← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

في رواية: الآخِذُ وَالمُعطِي فِيهِ سَوَاءٌ. فَرَدَّ النَّاسُ مَا أَخَذُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ، فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: أَلَا مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَادِيثَ، قَد كُنَّا نَشهَدُهُ وَنَصحَبُهُ فَلَم نَسمَعهَا مِنهُ؟ فَقَامَ عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ، فَأَعَادَ القِصَّةَ، قَالَ: لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعنَا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِن كَرِهَ مُعَاوِيَةُ، (أَو قَالَ: وَإِن رَغِمَ) مَا أُبَالِي أَلَا أَصحَبَهُ فِي جُندِهِ لَيلَةً سَودَاءَ. قَالَ حَمَّادٌ هَذَا أَو نَحوَهُ. ــ والقول هنا في الأطعمة. ولم يختلف في جريان الربا في هذه الأصناف الستة (١)، لكن هل تعلق حكم الرِّبا بأسمائها أم بمعانيها؟ فأهل الظاهر قصروه على أسمائها، فلا يجري الرِّبا عندهم في غير هذه الأصناف الستة. وفقهاء الأمصار من الحجازيين وغيرهم رأوا: أن ذلك الحكم متعلق بمعانيها. وتمسَّكوا في ذلك بما تقدَّم، وبأن الدقيق يجري فيه حكم الرِّبا بالاتفاق، ولا يصدق عليه اسم شيء من تلك الأصناف المذكورة في الحديث. فإن قيل: دقيق كل صنف منها مردودٌ إلى حَبِّه في حكمه. قلنا: فهذا اعتراف بأن الحكم لم يتعلَّق بأسمائها، بل بمعانيها. والله تعالى أعلم. وقد اختلفوا في تعيين ذلك المعنى. فقال أبو حنيفة: إن علة ذلك كونه مكيلًا أو موزونًا جنسًا. وذهب الشافعي في القديم: إلى أن المعنى: هو أنه مأكول مكيل، أو موزون جنسًا. وفي الجديد: هو أنَّه مطعوم جنس. وحُكي عن ربيعة: أن العلة هي: كونه جنسًا تجب فيه الزكاة. واختلفت عبارات أصحابنا. وأحسن ما في ذلك هو كونه مقتاتًا، مدخرًا للعيش غالبًا جنسًا. ولبيان الأرجح من هذه العلل والفروع المبنية عليها علم الخلاف، وكتب الفروع. و(قوله: البُرُّ بالبُرِّ، والشعير بالشعير) دليل على أنهما نوعان مختلفان؛

стр. 2487

وفي رواية: مِثلًا بِمِثلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اختَلَفَت هَذِهِ الأَصنَافُ، فَبِيعُوا كَيفَ شِئتُم إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ. ومن حديث أبي هريرة: ــ كمخالفة التمر للبُرٍّ؛ وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، والثوري، وابن عُلّيَّة، وفقهاء أهل الحديث. وذهب مالك، والأوزاعي، والليث، ومعظم علماء المدينة والشام: إلى أنهما صنف واحد. وهو مروي عن عمر، وسعيد، وغيرهما من السَّلف متمسكين بتقاربهما في المنبت، والمحصد، والمقصود؛ لأن كل واحد منهما في معنى الآخر، والاختلاف الذي بينهما إنما هو من باب مخالفة جيِّد الشيء لرديئه. و(قوله: فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم) إشارة إلى ما ذكره في الحديث من الأصناف، ويلحق بها ما في معناها على ما ذكرناه آنفًا، وينضاف إلى كل نوع منها ما في معناه، وما يقاربه، وما بعد عن ذلك كان صنفًا منفردًا بنفسه، ولذلك لم يختلف قول مالك: في أن الدُّخنَ صنف منفرد، وكذلك الأرز، وهو قول كافة العلماء. والعَلَس عند أكثر المالكية صنف منفرد. وقال الشافعي: هو صنف من أصناف الحنطة. وقاله بعض أصحابنا. واختلف قول مالك في القطاني. هل هو صنف واحد، أو أصناف؟ وقد ضم مالك السَّلت إلى البر والشعير. وقال الشافعي: هو صنف منفرد بنفسه. وقال الليث: السَّلت، والدُّخن، والذرة، صنف واحد. وقاله ابن وهب. وسبب هذا الاختلاف اختلاف الشهادة بالتقارب في المقصود، والمحصد، والمنبت. فمن شهدت له عادة استعمال صنف في معنى صنف، وشابهه في شيء مما ذكرناه ألحقه به. ومن لم يحصل له ذلك لم يلحق. والأصل: أن ما اختلفت أسماؤه، ومقاصده أن يعدَّ أصنافًا مختلفة بدليل ظاهر الحديث المتقدِّم، والله تعالى أعلم. و(قوله: وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، سواءً بسواء) يدل على وجوب تحقيق المماثلة في بيع الرِّبَوِيّ بصنفه. وذلك لا يكون إلا بمعيار معلوم مقداره بالشرع،

стр. 2488

فَمَن زَادَ أَو استَزَادَ فَهو ربا. رواه مسلم (١٥٨٧)، وأبو داود (٣٣٤٩)، والنسائي (٧/ ٢٧٤)، وابن ماجه (٤٤٥٤). * * * ــ أو بالعادة وزنًا أو كيلًا. والأولى عند مالك: أن تجعل ذهبك في كفة، ويجعل ذهبه في كفة، فإذا استوى أخذ وأعطي، وكذلك يكون الكيل واحدًا، ويجوز بصنجة واحدة؛ معلومة المقدار بالعادة أو بالتحقيق. ولا يجوز عند مالك والشافعي في الصرف ولا غيره من البيوع أن يتعاملا بمعيار مجهول، يتفقان عليه؛ لجهل كل واحد منهما بما يصير إليه. قلت: وعلى هذا التعليل؛ فلا تجوز المراطلة (١) المذكورة، لوجود الجهل المذكور. و(قوله: فمن زاد أو استزاد فقد أربى) أي: من بذل الزيادة، وطاع بها، ومن سألها، كل واحد منهما قد فعل الرِّبا. وهما سواء في الإثم؛ كما قال في الرواية الأخرى: (الآخذ والمعطي فيه سواء) أي: في فعل المُحَرَّم، وإثمه. وفي كتاب أبي داود: أن رسول الله ﷺ لعن آكل الرِّبا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه). وقال: (هم سواء) (٢) أي: في استحقاق اللعنة والإثم. * * *

стр. 2489

(٢٧) باب بيع القلادة فيها خرز وذهب بذهب [١٦٨٠] عن فَضَالَةَ بنَ عُبَيدٍ الأَنصَارِيَّ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِخَيبَرَ بِقِلَادَةٍ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ، وَهِيَ مِن المَغَانِمِ تُبَاعُ، فَأَمَرَ ــ (٢٧) ومن باب: بيع القلادة فيها خرز وذهب بذهب (قوله: أُتِي رسول الله ﷺ بقلادة فيها خرز وذهب تباع من الغنائم). كان بيع هذه القلادة بعد قَسم الغنيمة، وبعد أن صارت إلى فَضَالة في سهمه، كما قال في رواية حَنَش؛ ولأن الغنيمة لا يتصرف في بيع شيء منها إلا بعد القِسمة. وأمره ﷺ بتفصيل القلادة وبيع الذهب على انفراده: إنما كان لأن المشتري أراد أن يشتريها بذهب؛ لقوله بعد هذا: (الذهب بالذهب وزنًا بوزن) أو يكون قد وقع البيع بذهب، كما جاء في الرواية الأخرى التي قال فيها: إنه اشتراها باثني عشر دينارا، ففصَّلها، فوجد فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، ففسخ النبي ﷺ البيع بقوله: (لا تباع حتى تُفَصَّل) ووجه هذا المنع في هذه الصورة: وجود المفاضلة بين الذهبين، فإنَّه إن كان مساويًا للآخر، فقد فضله من صار إليه الذهب، والعَرَضُ بالعَرَض، وإن لم يكن متساويًا فقد حصل التفاضل في عين أحد الذهبين، كما قال في رواية الاثني عشر دينارًا. وهذا قول الجمهور. وقد شذَّ أبو حنيفة، ومن قال بقوله، وترك مضمون هذا الحديث فقال: إذا كان الذهب المنفرد أكثر من الذهب المضموم إليه السلعة جاز، بناء منه على جعل السِّلعة في مقابلة الزائد من الذهب. واعتذر عن الحديث: بأنه إنما فسخ ذلك لأن الذهب المنفرد كان أقل، فلو كان أكثر جاز. وهذا التأويل فاسد بدليل الحديث الأول، فإنَّه ﷺ لما رأى القلادة قد عرضت للبيع بالذهب أمر بتفصيلها، وبيَّن حكم القاعدة الكلية بقوله: (الذهب بالذهب وزنًا بوزن) ولم يلتفت إلى التوزيع الذي قال به أبو حنيفة.

стр. 2490

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي القِلَادَةِ فَنُزِعَ وَحدَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزنًا بِوَزنٍ. رواه مسلم (١٥٩١) (٨٩)، وأبو داود (٣٣٥١)، والنسائي (٧/ ٢٧٩). ــ وقد غفل الطَّحاوي في تأويل ذلك الحديث، حيث قال: إنما نهى النبي ﷺ عن ذلك لئلا يُغبَن المسلمون في المغانم عمَّا (١) ذكرناه: من أن هذا البيع إنما كان بعد القسمة، ولو سلَّمنا أنها كانت قبل القِسمة لكان عدوله ﷺ عن ذلك المعنى إلى قوله: (الذهب بالذهب وزنًا بوزن) ضائعًا، لا معنى له؛ لأنه كان يلزم منه أن يعدل عن علَّة الحكم في وقت الحاجة إلى بيانه، وينطق بما ليس بعلَّة ولا يُحتاج إليه، بالنسبة إليه في تلك الواقعة. ومن الناس من زاد على أبي حنيفة في الشذوذ، وهو حمَّاد بن أبي سليمان، فقال: يجوز بيع الذهب بالذهب الذي معه السِّلعة مطلقا، ولم يُفرَّق بين المنفردة والمضموم إليها السلعة في الأقل ولا الأكثر. وهذا طرح للحديث بالكلية، ولم يعرِّج على القاعدة الشرعية. فأما لو باع القلادة التي فيها الذهب بفضة، فذلك هو البيع والصَّرف، ولا يجوز عند مالك؛ لاختلاف حكم البيع والصرف، وسدًّا للذريعة. وهذا ما لم يكن أحدهما تابعًا للآخر، فإن كان ذلك جاز إلغاء للتَّبعيَّة. وقال أشهب: إنَّه يجوز البيع والصَّرف مطلقا، وكل ما ذكرناه إنَّما هو فيما يمكن تفصيله. فأمَّا ما لا يمكن ذلك فيه، إما لتعذره حِسًّا، أو لأنَّه يؤدي إلى إتلاف مالية: فذلك إمَّا أن يكون ممنوع الاتخاذ، فلا يجوز فيه إلا المصارفة على اعتبار التبعية على ما ذكرناه آنفًا. وأما ما يجوز اتخاذه؛ كالسَّيف، والمصحف، والخاتم، وحلي النساء: فيجوز عندنا بيع ذلك كلِّه، بخلاف ما فيه من العين؛

стр. 2491

[١٦٨١] وعنه قَالَ: اشتَرَيتُ يَومَ خَيبَرَ قِلَادَةً فِيهَا اثنَا عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَّلتُهَا فَوَجَدتُ فِيهَا أَكثَرَ مِن اثنَي عَشَرَ دِينَارًا، فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ. رواه مسلم (١٥٩١) (٩٠)، وأبو داود (٣٣٥٢)، والترمذي (١٢٥٥). [١٦٨٢] وعَن حَنَشٍ الصنعاني قَالَ: كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ بنِ عُبَيدٍ فِي غَزوَةٍ، فَطَارَت لِي وَلِأَصحَابِي قِلَادَةٌ فِيهَا ذَهَبٌ وَوَرِقٌ وَجَوهَرٌ، فَأَرَدتُ أَن أَشتَرِيَهَا، فَسَأَلتُ فَضَالَةَ بنَ عُبَيدٍ فَقَالَ: انزِع ذَهَبَهَا فَاجعَلهُ فِي كِفَّةٍ، وَاجعَل ذَهَبَكَ فِي كِفَّةٍ، ثُمَّ لَا تَأخُذَنَّ إِلَّا مِثلًا بِمِثلٍ، فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن كَانَ يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَلَا يَأخُذَنَّ إِلَّا مِثلًا بِمِثلٍ. رواه مسلم (١٥٩١) (٩٢)، وأبو داود (٣٣٥٣). * * * ــ ناجزا مطلقا من غير فصل بين قليل ولا كثير؛ لأن ذلك إما صرف، وإما بيع، والتبع مُلغى. وإما بجنس ما فيه من العين: فيجوز إذا كان فيه من العين الثلث فدون؛ عند مالك، وجمهور أصحابه، وكافة العلماء إلغاءً للتبعية؛ ولأن ذلك قد يضطر إليه. ومنع ذلك الشافعي، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن عبد الحكم. وروي عن جماعة من السلف؛ منهم: عمر، وابن عمر ﵄؛ اعتبارًا بوجود المفاضلة بين الذهبين، وأبو حنيفة وحمَّاد على أصليهما المذكورين. و(قول فضالة: اشتريت يوم خيبر قلادة فيها اثنا عشر دينارًا) كذا وقع هذا اللفظ عند كافة الشيوخ: (فيها اثنا عشر دينارًا). وقد سقط هذا اللفظ عند ابن عيسى، وابن الحذَّاء، واتصل قوله: (قلادة) بقوله: (فيها خرز وذهب) وهذا

стр. 2492

(٢٨) باب من قال: إن البُرَّ والشعير صنف واحد [١٦٨٣] عَن مَعمَرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ: أَنَّهُ أَرسَلَ غُلَامَهُ بِصَاعِ قَمحٍ فَقَالَ: بِعهُ ثُمَّ اشتَرِ بِهِ شَعِيرًا، فَذَهَبَ الغُلَامُ فَأَخَذَ صَاعًا وَزِيَادَةَ بَعضِ صَاعٍ، فَلَمَّا جَاءَ مَعمَرًا أَخبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ مَعمَرٌ: لِمَ فَعَلتَ ذَلِكَ؟ انطَلِق فَرُدَّهُ وَلَا تَأخُذَنَّ إِلَّا مِثلًا بِمِثلٍ، فَإِنِّي كُنتُ أَسمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثلًا بِمِثلٍ. وَكَانَ طَعَامُنَا يَومَئِذٍ الشَّعِيرَ، وقِيلَ: فَإِنَّهُ لَيسَ بِمِثلِهِ. قَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَن يُضَارِعَ. رواه أحمد (٦/ ٤٠٠ - ٤٠١)، ومسلم (١٥٩٢). * * * ــ هو الصَّواب. وقد وجد ذلك اللفظ في أصول بعض أصحاب أبي علي الغساني مُصلَحًا (باثني عشر دينارا). وله وجه صحيح. قلت: وقد رويته كذلك من طريق شيخنا أبي ذر بن مسعود الخشني عن أبي محمد عبد الحق (١)، صاحب كتاب الأحكام في ذلك الكتاب. (٢٨) ومن باب: من قال: إن البُرَّ والشعير صنف واحد، وفسخ صفقه الرِّبا قد تقدَّم ذكر الخلاف في عدَّ البُرِّ والشعير صنفًا واحدًا بما يغني عن إعادته، لكنا نبين في هذا الحديث: أن حديث معمر لا حجة فيه لأصحابنا، وإن كانوا قد

стр. 2493

(٢٩) باب فسخ صفقة الربا [١٦٨٤] عن أَبي سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَ بِلَالٌ بِتَمرٍ بَرنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مِن أَينَ هَذَا؟ . فَقَالَ بِلَالٌ: تَمرٌ كَانَ عِندَنَا رَدِيءٌ، فَبِعتُ مِنهُ صَاعَينِ بِصَاعٍ لِمَطعَمِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِندَ ذَلِكَ: أَوَّه، ــ أطبقوا على الاحتجاج به. ووجه ذلك: أن غايتهم في التمسك به أن يحتجوا بمذهب معمر. وهو صحابي، وهو أعلم بالمقال، وأقعد بالحال. قلت: إن قول معمر هذا رأي منه، لا رواية. وما استدل به من قوله ﷺ : (الطَّعام بالطَّعام) لا حجة له فيه؛ لأنه إن حمل على عمومه لزم منه: ألا يباع التمر بالبُرِّ، ولا الشعير بالملح، إلا مثلًا بمثل. وذلك خلاف الإجماع، فظهر: أن المراد به: الجنس الواحد من الطَّعام. وقد بيَّن النبي ﷺ الأجناس المختلفة في حديث عبادة بن الصامت (١) وغيره، وفصَّلها واحدًا واحدًا، ففصل التمر عن البر، والشعير عنه، ثم قال بعد ذلك: (فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم). ثم الظاهر من فتيا معمر: أنها إنما كانت تقية وخوفا. ألا ترى نصَّه، حيث قال: إني أخاف أن يُضَارع؟ ! والحجة في قول النبي ﷺ لا في قول غيره. (٢٩) ومن باب: وفسخ صفقة الرِّبا (البَرنِّي): نوع من أجود أنواع التمر. وكذلك: الجنيب. و (الجمع) خلطٌ من التَّمر. وقيل: هو من أدنى التَّمر. و(قوله ﷺ لبلال: من أين هذا؟ ) دليل: على أن للإنسان أن يبحث عمَّا يستريب فيه، حتى ينكشف له حاله. و(قوله: أوَّه) كلمة تحزُّن، وتوجُّع. وهي مقصورة الهمزة، مشدَّدة الواو،

стр. 2494

عَينُ الرِّبَا، لَا تَفعَل، وَلَكِن إِذَا أَرَدتَ أَن تَشتَرِيَ التَّمرَ فَبِعهُ بِبَيعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشتَرِ بِهِ. رواه أحمد (٣/ ٦٢)، والبخاريُّ (٢٣١٢)، ومسلم (١٥٩٤)، والنسائي (٧/ ٢٧٢ - ٢٧٣). [١٦٨٥] وعنه قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَمرٍ فَقَالَ: مَا هَذَا التَّمرُ مِن تَمرِنَا. فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِعنَا تَمرَنَا صَاعَينِ بِصَاعٍ مِن هَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَذَا الرِّبَا فَرُدُّوهُ، ثُمَّ بِيعُوا تَمرَنَا وَاشتَرُوا لَنَا مِن هَذَا. رواه مسلم (١٥٩٤) (٩٧). ــ ساكنة الهاء. وقد قيلت أيضا: بمد الهمزة. وقد قيلت أيضًا: (أووه). و(قوله: عين الربا) أي: هو الربا المحرم نفسه، لا ما يشبهه. و(قوله: لا تفعل) وفي الرواية الأخرى: (فردُّوه) يدل على: وجوب فسخ صفقة الربا، وأنها لا تصح بوجه. وهو حجة للجمهور على أبي حنيفة حيث يقول: إن بيع الربا جائز بأصله، من حيث إنه بيع ممنوع بوصفه من حيث هو ربا، فيسقط الرِّبا، ويصحَّ البيع. ولو كان على ما ذكر لما فسخ النبي ﷺ هذه الصفقة، ولأمره برد الزيادة على الصَّاع، ولصحَّح الصفقة في مقابلة الصَّاع. و(قوله: ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به) وفي الرواية الأخرى: (بيعوا تمرنا، واشتروا لنا من هذا) قد يحتج بإطلاقه من لم يقل بسدِّ الذرائع. وهو الشافعي، وأبو حنيفة، وكافتهم، فأجازوا شراء (البرني) مثلًا ممن باع منه (الجمع). ومنعه مالك ﵀ على أصله في سدِّ الذرائع. فإن هذه الصورة تؤدي إلى بيع التمر بالتمر متفاضلًا، ويكون الثمن لغوا. ولا حجة

стр. 2495

[١٦٨٦] وعنه قَالَ: كُنَّا نُرزَقُ تَمرَ الجَمعِ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ الخِلطُ مِن التَّمرِ، فَكُنَّا نَبِيعُ صَاعَينِ بِصَاعٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا صَاعَي تَمرٍ بِصَاعٍ، وَلَا صَاعَي حِنطَةٍ بِصَاعٍ، وَلَا دِرهَمَ بِدِرهَمَينِ. رواه أحمد (٣/ ٤٩ - ٥٠)، ومسلم (١٥٩٤) (٩٨)، والنسائي (٧/ ٢٧٢). * * * ــ لهم في هذا الحديث؛ لأنَّه ﷺ لم ينص على جواز شراء التمر الثاني ممن باع منه التمر الأول، ولا تناوله ظاهر اللفظ بعموم، بل بإطلاقه. والمطلق يحتمل التقييد احتمالًا يوجب الاستفسار، فكأنه إلى الإجمال أقرب. وبهذا فرق بين العموم والإطلاق. فإن العموم ظاهر في الاستغراق، والمطلق صالح له، لا ظاهر فيه. وإذا كان كذلك فيتقيد بأدنى دليل. وقد دلَّ على تقييده الدليل الذي دلَّ على سدِّ الذرائع، كما بيَّنَّاه في الأصول. وقد نصَّ ابن عبَّاس ﵄ على منع مثل هذا، حيث منع فقال: ألا تراهم يتبايعون بالذهب والطعام مرجأ. وفي هذا الحديث من الفقه جواز اختيار طيبات الأطعمة دون أدانيها (١). وجواز الوكالة. وفيه ما يدلُّ على أن البيوع الفاسدة كلَّها تفسخ، وتُرَدُّ إذا لم تفت. * * *

стр. 2496

(٣٠) باب ترك قول من قال: لا ربا إلا في النسيئة [١٦٨٧] عَن أَبِي نَضرَةَ قَالَ: سَأَلتُ ابنَ عُمَرَ، وَابنَ عَبَّاسٍ عَن الصَّرفِ فَلَم يَرَيَا بِهِ بَأسًا، فَإِنِّي لَقَاعِدٌ عِندَ أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ فَسَأَلتُهُ عَن الصَّرفِ فَقَالَ: مَا زَادَ فَهُوَ رِبًا، فَأَنكَرتُ ذَلِكَ لِقَولِهِمَا، فَقَالَ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : جَاءَهُ صَاحِبُ نَخلِهِ بِصَاعٍ مِن تَمرٍ طَيِّبٍ، ــ (٣٠) ومن باب: ترك قول من قال: لا ربا إلا في النسيئة (قول أبي نضرة: سألت ابن عمر، وابن عباس عن الصرف فلم يريا به بأسًا) يعني به: صرف الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة. سألهما عن التفاضل بينهما، فأفتياه بالجواز أخذًا منهما بظاهر قوله ﷺ : (إنما الربا في النسيئة) فإن هذا اللفظ ظاهره الحصر، فكأنه قال: لا ربا إلا في النسيئة. وهكذا وقع هذا اللفظ في البخاري (١)، وهو مقتضى قوله هنا: (لا ربا فيما كان يدًا بيد) فينتفي ربا الفضل. وقد قدَّمنا: أن هذا الخلاف شاذٌّ، متقدَّم، مرجوع عنه، كما قد نص عليه هنا من رجوع ابن عمر، وابن عبَّاس عنه. وممن قال بقولهما من السَّلف: عبد الله بن الزبير، وزيد بن أرقم، وأسامة بن زيد. ولا شك في معارضة هذا الحديث لحديث عبادة، وأبي سعيد، وغيرهما. فإنَّها نصوصٌ في إثبات ربا الفضل. ولَمَّا كان كذلك اختلف العلماء في كيفية التخلص من ذلك على أوجهٍ، أشبهها وجهان: أحدهما: أن حديث ابن عباس منسوخ بحديث عبادة وأبي سعيد، غير أنهم لم ينقلوا التاريخ نقلًا صريحًا، وإنما أخذوه من رجوع ابن عباس عن ذلك، ومن عمل الجمهور من الصحابة وغيرهم من علماء المدينة على خلاف ذلك.

стр. 2497

وَكَانَ تَمرُ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا اللَّونَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَنَّى لَكَ هَذَا؟ . قَالَ: ــ قلت: وهذا لا يدل على النسخ، وإنما يدل على الأرجحية. وثانيهما: إن قوله: (لا ربا إلا في النسيئة). إنما مقصوده نفي الأغلظ الذي حرَّمه الله بنص القرآن، وتوعَّد عليه بالعقاب الشديد، وجعل فاعله محاربًا لله، وذلك بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ المَسِّ﴾ إلى آخر الآيات، وما كانت العرب تعرف ربًا إلا ذلك، فكانت إذا حل دينها قالت للغريم: إما أن تقضي، وإما أن تربي؛ أي تزيد في الدَّين. وهذا هو الذي نسخه النبي ﷺ يوم عرفة لما قال: (ألا إن كل ربًا موضوع، وإن أول ربًا أضعه ربانا ربا عباس) (١). وهذا كما تقول العرب: إنما المال الإبل، وإنما الشجاع عليٌّ، وإنما الكريم يوسف ابن نبي الله. ولا عالم في البلد إلا زيد. ومثله كثير. يعنون بذلك نفي الأكبر والأكمل، لا نفي الأصل. وهذا واضح. ومما يقرب فيه هذا التأويل جدًّا رواية من روى: (لا ربا فيما كان يدًا بيد) أي: لا ربا كثير أو عظيم، كما قال: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) (٢) أي: لا صلاة كاملة. قلت: ويظهر لي وجه آخر وهو حسن. وذلك: أن دلالة حديث ابن عباس على نفي ربا الفضل دلالة بالمفهوم، ودلالة إثباته دلالة بالمنظوم. ودلالة المنظوم (٣) راجحة على دلالة المفهوم باتفاق النظار، والحمد لله. و(قول أبي سعيد: كان تمر رسول الله ﷺ هذا اللون) يشير به إلى أنه نوع

стр. 2498

انطَلَقتُ بِصَاعَينِ فَاشتَرَيتُ بِهِ هَذَا الصَّاعَ، فَإِنَّ سِعرَ هَذَا فِي السُّوقِ كَذَا وَسِعرَ هَذَا كَذَا، فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَربَيتَ، إِذَا أَرَدتَ ذَلِكَ فَبِع تَمرَكَ بِسِلعَةٍ، ثُمَّ اشتَرِ بِسِلعَتِكَ أَيَّ تَمرٍ شِئتَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَالتَّمرُ بِالتَّمرِ أَحَقُّ أَن يَكُونَ رِبًا أَم الفِضَّةُ بِالفِضَّةِ؟ قَالَ: فَأَتَيتُ ابنَ عُمَرَ بَعدُ، فَنَهَانِي وَلَم آتِ ابنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي أَبُو الصَّهبَاءِ: أَنَّهُ سَأَلَ ابنَ عَبَّاسٍ عَنهُ فَكَرِهَهُ. رواه أحمد (٣/ ٦٠)، ومسلم (١٥٩٤) (١٠٠). [١٦٨٨] وعَن أَبِي سَعِيدٍ أنه لَقِيَ ابنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيتَ قَولَكَ فِي الصَّرفِ، أَشَيئًا سَمِعتَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَو شَيئًا وَجَدتَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ ــ رديء من التمر، وهو الذي سُمِّي في الحديث المتقدم بالجمع. و(قوله: فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربًا، أم الفضة بالفضة؟ ) استدلال نظري ألحق فيه الفرع بالأصل بطريق الأولى والأحق. وهي أقوى طرق القياس. ولذلك وافق على القول بها أكثر منكري القياس، وقد بيَّنَّاه في الأصول، وكأن أبا سعيد ﵁ إنما عدل إلى هذه الطريقة لأنه لم يحضره شيء من نصوص حديث عبادة، وفضالة المتقدِّمة. وهي أحق وأولى بالاستدلال بها على ذلك. و(قول أبي سعيد لابن عباس: أرأيت قولك في الصرف، أشيئًا سمعته من رسول الله ﷺ أو شيئًا وجدته في كتاب الله؟ ) سؤال منكر لما سمعه، طالب للحقيقة بالدليل، بان على أن لا دليل على الأحكام الشرعية إلا الكتاب والسُّنة. و(قول ابن عباس: كلا، لا أقول) أي: لم أسمع فيه من النبي ﷺ شيئًا، ولا فهمت من كتاب الله، ثم أخذ فأسند الحديث عن أسامة، وأخبر أنه سمعه منه، فثبت الحديث بنقله - وهو الإمام العدل - عن أسامة ذي المآثر والفضل. فلا شك

стр. 2499

فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: كَلَّا لَا أَقُولُ، أَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَنتُم أَعلَمُ بِهِ، وَأَمَّا كِتَابُ اللَّهِ فَلَا أَعلَمُهُ، وَلَكِن حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بنُ زَيدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ. وفي رواية: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا رِبًا فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ. رواه أحمد (٥/ ٢٠٠ و ٢٠٤)، والبخاريُّ (٢١٧٨)، ومسلم (١٥٩٦) (١٠٤)، والنسائي (٧/ ٢٨١)، وابن ماجه (٢٢٥٧). * * * ــ في صحة سند الحديث، وإنما هو متروك بأحد الأوجه المتقدمة (١)، والله أعلم. و(قول ابن عباس: أمَّا رسول الله ﷺ فأنتم أعلم به مني) أي: بأحاديثه، فإنَّهم أسن منه، وهم ملازموه حضرًا وسفرًا، فعندهم من حديثه ما ليس عنده لصغر سنه، وقد بيَّنَّا: أن النبي ﷺ توفي وابن عبَّاس لم يحتلم، والذي سمع من النبي ﷺ أحاديث يسيرة، وأكثر حديثه (٢) عن كبار (٣) الصحابة ﵃ وفي سِنِّهِ يوم توفي رسول الله ﷺ ثلاثة أقوال. قيل: عشر. وقيل: خمس عشرة. وقيل: ثلاث عشرة. قال أبو عمر: وهو الذي عليه أهل السِّير والعلم. وهو عندي أصح (٤).

стр. 2500

(٣١) باب اتِّقاء الشبهات ولعن المقدم على الربا [١٦٨٩] عَن النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: وَأَهوَى النُّعمَانُ بِإِصبَعَيهِ إِلَى أُذُنَيهِ: إِنَّ الحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَينَهُمَا أمور مُشتَبِهَاتٌ ــ (٣١) ومن باب: اتِّقاء الشبهات (قوله ﷺ : الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما أمور متشابهات) (١) يعني: أن كل واحد منهما مبين بأدلته في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ تأصيلًا وتفصيلًا. فمن وقف على ما في كتاب الله والسُّنة من ذلك وجد فيهما أمورًا جلية التحليل، وأمورًا جلية التحريم، وأمورًا مترددة بين التحليل والتحريم. وهي التي تتعارض فيها الأدلة. فهي المتشابهات. وقد اختلف في حكمها فقيل: مواقعتها حرام؛ لأنها توقع في الحرام. وقيل: مكروهة والورع تركها. وقيل: لا يقال فيها واحد منهما. والصواب الثاني؛ لأن الشرع قد أخرجها من قسم الحرام، فلا توصف به، وهي مما يرتاب فيه. وقد قال ﷺ : (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) (٢) وهذا هو الورع. وقد قال فيها بعض الناس: إنها حلال ويتورَّع عنها (٣). قلت: وليست بعبارة صحيحة؛ لأن أقل مراتب الحلال أن يستوي فعله

стр. 2501

لَا يَعلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِن النَّاسِ، ــ وتركه، فيكون مباحًا. وما كان كذلك لم يتصور فيه الورع من حيث هو متساوي الطرفين. فإنَّه إن ترجَّح أحد طرفيه على الآخر خرج عن كونه مباحًا. وحينئذ يكون تركه راجحًا على فعله، وهو المكروه. أو فعله راجحًا على تركه، وهو المندوب. فإن قيل: فهذا يؤدِّي إلى رفع معلوم من الشرع، وهو: أن النبي ﷺ والخلفاء بعده، وأكثر الصحابة ﵃ كانوا يزهدون في المباح. فإنَّهم رفضوا التنعم بأكل الطيبات من الأطعمة، وبلباس اللَّين الفاخر من الملابس، وبسكنى المباني الأنيقة من المساكن. ولا شك في إباحة هذه الأمور. ومع هذا فآثروا أكل الخشن، ولباس الخشن، وسكنى الطين واللَّبن. وكل هذا معلوم من حالهم، منقول من سيرتهم. فالجواب: إن تركهم التنعم بالمباح لا بدّ له من موجب شرعي أوجب ترجيح الترك على الفعل، وحينئذ يلزم عليه خروج المباح عن كونه مباحًا، فإن حقيقته التساوي من غير رجحان. فلم يزهدوا في مباح، بل في أمرٍ تَركُهُ خيرٌ من فعله شرعا. وهذه حقيقة المكروه. فإذًا إنما زهدوا في مكروه. غير أن المكروه تارة يكرهه الشرع من حيث هو، كما كره لحوم السِّباع. وتارة يكرهه لما يؤدِّي إليه، كما يكره القبلة للصَّائم، فإنها تكره لما يخاف منها من فساد الصوم. وتركهم للتنعم من هذا القبيل، فإنَّه انكشف لهم من عاقبته ما خافوا على نفوسهم منه مفاسد إما في الحال، كالرُّكون إلى الدنيا. وإما في المآل كالحساب عليه، والمطالبة بالشكر، وغير ذلك ممَّا ذكر في كتب الزهد. وعلى هذا فقد ظهر ولاح: أنهم لم يزهدوا ولا تورعوا عن مباح. و(قوله: لا يعلمهن كثير من الناس) أي: لا يعلم حكمهن من التحليل أو التحريم، وإلا فالذي يعلم الشبهة يعلمها من حيث إنها مشكلة، لترددها بين أمور محتملة، فإذا علم بأي أصل تلحق زال كونها شبهة، وكانت إما من الحلال، أو من الحرام. وفيه دليل: على أن الشبهة لها حكم خاص بها، عليه دليل شرعي،

стр. 2502

فَمَن اتَّقَى الشُّبُهَاتِ استَبرَأَ لِدِينِهِ وَعِرضِهِ، ــ يمكن أن يصل إليه بعض الناس، فمن ظفر به فهو المصيب كما بيناه في الأصول. و(قوله: فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) أي: من ترك ما يشتبه عليه سلم دينه مما يفسده، أو ينقصه. وعرضه مما يشينه، ويعيبه، فيسلم من عقاب الله وذمِّه. ويدخل في زمرة المتقين الفائزين بثناء الله تعالى وثوابه، لكن لا يصحّ اتقاء الشبهات حتى تعرف، ومعرفتها على التعيين والتفصيل يستدعي فصل تطويل، لكن نعقد فيه عقدًا كليًّا إن شاء الله تعالى عن التفصيل مُغنيًا، فنقول: المكلف بالنسبة إلى الشرع: إما أن يترجح فعله على تركه، أو تركه على فعله، أو لا يترجح واحد منهما. فالراجح الفعل أو الترك؛ إما أن يجوز نقيضه بوجه ما، أو لا يجوز نقيضه. فإن لم يجز نقيضه فهو المعلوم الحكم من التحليل، كحِلِّيةِ لحوم الأنعام. أو من التحريم؛ كتحريم الميتة والخنزير على الجملة. فهذان النوعان هما المرادان بقوله: (الحلال بيِّن، والحرام بيِّن). وأما إن جوز نقيض ما ترجَّح عنده: فإمَّا أن يكون ذلك التجويز (١) بعيدًا لا مستند له أكثر من توهم، وتقدير: فلا يلتفت إلى ذلك، ويُلغى بكل حال. وهذا كترك النكاح من نساء بلدة كبيرة مخافة أن يكون له فيها ذات محرم من النسب أو الرِّضاع. أو كترك استعمال ماء باق على أوصافه في فلاة من الأرض مخافة تقدير نجاسة وقعت فيه، أو كترك الصلاة على موضع لا أثر، ولا علامة للنجاسة فيه، مخافة أن يكون فيها بول قد جف. أو كتكرار غسل الثوب مخافة طروء نجاسة لم يشاهدها. إلى غير ذلك مما في معناه. فهذا النوع يجب ألا يلتفت إليه، والتوقف لأجل ذلك التجويز هَوَسٌ. والورع فيه وسوسة شيطانية؛ إذ ليس فيه من معنى الشبهة شيء، وقد دخل الشيطان على كثير من أهل الخير من هذا الباب، حتى يُعطِّل عليهم واجبات، أو يُنقص ثوابها لهم. وسبب الوقوع في ذلك عدم العلم بالمقاصد الشرعية، وأحكامها. فإن قيل: كيف

стр. 2503

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يقال هذا، وقد فعل النبي ﷺ مثل ذلك لما دخل بيته فوجد فيه تمرة فقال: (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها) (١). ودخول الصدقة بيت النبي ﷺ بعيد؛ لأنها كانت محرمة عليه وعلى آله، لكنه راعى الاحتمال البعيد، والاحتمالات في الصور التي ذكرتم ليس بأبعد من هذا الاحتمال (٢)، فما وجه الانفصال؟ ! قلنا: لا نسلّم أن ما توقعه النبي ﷺ كان بعيدًا؛ لأنهم كانوا يأتون بصدقات التَّمر للمسجد، وحجرته متصلة بالمسجد، فتوقع أن يكون صبي أو من يغفل عن ذلك يدخل التمر من الصدقة في البيت. فاتقى ذلك لقربه بحسب ما ظهر مِمَّا قرب ذلك التقدير، وليس من تلك الصور في شيء؛ لأنها خلية عن الأمارات. وإنما هي محض تجويزات. وأما إن كان ذلك التجويز له مستند معتبر بوجه ما، فالأصل: العمل بالراجح، والورع الترك إن لم يلزم منه العمل بترك الراجح وب انه بالمثال. وهو: أن جلد الميتة لا يطهره الدباغ في مشهور مذهب مالك. فلا يجوز أن يستعمل في شيء من المائعات، لأنها تنجس إلا الماء وحده، فإنه يدفع النجاسة عن نفسه؛ لأنه لا ينجس إلا إذا تغير. هذا الذي ترجَّح عنده. ثم إنه اتقى الماء في خاصة نفسه. ونحو ذلك حكي عن أبي حنيفة أو سفيان الثوري أنه قال: لأن أخرَّ من السَّماء أهون عليَّ من أن أفتي بتحريم قليل النبيذ، وما شربته قط، ولا أشربه. فقد أعملوا الراجح في الفتيا، وتورعوا عنه في أنفسهم. وقد قال بعض المحققين: من حكم الحكيم أن يوسع على المسلمين في الأحكام، ويضيق على نفسه؛ يعني به ذلك المعنى. ومنشأ هذا الورع الالتفات إلى مكان اعتبار الشرع ذلك المرجوح. وهذا

стр. 2504

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الالتفات نشأ من القول: بأن المصيب واحد. وهو مشهور قول مالك. ومنه ثار القول في مذهبه بمراعاة الخلاف. كما بينَّاه في الأصول. غير أن تلك التجويزات المعتبرة -وإن كانت مرجوحة - فهي على مراتب في القرب والبعد، والقوة والضعف. وذلك بحسب (١) الموجب لذلك الاعتبار. فمنها ما يوجب حزازة في قلب المتقي (٢)، ومنها ما لا يوجب ذلك. فمن لم يجد ذلك، فلا ينبغي له أن يتوقف؛ لأنه يلتحق ذلك بالقسم الأول عنده. ومن وجد ذلك توقف وتورَّع وإن أفتاه المفتون بالرَّاجح؛ لقوله ﷺ : (لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به البأس) (٣). وهنا يصدق قولهم: استفت قلبك وإن أفتوك. لكن هذا إنما يصح ممن نوَّر الله قلبه بالعلم، وزين جوارحه بالورع، بحيث يجد للشبهة أثرًا في قلبه. كما يحكى عن كثير من سلف هذه الأمة، كما نقل عنهم في الحلية (٤) وصفة الصفوة (٥)، وغيرهما من كتب ذلك الشأن. وأما إن لم يترجح الفعل على الترك، ولا الترك على الفعل: فهذا هو الأحق (٦) باسم الشبهة، والمتشابه؛ لأنه فد تعارضت فيه الأشباه. فهذا النوع يجب فيه التوقف إلى الترجيح، لأن الإقدام على أحد الأمرين من غير رجحان حكم بغير دليل. فيحرم، إذ لا دليل مع التعارض. ولعل الذي قال: إن الإقدام على الشبهة حرام؛ أراد هذا النوع. والذي قال: إن ذلك مكروه؛ أراد النوع الذي قبل هذا، والله تعالى أعلم.

стр. 2505

وَمَن وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ، كَالرَّاعِي حَولَ الحِمَى يُوشِكُ أَن يَرتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، ــ و(قوله: ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) وذلك يكون بوجهين: أحدهما: أن من لم يتق الله تعالى، وتجرَّأ على الشبهات، أَفضَت به إلى المحرمات بطريق اعتياد الجرأة، والتساهل في أمرها، فيحمله ذلك على الجرأة على الحرام المحض؛ ولهذا قال بعض المتقين: الصغيرة تجر إلى الكبيرة. والكبيرة تجر إلى الكفر. ولذلك قال ﷺ : (المعاصي بريد الكفر) (١). وهو معنى قوله تعالى: ﴿كَلا بَل رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَا كَانُوا يَكسِبُونَ﴾ وثانيهما: أن من أكثر من مواقعة الشبهات أظلم عليه قلبه، لفقدان نور العلم، ونور الورع، فيقع في الحرام، ولا يشعر به. وإلى هذا النور الإشارة بقوله تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدرَهُ لِلإِسلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ وإلى ذلك الإظلام الإشارة بقوله: ﴿فَوَيلٌ لِلقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِن ذِكرِ اللَّهِ﴾ و(قوله: كالرَّاعي حول الحمى يوشك أن يرتع فيه) هذا مثل ضربه النبي ﷺ لمحارم الله تعالى. وأصله: أن ملوك العرب كانت تحمي مراعي لمواشيها الخاصة بها، وتُحرَّجُ بالتوعد بالعقوبة على من قربها. فالخائف من عقوبة السلطان يَبعُد بماشيته من ذلك الحمى؛ لأنه إن قرب منه فالغالب الوقوع، وإن كثر الحذر؛ إذ قد تنفرد الفاذة (٢)، وتشذ الشاذة ولا تنضبط، فالحذر أن يجعل بينه وبين ذلك الحمى مسافة بحيث يأمن فيها من وقوع الشاذة والفاذة. وهكذا محارم الله تعالى، لا ينبغي أن يحوم حولها مخافة الوقوع فيها على الطريقتين المتقدمتين.

стр. 2506

أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضغَةً، إِذَا صَلَحَت صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَت، فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلبُ. رواه البخاريُّ (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩)، وأبو داود (٣٣٢٩ - ٣٣٣٠)، والترمذيُّ (١٢٠٥)، والنسائي (٧/ ٢٤١). ــ و(يوشك) بكسر الشين، مضارع (أوشك) بفتحها. وقد قدَّمنا: أنها من أفعال المقاربة، والملابسة، ومعناها هنا: يقع في الحرام بسرعة. و(يرتع) بفتح التاء مضارع (رتع) بفتحها أيضًا. وفتحت في المضارع مراعاة لحرف الحلق؛ ومعناها: أكل الماشية من المرعى. وأصله: إقامتها فيه، وتبسطها في الأكل. ومنه قوله تعالى: ﴿يَرتَع وَيَلعَب﴾ و(قوله: ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله) الحديث، المضغة: القطعة من اللحم. وهي قدر ما يمضغه الماضغ؛ يعني بذلك: صغير جرمها، وعظيم قدرها. و (صلحت) رويناه بفتح العين في الماضي ومضارعه: يصلح بضمها، وكذلك مقابلها. وهي: فسد، يفسد. ومعناه: إذا صارت تلك المضغة ذات صلاح أو ذات فساد. وقد يقال: صلح، وفسد - بضم العين فيهما-: إذا صار الصلاح أو الفساد هيئة لازمة لها. كما يقال: ظَرُف، وشَرُف. و(قوله: ألا وهي القلب) هذا اللفظ في الأصل مصدر: قلبت الشيء، أقلبه، قلبًا: إذا رددته على بدأته. وقلبت الإناء: إذا رددته على وجهه. وقلبت الرَّجل عن رأيه: إذا صرفته عنه، وعن طريقه، كذلك. ثم نقل هذا اللفظ، فسُمِّي به هذا العضو الذي هو أشرف أعضاء الحيوان، لسرعة الخواطر فيه، ولترددها عليه. وقد نظم بعض الفضلاء هذا المعنى فقال:

стр. 2507

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما سُمِّي القلب إلا من تقلبه ... فاحذر على القلبِ من قلبٍ وتَحوِيلِ (١) ثم لما نقلت العرب هذا المصدر لهذا العضو التزمت فيه تفخيم قافه؛ تفريقًا بينه وبين أصله، وليحذر اللبيب من سرعة انقلاب قلبه؛ إذ ليس بين القلب والقلب إلا التفخيم، وما يعقلها إلا كل ذي فهم مستقيم. ثم اعلم: أن الله خص جنس الحيوان بهذا العضو المسمى: بالقلب، وأودع فيه المعنى الذي تنتظم به المصالح المقصودة من ذلك النوع، فتجد البهائم تدرك مصالحها ومنافعها، وتميز بين مفاسدها ومضارها مع اختلاف أشكالها، وصورها، إذ منها ما يمشي على بطنه، ومنها ما يمشي على أربع، ومنها ما يطير بجناحيه. ثم خص الله تعالى من بين سائر الحيوان نوع الإنسان؛ الذي هو المقصود الأول من الكونين، والمعني في العالمين بهذا القلب المخصوص المشتمل على هذا المعنى المخصوص، الذي به تميز الإنسان. ووقع به بينه وبين سائر الحيوانات الفرقان. وهو المعنى الذي به يفهم القلب المفهومات، ويحصل به على معرفة الكليات والجزئيات، ويعرف به فرَّق ما بين الواجبات والجائزات والمستحيلات. وقد (٢) أضاف الله تعالى العقل إلى القلب، كما أضاف السمع إلى الأذن، والإبصار إلى العين. فقال تعالى: ﴿أَفَلَم يَسِيرُوا فِي الأَرضِ فَتَكُونَ لَهُم قُلُوبٌ يَعقِلُونَ بِهَا أَو آذَانٌ يَسمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعمَى الأَبصَارُ وَلَكِن تَعمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ وهو ردٌّ على من قال من أهل الضلال: إن العقل في الدماغ. وهو قول من زل عن الصواب، وزاغ. كيف لا، وقد أخبرنا عن محلّه خالقه القدير: ﴿أَلا يَعلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ وقد روي ذلك عن أبي حنيفة، وما أظنها عنه معروفة.

стр. 2508

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإذا فهمت: أن الإنسان إنما شرَّفه الله تعالى على سائر الحيوان بهذا القلب، وأن هذا القلب لم يشرف من حيث صورته الشكلية، فإنها موجودة لغيره من الحيوانات البهيمية، بل من حيث هو مقرّ لتلك الخاصية الإلهية؛ علمت أنه أشرف الأعضاء، وأعزَّ الأجزاء؛ إذ ليس ذلك المعنى موجودًا في شيء منها. ثم إن الجوارح مسخرة له، ومطيعة، فما استقرَّ فيه ظهر عليها، وعملت على مقتضاه: إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. وعند هذا انكشف لك معنى قوله: (إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله). ولما ظهر ذلك وجبت العناية بالأمور التي يصلح بها القلب، ليتصف بها، وبالأمور التي تفسد القلب ليتجنبها. ومجموع ذلك علوم، وأعمال، وأحوال. فالعلوم ثلاثة: الأول: العلم بالله تعالى، وصفاته، وأسمائه، وتصديق رسله فيما جاءوا به. والثاني: العلم بأحكامه عليهم، ومراده منهم. والثالث: العلم بمساعي القلوب من خواطرها، وهمومها، ومحمود أوصافها، ومذمومها. وأمَّا أعمال القلوب: فالتحلِّي بالمحمود من الأوصاف، والتخلِّي عن المذموم منها، ومنازلة المقامات، والترقي عن مفضول المنازلات إلى سَنِي الحالات. وأما الأحوال: فمراقبة الله تعالى في السر والعلن، والتمكن من الاستقامة على السُّنن. وإلى هذا أشار رسول الله ﷺ حيث قال: (أن تعبد الله كأنك تراه) (١). وتفصيل هذه المعاقد الجملية توجد في تصانيف محققي الصوفية.

стр. 2509

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تنبيه: الجوارح وإن كانت تابعة للقلب فقد يتأثر القلب بأعمالها، للارتباط الذي بين الباطن والظاهر. والقلب مع الجوارح كالملك مع الرَّعية؛ إن صلح صلحت، ثم يعود صلاحها (١) عليه بزيادة مصالح ترجع إليه. ولذلك قيل: الملك سوق، ما نفق عنده جلب إليه. وقد نصَّ على هذا المعنى النبي ﷺ فقال: (إن الرَّجل ليصدق فينكت في قلبه نكتة بيضاء، حتى يكتب عند الله صديقًا. وإن الرَّجل ليكذب الكذبة فيسودّ قلبه حتى يكتب عند الله كذابًا) (٢). وفي الترمذي عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: (إن الرَّجل ليصيب الذنب، فيسودّ قلبه، فإن هو تاب صقل قلبه) قال: وهو الرَّان الذي ذكر الله تعالى في كتابه: ﴿كَلا بَل رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَا كَانُوا يَكسِبُونَ﴾ (٣) وقال مجاهد: القلب كالكف تقبض منه بكل ذنب أصبع، ثم يطبع. وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد) متصلًا بقوله: (الحلال بيِّن، والحرام بيِّن) إشعارًا بأن أكل الحلال ينوِّره، ويُصلحه، وأكل الحرام والشبهة يفسده، ويقسيه، ويظلمه. وقد وجد ذلك أهل الورع، حتى قال بعضهم: استسقيت جنديًا فسقاني شربة ماء، فعادت قسوتها على قلبي أربعين صباحًا. وقيل: الأصل المصحِّح للقلوب والأعمال: أكل الحلال. ويخاف على آكل الحرام، والمتشابه، ألا يقبل له عمل، ولا تسمع له دعوة. ألا تسمع قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ وآكل الحرام، المسترسل في الشبهات ليس بمتق على الإطلاق. وقد عضد ذلك قوله ﷺ : (أيها الناس! إن الله طيب ولا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر

стр. 2510

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقنَاكُم﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعمَلُوا صَالِحًا﴾ ثم ذكر الرَّجل يطيل السفر أشعث أغبر، يقول: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنَّى يستجاب لذلك؟ ! (١)، ولَمَّا شرب أبو بكر جرعة لبن من شبهة استقاءها، فأجهده ذلك حتى تقيأها. فقيل له: أكل ذلك في شربة؟ ! فقال: والله! لو لم تخرج إلا بنفسي لأخرجتها، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به) (٢). وعند هذا يعلم الواحد منا قدر المصيبة التي هو فيها، وعظم المحنة التي ابتلي بها؛ إذ المكاسب في هذه الأوقات قد فسدت، وأنواع الحرام والشبهات قد عمَّت، فلا يكاد أحدٌ منَّا اليوم يتوصل (٣) إلى الحلال، ولا ينفك عن الشبهات. فإن الواحد منَّا - وإن اجتهد فيما يعمله - فكيف يعمل فيمن يعامله، مع استرسال الناس في المحرمات والشبهات، وقلة من يتقي ذلك من جميع الأصناف، والطبقات، مع ضرورة المخالطة، والاحتياج للمعاملة. وعلى هذا: فالخلاص بعيد، والأمر شديد، ولولا النهي عن القنوط واليأس، لكان ذلك الأولى بأمثالنا من الناس. لكنَّا إذا دفعنا عن أنفسنا أصول المحرمات، واجتهدنا في ترك ما يمكننا من الشبهات، فعفو الله تعالى مأمول، وكرمه مرجوّ، فلا ملجأ إلا هو، ولا مفزع إلا إليه، ولا استعانة إلا به، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العلي العظيم. تنبيه: هذا الحديث أصل عظيم من أصول الشريعة. حتى لقد قال أبو داود: كتبت

стр. 2511

[١٦٩٠] وعَن جَابِرٍ بن عبد الله قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيهِ، وَقَالَ: هُم سَوَاءٌ. رواه مسلم (١٥٩٨). * * * ــ عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث، الثابت منها: أربعة آلاف حديث. وهي ترجع إلى أربعة أحاديث: قوله ﷺ : (إنَّما الأعمال بالنيات) (١) و (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) (٢) و (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (٣) و (الحلال بيِّن والحرام بيِّن) (٤). وقد جعل غيره مكان (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) قوله: (ازهد في الدنيا يحبك الله) (٥). وقد نظم هذا المعنى أبو الحسن طاهر بن مفوز فقال: عُمدَةُ الدِّين عندنا كلمات ... أربع من كلام خير البرية اتق المشبهات وازهد ودع ... ما ليس يعنيك واعملن بنية قلت: وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة ﵃ أجمعين ـ حسن، غير أنهم لو أمعنوا النظر في هذا الحديث كله، من أوَّله إلى آخره، لوجدوه متضمنًا لعلوم الشريعة كلها، ظاهرها وباطنها. وإن أردت الوقوف على ذلك فأعد النظر فيما عقدناه من الجمل في الحلال، والحرام، والمتشابهات، وما يصلح القلوب،

стр. 2512

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وما يفسدها، وتعلُّق أعمال الجوارح بها. وحينئذ يستلزم ذلك الحديث معرفة تفاصيل أحكام الشريعة كلَّها، أصولها وفروعها. والله هو المسئول أن يستعملنا بما علمنا، ويوفقنا لما يرضى به عنَّا. إنه ولي ذلك والقادر عليه. و(قوله: لعن رسول الله ﷺ آكل الرِّبا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه). وقال: (هم سواء). آكل الربا: آخذه. وعبَّر عن الأخذ بالأكل؛ لأن الأخذ إنما يُرَاد للأكل غالبًا؛ ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أَموَالَ اليَتَامَى ظُلمًا﴾؛ أي: يأخذونها، فإنه لم يعلّق الوعيد على أموال اليتامى من حيث الأكل فقط، بل من حيث إتلافها عليهم بأخذها منهم. وموكل الربا: معطيه. وهذا كما قال في الحديث الآخر: (الآخذ والمعطي فيه سواء) (١) وفي معنى المعطي: المعين عليه، وكاتبه: الذي يكتب وثيقته. وشاهداه: من يتحمَّل الشهادة بعقده، وإن لم يؤدها. وفي معناه: من حضره فاقرَّه. وإنما سوَّى بين هؤلاء في اللعنة؛ لأنه لم يحصل عقد الرِّبا إلا بمجموعهم. ويجب على السلطان إذا وقع له أحد من هؤلاء أن يُغلِّظ العقوبة عليهم في أبدانهم بالضرب، والإهانة، وبإتلاف مال الربا عليهم بالصدقة به، كما يفعل المسلم إذا آجر نفسه في عمل الخمر، فإنه يتصدَّق بالأجرة، وبثمن الخمر إذا باعها المسلم. ويدلّ على صحة ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿يَمحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾؛ أي: يفسخ عقده، ويرفع بركته، وتمام المحق بإتلاف عينه. * * *

стр. 2513

(٣٢) باب بيع البعير واستثناء حملانه [١٦٩١] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: غَزَوتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتَلَاحَقَ بِي وَتَحتِي نَاضِحٌ لِي قَد أَعيَا فلَا يَكَادُ يَسِيرُ، قَالَ: فَقَالَ لِي: مَا لِبَعِيرِكَ؟ . قَالَ: قُلتُ: عَلِيلٌ، قَالَ: فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَزَجَرَهُ وَدَعَا، فَمَا زَالَ بَينَ يَدَي الإِبِلِ قُدَّامَهَا يَسِيرُ، قَالَ: فَقَالَ لِي: كَيفَ تَرَى بَعِيرَكَ. قَالَ: قُلتُ بِخَيرٍ، قَد أَصَابَتهُ بَرَكَتُكَ، قَالَ: أَفَتَبِيعُنِيهِ؟ . فَاستَحيَيتُ، وَلَم يَكُن لَنَا نَاضِحٌ غَيرُهُ، قَالَ: نَعَم، فَبِعتُهُ إِيَّاهُ، في رواية: بأوقية، عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهرِهِ حَتَّى أَبلُغَ المَدِينَةَ، قَالَ: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي عَرُوسٌ، فَاستَأذَنتُهُ ــ (٣٢) ومن باب: بيع البعير البعير من الإبل بمنزلة الإنسان من الناس. يقال للجمل: بعير. وللناقة: بعير. تقول العرب: صرعني بعيرك. وشربت من لبن بعيري. وإنما يقال له بعير: إذا أجذع (١)، والجمع: أبعرة، وأباعر، وبعران. حديث جابر هذا: كثرت طرقه، واختلفت روايته، وألفاظه، وخصوصًا ثمن الجمل. فقد اضطربت فيه الرواة اضطرابًا لا يقبل التلفيق. وتكلُّف ذلك بعيدٌ عن التحقيق. ومع ذلك فهو حديث عظيم، فيه أبواب من الفقه، أكثرها واضحة. فلنقصد إلى إيضاح ما يمكن أن يخفى منها؛ فمنها: (قوله: أفتبيعنيه) دليل على جواز مساومة من لم يعرض سلعته للبيع. و(قوله: فبعته بأوقية على أن لي فقار ظهره إلى المدينة) وفي الأخرى: (فقال: لك ظهره إلى المدينة). وهذا صريحٌ في جواز بيع الدابة واستثناء ركوبها. وقال به ابن شبرمة وغيره من الناس. ومنعه أبو حنيفة، والشافعي أخذًا بنهي

стр. 2514

فَأَذِنَ لِي، فَتَقَدَّمتُ إِلَى المَدِينَةِ حَتَّى انتَهَيتُ، فَلَقِيَنِي خَالِي فَسَأَلَنِي عَن البَعِيرِ، فَأَخبَرتُهُ بِمَا صَنَعتُ فِيهِ، فَلَامَنِي فِيهِ، قَالَ: وَقَد كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِي حِينَ استَأذَنتُهُ: مَا تَزَوَّجتَ، أَبِكرًا أَم ثَيِّبًا؟ فَقُلتُ لَهُ: تَزَوَّجتُ ثَيِّبًا، قَالَ: أَفَلَا تَزَوَّجتَ بِكرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟ . وذكر نحو ما تقدم، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ غَدَوتُ بِالبَعِيرِ، فَأَعطَانِي ثَمَنَهُ وَرَدَّهُ عَلَيَّ. ــ النبي ﷺ عن بيع وشرط. ورأوا: أن هذا النهي أولى من حديث جابر. إما لأنَّه ناسخ له، أو مرجَّح عليه. وقال مالك: يجوز ذلك إذا كانت المسافة قريبة معلومة. وحمل هذا الحديث عليه. وقد اختلفوا في جواز البيع والشرط. فصحَّحهما ابن شبرمة، وأبطلهما أبو حنيفة. وصحح ابن أبي ليلى البيع وأبطل الشرط تمسُّكًا بحديث بريرة المتقدم (١). وأما مالك ﵀ فيحمل النهي عن بيع وشرط عنده على شرط يناقض مقصود العقد. كقوله: أبيعك هذه الجارية على ألا تطأها. أو: على ألا تبيع. وما شاكل ذلك. فجمع بين الأحاديث. وهي طريقته في القديم والحديث. و(فقار الظهر): كناية عن ركوب الظهر. ومنه: أفقرت الرجل: إذا أعرته ذلك. والفقار: جمع فقارة، وهي: خرزات الصلب. و(الناضح): الذي يستقى عليه الماء. وقد تقدَّم أيضًا الكلام على ما تضمنه هذا الحديث من ذكر النكاح في كتابه. و(المماكسة) هي: الكلام في مناقصة الثمن. و(قوله لبلال: أعطه وزده) دليل: على صحة الوكالة، وعلى جواز الزيادة في القضاء. وهي من باب قوله ﷺ : (إن خيركم أحسنكم قضاءً) (٢) وهذا

стр. 2515

وفي رواية: فَلَمَّا قَدِمنا المَدِينَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبِلَالٍ: أَعطِهِ أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ، وَزِدهُ. قَالَ فَأَعطَانِي أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ وَزَادَنِي قِيرَاطًا، قَالَ: فَقُلتُ: لَا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَكَانَ فِي كِيسٍ لِي، فَأَخَذَهُ أَهلُ الشَّامِ يَومَ الحَرَّةِ. ــ لا يختلف فيه إذا كان من بيع. وإنما يختلف فيه إذا كان من قرض. فاتفق على جوازه في الزيادة في الصفة؛ إذا كان بغير شرط، ولا عادة. وزاد أصحابنا: ولا قصد من المقرض للزيادة، لقوله ﷺ : (كل قرض جرَّ نفعًا فهو ربا) (١). وأما الزيادة في العدد والوزن، فمنعها مالك في مجلس القضاء حسمًا للذريعة. وأجازها ابن حبيب. ولم يختلف في جواز ذلك؛ إذا كانت الزيادة بعد مجلس القضاء. و(قوله: أعطه أوقية من ذهب) قال أبو جعفر الداودي: ليس لأوقية الذهب وزن يعرف. وأما أوقية الفضة: فأربعون درهمًا (٢). وفيه دليل على أن وزن الثمن وكَيله على المشتري، كما أنه على البائع إذا كان المبيع مما يكال، أو يوزن. ولأن على كل واحد منهما أن يسلِّم ما لزمه دفعه. ولا يتحقق التسليم إلا بذلك. و(قوله: وزادني قيراطًا) وفي أخرى: (درهمًا أو درهمين) هذا اضطراب، وقد تكلَّف القاضي أبو الفضل الجمع بين هذه الروايات المختلفة التي في الثمن، وفي الزيادة، تكلُّفًا مبنيًا على تقدير أمر لم يصح نقله، ولا استقام

стр. 2516

وفي أخرى: فَقَالَ ﷺ : أَتُرَانِي مَاكَستُكَ لِآخُذَ جَمَلَكَ؟ خُذ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ فَهُوَ لَكَ. وفي أخرى: قَالَ: فَنَخَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: اركَب بِاسمِ اللَّهِ. وَقَالَ: فَمَا زَالَ يَزِيدُنِي وَيَقُولُ: وَاللَّهُ يَغفِرُ لَكَ. اختلفت الروايات ــ ضبطه، مع أنه لا يتعلَّق بتحقيق ذلك حكم، ولا يفيد حكمة. والحاصل: أنَّه باعه البعير بثمن معلوم لهما، وزاده عند القضاء زيادة محققة، ولا يضرنا جهلنا بمقدار ذلك. و(قوله: خذ جملك ودراهمك، فهو لك) هذا يدلُّ على أن هذا من رسول الله ﷺ عطية مبتدأة بعد صحة شرائه، وملكه للبعير. وهذا مبطل لتأويل بعض الشافعية في هذا الحديث؛ إذ قال: إن ذلك لم يكن من النبي ﷺ شراء للبعير، ولا بيعًا من جابر حقيقة. وهذا من قائله تغيير وتحريف، لا تأويل. وكيف يقبل هذا التأويل مع قوله: (أتبيعنيه بأوقية) فقال: قد بعته منك بأوقية، على أن لي ظهره إلى المدينة. بعد المماكسة. وهذا نصٌّ لا يقبل التأويل. وكذلك قوله: (فهو لك) بعد قوله: (خذ جملك ودراهمك) وذلك واضح لمن تأمل أفراد تلك الكلمات ومركّباتها. و(قوله: أتراني ماكستك لكي آخذ جملك) بكسر لام كي، ونصب الفعل المضارع بعدها. كذا لجميع الرواة. وقُيِّد على أبي بحر. (لا، خذ جملك) على (لا) النافية، و (خذ) على الأمر. والمعنيان واضحان. و(قوله: فما زال يزيدني) يدلُّ على أنه زاده بعد القيراط شيئًا آخر. ولعلها: الدرهم، والدرهمان اللذان قال في الرواية الأخرى. و(قوله: والله يغفر لك) قال أبو نضرة: وكانت كلمة يقولها المسلمون: افعل كذا، والله يغفر لك.

стр. 2517

في كم كان ثمن الجمل، ففي بعضها: أوقية، وفي بعضها: أوقيتان ودرهم، أو درهمان، وفي بعضها: خمس أواق، وكلها ثابت في الأم. رواه أحمد (٣/ ٣٧٥)، والبخاري (٢٠٩٧)، ومسلم (٧١٥) (١٠٩ - ١١٧)، وأبو داود (٣٥٠٥)، والترمذي (١٢٥٣)، والنسائي (٧/ ٢٩٧)، وابن ماجه (٢٢٠٥). * * * (٣٣) باب الاستقراض وحسن القضاء فيه [١٦٩٢] عَن أَبِي رَافِعٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ استَسلَفَ مِن رَجُلٍ بَكرًا، فَقَدِمَت عَلَيهِ إِبِلٌ مِن إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَن يَقضِيَ الرَّجُلَ بَكرَهُ، ــ قلت: وهو كلام يخرجه فرط المحبة، والشفقة، وإرادة الخير للمسلمين، وهو على معنى الدعاء. و(قوله: اركب باسم الله) دليل: على استحباب التبرك باسم الله عند افتتاح كل فعل، وإن كان من المباحات، فليس مخصوصًا بالقرب، فإنه كما قال ﷺ في الوضوء: (توضئوا باسم الله) (١) قال هنا في الركوب: (اركب باسم الله). (٣٣) ومن باب: جواز الاستقراض وحسن القضاء فيه (قوله: استسلف بَكرًا) استسلف: طلب السَّلف، وهو القرض. ويدل: على جواز الأخذ بالدَّين، ولا يختلف العلماء في جواز سؤاله عند الحاجة إليه،

стр. 2518

فَرَجَعَ إِلَيهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَالَ: لَم أَجِد فِيهَا إِلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًا، فَقَالَ له: أَعطِهِ إِيَّاهُ، إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحسَنُهُم قَضَاءً. رواه مسلم (١٦٠٠)، وأبو داود (٣٣٤٦)، والترمذي (١٣١٨)، والنسائي (٧/ ٦٥). ــ ولا نقص على طالبه، ولا تثريب، ولا منة تلحق فيه. ولو كان فيه شيء من ذلك لما استسلف النبي ﷺ ، فإنه كان أنزه الناس، وأبعدهم عن تلك الأمور. و(البَكر): الفتي من الإبل، وهو فيها كالغلام في الرجال. والقلوص فيها: كالجارية في النساء. وخيار الإبل والشيء: أحسنه، وأفضله. و (الرباعي): هو الذي في السَّنَة السابعة؛ لأنَّه يُلقي فيها رباعيته. وهي التي تلي الثنايا. وهي أربع رباعيات - مخفَّفة الياء- والذكر: رباع. والأنثى: رباعية. وهذا الحديث دليل على جواز قرض الحيوان. وهو مذهب الجمهور. ومنع ذلك الكوفيون. وهذا الحديث الصحيح حجة عليهم. واستثنى من الحيوان أكثر العلماء الجواري. فمنعوا قرضهن؛ لأنه يؤدي إلى عارية الفروج. وأجاز ذلك بعض أصحابنا بشرط أن يردَّ غيرها. وأجاز ذلك مطلقا الطبري، والمزني، وداود الأصبهاني. وقصر بعض الظاهرية جواز القرض على ما لا مثل من المعيَّن، والمكيل، والموزون. وهذا الحديث حجة عليهم. واختلف أرباب التأويل في استسلاف النبي ﷺ هذا البَكر، وقضائه عنه من مال الصدقة. هل كان ذلك السَّلف لنفسه، أو لغيره؟ فمنهم من قال: كان لنفسه، وكان هذا قبل أن تحرم عليه الصدقة. وهذا فاسد؛ فإنه ﷺ لم تزل الصدقة محرمة عليه منذ قدوم المدينة. وكان ذلك من خصائصه، ومن جملة علاماته المذكورة في الكتب المتقدَّمة؛ بدليل قصة سلمان الفارسي، فإنه عند قدوم النبي ﷺ المدينة جاءه سلمان بتمر، فقدَّمه إليه، وقال: كُل، فقال: (ما هذا؟ ) فقال: صدقة.

стр. 2519

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقال لأصحابه: (كلوا) ولم يأكل. وأتاه يومًا آخر بتمر وقال: هدية، فأكل (١). (٢) فقال سلمان: هذه واحدة. ثم رأى خاتم النبوَّة فأسلم. وهذا واضح. وقيل: استسلفه لغيره ممن يستحق أخذ الصدقة، فلما جاءت إبل الصدقة دفع منها. وقد استبعد هذا من حيث: إنه قضاء أزيد من القرض من مال الصدقة. وقال: (إن خيركم أحسنكم قضاء) فكيف يعطي زيادة من مال ليس له؟ ويجعل ذلك من باب حسن القضاء؟ ! وقد أجيب عن هذا: بأن قيل: كان الذي استقرض منه من أهل الصدقة، فدفع الرُّباعي بوجهين: بوجه القرض، وبوجه الاستحقاق. وقيل وجه ثالث، وهو أحسنها، إن شاء الله تعالى. وهو: أن يكون استقرض البَكر على ذمته، فدفعه لمستحق، فكان غارمًا، فلما جاءت إبل الصدقة أخذ منها بما هو غارم جملًا رباعيًا، فدفعه فيما كان عليه، فكان أداء عمَّا في ذمته وحسن قضاء بما يملكه. وهذا كما روي: أنه ﷺ أمر ابن عمرو أن يجهز جيشًا، فنفدت (٣) الإبل، فأمره أن (٤) يأخذ على قلائص الصدقة (٥). فظاهره: أنَّه أخذ على ذمَّته. فبقي أن يقال: فكيف يجوز له أن يؤدِّي دينه، ويبرئ ذمته مِمَّا لا يجوز له أخذه. ويجاب عنه: بأنه لَمَّا لم يأخذه لنفسه صار بمنزلة من ضمنه في ذمته إلى وقت مجيء الصدقة. فلو لم يجئ من إبل الصدقة شيء لضمنه لمقرضه من ماله، والله أعلم. وقد تقدَّم الكلام على الزيادة في القضاء.

стр. 2520

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإن قيل: كيف شغل النبي ﷺ ذمَّته بدين، وقد قال: (إياكم والدَّين، فإنه شين، الدَّين هَمٌّ بالليل، ومذلة بالنهار) (١) وقد كان كثيرًا ما يتعوَّذ منه، حتى قيل له: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم. فقال: (إن الرَّجل إذا غرم حدَّث فكذب، ووعد فأخلف) (٢). لا يقال: إنما استقرض عند الحاجة والضرورة؛ لأنا نقول: لم يكن في ضرورة إلى ذلك، فإن الله تعالى خيَّره بين أن يجعل له بطحاء مكة ذهبا، كما رواه الترمذي (٣) من حديث أبي أمامة، واستحسنه؛ ومن كانت هذه حاله لم يكن في ضرورة، ولا حاجة. ولذلك قال الله تعالى له: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغنَى﴾ قلت: أما الأخذ بالدَّين عند الحاجة، وقصد الأداء عند الوجدان: فلا يختلف في جوازه. وقد يجب في بعض الأوقات عند الضرورات المتعينة. وأما النهي عن أخذه -إن صحَّ -: فإنما ذلك لمن لم تدعه إليه حاجة، لما يطرأ من تحمله من الأمور التي ذكرتها، من الإذلال، والمطالبة، وما يخاف من الكذب في الحديث، والإخلاف في الوعد. وقد عصم الله نبينا ﷺ من ذلك كله، فلم يحوجه إلى شيء من ذلك، ولا أجراه عليه. وأما قولهم: إنه لم يكن في ضرورة؛ لأن الله خيَّره. فجوابه: إن الله تعالى لما خيَّره، فاختار أن يجوع ثلاثًا، ويشبع يومًا؟ أجرى الله تعالى عليه ما اختاره لنفسه، وما أشار إليه به صفيَّه، ونصيحه جبريل صلى الله عليهما وسلم، فسلك الله تعالى به من ذلك أعلى السبيل، ليصبر على المشقات والشدائد، كما صبر أولو العزم من الرسل، ولينال أعلى المقامات

стр. 2521

[١٦٩٣] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَقٌّ، فَأَغلَظَ لَهُ، فَهَمَّ بِهِ أَصحَابُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالَا. فَقَالَ لَهُم: اشتَرُوا لَهُ سِنًّا فَأَعطُوهُ إِيَّاهُ. فَقَالَوا: إِنَّا لَا نَجِدُ إِلَّا سِنًّا ــ الفاخرة. ألا تسمع قوله لعمر ﵁: (أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ ) (١) ثم لَمَّا أخلص الله جوهره. وطيَّب خُبرَهُ وخَبَرَهُ؛ أغناه بعد العيلة، وكثَّره بعد القلة، وأعزه (٢) به بعد الذلة. ومن تمام الحكمة في أخذه ﷺ بالدِّيون ليقتدَي به في ذلك المحتاجون. و(قوله: كان لرجل على رسول الله ﷺ دين، فأغلظ له) هذا الرجل كان من اليهود، فإنهم كانوا أكثر من يعامل بالدَّين. وحكي: أن القول الذي قاله، إنما هو: إنكم يا بني عبد المطلب مُطل. وكذب اليهودي؛ لم يكن هذا معروفًا من أجداد النبي ﷺ ولا أعمامه. بل المعروف منهم: الكرم، والوفاء، والسَّخاء. وبعيد أن يكون هذا القائل مسلمًا؛ إذ مقابلة النبي ﷺ بذلك أذى للنبي ﷺ وأذاه كفر. و(قوله: فهمَّ به أصحاب النبي ﷺ أي: بأخذه لِيُقام عليه الحكم. و(قوله لأصحابه: دعوه (٣)) دليل: على حسن خلقه، وحلمه، وقوة صبره على الجفاء مع القدرة على الانتقام. و(قوله ﷺ : إن (٤) لصاحب الحق مقالا) يعني به: صولة الطلب، وقوَّة الحجة، لكن على من يمطل، أو يسيء المعاملة. وأما من أنصف من نفسه: فبذل

стр. 2522

هُوَ خَيرٌ مِن سِنِّهِ؟ قَالَ: فَاشتَرُوهُ فَأَعطُوهُ إِيَّاهُ، فَإِنَّ مِن خَيرِكُم أَو خَيرَكُم أَحسَنُكُم قَضَاءً. رواه البخاري (٢٣٩٢)، ومسلم (١٦٠١)، والترمذي (١٣١٦)، والنسائي (٧/ ٢٩١). [١٦٩٤] عَن جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ عَبدٌ فَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الهِجرَةِ وَلَم يَشعُر أَنَّهُ عَبدٌ، ــ ما عنده، واعتذر عما ليس عنده، فيقبل عذره، ولا تجوز الاستطالة عليه، ولا كهره (١). و(قوله: اشتروا له سنًّا فأعطوه إياه) دليلٌ على أن هذا الحديث قضية أخرى غير قضية حديث أبي رافع. فإن ذلك الحديث يقتضي: أنه أعطاه من إبل الصدقة، وهذا اشتري له. وفيه دليل: على صحة الوكالة في القضاء. وفيه: جواز الزيادة فيه. وقد تقدَّم تفصيله، وذكر الخلاف فيه. و(قوله: خيركم أحسنكم قضاء) هذا هو اللفظ الفصيح الحسن. وقد روي: (أحاسنكم) وهو جمع: أحسن. ذهبوا به مذهب الأسماء، كأحمد، وأحامد. وقد وقع في الأم في بعض طرقه: (محاسنكم) بالميم، وكأنَّه جمع: مَحسِن، كمطلِع ومطالع. وفيه بُعد. وأحسنُها الأول، والله تعالى أعلم. و(قوله: جاء عبدٌ فبايع النبي ﷺ على الهجرة، ولم يشعر: أنَّه عبد) فيه دليل: على أن الأصل في الناس الحرِّية، ولذلك لم يسأله؛ إذ حمله على ذلك

стр. 2523

فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : بِعنِيهِ. فَاشتَرَاهُ بِعَبدَينِ أَسوَدَينِ، ــ الأصل، حيث لم يظهر له ما يخرجه عن ذلك. ولو لم يكن الأمر كذلك لتعيَّن أن يسأله. وهذا أصل مالك في هذا الباب. فكل من ادعى ملك أحد من بني آدم كان مدفوعًا إلى بيان ذلك، لكن إذا ناكره المدعي رقَّه، وادعى الحرية، وسواءٌ كان ذلك المدَّعى رقُّه ممن كثر ملك نوعه، أو لم يكن. فإن كان في حَوز المدعي لرقِّه كان القول قوله؛ إذا كان حَوز رِقٍّ، فإن لم يكن فالقول قول المدَّعى عليه مع يمينه. و(قوله: فجاء سيِّده يريده، فقال له رسول الله ﷺ : بعنيه) لم يرد في شيء من طرقه: أنه ﷺ طالب سيِّده بإقامة بينة. فيحتمل أن يكون النبي ﷺ علم صحة ملكه له حين عرفَ سيِّده. ويحتمل أن يكون اكتفى بدعواه، وتصديق العبد له. فإن العبد بالغٌ عاقل، يُقبل إقراره على نفسه. ولم يكن للسيِّد من ينازعه، ولا يستحلف السيِّد، كما إذا ادعى اللقطة وعرف عفاصها (١)، ووكاءها، أخذها ولم يستحلف لعدم المنازع فيها. و(قوله: فاشتراه منه بعبدين) هذا إنما فعله النبي ﷺ على مقتضى مكارم أخلاقه، ورغبة في تحصيل ثواب العتق، وكراهية أن يفسخ له عقد الهجرة. فحصل له العتق، وثبت له الولاء. فهذا المعتق مولى للنبي ﷺ غير أنه لا يعرف اسمه. وفيه دليل على جواز بيع الحيوان بالحيوان متفاضلًا نقدًا. وهذا لا يختلف فيه. وكذلك في سائر الأشياء ما عدا ما يحرم التفاضل في نقده من الرِّبويات على ما قدمناه. وأما بيع ذلك بالنسيئة ففيه تفصيل وخلاف نذكره. فذهب الكوفيون إلى منع ذلك في الحيوان. فلا يجوز عندهم فرس بفرسين. ولا شاة بشاتين مطلقا إلى أجل، اختلفت صفاتها أو اتفقت؛ لنهيه ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة.

стр. 2524

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خرَّجه البزار (١) من حديث ابن عباس. والترمذي (٢) من حديث الحسن، عن سَمُرة. وقال: إنه حسن صحيح. قلت: ويلزمُهم على هذا: ألا يجيزوا بيع الحيوان بمثله، ولا بخلافه. فلا يجيزون بيع شاة بشاة، ولا بفرس إلى أجل. ويلزمهم عليه ألا يجيزوا فيه القرض (٣)، وكل ذلك معلوم البطلان من الشرع. ويدل على خلاف ما قالوه ما روي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي: أنه ﷺ أمره أن يجهز جيشًا فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ البعير بالبعيرين إلى الصدقة (٤). ومنع مالك ذلك في الجنس الواحد. والجنسية المعتبرة عنده هي اتفاق الأغراض والمنافع، دون الخلق والألوان، مخافة الوقوع في سلف يجرّ نفعًا. فإذا تباينت المقاصد، واختلفت المنافع؛ جاز ذلك. فيجوز عنده حمار فارهٌ في حمارين من حواشي (٥) الحمر إلى أجل، ونقدًا. ولا يجوز في مثليه إلى أجل؛ لأنه سلف جرَّ نفعًا. وكذلك في الثياب وسائر العروض. وقد روي نحو ذلك عن عليّ، وابن عمر، والزهري. وأجاز الشافعي ذلك كله مع الاتفاق والاختلاف. وتابعه على ذلك الثوري، وأبو ثور. وروي عن ابن عباس مثله لحديث عبد الله بن عمرو المتقدم. ولم يروا: أنَّه يلزم منه ما حذره مالك. وقد انفصلت المالكية عن حديث عبد الله بن عمرو بأنه محمول على مختلفَي الجنسين بحسب اختلاف الأسنان والمقاصد، بدليل قوله فيه: أمره أن يأخذ في قلائص الصدقة البعير بالبعيرين. فلو كان البعير المأخوذ

стр. 2525

ثُمَّ لَم يُبَايِع أَحَدًا بَعدُ، حَتَّى يَسأَلَهُ: أَعَبدٌ هُوَ؟ . رواه أحمد (٣/ ٣٤٩)، ومسلم (١٦٠٢)، وأبو داود (٣٣٥٨)، والترمذي (١٢٣٩)، والنسائي (٧/ ١٥٠). * * * ــ ناجزا من جنس البعيرين المأخوذين إلى أجل لكان هذا السلف الجارّ نفعًا المتفق على منعه؛ لأنه لم يقترن به صيغة بيع، ولا شيء يدل عليه. فالصورة صورة القرض، ولا مفرق بينها وبين البيع فيمنع، فلا بدّ أن يُقدر فيها اختلاف الجنسين. وبهذا التأويل يصح الجمع بين الأحاديث؛ أعني: بين هذا الحديث، وبين النهي عن سلف جرّ نفعًا. والجمع أولى من الترجيح. فإن لم يقبل هذا التأويل؛ فالقضية محتملة، مترددة بين أن يكون البعير من جنس البعيرين، أو من غير جنسهما على حدٍّ سواء. فالتحق بالمجملات، فلا يكون فيه حجة لهم. ونبقى نحن متمسكين بالقاعدة الكلية؛ التي هي: حماية المحرَّمات، والله تعالى أعلم. و(قوله: فلم يبايع أحدًا بعد حتى يسأله: أعبد هو؟ ) يعني: أنه لما وقعت له هذه الواقعة أخذ بالحزم والحذر، فكان يسأل من يرتاب فيه. وفيه من الفقه: الأخذ بالأحوط. * * *
следующие страницы →