوانًا؛ لأنها كلَّها عطايا حلوة مستعذبة. وفيه ما يدلُّ على تحريم ما يأخذه الحسَّاب، والمنجمون في الرمل، والخط، وغير ذلك؛ لأن ذلك كلُّه تعاطي علم الغيب، فهي في معنى الكهانة. وما يؤخذ على كل ذلك محرَّم بالإجماع على ما حكاه أبو عمر. و(قوله: ثمن الكلب خبيث، وكسب الحجَّام خبيث) إن حملنا الكلب ها هنا على العموم كان الخبيث بمعنى المكروه تسوية بينه وبين كسب الحجَّام. وقد تبيَّن أنه مكروه، وإن حملناه على غير المأذون في اتخاذه كان الخبيث بمعنى: الحرام. وحينئذ ينشأ البحث الذي قررناه آنفًا.

стр. 2459

[١٦٦١] وعَن أَبِي الزُّبَيرِ قَالَ: سَأَلتُ جَابِرًا عَن ثَمَنِ الكَلبِ، وَالسِّنَّورِ، فقَالَ: زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَن ذَلِكَ. رواه مسلم (١٥٦٩)، وأبو داود (٣٤٧٩)، والترمذي (١٢٧٩)، والنسائي (٧/ ٣٠٩). * * * ــ و(قوله: زجر رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب والسِّنَّور) لفظ: (زجر) يشعر بتخفيف النهي عنهما، وأنَّه ليس على التحريم كما قررناه بل على التنزه عن ثمنهما. وقد كره بيع السِّنور أبو هريرة، ومجاهد، وغيرهما أخذًا بظاهر هذا الحديث. واختلفوا في معنى ذلك؛ فمنهم من علَّله: بأنه لا يثبت، ولا يمكن انضباطه، وهذا ليس بشيء. وهذه مناكرة للحِسِّ، فإنها تنضبط في البيوت آمادًا طويلة، وتسلُّمه ممكن حالة البيع، فقد كملت شروط البيع. ثم إن شاء مشتريه ضبطه، وإن شاء سيَّبَه. وأحسن من هذا أن بيعه، وبيع الكلب ليس من مكارم الأخلاق، ولا من عادة أهل الفضل. والشرع ينهى عما يناقض ذلك، أو يباعده، كما قلنا في طرق الفحل، وكذلك نقول في كسب الحجَّام؛ لأنه عمل خسيس، لا يتعاطاه إلا أهل الخسَّة والدناءة كالعبيد، ومن جرى مجراهم. و(مهر البغي) هو: ما تأخذه الزانية على الزنى. والبغاء: الزنى. والبغيُّ: الزانية. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا تُكرِهُوا فَتَيَاتِكُم عَلَى البِغَاءِ﴾؛ أي: على الزنى. وأصل البغي: الطلب، غير أنه أكثر ما يُستعمل في طلب الفساد وفي الزنى. * * *

стр. 2460

(٢٢) باب ما جاء في قتل الكلاب واقتنائها [١٦٦٢] عَن عَبدِ اللَّهِ بن عمر قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأمُرُ بِقَتلِ الكِلَابِ، فَنَنبَعِثُ فِي المَدِينَةِ وَأَطرَافِهَا، فَلَا نَدَعُ كَلبًا إِلَّا قَتَلنَاهُ، حَتَّى إِنَّا لَنَقتُلُ كَلبَ المُرَيَّةِ مِن أَهلِ البَادِيَةِ يَتبَعُهَا. رواه أحمد (٢/ ١١٣)، والبخاري (٣٢٢٣)، ومسلم (١٥٧٠) (٤٥)، والترمذي (١٤٨٨)، والنسائي (٧/ ١٨٤ و ١٨٥)، وابن ماجه (٣٢٠٢). ــ (٢٢) ومن باب: ما جاء في قتل الكلاب حديث ابن عمر روي مطلقا من غير استثناء، كما قال في رواية مالك عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب. وروي مقيَّدًا بالاستثناء المتَّصل، كرواية عمرو بن دينار، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ أمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد، أو كلب غنم، أو ماشية. فيجب على هذا ردّ مطلق إحدى الروايتين على مقيَّدهما، فإن القضية واحدة، والرَّاوي لهما واحد. وما كان كذلك وجب فيه ذلك بالإجماع، كما بيَّنَّاه في أصول الفقه. وهذا واضح في حديث ابن عمر. وعليه: فكلب الصيد، والماشية، لم يتناولهما قط عموم الأمر بقتل الكلاب، لاقتران استثنائهما من ذلك العموم. وإلى الأخذ بهذا الحديث ذهب مالك، وأصحابه، وكثير من العلماء. فقالوا: بقتل الكلاب إلا ما استثني منها، ولم يروا الأمر بقتل ما عدا المستثنى منسوخًا، بل محكمًا. وأما حديث عبد الله بن مغفل: فمقتضاه غير هذا. وذلك: أنَّه قال فيه: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، ثم قال: (ما بالهم وبال الكلاب). ثم رخص في كلب الصيد، وكلب الغنم، والزرع. ومقتضى هذا: أنَّه أمرهم بقتل

стр. 2461

[١٦٦٣] وعنه قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتلِ الكِلَابِ، وَأَرسَلَ فِي أَقطَارِ المَدِينَةِ أَن تُقتَلَ. ــ جميع الكلاب من غير استثناء شيء منها، فبادروا، وقتلوا كل ما وجدوا منها، ثم بعد ذلك رخص فيما ذكر. فيكون هذا الترخيص من باب النسخ؛ لأن العموم قد استقرَّ، وبردَ، وعمل عليه، فرفع الحكم عن شيء مما تناوله نسخ لا تخصيص. وقد ذهب إلى هذا في هذا الحديث بعض العلماء. ونحو من حديث عبد الله بن المغفل حديث جابر بن عبد الله، قال: قد أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها، فنقتله، ثم نهى رسول الله ﷺ عن قتلها فقال: (عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين؛ فإنه شيطان). فمقتضاه: أن الأمر كان بقتل الكلاب عامًّا لجميعها، وأنه نسخ عن جميعها إلا الأسود. وقد ذهب إلى هذا بعض العلماء. ولَمَّا اضطربت هذه الأحاديث المروية وجب عرضها على القواعد الأصولية، فنقول: إن حديث ابن عمر ليس فيه أكثر من تخصيص عموم باستثناء مقترن به، وهو أكثر في تصرفات الشرع من نسخ العموم بكليته. وأيضًا: فإن هذه الكلاب المستثنيات الحاجة إليها شديدة، والمنفعة بها عامَّة وكيدة، فكيف يأمر بقتلها؛ هذا بعيد من مقاصد الشرع، فحديث ابن عمر أولى، والله تعالى أعلم. قلت: والحاصل من هذه الأحاديث: أن قتل الكلاب غير المستثنيات مأمور به إذا أضرَّت بالمسلمين، فإن كثر ضررها وغلب، كان ذلك الأمر على الوجوب، وإن قل وندر، فأي كلب أضرَّ وجب قتله، وما عداه جائز قتله؛ لأنه سبع لا منفعة فيه، وأقل درجاته توقع الترويع، وأنه يُنقص من أجر مقتنيه كل يوم قيراطين (١). فأمَّا المرَوِّع منهن غير المؤذي: فقتله مندوب إليه. وأما الكلب

стр. 2462

وفي رواية: إِلَّا كَلبَ صَيدٍ، أَو كَلبَ غَنَمٍ، أَو مَاشِيَةٍ. فَقِيلَ لِابنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: أَو كَلبَ زَرعٍ؟ فَقَالَ ابنُ عُمَرَ: إِنَّ لِأَبِي هُرَيرَةَ زَرعًا. رواه مسلم (١٥٧٠) (٤٤) و (١٥٧١). [١٦٦٤] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتلِ الكِلَابِ، حَتَّى إِنَّ المَرأَةَ تَقدَمُ مِن البَادِيَةِ بِكَلبِهَا فَنَقتُلُهُ، ثُمَّ نَهَى رسول الله ﷺ عَن قَتلِهَا فَقَالَ: عَلَيكُم بِالأَسوَدِ البَهِيمِ ذِي النُّقطَتَينِ، فَإِنَّهُ شَيطَانٌ. رواه أحمد (٣/ ٣٣٣)، ومسلم (١٥٧٢)، وأبو داود (٢٨٤٦). ــ الأسود ذو النقطتين: فلا بُدَّ من قتله للحديث المتقدِّم، وقل ما ينتفع بمثل تلك الصفة؛ لأنه إن كان شيطانًا على الحقيقة فهو ضرر محض، لا نفع فيه، وإن كان على التشبيه به، فإنما شبه به للمفسدة الحاصلة منه. فكيف يكون فيه منفعة؟ ! ولو قدرنا فيه: أنه ضار، أو للماشية، لقتل؛ لنصّ النبي ﷺ على قتله. و(قول ابن عمر: كان لأبي هريرة زرع) لا يفهم منه أحد من العقلاء تهمة في حق أبي هريرة. وإنما أراد ابن عمر: أن أبا هريرة لما كان صاحب زرع وكان محتاجًا لما يحفظ به زرعه سأل النبي ﷺ عن ذلك، فأجابه بالاستثناء، فحصل له علم لم يكن عند ابن عمر، ولا عند غيره ممن لم يكن له اعتناء بذلك ولا هم (١). وكلب الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو: الذي يسرحُ معها، لا الذي يحفظها في الدَّار من السُّرَّاق.

стр. 2463

[١٦٦٥] وعَن ابنِ المُغَفَّلِ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتلِ الكِلَابِ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُهُم وَبَالُ الكِلَابِ. ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلبِ الصَّيدِ، وَكَلبِ الغَنَمِ. وفي رواية: وَأرَخَّصَ فِي كَلبِ الغَنَمِ وَالصَّيدِ وَالزَّرعِ. رواه أحمد (٤/ ٨٥) و (٥/ ٥٦)، ومسلم (١٥٧٣) (٤٨ و ٤٩)، وأبو داود (٢٨٤٥)، والترمذي (١٤٨٦)، والنسائي (٧/ ١٨٥)، وابن ماجه (٣٢٠٥). [١٦٦٦] وعَن ابنِ عُمَرَ، عن النبي ﷺ قَالَ: مَن اقتَنَى كَلبًا إِلَّا كَلبَ صيد أَو مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِن أجرهِ كُلَّ يَومٍ قِيرَاطَانِ. رواه أحمد (٢/ ٤)، والبخاري (٥٤٨٢)، ومسلم (١٥٧٤)، (٥١)، والترمذي (١٤٨٧)، والنسائي (٧/ ١٨٨). ــ وكلب الزرع هو: الذي يحفظه من الوحوش بالليل والنهار، لا من السُّراق. وقد أجاز غير مالك اتخاذها لسُّرَّاق الماشية والزرع. والكلب الضاري هو: المعلَّم للصيد؛ الذي قد ضري به. و(قوله: من اقتنى كلبًا ليس كلب صيد ولا ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان) وفي أخرى: (من عمله كل يوم قيراط). اقتنى، واتَّخذ، واكتسب: كلها بمعنى واحد. واختلف في معنى قوله: (نقص من عمله كل يوم قيراطان) وأقرب ما قيل في ذلك قولان: أحدهما: أن جميع ما عمله من عمل ينقص؛ لمن اتخذ ما نُهي عنه من الكلاب بإزاء كل يوم يُمسكه فيه جزآن من أجزاء ذلك العمل. وقيل: من عمل

стр. 2464

[١٦٦٧] وعن أبي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن اتَّخَذَ كَلبًا لَيسَ بِكَلبِ صَيدٍ وَلَا غَنَمٍ، نَقَصَ مِن عَمَلِهِ كُلَّ يَومٍ قِيرَاطٌ. رواه أحمد (٢/ ٤٢٥)، والبخاري (٢٣٢١)، ومسلم (١٥٧٥) (٦٠)، وأبو داود (٢٨٤٤)، والترمذيُّ (١٤٩٠)، والنسائي (٧/ ١٨٩). * * * ــ ذلك اليوم الذي يمسكه فيه، وذلك لترويع الكلب للمسلمين، وتشويشه عليهم بنباحه، ومنع الملائكة من دخول البيت. ولنجاسته على ما يراه الشافعي. الثاني: أن يَحبِط من عمله كله عملان، أو من عمل يوم إمساكه -على ما تقدم - عقوبة له على ما اقتحم من النهي، والله تعالى أعلم. والقيراط: مثل لمقدار الله أعلم به، وإن كان قد جرى العرف في بلاد يعرف فيها القيراط، فإنه جزء من أربعة وعشرين جزءًا. ولم يكن هذا اللفظ غالبًا عند العرب، ولذلك قال ﷺ : (تفتح عليكم أرض يذكر فيها القيراط، فإذا فتحتموها فاستوصوا بأهلها خيرًا) (١) يعني بذلك مصر، والله أعلم. وجاء في إحدى الروايتين: (قيراطان). وفي أخرى: (قيراط). وذلك يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب. أحدهما أشدُّ أذى من الآخر، كالأسود المتقدم الذكر. ويحتمل أن يكون ذلك باختلاف المواضع، فيكون ممسكه بالمدينة مثلًا، أو بمكة ينقصه قيراطان، وبغيرهما قيراط، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 2465

(٢٣) باب في إباحة أجرة الحجَّام [١٦٦٨] عَن حُمَيدٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ عَن كَسبِ الحَجَّامِ فَقَالَ: احتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حَجَمَهُ أَبُو طَيبَةَ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَينِ مِن طَعَامٍ، وَكَلَّمَ أَهلَهُ فَوَضَعُوا عَنهُ مِن خَرَاجِهِ، وَقَالَ: إِنَّ أَفضَلَ مَا تَدَاوَيتُم بِهِ الحِجَامَةُ، أَو هُوَ مِن أَمثَلِ دَوَائِكُم. وفي رواية: إِنَّ أَفضَلَ مَا تَدَاوَيتُم بِهِ الحِجَامَةُ، وَالقُسطُ البَحرِيُّ، ــ (٢٣) ومن باب: إباحة أجرة الحجَّام حديث أنس؛ وحديث ابن عبَّاس يدلَاّن: على الاحتجام: الحاجم والمحجوم. وجواز أخذ الأجرة على ذلك. وقد بيَّنا وَجه كراهيتها. وفيه ما يدل: على توظيف الخراج على العبيد إذا كانت لهم صنائع، لكن على جهة الرِّفق، لا العنف. ويكلَّف من ذلك ما يقدر عليه، ويُستحب التخفيف عنهم، كما قد كلَّم النبي ﷺ سادات أبي طيبة في التخفيف. و(قوله: إن أفضل ما تداويتم به الحجامة) هذا الخطاب متوجهٌ لمن غلب عليه الدَّم، فإخراجه بالحجامة أولى وأسلم من إخراجه بقطع العروق والفصاد. ويحتمل أن يكون الذين قال لهم هذا كان الغالب عليهم هيجان الدَّم، فأرشدهم إلى إخراجه على الجملة بالحجامة لما ذكرناه من السَّلامة. و(القسط البحري) يتداوى به تبخرًا واستعاطًا. وفي بعض الحديث: (يستعط به من العذرة) وهي: وجع الحلق.

стр. 2466

فَلَا تُعَذِّبُوا صِبيَانَكُم بِالغَمزِ. رواه مسلم (١٥٧٧) (٦٢ و ٦٣)، والترمذي (١٢٧٨)، وأبو داود (٣٢٢٤). [١٦٦٩] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احتَجَمَ وَأَعطَى الحَجَّامَ أَجرَهُ وَاستَعَطَ. رواه البخاري (٥٦٩١)، ومسلم (١٢٠٢) (٦٥)، وأبو داود (٣٤٢٣). [١٦٧٠] وعنه قَالَ: حَجَمَ النَّبِيَّ ﷺ عَبد بَنِي بَيَاضَةَ، فَأَعطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ أَجرَهُ، وَكَلَّمَ سَيِّدَهُ فَخَفَّفَ عَنهُ مِن ضَرِيبَتِهِ، وَلَو كَانَ سُحتًا لَم يُعطِهِ النَّبِيُّ ﷺ . رواه مسلم (١٢٠٢) (٦٦). * * * ــ و(قوله: لا تعذِّبوا أولادكم بالغمز)، يعني بذلك: من إصابة وجع الحلق؛ وهو: سقوط اللهاة من الصبيان، فلا تعذبوه برفعها بالأصابع. وأحال على السعوط بالقسط البحري، فإنه ينفع من ذلك إن شاء الله، وسيأتي تكميل ذلك في الطب إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 2467

(٢٤) باب تحريم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام [١٦٧١] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخطُبُ بِالمَدِينَةِ فقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ يُعَرِّضُ بِالخَمرِ، وَلَعَلَّ اللَّهَ سَيُنزِلُ فِيهَا أَمرًا، فَمَن كَانَ عِندَهُ مِنهَا شَيءٌ فَليَبِعهُ وَليَنتَفِع بِهِ. قَالَ: فَمَا لَبِثنَا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الخَمرَ، فَمَن أَدرَكَتهُ هَذِهِ ــ (٢٤) ومن باب: تحريم بيع الخمر (قوله ﷺ : (إن الله يعرِّض بالخمر، ولعل الله سينزل فيها أمرًا، هذا التعريض، وهذا التوقع إنما فهمه النبي ﷺ من قوله تعالى: ﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ الخَمرِ وَالمَيسِرِ قُل فِيهِمَا إِثمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثمُهُمَا أَكبَرُ مِن نَفعِهِمَا﴾ ومن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُم سُكَارَى حَتَّى تَعلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ وذلك: أنه لما سمع أن فيهما إِثمًا كبيرًا، وأن إثمهما أكبر من نفعهما، وأنه قد منع من الصلاة في حال السُّكر؛ ظهر له: أن هذا مناسب للمنع منها، فتوقع ذلك. و(قوله: فمن كان عنده منها شيء فليبعه، ولينتفع به) فيه دليل على أن الخمر وبيعها كانا مباحين إباحة متلقاة من الشرع؛ لأن النبي ﷺ قرر أصحابه عليها، وليس ذلك من باب البقاء على البراءة الأصلية؛ لأن إقراره دليلُ الجواز والإباحة، كما قررناه في الأصول. وفيه دليل على اغتنام فرصة المصالح المالية إذا عرضت، وعلى صيانة المال، وعلى بذل النصيحة والإشارة بأرجح ما يعلمه من الوجوه المصلحية. و(قوله: فما لبثنا إلا يسيرًا حتى قال النبي ﷺ : (إن الله حرَّم الخمر، فمن

стр. 2468

الآيَةُ وَعِندَهُ مِنهَا شَيءٌ فَلَا يَشرَب وَلَا يَبِع. فَاستَقبَلَ النَّاسُ مَا كَانَ عِندَهُم مِنهَا فِي طَرِيقِ المَدِينَةِ فَسَفَكُوهَا. رواه مسلم (١٥٧٨). ــ أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب، ولا يبع) يعني بالآية: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمرُ وَالمَيسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزلامُ رِجسٌ مِن عَمَلِ الشَّيطَانِ﴾ الآية، وسيأتي الحديث عليها. ويعني بقوله: (من أدركته) أي: من بلغته وهو بصفات المكلفين من العقل والبلوغ. وقد فهمت الصحابة ﵃ من نهيه عن الشرب والبيع: أنها لا ينتفع بها بوجه من الوجوه، ولذلك بادروا إلى إراقتها، وإتلافها. ولو كان فيها منفعة من المنافع الجائزة لنبَّه النبي ﷺ عليها، كما نبَّه على ما في جلد الميتة من المنفعة؛ لما قال: (هلَاّ أخذتم إهابها فدبغتموه، فانتفعتم به) (١) وعلى هذا: فلا يجوز تخليلها، ولا أن تعالج بالملح والسَّمك فيصنع منها المُري. وإلى مَنع ذلك ذهب الجمهور: مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم. وحكي جواز تخليلها عن أبي حنيفة، والأوزاعي، والليث. وقد دلَّ على فساد هذا ما ذكرناه آنفًا، وما يأتي من نهيه عن اتخاذ الخمر خلاًّ. وسيأتي مزيد بيان على هذا. قال القاضي عياض: وفي هذا أيضًا: منع الانتفاع بها للتداوي، وغير ذلك من العطش عند عدم الماء، ولتجويز لقمة غص بها. وهو قول مالك، والشافعي، وغيرهم. وأجاز ذلك أبو حنيفة، وأحمد. وقاله بعض أصحابنا. وروي عن الشافعي: جوازه أيضًا إذا خاف التلف، وقاله أبو ثور. قلت: وإذا امتنع الانتفاع بها مطلقا فلا يصح تملكها لمسلم، ولا تقر في يديه، بل تتلف عليه. ويجب ذلك عليه. ويتلفها الوصي على اليتيم. وقد ذكر ابن

стр. 2469

[١٦٧٢] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ أنَّ رَجُلًا أَهدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاوِيَةَ خَمرٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَل عَلِمتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا؟ قَالَ: لَا. فَسَارَّ إِنسَانًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بِمَ سَارَرتَهُ؟ قَالَ: أَمَرتُهُ بِبَيعِهَا، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُربَهَا حَرَّمَ بَيعَهَا. ــ خواز منداذ من قدماء أصحابنا العراقيين: أنها تملك، ونزع إلى ذلك: بأنها يمكن أن يزال بها الغُصص، ويُطفأ بها الحريق، فتملك لذلك. وهذا نقل لا يعرف لمالك، ولا يلتفت لشيء مما قيل هنالك؛ لأنا لا نسلم جواز ذلك، على ما ذكرناه آنفًا فيمن غص بلقمة. ولو سلمنا ذلك فلا يلتفت إليه لندوره، وعدم وقوعه. وإنما ذلك تجويز وهمي، وتقدير، فاعتباره وسواسٌ أعرض النبي ﷺ وأصحابه عنه، ولم يلتفتوا إلى شيء منه. و(قوله ﷺ للمُهدِي راوية الخمر: (هل علمت أن الله حرَّمها) وقول المُهدِي: لا؛ يدلُّ على قرب عهد التحريم بزمن الإهداء. ثم إن النبي ﷺ بيَّن له الحكم، ولم يوبخه، ولم يذمَّه؛ لأن الرَّجل كان متمسِّكًا بالإباحة المتقدِّمة، ولم يبلغه الناسخ، فكان ذلك دليلًا: على أن الحكم لا يرتفع بوجود الناسخ، بل ببلوغه، كما قرَّرناه في الأصول. و(قوله ﷺ : (بم ساررته؟ ) دليل: على أن العالم إذا خاف على أحد الوقوع فيما لا يجوز وجب عليه أن يستكشف عن ذلك الشيء حتى يتبين وجهه له، ولا يكون هذا من باب التجسس، بل من باب النصيحة والإرشاد. و(قوله: إن الذي حرَّم شربها حرَّم بيعها) الذي هنا: كناية عن اسم الله تعالى، فكأنه قال: إن الله حرَّم شربها وحرَّم بيعها. ويحتمل أن يكون معناه:

стр. 2470

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إن الذي اقتضى تحريم شربها اقتضى تحريم بيعها؛ إذ لا تراد إلا للشرب، فإذا حرم الشرب لم يجز البيع؛ لأنه يكون من أكل المال بالباطل. وقد دلَّ على صحة هذا قوله ﷺ : (إن الله إذا حرَّم على قوم شيئًا حرَّم عليهم ثمنه) يعني: شيئًا يؤكل، أو يشرب؛ لأن ذلك هو السبب الذي خرج عليه الحديث، ويلحق به كل محرَّم نجس لا منفعة فيه. واختلف في جواز بيع ما فيه منفعة منها، كالأزبال، والعذرة. فحرم ذلك الشافعي، ومالك، وجُلّ أصحابنا. وأجاز ذلك الكوفيون، والطبري. وذهب آخرون: إلى إجازة ذلك للمشتري دون البائع. ورأوا: أن المشتري أعذر من البائع؛ لأنه مضطر إلى ذلك. روي ذلك عن بعض أصحابنا. وهي قولة عن الشافعي. وقد فهم الجمهور من تحريم الخمر وبيعها، والمنع من الانتفاع بها، واستخباث الشرع لها، وإطلاق الرِّجس عليها، والأمر باجتنابها، الحكمَ بنجاستها. وخالفهم في ذلك ربيعة وحده من السلف فرأى (١): أنها طاهرة، وأن المحرَّم إنما هو شربها. وهو قول شاذ يردُّه ما تقدَّم. وما كان يليق بأصول ربيعة، فإنه قد علم: أن الشرع قد بالغ في ذم الخمر حتى لعنها وعشرة بسببها (٢)، وأمر باجتنابها، وبالغ في الوعيد عليها. فمن المناسب بتصرفات الشرع الحكم بتنجيسها مبالغة في المباعدة عنها، وحماية لقربانها. فإن قيل: التنجيس حكم شرعي، ولا نصّ فيه، فلا يلزم من كون الشيء محرَّمًا أن يكون نجسًا؛ فكم من محرّم في الشرع ليس بنجس.

стр. 2471

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فالجواب: أنها وإن لم يكن فيها نصٌّ بالوضع المُتَّحِد، لكن فيها ما يدلُّ دلالة النصوصية بمجموع قرائن الآية ومساقها. ويَعرفُ ذلك من تصفَّح الآية وتفهَّمها. ثم ينضاف إلى الآية جملة ما ذكرناه، فيحصل اليقين بالحكم بتنجيسها. ثم لو التزمنا ألا نحكم بحكم إلا حتى نجد فيه نصًّا لتعطلت الشريعة، فإن النصوص فيها قليل. وأيُّ نص يوجد على تنجيس البول، والعذرة، والدَّم، والميتة، وغير ذلك، ولا يوجد نصٌّ على تنجيس شيء مما هنالك. وإنما هي الظواهر، والعمومات، والأقيسة. وقوله: لا يلزم من الحكم بالتحريم الحكم بالتنجيس. قلنا: لم نستدل بمجرد التحريم، بل بتحريم مستخبث شرعي يحرم شربه، وإن شئت أن تحرر قياسًا؛ قلت: مستخبث شرعا (١)، يحرم شربه، فيكون نجسًا كالبول، والدَّم. وهذا هو الأولى بربيعة، فإنه الملقَّب بـ (ربيعة الرأي). والله تعالى أعلم. وقد استدل بعض من تابع ربيعة على عدم تنجيس الخمر، وهو سعيد بن الحداد القروي بسفك الخمر على طرق المدينة. قال: ولو كانت نجسة لما فعلوا ذلك، ولنهى رسول الله ﷺ عنه، كما نهى عن التخلِّي في الطرق. والجواب: أن الصحابة ﵃ فعلت ذلك لضرورة الحال، لأنهم لم تكن لهم سُروبٌ (٢)، ولا آبارٌ يريقونها فيها؛ إذ الغالب من حالهم: أنهم لم تكن لهم كُنُف (٣) في بيوتهم. وقالت عائشة ﵂: إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في البيوت. ونَقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة، ومشقة، ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور، فالتحق صبها في الطرق بالنجاسات التي لا تنفكُّ الطرق عنها، كأرواث الدواب، وأبوالها. وأيضًا: فإنها يمكن التحرُّز منها،

стр. 2472

قَالَ: فَفَتَحَ المَزَادَةَ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهَا. رواه أحمد (١/ ٣٢٣)، ومسلم (١٥٧٩)، والنسائي (٧/ ٣٠٧). [١٦٧٣] وعَن عَائِشَةَ قالت: لَمَّا أنَزَلَت الآيَاتُ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ -وفي رواية: في الربا- خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاقتَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ نَهَى عَن التِّجَارَةِ فِي الخَمرِ. رواه مسلم (١٥٨٠) (٦٩ و ٧٠). ــ فإن طرق المدينة كانت واسعة، ولم تكن الخمر من الكثرة، بحيث تصير نهرًا يعم الطريق كلّها، بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرُّز عنها. هذا مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها، وأنه لا ينتفع بها. ويتتابع (١) الناس، ويتوافقوا على ذلك، والله أعلم. و(قوله: ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها) دليل: على أن أواني الخمر إذا لم تكن مضرّاة (٢) بالخمر؛ أنه يجوز استعمالها في غير الخمر إذا غسلت، ألا ترى: أن النبي ﷺ لم ينكر عليه إبقاءها عنده، ولا أمره بشقها، ولو كانت نجسة لا يطهرها الغسل لأمره بشقِّها، وتقطيعها، كما فعل أبو طلحة لَمَّا قال لأنس: قم إلى هذه الجرار فكسرها. قال أنس: فقمت إلى مهراس لنا، فضربتها بأسفله حتى تكسرت. و(الراوية): القربة الكبيرة التي يُحمَل فيها الماء. وقد سُمِّي البعير الذي يحملها: راوية؛ لأنه يحملها. وسُميت بذلك: لأنها تَروِي من كانت عنده، وتُسمَّى أيضًا: مزادة؛ لأنها زيد فيها جلد آخر، ويحتمل أن تُسمَّى بذلك؛ لأنها من كانت عنده في سفره كان عنده معظم الزَّاد.

стр. 2473

[١٦٧٤] وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الفَتحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيعَ الخَمرِ، وَالمَيتَةِ، وَالخِنزِيرِ، وَالأَصنَامِ. ــ و(قول جابر ﵁: إنه سمع رسول الله ﷺ عام الفتح يقول: (إن الله ورسوله حرَّم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام) كذا صحَّت الرواية: (حرَّم) مُسندًا إلى ضمير الواحد. وكان أصله: حَرَّما؛ لأنه تقدَّم اثنان، لكن تأدَّب النبي ﷺ فلم يجمع بينه وبين اسم الله تعالى في ضمير الاثنين؛ لأن هذا من نوع ما ردَّه على الخطيب الذي قال: ومن يعصهما فقد غوى. فقال له: (بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله) (١) وقد قدَّمنا الكلام عليه في كتاب الصلاة. وصار هذا مثل قوله تعالى: الله بريء من المشركين ورسوله (٢)، فيمن قرأ بنصب (رسولَه) غير أن الحديث فيه تقديم، وتأخير؛ لأنه كان حقه أن يقدم: (حرَّم) على (رسوله) كما جاء في الآية، والله تعالى أعلم (٣). وهذا الحديث يدلُّ: على أن تحريم الخمر كان متقدِّما على فتح مكة، وقد سوَّى في هذا الحديث بين الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام، فلا يجوز بيع شيء مِمَّا يقال عليه خمرٌ. وقد قدمنا، ويأتي: أن الخمر: كل شراب يُسكر من أي شيء كان، من عنب أو غيره. فيحرم بيع قليله وكثيره. وقد قلنا: إن تحريم نفعه (٤) مُعَلَّل بنجاسته، وأنه ليس فيه منفعة مسوِّغة شرعا. وأما الميتة: فيحرم بيع

стр. 2474

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جميع أجزائها، حتى عظمها، وقرنها، ولا يستثنى عندنا منها شيء إلا ما لا تحله الحياة كالشعر، والصوف، والوبر، فإنه طاهر من الميتة، وينتزع من الحيوان في حال حياته وهو قول مالك، وأبي حنيفة. وزاد أبو حنيفة، وابن وهب من أصحابنا إلى ذلك: أن العظم من الفيل وغيره، والسن، والقرن، والظلف، كلها لا تَحُلُّها الحياة، فلا تنجس بالموت. والجمهور على خلافهما في العظم، وما ذكر معه، فإنها تحله الحياة. وهو الصحيح. فإن العظم والسن يألم، وتُحَسُّ به الحرارة والبرودة، بخلاف الشعر، وهذا معلوم بالضرورة. فأمَّا أطراف القرون، والأظلاف، وأنياب الفيل: فاختلف فيها. هل حكمها حكم أصولها فتنجس؟ أو حكمها حكم الشعر؟ على قولين. وأمَّا الريش: فالشعري منه شعرٌ، وأسفله عظم. ومتوسطه؛ هل يلحق بأطرافه أو بأصله؟ فيه قولان لأصحابنا. وقد قال بنجاسة الشعر الحسن البصري، والليث بن سعد، والأوزاعي، لكنها تطهر بالغسل عندهم، فكأنها عندهم نجسة بما يتعلق بها من رطوبات الميتة. وإلى نحو من هذا ذهب ابن القاسم في أنياب الفيل فقال: تطهر إن سُلِقَت بالماء. وعن الشافعي في الشعور ثلاث روايات: إحداها: أن الشعر ينجس بالموت. والثانية: أنها طاهرة كقولنا. والثالثة: أن شعر ابن آدم وحده طاهر، وأن ما عداه نجس. وأمَّا الميتة: فلا تباع قبل الدباغ، ولا ينتفع بها؛ لأنها كلحم الميتة، ولقوله ﷺ : (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب، ولا عصب) (١) وأما بعد الدِّباغ؛ فمشهور مذهب مالك: أنها لا تطهر بالدِّباغ، وإنما ينتفع بها. وهو مذهب جماعة

стр. 2475

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من أهل العلم. وعلى هذا فلا يجوز بيعها، ولا الصلاة عليها، ولا بها، ولا ينتفع بها إلا في اليابسات دون المائعات، إلا في الماء وحده. وذهب الجمهور من السَّلف، والخلف: إلى أنها تطهر طهارة مطلقة، وأنها يجوز بيعها، والصلاة عليها، وبها. وإليه ذهب الشافعي، ومالك في رواية ابن وهب. وهو الصحيح لقوله ﷺ : (أيُّما إهاب دبغ فقد طهر) (١) ولقوله ﷺ : (دباغ الإهاب طهوره) (٢) وغير ذلك. وكلها صحيح. ومما لا يجوز بيعه لأنه ميتة جسد الكافر. وقد أُعطي النبي ﷺ يوم الخندق في جسد نوفل بن عبد الله المخزومي عشرة آلاف درهم. فلم يأخذها، ودفعه إليهم، وقال: (لا حاجة لنا بجسده، ولا بثمنه) (٣). وأمَّا الخنزير، وهو الحيوان المعروف البريُّ، ولا تعرف العرب في البحر خنزيرًا. وقد سُئل مالك عن خنزير الماء؟ فقال: أنتم تسمونه خنزيرًا؛ أي: لا تسمِّيه العرب بذلك. وقد اتَّقاه مرة أخرى على جهة الورع، والله تعالى أعلم. فأمَّا البري: فلا خلاف في تحريمه، وتحريم بيعه، وأنه لا تعمل الذكاة فيه. ومن هنا قال كافة العلماء: إن جلده لا يُطَهِّرهُ الدِّباغ، وإنما يُطَهِّرُ الدباغ جلد ما تعمل الذكاة في حيه. وألحق الشافعي بالخنزير الكلب، فلا يطهر جلده عنده. وقال الأوزاعي، وأبو ثور: إنما الدِّباغ جلد ما يؤكل لحمه. وقد أجاز مالك تذكية السِّباع والفيل لأخذ جلودها، وهذا إنما يتمشى على قوله بكراهة لحومها. وأما

стр. 2476

فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيتَ شُحُومَ المَيتَةِ، فَإِنَّهُ يُطلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدهَنُ بِهَا الجُلُودُ، وَيَستَصبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: لَا، هُوَ حَرَامٌ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ ــ على ما قاله في الموطأ من أن السِّباع حرام: فلا تعمل الذكاة فيها، فلا تطهر جلودها بالدباغ، كالخنزير. وقد شذَّ داود، وأبو يوسف فقالا: إنه يطهر بالدِّباغ جلدُ كل حيوان، حتى الخنزير. ومتمسكهما: قوله ﷺ : (أيما إهاب دبغ فقد طهر) (١). ويعتضد أبو يوسف بقياس جلد الخنزير على جلد الميتة. وينفصل الجمهور عنهما: بأن هذا العموم محمولٌ على نوع السبب الذي أخرجه. وهو ميتة ما تعمل الذكاة فيه، وبأن جلد الخنزير نادرٌ لا يخطر بالبال حالة الإطلاق، فلا يقصد بالعموم، كما قررناه في أصول الفقه، وبأنه: لا يقال: إهاب إلا على جلد ما يؤكل لحمه، كما قاله النَّضر بن شُمَيل. وأمَّا القياس: فليس بصحيح؛ لوجود الفرق. وذلك: أن الأصل: ميتة ما تعمل الذَّكاة فيه. والفرع: ميتة ما لا تعمل الذكاة فيه. فكانت أغلظ، وأفحش. والله تعالى أعلم. وأمَّا الأصنام: فهي الصور المُتَخِذَةُ للعبادة، ولا خلاف في تحريم اتخاذها، وبيعها، وأنها يجب كسرها، وتغييرها. وكذلك كل صورة مجسدة، كانت صورة ما يعقل، أو ما لا يعقل. وأما ما كان رقما في ثوب أو بناء في حائط (٢)، ففيه تفصيل سيأتي إن شاء الله تعالى. و(قوله - وقد سُئل عن بيع شحوم الميتة -: لا، هو حرام) نصٌّ في أنه يحرم بيعها؛ وإن كانت فيها منافع، وذلك: لأنها جزء من الميتة كاللحم، أو هي كالشحم مع اللحم، فإنه عنه يكون. ولا يلزم من تحريم بيعها، والحكم بنجاستها، ألا يجوز الانتفاع بها، على ما قدمناه. وهذا هو الذي يتمشى على مذهب مالك،

стр. 2477

اللَّهِ ﷺ عِندَ ذَلِكَ: قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيهِم شُحُومَهَا ــ فإنه قد أجاز الانتفاع بما ماتت فيه ميتة من المائعات؛ كالزيت، والسمن، والعسل، وغير ذلك، مع الحكم بنجاسته. فقال: يعمل من الزيت النجس الصابون، ويستصبح به في غير المساجد. ويعلف العسلُ النحلَ. ويطعم النجس الماشية. وإلى نحو ذلك ذهب الشافعي، والثوري، وأبو حنيفة. وروي عن علي وابن عمر. وقد فَرَّق بعض أهل العلم بين شحوم الميتة، وبين ما ينجس بما وقعت فيه نجاسة. فقال: لا ينتفع بالشحوم؛ لأنها نجسة لعينها، بخلاف ما ينجس بما وقع فيه، فإنه ينتفع به؛ لأن نجاسته ليست لعينه، بل عارضة. قلت: وهذا الفرق ليس بصحيح. فإن النجاسة حكم شرعي. والأحكام الشرعية ليست صفات للأعيان، بل هي راجعة لقول الشارع: افعلوا، أو لا تفعلوا. كما قد حققناه في الأصول (١). ولو سلمناه لقلنا: إن النجاسة العينية قد اختلطت مع العارضة ولا مميز، فحكمهما سواء. فإن قيل: فكيف يجوز أن يقال بجواز الانتفاع بشيء من ذلك، وفي الحديث الصحيح: (إذا وقعت الفأرة في السَّمن، فإن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه) (٢). والانتفاع بها قربان لها فلا يجوز؟ ! ثم في الانتفاع بها التلطخ بها عند مباشرتها، ولا يجوز التلطخ بالنجاسات شرعا. فالجواب: القول بموجب ما ذكر. فإن القرب المنهي عنه إنما هو الأكل؛ بدليل قوله في أول الحديث: (إن كان جامدًا فألقوها، وكلوه) وفي بعض طرقه: (وكلوا سمنكم) ثم قال بعد هذا: (وإن كان مائعًا فلا تقربوه) أي: بأكل. وأيضًا: فقد قررنا في أصول الفقه: أن الشرع إذا نهى عن شيء، وأوقع نهيه عليه، فإنما يعني به: النهي

стр. 2478

أَجمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ. رواه أحمد (٣/ ٣٢٦)، والبخاري (٢٢٣٦)، ومسلم (١٥٨١)، وأبو داود (٣٤٨٦)، والترمذي (١٢٩٧)، والنسائي (٧/ ٣٠٩)، وابن ماجه (٢١٦٧). ــ عما يراد ذلك الشيء له، وإن سكت عنه. كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطهُرنَ﴾؛ أي: بالوطء، وكقوله: ﴿حُرِّمَت عَلَيكُم أُمَّهَاتُكُم﴾ أي: وطؤهن ومقدماته. وكذلك العرف إذا قال العربي: لا تقرب الماء؛ أي: لا تشربه. والخبز؛ أي: لا تأكله. وهذا معلوم. وأما النهي عن مباشرة النجاسات: فإنما يحمل على التحريم عند محاولة فعل الطهارة شرط فيه؛ كالصلاة، ودخول المسجد، ونحو ذلك. وأما فيما لم يكن كذلك فلا يكون حرامًا بالاتفاق. ثم اختلف القائلون بجواز الانتفاع بها. هل يجوز بيع ما ينتفع به منها أو لا؟ على قولين؛ والصحيح: منع (١) الجواز؛ لقوله ﷺ : (قاتل الله اليهود، نُهوا عن الشحم، فباعوه، وأكلوا ثمنه) (٢). وفي بعض طرقه: (إن الله إذا حرَّم على قوم شيئًا حرَّم عليهم ثمنه) (٣). وقوله: (قاتل الله اليهود) أي: قتلهم؛ كقوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤفَكُونَ﴾ قاله الهروي. قال: وسبيل (فَاعَلَ) أن يكون من اثنين، وربما يكون من واحد؛ كقولك: سافرت، وطارقت النعل. وقال ابن عباس: لعنهم. وقد جاء ذلك مصرَّحا به في الرواية الأخرى. وقال غيره: عاداهم. و(قوله: اجتملوها (٤)) أي: أذابوها. يقال: جملت الشحم، واجتملته:

стр. 2479

[١٦٧٥] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ: أَنَّ سَمُرَةَ بَاعَ خَمرًا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ، أَلَم يَعلَم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ، حُرِّمَت عَلَيهِم الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا. رواه أحمد (١/ ٢٤٢)، والبخاريُّ (٢٢٢٣)، ومسلم (١٥٨٢)، وأبو داود (٣٤٨٨). * * * ــ إذا أذبته. والجميل: الشحم المذاب. قال أبو عبيد: يقال: جملت، وأجملت، واجتملت. و(قوله: أنَّه بلغ عمر: أن سمرة باع خمرًا) اختلف في كيفية بيع سمرة ﵁ الخمر على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية فباعها منهم، ظنًّا منه: أن ذلك جائز. والثاني: أن يكون باع العصير ممن يتخذه خمرًا، والعصير يُسمَّى خمرًا؛ كما قد سمي العنب به في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعصِرُ خَمرًا﴾ وُسمي بذلك لأنه يؤول إلى الخمر. والثالث: أن يكون خلل الخمر وباعها خلاًّ. ولعل عمر كان يعتقد: أن ذلك لا يحلِّلها، كما قد ذهب إليه جماعة من أهل العلم على ما يأتي. قلت: وفي هذين الوجهين بُعدٌ. والأشبه: الأول. * * *

стр. 2480

أبواب الصرف والربا (٢٥) باب تحريم التفاضل والنساء في الذهب بالذهب والورق بالورق [١٦٧٦] عن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: أَبصَرَت عَينَايَ، وَسَمِعَت أُذُنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا تَبِيعُوا الوَرِقَ ــ ومن أبواب الصَّرف والربا (٢٥) ومن باب: تحريم التفاضل والنساء (١) الصَّرف: مصدر صرف، يصرف، صرفًا: إذا دفع ذهبا، وأخذ فضة، أو عكسه. هذا عُرفُه الشرعي. وحقيقته: بيع ذهب بفضة. وللشرع فيه معنيان: أحدهما: منع النَّساء فيه، مع اتفاق النوع، واختلافه، فلا يجوز بيع ذهب بذهب، ولا بفضة نَساء. وهذا مجمع عليه. وثانيهما: منع التفاضل في النوع الواحد منهما، فلا يجوز ذهب بذهب، ولا فضة بفضة متفاضلًا عند جمهور العلماء من الصحابة والتابعين من أهل المدينة، والحجاز، والشام، وغيرهم. وفيه خلاف شاذٌّ عن بعض الصحابة مرجوع عنه، وسيأتي ذكرهم في بابه إن شاء الله تعالى. وقد دلّ على صحة ما ذكرناه من المنعين، وإبطال قول المخالف نصوص هذا الباب؛ كقوله: (لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا

стр. 2481

بِالوَرِقِ إِلَّا مِثلًا بِمِثلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعضَهَا عَلَى بَعضٍ، وَلَا تَبِيعُوا شَيئًا غَائِبًا مِنهُ بِنَاجِزٍ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ. ــ تبيعوا منها شيئًا غائبًا بناجز). وفي اللفظ الآخر: (إلا وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، سواء بسواء) وفي رواية: (يدًا بيد) وفي أخرى: (إلا هاء وهاء) وغير ذلك مما في هذا الباب. فهذه نصوصٌ مؤكدة، وألفاظ متعددة، تفيد: أن تحريم التفاضل كتحريم النَّساء، ويستوي في ذلك أنواع كل جنس منها، فلا يلتفت للخلاف في ذلك. وسيأتي القول إن شاء الله تعالى على قوله ﷺ : (إنما الربا في النسيئة) (١) ثم اختلف العلماء: هل هذا الحكم معلل بعلة، أو ليس معللًا؟ فنفاة القياس منعوا ذلك على أصلهم في نفي التعليل مطلقا. وممن قال بهذا القول: داود وأتباعه. وقد تابعهم على نفي تعليل هذا الحكم بعض من قال بالقياس. بناء على أنه لم يجد دليلًا عليه، أو: على أنه لم يجد لعلَّة ذلك فرعًا يلحقه بها. فتكون العلَّة قاصرة، ولا يعلل بالعلة القاصرة. وهو مذهب أبي حنيفة. وذهب مالك والشافعي وأتباعهما إلى تعليل ذلك الحكم بكونها أثمانًا. وهل هو معلل بمطلق الثمنية، فيلحق بذلك كلما يكون ثمنًا كالفلوس، والجلود المطبوعة إذا تُعُومل بها، أو بثمنية تكون رءوس الأثمان، وقيمًا للمتلفات غالبًا، فتخرج الفلوس، وغيرها منهما؟ قولان لأصحابنا. والذي حمل المعللين على القول بالتعليل التمسك بالقاعدة الكلية: إن الشرع جاء باعتبار المصالح. والمصلحة لا تعدو أوصاف المحل. وقد سبرنا أوصافه، فلم نجد أولى من هذا، فتعين أن يكون هو العلَّة. وقد حققنا هذه الأصول في الأصول، فلتنظر هنالك. و(قوله: ولا تشفوا بعضها على بعض) أي: لا يكن لأحدهما شفوف على

стр. 2482

وفي رواية: لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا الوَرِقَ بِالوَرِقِ، إِلَّا وَزنًا بِوَزنٍ، مِثلًا بِمِثلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ. رواه البخاريُّ (٢١٧٧)، ومسلم (١٥٨٤)، والنسائي (٧/ ٢٧٨ و ٢٧٩). [١٦٧٧] وعَن عُثمَانَ بنِ عَفَّانَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَينِ، وَلَا الدِّرهَمَ بِالدِّرهَمَينِ. رواه مسلم (١٥٨٥). [١٦٧٨] وعَن مَالِكِ بنِ أَوسِ بنِ الحَدَثَانِ، أَنَّهُ قَالَ: أَقبَلتُ أَقُولُ: مَن يَصطَرِفُ الدَّرَاهِمَ؟ فَقَالَ طَلحَةُ بنُ عُبَيدِ اللَّهِ، وَهُوَ عِندَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: أَرِنَا ذَهَبَكَ، ثُمَّ ائتِنَا، ثُمَّ إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا نُعطِيكَ وَرِقَكَ. فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: كَلَّا وَاللَّهِ، لَتُعطِيَنَّهُ وَرِقَهُ، أَو لَتَرُدَّنَّ إِلَيهِ ذَهَبَهُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ رِبًا إِلَّا ــ الآخر؛ أي: زيادة. وقد بالغ مالك ﵀ في منع الزيادة في هذا، حتى جعل المتوهّم كالمتحقق. فمنع دينارًا ودرهما بدينار ودرهم، سدًا للذريعة، وحَسمًا للتوهمات؛ إذ لولا توهم الزيادة لما تبادلا. وقد علل منع ذلك بتعذر المماثلة عند التوزيع، فإنه يلزم منه: ذهب وفضة بذهب. وأوضح من هذا: منعه التفاضل المعنوي. وذلك: أنه منع دينارًا من الذهب العالي، ودينارًا من الذهب الدُّون بدينارين من الوسط. فكأنه جعل الدينار من الوسط في مقابلة العالي، وألغى الدُّون. وهذا من دقيق نظره رحمه الله تعالى. و(قوله: الورق بالذهب ربا إلا هاء وهاء) الرواية المشهورة في (هاء): بالمد، وبهمزة مفتوحة، وكذلك رويته. ومعناها: خذ. فكأنها اسم من أسماء

стр. 2483

هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمرُ بِالتَّمرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ. رواه البخاريُّ (٢١٣٤)، ومسلم (١٥٨٦)، وأبو داود (٣٣٤٨)، والترمذي (١٢٤٣)، والنسائي (٧/ ٢٧٣)، وابن ماجه (٢٢٥٩ و ٢٢٦٠). * * * ــ الأفعال. كما تقول: هاؤم. وفيها أربع لغات: إحداها: ما تقدَّم، وفيها لغتان: إحداهما: أنها تُقال للمذكر والمؤنث، والواحد والاثنين، والجمع، بلفظ واحد (ها) من غير زيادة. قال السيرافي: كأنهم جعلوها صوتًا، كصه، ومه. وثانيهما: تلحق بها العلامات المفرَّقة. فتقول للذكر: هاءَ، وللمؤنث: هائي. وللاثنين: هاءا. وللجمع: هاءوا، كالحال في: هاؤم، وفي: هلم. الثانية: بالقصر والهمزة الساكنة، فتقول: هأ، كما تقول: خَف. وفيها اللغتان المتقدمتان. حكاهما ثابت وغيره من أهل اللغة. الثالثة: هاءِ بالمد وكسر الهمزة. وهي للواحد، والاثنين، والجميع. بلفظ واحد، غير أنهم زادوا ياءً مع المؤنث. فقالوا: هائي. الرابعة: ها، بالقصر، وترك الهمز. حكاها بعض اللغويين. وأنكرها أكثرهم، وخُطِّئ من رواها من المحدِّثين كذلك. وقد حكيت لغة خامسة: هاءَكِ، بمدَّةٍ، وهمزة مفتوحة، وكاف خطاب مكسورة للمؤنث. قلت: ولا بُعد في أن يقال: إن (هاء) هذه هي اللغة الأولى، وإنما زادوا عليها كاف الخطاب المؤنث خاصة، فلا تكون خامسة. ومعنى: (هاء وهاء): خذ وهات في هذه الحال من غير تراخ، كما قال: (يدًا

стр. 2484

(٢٦) باب تحريم الرِّبا في البُرِّ والشعير والتمر والملح [١٦٧٩] عَن أَبِي الأَشعَثِ قَالَ: غَزَونَا غَزَاةً وَعَلَى النَّاسِ مُعَاوِيَةُ، ــ بيد). وقد بالغ مالك ﵀ في هذا، حتى منع المواعدة على الصرف، والحوالة، والوكالة على عقد الصرف دون القبض. ومنع أن يعقد الصرف، ويقوم إلى قعر دكانه، ثم يفتح صندوقه، ويخرج ذهبه. بناء على ما تقدَّم من أصله. وهذا هو الذي فهمه عمر ﵁ عن الشرع حين قال: (وإن أنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره، إني أخاف عليكم الربا). وقال: (دعوا الربا والريبة). و(الورق) - بكسر الراء -: الفضة. وهو اسم جنس معرَّف بالألف واللام الجنسيتين، فيتضمن ذلك الجنس كله، مسكوكه، ومصوغه، وتبره، ونقاره. وكذلك الذهب، فلا يجوز مصوغ بتبر إلا مثلًا بمثل. وكذلك جميع أنواعها. وليس له أن يستفضل (١) قيمة الصنعة، ولا عمالتها. وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى. (٢٦) ومن باب: تحريم الرِّبا في البُرِّ والشعير والتمر والملح الرِّبا في اللغة: الزيادة مطلقا. يقال: ربا الشيء، يربو: إذا زاد. ومنه الحديث: (فلا والله ما أخذنا من لقمة إلا ربا من تحتها) (٢) يعني به: الطَّعام الذي دعا فيه النبي ﷺ بالبركة. ثم إن الشرع قد تصرَّف في هذا الإطلاق، فقصره على بعض موارده، فمرَّة أطلقه على اكتساب الحرام كيفما كان، كما قال تعالى في اليهود: ﴿وَأَخذِهِمُ الرِّبَا وَقَد نُهُوا عَنهُ﴾ ولم يرد به الرِّبا الشرعي الذي حكم بتحريمه علينا؛ وإنما أراد المال الحرام، كما قال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلكَذِبِ

стр. 2485

فَغَنِمنَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً، فَكَانَ فِيمَا غَنِمنَا آنِيَةٌ مِن فِضَّةٍ، فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا أَن يَبِيعَهَا فِي أَعطِيَاتِ النَّاسِ، فَتَسَارَعَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، فَبَلَغَ عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ، فَقَامَ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنهَى عَن بَيعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةِ بِالفِضَّةِ، وَالبُرِّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمرِ بِالتَّمرِ، وَالمِلحِ بِالمِلحِ، إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَينًا بِعَينٍ، فَمَن زَادَ أَو ازدَادَ فَقَد أَربَى. ــ أَكَّالُونَ لِلسُّحتِ﴾ يعني به: المال الحرام من الرُّشا، وما استحلوه من أموال الأميين حيث: ﴿قَالُوا لَيسَ عَلَينَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ وعلى هذا: فيدخل فيه النهي عن كل مال حرام بأي وجه اكتسب. والربا الذي غلب عليه عُرفُ الشرع: تحريم النَّساء، والتفاضل في النقود، وفي المطعومات، على ما تقدم وعلى ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. و(قوله: غزونا غزاة، وعلى الناس معاوية) يعني: أميرًا، لا خليفة؛ فإن زمان خلافته متأخر عن ذلك الوقت بكثير. و(قوله: فغنمنا آنية من فضة، فأمر معاوية أن يبيعها في أُعطيات الناس) هذا البيع لهذه الآنية كان بالدَّراهم، ولذلك أنكره عبادة بن الصامت ﵁ واستدلّ عليه بقوله: (الفضة بالفضة) ولو كان بذهب أو عرض لَمَا كان للإنكار، ولا للاستدلال وجه. و(قوله: فتسارع الناس في ذلك) يعني في شراء تلك الآنية بالدَّراهم. وهو يدلُّ على أقلية العلماء، وأن الأكثر الجهال. ألا ترى معاوية ﵁ قد جهل ذلك مع صحبته، وكونه من كُتَّاب الوحي، ويحتمل أن يقال: إن معاوية كان لا يرى ربا الفضل كابن عباس وغيره. والأول أظهر من مساق هذا الخبر. فتأمل نصَّه؛ فإنَّه صريح: في أن معاوية لم يكن علم بشيء من ذلك. و(قوله: نهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح) قد تقدَّم القول في النقود،

стр. 2486

في رواية: الآخِذُ وَالمُعطِي فِيهِ سَوَاءٌ. فَرَدَّ النَّاسُ مَا أَخَذُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ، فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: أَلَا مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَادِيثَ، قَد كُنَّا نَشهَدُهُ وَنَصحَبُهُ فَلَم نَسمَعهَا مِنهُ؟ فَقَامَ عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ، فَأَعَادَ القِصَّةَ، قَالَ: لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعنَا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِن كَرِهَ مُعَاوِيَةُ، (أَو قَالَ: وَإِن رَغِمَ) مَا أُبَالِي أَلَا أَصحَبَهُ فِي جُندِهِ لَيلَةً سَودَاءَ. قَالَ حَمَّادٌ هَذَا أَو نَحوَهُ. ــ والقول هنا في الأطعمة. ولم يختلف في جريان الربا في هذه الأصناف الستة (١)، لكن هل تعلق حكم الرِّبا بأسمائها أم بمعانيها؟ فأهل الظاهر قصروه على أسمائها، فلا يجري الرِّبا عندهم في غير هذه الأصناف الستة. وفقهاء الأمصار من الحجازيين وغيرهم رأوا: أن ذلك الحكم متعلق بمعانيها. وتمسَّكوا في ذلك بما تقدَّم، وبأن الدقيق يجري فيه حكم الرِّبا بالاتفاق، ولا يصدق عليه اسم شيء من تلك الأصناف المذكورة في الحديث. فإن قيل: دقيق كل صنف منها مردودٌ إلى حَبِّه في حكمه. قلنا: فهذا اعتراف بأن الحكم لم يتعلَّق بأسمائها، بل بمعانيها. والله تعالى أعلم. وقد اختلفوا في تعيين ذلك المعنى. فقال أبو حنيفة: إن علة ذلك كونه مكيلًا أو موزونًا جنسًا. وذهب الشافعي في القديم: إلى أن المعنى: هو أنه مأكول مكيل، أو موزون جنسًا. وفي الجديد: هو أنَّه مطعوم جنس. وحُكي عن ربيعة: أن العلة هي: كونه جنسًا تجب فيه الزكاة. واختلفت عبارات أصحابنا. وأحسن ما في ذلك هو كونه مقتاتًا، مدخرًا للعيش غالبًا جنسًا. ولبيان الأرجح من هذه العلل والفروع المبنية عليها علم الخلاف، وكتب الفروع. و(قوله: البُرُّ بالبُرِّ، والشعير بالشعير) دليل على أنهما نوعان مختلفان؛

стр. 2487

وفي رواية: مِثلًا بِمِثلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اختَلَفَت هَذِهِ الأَصنَافُ، فَبِيعُوا كَيفَ شِئتُم إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ. ومن حديث أبي هريرة: ــ كمخالفة التمر للبُرٍّ؛ وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، والثوري، وابن عُلّيَّة، وفقهاء أهل الحديث. وذهب مالك، والأوزاعي، والليث، ومعظم علماء المدينة والشام: إلى أنهما صنف واحد. وهو مروي عن عمر، وسعيد، وغيرهما من السَّلف متمسكين بتقاربهما في المنبت، والمحصد، والمقصود؛ لأن كل واحد منهما في معنى الآخر، والاختلاف الذي بينهما إنما هو من باب مخالفة جيِّد الشيء لرديئه. و(قوله: فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم) إشارة إلى ما ذكره في الحديث من الأصناف، ويلحق بها ما في معناها على ما ذكرناه آنفًا، وينضاف إلى كل نوع منها ما في معناه، وما يقاربه، وما بعد عن ذلك كان صنفًا منفردًا بنفسه، ولذلك لم يختلف قول مالك: في أن الدُّخنَ صنف منفرد، وكذلك الأرز، وهو قول كافة العلماء. والعَلَس عند أكثر المالكية صنف منفرد. وقال الشافعي: هو صنف من أصناف الحنطة. وقاله بعض أصحابنا. واختلف قول مالك في القطاني. هل هو صنف واحد، أو أصناف؟ وقد ضم مالك السَّلت إلى البر والشعير. وقال الشافعي: هو صنف منفرد بنفسه. وقال الليث: السَّلت، والدُّخن، والذرة، صنف واحد. وقاله ابن وهب. وسبب هذا الاختلاف اختلاف الشهادة بالتقارب في المقصود، والمحصد، والمنبت. فمن شهدت له عادة استعمال صنف في معنى صنف، وشابهه في شيء مما ذكرناه ألحقه به. ومن لم يحصل له ذلك لم يلحق. والأصل: أن ما اختلفت أسماؤه، ومقاصده أن يعدَّ أصنافًا مختلفة بدليل ظاهر الحديث المتقدِّم، والله تعالى أعلم. و(قوله: وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، سواءً بسواء) يدل على وجوب تحقيق المماثلة في بيع الرِّبَوِيّ بصنفه. وذلك لا يكون إلا بمعيار معلوم مقداره بالشرع،

стр. 2488

فَمَن زَادَ أَو استَزَادَ فَهو ربا. رواه مسلم (١٥٨٧)، وأبو داود (٣٣٤٩)، والنسائي (٧/ ٢٧٤)، وابن ماجه (٤٤٥٤). * * * ــ أو بالعادة وزنًا أو كيلًا. والأولى عند مالك: أن تجعل ذهبك في كفة، ويجعل ذهبه في كفة، فإذا استوى أخذ وأعطي، وكذلك يكون الكيل واحدًا، ويجوز بصنجة واحدة؛ معلومة المقدار بالعادة أو بالتحقيق. ولا يجوز عند مالك والشافعي في الصرف ولا غيره من البيوع أن يتعاملا بمعيار مجهول، يتفقان عليه؛ لجهل كل واحد منهما بما يصير إليه. قلت: وعلى هذا التعليل؛ فلا تجوز المراطلة (١) المذكورة، لوجود الجهل المذكور. و(قوله: فمن زاد أو استزاد فقد أربى) أي: من بذل الزيادة، وطاع بها، ومن سألها، كل واحد منهما قد فعل الرِّبا. وهما سواء في الإثم؛ كما قال في الرواية الأخرى: (الآخذ والمعطي فيه سواء) أي: في فعل المُحَرَّم، وإثمه. وفي كتاب أبي داود: أن رسول الله ﷺ لعن آكل الرِّبا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه). وقال: (هم سواء) (٢) أي: في استحقاق اللعنة والإثم. * * *

стр. 2489

(٢٧) باب بيع القلادة فيها خرز وذهب بذهب [١٦٨٠] عن فَضَالَةَ بنَ عُبَيدٍ الأَنصَارِيَّ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِخَيبَرَ بِقِلَادَةٍ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ، وَهِيَ مِن المَغَانِمِ تُبَاعُ، فَأَمَرَ ــ (٢٧) ومن باب: بيع القلادة فيها خرز وذهب بذهب (قوله: أُتِي رسول الله ﷺ بقلادة فيها خرز وذهب تباع من الغنائم). كان بيع هذه القلادة بعد قَسم الغنيمة، وبعد أن صارت إلى فَضَالة في سهمه، كما قال في رواية حَنَش؛ ولأن الغنيمة لا يتصرف في بيع شيء منها إلا بعد القِسمة. وأمره ﷺ بتفصيل القلادة وبيع الذهب على انفراده: إنما كان لأن المشتري أراد أن يشتريها بذهب؛ لقوله بعد هذا: (الذهب بالذهب وزنًا بوزن) أو يكون قد وقع البيع بذهب، كما جاء في الرواية الأخرى التي قال فيها: إنه اشتراها باثني عشر دينارا، ففصَّلها، فوجد فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، ففسخ النبي ﷺ البيع بقوله: (لا تباع حتى تُفَصَّل) ووجه هذا المنع في هذه الصورة: وجود المفاضلة بين الذهبين، فإنَّه إن كان مساويًا للآخر، فقد فضله من صار إليه الذهب، والعَرَضُ بالعَرَض، وإن لم يكن متساويًا فقد حصل التفاضل في عين أحد الذهبين، كما قال في رواية الاثني عشر دينارًا. وهذا قول الجمهور. وقد شذَّ أبو حنيفة، ومن قال بقوله، وترك مضمون هذا الحديث فقال: إذا كان الذهب المنفرد أكثر من الذهب المضموم إليه السلعة جاز، بناء منه على جعل السِّلعة في مقابلة الزائد من الذهب. واعتذر عن الحديث: بأنه إنما فسخ ذلك لأن الذهب المنفرد كان أقل، فلو كان أكثر جاز. وهذا التأويل فاسد بدليل الحديث الأول، فإنَّه ﷺ لما رأى القلادة قد عرضت للبيع بالذهب أمر بتفصيلها، وبيَّن حكم القاعدة الكلية بقوله: (الذهب بالذهب وزنًا بوزن) ولم يلتفت إلى التوزيع الذي قال به أبو حنيفة.

стр. 2490

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي القِلَادَةِ فَنُزِعَ وَحدَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزنًا بِوَزنٍ. رواه مسلم (١٥٩١) (٨٩)، وأبو داود (٣٣٥١)، والنسائي (٧/ ٢٧٩). ــ وقد غفل الطَّحاوي في تأويل ذلك الحديث، حيث قال: إنما نهى النبي ﷺ عن ذلك لئلا يُغبَن المسلمون في المغانم عمَّا (١) ذكرناه: من أن هذا البيع إنما كان بعد القسمة، ولو سلَّمنا أنها كانت قبل القِسمة لكان عدوله ﷺ عن ذلك المعنى إلى قوله: (الذهب بالذهب وزنًا بوزن) ضائعًا، لا معنى له؛ لأنه كان يلزم منه أن يعدل عن علَّة الحكم في وقت الحاجة إلى بيانه، وينطق بما ليس بعلَّة ولا يُحتاج إليه، بالنسبة إليه في تلك الواقعة. ومن الناس من زاد على أبي حنيفة في الشذوذ، وهو حمَّاد بن أبي سليمان، فقال: يجوز بيع الذهب بالذهب الذي معه السِّلعة مطلقا، ولم يُفرَّق بين المنفردة والمضموم إليها السلعة في الأقل ولا الأكثر. وهذا طرح للحديث بالكلية، ولم يعرِّج على القاعدة الشرعية. فأما لو باع القلادة التي فيها الذهب بفضة، فذلك هو البيع والصَّرف، ولا يجوز عند مالك؛ لاختلاف حكم البيع والصرف، وسدًّا للذريعة. وهذا ما لم يكن أحدهما تابعًا للآخر، فإن كان ذلك جاز إلغاء للتَّبعيَّة. وقال أشهب: إنَّه يجوز البيع والصَّرف مطلقا، وكل ما ذكرناه إنَّما هو فيما يمكن تفصيله. فأمَّا ما لا يمكن ذلك فيه، إما لتعذره حِسًّا، أو لأنَّه يؤدي إلى إتلاف مالية: فذلك إمَّا أن يكون ممنوع الاتخاذ، فلا يجوز فيه إلا المصارفة على اعتبار التبعية على ما ذكرناه آنفًا. وأما ما يجوز اتخاذه؛ كالسَّيف، والمصحف، والخاتم، وحلي النساء: فيجوز عندنا بيع ذلك كلِّه، بخلاف ما فيه من العين؛
следующие страницы →