← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واجبان له؛ إذ ليست أوصافُ كمالِ (١) الله وجلالُهُ مُستفادةً مِن غيره، بل هي واجبة الوجود لذواتها، بحيثُ لا يجوزُ عليها العدَمُ ولا النقص، ولا يجوزُ عليه تعالى نقيضُ شيءٍ من ذلك، فكمالُهُ وجلالُهُ حقيقةٌ له؛ بخلاف كمالنا، فإنَّه مستفادٌ مِنَ الله تعالى، ويجوزُ عليه العدَمُ وطروءُ النقيضِ والنقصِ. وإذا كان هذا، فالتكبُّرُ والتعاظُمُ خُرقٌ مِنَّا، ومستحيل في حقِّنا؛ ولذلك حرَّمهما الشرع، وجعلهما من الكبائر؛ لأنَّ مَن لاحظَ كمالَ نفسه ناسيًا مِنَّةَ الله تعالى فيما خصَّه به، كان جاهلاً بنفسه وبربِّه، مغترًّا بما لا أصلَ له، وهي صفةُ إبليسَ الحاملةُ له على قوله: أَنَا خَيرٌ مِنهُ وصفةُ فرعونَ الحاملةُ له على قوله: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعلَى ولا أقبَحَ ممَّا صارا إليه؛ فلا جَرَمَ كان فرعونُ وإبليسُ أَشَدَّ أهلِ النار عذابًا؛ نعوذ بالله من الكِبرِ والكفر. وأمَّا مَن لاحظ مِن نفسه كمالاً، وكان ذاكرًا فيه مِنَّةَ الله تعالى عليه به، وأنَّ ذلك مِن تفضُّله تعالى ولطفه، فليس مِنَ الكِبرِ المذمومِ في شيء، ولا مِنَ التعاظُمِ المذموم، بل هو اعترافٌ بالنعمة، وشُكرٌ على المِنَّة. والتحقيقُ في هذا: أنَّ الخَلقَ كلَّهم قوالبُ وأشباح، تجري عليهم أحكامُ القُدرة؛ فمَن خصَّه الله تعالى بكمالٍ، فذلك الكمالُ يرجعُ للمكمِّلِ الجاعل، لا للقالَبِ القابل. ومع ذلك: فقد كمَّل الله الكمالَ بالجزاءِ والثناءِ عليه؛ كما قد نقَصَ النقصَ بالذمِّ والعقوبةِ عليه، فهو المُعطِي والمُثنِي، والمُبلِي والمعافي؛ كيف لا وقد قال العليُّ الأعلى: أَنَا اللهُ خَالِقُ الخَيرِ وَالشَّرِّ؛ فَطُوبَى لِمَن خَلَقتُهُ لِلخَيرِ وَقَدَرتُهُ عَلَيهِ، وَالوَيلُ لِمَن خَلَقتُهُ لِلشَّرِّ وَقَدَرتُهُ عَلَيهِ (٢)؛ فلا حِيلَةَ تعمل مع قهر؛ لَا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ.

стр. 282

ثَوبُهُ حَسَنًا، وَنَعلُهُ حَسَنَةً؟ قَالَ: إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ؛ الكِبرُ: بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمطُ النَّاسِ. ــ ولمَّا تقرَّر أنَّ الكِبرَ يستدعي متكبَّرًا عليه، فالمتكبَّرُ عليه إن كان هو اللهَ تعالى، أو رُسُولَهُ، أو الحَقَّ الذي جاءت به رسلُهُ؛ فذلك الكِبرُ كُفر. وإن كان غَيرَ ذلك؛ فذلك الكِبرُ معصيةٌ وكبيرة، يُخَافُ على المتلبِّس بها المُصِرِّ عليها أن تُفضِيَ به إلى الكُفر، فلا يدخُلُ الجنَّة أبدًا. فإن سَلِمَ مِن ذلك، ونفَذَ عليه الوعيد، عوقبَ بالإذلالِ والصَّغَار، أو بما شاء اللهُ مِن عذابِ النار، حتَّى لا يبقى في قلبه مِن ذلك الكِبرِ مثقالُ ذَرَّة، وخَلُصَ من خَبَثِ كِبره حتى يصيرَ كالذَّرَّة؛ فحينئذ يتداركُهُ الله برحمتِه، ويخلِّصُهُ بإيمانِهِ وبركتِه. وقد نصَّ على هذا المعنى النبيُّ ﷺ في المحبوسين على الصِّرَاط لما قال: حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا، أُذِنَ لَهُم فِي دُخُولِ الجَنَّةِ (١)، والله تعالى أعلم. و(قوله: إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ): الجمالُ لغةً: هو الحُسنُ؛ يقال: جَمُلَ الرجلُ يَجمُلُ بالضمِّ، جَمَالاً؛ فهو جميلٌ، والمرأةُ جميلة، ويقال: جَملَاءُ عن الكِسائيِّ. وهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ الجميل مِن أسماء الله تعالى، وقال بذلك جماعةٌ من أهل العلم، إلَاّ أنَّهم اختلفوا في معناه: فقيل: معناه معنى الجليل؛ قاله القشيريُّ. وقيل: معناه ذو النُّورِ والبهجة، أي: مالكُهُمَا؛ قاله الخَطَّابيّ. وقيل: جميلُ الأفعالِ بكُم والنظرِ إليكم؛ فهو يُحِبُّ التجمُّلَ منكم في قلَّةِ إظهارِ الحاجة إلى غيره؛ قاله الصَّيرَفيُّ. وقال: الجميلُ: المنزَّهُ عن النقائص، الموصوفُ بصفاتِ الكمال، الآمِرُ بالتجمُّلِ له بنظافةِ الثياب والأبدان، والنزاهةِ عن الرذائلِ والطغيان، وسيأتي القولُ في أسماء الله تعالى. وبَطَرُ الحقِّ: إبطالُهُ؛ من قول العرب: ذهَبَ دمُهُ بِطرًا وبُطرًا؛ أي: باطلاً.

стр. 283

وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يَدخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلبِهِ مِثقَالُ حَبَّةٍ مِن خَردَلٍ مِن إِيمَانٍ، وَلَا يَدخُلُ الجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلبِهِ مِثقَالُ حَبَّةِ من خَردَلٍ مِن كِبرٍ. رواه أحمد (١/ ٣٩٩ و ٤٥١)، ومسلم (٩١)، وأبو داود (٤٠٩١)، والترمذي (١٩٩٩)، وابن ماجه (٥٩). ــ وقال الأصمعيُّ: البَطَرُ: الحَيرة، أي: يتحيَّرُ عند الحقِّ؛ فلا يراه حَقًّا. وغَمطُ النَّاسِ: احتقارُهُم واستصغارهم؛ لما يرى مِن رِفعته عليهم، وهو بالغين المعجمة والطاء المهملة. ويُروَى: غَمص بالصاد المهملة في كتاب الترمذي، ومعناهما واحد؛ يقال: غَمَطَ الناسَ وغَمَصَهُم: إذا احتقرهم. والمِثقَالُ: مِفعالٌ من الثِّقَلِ، ومِثقالُ الشيء: وزنه، يقال: هذا على مِثقَالِ هذا، أي: على وزنه. والمرادُ بالإيمان في هذا الحديث: التصديقُ القلبيُّ المذكورُ في حديث جبريل، ويُستفادُ منه: أنَّ التصديق القلبيَّ على مراتب، ويزيدُ وينقصُ؛ على ما يأتي في حديث الشفاعة، إن شاء الله تعالى. وهذه النارُ المذكورةُ هنا: هي النارُ المُعَدَّةُ للكفَّارِ التي لا يُخرَجُ منها مَن دخلها؛ لأنَّه قد جاء في أحاديثِ الشفاعةِ المذكورةِ بعد هذا أنَّ خَلقًا كثيرًا ممَّن في قلبه ذَرَّاتٌ كثيرةٌ من الإيمانِ يدخلون النار، ثُمَّ يُخرَجون منها بالشفاعة أو بالقَبضة (١)؛ على ما يأتي، ووجهُ التلفيق: أنَّ النارَ دَرَكَاتٌ؛ كما قال الله تعالى: إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّركِ الأَسفَلِ مِنَ النَّارِ وأهلُهَا في العذاب على مراتبَ ودَرَكاتٍ؛ كما قال الله تعالى: أَدخِلُوا آلَ فِرعَونَ أَشَدَّ العَذَابِ، وأنَّ نارَ مَن يعذَّبُ من الموحِّدين أخفُّها عذابًا، وأقرَبُهَا خروجًا؛ فمَن أُدخِلَ النارَ من الموحِّدين، لم يُدخَل نار الكفَّار، بل نارًا أخرى يموتون فيها، ثُمَّ يُخرَجون منها؛ كما جاء في الأحاديث الصحيحة الآتية بعد هذا، إن شاء الله تعالى.

стр. 284

[٧٣] وَعَن جَابِرٍ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رسولَ الله، مَا المُوجِبَتَانِ؟ قَالَ: مَن مَاتَ لَا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَن مَاتَ يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ النَّارَ. رواه أحمد (٣/ ٣٩١ - ٣٩٢)، ومسلم (٩٣). * * * ــ و(قوله: ما المُوجِبَتَانِ؟ ) سؤالُ مَن سمعهما ولم يدر ما هما، فأجابَهُ النبيُّ ﷺ بأنَّهما: الإيمانُ، والشِّرك، وسُمِّيَا بذلك؛ لأنَّ الله تعالى أوجَبَ عليهما ما ذكره مِنَ الخلودِ في الجنة أو في النار. و(قوله: مَن مَاتَ لَا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا، دَخَلَ الجَنَّةَ) أي: من مات لا يتخذ معه شريكًا في الإلهية، ولا في الخَلقِ، ولا في العبادة. ومن المعلومِ مِنَ الشَّرعِ المجمَعِ عليه مِن أهل السنَّة: أنَّ مَن مات على ذلك فلا بدَّ له من دخول الجنَّة، وإن جرَت عليه قبل ذلك أنواعٌ من العذاب والمحنَة، وأنَّ مَن مات على الشرك لا يدخُلُ الجَنَّة، ولا يناله من الله تعالى رَحمَة، ويخلُدُ في النارِ أبدَ الآباد، مِن غيرِ انقطاعِ عذابٍ ولا تصرمِ آباد، وهذا معلومٌ ضروريٌّ من الدِّين، مجمَعٌ عليه من (١) المسلمين. وأما قولُ ابن مسعود المذكورُ في أصلِ كتاب مسلم، وهو قوله: قُلتُ أَنَا: وَمَن مَاتَ لَا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، فيعني بذلك: أنه لم يسمع هذا اللفظَ من النبيِّ ﷺ نصًّا، وإنما استنبطَهُ استنباطًا من الشريعة؛ فإمَّا مِن دليلِ خطابِ قولِهِ ﵊: مَن مَاتَ يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ النَّارَ، أو مِن ضرورةِ انحصار الجزاءِ في الجنة والنار، أو مِن غير ذلك. وعلى الجملة فهذا الذي لم يسمعه ابنُ مسعودٍ من النبيِّ ﷺ هو حقٌّ في نفسه، وقد رواه جابرٌ في هذا الحديث من قول النبي ﷺ ؛ ولذلك اكتفينا به في المختصَرِ عن نقل ابن مسعود.

стр. 285

(٣١) بَابٌ رُكُوبُ الكَبَائِرِ غَيرُ مُخرِجٍ للمُؤمِنَ مِن إِيمَانِهِ ٩٤ - [٧٤] عَن أَبي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَتَانِي جِبرِيلُ ﵇، فَبَشَّرَنِي: أَنَّهُ مَن مَاتَ مِن أُمَّتِكَ لَا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، قُلتُ: وَإِن زَنَى وَإِن سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِن زَنَى، وَإِن سَرَقَ. ــ (٣١) وَمِن بَابٍ رُكُوبُ الكَبَائِرِ غَيرُ مُخرِجٍ للمُؤمن مِن إِيمَانِهِ (قوله ﵊: أَتَانِي جِبرِيلُ، فَبَشَّرَنِي: أَنَّهُ مَن مَاتَ مِن أُمَّتِكَ لَا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ) يدلُّ على شِدَّةِ تَهمُّمِ النبيِّ ﷺ بأمرِ أُمَّته، وتعلُّقِ قَلبِهِ بما يُنجِيهم، وخوفِهِ عليهم؛ ولذلك سكَّن جبريلُ قلبَهُ بهذه البشرَى. وهذا نحو مِن حديثِ عمرو بن العاص الذي يأتي بعد هذا، الذي قال فيه: إنَّ النبيَّ ﷺ تلا قولَ إبراهيمَ ﵇: فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَن عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وقولَ عيسى: إِن تُعَذِّبهُم فَإِنَّهُم عِبَادُكَ وَإِن تَغفِر لَهُم فَإِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ. فرفَعَ النبيُّ ﷺ يدَيهِ وبكى (١)، وقال: رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، فنزَلَ عليه جبريلُ، فقال له مُخبِرًا عن الله تعالى: إِنَّ الله سيُرضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا يَسُوؤُكَ (٢). وهذا منه ﷺ مُقتَضَى ما جبله الله تعالى عليه من الخُلُقِ الكريم، وأنَّه بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم. و(قوله: لَا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا) معناه بحكم أصلِ الوضعِ: ألَاّ يَتَّخِذَ معه شريكًا في الألوهية، ولا في الخَلقِ؛ كما قدَّمناه. لكنَّ هذا القولَ قد صار بحكمِ العُرف: عبارةً عن الإيمان الشرعي؛ أَلَا تَرَى أنَّ من وحَّد الله تعالى ولم يؤمن

стр. 286

وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: عَلَى رَغمِ أَنفِ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: فَخَرَجَ أبو ذَرٍّ وهو يَقُولُ: وَإِن رَغِمَ أَنفُ أَبِي ذَرٍّ. رواه أحمد (٥/ ٦١)، والبخاري (٢٣٨٨)، ومسلم (٩٤)، وأبو داود (٢٦٤٦). * * * ــ بالنبيِّ ﷺ ، لم ينفعهُ إيمانُهُ بالله تعالى، ولا توحيدُهُ، وكان من الكافرين بالإجماعِ القطعيِّ. و(قوله: عَلَى رَغمِ أَنفِ أَبِي ذَرٍّ) رويناه بفتح الراء، وهي إحدى لغاته؛ فإنَّه يقال بفتحها وضَمِّها وكسرها، وهو مصدرُ رَغِمَ، بفتح الغين وكسرها، وهو مأخوذٌ من الرَّغَامِ، وهو التراب، يقال: أرغَمَ اللهُ أنفه، أي: أَلصَقَهُ بالتراب، ورَغِمَ أنفي لله، أي: خضَعَ وذَلَّ؛ فكأنَّه لَصِقَ بالتراب. والمراغمةُ: المغاضبة، والمُرَاغَمُ: المذهَبُ والمَهرَب، ومنه: يَجِد فِي الأَرضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً. وإنما واجَهَ النبيُّ ﷺ أبا ذَرٍّ بهذه الكلماتِ؛ لِمَا فهم عنه من استبعادِهِ دخولَ مَن زنى ومن سرق الجَنَّةَ، وكان وقَعَ له هذا الاستبعادُ بسببِ ظاهرِ قَولِه ﷺ : لَا يَزنِي الزَّانِي حِينَ يَزنِي وهو مُؤمِنٌ (١). . الحديثَ، ومما هو في معناه، فردَّ النبيُّ ﷺ هذا الوَهمَ وأنكره، وكان هذا الحديثُ نَصًّا (٢) في الرَّدِّ على المُكَفِّرَةِ بالكبائر؛ كما تقدَّم. وخروجُ أبي ذَرٍّ قائلاً: وَإِن رَغِمَ أَنفُ أَبِي ذَرٍّ، رجوعٌ منه عمَّا كان وقَعَ له من ذلك، وانقيادٌ للحقِّ لمَّا تبيَّن له. * * *

стр. 287

(٣٢) بَابٌ يُكتَفَى بِظَاهِرِ الإِسلَامِ، وَلَا يُبقَّرُ عَمَّا فِي القُلُوبِ [٧٥] عَنِ المِقدَادِ بنِ الأَسوَدِ؛ أَنَّهُ قَالَ: يَا رسولَ الله، أَرَأَيتَ إِن لَقِيتُ رَجُلاً مِنَ الكُفَّارِ، فَقَاتَلَنِي، فَضَرَبَ إِحدَى يَدَيَّ بِالسَّيفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ: أَسلَمتُ لِلّهِ، أَفَأَقتُلُهُ يَا رسولَ الله، بَعدَ أَن قَالَهَا؟ ــ (٣٢) وَمِن بَابٍ يُكتَفَى بِظَاهِرِ الإِسلَامِ، وَلَا يُبقَّرُ (١) عَمَّا فِي القُلُوبِ (قوله: أَرَأَيتَ إِن جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الكُفَّارِ، فَقَاتَلَنِي؟ ) دليلٌ على جوازِ السؤالِ عن أحكامِ النوازلِ قبل وقوعها. وقد رُوِيَ عن بعضِ السلف: كراهيَةُ الكلامِ في النوازلِ قبل وقوعها، وهذا إِنَّما يُحمَلُ على ما إذا كانت تلك المسائلُ مما لا تقَعُ، أو تقعُ نادرًا، فأمَّا ما يتكرَّر من ذلك، ويكثُرُ وقوعه: فيجبُ بيانُ أحكامِهَا على مَن كانت له أهليةُ ذلك، إذا خِيفَ الشُّغُور (٢) عن المجتهدين والعلماءِ في الحالِ أو في الاستقبال؛ كما قد اتَّفَقَ عليه أئمَّةِ المسلمين مِنَ السلف: لما توقَّعوا ذلك، فرَّعوا الفروعَ ودوَّنوها وأجابوا عما سُئِلُوا عنه مِن ذلك؛ حِرصًا على إظهارِ الدِّين، وتقريبًا على مَن تعذَّرَت عليه شروطُ الاجتهادِ مِنَ اللاحقين. و(قوله: لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ) أي: استتَرَ؛ يقال: لَاذَ يَلُوذُ لِوَاذًا: إذا استتَرَ، والمَلَاذُ: ما يُستَتَرُ به. و(قوله: أَسلَمتُ لِلّهِ) أي: دخلتُ في دينِ الإسلامِ، وتَدَيَّنتُ به. وفيه: دليلٌ

стр. 288

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَقتُلهُ، قَالَ: فَقُلتُ: يَا رسولَ الله، إِنَّهُ قَد قَطَعَ يَدِي، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعدَ أَن قَطَعَهَا، أَفَأَقتُلُهُ؟ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : لَا تَقتُلهُ؛ فَإِن قَتَلتَهُ، فَإِنَّهُ بِمَنزِلَتِكَ قَبلَ أَن تَقتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنزِلَتِهِ قَبلَ أَن يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ. ــ على أَنَّ كلَّ مَن صدَرَ عنه أمرٌ مَّا يدُلُّ على الدخولِ في دينِ (١) الإسلامِ مِن قولٍ أو فعل، حُكِمَ له لذلك بالإسلام، وأنَّ ذلك ليس مقصورًا على النطقِ بكلمتَيِ الشهادة. وقد حكَمَ النبيُّ ﷺ بإسلامِ بني جَذِيمة الذين قتلهم خالدُ بنُ الوليد، وهم يقولون: صَبَأنَا صَبَأنَا، ولم يُحسِنُوا أن يقولوا: أَسلَمنَا، فلمَّا بلغ ذلك النبيَّ ﷺ ، قال: اللَّهُمَّ، إِنِّي أَبرَأُ إِلَيكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ، رافعًا يدَيهِ إلى السماء، ثم وَدَاهُم (٢). على أنَّ قوله في هذه الرواية: أَسلَمتُ لِلّهِ يَحتملُ أن يكونَ ذلك نقلاً بالمعنى، فيكونُ بعض الرواة عبَّر عن قوله: لا إله إلا الله بأَسلَمتُ؛ كما قد جاء مفسَّرًا في رواية أخرى قال فيها: فَلَمَّا أَهوَيتُ لِأَقتُلَهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ. وأَهوَيتُ: مِلتُ لقتله؛ قال الجوهريُّ: أهوَى إليه بيده ليأخذه، وقال الأصمعيُّ: أهوَيتُ بالشيءِ: إذا أومأتُ إليه، ويقال: أهوَيتُ له بالسيف، فأمَّا هَوَى، فمعناه: سقَطَ إلى أسفل، ويقال: انهوى بمعناه، فهو مُنهَوٍ. و(قوله: إِن قَتَلتَهُ، فَإِنَّهُ بِمَنزِلَتِكَ قَبلَ أَن تَقتُلَهُ) يعني، والله أعلم: أنَّه بمنزلتِكَ في عِصمة الدم؛ إذ قد نطَقَ بما يوجبُ عصمتَهُ من كلمتَيِ الإسلام. و(قوله: وَإِنَّكَ بِمَنزِلَتِهِ قَبلَ أَن يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ) ظاهره: في الكفر، وليس ذلك بصحيح؛ لأنَّه إنَّما قتله متأوِّلاً أنَّه باقٍ على كفره؛ فلا يكونُ قتلُهُ كبيرةً؛

стр. 289

وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا أَهوَيتُ لِأَقتُلَهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ. رواه أحمد (٦/ ٤ - ٦)، والبخاري (٤٠١٩)، ومسلم (٩٥)، وأبو داود (٢٦٤٤). ــ وإذا لم يكن قتلُهُ كبيرةً، لم يصحَّ لأحدٍ - وإن كان مكفِّرًا بالكبائر - أن يقول (١): هذا كُفرٌ بوجه؛ فدلَّ ذلك على أنَّه متأوِّل. وقد اختُلِفَ في تأويله؛ فقال أبو الحسنِ بنُ القَصَّار: هو مثلُهُ في كونِهِ غيرَ معصومِ الدمِ مُعَرَّضًا للقِصَاص. قال المؤلف ﵀: وهذا ليس بشيء؛ لانتفاء سَبَبِ القصاص، وهو العَمدُ العدوان، وذلك منتفٍ هنا قطعًا؛ لأنَّ المقدادَ تأوَّلَ ما تأوَّله أسامةُ بن زيد: أنَّه قال ذلك خَوفًا مِنَ السِّلَاحِ؛ أَلَا تَرَى قولَ المقداد: إِنَّهُ قَد قَطَعَ يَدِي، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَلَمَّا أَهوَيتُ لِأَقتُلَهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَاّ الله؟ غير أنَّ هذا التأويلَ لم يُسقِط عنهما التوبيخَ والذم، ولا توقع المطالبةَ بذلك في الآخرة؛ أَلَا ترى قوله ﵊ لأسامة: كَيفَ تَصنَعُ (٢) بِلَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ إِذَا جَاءَت يَومَ القِيَامَةِ؟ ! ، وكرَّر ذلك عليه، ولم يَستغفِر له مع سؤالِ أسام ذلك من النبيِّ ﷺ . وإنما لم يُسقِط عنه التوبيخَ والتأثيمَ وإن كان متأوِّلاً؛ لأنَّه أخطَأَ في تأويله؛ وعلى هذا: يمكنُ أن يحمل قوله: إِنَّكَ بِمَنزِلَتِهِ قَبلَ أَن تَقتُلَهُ، على أنَّه بمنزلتِهِ في استحقاقِ الذمِّ والتأثيم، ويكونُ هذا هو التأويل الثاني فيه، غير أنَّ الاستحقاقَ فيهما مختلفٌ؛ فإنَّ استحقاقَ المقداد (٣) لذلك الاستحقاقُ مقصِّرٍ في اجتهاد مؤمن، والآخَرُ استحقاقُهُ استحقاقُ كافر، وإنما وقع التشبيهُ بينهما في مجرَّدِ الاستحقاقِ فقط، والله أعلم. التأويلُ الثالث: أنَّه بمنزلتِهِ في إخفاءِ الإيمان، أي: لعلَّه ممن كان يخفي

стр. 290

[٧٦] وعَن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ، فَصَبَّحنَا الحُرَقَاتِ مِن جُهَينَةَ، فَأَدرَكتُ رَجُلاً، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، فَطَعَنتُهُ، فَوَقَعَ فِي نَفسِي مِن ذَلِكَ، فَذَكَرتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَقَتَلتَهُ؟ ! ، قَالَ: قُلتُ: يَا رسولَ الله، إِنَّمَا قَالَهَا خَوفًا مِنَ السِّلاحِ، قَالَ: أَفَلَا شَقَقتَ عَن قَلبِهِ حَتَّى تَعلَمَ أَقَالَهَا أَم لَا؟ ! فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ، حَتَّى تَمَنَّيتُ أَنِّي أَسلَمتُ يَومَئِذٍ. ــ إيمانَهُ بين الكفَّار، فأُخرِجَ مكرهًا كما كنتَ أنت بمكَّة؛ إذ كنتَ تُخفِي إيمانك. ويَعتَضِدُ هذا التأويلُ: بما زاده البخاريُّ في هذا الحديث، من حديث ابن عبَّاسٍ؛ أنّه ﵊ قال للمقداد: إِذَا كَانَ مُؤمِنٌ يُخفِي إِيمَانَهُ مَعَ قَومٍ كُفَّارٍ، فَأَظهَرَ إِيمَانَهُ فَقَتَلتَهُ؟ كذلك كُنتَ تُخفِي إيمانَكَ بمكة (١). و(قوله: فَصَبَّحنَا الحُرَقَاتِ مِن جُهَينَةَ) رويناه بضم الراء وفتحها، وهو موضعٌ معروفٌ من بلاد جُهَينَةَ، يسمّى بجمع المؤنَّث السالم؛ كعَرَفَات، وأَذرِعَات. و(قوله ﵊ لأسامة: أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَقَتَلتَهُ؟ ! ، وتكرارُ ذلك القولِ: إنكارٌ شديد، وزجرٌ وكيد، وإعراضٌ عن قبول عذر أسامة الذي أبداه بقوله: إِنَّمَا قَالَهَا خَوفًا مِنَ السِّلَاحِ. و(قوله: أَفَلَا شَقَقتَ عَن قَلبِهِ حَتَّى تَعلَمَ أَقَالَهَا أَم لَا؟ ! ) أي: أقالها بقلبه، وتكلَّمَ بها مع نفسه، ففيه: دليلٌ لأهل السنَّة على أنَّ حديث النَّفسِ كلام وقَول (٢)؛ فهو رَدٌّ على مَن أنكَرَ ذلك من المعتزلةِ وأهلِ البدع. وفيه: دليلٌ على ترتيبِ الأحكامِ على الأسبابِ الظاهرة الجليَّة، دون الباطنةِ الخفيَّة. و(قوله: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ، حَتَّى تَمَنَّيتُ أَنِّي أَسلَمتُ يَومَئِذٍ) أي: كلمةَ

стр. 291

وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ: وَلِمَ قَتَلتَهُ؟ فقَالَ: يَا رسولَ الله، أَوجَعَ فِي المُسلِمِينَ، فَقَتَلَ فُلَانًا وَفُلَانًا - وَسَمَّى لَهُ نَفَرًا - وَإِنِّي حَمَلتُ عَلَيهِ، فَلَمَّا رَأَى السَّيفَ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَقَتَلتَهُ؟ ! قَالَ: نَعَم، قَالَ: فَكَيفَ تَصنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ إِذَا جَاءَت يَومَ القِيَامَةِ؟ ! قَالَ: يَا رسولَ الله، استَغفِر لِي، فقَالَ: فَكَيفَ تَصنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ إِذَا جَاءَت يَومَ القِيَامَةِ؟ ! ، قَالَ: فَجَعَلَ لَا يَزِيدُ عَلَى أَن يَقُولَ: كَيفَ تَصنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ إِذَا جَاءَت يَومَ القِيَامَةِ؟ ! . رواه البخاري (٤٢٦٩)، ومسلم (٩٦)، وأبو داود (٢٦٤٣). * * * ــ الإنكار، وظاهرُ هذه الرواية: أنَّ الذي كُرِّرَ عليه إنَّما هو قولُهُ (١): أَفَلَا شَقَقتَ عَن قَلبِهِ حَتَّى تَعلَمَ أَقَالَهَا أَم لَا؟ ! ، وفي الرواية الأخرى أنَّ الذي كُرِّرَ عليه (٢) إنَّما هو قولُهُ (٣): كَيفَ تَصنَعُ بلَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ إِذَا جَاءَت يَومَ القِيَامَةِ؟ ! ووجهُ التلفيقِ بينهما: أن يكون النبي ﷺ كرَّر الكلمتَين معًا، غيرَ أنَّ بعضَ الرواةِ ذكَرَ إحدى الكلمتَين، وذكَرَ آخَرُ الأخرى. ومعنى قوله: كَيفَ تَصنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ؟ ! أي: بماذا تحتجُّ إذا قيل لك: كيف قَتَلتَ مَن قال: لا إله إلَاّ الله، وقد حصلَت لدمِهِ حرمةُ الإسلام؟ ! وإنَّما تمنَّى أسامةُ أن يتأخَّر إسلامُهُ إلى يوم المعاتبة؛ لِيَسلَمَ من تلك الجناية السابقة، وكأنَّه استصغَرَ ما كان منه مِنَ الإسلامِ والعملِ الصالح قبل ذلك، في جَنب ما ارتكَبَه من تلك الجناية؛ لِمَا حصَلَ في نفسه من شدَّةِ إنكارِ النبيِّ ﷺ لذلك، وعِظَمِهِ. فإن قيل: إذا استحال أن يكونَ قتلُ أسامةَ لذلك الرجلِ عمدًا لِمَا ذكرتم، وثبَتَ أنَّه خطأ، فلِمَ

стр. 292

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لم يُلزِمهُ الكَفَّارةَ، والعاقلةَ الديةَ؟ فالجوابُ: أنَّ ذلك مسكوتٌ عنه (١)، وغيرُ منقولٍ شيءٌ منه في الحديث ولا في شيءٍ من طرقه؛ فيَحتَمِلُ أن يكونَ النبي ﷺ حكَمَ بلزومِ ذلك أسامةَ وعاقلتِهِ ولم يُنقَل، وفيه بعد؛ إذ لو وقَعَ شيءٌ من ذلك، لَنُقِلَ في طريقٍ من الطرق، مع أنَّ العادة تقتضي التحدُّثَ بذلك والإشاعةَ. وَيَحتملُ أن يقال: إنَّ ذلك كان قبل نزولِ حُكمِ الكفَّارة والدية، والله أعلم. وقد أجاب أصحابنا عن عدمِ إلزامِ الدية بأجوبةٍ، نذكُرُهَا على ضَعفها: أحدها: إنَّها لم تَلزَمهُ ولا عاقلتَهُ؛ لأنَّه كان مأذونًا له في أصل القتال؛ فلا يكونُ عنه مِن إتلافِ نفسٍ أو مال؛ كالخاتِنِ والطَّبِيب. وثانيها: إنَّما لم يَلزَمهُ ذلك؛ لأنَّ المقتولَ كان من العدو وفيهم، ولم يكن له وليٌّ من المسلمين يستحقّ ديته، فلا تجبُ فيه ديةٌ؛ كما قال الله تعالى: فَإِن كَانَ مِن قَومٍ عَدُوٍّ لَكُم وَهُوَ مُؤمِنٌ فَتَحرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤمِنَةٍ ولم يحكُم فيه بسوى الكفَّارة؛ وهذا يتمشَّى على مذهب ابنِ عبَّاسٍ وجماعةٍ من أهل العلم في الآية. وقد ذهب بعضهم: إلى أنَّ الآية فيمن كان أولياؤُهُ مُعَانِدين، وقد ذُكِرَ عن مالك، والمشهورُ عنه: أنها فيمَن لم يهاجِر من المسلمين؛ لقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَم يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِن وَلَايَتِهِم مِن شَيءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا. وثالثها: أنَّ أسامةَ اعترَفَ بالقتل، ولم تَقُم بذلك بيِّنة، ولا تَعقِلُ العاقلةُ عمدًا ولا عبدًا، ولا صُلحًا ولا اعترافًا، ولم يكن لأسامةَ مالٌ فيكونَ فيه الديةُ. قال المؤلف ﵀: وهذه الأوجُهُ لا تسلَمُ عن الاعتراض، وتتبُّعُ ذلك يُخرِجُ عن المقصود. ولم أجد لأحدٍ من العلماء اعتذارًا عن سقوطِ إلزامِ الكفارة؛ فالأَولى التمسُّكُ بالاحتمالَين المتقدِّمَين، والله أعلم (٢).

стр. 293

(٣٣) بَابٌ مَن تَبَرَّأَ مِنهُ النَّبِيُّ ﷺ - [٧٧] عَنِ ابنِ عُمَرَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَن حَمَلَ عَلَينَا السِّلَاحَ فَلَيسَ مِنَّا. رواه أحمد (٣/ ٢ و ١٦ و ٥٣ و ١٤٢ و ١٥٠)، والبخاري (٧٠٧٠)، ومسلم (٩٨)، والنسائي (٧/ ١١٧ - ١١٨)، وابن ماجه (٢٥٧٦). [٧٨] وَفِي حَدِيثِ إِيَاسِ بنِ سَلَمَةَ، عَن أَبِيهِ: مَن سَلَّ عَلَينَا السَّيفَ، فَلَيسَ مِنَّا. رواه أحمد (٤/ ٤٦ و ٥٤)، ومسلم (٩٩). ــ (٣٣) وَمِن بَابِ مَن تَبَرَّأَ مِنهُ النَّبِيُّ ﷺ (قوله: مَن حَمَلَ عَلَينَا السِّلَاحَ فَلَيسَ مِنَّا) أي: مَن حَمَلَ علينا السلاحِ مقاتلاً؛ كما في الرواية الأخرى: مَن سَلَّ عَلَينَا السَّيفَ، فَلَيسَ مِنَّا، ويعني بذلك النبيُّ ﷺ نفسَهُ وغيرَهُ من المسلمين. ولا شكَّ في كفرِ من حارب النبيَّ ﷺ ؛ وعلى هذا فيكونُ قوله ﵊: فَلَيسَ مِنَّا، أي: ليس بمسلمٍ، بل هو كافرٌ. وأمَّا مَن حاربَ غيرَهُ مِنَ المسلمين متعمِّدًا مستَحِلاًّ مِن غير تأويل، فهو أيضًا كافرٌ كالأول. وأمَّا مَن لم يكن كذلك، فهو صاحبُ كبيرةٍ، إن لم يكن متأوِّلاً تأويلاً مسوَّغًا بوجه (١).

стр. 294

[٧٩] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ مَرَّ عَلَى صُبرَةِ طَعَامٍ، فَأَدخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَت أَصَابِعُهُ بَلَلاً، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ قَالَ: أَصَابَتهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: أَفَلَا جَعَلتَهُ فَوقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ؟ ! مَن غَشَّ فَلَيسَ مِنِّي. رواه مسلم (١٠١)، وأبو داود (٣٤٥٢)، والترمذي (١٣١٥)، وابن ماجه (٢٢٢٤). ــ وقد تقدَّم أنَّ مذهبَ أهلِ الحقِّ: لا يكفُرُ أحدٌ من المسلمين بارتكابِ كبيرةٍ ما عدا الشِّرك؛ وعلى هذا فيحمَلُ قوله ﵊: لَيسَ مِنَّا في حقِّ مِثلِ هذا على معنى: ليس على طريقتنا، ولا على شريعتنا؛ إذ سُنَّةُ المسلمين وشريعتهم التواصُلُ والتراحُم، لا التقاطُعُ والتقاتل؛ ويجري هذا مَجرَى قوله ﵊: مَن غَشَّنَا، فَلَيسَ مِنَّا (١)، ونظائرِهِ، وتكونُ فائدتُهُ: الرَّدعَ والزَّجرَ عن الوقوع في مثل ذلك؛ كما يقولُ الوالدُ لولدِهِ إذا سلَكَ غيرَ سبيله: لَستُ مِنكَ، ولَستَ مِنِّي! ؛ كما قال الشاعر: إِذَا حَاوَلتَ فِي أَسَدٍ (٢) فُجُورًا ... فَإِنِّي لَستُ مِنكَ وَلَستَ مِنِّي وصُبرَةُ الطَّعَامِ: هي الجملةُ المصبورة، أي: المحبوسةُ للبيع، والصَّبرُ: هو الحَبس. والسَّمَاءُ هنا: هو (٣) المطر، سمِّي بذلك؛ لنزوله مِنَ السماء، وأصلُ السماء: كلُّ ما علاك فأظلَّك. والغِشُّ: ضدُّ النصيحة، وهو بكسر الغين؛

стр. 295

[٨٠] وعَن عَبدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَيسَ مِنَّا مَن ضَرَبَ الخُدُودَ، أو شَقَّ الجُيُوبَ، أو دَعَا بِدَعوَى الجَاهِلِيَّةِ. رواه أحمد (١/ ٤٣٢ و ٤٤٢ و ٤٦٥)، والبخاري (١٢٩٤ و ١٢٩٨)، ومسلم (١٥٣)، والترمذي (٩٩٩)، والنسائي (٤/ ٢٠)، وابن ماجه (١٥٨٤). [٨١] وَعَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ يَزِيدَ، وَأَبِي بُردَةَ بنِ أَبِي مُوسَى، قَالَا: أُغمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى، فَأَقبَلَتِ امرَأَتُهُ أُمُّ عَبدِ اللهِ تَصِيحُ بِرَنَّةٍ، قَالَا: ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: أَلَم تَعلَمِي - وَكَانَ يُحَدِّثُهَا - أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّن حَلَقَ وَسَلَقَ وَخَرَقَ. ــ يقال: غَشَّهُ يَغِشُّهُ غِشًّا، وأصله من اللبن المغشوش، أي: المخلوطِ بالماءِ تدليسًا. ودَعوَى الجَاهِلِيَّةِ هنا: هي النياحةُ، ونُدبَةُ الميِّت، والدعاءُ بالويل، والنَّعيُ، وإطراءُ الميِّت بما لم يكن فيه؛ كما كانتِ الجاهليَّةُ تفعل. وَيَحتملُ أن يراد بها: نداؤهم عند الهِيَاجِ والقتال: يا بني فلانٍ، مستَنصرًا (١) بهم في الظُّلمِ والفساد، وقد جاء النهي عنها في حديث آخر وقال: دَعُوهَا؛ فَإِنَّهَا مُنتِنَةٌ (٢)، وأمَرَ بالانتماءِ إلى الإسلامِ، فقال: ادعُوا بِدَعوَةِ المُسلِمِينَ الَّتِي سَمَّاكُمُ اللهُ بِهَا (٣). والأولُ: أليقُ بهذا الحديث؛ لأنَّه قَرَنَهُ بضربِ الخدود، وشَقِّ الجيوب. و(قوله: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّن حَلَقَ وَسَلَقَ وَخَرَقَ) أصلُ البراءة: الانفصالُ عن

стр. 296

رواه البخاري (١٢٩٦)، ومسلم (١٠٤)، وأبو داود (٣١٣٠)، والنسائي (٤/ ٢٠)، وابن ماجه (١٥٨٦). * * * (٣٤) بَابٌ مَن لَا يُكَلِّمُهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ وَلَا يَنظُرُ إِلَيهِ [٨٢] عَن أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَومَ ــ الشيء، والبينونةُ منه؛ ومنه: البراءةُ من العُيُوبِ والدَّين. وَيَحتمل أن يريد به: أنَّه متبرِّئٌ من تصويبِ فِعلِهِم هذا، أو مِنَ العهدةِ اللازمةِ له في التبليغ. وحَلَقَ، أي: شَعرَهُ عند المصيبة. وسَلَقَ، أي: رفَعَ صوتَهُ بها، ويقال بالسين والصاد؛ ومنه قوله تعالى: سَلَقُوكُم بِأَلسِنَةٍ حِدَادٍ؛ ومنه قولهم: خَطِيبٌ سلَاق، وقال أبو زيد: السَّلقُ: الوَلوَلَةُ بصوتٍ شديد. وذُكِرَ عن ابن الأعرابي: أنَّه ضَربُ الوجه. والأوَّلُ: أصحُّ وأعرف (١). (٣٤) وَمِن بَابِ: مَن لَا يُكَلِّمُهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ (قوله: لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ) أي: بكلامِ مَن يرضى عنه. ويجوز: أن يكلِّمهم بما يكلِّمُ به مَن سَخِطَ عليه؛ كما جاء في كتاب البخاري: يَقُولُ اللهُ لِمَانِعِ المَاءِ: اليَومَ أَمنَعُكَ فَضلِي؛ كَمَا مَنَعتَ فَضلَ مَا لَم تَعمَل يَدَاكَ (٢)، وقد حكى الله تعالى أنَّه يقولُ للكافرين: اخسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ. وقيل: معناه: لا يكلِّمهم بغير واسطة؛ استهانةً بهم. وقيل: معنى ذلك: الإعراضُ عنهم، والغضَبُ عليهم.

стр. 297

القِيَامَةِ، وَلَا يَنظُرُ إِلَيهِم، وَلَا يُزَكِّيهِم، وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ مِرَارٍ، فقَالَ أبو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا! مَن هُم يَا رسولَ الله؟ قَالَ: المُسبِلُ، وَالمَنَّانُ، وَالمُنَفِّقُ سِلعَتَهُ بِالحَلِفِ الكَاذِبِ. وفِي رِوَايَةٍ: المُسبِلُ إِزَارَهُ. رواه مسلم (١٠٦)، وأبو داود (٤٠٨٧) و (٤٠٨٨)، والترمذي (١٢١١)، والنسائي (٧/ ٢٤٥)، وابن ماجه (٢٢٠٨). ــ ونَظَرُ الله تعالى إلى عباده: رحمتُهُ لهم، وعطفُهُ عليهم، وإحسانُهُ إليهم، وهذا النظَرُ هو المنفيُّ في هذا الحديث. و(قوله: وَلَا يُزَكِّيهِم) قال الزجَّاج: لا يُثنِي عليهم، ومن لم يُثنِ عليه عذَّبه، وقيل: لا يُطَهِّرهم مِن خُبثِ أعمالهم؛ لعظيمِ جُرمهم. والعذاب الأليم: الشديدُ الألمِ المُوجِعُ. و(قوله: المُسبِلُ إِزَارَهُ) أي: الجارُّهُ خُيَلَاءَ؛ كما جاء في الحديث الآخر مقيَّدًا مفسَّرًا. والخُيَلَاء: الكِبرُ والعُجب. ويَدُلُّ هذا الحديثُ بمفهومه: على أنَّ مَن جَرَّ ثوبه على غير وجه الخيلاء، لم يَدخُل في هذا الوعيد؛ ولمَّا سَمِعَ أبو بكر هذا الحديثَ، قال: يا رسولَ الله، إنَّ جَانِبَ إزاري يسترخي، فقال له النبيُّ ﷺ : لَستَ مِنهُم يَا أَبَا بَكرٍ (١)؛ خرَّجه البخاري. وحُكمُ الإزارِ والرداءِ والثوبِ في ذلك سواءٌ؛ وقد روى أبو داود مِن حديثِ ابن عمر عن النبي ﷺ أنّه قال: الإسبَالُ في الإِزَارِ وَالقَمِيصِ وَالعِمَامَةِ؛ فَمَن جَرَّ مِنهَا خُيَلَاءَ، لَم يَنظُرِ اللهُ إِلَيهِ يَومَ القِيَامَةِ (٢)، وفي طريقٍ أخرى قال ابن عمر: ما قاله رَسُولُ اللهِ ﷺ في الإزارِ، فهو في القَمِيصِ (٣).

стр. 298

[٨٣] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ ــ قال المؤلف ﵀: وقد بيَّن النبيُّ ﷺ الحدَّ الأحسَنَ والجائزَ في الإزار الذي لا يجوزُ تعدِّيه؛ فقال فيما رواه أبو داود، والنَّسَائي من حديثِ أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ: أُزرَةُ المُؤمِنِ إِلَى أَنصَافِ سَاقَيهِ، لَا جُنَاحَ عَلَيهِ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ الكَعبَينِ، مَا أَسفَلَ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ (١). والمَنَّان: فَعَّالٌ من المَنِّ، وقد فسَّره في الحديث، فقال: هو الَّذِي لَا يُعطِي شَيئًا إِلَاّ منَّة؛ أي: إلا امتَنَّ به على المُعطَى له، ولا شَكَّ في أنَّ الامتنانَ بالعطاء، مبطلٌ لأجرِ الصدقةِ والعطاء، مُؤذٍ للمُعطَى له؛ ولذلك قال تعالى: لَا تُبطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالمَنِّ وَالأَذَى. وإنَّما كان المَنُّ كذلك؛ لأنَّه لا يكونُ غالبًا إلا عن البُخلِ، والعُجبِ، والكِبر، ونسيانِ مِنَّةِ الله تعالى فيما أنعَمَ به عليه؛ فالبخيلُ: يعظِّمُ في نفسه العَطِيَّةَ، وإن كانت حقيرةً في نفسها، والعُجبُ: يحمله على النظرِ لنفسه بعين العَظَمة، وأنَّه مُنعِمٌ بمالِهِ على المعطَى له، ومتفضِّلٌ عليه، وإنَّ له عليه حَقًّا يجبُ عليه مراعاتُهُ، والكِبرُ: يحمله على أن يحتقر المُعطَى له، وإن كان في نفسه فاضلاً، ومُوجِبُ ذلك كلِّه الجهلُ، ونِسيانُ مِنَّةِ الله تعالى فيما أنعَمَ به عليه؛ إذ قد أنعَمَ عليه مما يُعطِي، ولم يَحرِمهُ ذلك، وجعله ممَّن يُعطِي، ولم يجعلهُ ممَّن يَسأَل، ولو نظَرَ ببصيرة (٢) لعَلِمَ أنَّ المِنَّةَ للآخذ؛ لِمَا يُزِيلُ عن المعطي مِن إثمِ المنعِ وذَمِّ المانع، ومن الذنوب، ولِمَا يحصُلُ له من الأجرِ الجزيل، والثناءِ الجميل، ولبسط هذا موضعٌ آخر. وقيل: المَنَّانُ في هذا الحديث: هو مِنَ المَنِّ الذي هو القَطع؛ كما قال الله تعالى: لَهُم أَجرٌ غَيرُ مَمنُونٍ أي: غَيرُ مقطوع؛ فيكونُ معناه: البخيلَ بقطعِهِ عطاءَ ما يجبُ عليه للمستَحِقِّ؛ كما قد جاء

стр. 299

اللهُ يَومَ القِيَامَةِ، وَلا يُزَكِّيهِم، وَلا يَنظُرُ إِلَيهِم، وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُستَكبِرٌ. رواه أحمد (٢/ ٤٣٣)، ومسلم (١٠٧)، والنسائى (٦/ ٨٦)، وابن ماجه (٢٢٠٨). ــ في حديثٍ آخر: البَخِيلُ المَنَّانُ (١)، فنَعَتَهُ به، والتأويلُ الأوَّل أظهر. و(قوله: شَيخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُستَكبِرٌ) العائلُ: الفقير، والمُعِيلُ (٢): الكثيرُ العِيَال؛ يقال: عال الرجلُ فهو عائلٌ: إذا افتقَرَ، والعَيلَةُ: الفقر، وأعالَ فهو مُعِيلٌ: إذا كَثُرَ عياله. وإنما غلَّظ العقابَ على هؤلاءِ الثلاثة؛ لأنَّ الحاملَ لهم على تلك المعاصي مَحضُ المعاندة، واستخفافُ أمرِ تلك المعاصي التي اقتحموها؛ إذ لم يَحمِلهم على ذلك حاملٌ حَاجِيٌّ، ولا دعتهم إليها ضرورةٌ كما يدعو مَن لم يكن مثلهم. وبيانُ ذلك: أنَّ الشَّيخَ لا حاجةَ ولا داعية له تدعوه إلى الزنى؛ لضعفِ داعيةِ النكاحِ في حقِّه، ولكمالِ عَقلِه، ولقربِ أجله؛ إذ قد انتهى إلى طَرَفِ عمره. ونحو من ذلك المَلِكُ الكَذَّابُ؛ إذ لا حاجةَ له إلى الكذب؛ فإنه يمكنه أن يُمَشِّيَ أغراضَهُ بالصِّدق، فإن خاف من الصدق مفسدةً، وَرَّى. وأما العَائِلُ المُستَكبِرُ: فاستحقَّ ذلك؛ لغلبة الكِبرِ على نفسه؛ إذ لا سببَ له مِن خارجٍ يحملُهُ على الكبر؛ فإنَّ الكِبرَ غالبًا إنما يكونُ بالمالِ والخَوَلِ (٣) والجاه، وهو قد عَدِمَ ذلك كلَّه؛ فلا مُوجِبَ له إلا غلبةُ الكِبرِ على نفسه، وقِلَّةُ مبالاتِهِ بتحريمِهِ وتوعيدِ الشرعِ عليه، مع أنَّ اللائقَ به والمناسبَ لحالِهِ الرقة والتواضُعُ؛ لفقره وعجزه.

стр. 300

[٨٤] وَعَنهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ، وَلَا يَنظُرُ إِلَيهِم، وَلَا يُزَكِّيهِم، وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضلِ مَاءٍ بِالفَلَاةِ يَمنَعُهُ ابنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلاً سِلعَةً بَعدَ العَصرِ ــ و(قوله: ورَجُلٌ عَلَى فَضلِ مَاءٍ بِالفَلَاةِ يَمنَعُهُ مِنِ ابنِ السَّبِيلِ) يعني بفَضلِ المَاءِ: ما فضَلَ عن كفاية السابق للماءِ وأَخذِ حاجتِهِ منه؛ فمَن كان كذلك فمنَعَ ما زاد على ذلك تعلَّق به هذا الوعيد. وابنُ السَّبِيل: هو المسافر، والسبيلُ: الطريق، وسمِّي المسافرُ بذلك؛ لأنَّ الطريقَ تُبرِزه وتُظهِره، فكأنَّها وَلَدَتهُ، وقيل: سمِّي بذلك؛ لملازمتِهِ إياه، كما يقالُ في الغراب: ابنُ دَأيَة؛ لملازمتِهِ دَأيَةَ البعيرِ الدَّبِرِ لِيَنقُرَهَا (١). والفَلَاةُ: القَفر، وهذا هو الماءُ الذي قد نَهَى النبيُّ ﷺ عن منعه بقوله: لَا يُمنَعُ فَضلُ المَاءِ لِيُمنَعَ بِهِ الكَلَأُ (٢)، وسيأتي الكلامُ عليه. وقد أجمَعَ المسلمون على تحريمِ ذلك؛ لأنَّه منَعَ ما لا حَقَّ له فيه مِن مستَحِقِّهِ، وربَّما أتلفَهُ أو أتلَفَ مالَهُ وبهائمه، فلو منعَهُ هذا الماءَ حتَّى مات عطشًا قِيدَ منه عند مالك؛ لأنَّه قتلَهُ، كما لو قتلَهُ بالجُوعِ أو بالسلاح. و(قوله: وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلاً سِلعَةً) رويناه سِلعَةً بغير باء، ورويناه بالباء؛ فعلى الباء: بايَعَ بمعنى ساوَمَ؛ كما جاء في الرواية الأخرى: ساوَمَ، مكان بايَعَ، وتكونُ الباء بمعنى عن؛ كما قال الشاعر: فَإِن تَسأَلُونِي بالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي ... بَصِيرٌ بِأَدوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ

стр. 301

فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ، لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ، وهو عَلَى غَيرِ ذَلِكَ، ــ أي: عن النِّسَاء. وعلى إسقاطها: يكون معنى بايع: باع؛ فيتعدَّى بنفسه، وسِلعةً: مفعولٌ. و(قوله: فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ، لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا) يعني: أنَّه كذَبَ فزاد في الثَّمَنِ الذي به اشتَرَى؛ فكَذَبَ واستخَفَّ باسمِ الله تعالى حين حَلَفَ به على الكذب، وأخَذَ مالَ غيرِهِ ظُلمًا؛ فقد جمع بين كبائر، فاستَحَقَّ هذا الوعيدَ الشديد. وتخصيصُهُ بما بَعدَ العَصر، يَدُلُّ على نَّ لهذا الوقتِ من الفضلِ والحُرمةِ ما ليس لغيره مِن ساعات اليوم. قال المؤلف ﵀: ويظهرُ لي أن يقال: إنما كان ذلك؛ لأنَّه عَقِبَ الصلاةِ الوُسطَى - كما يأتي النصُّ عليه - ولمَّا كانت هذه الصلاةُ لها مِنَ الفضلِ وعظيمِ القَدرِ أكثَرُ مما لغيرها، فينبغي لمصلِّيها أن يَظهَرَ عليه عَقبهَا من التحفُّظِ على دينه، والتحرُّزِ على إيمانِهِ أكثَرُ مما ينبغي له عَقبَ غيرها؛ لأنَّ الصلاةَ حَقُّهَا أن تَنهَى عن الفحشاء والمنكر؛ كما قال الله تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنهَى عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ، أي: تَحمِلُ على الامتناعِ عن ذلك، مما يحدُثُ في قلب المصلِّي بسببها من النُّورِ والانشراح، والخوفِ من الله تعالى والحياءِ منه؛ ولهذا أشار النبي ﷺ بقوله: مَن لم تَنهَهُ صلاتُهُ عن الفحشاءِ والمُنكَرِ، لم يَزدَد مِنَ اللهِ إلا بُعدًا (١)، وإذا كان هذا في الصلواتِ كلِّها، كانتِ الوسطى بذلك أولَى، وحقُّها في ذلك أكثرَ وأوفَى؛ فمَنِ اجترَأَ بعدها على اليمينِ الغَمُوسِ التي يأكُلُ بها مالَ الغير، كان إثمُهُ أشدَّ وقلبُهُ أَفسَدَ، والله تعالى أعلم. وهذا الذي ظهَرَ لي أَولَى مما قاله القاضي (٢) أبو الفَضل؛ فإنَّه قال: إنَّما كان

стр. 302

وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لا يُبَايِعُهُ إِلَاّ لِدُنيَا؛ ــ ذلك لاجتماعِ ملائكةِ الليلِ وملائكةِ النهار في ذلك الوَقتِ؛ لوجهَين: أحدهما: لأنَّ هذا المعنى موجودٌ في صلاة الفجر؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: يَتَعَاقَبُونَ فِيكُم مَلَائِكَةٌ بِاللَّيلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، ثُمَّ يَجتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ العَصرِ وَصَلَاةِ الفَجرِ (١)؛ وعلى هذا فتبطُلُ خصوصيَّةُ العصر؛ لمساواةِ الفجرِ لها في ذلك. وثانيهما: أنَّ حضورَ الملائكةِ واجتماعَهُم إنما هو في حالِ فعل هاتَينِ الصلاتين لا بعدهما؛ كما قد نَصَّ عليه في الحديثِ حين قال: يَجتَمِعُونَ في صلاةِ الفَجرِ وصَلَاةِ العَصرِ (١)، وتقولِ الملائكةِ: أتيناهُم وهم يُصَلُّونَ (١)، وتَرَكنَاهُم وَهُم يُصَلُّونَ، وهذا يدلُّ دلالةً واضحةً على أنَّ هؤلاءِ الملائكةَ لا يشاهدون من أعمالِ العبادِ إلا الصلواتِ فَقَط، وبها يَشهَدون. فتدبَّر ما ذكرتُهُ؛ فإنَّه الأنسَب الأسلَمُ، والله أعلم. و(قوله: وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَاّ لِدُنيَا) إنَّما استَحَقَّ هذا الوعيدَ الشديدَ؛ لأنَّه لم يَقُم لله تعالى بما وجَبَ عليه مِنَ البَيعةِ الدينيَّة، فإنَّها من العباداتِ التي تجبُ فيها النيَّةُ والإخلاص، فإذا فَعَلَهَا لغيرِ اللهِ تعالى مِن دنيا يَقصِدها، أو غَرَضٍ عاجلٍ يقصده، بَقِيَت عهدتُهَا عليه؛ لأنَّه منافقٌ مُرَاءٍ غَاشٌّ للإمامِ والمسلمين، غيرُ ناصحٍ في شيء من ذلك. ومَن كان هذا حاله، كان مُثِيرًا للفتن بين المسلمين (٢)؛ بحيثُ يَسفِكُ دماءَهُم، ويستبيحُ أموالهم، ويَهتِكُ بلادهم، ويَسعَى في إهلاكهم؛ لأنَّه إنما يكونُ مع مَن بلّغهُ إلى أغراضه، فيبايعُهُ لذلك ويَنصُرُهُ، ويغضَبُ له ويقاتلُ مخالفَهُ، فينشأ من ذلك تلك المفاسد. وقد تكونُ هذه المخالفة في بعضِ أغراضه، فينكُثُ بيعتَه، ويطلُبُ هَلَكَتَه، كما هو حالُ أهل أكثر

стр. 303

فَإِن أَعطَاهُ مِنهَا وَفَى، وَإِن لَم يُعطِهِ مِنهَا لَم يَفِ. وَفِي رِوَايَةٍ: سَاوَمَ رَجُلاً بِسِلعَةٍ. رواه أحمد (٢/ ٢٥٣)، والبخاري (٢٣٥٨)، ومسلم (١٠٨)، وأبو داود (٣٤٧٤) و (٣٤٧٥)، والنسائي (٧/ ٢٤٧). * * * ــ هذه الأزمان، فإنَّهم قد عمَّهم الغَدرُ والخِذلَان. و(قوله: فَإِن أَعطَاهُ مِنهَا وَفَى، وَإِن لَم يُعطِهِ مِنهَا لَم يَفِ) هكذا الرواية وَفَى بتخفيفَ الفاء، ويَفِ محذوفَ الواو والياءِ مخفَّفًا، وهو الصحيحُ هنا روايةً ومعنًى؛ لأنَّه يقال: وَفَى بعهده يَفِي وَفَاءً، والوفاءُ ممدودٌ ضِدُّ الغدر، ويقال: أوفَى، بمعنى: وَفَى، وأما وَفَّى المشدَّدُ الفاءِ، فهي بمعنى توفيةِ الحَقِّ وإعطائِهِ؛ يقال: وفَّاه حَقَّهُ يُوَفِّيهِ تَوفِيَةً؛ ومنه قوله تعالى: وَإِبرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أي: قام بما كُلِّفَهُ مِنَ الأعمالِ؛ كخِصَالِ الفطرة وغيرها؛ كما قال الله تعالى: فَأَتَمَّهُنَّ، وحكى الجوهريُّ: أوفاه حقَّه. قال المؤلف ﵀: وعلى هذا وعلى ما تقدَّم، فيكونُ أَوفَى بمعنى الوفاء بالعهد، وتوفيةِ الحق. والأصلُ في أَوفَى: أَطَلَّ على الشيء، وأشرَفَ عليه. و(قوله: والمُنَفِّقُ سِلعَتَهُ بِالحَلِفِ الكَاذِب) الروايةُ في المُنَفِّق: بفتح النون وكسر الفاء مشدَّدة، وهي مضاعَفُ: نَفَقَ البِيعُ يَنفُقُ نَفَاقًا: إذا خرَجَ ونفَدَ، وهو ضدُّ كَسَدَ، غيرَ أنَّ نَفَقَ المخفَّفَ لازمٌ، فإذا شُدِّد، عُدِّي إلى المفعول، ومفعولُهُ هنا سِلعة. وقد وصَفَ الحَلِف وهي مؤنَّثة، بالكاذب وهو وصفُ مذكَّرٍ، وكأنَّه ذهب بالحلفِ مذهبَ القَول فذكَّره، أو مذهَبَ المصدر، وهو مِثلُ قولهم: أتاني كِتَابُهُ فَمَزَّقتُهَا؛ ذهب بالكتابِ مذهَبَ الصَّحِيفة، والله تعالى أعلم.

стр. 304

(٣٥) بَابٌ مَن قَتَلَ نَفسَهُ بِشَيءٍ عُذِّبَ بِهِ [٨٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَن قَتَلَ نَفسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ، يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَن شَرِبَ سُمًّا فَقَتَلَ نَفسَهُ، فهو يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَن تَرَدَّى مِن جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفسَهُ، فهو يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا. رواه أحمد (٢/ ٢٥٤ و ٤٧٨ و ٤٨٨)، والبخاري (٥٧٧٨)، ومسلم (١٠٩)، وأبو داود (٣٨٧٢)، والترمذي (٢٠٤٤) و (٢٠٤٥)، والنسائي (٤/ ٦٦ - ٦٧). ــ (٣٥) وَمِن بَابِ: مَن قَتَلَ نَفسَهُ بِشَيءٍ عُذِّبَ بِهِ (قوله: مَن قتَلَ نَفسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ، يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) يتوجَّأ: يطعن، وهو مهموز، من قولهم: وَجَأتُهُ بالسِّكِّينِ أَجَؤُهُ؛ أي: ضربتُهُ، ووُجِئَ هو، فهو موجوءٌ، ومصدرُهُ: وَجَئا مقصورًا مهموزًا (١)، فأما الوِجَاءُ، بكسر الواو والمَدِّ: فهو رَضُّ الأنثيين، وهو ضَربٌ من الخِصَاء. و(قوله: خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) ظاهرُهُ: التخليدُ الذي لا انقطاعَ له بوجه، وهو محمولٌ على مَن كان مستَحِلاًّ لذلك، ومَن كان مُعتقِدًا لذلك، كان كافرًا. وأمَّا

стр. 305

[٨٦] وَعَن ثَابِتِ بنِ الضَّحَّاكِ؛ أَنَّهُ بَايَعَ رسولَ الله ﷺ تَحتَ الشَّجَرَةِ، ــ مَن قتَلَ نفسَهُ، وهو (١) غيرُ مستحلٍّ، فليس بكافر، بل يجوزُ أن يَعفُو اللهُ عنه، كما يأتي في الباب الآتي بعد هذا، في الذي قطَعَ بَرَاجِمَهُ (٢) فمات، وكما تقدَّم في حديثِ عبادة (٣) وغيره. ويجوزُ أن يراد بقوله: خَالِدًا مخلَّدًا فِيهَا أَبَدًا تطويلُ الآمادِ، ثم يكونُ خروجُهُ مِنَ النار مِن آخر مَن يخرُجُ من أهل التوحيد؛ ويجري هذا مَجرَى المثل فتقول العرب: خَلَّدَ اللهُ مُلكَكَ، وأبَّد أيَّامك، ولا أُكَلِّمُك أَبَدَ الآبِدِين، ولا دَهرَ الداهرين، وهو ينوي أن يكلِّمَهُ بعد أزمان. ويجري هذا مجرى الإِعيَاءِ في الكلامِ على ما تقدَّم، والله تعالى أعلم. والسُّمُّ: القاتلُ للحيوان، يقال بضَمِّ السين وفتحها. فأمَّا السَّمُّ الذي هو ثُقبُ الإبرة: فبالفتح لا غير. ويَتَحَسَّاهُ: يَشربه و: يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ؛ كما قال الله تعالى. و(قوله: إِنَّهُ بَايَعَ رسولَ الله ﷺ تَحتَ الشَّجَرَةِ) وَكَانَت سَمُرَةً، وهذه بيعةُ الرضوانِ التي قال الله فيها: لَقَد رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤمِنِينَ إِذ يُبَايِعُونَكَ تَحتَ الشَّجَرَةِ. وكانت قبل فَتحِ مَكَّة في ذي القَعدَةِ سنة سِتٍّ من الهجرة. وكان سببها: أنَّ النبيَّ ﷺ قصَدَ إلى مَكَّةَ معتمرًا، فلمَّا بلغ الحُدَيبِيَةَ - وهي

стр. 306

وَأَنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: مَن حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيرِ الإِسلَامِ كَاذِبًا فهو كما قال - وَفِي رِوَايَةٍ: مُتَعَمِّدًا - وَمَن قَتَلَ نَفسَهُ بِشَيءٍ، عُذِّبَ بِهِ يَومَ القِيَامَةِ، ــ موضعٌ فيه ماءٌ، بينه وبين مَكَّةَ نحو من أميال - صَدَّتهُ قريشٌ عن الدخولِ إلى البيت، فوجَّه لهم عثمانَ رَسُولاً، فَتُحُدِّثَ أنَّ قريشًا قتلوه، فتهيَّأَ النبيُّ ﷺ لحربهم، فبايَعَ أصحابَهُ تلك البيعةَ على الموت، أو على ألَاّ يَفِرُّوا؛ كما سيأتي، إن شاء الله تعالى. و(قوله: مَن حلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيرِ الإسلَامِ) اليمينُ هنا: يعني به المحلوفَ عليه؛ بدليلِ ذكرِهِ المحلوفَ به، وهو بملَّةٍ غيرِ الإسلام. ويجوز أن يقال: إنَّ عَلَى صِلَةٌ، وينتصبُ يَمِين على أنَّه مصدرٌ مُلَاقٍ في المعنَى لا في اللفظ. و(قوله: كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا) يحتملُ أن يريدَ به النبيُّ ﷺ : مَن كان معتقدًا لتعظيمِ تلك المِلّةِ المغايرةِ لملَّةِ الإسلام؛ وحينئذٍ يكونُ كافرًا حقيقةً، فيبقى اللفظُ على ظاهره. وكاذبًا: منصوبٌ على الحال؛ أي: في حال تعظيمِ تلك المِلَّة التي حلَفَ بها، فتكونُ هذه الحالُ من الأحوالِ اللازمة؛ كقوله تعالى: وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا؛ لأنَّ مَن عظَّم مِلَّةً غيرَ الإسلام، كان كاذبًا في تعظيمِهِ دائما في كلِّ حالٍ وكلِّ وقتٍ، لا ينتقلُ عن ذلك. ولا يصلُحُ أن يقال: إنَّه يعني بكونه كاذبًا في المحلوفِ عليه؛ لأنَّه يستوي في ذَمِّهِ كونُهُ صادقًا أو كاذبًا إذا حلَفَ بِمِلَّةٍ غيرِ الإسلام؛ لأنَّه إنَّما ذمَّهُ الشرعُ مِن حيثُ إنَّه حَلَفَ بتلك الملَّةِ الباطلة، معظِّمًا لها على نحو ما تعظَّمُ به ملَّةُ الإسلامِ الحَقِّ؛ فلا فَرقَ بين أن يكونَ صادقًا أو كاذبًا في المحلوفِ عليه، والله تعالى أعلم. وأمَّا إن كان الحالفُ بذلك غيرَ معتقِدٍ لذلك: فهو آثمٌ مرتَكِبٌ كبيرةً؛ إذ قد نسبه في قوله لمَن يعظِّمُ تلك المِلَّةَ ويعتقدها، فغُلِّظَ عليه الوعيدُ؛ بأن صيّرَه كواحدٍ منهم، مبالغةً في الرَّدعِ والزَّجر؛ كما قال تعالى: وَمَن يَتَوَلَّهُم مِنكُم فَإِنَّهُ مِنهُم. وهل تجبُ عليه كفَّارةٌ أم لا؟ اختلَفَ العلماءُ في ذلك: فَرُوِيَ عن

стр. 307

وَلَيسَ عَلَى رَجُلٍ نَذرٌ فِي شَيءٍ لَا يَملِكُهُ. ــ ابن المبارك مما ورَدَ مِثلَ هذا: أنَّ ذلك على طريقةِ التغليظ، ولا كفَّارةَ على مَن حلف بذلك وإن كان آثِمًا؛ وعليه الجمهورُ، وهو الصحيحُ؛ لقوله ﵊: مَن حَلَفَ بِاللَاّتِ، فَليَقُل: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ (١)، ولم يوجب عليه أكثَرَ من ذلك، ولو كانتِ الكفَّارةُ واجبةً، لبيَّنها النبيُّ ﷺ حينئذٍ؛ لأنَّه لا يجوزُ تأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجة. وقد ذهب بعضُ العراقيِّين إلى وجوبِ الكفَّارة عليه، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. و(قوله: لَيسَ عَلَى رَجُلٍ نَذرٌ فِي شَيءٍ لَا يَملِكُهُ) هذا صحيحٌ فيما إذا باشَرَ النذرُ مِلكَ الغير؛ كما لو قال: للهِ عَلَيَّ عِتقُ عبدِ فلانٍ، أو هَديُ بَدَنَةِ فُلَان، ولم يعلِّق شيئًا مِن ذلك على مِلكِهِ له، فلا خلافَ بين العلماء أنَّ ذلك لا يلزمُه منه شيءٌ؛ غير أنَّه حُكِيَ عن ابن أبي ليلى في العتق: أنَّه إذا كان مُوسِرًا عتِقَ عليه، ثُمَّ رجَعَ عنه. وإنَّما اختلَفُوا فيما إذا علَّقَ العِتقَ أو الهَديَ أو الصدقةَ على المِلك؛ مِثلُ أن يقول: إن مَلَكتُ عَبدَ فلانٍ، فهو حُرٌّ، فلم يُلزمهُ الشافعيُّ شيئًا من ذلك عَمَّ أو خصَّ؛ تمسُّكًا بهذا الحديث. وألزمَهُ أبو حنيفة: كُلَّ شيء مِن ذلك عمَّ أو خصَّ؛ لأنَّه مِن بابِ العقودِ المأمورِ بالوفاءِ بها، وكأنَّه رأى أنَّ ذلك الحديثَ لا يتناوَلُ المعلَّقَ على المِلك؛ لأنَّه إنَّما يلزمُهُ عند حصولِ المِلكِ لا قبله. ووافَقَ أبا حنيفةَ مالكٌ فيما إذا خَصَّ؛ تمسُّكًا بمثل ما تمسَّكَ به أبو حنيفة، وخالَفَهُ إذا عمَّ؛ رفعًا للحَرَجِ الذي أدخَلَهُ على نفسه، ولمالكٍ قولٌ آخر مِثلُ قولِ الشافعيِّ. و(قوله: إِنَّ رَجُلاً مِمَّن كَانَ (٢) قَبلَكُم خَرَجَت بِوَجهِهِ قُرحَةٌ) القُرحَةُ: واحدةُ القُرَحِ والقروح، وهي الجِرَاحُ؛ يقال منه: قَرِحَ جِلدُهُ بالكسر يَقرَحُ قَرَحًا،

стр. 308

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويقال: القَرحُ والقُرحُ - بفتح القاف وضمِّها - لغتان عن الأخفش، وقال غيره: القَرحُ، بالفتح: الجَرح، وبالضمِّ: ألمُ الجراح. و(قوله: فَنَكَأَهَا) بهمزةٍ مفتوحةٍ على الألف، أي: قَشَرها وفَجَرها. و(قوله: فَلَم يَرقَأِ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ) أي: لم ينقطع، وهو بالهمز؛ يقال: رَقَأ الدَّمُ يَرقَأُ: إذا انقطع؛ ويروى أنَّ النبيَّ ﷺ قال: لَا تَسُبُّوا الإِبِلَ؛ فَإِنَّ فِيهَا رَقُوءَ الدَّمِ (١)، أي: إذا دُفِعَتِ الإبلُ في الدية، ارتفَعَ القصاصُ والقَتلُ وانقطَعَ الدم. وهذا الفعلُ مِن هذا الرجل يَحتملُ أن يكونَ: إنَّما حمله عليه الجزَعُ والتبرُّمُ واستعجالُ الموت؛ فيكونُ ممَّن قتَلَ نفسه بحديدةٍ؛ فيكونُ فِعله نحوًا ممَّا فعله الذي أصابتهُ جِرَاحَةٌ في الحرب، فاستعجَلَ الموتَ، فوضَعَ نَصلَ سيفه بالأرض، وذُبَابَهُ (٢) بين ثديَيهِ، فتحامَلَ عليه، فقتَلَ نفسه. ويَحتملُ أن يكونَ قصَدَ بَطَّ (٣) تلك الجراحةِ؛ ليخفف عنه الألَمُ، ففرَّطَ في التحرُّز، فعوقبَ على تفريطه. ويُستفادُ مِنَ التأويلِ الأوَّل: وجوبُ الصبرِ على الآلام، وتحريمُ استعجالِ الموتِ عند شِدَّةِ الآلام وإن أيقَنَ به. ومِنَ التأويل الثاني: وجوبُ التحرُّزِ مِنَ الأدويةِ المَخُوفَةِ والعلاجِ الخطر، وتحريمُ التقصيرِ في التحرُّزِ مِن ذلك، والله تعالى أعلم. و(قوله: لَعنُ المُؤمِنِ كَقَتلِهِ) أي: في الإثم. ووجهه: أنَّ مَن قال لمؤمنٍ: لَعَنَهُ اللهُ، فقد تضمَّنَ قولُهُ ذلك إبعادَهُ عن رحمةِ الله تعالى التي رَحِمَ بها المسلمين، وإخراجَهُ مِن جملتهم في أحكامِ الدنيا والآخرة، ومَن كان كذلك، فقد صار بمنزلةِ المَفقُودِ عن المسلمين بعد أَن كان موجودًا فيهم؛ إذ لم يَنتفِع بما انتفَعَ به المسلمون، ولا انتفَعُوا به؛ فأشبَهَ ذلك قتلَهُ. وعلى هذا فيكونُ إثمُ اللاعنِ كَإِثمِ القاتل، غير أنَّ القاتِلَ أَدخَلُ في الإثم؛ لأنَّه أفقَدَ المقتولَ حِسًّا ومعنًى، واللاعنُ

стр. 309

وَفِي رِوَايَةٍ: وَلَعنُ المُؤمِنِ كَقَتلِهِ. وَفِيهَا: وَمَنِ ادَّعَى دَعوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا، لَم يَزِدهُ اللهُ إِلَاّ قِلَّةً، وَمَن حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبرٍ فَاجِرَةٍ. ــ أفقدَهُ معنًى، فإثمه أخفُّ منه، لكنَّهما قد اشتَرَكَا في مطلَقِ الإثمِ، فصدَقَ عليه أنَّه مِثلُهُ، والله أعلم. و(قوله: وَمَنِ ادَّعَى دَعوَى كَاذِبَةً (١) لِيَتَكَثَّرَ بِهَا، لَم يَزِدهُ اللهُ إِلَاّ قِلَّةً، يعني - والله أعلم -: أَنَّ مَن تظاهَرَ بشيء مِنَ الكمال، وتعاطاه، وادَّعَاهُ لنفسه، وليس موصوفًا به، لم يَحصُل له مِن ذلك إلَاّ نقيضُ مقصودِهِ، وهو النقص: فإن كان المُدَّعَى مالاً، لم يبارَك له فيه، أو علمًا، أظهَرَ اللهُ جَهلَهُ، فاحتقَرَهُ الناس، فقَلَّ مقدارُهُ عندهم. وكذلك لو ادَّعَى دِينًا أو نَسَبًا أو غَيرَ ذلك، فضَحَهُ اللهُ، وأظهَرَ باطلَهُ؛ فقَلَّ مقدارُهُ، وذَلَّ في نفسه؛ فحصَلَ على نقيضِ قصده؛ وهذا نحو قوله ﵊: مَن أَسَرَّ سَرِيرَةً، أَلبَسَهُ اللهُ رِدَاءَهَا، ونحو منه قولُهُ تعالى: وَيُحِبُّونَ أَن يُحمَدُوا بِمَا لَم يَفعَلُوا وقولُهُ ﵊: المُتَشَبِّعُ بِمَا لَم يُعطَ كَلَابِسِ ثَوبَي زُورٍ (٢). وفائدةُ الحديث: الزجرُ عن الرياءِ وتعاطيه، ولو كان بأمورِ الدنيا. و(قوله: وَمَن حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبرٍ فَاجِرَةٍ) كذا صحَّتِ الروايةُ في أصلِ كتابِ مسلم لهذا الكلام، مقتصرًا على ذكر جملة الشرط مِن غير ذكرِ جملةِ الجزاء؛ فَيَحتمِلُ: أن سكَتَ عنه؛ لأنَّه عطفَهُ على مَن التي قبلها، فكأنَّه قال: ومن حلف يمينًا فاجرة، كان كذلك، أي: لم يَزِدهُ اللهُ بها إلَاّ قِلَّةً؛ قاله القاضي عِيَاض. قال المؤلف ﵀: ويَحتمِلُ: أن يكونَ الجزاءُ محذوفًا، ويكونَ تقديره: مَن فعَلَ ذلك، غَضِبَ اللهُ عليه، أو عاقَبَهُ، أو نحو ذلك؛ كما جاء في

стр. 310

وَفِي أُخرَى: وَمَن ذَبَحَ نَفسَهُ بِشَيءٍ، ذُبِحَ بِهِ يَومَ القِيَامَةِ. رواه أحمد (٤/ ٣٣ - ٣٤)، والبخاري (٦٦٥٢)، ومسلم (١١٠)، وأبو داود (٣٢٥٧)، والترمذي (٢٦٣٨)، والنسائي (٧/ ٥ - ٦)، وابن ماجه (٢٠٩٨). [٨٧] وَعَن جُندَبٍ، عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ رَجُلاً مِمَّن كَانَ قَبلَكُم خَرَجَت بِوَجهِهِ قُرحَةٌ، فَلَمَّا آذَتهُ، انتَزَعَ سَهمًا مِن كِنَانَتِهِ، فَنَكَأَهَا، فَلَم يَرقَأِ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ رَبُّكُم: قَد حَرَّمتُ عَلَيهِ الجَنَّةَ. رواه البخاري (١٣٦٤)، ومسلم (١١٣). * * * ــ الحديثِ الآخر: مَن حلَفَ عَلَى يَمِينٍ لِيَقتَطِعَ بِهَا مَالَ مُسلِمٍ، لَقِيَ اللهَ وهو عليه غَضبَانُ (١). والروايةُ في يَمِينٍ صَبرٍ بالتنوينِ على أنَّ صَبرًا صفةٌ اليَمِين، أي: ذاتِ صَبرٍ. وأصلُ الصبر: الحَبسُ؛ كما قال عنترةُ: فَصَبَرتُ عَارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً (٢) ... . . . . . . . . . . . . . أي: حَبَستُ في الحربِ نَفسًا معتادةً لذلك كريمةً لا ترضَى بالفرار. وقال أبو العبَّاس (٣): الصبرُ ثلاثةُ أشياء: الحبسُ، والإكراهُ، والجرأة؛ كما قال تعالى: فَمَا أَصبَرَهُم عَلَى النَّارِ أي: ما أجرأَهُم عليها. ووُصِفَتِ اليمينُ بأنَّها ذاتُ صَبرٍ؛ لأنَّها تَحبِسُ الحالفَ لها، أو لأنَّ الحالفَ يجترئُ عليها، وذكر الصبر، وقد أجراه صفةً على اليمين، وهي مؤنَّثةٌ (٤)؛ لأنَّه قَصَدَ قَصدَ المصدرِ.

стр. 311

(٣٦) بَابُ لَا يُغتَرُّ بِعَمَلِ عَامِلٍ حَتَّى يُنظَرَ بِمَا يُختَمُ لَهُ [٨٨] عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعِدِيِّ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ التَقَى هو وَالمُشرِكُونَ فَاقتَتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى عَسكَرِهِ، وَمَالَ الآخَرُونَ إِلَى عَسكَرِهِم، وَفِي أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُم شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلَاّ اتَّبَعَهَا يَضرِبُهَا بِسَيفِهِ، فَقَالُوا: مَا أَجزَأَ مِنَّا اليَومَ أَحَدٌ كَمَا أَجزَأَ فُلَانٌ، ــ (٣٦) وَمِن بَابِ: لَا يُغتَرُّ بِعَمَلِ عَامِلٍ حَتَّى يُنظَرَ بِمَا يُختَمُ عليهُ (قوله: لَا يَدَعُ لَهُم (١) شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً) الشَّاذُّ: الخارجُ عن الجماعة، والفاذُّ: المنفرد، وأنَّث الكلمتَينِ على جهة المبالغة؛ كما قالوا: عَلَاّمَةٌ، ونَسَّابة؛ قال ابن الأعرابي: يقال: فلانٌ لا يَدَعُ لهم شَاذَّةً ولا فَاذَّةً: إذا كان شُجَاعًا لا يلقاه أحدٌ. وفيه من الفقه: ما يدلُّ على جواز الإغيَاءِ (٢) في الكلامِ والمبالغةِ فيه، إذا احتِيج إليه، ولم يكن ذلك تعمُّقًا ولا تشدُّقًا. و(قوله: مَا أَجزَأَ مِنَّا اليَومَ أَحَدٌ كَمَا أَجزَأَ فُلَانٌ) كذا صحَّت روايتنا فيه رباعيًّا مهموزًا، ومعناه: ما أغنَى ولا كَفَى. وفي الصحاح: أجزَأَني الشيءُ: كفاني، وجزَى عنِّي هذا الأمرُ، أي: قَضَى؛ ومنه قوله: لَا تَجزِي نَفسٌ عَن نَفسٍ شَيئًا أي: لا تَقضِي، ومنه قوله ﵊ لأبي بردةِ: تَجزِي عَنكَ، وَلَا تَجزِي عَن أَحَدٍ بَعدَكَ (٣)، قال: وبنو تميمٍ يقولون: أَجزَأَت عنك شاةٌ، بالهمز. وقال أبو عُبَيد: جَزَأتُ بالشيءِ وأجزَأتُ؛ أي: اكتفَيتُ به، وأنشَدَ:

стр. 312

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَمَا إِنَّهُ مِن أهل النَّارِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ: أَنَا صَاحِبُهُ أَبَدًا، قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ، كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإِذَا أَسرَعَ أَسرَعَ مَعَهُ، قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرحًا شَدِيدًا، فَاستَعجَلَ المَوتَ، فَوَضَعَ نَصلَ سَيفِهِ بِالأَرضِ، وَذُبَابَهُ بَينَ ثَديَيهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيفِهِ فَقَتَلَ نَفسَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَشهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرتَ آنِفًا أَنَّهُ مِن أهل النَّارِ، فَأَعظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلتُ: أَنَا لَكُم بِهِ، فَخَرَجتُ فِي طَلَبِهِ حَتَّى جُرِحَ جُرحًا شَدِيدًا، فَاستَعجَلَ المَوتَ، فَوَضَعَ نَصلَ سَيفِهِ بِالأَرضِ، وَذُبَابَهُ بَينَ ثَديَيهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيهِ فَقَتَلَ نَفسَهُ، ــ فَإِنَّ اللُّؤمَ فِي الأَقوَامِ عَارٌ ... وَإِنَّ المَرءَ يَجزَى بِالكُرَاعِ وفلانٌ، قيل: هو قُزمَان. ونَصلُ السيف: حديدتُهُ كلُّها، وأنشدوا: كالسَّيفِ سُلَّ نَصلُهُ مِن غِمدِهِ ... . . . . . . . . . . . . . . ويقال عليها: مُنصُلٌ، والمرادُ بالنَّصل في هذا الحديث: طَرَفُ النَّصلِ الأسفلُ الذي يسمَّى: القَبِيعة، والرئاس. وذُبَابُهُ: طَرَفُهُ الأعلى المحدَّدُ المهلَّل، وظبَتَاهُ وغَربَاه: حَدَّاهُ، وصدرُ السيفِ: مِن مَقبِضه إلى مَضرِبه، ومَضرِبُهُ: موقعُ الضَّرب منه، وهو دون الذُّبَاب بِشِبرٍ. و(قوله: فَأَعظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ) أي: عظَّموه وكَبُرَ عليهم؛ وإنما كان ذلك؛ لأنَّهم نظروا إلى صورةِ الحال، ولم يعرفوا الباطنَ ولا المآل، فأعلَمَ العليمُ الخبيرُ البشيرَ النذيرَ بمُغَيَّبِ الأمرِ وعاقبتِه، وكان ذلك مِن أدلَّةِ صِدقِ الرسولِ ﷺ وصِحَّةِ رسالتِه، ففيه التنبيهُ على تركِ الاِعتمادِ على الأعمال، والتعويلُ على فضلِ ذي العزَّةِ والجلال.

стр. 313

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِندَ ذَلِكَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعمَلُ بعَمَل أهل الجَنَّةِ - فِيمَا يَبدُو لِلنَّاسِ - وهو مِن أهل النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعمَلُ بعَمَل أهل النَّارِ - فِيمَا يَبدُو لِلنَّاسِ - وهو مِن أهل الجَنَّةِ. رواه أحمد (٤/ ١٣٥)، والبخاري (٤٢٠٢)، ومسلم (١١٢). ــ و(قوله: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعمَلُ بِعَمَلَ أهل الجَنَّةِ فِيمَا يَبدُو لِلنَّاسِ) دليلٌ على أنَّ ذلك الرجُلَ لم يكن مخلصًا في جهاده، وقد صرَّحَ الرجلُ بذلك فيما يروى عنه أنَّه قال: إِنَّمَا قَاتَلتُ عَن أَحسَابِ قَومِي، فيتناول هذا الخَبَرُ أهلَ الرياء. فأمَّا حديثُ أبي هريرة الذي قال فيه: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أهل الجَنَّةِ، ثُمَّ يُختَمُ لَهُ بِعَمَلِ أهل النَّارِ فَيَدخُلُهَا (١): فإنَّما يتناوَلَ مَن كان مخلصًا في أعمالِهِ، قائمًا بها على شروطها، لكن سبَقَت عليه سابقةُ القدر، فبدَّل به عند خاتمته؛ كما يأتي بحقيقته في كتاب القدر، إن شاء الله تعالى. و(قوله ﵊: اللهُ أَكبَرُ! أَشهَدُ أَنِّي عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ؛ عند وقوعِ ما أخبَرَ به من الغيب؛ دليلٌ على أنَّ ذلك مِن جملة معجزاته، وإن لم يقترن بها في تلك الحالِ تَحَدٍّ قوليٌّ؛ وهذا على خلافِ ما يقولُهُ المتكلِّمون: أنَّ مِن شروطِ المعجزةِ اقترانَ التحدِّي القَولِيِّ بها، فإن لم تكن كذلك، فالخارقُ كرامةٌ لا مُعجِزةٌ، والذي ينبغي أن يقال: إنَّ ذلك لا يشتَرَطُ؛ بدليلِ أنَّ الصحابةَ ﵃ كانوا كُلَّما ظهَرَ لهم خارقٌ للعادة على يَدَيِ النبيِّ ﷺ ، استدلُّوا بذلك على صِدقِهِ وثبوتِ رسالته، كما قد اتَّفَقَ لعمر حين دعا رسولَ الله ﷺ على قليلِ الأزوادِ، فكَثُرَت فقال عند ذلك: أَشهَدُ أن لَا إِلَهَ إلا الله، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ (٢)، وكقول

стр. 314

[٨٩] وَفِي رِوَايَةٍ: فَأُخبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ، فَقَالَ: اللهُ أَكبَرُ! أَشهَدُ أَنِّي عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالاً فَنَادَى فِي النَّاسِ: إنَّهُ لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ إِلَاّ نَفسٌ مُسلِمَةٌ، وَإِنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ. رواه أحمد (٢/ ٣٠٩ - ٣١٠)، والبخاري (٤٢٠٣)، ومسلم (١١١) من حديث أبي هريرة. ــ أسامةَ بنِ زيد ﵁، وبدليل الاِتِّفاقِ على نَبعَ الماء مِن بين أصابعه، وتسبيحَ الحصَى في كَفِّه، وحَنِينَ الجِذع مِن أظهر معجزاته، ولم يصدُر عنه مع شيءٍ مِن ذلك تحدٍّ بالقولِ عند وقوعِ تلك الخوارق، ومع ذلك فَهِيَ معجزاتٌ. والذي ينبغي أن يقال: إنَّ اقترانَ القولِ لا يلزم، بل يكفي مِن ذلك قولٌ كليٌّ يتقدَّم الخوارقَ؛ كقولِ الرسول ﷺ : الدليلُ على صِدقِي ظهورُ الخوارق على يَدَيَّ؛ فإنَّ كُلَّ ما يظهَرُ على يَدَيه منها بعد ذلك يكونُ دليلاً على صِدقه وإن لم يقترن بها واحدًا واحدًا قولٌ. ويمكنُ أن يقال: إنَّ قرينةَ حاله تدلُّ على دوامِ التحدِّي، فيتنزَّلُ ذلك منزلةَ اقترانِ القول، والله أعلم. و(قوله: فَنَادَى فِي النَّاسِ: إِنَّهُ لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ إِلَاّ نَفسٌ مُسلِمَةٌ) أي: مؤمنة (١)؛ لأنَّ الإسلام العَرِيَّ عن الإيمانِ لا يَنفَعُ صاحبَهُ في الآخرة، ولا يُدخِلُهُ الجَنَّة؛ وذلك بخلافِ الإيمان: فإنَّ مجرَّده يَدخُلُ صاحبُهُ الجنَّةَ وإن عُوقِبَ بتركِ الأعمال على ما سنذكرُهُ إن شاءَ اللهُ تعالى؛ فدلَّ هذا على أنَّ هذا الرجُلَ كان مُرَائِيًا منافقًا؛ كما تقدَّم. ومما يدلّ على ذلك أيضًا: قولُهُ ﵊: إنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ (٢)، وهو الكافر؛ كما قال: وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا. ويؤيِّد: يُقَوِّي ويَعضُدُ. وأَمرُ النبيِّ ﷺ بلالاً أن يُنادِيَ بذلك

стр. 315

[٩٠] وَعَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَومُ خَيبَرَ، أَقبَلَ نَفَرٌ مِن صَحَابَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فُلَانٌ شَهِيدٌ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كَلَاّ! إِنِّي رَأَيتُهُ فِي النَّارِ، فِي بُردَةٍ غَلَّهَا، أو عَبَاءَةٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا ابنَ الخَطَّابِ، اذهَب فَنَادِ فِي ــ القولِ، إنَّما كان تنبيهًا على وجوبِ الإخلاصِ في الجهادِ وأعمالِ البِرِّ، وتحذيرًا من الرِّيَاءِ والنفاق. و(قوله: حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ) هذا الرجلُ هو المسمَّى مِدعَم، وكان عبدًا للنبيِّ ﷺ ، فَبَينَا هو يَحُطُّ رحلَ رسولِ الله ﷺ ، إذ أصابه سهمٌ، فقال الناس: هنيئًا له الجَنَّةُ، فقال النبيُّ ﷺ هذا الكلامَ. وكَلَاّ: رَدعٌ وزجر. والغُلُول: الخيانةُ في المَغنَم؛ يقالُ منه: غَلَّ بفتح الغين، يَغُلُّ بضمها في المضارع؛ قال ابن قتيبة وغيره: الغُلُولُ: من الغَلَل، وهو الماءُ الجاري بين الأشجار؛ فكأنَّ (١) الغالَّ سمِّي بذلك؛ لأنَّه يُدخِلُ الغلولَ على أثناءِ راحلته، فأمَّا الغِلُّ، بكسر الغين: فهو الحِقدُ والشَّحناء. والبُردَة: كساءٌ أسودُ صغيرٌ مربَّع يلبسُهُ الأعراب؛ قاله الجوهري، وقال غيره: هي الشَّملَةُ المخطَّطة، وهي كساءٌ يُؤتَزَرُ به. والعباءة ممدود: الكِسَاء. و(قوله: إِنِّي أُرِيتُهُ فِي النَّارِ) ظاهره: أنَّها رؤيةُ عِيَانٍ ومشاهدة، لا رؤية منام؛ فهو حُجَّةٌ لأهل السُّنَّة على قولهم: إنَّ الجَنَّةَ والنار قد خُلِقَتَا ووُجِدَتَا. وفيه: دليلٌ على أنَّ بعضَ مَن يُعَذَّبُ في النار يدخلُهَا ويعذَّبُ فيها قبلَ يوم القيامة. ولا حُجَّةَ فيه للمُكَفِّرة بالذنوب؛ لأنَّا نقولُ: إنَّ طائفةً مِن أهلِ التوحيدِ يَدخُلُون النارَ بذنوبهم، ثُمَّ يَخرُجون منها بتوحيدهم، أو بالشفاعةِ لهم؛ كما سيأتي في الأحاديثِ الصحيحة، ويجوزُ أن يكونَ هذا الغالّ منهم، والله تعالى أعلم.

стр. 316

النَّاسِ: إنَّهُ لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ إِلَاّ المُؤمِنُونَ، قَالَ: فَخَرَجتُ فَنَادَيتُ: أَلَا إِنَّهُ لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ إِلَاّ المُؤمِنُونَ. رواه أحمد (١/ ٣٠)، ومسلم (١١٤)، والترمذي (١٥٧٤) من حديث عبد الله بن عباس، عن عمر بن الخطاب ﵃. * * * (٣٧) بَابٌ قَتلُ الإِنسَانِ نَفسَهُ لَيسَ بِكُفرٍ [٩١] عَن جَابِرٍ؛ أَنَّ الطُّفَيلَ بنَ عمرو الدَّوسِيَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رسولَ الله، هَل لَكَ فِي حِصنٍ حَصِينٍ وَمَنَعَةٍ؟ - قَالَ: حِصنٌ كَانَ لِدَوسٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ - فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ ، لِلَّذِي ذَخَرَ اللهُ لِلأَنصَارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ ــ (٣٧) وَمِن بَابِ قَتلُ الإِنسَانِ نَفسَهُ لَيسَ بِكُفرٍ (قوله: هَل لَكَ فِي حِصنٍ حَصِينٍ وَمَنَعَةٍ؟ ) الحِصنُ: واحدُ الحصون، وهي القصورُ والقلاعُ التي يتحصَّن فيها، وحصين: فعيلٌ للمبالغة، أي: شديدُ المَنعِ لمن فيه. ومَنَعَة: يروى بفتح النون وسكونها، وفي الصحاح يقالُ: فلانٌ في عِزٍّ ومَنَعَةٍ بالتحريك، وقد يسكَّن عن ابن السِّكِّيت، ويقال: المَنَعَةُ بالتحريك: جمع مانعٍ، ككافرٍ وكَفَرَة، أي: هو في عِزٍّ وعشيرةٍ يمنعونه. و(قوله: وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِن قَومِهِ، فَاجتَوَى المَدِينَةَ، فَمَرِضَ فَجَزِعَ، فَأَخَذَ) هكذا صوابُ الرواية بتوحيد رَجُل، وعَطفِ ما بعده على ما قبله على

стр. 317

النَّبِيُّ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ، هَاجَرَ إِلَيهِ الطُّفَيلُ بنُ عمرو، وَهَاجَرَ مَعَهُ رجلٌ مِن قَومِهِ، فَاجتَوَى المَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَت يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيلُ بنُ عمرو فِي مَنَامِهِ، فَرَآهُ ــ الإفراد، وهي روايةُ عبد الغافر (١)، وعند غيره تخليطٌ؛ فمنهم من جَمَعَ، فقال: رِجَالٌ، فَاجتَوَوُا المَدِينَةَ، ثم قال بعده: فَمَرِضَ فَجَزِعَ على الإفراد. والأوَّلُ: أصوب. واجتَوَى المَدِينَةَ، أي: كرهها؛ يقال: اجتَوَيتُ المدينةَ: إذا كرهتَهَا، وإن كانت موافقةً لك في بَدَنِكَ، قال الخَطَّابي: أصلُ الاِجتواءِ استِيبَالُ (٢) المكانِ، وكراهيةُ المقامِ فيه؛ لِمضرة لَحِقَتهُ، وأصلُهُ: من الجَوَى، وهو فسادُ الجَوف. و(قوله: فَأَخَذَ مَشَاقِصَ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ) المَشَاقِص: جمعُ مِشقَص، وهو السهمُ العريض، وقال الداوديُّ: هو السِّكِّين. والبَرَاجِمُ والرَّوَاجِب: مفاصلُ الأصابعِ كلِّها، وقال أبو مالك في كتابِ خَلقِ الإنسان: الرَّوَاجِبُ: رؤوسُ العظام في ظَهرِ الكفِّ، والبراجمُ: هي المفاصلُ التي تحتها. و(قوله: فشَخَبَت) بالشين المعجمة (٣)، وهو بالخاء المعجمة، وبفَتحِهَا في الماضي، وضمِّها في المضارع، وقد تُفتَحُ، ومعناه: سال، قال ابن دُرَيد: كلُّ شيءٍ سال، فهو شُخبٌ - بضم الشين وفتحها - وهو: ما خرَجَ من الضَّرع من اللبن، وكأنه الدُّفعَةُ منه، ومنه المَثَلُ: شُخبٌ في الأرضِ، وشُخبٌ في الإناء! ، يقال للذي يُصِيبُ مَرَّةً، ويخطئُ في أخرى؛ تشبيهًا له بالحالب الذي يفعلُ ذلك.

стр. 318

وَهَيئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَن نُصلِحَ مِنكَ مَا أَفسَدتَ، فَقَصَّهَا الطُّفَيلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اللَّهُمَّ، وَلِيَدَيهِ فَاغفِر. رواه أحمد (٣/ ٣٧١)، ومسلم (١١٦). * * * ــ و(قوله: غَفَرَ لِي بِهِجرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ) دليلٌ على أن الكبائر قد تُغفَرُ بفعلِ القواعد، وفيه نَظَرٌ سيأتي في الطهارة، إن شاء الله تعالى. و(قوله: لَن نُصلِحَ مِنكَ مَا أَفسَدتَ) دليلٌ على أنَّ المغفرةَ قد لا تتناول محلَّ الجناية، فيحصُلُ منه توزيعُ العقاب على المعاقَبِ؛ ولذلك قال ﵊: اللَّهُمَّ، وَلِيَدَيهِ فَاغفِر. والظاهرُ: أنَّ هذا الرجلَ أدركتهُ بركةُ دعوةِ النبيِّ ﷺ ، فغُفِرَ له وليدَيهِ، وكُمِّلَ له ما بقي من المغفرة عليه؛ وعلى هذا: فيكونُ قوله: لَن نُصلِحَ مِنكَ مَا أَفسَدتَ ممتدًّا إلى غايةِ دعاءِ النبيِّ ﷺ له؛ فكأنَّه قيل له: لن نصلحَ منك ما أفسدته ما لم يَدعُ لك النبيُّ ﷺ . وهذا الحديثُ يقتضي أنَّ قَاتِلَ نفسه ليس بكافر، وأنَّه لا يُخَلَّدُ في النار، وهو موافق لمقتضى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ. وهذا الرجلُ ممَّن شاء الله أن يَغفِرَ له؛ لأنَّه إنَّما أتَى بما دون الشِّرك، وهذا بخلافِ القاتلِ نفسَهُ المذكورِ في حديث جُندُب؛ فإنَّه ممَّن شاء الله أن يعذِّبه.

стр. 319

(٣٨) بَابُ مَا يُخَافُ مِن سُرعَةِ سَلبِ الإِيمَانِ [٩٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ اللهَ يَبعَثُ رِيحًا مِنَ قبل اليَمَنِ، أَليَنَ مِنَ الحَرِيرِ، فَلَا تَدَعُ أَحَدًا فِي قَلبِهِ مِثقَالُ حَبَّةٍ - وَفِي رِوَايَةٍ: ذَرَّةٍ - مِن إِيمَانٍ إِلَاّ قَبَضَتهُ. رواه مسلم (١١٧). ــ (٣٨) وَمِن بَابِ مَا يُخَافُ مِن سُرعَةِ سَلبِ الإِيمَانِ (وقوله: إِنَّ اللهَ يَبعَثُ رِيحًا مِن قِبَلِ اليَمَنِ (١)، أَليَنَ مِنَ الحَرِيرِ) هذه الريحُ إنما تُبعَثُ بعد نزولِ عيسى ابنِ مريم، وقتلِه الدَّجَّالَ، كما يأتي في حديثِ عبد الله بنِ عمرو في آخر الكتاب؛ الفتن (٢)، غير أنَّه قال هنا: رِيحًا مِن قِبَل اليَمَنِ، وفي حديث عبد الله: مِن قِبَلِ الشَّامِ؛ فيجوزُ أن يكونَ مبدؤها من قبل اليمن، ثُمَّ تَمُرُّ بالشام، فَتَهُبُّ منه على مَن يليه. وقَبضُ الإيمانِ في هذا الحديث هو بقبض أهله؛ كما جاء في حديث ابن عمرو، وقال فيه: ثُمَّ يُرسِلُ اللهُ رِيحًا بَارِدَةً مِن قِبَلِ الشَّامِ، فَلَا يَبقَى عَلَى وَجهِ الأَرضِ أَحَدٌ فِي قَلبِهِ مِثقَالُ ذَرَّةٍ مِن خَيرٍ أو إِيمَانٍ إِلَاّ قَبَضَتهُ، حَتَّى لَو أَنَّ أَحَدَكُم (٣) دَخَلَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ، لَدَخَلَت عَلَيهِ حَتَّى تَقبِضَهُ، قال: فَيَبقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيرِ وَأَحلَامِ السِّبَاعِ.

стр. 320

[٩٣] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَيضًا؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: بَادِرُوا بِالأَعمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيلِ المُظلِمِ، يُصبِحُ الرَّجُلُ مُؤمِنًا، وَيُمسِي كَافِرًا، ويُمسِي مُؤمِنًا، وَيُصبِحُ كَافِرًا. يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنيَا. رواه أحمد (٢/ ٣٠٤ و ٥٢٣)، ومسلم (١١٨)، والترمذي (٢١٩٦). * * * ــ و(قوله: بَادِرُوا بِالأَعمَالِ فِتَنًا) أي: سَابِقُوا بالأعمالِ الصالحةِ هجومَ المِحَنِ المانعةِ منها، السالبةِ لشرطها المصحِّح لها الإيمان؛ كما قال: يُصبِحُ الرَّجُلُ مُؤمِنًا، وَيُمسِي كَافِرًا، ولا إحالةَ ولا بُعدَ في حمل هذا الحديثِ على ظاهره؛ لأنَّ المِحَنَ والشدائد إذا توالَت على القلوب أفسدَتهَا بِغَلَبتها عليها، وبما تُؤَثِّرُ فيها مِنَ القَسوة. ومقصودُ هذا الحديثِ: الحَضُّ على اغتنامِ الفُرصة، والاِجتهادُ في أعمالِ الخيرِ والبِرِّ عند التمكُّنِ منها، قَبلَ هجومِ الموانع. و(قوله: يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنيَا) عَرَضُ الدنيا بفتح العين والراء: هو طمعها وما يَعرِضُ منها، ويدخُلُ فيه جميعُ المال؛ قاله الهَرَوِيُّ، فأمَّا العَرضُ، بإسكان الراء: فهو خلافُ الطُّول، ويقالُ على أمور كثيرة، والعِرضُ، بكسر العين وسكون الراء: هو نسَبُ الرجلِ وجسمهُ وذاتُهُ. ومقصودُ هذا الحديثِ: الأمرُ بالتمسُّك بالدِّين، والتشدُّدُ فيه عند الفتن، والتحذيرُ مِنَ الفتنِ، ومِنَ الإقبالِ على الدنيا وعلى مَطَامِعِهَا. * * *
следующие страницы →