← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

[١٦٩٣] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَقٌّ، فَأَغلَظَ لَهُ، فَهَمَّ بِهِ أَصحَابُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالَا. فَقَالَ لَهُم: اشتَرُوا لَهُ سِنًّا فَأَعطُوهُ إِيَّاهُ. فَقَالَوا: إِنَّا لَا نَجِدُ إِلَّا سِنًّا ــ الفاخرة. ألا تسمع قوله لعمر ﵁: (أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ ) (١) ثم لَمَّا أخلص الله جوهره. وطيَّب خُبرَهُ وخَبَرَهُ؛ أغناه بعد العيلة، وكثَّره بعد القلة، وأعزه (٢) به بعد الذلة. ومن تمام الحكمة في أخذه ﷺ بالدِّيون ليقتدَي به في ذلك المحتاجون. و(قوله: كان لرجل على رسول الله ﷺ دين، فأغلظ له) هذا الرجل كان من اليهود، فإنهم كانوا أكثر من يعامل بالدَّين. وحكي: أن القول الذي قاله، إنما هو: إنكم يا بني عبد المطلب مُطل. وكذب اليهودي؛ لم يكن هذا معروفًا من أجداد النبي ﷺ ولا أعمامه. بل المعروف منهم: الكرم، والوفاء، والسَّخاء. وبعيد أن يكون هذا القائل مسلمًا؛ إذ مقابلة النبي ﷺ بذلك أذى للنبي ﷺ وأذاه كفر. و(قوله: فهمَّ به أصحاب النبي ﷺ أي: بأخذه لِيُقام عليه الحكم. و(قوله لأصحابه: دعوه (٣)) دليل: على حسن خلقه، وحلمه، وقوة صبره على الجفاء مع القدرة على الانتقام. و(قوله ﷺ : إن (٤) لصاحب الحق مقالا) يعني به: صولة الطلب، وقوَّة الحجة، لكن على من يمطل، أو يسيء المعاملة. وأما من أنصف من نفسه: فبذل

стр. 2522

هُوَ خَيرٌ مِن سِنِّهِ؟ قَالَ: فَاشتَرُوهُ فَأَعطُوهُ إِيَّاهُ، فَإِنَّ مِن خَيرِكُم أَو خَيرَكُم أَحسَنُكُم قَضَاءً. رواه البخاري (٢٣٩٢)، ومسلم (١٦٠١)، والترمذي (١٣١٦)، والنسائي (٧/ ٢٩١). [١٦٩٤] عَن جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ عَبدٌ فَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الهِجرَةِ وَلَم يَشعُر أَنَّهُ عَبدٌ، ــ ما عنده، واعتذر عما ليس عنده، فيقبل عذره، ولا تجوز الاستطالة عليه، ولا كهره (١). و(قوله: اشتروا له سنًّا فأعطوه إياه) دليلٌ على أن هذا الحديث قضية أخرى غير قضية حديث أبي رافع. فإن ذلك الحديث يقتضي: أنه أعطاه من إبل الصدقة، وهذا اشتري له. وفيه دليل: على صحة الوكالة في القضاء. وفيه: جواز الزيادة فيه. وقد تقدَّم تفصيله، وذكر الخلاف فيه. و(قوله: خيركم أحسنكم قضاء) هذا هو اللفظ الفصيح الحسن. وقد روي: (أحاسنكم) وهو جمع: أحسن. ذهبوا به مذهب الأسماء، كأحمد، وأحامد. وقد وقع في الأم في بعض طرقه: (محاسنكم) بالميم، وكأنَّه جمع: مَحسِن، كمطلِع ومطالع. وفيه بُعد. وأحسنُها الأول، والله تعالى أعلم. و(قوله: جاء عبدٌ فبايع النبي ﷺ على الهجرة، ولم يشعر: أنَّه عبد) فيه دليل: على أن الأصل في الناس الحرِّية، ولذلك لم يسأله؛ إذ حمله على ذلك

стр. 2523

فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : بِعنِيهِ. فَاشتَرَاهُ بِعَبدَينِ أَسوَدَينِ، ــ الأصل، حيث لم يظهر له ما يخرجه عن ذلك. ولو لم يكن الأمر كذلك لتعيَّن أن يسأله. وهذا أصل مالك في هذا الباب. فكل من ادعى ملك أحد من بني آدم كان مدفوعًا إلى بيان ذلك، لكن إذا ناكره المدعي رقَّه، وادعى الحرية، وسواءٌ كان ذلك المدَّعى رقُّه ممن كثر ملك نوعه، أو لم يكن. فإن كان في حَوز المدعي لرقِّه كان القول قوله؛ إذا كان حَوز رِقٍّ، فإن لم يكن فالقول قول المدَّعى عليه مع يمينه. و(قوله: فجاء سيِّده يريده، فقال له رسول الله ﷺ : بعنيه) لم يرد في شيء من طرقه: أنه ﷺ طالب سيِّده بإقامة بينة. فيحتمل أن يكون النبي ﷺ علم صحة ملكه له حين عرفَ سيِّده. ويحتمل أن يكون اكتفى بدعواه، وتصديق العبد له. فإن العبد بالغٌ عاقل، يُقبل إقراره على نفسه. ولم يكن للسيِّد من ينازعه، ولا يستحلف السيِّد، كما إذا ادعى اللقطة وعرف عفاصها (١)، ووكاءها، أخذها ولم يستحلف لعدم المنازع فيها. و(قوله: فاشتراه منه بعبدين) هذا إنما فعله النبي ﷺ على مقتضى مكارم أخلاقه، ورغبة في تحصيل ثواب العتق، وكراهية أن يفسخ له عقد الهجرة. فحصل له العتق، وثبت له الولاء. فهذا المعتق مولى للنبي ﷺ غير أنه لا يعرف اسمه. وفيه دليل على جواز بيع الحيوان بالحيوان متفاضلًا نقدًا. وهذا لا يختلف فيه. وكذلك في سائر الأشياء ما عدا ما يحرم التفاضل في نقده من الرِّبويات على ما قدمناه. وأما بيع ذلك بالنسيئة ففيه تفصيل وخلاف نذكره. فذهب الكوفيون إلى منع ذلك في الحيوان. فلا يجوز عندهم فرس بفرسين. ولا شاة بشاتين مطلقا إلى أجل، اختلفت صفاتها أو اتفقت؛ لنهيه ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة.

стр. 2524

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خرَّجه البزار (١) من حديث ابن عباس. والترمذي (٢) من حديث الحسن، عن سَمُرة. وقال: إنه حسن صحيح. قلت: ويلزمُهم على هذا: ألا يجيزوا بيع الحيوان بمثله، ولا بخلافه. فلا يجيزون بيع شاة بشاة، ولا بفرس إلى أجل. ويلزمهم عليه ألا يجيزوا فيه القرض (٣)، وكل ذلك معلوم البطلان من الشرع. ويدل على خلاف ما قالوه ما روي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي: أنه ﷺ أمره أن يجهز جيشًا فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ البعير بالبعيرين إلى الصدقة (٤). ومنع مالك ذلك في الجنس الواحد. والجنسية المعتبرة عنده هي اتفاق الأغراض والمنافع، دون الخلق والألوان، مخافة الوقوع في سلف يجرّ نفعًا. فإذا تباينت المقاصد، واختلفت المنافع؛ جاز ذلك. فيجوز عنده حمار فارهٌ في حمارين من حواشي (٥) الحمر إلى أجل، ونقدًا. ولا يجوز في مثليه إلى أجل؛ لأنه سلف جرَّ نفعًا. وكذلك في الثياب وسائر العروض. وقد روي نحو ذلك عن عليّ، وابن عمر، والزهري. وأجاز الشافعي ذلك كله مع الاتفاق والاختلاف. وتابعه على ذلك الثوري، وأبو ثور. وروي عن ابن عباس مثله لحديث عبد الله بن عمرو المتقدم. ولم يروا: أنَّه يلزم منه ما حذره مالك. وقد انفصلت المالكية عن حديث عبد الله بن عمرو بأنه محمول على مختلفَي الجنسين بحسب اختلاف الأسنان والمقاصد، بدليل قوله فيه: أمره أن يأخذ في قلائص الصدقة البعير بالبعيرين. فلو كان البعير المأخوذ

стр. 2525

ثُمَّ لَم يُبَايِع أَحَدًا بَعدُ، حَتَّى يَسأَلَهُ: أَعَبدٌ هُوَ؟ . رواه أحمد (٣/ ٣٤٩)، ومسلم (١٦٠٢)، وأبو داود (٣٣٥٨)، والترمذي (١٢٣٩)، والنسائي (٧/ ١٥٠). * * * ــ ناجزا من جنس البعيرين المأخوذين إلى أجل لكان هذا السلف الجارّ نفعًا المتفق على منعه؛ لأنه لم يقترن به صيغة بيع، ولا شيء يدل عليه. فالصورة صورة القرض، ولا مفرق بينها وبين البيع فيمنع، فلا بدّ أن يُقدر فيها اختلاف الجنسين. وبهذا التأويل يصح الجمع بين الأحاديث؛ أعني: بين هذا الحديث، وبين النهي عن سلف جرّ نفعًا. والجمع أولى من الترجيح. فإن لم يقبل هذا التأويل؛ فالقضية محتملة، مترددة بين أن يكون البعير من جنس البعيرين، أو من غير جنسهما على حدٍّ سواء. فالتحق بالمجملات، فلا يكون فيه حجة لهم. ونبقى نحن متمسكين بالقاعدة الكلية؛ التي هي: حماية المحرَّمات، والله تعالى أعلم. و(قوله: فلم يبايع أحدًا بعد حتى يسأله: أعبد هو؟ ) يعني: أنه لما وقعت له هذه الواقعة أخذ بالحزم والحذر، فكان يسأل من يرتاب فيه. وفيه من الفقه: الأخذ بالأحوط. * * *

стр. 2526

(٣٤) باب في السلم والرهن في البيع [١٦٩٥] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ وَهُم يُسلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَينِ ــ (٣٤) ومن باب: السلم والرهن (قوله: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السَّنة والسنتين) (يسلفون) معناه: يسلمون. وقد جاء هذا اللفظ في رواية أخرى. فالسَّلم، والسلف هنا: عبارتان عن معبر واحد، غير أن الاسم الخاص بهذا الباب السَّلم؛ لأن السَّلف يقال على القرض، كما تقدَّم. والسَّلم في عرف الشرع: بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق. غير أنَّه مختص بشروط. منها متفق عليها ومنها مختلف فيها. وقد حدَّه أصحابنا بأن قالوا: هو بيع معلوم في الذمَّة، محصور بالصفة، بعين حاضرة، أو ما هو في حكمها، إلى أجل معلوم. فتقييده بمعلوم في الذمة يفيد التحرز من المجهول، ومن السَّلم في الأعيان المعينة، مثل الذي كانوا يسلفون في المدينة حين قدم عليهم النبي ﷺ ، فإنهم كانوا يسلفون في ثمار بأعيانها. فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك، لما فيه من الغرر؛ إذ قد تخلف تلك النخيل فلا تثمر شيئًا. وقولنا: (محصور بالصفة) تحرز عن المعلوم على الجملة دون التفصيل. كما لو أسلم في ثمر، أو ثياب، ولم يبين نوعها، ولا صفتها المعينة. وقولنا: (بعين حاضرة) تحرز من الدَّين بالدَّين. وقولنا: (أو ما هو في حكمها) تحرز من اليومين والثلاثة التي يجوز تأخير رأس مال السَّلم إليها. فإنه يجوز عندنا تأخيره ذلك القدر بشرط، وبغير شرط؛ لقرب ذلك. ولا يجوز اشتراط زيادة عليها. وقولنا: (إلى أجل معلوم) تحرز من السَّلم الحال. فإنه لا يجوز على المشهور. ووصف الأمد بالمعلوم: تحرز من الأجل المجهول الذي كانوا في الجاهلية يسلمون إليه. وسيأتي تفصيل ذلك كله.

стр. 2527

فَقَالَ: مَن أَسلَفَ فِي تَمرٍ فَليُسلِف فِي كَيلٍ مَعلُومٍ، وَوَزنٍ مَعلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعلُومٍ. ــ و(قوله: من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) إنما جرى ذكر التمر في هذه الرواية؛ لأنه غالب ما يسلم فيه عندهم. وقد سكت عنه في الرواية الأخرى، فكانت هذه الرواية دليلًا على جواز السَّلم في كل شيء من الحيوان وغيره من العروض مما تجتمع شروط السَّلم فيه، وهو مذهب الجمهور من الصحابة، والتابعين، وأئمة الفتيا. وقد منع السَّلم والقرض في الحيوان الأوزاعي، والثوري. وروي عن ابن عمر، وابن مسعود. والكتاب والسُّنة حجة عليهم. فمن الكتاب عموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيعَ﴾ وقوله: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ﴾ ومن السُّنة الحديث المتقدم، وقياس الحيوان على العروض، ولا فارق بينهما. وفيه دليل: على اشتراط كون المُسلَم فيه معلوم المقدار. وكذلك لا بُدَّ أن يكون معلوم الصفة المقصودة المعينة، ليرتفع الغرر والجهالة. وهو مجمع عليه، وإنما لم يذكر اشتراطها في هذا الحديث؛ لأنهم كانوا يشترطونها ويعملون عليها، فاستغني عن ذكرها، واعتني بذكر ما كانوا يُخِلُّون به من المقدار والأجل. وأما رأس مال السَّلم: فقد اشترط فيه أبو حنيفة أن يكون معلوم الكيل، أو الوزن. وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز السَّلم بما كان معينًا، ولم يعلم كيله، ولا وزنه. وبه قال الشافعي في أحد قوليه. ولم يرد عن مالك فيه نصٌّ، لكن يتخرج من مسألة جواز بيع الجزاف فيما يجوز فيه جواز السَّلم بالمعين جزافًا. وهو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ لأن التقدير في الجزاف كالتحقيق، فيستوي في جواز ذلك رأس مال السَّلم وغيره. وفيه دليل: على اشتراط الأجل في السَّلم. وهو قول أبي حنيفة. والمشهور من قول مالك، غير أن أبا حنيفة لم يُفرق بين قريب الأجل وبعيده. وأما أصحابنا فقالوا: لا بدَّ من أجل تتغير فيه الأسواق. وأقله عند ابن القاسم خمسة عشر يومًا. وقال غيره: ثلاثة

стр. 2528

وفي رواية: مَن أَسلَفَ فَلَا يُسلِف إِلَّا فِي كَيلٍ مَعلُومٍ، وَوَزنٍ مَعلُومٍ. رواه أحمد (١/ ٢١٧)، والبخاريُّ (٢٢٣٩)، ومسلم (١٦٠٤)، وأبو داود (٣٤٦٣)، والترمذي (١٣١١)، والنسائي (٧/ ٢٩٠). ــ أيام. ولم يَحُدَّها ابن عبد الحكم في روايةٍ (١) عن مالك. بل قال: أيامًا يسيرة. وهذا في البلد الواحد، وأما في البلدين فيغني ما بينهما من المسافة عن اشتراط الأجل إذا كانت معلومة وتعين وقت الخروج. وقال الشافعي: يجوز السَّلم الحالّ (٢). وهذا الحديث حجة عليه، ولا سيما على رواية من رواه: (من أسلم فلا يسلم إلا في كيل معلوم، ووزن معلوم، وإلى أجل معلوم). وكذلك الحديث الذي قال فيه: نهى رسول الله ﷺ عن بيع ما ليس عندك، وأرخص في السَّلم) (٣) لأن السَّلم لما كان بيعٌ معلومٌ في الذمة كان بيعَ غائبٍ، فإن لم يكن فيه أجل كان هو البيع المنهي عنه. وإنما استثنى الشرع السَّلم من بيع ما ليس عندك؛ لأنه بيع تدعو إليه ضرورة كل واحد من المتبايعين، فإن صاحب رأس المال محتاج أن يشتري الثمر، وصاحب الثمرة محتاج إلى ثمنها قبل إبَّانها لينفقه عليها. فظهر: أن صفقة السَّلم من المصالح الحاجيَّة. وقد سَمَّاه الفقهاء بيع المحاويج. فإن جاز حالاًّ بطلت هذه الحكمة، وارتفعت هذه المصلحة، ولم يكن لاستثنائه من بيع ما ليس عندك فائدة. والله أعلم. وأما رأس مال السَّلم: فيجوز أن يتأخر عندنا ثلاثة أيام بشرط وبغير شرط، ولا يجوز تأخيره زيادة عليها بالشرط. فالشرط: وإن وقع كذلك بطل؛ لأنه ظهر

стр. 2529

[١٦٩٦] وعَن عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اشتَرَى مِن يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرعًا لَهُ مِن حَدِيدٍ. ــ مع الزيادة عليها مقصود الدَّين بالدَّين، فلا يجوز بخلاف ما قبلها؛ إذ لا يتبيَّن فيه المقصد إلى ذلك؛ إذ يكون تأخير اليومين والثلاثة ليهيِّئ الثمن، ويحتال في تحصيله. ولم يجز الكوفيون، ولا الشافعي تأخيره عن العقد والافتراق، ورأوا: أنه كالصَّرف، وهذا القياس غير مسلم لهم؛ لأن البابين مختلفان بأخص أوصافهما، فإن الصَّرف بابه ضيق، كثرت فيه التعبُّدات والشروط بخلاف السَّلم فإن شوائب المعاملات عليه أكثر. وأيضًا: فإنه على نقيضه. ألا ترى: أن مقصود الشرع في الصَّرف المناجزة، والمقصود في السَّلم التوسع بالتأخير؛ فكيف تحمل فروع أحدهما على الآخر مع وجود هذه الفروق؟ والسَّلم عندنا له شروط: أن يكون مضمونًا، ومعلوم المقدار، والصِّفة، ثم وإلى أجل لا يتعذر عنده وجود المسَّلم فيه، وأن يكون رأس ماله حاضرًا، أو في حكمه، معلوم المقدار، أو في حكمه. وليس من شرطه أن يكون المسلم إليه مالكا للمسلم فيه، خلافًا لبعض السلف، ولا أن يكون مما لا ينقطع من أيدي الناس جملة، خلافًا لمن شرط ذلك، ولا أن يكون موجودًا حين العقد خلافًا لأبي حنيفة، ولا يشترط فيه أن يذكر موضع القبض، خلافًا للكوفيين، فإنهم اشترطوا ذلك فيما له حمل ومؤونة. وعندنا: أنهم لو سكتوا عنه لم يفسد العقد، ويتعيَّن موضع العقد. وليس من شرطه ألا يكون رأس ماله جزافًا، ولا أن يتأخر، ولا أن يكون المسلم فيه حيوانًا، خلافًا لمن تقدم ذكرهم. ومسائل السلم كثيرة؛ فلتنظر في كتب الفقه، وفيما ذكرناه كفاية. و(قوله: إنه ﷺ اشترى من يهودي طعامًا إلى أجل، ورهنه درعًا له من حديد) فيه دليل على جواز معاملة أهل الذمة - مع العلم بأنهم يبيعون الخمر،

стр. 2530

رواه البخاريُّ (٢٠٦٨)، ومسلم (١٦٠٣) (١٢٦). * * * ــ ويأكلون الرِّبا - لأنَّا قد أقررناهم على ما بأيديهم من ذلك، وكذلك: لو أسلموا (١) لطاب لهم ذلك، وليس كذلك المُسلِم الذي يعمل بشيء من ذلك، لا يقرّ على ذلك، ولا يترك بيده على ما تقدَّم، ولا يجوز أن يعامل من كان كسبه من ذلك، وإذا تاب تصدَّق بما بيده منه. وأما أهل الحرب: فيجوز أن يعاملوا، ويُشترى منهم كل ما يجوز لنا شراؤه وتملكه. ويُباع منهم كل شيء من العروض، والحيوان ما لم يكن ذلك مضرًّا بالمسلمين مما يحتاجون إليه، وما خلا آلة الحرب، وعدَّته، وما يخاف أن يتقوَّوا به على المسلمين، فلا يباع منهم شيء منه، ولا يباع منهم ولا من أهل الذمَّة مسلم ولا مصحف. وقال ابن حبيب: لا يباع من أهل الحرب: الحرير، ولا الكتان، ولا البسط؛ لأنهم يتجمَّلون بذلك في حروبهم، ولا الطَّعام، لعلهم أن يضعفوا. وفيه من الفقه: جواز الأخذ بالدَّين عند الحاجة كما تقدَّم، وجواز الاستيثاق بالرهن والكفالة في الدَّين والسَّلم. وقد منع الرَّهن في السَّلم زفر، والأوزاعي. وهذا الحديث؛ أعني: حديث عائشة ﵂ حجة عليهم؛ إذ لا فرق بين الدَّين والسَّلم. وكذلك عموم قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَينٍ﴾ الآية. وفيه دليل: على جواز الرَّهن في الحضر، وهو قول الجمهور. ومنعه مجاهد، وداود، وهذا الحديث حجة عليهم. ولا حجة لهم في قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم عَلَى سَفَرٍ وَلَم تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقبُوضَةٌ﴾؛ لأنه تمسُّك بالمفهوم في مقابلة المنظوم. وهو فاسد بما قررناه في الأصول. ومعنى الرَّهن

стр. 2531

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عندنا: احتباس العين وثيقة بالحق ليستوفى الحق من ثمنها، أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغريم. ويلزم الرَّهن بالعقد، ويجبر الرَّاهن على دفع الرَّهن ليحوزه المرتهن عندنا خلافًا للشافعي، وأبي حنيفة، فإنهما قالا: لا يجبر عليه، ولا يلزم. والحجة عليهما قوله تعالى: ﴿أَوفُوا بِالعُقُودِ﴾ وهذا عقد، وقوله: ﴿وَأَوفُوا بِالعَهدِ﴾ وهذا عهد، وقوله ﷺ : (المؤمنون عند شروطهم) (١). وهذا شرط، والقبض عندنا شرط في كمال فائدته، واختصاص المرتهن (٢) به، خلافًا لهما، فإن القبض عندهما شرط في لزومه وصحته. ثم إذا حصل الحوز فمتى رجع إلى الرَّاهن باختيار المرتهن بطل الرَّهن عندنا وعند أبي حنيفة. غير أن أبا حنيفة قال: إن رجع إلى يده بعارية أو وديعة لم يبطل. وقال الشافعي: إن رجوعه إلى يد الراهن مطلقا لا يبطل حكم القبض المتقدِّم. ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقبُوضَةٌ﴾ فإذا خرج عن يد القابض إلى يد المقبوض منه لم يصدق عليه ذلك اللفظ لغة، ولا يصدق عليه حكمًا. واستيفاء هذه المباحث في المطوَّلات. * * *

стр. 2532

(٣٥) باب النَّهي عن الحكرة، وعن الحلف في البيع [١٦٩٧] عَن يَحيَى، - وَهُوَ ابنُ سَعِيدٍ - قَالَ: كَانَ سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ يُحَدِّثُ: أَنَّ مَعمَرًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن احتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ. فَقِيلَ لِسَعِيدٍ: فَإِنَّكَ تَحتَكِرُ؟ قَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ مَعمَرًا الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُ هَذَا الحَدِيثَ كَانَ يَحتَكِرُ. وفي لفظ آخر: لَا يَحتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ. رواه مسلم (١٦٠٥)، وأبو داود (٣٤٤٧)، والترمذيُّ (١٢٦٧). ــ (٣٥) ومن باب: النَّهي عن الحكرة (قوله: لا يحتكر إلا خاطئ). الاحتكار في اللغة: الادِّخار و (خاطئ): اسم فاعل من: خطئ - بكسر العين، وهمز اللام - يخطأ -بفتح العين - خطئًا في المصدر - بكسر الفاء، وسكون العين -؛ إذا أثم في فعله، على وزن: علم، يعلم، علمًا، والاسم منه: الخطأ - بفتح الخاء، والطاء -. وأخطأ: إذا سلك سبيل خطأ عامدًا، أو غير عامد. قاله أبو عبيد. وقال: سمعت الأزهري يقول: خطئ: إذا تعمَّد، وأخطأ: إذا لم يتعمَّد، إخطاء، وخطئًا. والخطأ: الاسم. قلت: وهذا الحديث بحكم إطلاقه، أو عمومه يدل: على منع الاحتكار في كل شيء. غير أن هذا الإطلاق قد تقيّد، أو العموم قد تخصص بما قد فعله النبي ﷺ فإنَّه قد ادَّخر لأهله قوت سنتهم. ولا خلاف في أن ما يدخره الإنسان لنفسه وعياله من قوت، وما يحتاجون إليه جائز لا باس به. فإذًا مقصود هذا منع التجار من الادخار. وإذا ظهر ذلك. فهل يمنعون من ادِّخار كل شيء من الأقوات، والحيوان، والعلوفة، والسَّمن، واللَّبن، والعسل، وغير ذلك - أضر

стр. 2533

[١٦٩٨] وعَن أَبي هُرَيرَةَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ــ بالناس أو لم يضر - إذا اشتري في أسواقهم، كما قاله ابن حبيب أخذًا بعموم الخبر أو بإطلاقه؟ أو: إنما يمنعون من ادِّخار ما يضر بالناس ادِّخاره عند الحاجة إليه من الأقوات؟ وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وهو مشهور مذهب مالك. وحملوا النهي على ذلك. قلت: وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى. لأن ما لا يضر بالناس شراؤه، واحتكاره لا يخطأ مشتريه بالاتفاق. ثم إذا اشتراه وصار ملكه فله أن يحتكره، أو لا يحتكره. ثم قد يكون احتكاره لذلك مصلحة ينتفع بها في وقت آخر. فلعل ذلك الشيء ينعدم، أو يقل، فتدعو الحاجة إليه، فيوجد، فترتفع المضرة، والحاجة بوجوده، فيكون احتكاره مصلحة، وترك احتكاره مفسدة. وأما الذي ينبغي أن يمنع ما يكون احتكاره مضرة بالمسلمين. وأشدُّ ذلك في الأقوات لعموم الحاجة، ودعاء الضرورة إليها؛ إذ لا يتصور الاستغناء عنها، ولا يتنزل غيرها منزلتها. فإن أبيح للمحتكرين شراؤها ارتفعت أسعارها، وعز وجودها، وشحت النفوس بها، وحرصت على تحصيلها، فظهرت الفاقات، والشدائد، وعمت المضار، والمفاسد، فحينئذ يظهر: أن الاحتكار من الذنوب الكبار. وكل هذا فيمن اشترى من الأسواق. فأمَّا من جلب طعامًا؛ فإن شاء باع، وإن شاء احتكر، ولا يعرض له إلا إن نزلت حاجة فادحة، وأمر ضروري بالمسلمين، فيجب على من كان عنده ذلك أن يبيعه بسعر وقته، فإن لم يفعل جبر على ذلك، إحياء للمهج، وإبقاء للرَّمق. وأما إن كان اشتراه من الأسواق، واحتكره، وأضر بالناس؛ فيشترك فيه الناس بالسعر الذي اشتراه به. و(قول يحيى بن سعيدٍ لسعيد: إنك تحتكر) يدل على أنهم كانوا لا يتسامحون في ترك العمل بما يروُونه من الحديث. وجواب سعيد أن معمرًا كان

стр. 2534

الحَلِفُ مَنفَقَةٌ لِلسِّلعَةِ، مَمحَقَةٌ لِلرِّبحِ. رواه أحمد (٢/ ٢٣٥)، والبخاري (٢٠٨٧)، ومسلم (١٦٠٧)، وأبو داود (٣٣٣٥)، والنسائي (٧/ ٢٤٦). [١٦٩٩] وعَن أَبِي قَتَادَةَ الأَنصَارِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِيَّاكُم وَكَثرَةَ الحَلِفِ فِي البَيعِ، فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمحَقُ. رواه مسلم (١٦٠٧)، والنسائي (٧/ ٢٤٦)، وابن ماجه (٢٢٠٩). * * * ــ يحتكر دليل على أن العموم يخصص بمذهب الرَّاوي. وقد أوضحنا هذه الطريقة في الأصول. وذلك منهم محمول على أنهم كانوا يحتكرون ما لا يضر بالناس؛ كالزيت، والأدم، والثياب، ونحو ذلك. و(قوله: الحَلِفُ مَنفَقَةٌ للسلعة مَمحَقَةٌ للربح) الرواية: مَنفَقَةٌ، مَمحَقَةٌ -بفتح الميم، وسكون ما بعدها، وفتح ما بعدها- وهما في الأصل: مصدران مزيدان محدودان بمعنى: النَّفاق. والمحق؛ أي: الحلف الفاجرة، تنفق السِّلعة، وتمحق بسببها البركة، فهي ذات نفاق، وذات مَحق (١)؛ ومعنى تمحق البركة: أي تذهبها. وقد تذهب رأس المال والربح، كما قال الله تعالى: ﴿يَمحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُربِي الصَّدَقَاتِ﴾ وقد يتعدى المحق إلى الحالف، فيعاقب بإهلاكه، وبتوالي المصائب عليه. وقد يتعدَّى ذلك إلى خراب بيته وبلده، كما روي: أن النبي ﷺ قال: (اليمين الفاجرة تذر الدِّيار بلاقع) (٢) أي: خالية من سكانها إذا توافقوا على التجرؤ على الأيمان الفاجرة. وأما مَحق الحسنات في الآخرة: فلا بدّ

стр. 2535

(٣٦) باب الشفعة [١٧٠٠] عَن جَابِرٍ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفعَةِ فِي كُلِّ شِركَ ــ منه لمن لم يتب. وسبب هذا كلِّه: أن اليمين الكاذبة يمين غموس، يؤكل بها مال المسلم بالباطل. و(قوله: إيَّاكم وكثرة الحلف فإنه ينفق ثم يمحق) (إياكم) معناه: الزَّجر، والتحذير. و (كثرة) منصوب على الإغراء، كما تقول: إياك والأسد؛ أي: احذره واتقه. وإنما حذر من كثرة الحلف؛ لأن الغالب ممن كثرت أيمانه وقوعه في الكذب والفجور، وإن سلم من ذلك على بعده لم يسلم من الحنث، أو النَّدم؛ لأن اليمين حنث أو مندمة. وإن سلم من ذلك لم يسلم من مدح السلعة المحلوف عليها، والإفراط في تزيينها ليروجها على المشتري، مع ما في ذلك من ذكر الله تعالى لا على جهة التعظيم، بل على جهة مدح السِّلعة، فاليمين على ذلك تعظيم للسِّلع، لا تعظيم لله تعالى. وهذه كلها أنواع من المفاسد لا يقدم عليها إلا من عقله ودينه فاسد. (٣٦) ومن باب: الشفعة (قوله: قضى رسول الله ﷺ بالشُّفعة في كل شرك لم يُقسَم) أي: حكم، وألزم. والشُّفعة في اللغة: هي الضم، والجمع، كما قدمناه في الإيمان. وهي في عرف الشرع: أخذ الشريك الجزء الذي باعه شريكه من المشتري بما اشتراه به، وهي حق للشريك على المشتري، فيجب عليه أن يُشفِعَهُ، ولا يحل له الامتناع من ذلك. و(الشرك): النصيب المشترك. وقد يقال على الشريك، كقوله تعالى: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾؛ أي: شريكًا. ويدل على أن الشفعة إنما

стр. 2536

لَم يُقسَم رَبعَةٍ أَو حَائِطٍ ــ تستحق بالاشتراك في رقبة الملك، لا باستحقاق منفعة في الملك، كممر طريق، ومسيل ماء، واستحقاق سكنى؛ لأن كل ذلك ليس بشرك. و(قوله: لم يقسم) يفيد أن الشفعة لا تجب إلا بالجزء المشاع؛ الذي يتأتى إفرازه بالقسمة، فلا تجب فيما لا ينقسم، كالحمَّام، والرَّحا، وفحل النخل، والبئر، وما أشبه ذلك مما لا ينقسم. وأعني بكونه لا ينقسم: أنه لو قسم لبطلت المنفعة المقصودة منه قبل القسم. كالحمَّام إذا قسم بطل كونه حمامًا، وكذلك الرَّحا. وهذا هو مشهور المذهب. وقيل: تجري الشفعة في ذلك لأنه وإن بطل كونه حمامًا فيصح أن ينقسم بيوتًا مثلًا، أو دكاكين. والظاهر الأول، وهو قول ابن القاسم؛ لأنه يلزم من قسمه إفساد مالية عظيمة، وذلك ضرر عظيم فيدفع. و(قوله: رَبعَة، أو حائط، أو أرض) الرواية الصحيحة فيه بخفض ربعة وما بعده على البدل من: (كل شرك) فهو تفسير له، وتقييد. والرَّبعة: تأنيث الرَّبع. وهو: المنزل. ويجمع ربوعًا، وإنما قيل للمنزل ربع؛ لأن الإنسان يربع فيه؛ أي: يقيم. يقال: هذه ربع، وهذه ربعة. كما يقال: دار، ودارة (١). والحائط: بستان النخل. والأرض يعني بها: البراح الذي لا سكن فيها ولا شجر، وإنما هي معدَّة للزراعة. وقد دلَّ هذا الحديث: على أن الشفعة إنما تستحق في العقار المشترك الذي يقبل القسمة. وهذا هو المحل المتفق على وجوب الشفعة فيه. واختلف فيما عدا ذلك. فذهب بعض المكيين (٢) إلى وجوبها في كل شيء من العقار، والحيوان، والعروض، والأطعمة. وإليه ذهب عطاء في إحدى الروايتين عنه معتمدًا في ذلك

стр. 2537

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على ما خرَّجه الترمذي من حديث ابن عباس مرفوعًا: (الشريك شفيع، والشفعة في كل شيء) (١). وروى الطحاوي نحوه مرفوعًا، ومُتمسِّكًا في ذلك بقياس غير العقار عليه، بعلِّة وجود الاشتراك، ولا حجة في ذلك؛ لأن الحديث ليس بصحيح الإسناد. وإنما صحيحه مرسل، ولو سلمنا صحته، لكنه مقيّد بما ذكرناه من قوله: (ربعة، أو حائط، أو أرض). ومثل هذا التقييد متفق على قبوله عند أهل الأصول؛ لأنه قد اتفق فيه الموجب والموجب، بدليل قوله ﷺ : (إنما الشفعة فيما لم يقسم: ربعة، أو حائط، أو أرض). فأتى بـ (إنَّما) التي هي للحصر. وهو أيضًا مفهوم من الألف واللام في قوله: (الشفعة فيما لم يقسم) وبدليل: زيادة البخاري في هذا الحديث: (فإذا ضربت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة) (٢) وهذا نصٌّ في أن الشفعة مخصوصة بما ذكر في ذلك الحديث. وأما ذلك القياس: فليس بصحيح لوجود الفرق بين الفرع والأصل، فإن الأصل الذي هو العقار يعظم الضرر فيه على الشريك بمشاركة الأجنبي له، ومخالطته، فقد يؤذيه، ولا يقدر على التخلص منه لصعوبة بيع العقار، وتعذر ذلك في أكثر الأوقات، وليست كذلك العروض، وما ينقل ويحوَّل، فإن الانفصال عن الشركة فيه يسير لسهولة بيعها، والخروج عنها في كل الأوقات، وأكثر الحالات؛ فانفصلا، فلا يصح القياس. وإذا ثبت: أن الشفعة شرعت لرفع الضرر الكثير اللازم. فهل الوصفان جزءا علَّة، فلا تجري الشفعة إلا فيما اجتمعا فيه، أو يكون كل واحد منهما علّة مستقلة؟ فيه احتمال. وعليه ينبني الخلاف الذي عند أصحابنا في الشفعة في الثمرة، والدِّيون، وكتابة المكاتب، والكراء، والمساقاة. فإن الضرر فيها يعظم، وإن لم يلازم. فمن رأى أنه علَّة مستقلة أوجب الشفعة، ومن رأى أن العلَّة مجموع الوصفين منعها في ذلك

стр. 2538

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كله. وذهب الشعبي: إلى أنه لا شفعة في مشاع لا يسكن. وقال ابن شعبان مثله عن مالك. فلا شفعة على هذا في أرض، ولا عقار يتخذ للغلَّة. وهو مخالف للحديث المتقدم. فإنه قد نص فيه على الحائط. وهذا المتخذ للغلَّة. وعلى الأرض، وهي تراد للزراعة. والصحيح: الأول. وذهب الجمهور: إلى أن الشفعة لا تجب في الجوار؛ وهو مذهب عمر، وعلي، وعثمان، ومن بعدهم، كسعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وربيعة، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وذهب أبو حنيفة والكوفيون: إلى أنه تجب به الشفعة، وبه قال ابن مسعود. وسببهما معارضة حديثين صحيحين: أحدهما: حديت جابر المتقدم. وقد خرَّجه البخاري. ولفظه فيه: (الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة) (١). وثانيهما: خرَّجه البخاري عن أبي رافع قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (الجار أحق بصقبه) (٢). وقد خرَّجه الترمذي من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : (الجار أحق بشفعته، ينتظر إن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا) (٣). وقد تأوَّل بعض العلماء (الجار) في حديث البخاري بأنَّه الشريك، كما قد تأول بعضهم: أن (الصقب) المذكور فيه حق الجوار، كما قال في الحديث الآخر: أن رجلا قال: يا رسول الله! إن لي جارين. فإلى أيُّهما أُهدي؟ قال: (إلى أقربهما منك بابا) (٤). وهذان التأويلان فيهما بُعدٌ. فإن حديث الترمذي ينصّ على خلاف ذلك. وأشبه ما

стр. 2539

لَا يَحِلُّ لَهُ أَن يَبِيعَ حَتَّى يُؤذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِن شَاءَ أَخَذَ، وَإِن شَاءَ تَرَكَ، ــ يقال في ذلك - فيما يظهر لي -: إن حديث جابر الأول أرجح، لما قارنه من عمل الخلفاء، وجمهور العلماء، وأهل المدينة، وغيرهم، والله تعالى أعلم. وأيضًا فإن أحاديث الجمهور مشهورة متفق على صحتها. وأحاديث الكوفيين ليست بمنزلتها في ذلك، فهي أولى. تفريع: قال سفيان: الشريك أولى بالشفعة، ثمَّ الجار الذي حدُّه إلى حدَّه. وقال أبو حنيفة: الشريك في الملك، ثم الشريك في الطريق، ثم الجار الملاصق، ولا حق للجار الذي بينك وبينه الطريق. و(قوله: لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه) وفي طريق أخرى: (لا يصلح) مكان: (لا يحل). هو محمول على الإرشاد إلى الأولى، بدليل قوله: (فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به). ولو كان ذلك على التحريم لذمَّ البائع، ولفسخ البيع، لكنه أجازه وصحَّحه، ولم يذمّ الفاعل، فدلَّ على ما قلناه. وقد قال بعض شيوخنا: إن ذلك يجب عليه. و(قوله: فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك) يعني: إن شاء أخذ الشقص (١) بما أعطي به من الثمن؛ لأنه أحق به بعد البيع، فيكون له بما أعطي به من الثمن قبله. وفيه دليل: على أن من نزل عن الشفعة قبل وجوبها لزمه ذلك إذا وقع البيع، ولم يكن له أن يرجع فيه. وبه قال الثوري، وأبو عبيد، والحكم. وهي إحدى الروايتين عن مالك، وأحمد بن حنبل. وذهب مالك في المشهور عنه، وأبو حنيفة (٢)، وعثمان البتي، وابن أبي ليلى: إلى أن له الرُّجوع في ذلك، وهذا الخلاف جار في كل من أسقط شيئًا قبل وجوبه، كإسقاط الميراث قبل موت

стр. 2540

فَإِذَا بَاعَ وَلَم يُؤذِنهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ. وفي رواية: مَن كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي رَبعَةٍ أَو نَخلٍ، فَلَيسَ لَهُ أَن يَبِيعَ حَتَّى يُؤذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِن رَضِيَ أَخَذَ، وَإِن كَرِهَ تَرَكَ. ــ المورث، وإجازة الوارث الوصية قبل الموت، وإسقاط المرأة ما يجب لها من نفقة وكسوة في السَّنة القابلة. ففي كل واحدة من تلك المسائل قولان. و(قوله: وإن باع فهو أحق به) يعني: أن الشريك أحق به بالثمن الذي اشتراه به المشتري من عين أو عرض، نقدا أو إلى أجل. وهو قول مالك وأصحابه. وذهب أبو حنيفة والشافعي: إلى أنَّه لا يشفع إلى الأجل، وأنه إن شاء شفع بالنقد، وإن شاء صبر إلى الأجل، فيشفع عنده. واختلف أصحابنا إذا لم يعلم الشفيع إلا بعد حلول الأجل. هل يضرب له مثل ذلك الأجل، أو يأخذه بالنقد؛ على قولين. و(قوله: من كان له شرك) عموم في المسلم وفي الذمِّي. وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة. وحكي عن الشعبي، والثوري: أنه لا شفعة للذمِّي؛ لأنه صاغر. وهو قول أحمد. والصواب: الأول للعموم، ولأنَّه حق جرى بسببه، فيترتب عليه حكمه من استحقاق طلبه وأخذه، كالدَّين، وأرش الجناية. و(قوله في حديث البخاري: فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة) حجة للجمهور على الكوفيين القائلين بوجوب الشفعة لجار الدار. وقد ذهب بعض شيوخنا: إلى أن حديث الترمذي في شفعة الجار محمول على الندب، لا على الوجوب. قلت: أحاديث الشفعة إنما جاءت في انتقال الملك بالبيع، ويلحق به ما في معناه من المعاوضات، كدفع الشَّقص في صداق، أو أجرة، أو أرش جناية، وما أشبه ذلك. فهذا فيه الشفعة. ولا ينبغي أن يختلف فيه؛ لأنه من أقوى مراتب

стр. 2541

وفي أخرى: الشُّفعَةُ فِي كُلِّ شِركٍ فِي أَرضٍ، أَو رَبعٍ، أَو حَائِطٍ. وذكر نحو الأول. رواه أحمد (٣/ ٢٩٦)، والبخاريُّ (٢٢١٣)، ومسلم (١٦٠٨)، وأبو داود (٣٥١٤)، والترمذيُّ (١٣٧٠)، والنسائيُّ (٧/ ٣٢١)، وابن ماجه (٢٤٩٩). * * * ــ الإلحاق. وأما انتقال الملك بالميراث فلا شفعة فيه؛ لأنه لا يصح إلحاقه بالمعاوضات؛ لأنه انتقال في (١) غير عوض؛ ولا اختيار، فلا شفعة فيه بوجه. وقد حكي الاتفاق على ذلك، غير أنه قد انفرد الطابقي (٢) فحكى عن مالك: أنه رأى الشفعة في الميراث. وهو قول شاذّ، منكر نقلًا ونظرًا. واختلف في المنتقل بالهبة، والصدقة. هل فيه شفعة أو لا؟ على قولين مشهورين. سببهما: تردّد الصدقة والهبة بين المعاوضات والميراث. فمن حيث إنه انتقال عن اختيار يشبه البيع، ومن حيث إنه خلي عن العوض أشبه الميراث. والأولى - والله أعلم - إجراء الشفعة فيها؛ لعموم قوله ﷺ : (الشفعة في كل شرك لم يقسم) ولم يفرق بين جهات الأملاك. وللحوق الضرر الشديد الملازم الداخل على الشريك اختيارًا. ولا يُرَدُّ الميراث؛ لأنَّه ملك جبري، لا اختيار فيه للمنتقل إليه، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 2542

(٣٧) باب غرز الخشب في جدار الغير، وإذا اختلف في الطريق [١٧٠١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَمنَع أَحَدُكُم جَارَهُ أَن يَغرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ ــ (٣٧) ومن باب: غرز الخشب في جدار الغير، وإذا اختلف في الطريق (قوله: لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره) اختلف العلماء في تمكين رب الحائط من هذا عند السؤال. فصار مالك في المشهور عنه، وأبو حنيفة: إلى أن ذلك من باب الندب، والرفق بالجار، والإحسان إليه، ما لم يضر ذلك بصاحب الحائط. ولا يجبر عليه من أباه، متمسكين في ذلك بقول النبي ﷺ : (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه) (١) ولأنه لما كان الأصل المعلوم من الشريعة: أن المالك لا يجبر على إخراج ملك عن يده بعوض، كان أحرى وأولى ألا يخرج عن يده بغير عوض. وصار آخرون: إلى أن ذلك على الوجوب، ويجبر من أباه عليه. وممن ذهب إلى ذلك: الشافعي، وأحمد بن حنبل، وداود بن علي، وأبو ثور، وجماعة من أهل الحديث، وهو مذهب عمر. وحكي ذلك عن المُطَّلب - قاضٍ كان بالمدينة - يقضي (٢) به، متمسكين بظاهر النهي المذكور، ولأنه قد روي من طريق آخر عن أبي هريرة في هذا الحديث: (لا يحل لامرئ مسلم أن يمنع جاره أن يغرز خشبات في جداره) (٣). وبقضاء عمر

стр. 2543

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﵁ على محمد بن مسلمة وعلى يحيى المازني بمثل ذلك من المرور بالربيع (١)، وتحويله في أرضهما، على ما رواه مالك في الموطأ (٢). ولم يسمع بمخالف له في ذلك من الصحابة غير محمد بن مسلمة. وهو المحكوم عليه. قلت: وقد دفعت كل طائفة ما احتجت به الأخرى بوجوه من التأويلات لا تبعد على من تأملها، تركناها لطولها. والأولى: القول الأول؛ لأنه الذي تشهد له الأصول. فرع على القول بالندب: إذا أذن له في ذلك إذنًا مطلقا لم يكن له أن يطالبه بقلعها إلا إن دعت إلى ذلك ضرورة، كبناء الجدار، أو شيء لا بدّ منه؛ لأن الإذن المطلق يقتضي التأبيد، فإن أذن له إلى مدَّة معينة فله ذلك عند انقضائها. و(قوله: أن يغرز خشبة) روي بتوحيد (خشبة) وبجمعها، قال الطحاوي عن روح بن الفرج: سألت أبا زيد، والحارث بن مسكين، ويونس بن عبد الأعلى عنه. فقالوا: (خشبة) بالنصب والتنوين واحدة. قال عبد الغني: كل الناس يقولون بالجمع إلا الطحاوي. قلت: وإنما اعتنى هؤلاء الأئمة بتحقيق الرواية في هذا الحرف؛ لأن أمر الخشبة الواحدة يخف على الجار المسامحة به. وأما إذا قال: خُشُبَهُ؛ فقد لا يتسامح في الكثير منها، ويثقل ذلك للحوق الضرر بذلك. حكي: أن يونس بن عبد الأعلى الصُّدفي سأل عبد الله بن وهب: كيف تروي الحديث: (خشبة) على الإفراد؛ فقال: الذي سمعناه من جماعة: (خشبة) على لفظ الواحد. وقال عبد الغني بن سعيد الحافظ: كل الناس يقوله على الجمع إلا الطحاوي. ورجَّح بعض الأشياخ ما قاله عبد الغني بن سعيد بالألفاظ الواردة في طرق الحديث منها:

стр. 2544

قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيرَةَ: مَا لِي أَرَاكُم عَنهَا مُعرِضِينَ، وَاللَّهِ لَأَرمِيَنَّ بِهَا بَينَ أَكتَافِكُم. رواه أحمد (٤/ ٤٦٣)، والبخاري (٢٤٦٣)، ومسلم (١٦٠٩)، وأبو داود (٣٦٣٤)، والترمذي (١٣٥٣)، وابن ماجه (٢٣٣٥). ــ قوله ﷺ : (ليس لجار أن يمنع جاره أن يضع أعواده على جداره). وفي رواية أخرى: (أن يضع جذوعه) وفي أخرى: (أن يغرز خشبًا) وفي أخرى: (أطراف خشب). فهذه الألفاظ جميعها توضح: أنه جمع (١). و(قوله: ما لي أراكم عنها معرضين) الضمير في (عنها) يعود إلى (٢) المقالة التي صدرت منه لهم. وأنثها على المعنى. وهذا القول منه إنكارٌ عليهم، لما رأى منهم من الإعراض واستثقال ما سمعوه منه، وذلك: أنهم لم يقبلوا عليه، بل طأطؤوا رؤوسهم، كما رواه الترمذي (٣) في هذا الحديث. و(قوله: والله لأرمين بها بين أظهركم) وفي أخرى: (لأضربن بها بين أعينكم وإن كرهتم) ذكرها أبو عمر (٤)؛ أي: لأحدثنكم بتلك المقالة التي استثقلتم سماعها من غير مبالاة. ولا تقية، وأوقعها بينكم كما يوقع السهم بين الجماعة. ففيه من الفقه: تبليغ العلم لمن لم يرده، ولا استدعاه؛ إذا كان من الأمور المهمة. ويظهر منه: أن أبا هريرة كان يعتقد وجوب بذل الحائط لغرز الخشب، وأن السامعين له لم يكونوا يعتقدون ذلك. وأما رواية: (لأضربن بها أعينكم): فهي على جهة المثل؛ الذي قصد به الإغياء في الإنكار؛ لأنه فهم عنهم الإعراض عما

стр. 2545

[١٧٠٢] وعنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا اختَلَفتُم فِي الطَّرِيقِ، جُعِلَ عَرضُهُ سَبعَ أَذرُعٍ. رواه أحمد (٢/ ٢٢٨ و ٤٢٩)، والبخاري (٢٤٧٣)، ومسلم (١٦١٣)، وأبو داود (٣٦٣٣)، والترمذي (١٣٥٥)، وابن ماجه (٢٢٣٨). * * * ــ قال، والكراهة، فقابلهم بذلك. والرواية المشهورة: (أكتافكم) - بالتاء باثنتين من فوقها - جمع: كتف. وقد وقع في الموطأ من رواية يحيى: (أكنافكم) بالنون، جمع: كنف، وهو: الجانب. و(قوله: إذا اختلفتم في الطريق جعل عرضه سبع أذرع) هذا محمول على أمهات الطرق؛ التي هي ممر عامة الخلق بأحمالهم، ومواشيهم. فإذا تشاح من له أرض تتصل بها مع من له فيها حق جعل بينهما سبع أذرع، بالذراع المتعارفة في ذلك طريقًا للناس، وخلي بينهما وبين ما زاد على ذلك. وأما بنيات الطرق فبحسب ما تدل عليه العادة، وتدعو إليه الحاجة، وذلك يختلف بحسب اختلاف أحوال المتنازعين. فليست طريق من عادته استعمال الدواب والمواشي وأهل البادية كعادة من لا يكون كذلك من أهل الحاضرة، ولا مسكن الجماعة كمسكن الواحد والاثنين، وإنما ذلك بحسب مصلحتهم. وعلى هذا يحتاج أهل البادية من توسيع الطريق إلى ما لا يحتاج إليه أهل الحاضرة. وتحتاج طرق الفيافي والقفار من التوسيع أكثر من سبع أذرع؛ لأنها مجرُّ الجيوش والرِّفاق الكبار. وهذا كله تفصيل أصحابنا، وصحيح مذهب مالك. ولو جعل الطريق في كل محل سبع أذرع لأضر ذلك بأملاك كثير من الناس. ويلزم أن تجعل بنيَّات الطرق من الأزقة وغيرها كالأمهات المسلوكة للناس، وكطرق الفيافي. وذلك محالٌّ عادي، وفساد ضروري.

стр. 2546

(٣٨) باب إثم من غصب شيئًا من الأرض [١٧٠٣] عَن هِشَامِ بنِ عُروَةَ، عَن أَبِيهِ: أَنَّ أَروَى بِنتَ أُوَيسٍ، ادَّعَت عَلَى سَعِيدِ بنِ زَيدٍ أَنَّهُ أَخَذَ شَيئًا مِن أَرضِهَا، فَخَاصَمَتهُ إِلَى مَروَانَ بنِ الحَكَمِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا كُنتُ آخُذُ مِن أَرضِهَا شِبرًا بَعدَ الَّذِي سَمِعتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: وَمَا سَمِعتَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن أَخَذَ شِبرًا مِن الأَرضِ ظُلمًا، طُوِّقَهُ إِلَى سَبعِ أَرَضِينَ، ــ (٣٨) ومن باب: إثم من غصب شيئًا من الأرض (قوله ﷺ : (من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه إلى سبع أرضين) هذا وعيدٌ شديدٌ، يفيد: أن أخذ شيء من الأرض بغير حقه من أكبر الكبائر على أي وجه كان من غضب، أو سرقة، أو خديعة، قليلًا كان أو كثيرًا. ألا تسمع قوله ﷺ : (وإن كان قيد شبر). واختلف في معنى: (طوقه). فقيل: معناه: كلّف أن يطيق حمله، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَغلُل يَأتِ بِمَا غَلَّ يَومَ القِيَامَةِ﴾ وقد جاء في غير مسلم: (جاء يحمله يوم القيامة إلى سبع أرضين) (١) وفي أخرى: (كُلِّف أن يحمل ترابها إلى المحشر) (٢). وقيل: جعلت في عنقه كالطَّوق؛ كما قال تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَومَ القِيَامَةِ﴾ وهو ظاهر حديث عائشة ﵂: (طوقه من سبع أرضين). وقيل:

стр. 2547

فَقَالَ لَهُ مَروَانُ: لَا أَسأَلُكَ بَيِّنَةً بَعدَ هَذَا. ــ خسف به في مثل الطوق منها. وهو ظاهر قوله: (طوقه الله إلى سبع أرضين). وفي البخاري (١) نصًّا: (خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين). وقيل: يجمع ذلك كله عليه. وقد دلّ على ذلك ما رواه الطبري في هذا الحديث، وقال: (كلفه الله حمله حتى يبلغ سبع أرضين، ثم يطوقه يوم القيامة حتى يقضي الله بين الناس). والله تعالى أعلم. وفيه ما يدل: على أن الأرضين سبع، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرضِ مِثلَهُنَّ﴾؛ أي: في العدد؛ لأن الكيفية والصفة مختلفة بالمشاهدة والأخبار، فتعيَّن العدد، والله تعالى أعلم. وقد استدل به الداودي: على أن السبع الأرضين لم يفتق بعضها من بعض. قال: لأنه لو فتق بعضها من بعض لم يطوق منها ما ينتفع به غيره. وقد جاء في غلظهن، وما بينهن خبر، وليس في ذلك شيء صحيح. وقد استدل غيره به: على أن من ملك شيئًا من الأرض ملك ما تحته مما يقابله. فكل ما يجد فيه من معدن، أو كنز فهو له. وقد اختلف في ذلك في المذهب. فقيل ذلك، وقيل: هو للمسلمين. وعلى ذلك فله أن ينزل بالحفر ما شاء ما لم يضر بمن يجاوره. وكذلك: أن يرفع في الهواء المقابل لذلك القدر من الأرض من البناء ما شاء ما لم يضر بأحد، فيُمنَع. وقول مروان لما سمع الحديث: (لا أسألك بينة) قرأناه بفتح الكاف على خطاب سعيد، وهو صحيح (٢)، وفيه إشكال، وذلك: أن الأرض كانت في يد سعيد وادعت المرأة: أنَّه غصبها إيَّاها. ألا ترى قول عروة: إن أروى ادعت على سعيد: أنه أخذ لها شيئًا من أرضها، فهو المدَّعى عليه، وكيف يكلف المدَّعى عليه إقامة البينة على إبطال دعوى المُدَّعِي؟ ! وإنما القضاء كما قال النبي ﷺ للحضرمي

стр. 2548

فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِن كَانَت كَاذِبَةً فَأعم بَصَرَهَا، وَاقتُلهَا فِي أَرضِهَا. قَالَ: فَمَا مَاتَت حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، ثُمَّ بَينَا هِيَ تَمشِي فِي أَرضِهَا إِذ وَقَعَت فِي حُفرَةٍ فَمَاتَت. ــ المدَّعِي: (شاهداك أو يمينه) (١) وإنما يصلح أن يخاطب بهذه الكاف المدَّعِية. وعلى هذا: فينبغي أن تكون مكسورة، ويكون مروان قال ذلك لها كفًّا لها عن تماديها على دعواها؛ لعلمه بصدق سعيد من جهة قرائن أحواله، لا أن الخبر الذي ذكره يدلُّ على براءته من دعواها، لكن ما كان معلومًا من دين سعيد ومن ورعه وفضله، وأنه مشهود له بالجنة، وعظم هذا الوعيد الشديد الذي سمعه من النبي ﷺ مشافهة مع نزارة هذا القدر المدّعى عليه به. فحصل عند مروان العلم بصدقه، فقال للمرأة: لا أسألك بينة؛ أي: لأنك لا تجدينها بوجه. ثم إنه لم يقض بينهما بشيء، ولم يحوجه سعيدٌ إلى قضاء، بل بادر إلى أن سلم لها ما ادَّعته وزادها من أرضه. فقال: دعوها لها. قلت: فهذا الذي ظهر لي في هذا الخطاب، فإنه إن كان متوجهًا لسعيد لزم أن يكون مروان عدل عن جهة القضاء المنصوص عليها؛ التي لا اختلاف فيها، وأن سعيدًا أقرَّه عليها. وكل ذلك باطل، فتعيَّن ما اخترناه، والله تعالى أعلم. ويعني بـ (البينة): من يشهد لسعيد بصحة الحديث الذي رواه، لأنه صدقه في الرواية، ولم يحتج إلى الاستظهار بزيادة شهادة غيره على ذلك، ولم يرد بالبينة هنا: الشهادة التي يستند حكم الحاكم إليها؛ لأنها لا تلزم المدّعى عليه، فكيف يسقط عنه ما لا يلزم؟ (٢) و(قول سعيد: اللهم! إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واقتلها في أرضها)

стр. 2549

وفي رواية: فَقَالَ سعيد: دَعُوهَا وَإِيَّاهَا. وفيها: فَرَأَيتُهَا عَميَاءَ تَلتَمِسُ الجُدُرَ، تَقُولُ: أَصَابَتنِي دَعوَةُ سَعِيدِ. رواه أحمد (٢/ ٣٨٧)، ومسلم (١٦١٠) (١٣٩). ــ دليلٌ على أن سعيدًا استجاز الدُّعاء على الظالم بأكثر مما ظلم فيه. وفيه إشكال مع قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثلُهَا﴾ وقوله: ﴿فَمَنِ اعتَدَى عَلَيكُم فَاعتَدُوا عَلَيهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيكُم﴾ ووجه الإشكال: أنه كما لا يجوز أن يأخذ من الظالم والغاصب زيادة على القصاص، أو على مقدار ما أخذ، كذلك لا يجوز أن يدعو عليه بزيادة على ذلك، لإمكان الإجابة، فتحصل الزيادة الممنوعة، ولو لم يستجب له؛ أليس قد أراد وتمنى شرًّا زائدًا على قدر الجناية للمسلم؟ ! وهو ممنوع منه، وإنما الذي يجوز أن يدعو به على الظالم: أن يقول: اللهم خذ لي حقي منه. اللهم افعل به ما فعل، وما أشبه ذلك ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزمِ الأُمُورِ﴾ ويجاب عنه بالفرق بين الدَعاء على الظالم بأكثر مما ظلم فيه، وبين أن يفعل به أكثر مما ظلم فيه؛ فإن الدعاء ليس مقطوعًا بإجابته، فإذا صدر عن المظلوم بحكم حرقة مظلمته، وشدَّة موجدته، لم نقل: إنه صدر عنه محرَّم، وغاية ذلك: أن يكون ترك الأولى؛ لأنه منتصر، ولأنه لم يصبر. ولذلك قال النبي ﷺ : (إيَّاك ودعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب (١)) (٢) ويدل على جواز ذلك: ما روي: أن النبي ﷺ رأى رجلًا خَلِق الثياب، فأمره أن يلبس ثوبيه، فلما لبسهما قال: (ما له؟ - ضرب الله عنقه - أليس هذا خيرًا) (٣) وفي كتاب أبي داود: عن

стр. 2550

[١٧٠٤] وعَن أَبي سَلَمَةَ، وَكَانَ بَينَهُ وَبَينَ قَومِهِ خُصُومَةٌ فِي أَرضٍ، وَأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا فَقَالَت: يَا أَبَا سَلَمَةَ، اجتَنِب الأَرضَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن ظَلَمَ قِيدَ شِبرٍ مِن الأَرضِ، طُوِّقَهُ مِن سَبعِ أَرَضِينَ. رواه البخاري (٢٤٥٣)، ومسلم (١٦١٢). [١٧٠٥] ومن حديث أَبِي هُرَيرَةَ: لَا يَأخُذُ أَحَدٌ شِبرًا مِن الأَرضِ بِغَيرِ حَقِّهِ إِلَّا طَوَّقَهُ اللَّهُ إِلَى سَبعِ أَرَضِينَ يَومَ القِيَامَةِ. رواه مسلم (١٦١١). * * * ــ سعيد بن غزوان، عن أبيه: أنه مرَّ بين يدي رسول الله ﷺ بتبوك، وهو يصلي، فقال: (قطع صلاتنا، قطع الله أثره) قال: فما قمت عليهما إلى يومي هذا - يعني: رجليه (١) -؛ (٢) فدلَّ هذا على أن الدَّعاء المذكور ليس محرَّمًا. وأما قوله: إنه أراد الشرَّ للظالم وتمنَّاه. فنقول بجواز ذلك، ليرتدع الظالم عن شره، أو غيره ممن يريد الظلم والشر. ولو سلمنا: أن ذلك لا يجوز لأمكن أن يقال: إنه لا يلزم من الدُّعاء بالشر أن يكون ذلك الشر متمنَّى، ولا مرادًا للدَّاعي، فإن الإنسان قد يدعو على ولده وحبيبه بالشر؛ بحكم بادرة الغضب (٣)، ولا يريد وقوعه به، ولا يتمناه، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 2551

(١٩) كتاب الوصايا والفرائض (١) باب الحث على الوصية وأنها بالثلث لا يتجاوز [١٧٠٦] عَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا حَقُّ امرِئٍ مُسلِمٍ لَهُ شَيءٌ يُرِيدُ أَن يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيلَتَينِ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكتُوبَةٌ عِندَهُ. ــ (١٩) كتاب الوصايا والفرائض (١) باب الحث على الوصية وأنها بالثلث لا يتجاوز (١) الوصايا: جمع وصية؛ كالقضايا: جمع قضية، وهي في الأصل: عبارة عن كل شيء يؤمر بفعله، ويعهد به في الحياة، وبعد الموت. وخصَّصها العرف بما يعهد بفعله وتنفيذه بعد الموت. و(قوله ﷺ : (ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) الحق في اللغة هو: الثابت مطلقا. فإذا أطلق في الشرع، فالمراد به: ثبوت الحكم فيه. ثم الحكم الثابت في الشريعة يكون: واجبا، ومندوبًا، ومباحًا؛ إذ كل واحد منها ثابت وموجود فيها، لكن إطلاق الحق على

стр. 2552

وفي رواية: يَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ، وفيها: قَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ: ــ المباح قل ما يقع في الشريعة، وإنما يوجد فيها بمعنى الواجب، والندب. فإن اقترن به (على) أو ما في معناها؛ ظهر فيه قصد الوجوب. وإن لم يقترن به ذلك؛ كان محتملًا للأمرين، كما قد جاء في هذا الحديث. وعلى هذا: فلا حجة لداود في التمسك بحق الذي في هذا الحديث على وجوب الوصية؛ لأنه لم يقترن به قرينة تزيل إجماله، فإن أبى إلا دعوى ظهوره قابلناه بما قاله بعض أصحابنا في هذا الحق: إنه قد اقترن به ما يدلّ على الندب. وهو إضافته للمسلم، وتعليق الوصية على الإرادة في قوله: (ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه). واقتران مثل هذا يقوِّي إرادة الندب. ثم لو سلمنا: أن ظاهره الوجوب فنقول بموجبه، فيمن كانت عليه حقوق للناس يخاف ضياعها عليهم، أو كانت له حقوق عند أناس يخاف تلفها على الورثة، فهذا تجب عليه الوصية. ولا يختلف فيه إذا خاف ضياعها بسبب الموت. وإذا تقرر هذا؛ فاعلم: أن الوصية في أول الإسلام كانت واجبة للوالدين والأقربين قبل نزول المواريث، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُم إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوتُ إِن تَرَكَ خَيرًا الوَصِيَّةُ لِلوَالِدَينِ وَالأَقرَبِينَ بِالمَعرُوفِ حَقًّا عَلَى المُتَّقِينَ﴾ وهي بمجموع قرائنها نصٌّ في وجوب الوصية لمن ذكر فيها، ثم: إنها بعد ذلك نسخت. واختلف في ناسخها. فقيل: آية المواريث. وفيه إشكال؛ إذ لا تعارض بين أن يجمع بينهما، فيكون للقرابة أخذ المال بالوصية عن المورث، وبالميراث إن لم يوص، أو ما بقي بعد الوصية، لكن هذا قد منع الإجماع منه. وهو خلاف نص قوله ﷺ : (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصيه لوارث) (١). فإذًا آية المواريث لم تستقل بنسخ آية الوصية، بل بضميمةٍ أخرى، وهي السُّنَّة المذكورة، ولذلك قال بعض علمائنا: إن نسخ الوصية للقرابة إنما كان بالسُّنة المذكورة، غير أنه يرد عليه: أن هذا نسخ القرآن بخبر الواحد.

стр. 2553

مَا مَرَّت عَلَيَّ لَيلَةٌ مُنذُ سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ إِلَّا وَعِندِي وَصِيَّتِي. رواه أحمد (٢/ ٥٧ و ٨٠)، والبخاري (٢٧٢٨)، ومسلم (١٦٢٧)، وأبو داود (٢٨٦٢)، والترمذي (٩٧٤)، والنسائي (٦/ ٢٣٨)، وابن ماجه (٢٦٩٩). ــ والجواب عنه: إنَّ ذلك قد كان معمولًا به في الصحابة كما قد حكاه الأصوليون في كتبهم. ولو سلمنا: أن ذلك لا يجوز؛ فلم يكن ذلك الخبر آحادًا، بل كان متواترًا. فإن النبي ﷺ ألقاه على أهل عرفة يوم عرفة، وأخبرهم بنسخ ذلك بسنَّته. وأهل عرفة عدد (١) كثير، وجم غفير، لا يحيط بهم بلد، ولا يحصرهم عدد، فقد كان متواترًا، فنسخ المقطوع بالمقطوع. ونحن وإن كان هذا الخبر قد بلغنا آحادًا؛ لكن قد انضم إليه إجماع المسلمين: أنَّه لا تجوز الوصية لوارث، فقد ظهر: أن وجوب الوصية للأقربين منسوخ بالسُّنة، وأنها مستند المجمعين، غير أنه قد ذهبت طائفة؛ وهم: الحسن، وقتادة، والضحاك، وطاوس: إلى أن وجوب الوصية ليس منسوخًا في حق جميع القرابة، بل في حق الوارثين خاصة. واختاره الطبري. قلت: وعلى هذا فلا يكون هذا نسخًا عند هؤلاء، بل: تخصيصًا لعموم قوله تعالى: ﴿وَالأَقرَبِينَ﴾ بقوله ﷺ : (لا وصية لوارث) (٢) وهذا لا يحتاج فيه أن يكون قوله: (لا وصية لوارث) متواترًا؛ لأنه يجوز تخصيص القرآن بالسنة غير المتواترة اتفاقًا من الأكثر. وهو الصحيح على ما ذكرناه في الأصول. و(قوله: له شيء يوصي فيه) عامٌّ في الأموال والبنين الصغار، والحقوق التي له وعليه كلها، من ديون، وكفارات، وزكوات فرَّط فيها، فإذا وصَّى بذلك؛ أخرجت الديون من رأس المال. والكفارات، والزكوات من ثلثه، على تفصيل يعرف في الفقه.

стр. 2554

[١٧٠٧] وعَن عَامِرِ بنِ سَعدٍ، عَن أَبِيهِ قَالَ: عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ مِن وَجَعٍ أَشفَيتُ مِنهُ عَلَى المَوتِ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ــ و(قوله: يبيت ليل ين) المقصود بذكر الليلتين، أو الثلاث: التقريب، وتقليل مدَّة ترك كتب الوصية. ولذلك لَمَّا سمعه ابن عمر لم يبت ليلة إلا بعد أن كتب وصيته. والحزم المبادرة إلى كتبها أول أوقات الإمكان، لإمكان بغتة الموت التي لا يأمنها العاقل ساعة. ويحتمل أن يكون إنما خصَّ الليلتين بالذكر فسحة لمن يحتاج إلى أن ينظر فيما له وما عليه، فيتحقق بذلك، ويروي (١) فيها ما يوصي به، ولمن يوصي، إلى غير ذلك. و(قوله: إلا ووصيته مكتوبة عنده) ذِكرُ الكتابة مبالغة في زيادة الاستيثاق؛ لأنه إنما يعني: بكونها مكتوبة، مشهودًا بها. وهي الوصية المتفق على العمل بها، فلو أشهد بها العدول، وقاموا بتلك الشهادة لفظًا لعُمِل بها، وإن لم تكتب خطًا، فلو كتبها بيده، ولم يشهد بها؛ فلم يختلف قول مالك: أنه لا يُعمل بها إلا فيما يكون فيها من إقرار بحق لمن لا يتهم عليه، فيلزم تنفيذه. واختلف عن مالك فيما إذا كتبها، وأشهد عليها، فقال فيها: إن مت في سفري هذا، أو في مرضي هذا، فسلم من الموت في ذلك السَّفر والمرض، ولم يخرجها من يده حتى مات بعد ذلك. فهل تنفذ أو لا؟ قولان. فلو وضعها على يد غيره نُفِّذَت. ولو لم يقيدها بذلك المرض ولا بذلك السَّفر، وأمسكها عنده إلى أن مات نُفِّذت قولًا واحدًا. وتفصيل مسائل الوصايا في الأمهات. و(قوله في حديث سعد: عادني رسول الله ﷺ في وجع أشفيت منه على الموت) عادني: زارني. ولا يقال ذلك إلا لزيارة المريض. فأما الزيارة فأكثرها للصحيح. وقد تقال للمريض. فأمَّا قوله تعالى: ﴿حَتَّى زُرتُمُ المَقَابِرَ﴾

стр. 2555

بَلَغَنِي مَا تَرَى مِن الوَجَعِ، وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا بنَت لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَي مَالِي؟ قَالَ: لَا. قَالَ: قُلتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطرِهِ؟ قَالَ: ــ فكناية (١) عن الموت. و(الوجع) اسم لكل مرض. قاله الحربي. و (أشفيت): أشرفت. يقال: أشفى وأشاف بمعنى واحد. قاله الهروي. وقال القتبي: لا يقال: أشفى إلا على شرّ. وفيه: عيادة الفضلاء والكبراء للمرضى، وتفقد الرَّجل الفاضل أصحابه وإخوانه. و(قوله: بلغني من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي) فيه ما يدلُّ على أن إخبار المريض بحاله لا على جهة التشكّي والتَّسخُّط جائز، وغير منقص لثوابه. ألا ترى: أن النبي ﷺ لم يصدر عنه إنكار، ولا تنبيه على تنقيص أجر ولا غيره (٢). و(ذو مال): وإن صلح للكثير والقليل الذي ليس بتافه؛ فالمراد به ها هنا: المال الكثير بقرينة الحال. و(قوله: ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة) ظاهر هذا: أنه ليس له وارث إلا ابنة واحدة. وليس كذلك. فإنَّه كان له ورثة وعصبة. وإنما معنى ذلك: لا يرثني بالسَّهم إلا ابنة واحدة. وقيل: لا يرثني من النساء إلا ابنة واحدة. وكلاهما محتمل. ثم أفاق من مرضه، وكان له بعده ثلاثة من الولد ذكور؛ أحدهم: اسمه عامر، وهو راوي هذا الحديث عن أبيه كما ذكرناه. و(قوله: أفاتصدَّق بثلثي مالي؛ قال: لا) ظاهر هذا السؤال: أنه إنما سأل عن الوصية بثلثي ماله لتنفذ بعد الموت. يدل على ذلك: قرائن المرض، وذكر الورثة، وغير ذلك. ويحتمل: أن يكون عن صدقة بتلة (٣)، يخرجها في الحال. وفيه بُعدٌ. وكيف ما كان فقد أجيب: بأن ذلك لا يجوز إلا في الثلث خاصة. قال

стр. 2556

لَا، الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، ــ القاضي عياض: أجمع العلماء: على أن من مات وله ورثة فليس له أن يوصي بجميع ماله إلا شيئًا روي عن بعض السَّلف، أجمع الناس بعده على خلافه. والجمهور: على أنه لا يوصي بجميع ماله (١)، وإن لم يكن له وارث. وذهب أبو حنيفة، وأصحابه، وإسحاق، وأحمد، ومالك - في أحد قوليهما - إلى جواز ذلك. وروي عن علي، وابن مسعود. وسبب هذا الخلاف: الخلاف في بيت المال هل هو وارث، أو حافظ لما يجعل فيه. وفيه دليل: على أن المريض محجور عليه في ماله (١). وهو مذهب الجمهور. وشذَّ أهل الظاهر، فقالوا: لا يحجر عليه في ماله وهو كالصحيح. وظاهر هذا: الحديث، والنظر، والمعنى: حجة عليهم. ومنع أهل الظاهر الوصية بأكثر من الثلث وإن أجازها الورثة. وأجاز ذلك الكافة إذا أجازها الورثة. وهو الصحيح؛ لأن المريض إنما منع من الوصية بزيادة على الثلث لحق الوارث، بدليل قوله ﷺ : (إنك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالة) فإذا أسقط الورثة حقهم كان ذلك جائزًا وصحيحًا. و(قوله: الثلث، والثلث كثير) وروي: (الثلث) الأول بالرفع على الابتداء، وإضمار الخبر؛ أي: الثلث كافيك. وقيل: يجوز على أن يكون فاعلًا لفعل مضمر. قلت: وفيه ضعف؛ لأنه لا يكون ذلك إلا بعد أن يكون في صدر الكلام ما يدل على الفعل دلالة واضحة، كقوله تعالى: ﴿وَإِن أَحَدٌ مِنَ المُشرِكِينَ استَجَارَكَ فَأَجِرهُ حَتَّى يَسمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾، على خلاف بين الكوفيين والبصريين. فالبصريون يرفعونه بالفعل. والكوفيون بالابتداء. وروي بالنصب على أن يكون

стр. 2557

إِنَّكَ أَن تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغنِيَاءَ خَيرٌ مِن أَن تَذَرَهُم عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَلَستَ تُنفِقُ نَفَقَةً تَبتَغِي بِهَا وَجهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرتَ بِهَا، ــ مفعولًا بفعل مضمر تقديره: نفذ الثلث. أو: أمض الثلث. وما أشبهه، وقيل: على الإغراء. وفيه بُعدٌ. وهو حجة للجمهور على جواز الوصية بالثلث على من شذّ، وخالفهم، وقال: لا يجوز إلا بالربع، لكن لما استكثر النبي ﷺ الثلث؛ قال ابن عباس: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع حَضًّا على ذلك. وكل ذلك رفق بالورثة، وترجيح لجانبهم على الصدقة للأجانب. قلت: وعلى هذا فمن حسنت نيَّته فيما يبقيه لورثته كان أجره في ذلك أعظم من الصدقة به، لا سيما إذا كانوا ضعافًا، والله تعالى أعلم. و(قوله: إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة) روايتنا في (أن تذر) بفتح الهمزة، و (أن) مع الفعل بتأويل المصدر في موضع رفع بالابتداء، وخبره (خير) المذكور بعده، والمبتدأ وخبره خبر (إنك) تقديره: إنك تركك ورثتك أغنياء خير من تركهم فقراء. وقد وهم من كسر الهمزة من (أن) وجعلها شرطًا؛ إذ لا جواب له ويبقى (خير) لا رافع له. فتأمله. و(العالة): الفقراء. و (يتكففون الناس): يسألون الصدقة من أكف الناس: أو يسألونهم بأكفهم. وهذا يدلُّ على أنَّه كان له ورثة غير الابنة التي ذكرها، ويصحح ذلك التأويل الذي ذكرناه. وفيه دليل: على صحة ميراث ذي السهم مع العصبة. ولا خلاف فيه. و(قوله: ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها) هذا يفيد بمنطوقه: أن الأجر في النفقات لا يحصل إلا بقصد القربة إلى الله وإن كانت واجبة. وبمفهومه: أن من لم يقصد القربة لم يؤجر على شيء منها.

стр. 2558

حَتَّى اللُّقمَةُ تَجعَلُهَا فِي فِيِّ امرَأَتِكَ. ــ والمعنيان صحيحان. يبقى أن يقال: فهل إذا أنفق نفقةً واجبةً على الزوجة، أو الولد الفقير، ولم يقصد التقرب؛ هل تبرأ ذمته، أم لا؟ فالجواب: أنها تبرأ ذمته من المطالبة؛ لأن وجوب النفقة من العبادات المعقولة المعنى، فتجري بغير نيَّة، كالدِّيون، وأداء الأمانات، وغيرها من العبادات المصلحية، لكن إذا لم ينو لم يحصل له أجر. وقد قرَّرنا هذا في أصول الفقه. ويفهم منه بحكم عمومه: أن من أنفق نفقة مباحة، وصحَّت له فيها نيَّةُ التَّقرب أثيب عليها، كمن يطعم ولده لذيذ الأطعمة ولطيفها ليردَّ (١) شهوته، ويمنعه من التشوُّف لما يراه بيد الغير من ذلك النوع، وليرق طبعه، فيحسن فهمه، ويقوى حفظه، إلى غير ذلك مما يقصده الفضلاء. و(قوله: حتى اللقمة تضعها (٢) في فِي امرأتك) يجوز في (اللقمة) النصب على عطفها على (نفقة). وأظهر من ذلك أن تنصبها بإضمار فعل؛ لأن الفعل قد اشتغل عنها بضميره. وهذا كقول العرب: أكلتُ السمكةَ حتى رأسها أكلته. وقد أجاز في (رأسها) الرفع، والنصب، والجر، وأوضح هذه الأوجه: النصب. وأبعدها الخفض. وكل ذلك جائز في (حتى اللقمة) ها هنا فَنَزِّلهُ عليه. والذي به قرأت هذا الحرف: النصب لا غير. وإنما خصَّ الزوجة بالذِّكر لأن نفقتها دائمة، تعودُ منفعتُها إلى المنفق، فإنها تحسنها في بدنها، ولباسها، وغير ذلك. فالغالب من الناس: أنه ينفق على زوجته لقضاء وطره، وتحصيل شهوته، وليس كذلك النفقة على الأبوين، فإنها تخرج بمحض الكلفة، والمشقة غالبًا، فكانت نية التقرُّب فيها أقرب وأظهر. والنفقة على الولد فيها شبه من نفقة الزوجة، ومن نفقة الأبوين، من حيث المحبة الطبيعية، والكلفة الوجودية.

стр. 2559

قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أأُخَلَّفُ بَعدَ أَصحَابِي؟ قَالَ: إِنَّكَ لَن تُخَلَّفَ فَتَعمَلَ عَمَلًا تَبتَغِي بِهِ وَجهَ اللَّهِ إِلَّا ازدَدتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفعَةً، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يُنتفَعَ بِكَ أَقوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمضِ لِأَصحَابِي هِجرَتَهُم، وَلَا تَرُدَّهُم عَلَى أَعقَابِهِم، ــ وإنما ذكر النبي ﷺ لسعد هذا الكلام في هذا الموطن تنبيها على الفوائد التي تحصلُ بسبب المال، فإنه إن مات أُثيب على ترك ورثته أغنياء من حيث إنه وصل رحمهم، وأعانهم بماله على طاعة الله تعالى، كما قال: (إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة) أي: ذلك أفضل من صدقتك بمالك، وإن لم تمت حصل لك أجر النفقات الواجبة والمندوب إليها. ويخرج من هذا الحديث: أن كسب المال وصرفه على هذه الوجوه أفضل من ترك الكسب، أو من الخروج عنه جملة واحدة. وكل هذا: إذا كان الكسب من الحلال الخلي عن الشبهات؛ الذي قد تعذَّر الوصول إليه في هذه الأوقات. و(قوله: أَأُخلَّفُ بعد أصحابي؟ ) هذا الاستفهام إنما صدر عن سعد مخافة أن يكون مقامه بمكة بعد أصحابه إلى أن يموت بها قادحًا في هجرته، كما قد نصَّ عليه في الرواية الأخرى؛ إذ قال فيها: (لقد خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها). فأجابه النبي ﷺ بما يقتضي: أن ذلك لا يكون، وأنه يطول عمره إلى أن ينتفع به قومٌ، ويستضرُّ به آخرون. وقد كان ذلك. فإنه عاش بعد ذلك نيفًا وأربعين سنة، وولي بالعراق أميرًا، وفتحها الله تعالى على يديه، فأسلم على يديه بشرٌ كثير، فانتفعوا به، وقتل وأسر من الكفار خلقًا كثيرًا، فاستضروا به، فكان ذلك القول من أعلام نبوَّته، وأدلَّة صدق رسالته. و(قوله: اللهم! أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم) يقتضي أن تبقى عليهم حال هجرتهم وأحكامها. ويفيد: أن استصحاب أحكامها كان واجبا على من هاجر، فيحرم عليه الرجوع إلى وطنه، وترك المدينة إلى أن

стр. 2560

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يموت بها، وإن كان قد ارتفع حكم وجوب أصلها عمن لم يهاجر يوم الفتح، حيث قال: (لا هجرة بعد الفتح) (١) وقال: (إن الهجرة قد مضت لأهلها) (٢) أي: من كان هاجر قبل الفتح صحَّت له هجرته، ولزمه البقاء عليها إلى الموت. ومن لم يكن هاجر سقط ذلك عنه. ومن نقض الهجرة خاف المهاجرون، حيث تحرَّجوا من مقامهم بمكة في حجة الوداع. وهذا هو الذي خاف منه سعد. فإن قضيته هذه كانت في حجة الوداع. وهذا هو الذي نقمه الحجَّاجُ على ابن الأكوع (٣) لما ترك المدينة ولزم الربذة فقال: تغربت يا ابن الأكوع (٣)؟ ! فأجابه: بأن قال له: إن رسول الله ﷺ أذن لي في البدو. وهذا هو الظاهر من جملة ما ذكرناه من هذه الأحاديث. وبه قال بعض أهل العلم. وهو الذي يدلُّ عليه قوله ﷺ : (لكن البائسُ سعدُ بن خولة) رثى له رسول الله ﷺ أن توفي بمكة، وسيأتي الكلام عليه. وقال آخرون: إن وجوب الهجرة؛ ووجوب استدامة حكمها؛ قد ارتفع يوم الفتح، وإنما لزم المهاجرون المقام بالمدينة بعد الهجرة في حياة رسول الله ﷺ لنصرته، ولأخذ شريعته، ومشافهته، وللكون معه اغتنامًا لبركته. ثم لما مات: فمنهم من أقام بالمدينة، وأكثرهم ارتحل عنها. ولما فتحت الأمصار استوطنوها، وتركوا سكنى المدينة. فاستوطن الشام قوم منهم، واستوطن آخرون العراق، وآخرون مصر.
следующие страницы →