لَا، الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ،
ــ
القاضي عياض: أجمع العلماء: على أن من مات وله ورثة فليس له أن يوصي بجميع ماله إلا شيئًا روي عن بعض السَّلف، أجمع الناس بعده على خلافه. والجمهور: على أنه لا يوصي بجميع ماله (١)، وإن لم يكن له وارث. وذهب أبو حنيفة، وأصحابه، وإسحاق، وأحمد، ومالك - في أحد قوليهما - إلى جواز ذلك. وروي عن علي، وابن مسعود. وسبب هذا الخلاف: الخلاف في بيت المال هل هو وارث، أو حافظ لما يجعل فيه.
وفيه دليل: على أن المريض محجور عليه في ماله (١). وهو مذهب الجمهور. وشذَّ أهل الظاهر، فقالوا: لا يحجر عليه في ماله وهو كالصحيح. وظاهر هذا: الحديث، والنظر، والمعنى: حجة عليهم.
ومنع أهل الظاهر الوصية بأكثر من الثلث وإن أجازها الورثة. وأجاز ذلك الكافة إذا أجازها الورثة. وهو الصحيح؛ لأن المريض إنما منع من الوصية بزيادة على الثلث لحق الوارث، بدليل قوله ﷺ : (إنك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالة) فإذا أسقط الورثة حقهم كان ذلك جائزًا وصحيحًا.
و(قوله: الثلث، والثلث كثير) وروي: (الثلث) الأول بالرفع على الابتداء، وإضمار الخبر؛ أي: الثلث كافيك. وقيل: يجوز على أن يكون فاعلًا لفعل مضمر.
قلت: وفيه ضعف؛ لأنه لا يكون ذلك إلا بعد أن يكون في صدر الكلام ما يدل على الفعل دلالة واضحة، كقوله تعالى: ﴿وَإِن أَحَدٌ مِنَ المُشرِكِينَ استَجَارَكَ فَأَجِرهُ حَتَّى يَسمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾، على خلاف بين الكوفيين والبصريين. فالبصريون يرفعونه بالفعل. والكوفيون بالابتداء. وروي بالنصب على أن يكون
стр. 2557
إِنَّكَ أَن تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغنِيَاءَ خَيرٌ مِن أَن تَذَرَهُم عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَلَستَ تُنفِقُ نَفَقَةً تَبتَغِي بِهَا وَجهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرتَ بِهَا،
ــ
مفعولًا بفعل مضمر تقديره: نفذ الثلث. أو: أمض الثلث. وما أشبهه، وقيل: على الإغراء. وفيه بُعدٌ.
وهو حجة للجمهور على جواز الوصية بالثلث على من شذّ، وخالفهم، وقال: لا يجوز إلا بالربع، لكن لما استكثر النبي ﷺ الثلث؛ قال ابن عباس: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع حَضًّا على ذلك. وكل ذلك رفق بالورثة، وترجيح لجانبهم على الصدقة للأجانب.
قلت: وعلى هذا فمن حسنت نيَّته فيما يبقيه لورثته كان أجره في ذلك أعظم من الصدقة به، لا سيما إذا كانوا ضعافًا، والله تعالى أعلم.
و(قوله: إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة) روايتنا في (أن تذر) بفتح الهمزة، و (أن) مع الفعل بتأويل المصدر في موضع رفع بالابتداء، وخبره (خير) المذكور بعده، والمبتدأ وخبره خبر (إنك) تقديره: إنك تركك ورثتك أغنياء خير من تركهم فقراء. وقد وهم من كسر الهمزة من (أن) وجعلها شرطًا؛ إذ لا جواب له ويبقى (خير) لا رافع له. فتأمله.
و(العالة): الفقراء. و (يتكففون الناس): يسألون الصدقة من أكف الناس: أو يسألونهم بأكفهم. وهذا يدلُّ على أنَّه كان له ورثة غير الابنة التي ذكرها، ويصحح ذلك التأويل الذي ذكرناه.
وفيه دليل: على صحة ميراث ذي السهم مع العصبة. ولا خلاف فيه.
و(قوله: ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها) هذا يفيد بمنطوقه: أن الأجر في النفقات لا يحصل إلا بقصد القربة إلى الله وإن كانت واجبة. وبمفهومه: أن من لم يقصد القربة لم يؤجر على شيء منها.
стр. 2558
حَتَّى اللُّقمَةُ تَجعَلُهَا فِي فِيِّ امرَأَتِكَ.
ــ
والمعنيان صحيحان. يبقى أن يقال: فهل إذا أنفق نفقةً واجبةً على الزوجة، أو الولد الفقير، ولم يقصد التقرب؛ هل تبرأ ذمته، أم لا؟ فالجواب: أنها تبرأ ذمته من المطالبة؛ لأن وجوب النفقة من العبادات المعقولة المعنى، فتجري بغير نيَّة، كالدِّيون، وأداء الأمانات، وغيرها من العبادات المصلحية، لكن إذا لم ينو لم يحصل له أجر. وقد قرَّرنا هذا في أصول الفقه. ويفهم منه بحكم عمومه: أن من أنفق نفقة مباحة، وصحَّت له فيها نيَّةُ التَّقرب أثيب عليها، كمن يطعم ولده لذيذ الأطعمة ولطيفها ليردَّ (١) شهوته، ويمنعه من التشوُّف لما يراه بيد الغير من ذلك النوع، وليرق طبعه، فيحسن فهمه، ويقوى حفظه، إلى غير ذلك مما يقصده الفضلاء.
و(قوله: حتى اللقمة تضعها (٢) في فِي امرأتك) يجوز في (اللقمة) النصب على عطفها على (نفقة). وأظهر من ذلك أن تنصبها بإضمار فعل؛ لأن الفعل قد اشتغل عنها بضميره. وهذا كقول العرب: أكلتُ السمكةَ حتى رأسها أكلته. وقد أجاز في (رأسها) الرفع، والنصب، والجر، وأوضح هذه الأوجه: النصب. وأبعدها الخفض. وكل ذلك جائز في (حتى اللقمة) ها هنا فَنَزِّلهُ عليه. والذي به قرأت هذا الحرف: النصب لا غير. وإنما خصَّ الزوجة بالذِّكر لأن نفقتها دائمة، تعودُ منفعتُها إلى المنفق، فإنها تحسنها في بدنها، ولباسها، وغير ذلك. فالغالب من الناس: أنه ينفق على زوجته لقضاء وطره، وتحصيل شهوته، وليس كذلك النفقة على الأبوين، فإنها تخرج بمحض الكلفة، والمشقة غالبًا، فكانت نية التقرُّب فيها أقرب وأظهر. والنفقة على الولد فيها شبه من نفقة الزوجة، ومن نفقة الأبوين، من حيث المحبة الطبيعية، والكلفة الوجودية.
стр. 2559
قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أأُخَلَّفُ بَعدَ أَصحَابِي؟ قَالَ: إِنَّكَ لَن تُخَلَّفَ فَتَعمَلَ عَمَلًا تَبتَغِي بِهِ وَجهَ اللَّهِ إِلَّا ازدَدتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفعَةً، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يُنتفَعَ بِكَ أَقوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمضِ لِأَصحَابِي هِجرَتَهُم، وَلَا تَرُدَّهُم عَلَى أَعقَابِهِم،
ــ
وإنما ذكر النبي ﷺ لسعد هذا الكلام في هذا الموطن تنبيها على الفوائد التي تحصلُ بسبب المال، فإنه إن مات أُثيب على ترك ورثته أغنياء من حيث إنه وصل رحمهم، وأعانهم بماله على طاعة الله تعالى، كما قال: (إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة) أي: ذلك أفضل من صدقتك بمالك، وإن لم تمت حصل لك أجر النفقات الواجبة والمندوب إليها. ويخرج من هذا الحديث: أن كسب المال وصرفه على هذه الوجوه أفضل من ترك الكسب، أو من الخروج عنه جملة واحدة. وكل هذا: إذا كان الكسب من الحلال الخلي عن الشبهات؛ الذي قد تعذَّر الوصول إليه في هذه الأوقات.
و(قوله: أَأُخلَّفُ بعد أصحابي؟ ) هذا الاستفهام إنما صدر عن سعد مخافة أن يكون مقامه بمكة بعد أصحابه إلى أن يموت بها قادحًا في هجرته، كما قد نصَّ عليه في الرواية الأخرى؛ إذ قال فيها: (لقد خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها). فأجابه النبي ﷺ بما يقتضي: أن ذلك لا يكون، وأنه يطول عمره إلى أن ينتفع به قومٌ، ويستضرُّ به آخرون. وقد كان ذلك. فإنه عاش بعد ذلك نيفًا وأربعين سنة، وولي بالعراق أميرًا، وفتحها الله تعالى على يديه، فأسلم على يديه بشرٌ كثير، فانتفعوا به، وقتل وأسر من الكفار خلقًا كثيرًا، فاستضروا به، فكان ذلك القول من أعلام نبوَّته، وأدلَّة صدق رسالته.
و(قوله: اللهم! أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم) يقتضي أن تبقى عليهم حال هجرتهم وأحكامها. ويفيد: أن استصحاب أحكامها كان واجبا على من هاجر، فيحرم عليه الرجوع إلى وطنه، وترك المدينة إلى أن
стр. 2560
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يموت بها، وإن كان قد ارتفع حكم وجوب أصلها عمن لم يهاجر يوم الفتح، حيث قال: (لا هجرة بعد الفتح) (١) وقال: (إن الهجرة قد مضت لأهلها) (٢) أي: من كان هاجر قبل الفتح صحَّت له هجرته، ولزمه البقاء عليها إلى الموت. ومن لم يكن هاجر سقط ذلك عنه. ومن نقض الهجرة خاف المهاجرون، حيث تحرَّجوا من مقامهم بمكة في حجة الوداع. وهذا هو الذي خاف منه سعد. فإن قضيته هذه كانت في حجة الوداع. وهذا هو الذي نقمه الحجَّاجُ على ابن الأكوع (٣) لما ترك المدينة ولزم الربذة فقال: تغربت يا ابن الأكوع (٣)؟ ! فأجابه: بأن قال له: إن رسول الله ﷺ أذن لي في البدو. وهذا هو الظاهر من جملة ما ذكرناه من هذه الأحاديث. وبه قال بعض أهل العلم. وهو الذي يدلُّ عليه قوله ﷺ : (لكن البائسُ سعدُ بن خولة) رثى له رسول الله ﷺ أن توفي بمكة، وسيأتي الكلام عليه.
وقال آخرون: إن وجوب الهجرة؛ ووجوب استدامة حكمها؛ قد ارتفع يوم الفتح، وإنما لزم المهاجرون المقام بالمدينة بعد الهجرة في حياة رسول الله ﷺ لنصرته، ولأخذ شريعته، ومشافهته، وللكون معه اغتنامًا لبركته. ثم لما مات: فمنهم من أقام بالمدينة، وأكثرهم ارتحل عنها. ولما فتحت الأمصار استوطنوها، وتركوا سكنى المدينة. فاستوطن الشام قوم منهم، واستوطن آخرون العراق، وآخرون مصر.
стр. 2561
لَكِن البَائِسُ سَعدُ بنُ خَولَةَ. قَالَ: رَثَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن أَن تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ.
رواه أحمد (١/ ١٧٩)، والبخاري (٦٧٣٣)، ومسلم (١٦٢٨)(٥)، والترمذي (٢١١٦)، والنسائي (٦/ ٢٤١)، وابن ماجه (٢٧٠٨).
ــ
وتأول أهل هذا القول ما تقدَّم: بأن ذلك إنما كان منهم مخافة أن تنقص أجورهم في هجرتهم متى زالوا عن شيء من أحكامها، فدعا لهم النبي ﷺ بألا يُنقِصَهم شيئًا من ذلك. وللأولين أن ينفصلوا عن هذا، بأن يقولوا: إنما استوطنوا تلك الأمصار للجهاد وفتح البلاد، وإظهار الدين، ونشر العلم، حتى أنفذوا في ذلك أعمارهم، ولما يقضوا من ذلك أوطارهم.
و(قوله: لكن البائس سعد بن خولة) البائس: اسم فاعل من بئس، يبأس: إذا أصابه بؤسٌ، وهو الضرر. وسعد بن خولة: هو زوج سبيعة الأسلمية، وهو رجل من بني عامر بن لؤي، من أنفسهم. وقيل: حليفٌ لهم. وقيل: إنه مولى أبي رُهم بن عبد العزى العامري.
واختلف في أمره؛ فقال ابن مزين، وعيسى بن دينار: إنه لم يهاجر من مكة حتى مات فيها. والأكثر على أنَّه هاجر ثم رجع إلى مكة مختارًا. وعلى هذين القولين يكون بؤسُه ذمًّا له؛ إما لعدم هجرته، وإما لفسخها (١) برجوعه عنها. وقال ابن هشام: إنَّه هاجر الهجرة إلى الحبشة، والهجرة الثانية، وشهد بدرًا، وغيرها، وتوفي بمكة في حجة الوداع. وعلى هذا فلا يكون بؤسه ذمًّا له، بل توجُّعًا له ورحمة؛ إذ كان منه: أنه هاجر الهجرتين، ثم إنَّه مات بعد ذلك بمكة، فيكون إشعارًا بما قدَّمناه من نقص ثواب من اتفق له ذلك. ومن ذلك تحرَّج سعد، والمهاجرون. والله تعالى أعلم.
وظاهر هذا القول: أنه من قول النبي ﷺ ولذلك قال المحدِّثون: انتهى كلام رسول الله ﷺ في قوله: (لكن البائس سعد بن خولة) وأما قوله بعد ذلك: رثى له رسول الله ﷺ أن توفي بمكة؛
стр. 2562
[١٧٠٨] وعنه، عَن أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى سَعدٍ يَعُودُهُ بِمَكَّةَ فَبَكَى، قَالَ: مَا يُبكِيكَ؟ . فَقَالَ: لقَد خَشِيتُ أَن أَمُوتَ بِالأَرضِ الَّتِي هَاجَرتُ مِنهَا كَمَا مَاتَ سَعدُ بنُ خَولَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اللَّهُمَّ اشفِ سَعدًا، اللَّهُمَّ اشفِ سَعدًا. ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا، وَإِنَّمَا يَرِثُنِي ابنَتِي، أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَبِالثُّلُثَينِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَالنِّصفُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّ صَدَقَتَكَ مِن مَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ نَفَقَتَكَ عَلَى عِيَالِكَ صَدَقَةٌ،
ــ
فظاهره: أنه من كلام غير النبي ﷺ . فقيل: هو قول سعد بن أبي وقاص. وقد جاء ذلك في بعض طرقه. وأكثر الناس على أنَّه من قول الزهري. والله تعالى أعلم.
وقد وقع في بعض طرق هذا الحديث انقطاع في أصل كتاب مسلم. وهو من المواضع المنقطعة الأربعة عشر، لكن لا يضر ذلك إن صحَّ؛ لأنه قد رواه من طرق أخر متصلة.
و(قوله ﷺ : (اللهم! اشف سعدًا - ثلاث مرارٍ (١)) يدلُّ على ندبية تطييب قلب المريض بالدعاء، وعلى إجابة دعاء النبي ﷺ فإنَّه أفاق، وعاش مدة طويلة، وفتح، وملك، كما قدَّمناه.
و(قوله: إن لي مالًا كثيرًا) دليل: على جواز الاستكثار من المال الحلال؛ لحصول الفوائد التي ذكرناها.
و(قوله: إنَّ صدقتك من مالك صدقة) أي: مقبولة عند الله، حاصل لك ثوابها.
و(قوله: وإنَّ نفقتك على أهلك صدقة) أي: يحصل لك عليها من الثواب مثل ما يحصل من ثواب الصَّدقة، واجبها كواجبها، ونفلها كنفلها.
стр. 2563
وَإِنَّ مَا تَأكُلُ امرَأَتُكَ مِن مَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّكَ أَن تَدَعَ أَهلَكَ بِخَيرٍ أَو قَالَ بِعَيشٍ خَيرٌ مِن أَن تَدَعَهُم يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَقَالَ بِيَدِهِ.
رواه أحمد (١/ ١٦٨)، والبخاري (٥٦٥٩)، ومسلم (١٢٢٨)(٨).
[١٧٠٩] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَو أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِن الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ.
وفي رواية: كَثِيرٌ أَو كَبِيرٌ.
رواه مسلم (١٦٢٩).
* * *
ــ
و(قوله: بخير) أو: (بعيش) شك مِن الرَّاوي في هذه الرِّواية. والخير هنا: هو المال. وكذلك هو في أكثر مواضع القرآن. والعيش هنا: هو ما يعاش به، وهو: المال.
و(قوله: لو أن النَّاس غضوا من الثلث إلى الربع) (لو) هنا: حرف تمن بمعنى: ليت. وقد ذكرنا مواضعها في أول كتاب الإيمان.
و(غضوا) بالغين المعجمة؛ أي: نقصوا. وأصله من غضِّ العين. واختلف في المستحب من الوصية، فالجمهور: على أنَّه الثلث. وذهب بعضهم: إلى أن ذلك إنَّما يستحب لمن لا وارث له، وروي عن بعض السَّلف: النقص منه. فأوصى أبو بكر بالخمس، وقال: إن الله تعالى رضي من عباده به. ونحوه عن علي. وأوصى عمر بالربع. وهو ظاهر قول ابن عباس. وبه قال إسحاق. وقال الحسن: السدس، أو الخمس، أو الربع. وقال النخعي: كانوا يكرهون الوصية بمثل نصيب أحد الورثة. واختار آخرون: العشر؛ لما قد روي في حديث سعدٍ- إن صحَّ -؛ أنه قال: العشر. وروي عن عليّ، وابن عباس، وعائشة، وغيرهم: لِمَن ماله قليل، وله ورثة، ترك الوصية؛ لقوله ﷺ : (إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة).
و(قوله: الثلث، والثلث كثير - أو كبير -) شكٌّ من الرَّاوي. والمعنى
стр. 2564
(٢) باب الصدقة عمَّن لم يوص، وما ينتفع به الإنسان بعد موته
[١٧١٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا وَلَم يُوصِ فيه، فَهَل يُكَفِّرُ عَنهُ أَن أَتَصَدَّقَ عَنهُ؟ قَالَ: نَعَم.
رواه مسلم (١٦٣٠)، والنسائي (٦/ ٢٥١).
ــ
فيهما واحد. والحاصل منهما: أن النبي ﷺ استكثر الثلث، مع أنه أجازه أولًا بقوله. فينبغي أن ينقص منه شيءٌ له بالٌ، وهو غير محدود.
(٢) ومن باب: الصدقة عمَّن لم يوص
(قوله: إن أبي مات وترك مالًا، ولم يوص فيه. فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: نعم) ظاهر قوله: (فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه): أنه علم أن أباه كان فرَّط في صدقات واجبة، فسأل: هل يجزئ عنه أن يقوم بها عنه؛ فأجابه النبي ﷺ : بـ (نعم). وعلى هذا فيكون فيه دليل على أن من قام عن آخر بواجب مالي في الحياة، أو بعد الموت أجزأ عنه، وهذا مما تجوز النيابة فيه بالإجماع، وإنه مما يستحب، وخصوصًا في الآباء؛ فإنَّها مبالغة في برهم، والقيام بحقوقهم. وقد قال ﷺ : (من مات وعليه صيام صام عنه وليُّه إن شاء) (١) وقد تقدم في كتاب الصوم. وإذا كان هذا في الصيام؛ كان الحق المالي بذلك أولى. وقيل: إنَّما سأل: هل تكفَّر بذلك خطاياه؟ ولا ينبغي أن يُظَنَّ بصحابي تفريط في زكاة واجبة إلى أن مات. فإن هذا بعيد في حقوقهم. فالأولى به أن يحمل على أنَّه سأل: هل لأبيه أجرٌ بذلك فيكفر عنه به، كما قال السائل الآخر في حق أمه: أفلها أجر؟ ويحتمل أن يكون ذلك في الوقت الذي كانت فيه الوصية واجبة.
стр. 2565
[١٧١١] وعَن عَائِشَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّيَ افتُلِتَت نَفسُهَا وَلَم تُوصِ، وَأَظُنُّهَا لَو تَكَلَّمَت تَصَدَّقَت، أَفَلَهَا أَجرٌ إِن تَصَدَّقتُ عَنهَا؟ قَالَ: نَعَم.
وفي رواية: فَلِي أَجرٌ أَن أَتَصَدَّقَ عَنهَا؟ قَالَ: نَعَم.
رواه البخاري (٢٧٦٠)، ومسلم (١٦٣٠)(١١٢)، وأبو داود (٢٨٨١)، والنسائي (٦/ ٢٥٠).
ــ
قلت: وهذا محتمل لا سبيلَ إلى دفعه.
وعلى القول الأول: فإذا علم الوارث أن مورثه فرط في زكوات، أو واجبات مالية، فقال الشافعي: واجب على الوارث إخراج ذلك من رأس المال، كالدَّين. وقال مالك: إن أوصى بذلك أخرج من الثلث. وإلا فلا. وقال بعض أصحابه: إذا علم أنه لم يخرج الزكاة؛ أخرجت من رأس المال؛ وصى بها، أو لم يوص، قاله أشهب. وهو الصحيح؛ لأن ذلك دين الله. وقد قال ﷺ : (دين الله أحق بالقضاء) (١) أو نقول: هو من جملة ديون الآدميين؛ لأنه حق الفقراء، وهم موجودون، وليس للوارث حق إلا بعد إخراج الدين والوصايا.
و(قوله: إن أمّي افتُلِتَت نفسُها) أي: ماتت فلتة؛ أي: (٢) بغتة.
و(افتُلِتَت) تقييده: بضم التاء، وكسر اللام، مبنيًا لما لم يسم فاعله.
(نفسها) مرفوع؛ لأنه مفعول لم يسم فاعله. وقد روي بنصب (نفسها) على أن يضمر المفعول الذي لم يسم فاعله في (افتلتت) وبنصب (نفسها) على المفعول الثاني.
و(قوله: وأظنُّها لو تكلمت تصدقت) ظن ذلك بما علم من قصدها للخير،
стр. 2566
[١٧١٢] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا مَاتَ الإِنسَانُ انقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَو عِلمٍ يُنتَفَعُ بِهِ، أَو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدعُو لَهُ.
رواه مسلم (١٦٣١)، وأبو داود (٢٨٨٠)، والترمذيُّ (١٣٧٦)، والنسائي (٦/ ٢٥١).
* * *
ــ
وفعلها للمعروف. وقد روي: أن هذا السائل كان سعد بن عبادة (١) (احتضرت أمه في غيبة سعد) فقيل لها: أوصي! فقالت: إنما المال لسعد، فتوفيت قبل قدومه. فسأل سعد النبي ﷺ عن ذلك.
و(قوله: فلها أجر؟ ) وفي الرواية الأخرى: (فلي أجر). لا تناقض بين الروايتين؛ لأنه يمكن أن يكون سأل النبي ﷺ بالصيغتين، فأجابه بمجموعهما، غير أنه حدَّث تارة بإحداهما، وتارة بالأخرى، أو يكون من نقل بعض الرواة عنه. ومعنى الجمع بينهما صحيح؛ لأنها يكون لها أجر بما تصدَّق عنها، وله أجرٌ بما برَّها به، وأدخله عليها.
و(قوله: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة. . .) الحديث، هذه الثلاثُ الخصال إنما جرى عملها بعد الموت على من نسبت إليه؛ لأنه تسبب في ذلك، وحرص عليه، ونواه. ثم إن فوائدها متجددة بعده دائمةٌ (٢)؛ فصار كأنَّه باشرها بالفعل، وكذلك حكم كل ما سنَّه الإنسان من الخير، فتكرر بعده؛ بدليل قوله ﷺ : (من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها، وأجر من عمل بها إلى
стр. 2567
(٣) باب ما وصى به النبي ﷺ عند موته
[١٧١٣] عَن طَلحَةَ بنِ مُصَرِّفٍ قَالَ: سَأَلتُ ابنَ أَبِي أَوفَى: هَل أَوصَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: لَا. قُلتُ: فَلِمَ كُتِبَ، وفي رواية: كيف كتب عَلَى المُسلِمِينَ الوَصِيَّةُ؟ أَو فَلِمَ أُمِرُوا بِالوَصِيَّةِ؟ قَالَ: أَوصَى بِكِتَابِ اللَّهِ.
رواه أحمد (٤/ ٣٨١)، والبخاري (٢٧٤٠)، ومسلم (١٦٣٤)، (١٦ و ١٧)، والترمذي (٢١١٩)، والنسائي (٨/ ٢٤٠).
ــ
يوم القيامة) (١). وقد تقدَّم الكلام على هذا الحديث في كتاب الزكاة. وإنما خصَّ هذه الثلاثة بالذكر في هذا الحديث، لأنَّها أصول الخير، وأغلب ما يقصد أهل الفضل بقاءه بعدهم. والصدقة الجارية بعد الموت هي: الحُبُس، فكان حجة على من ينكر الحُبُس.
وفيه ما يدل على الحضِّ على تخليد العلوم الدينية بالتعليم والتصنيف، وعلى الاجتهاد في حمل الأولاد على طريق الخير والصلاح، ووصيتهم بالدعاء عند موته (وبعد الموت) (٢).
(٣) ومن باب: ما أوصى به النبي ﷺ
(قول طلحة لابن أبي أوفى: هل أوصى رسول الله ﷺ ظاهره: أنه سأله (٣): هل كانت من النبي ﷺ وصيَّةٌ بشيء من الأشياء؛ لأنه لو أراد شيئًا واحدًا لعيَّنه،
стр. 2568
[١٧١٤] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِينَارًا وَلَا دِرهَمًا، وَلَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا، وَلَا أَوصَى بِشَيءٍ.
رواه مسلم (١٦٣٥)، وأبو داود (٢٨٦٣)، والنسائي (٦/ ٢٤٠)، وابن ماجه (٢٦٩٥).
ــ
فلمَّا لم يقيِّده بقي على إطلاقه. فأجابه بنفي ذلك. فلمَّا سمع طلحة هذا النفي العام قال مستبعدًا: كيف كتب على المسلمين الوصية؟ ومعناه: كيف ترك النبي ﷺ الوصية، والله تعالى قد كتبها على الناس؟ ! وهذا يدل: على أن طلحة، وابن أبي أوفى كانا يعتقدان الوصية واجبة على كل (١) النَّاس، وأن ذلك الحكم لم ينسخ. وفيه بُعد.
ثم: إن ابن أبي أوفى غفل عمَّا أوصى به النبي ﷺ وهي وصايا كثيرة؛ فمنها: أنه قال: (لا يقسم ورثتي دينارًا ولا درهمًا) (٢) و (لا نورث ما تركنا صدقة) (٣) وقال عند موته: (لا يبقين دينان بجزيرة العرب. وأخرجوا المشركين منها. وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم) (٤). وآخر ما وصَّى به - وهو ما يفيض - (٥) أن قال: (الصلاة وما ملكت أيمانكم) (٦) وهذه كلها وصايا منه ذهل عنها ابن أبي أوفى. وذكر ابن إسحاق: أن النبي ﷺ أوصى عند موته لجماعة من قبائل العرب بجِدَاد أوساقٍ من تمر سهمه بخيبر. ذكره في السيرة. ولم يذكر ابن أبي أوفى من جملة ما وصَّى به النبي ﷺ إلا كتابَ الله، إمَّا ذهولًا، وإما اقتصارًا
стр. 2569
[١٧١٥] وعَن الأَسوَدِ بنِ يَزِيدَ قَالَ: ذَكَرُوا عِندَ عَائِشَةَ: أَنَّ عَلِيًّا كَانَ وَصِيًّا، فَقَالَت: مَتَى أَوصَى إِلَيهِ؟ فَقَد كُنتُ مُسنِدَتَهُ إِلَى صَدرِي أَو قَالَت حَجرِي فَدَعَا بِالطَّستِ، فَلَقَد انخَنَثَ فِي حَجرِي وَمَا شَعَرتُ أَنَّهُ مَاتَ، فَمَتَى أَوصَى إِلَيهِ؟ .
رواه أحمد (٦/ ٣٢)، والبخاري (٢٧٤١)، ومسلم (١٦٣٦)، وابن ماجه (١٦٢٦).
ــ
عليه؛ لأنه أعظمُ وأهمُّ من كل ما وصَّى به. وأيضًا: فإذا استوصى النَّاس بكتاب الله، فعملوا به قاموا بكل ما أوصى به. والله تعالى أعلم.
وأما (قول عائشة ﵂: (ما أوصى رسول الله ﷺ بشيء) فإنَّها أرادت في شيء من أمر الخلافة، بدليل الحديث المذكور.
ثانيا: إنهم لما ذكروا: أن عليًّا كان وصيًّا قالت: ومتى أوصى إليه؟ وذكرت الحديث.
وقد أكثرَ الشِّيعةُ والرَّوافض من الأحاديث الباطلة الكاذبة، واخترعوا نصوصًا على استخلاف النبي ﷺ عليًّا، وادعوا أنَّها تواترت عندهم. وهذا كلُّه كذبٌ مركبٌ. ولو كان شيء من ذلك صحيحًا، أو معروفًا عند الصحابة يوم السَّقيفة لذكروه، ولرجعوا إليه. ولذكره عليٌّ مُحتجًّا لنفسه، ولما حل أن يسكت عن مثل ذلك بوجه، فإنَّه حق الله، وحق نبيه ﷺ وحقه وحق المسلمين. ثم ما يعلم من عظيم علم عليّ ﵁ وصلابته في الدين، وشجاعته يقتضي: ألا يتَّقِي أحدًا في دين الله، كما لم يتِّق معاويةَ، وأهل الشام حين خالفوه، ثم: إنه لما قُتِل عثمان ولَّى المسلمون باجتهادهم عليًّا. ولم يذكر هو، ولا أحدٌ منهم نصًّا في ذلك. فعُلم قطعًا كذب من ادعاه. وما التوفيق إلا من عند الله.
و(قولها: ولقد انخنث في حجري) انخنث: مال؛ تعني: حين مات. والمخنَّث من الرجال: هو الذي يميل ويتثنى تشبُّهًا بالنساء. واختناث السقاء: هو
стр. 2570
[١٧١٦] وعَنِ ابنُ عَبَّاسٍ قَالَ: يَومُ الخَمِيسِ، وَمَا يَومُ الخَمِيسِ؟ ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمعُهُ الحَصَى، فَقُلتُ: يَا ابنَ عَبَّاسٍ، وَمَا يَومُ الخَمِيسِ؟ قَالَ: اشتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ فَقَالَ: ائتُونِي أَكتُب لَكُم كِتَابًا لَا تَضِلُّون بَعدِي. فَتَنَازَعُوا
ــ
إمالةُ فمه بعضه على بعض وتليينه ليُشربَ منه. والحَجر هنا: هو حَجر الثوب. وفصيحة بفتح الحاء، ويقال بكسرها. فأمَّا الحَجر على السَّفيه: فهو بالفتح لا غير، وهو بمعنى: المنع. فأما الحِجر -بالكسر - فهو: العقل. ومنه قوله تعالى: ﴿لِذِي حِجرٍ﴾ والحرام، ومنه قوله تعالى: ﴿حِجرًا مَحجُورًا﴾ (١).
وقوله يوم الخميس! وما يوم الخميس؟ ! تعظيم وتفخيم لذلك اليوم على جهة التفجع على ما فاتهم في ذلك من كتب كتاب لا يكون معه ضلالٌ، وهو حقيقٌ بأكثر من ذلك التفجُّع، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿الحَاقَّةُ * مَا الحَاقَّةُ﴾ و: ﴿القَارِعَةُ * مَا القَارِعَةُ﴾ وهذا المعنى الذي همَّ رسول الله ﷺ بكتابته يحتمل أن يكون تفصيل أمور مهمَّةٍ وقعت في الشريعة جملية فأراد تعيينها، ويحتمل أن يريد به بيان ما يرجعون إليه عند وقوع الفتن، ومن أولى بالاتباع والمبايعة. ويحتمل أن يريد به بيان أمر الخلافة وتعيين الخليفة بعده - وهذا أقربها، والله تعالى أعلم.
وقوله ائتوني أكتب لكم كتابًا لا تضلون بعده، لا شك في أن ائتوني أمرٌ وطلبٌ توجَّه لكل من حضر، فكان حق كل من حضر المبادرةُ للامتثال، لا سيما وقد قرنه بقوله لا تضلُّون بعده، لكن ظهر لعمر ولطائفة معه أن هذا الأمر
стр. 2571
وَمَا يَنبَغِي عِندَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ، وَقَالَوا: مَا شَأنُهُ، أَهَجَرَ؟ استَفهِمُوهُ.
ــ
ليس على الوجوب وأنَّه من باب الإرشاد إلى الأصلح (١)، مع أن ما في كتاب الله يرشد إلى كل شيء، كما قال تعالى: ﴿تِبيَانًا لِكُلِّ شَيءٍ﴾ ومع ما كان فيه رسول الله ﷺ من الوجع، فكره أن يتكلَّف من ذلك ما يشق ويثقل عليه، فظهر لهم أن الأوَّلى ألا يكتب، وأرادت الطائفة الأخرى أن يكتب متمسِّكة بظاهر الأمر واغتنامًا لزيادة الإيضاح ورفع الإشكال، فيا ليتَ ذلك لو وقع وحصلَ! ولكن قدَّر الله وما شاءَ فعل.
ومع ذلك فلا عتب ولا لوم على الطائفة الأولى؛ إذ لم يعنفهم النبي ﷺ ولا ذمَّهم، بل قال للجميع: دعوني، فالذي أنا فيه خير، وهذا نحو مِمَّا جرى لهم حيث قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: لا يصلين أحدٌ العصر إلا في بني قريظة (٢)، فتخوَّف ناسٌ فوت الوقت فصلُّوا دون بني قريظة، وقال آخرون: لا نصلِّي إلا حيث أمرنا رسول الله ﷺ وإن فاتنا الوقت! قال: فما عنف واحدًا من الفريقين. وسبب ذلك أن ذلك كله إنَّما حمل عليه الاجتهاد المسوَّغ والقصد الصالح، وكل مجتهد مصيب أو أحدهما مصيب والآخر غير مأثوم بل مأجور - كما قررناه في الأصول.
وقوله وما ينبغي عند نبي تنازع؛ أي اختلاف، هذا إشعار بأن الأولى المبادرة إلى امتثال أمر النبي ﷺ وأن لا يتوقف في شيء منه إذا فهم مقصوده ولم يُشكل منه شيء، كيف لا وهو المبلِّغ عن الله أحكامه ومصالح الدنيا والدين!
وقوله أهجرَ؟ استفهموه، كذا الرِّواية الصحيحة في هذا الحرف أهَجَرَ؟ بهمزة الاستفهام، وهَجَرَ بالفتح بغير تنوين على أنَّه فعل ماض، وقد رواه بعضهم أهُجُرًا بفتح الهمزة وبضم الهاء وتنوين الراء على أن يجعله مفعولًا
стр. 2572
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بفعل مضمر؛ أي: أقال هُجرًا؟ وقد روي في غير الأم (١) هَجَرَ بلا استفهام، والهجر يراد به هذيان المريض، وهو الكلام الذي لا ينتظم ولا يعتد به لعدم فائدته، ووقوع مثل هذا من النبي ﷺ في حال مرضه أو صحته محال؛ لأن الله تعالى حفظه من حين بعثه إلى حين قبضه عمَّا يُخِلّ بالتبليغ، ألا تسمع قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِن هُوَ إِلا وَحيٌ يُوحَى﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾؟ وقد شهد له بأنه على صراط مستقيم، وأنه على الحق المبين، إلى غير ذلك. ولذلك قال ﷺ : خذوا عني في الغضب والرضا، فإني لا أقول على الله إلا حقًّا (٢)، ولمَّا علم أصحابه هذا كانوا يأخذون عنه ما يقوله في كل حالاته حتَّى في هذه الحالة، فإنهم تلقَّوا عنه وقبلوا منه جميع ما وصَّى به عند موته، وعملوا على قوله لا نورث ولقوله أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، إلى غير ذلك. ولم يتوقفوا ولا شكُّوا في شيء منه، وعلى هذا يستحيل أن يكون قولهم أَهَجَرَ لشكٍّ عرض لهم في صحة قوله زمن مرضه، وإنَّما كان ذلك من بعضهم على جهة الإنكار على من توقف في إحضار الكتف والدواة وتلكَّأ عنه، فكأنه يقول لمن توقف: كيف تتوقف؟ أتظن أنه قال هذيانًا؟ ! فدع التوقف وقرِّب الكتفَ فإنه إنما يقول الحق لا الهَجَرَ! وهذا أحسنُ ما يحمل ذلك عليه، فلو قدَّرنا أن أحدًا منهم قال ذلك عن شكٍّ عرض له في صحَّة قوله كان خطأ منه، وبعيدٌ أن يقرَّه على ذلك القول من كان هناك ممن سمعه من خيار الصحابة وكبرائهم وفضلائهم، هذا تقديرٌ بعيدٌ ورأيٌّ غير سديد، ويحتمل أن يكون هذا صدَرَ عن قائله عن دهشٍ وحيرةٍ أصابته في ذلك المقام العظيم والمصاب الجسيم كما قد أصاب عمر وغيره عند موته.
стр. 2573
قَالَ: دَعُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيرٌ، أُوصِيكُم بِثَلَاثٍ: أَخرِجُوا المُشرِكِينَ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ،
ــ
وقوله أوصيكم بثلاث نصٌّ في أنه أوصى عند موته، وهو مخصِّصٌ لقول مَن قال: إنه ﷺ لم يوص بشيء - وقد تقدَّم ذلك.
وقوله أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، يعني بالمشركين اليهود؛ لأنه ما كان بقي مشرك في أرض العرب في ذلك الوقت غيرهم فتعيَّنوا، وقد جاء في بعض طرقه أخرجوا اليهود من جزيرة العرب مفسّرًا.
والجزيرة: فعيلة بمعنى مفعولة، وهي مأخوذة من الجزر وهو القطع، ومنه الجزار والجزارة من الغنم، والجزور من الإبل - كل ذلك راجع إلى القطع.
وسُميَّت أرض العرب بالجزيرة لانقطاعها بإحاطة البحار بها والحرار، وأضيفت إلى العرب لاختصاصهم بها ولكونهم فيها ومنها.
واختلف في حدِّها؛ فقال الأصمعي: هي ما بين أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول، وفي العرض من جدِّة وما والاها إلى أطراف الشام. وقال أبو عبيد: هي ما بين حفر أبي موسى الأشعري إلى أقصى اليمن، وما بين رمل يَبرِين إلى منقطع السَّماوة. وقال المخزومي عن مالك: هي مكة والمدينة واليمامة واليمن. وحكى الهروي عنه: المدينة - والأول المعروف عنه، فقال مالك: يخرج من هذه المواضع التي ذكر المخزومي كل من كان على غير دين الإسلام، ولا يمنعون من التردُّد بها مسافرين - وكذلك قال الشافعي، غير أنه استثنى من ذلك اليمن ويضرب لهم أجل ثلاثة أيَّام كما ضربه لهم عمر حين أجلاهم. وقال الشافعي: ولا يدفنون فيها موتاهم، ويلجؤون إلى الدَّفن بغيرها. وقد رأى الطبري أن هذا الحكم ليس خاصًّا بجزيرة العرب؛ فقال: الواجب على كل إمام إخراجهم من كل مصر غلب عليه المسلمون إذا لم يكن من بلادهم التي صولحوا عليها، إلا أن تدعو ضرورة لبقائهم بها لعمارتها، فإذا كان ذلك فلا يدعهم في مصر مع المسلمين أكثر من
стр. 2574
وَأَجِيزُوا الوَفدَ بِنَحوِ مَا كُنتُ أُجِيزُهُم. قَالَ: وَسَكَتَ عَن الثَّالِثَةِ، أَو قَالَ أُنسِيتُهَا.
ــ
ثلاث وليسكنهم خارجًا عنهم، ويمنعهم اتخاذ المساكن في أمصار المسلمين، فإن اتخذوها باعها عليهم، واستدل على ذلك بما رواه عن النبي ﷺ من قوله: لا تبقى قبلتان بأرض العرب (١)، (٢) وبقول ابن عبَّاس: لا يساكنكم أهل الكتاب في أمصاركم. وبإخراج علي ﵁ أهل الذِّمَّة من الكوفة إلى الحيرة. قال: وإنما خصَّ في الحديث جزيرة العرب لأنه لم يكن للإسلام يومئذ ظهور إلا بها.
قلت: وتخصيص الحكم بجزيرة العرب هو قول المتقدمين والسلف الماضين، فلا يُعدَلُ عنه.
ولم يعرِّج أبو حنيفة على هذا الحديث، فأجاز استيطان المشركين بالجزيرة ومخالفة مثل هذا جريرة.
وقوله وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، الوفد جمع وافد، كصحب وصاحب، وركب وراكب. وجمع الوفد: أوفاد، ووفود. والوفادة الاسم وهو القادم (٣) على القوم والرسول إليهم، يقال أوفدته أرسلته. والإجازة: العطية. وهذا منه ﷺ عهدٌ ووصيةٌ لولاة المسلمين بإكرام الوفود والإحسان إليهم قضاء لحق قصدهم ورفقًا بهم واستئلافًا لهم.
قال القاضي أبو الفضل: وسواء في ذلك عند أهل العلم، كانوا مسلمين أو كفارًا؛ لأن الكافر إنَّما يفد في مصالح المسلمين. قال: وهذه سنة لازمة للأمة بعد النبي ﷺ .
وقوله وسكت عن الثالثة - أو قال: أنسيتها، يريد سعيد بن جبير، قال
стр. 2575
وفي رواية: ائتُونِي بِالكَتِفِ وَالدَّوَاةِ أَو اللَّوحِ وَالدَّوَاةِ أَكتُب لَكُم كِتَابًا لَن تَضِلُّوا بَعدَهُ أَبَدًا. فَقَالَوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَهجُرُ.
[١٧١٧] وعنه قَالَ: لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي البَيتِ رِجَالٌ فِيهِم عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَلُمَّ أَكتُب لَكُم كِتَابًا لَا تَضِلُّونَ بَعدَهُ. فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَد غَلَبَ عَلَيهِ الوَجَعُ، وَعِندَكُم القُرآنُ، حَسبُنَا كِتَابُ اللَّهِ، فَاختَلَفَ أَهلُ البَيتِ فَاختَصَمُوا، مِنهُم مَن يَقُولُ قَرِّبُوا يَكتُب لَكُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا لَن تَضِلُّوا بَعدَهُ، وَمِنهُم مَن يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَكثَرُوا اللَّغوَ وَالِاختِلَافَ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُومُوا. قَالَ عُبَيدُ اللَّهِ: فَكَانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَينَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَينَ أَن يَكتُبَ لَهُم ذَلِكَ الكِتَابَ مِن اختِلَافِهِم وَلَغَطِهِم.
* * *
ــ
المهلِّبُ: هي تجهيزُ جيش أسامة. قال غيره: ويحتمل أن تكون هي قوله لا تتخذوا قبري وثنًا، وقد ذكر مالك في الموطأ ما يدل على ذلك من حديث عمر، فإنه قال فيه: أول ما تكلَّم به رسول الله ﷺ : قاتل الله اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد! لا يبقين دينان بجزيرة العرب (١).
والكتف هنا يراد به عظم الكتف، فإنهم يكتبون فيها. واللوح من الخشب - وفيه دليل على جواز كتابة العلم والحديث، وهذا وأشباهه ناسخٌ
стр. 2576
(٤) باب ألحقوا الفرائض بأهلها، ولا يرث المسلم الكافر
[١٧١٨] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلحِقُوا الفَرَائِضَ
ــ
لقوله ﷺ لا تكتبوا عني شيئًا سوى القرآن، ومن كتب شيئًا فليمحه (١)، وقد قدَّمنا ذلك.
(٤) ومن باب: ألحقوا الفرائض بأهلها
الفرائض: جمع فريضة. وأصل الفرض: القطع. والألف واللام في الفرائض للعهد؛ لأنَّه يعني بها الفرائض الواقعة في كتاب الله تعالى، وهي ستة: النصف، والرُّبع، والثُّمن، والثلثان، والثلث، والسُّدس.
فالنصف فرض خمسة: ابنة الصُّلب، وابنة الابن، والأخت الشقيقة، والأخت للأب، والزوج - وكل ذلك إذا انفردوا عمَّن يحجبهم عنه.
والربع: فرض الزوج مع الحاجب، وفرض الزوجة أو الزوجات مع عدمه.
والثُّمن: فرض الزوجة أو الزوجات مع الحاجب.
والثلثان فرض أربع: الاثنتين فصاعدا من بنات الصلب أو بنات الابن أو الأخوات الأشقاء، أو للأب - وكل هؤلاء إذا انفردن عمَّن يحجبهن عنه.
والثلث فرض صنفين: الأم مع عدم الولد وولد الابن وعدم الاثنين فصاعدًا من الإخوة والأخوات، وفرض الاثنين فصاعدًا من ولد الأم - وهذا هو ثلث كل المال.
فأما ثلث ما يبقى فذلك للأُم في مسألة زوج أو زوجة وأبوين؛ فللأم فيها ثلث ما يبقى، وفي مسائل الجدِّ مع الإخوة إذا كان معهم ذو سهم وكان ثلث ما يبقى له أحظى له.
стр. 2577
بِأَهلِهَا، فَمَا تَرَكَت الفَرَائِضُ فلِأَولَى رَجُلٍ ذَكَرٍ.
وفي رواية: اقسِمُوا المَالَ بَينَ أَهلِ الفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَمَا تَرَكَت الفَرَائِضُ فَلِأَولَى رَجُلٍ ذَكَرٍ.
رواه أحمد (١/ ٢٩٢)، والبخاري (٦٧٤٦)، ومسلم (١٦١٥) (٢ و ٣)، والترمذي (٢٠٩٨)، والنسائي في الكبرى (٦٣٣١)، وابن ماجه (٢٧٤٠).
ــ
والسُّدس فرض سبعة: فرض كل واحد من الأبوين والجد مع الولد وولد الابن، وفرض الجدة والجدَّات إذا اجتمعن، وفرض بنات الابن مع بنت الصُّلب، وفرض الأخوات للأب مع الأخت الشقيقة، وفرض الواحد من ولد الأم ذكرًا كان أو أنثى.
وهذه الفروض كلّها مأخوذةٌ من كتاب الله تعالى، إلا فرض الجدَّات فإنَّه مأخوذ من السُّنَّة.
فهؤلاء أهل الفرائض الذين أمر النبي ﷺ أن يقسم المال عليهم لَمَّا قال: اقسموا المال بين أهل الفرائض، وهو معنى قوله: ألحقوا الفرائض بأهلها.
وقوله فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر، وفي غير مسلم لأولى عصبة ذكر تقييد أوَّلى بفتح الهمزة وواو ساكنة بعدها ياءٌ تأنيث أوَّل، هذه الرواية المشهورة، وقد رواها ابن الحذَّاء عن ابن ماهان لأدنى، وهو تفسير لـ أولى، ويعني به الأقرب للميت.
وقد اختلفوا في وصف الرَّجل بالذُّكوريَّة هنا هل له فائدة أو لا؛ فقال بعضهم: لا فائدة له غير التأكيد اللفظيِّ، فإن العرب قد تعيد اللفظ الأول بحاله وقد تأتي في كلامها متبعة على جهة التأكيد، كما قالوا: حسن بَسَنٌ، وقبيح شقيحٌ. وكذلك قالوا هنا: رجل ذكر، وابن لبون ذكر، ويطير بجناحيه، وعشرة كاملةٌ - فهذا كلامُ العرب، وأجيبوا بأن العرب
стр. 2578
[١٧١٩] وعَن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا يَرِثُ المُسلِمُ الكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الكَافِرُ المُسلِمَ.
ــ
لا تؤكد إلا حيث تفيدُ به فائدةً؛ إمَّا تمكين المعنى في النفس، أو رفع المجاز المتوهَّم - وكل ذلك معدومٌ فيما نحن فيه. وقيل: أفاد بقوله ذكر هنا وفي قوله ابن لَبُون ذكر التحرز من الخناثى، فلا تُؤخذ الخنثى في فريضة الزَّكاة ولا يحوز المال إذا انفرد، وإنَّما له نصف الميراثين. وقيل في اللَّبُون: إنَّما وصف بالذُّكوريَّة ليتحرز من إطلاق ابن على الأنثى كما قد أطلق ولد على الذكر والأنثى. وقيل: إنَّما نبَّه بالذكورية في المحلين لينبِّه على معنى مُشعرٍ بتعليل، وذلك أن ابن اللبون أفضل من بنت المخاض من حيث السِّن، وقد نزَّله الشارعُ بمنزلتها في الأخذ، فقد يخفى على من بعد فهمه ويقول: كيف يَجعَلُ بدلها وهو أفضل؟ فوصفه بـ ذكر ليشعر بنقصه عنها بالذكورية وإن زاد عليها بالسِّن. وكذلك وصف الرَّجل بالذُّكوريَّة مشعرا بأن الذي استحق به التعصيب هو كمال الذُّكوريَّة التي بها قوام الأمور ومقاومة الأعداء، والله تعالى أعلم.
والعصبة كل رجل بينه وبين الميت نسب يحوز المال إذا انفرد، ويرث ما فضل عن ذوي السِّهام.
والعصبات ثلاثة أصناف: الأبناء وبنوهم، والآباء وبنوهم (١)، والأجداد وبنوهم - وتفصيل هذه الجملة في كتب الفقه.
ويُستفاد من هذا الحديث أن النساء لا يكنَّ عصبةً، وقد أطلق الفقهاءُ على الأخت مع البنت أنَّها عصبة، وذلك تجوز؛ لأن الأخت لا تحوز المالَ إذا انفردت، لكنَّها لما كانت في هذه المسألة تأخذ ما فضل عن البنت أشبهت العاصب فأطلق عليها اسمه.
وقوله لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، تضمَّن هذا الحديث أمرين؛ أحدهما مجمع على منعه وهو ميراث الكافر للمسلم، والثاني
стр. 2579
رواه أحمد (٥/ ٢٠٠)، والبخاري (٦٧٦٤)، ومسلم (١٦١٤)، وأبو داود (٢٩٠٩)، والترمذي (٢١٠٧)، والنسائي في الكبرى (٦٣٧١).
* * *
ــ
مختلف فيه وهو ميراث المسلم الكافر - فذهب إلى منعه الجمهور من السَّلف ومن بعدهم، فمنهم: عمر، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وجمهور أهل الحجاز والعراق: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وابن حنبل، وعامة العلماء. وذهب إلى توريث المسلم من الكافر معاذ ومعاوية وابن المسيب ومسروق وغيرهم، وروي عن أبي الدرداء والشعبي والنخعي والزهري وإسحاق، والحديث المتقدِّم حجة عليهم (١)، ويَعضُده حديث أسامة بن زيد وهو أن رسول الله ﷺ قال: لا يتوارث أهل ملتين (٢)، ونحوه في كتاب أبي داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه، وقد احتجَّ للقول الثاني بما خرَّجه أبو داود من حديث يحيى بن يعمر واختصم إليه أخوان - يهودي ومسلم، فورَّث المسلم منهما وقال: حدثني أبو الأسود أن رجلا حدثه أن معاذًا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الإسلام يزيد ولا ينقص (٣) - فورَّث المسلم، وبما يحكى عن النبي ﷺ أنَّه قال - إن صحَّ: إن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه (٤)، وبقياس الميراث على النكاح، قالوا: كما يجوز لنا أن ننكح نساءهم ولا يجوز لهم أن ينكحوا نساءنا، كذلك يجوز لنا أن نرثهم ولا يرثونا.
قلت: ولا حجة لهم في شيء مما ذكروه، وأمَّا الحديثان فلا يصحُّ منهما شيء؛ أمَّا الأول فلأن فيه مجهولًا، وأمَّا الثاني فكلام يحكى ولا يُروى سلَّمنا
стр. 2580
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صحتهما، لكنَّا نقول بموجبهما، فإن دين الإسلام لم يزل يزيد إلى أن كمل في الحين الذي أنزل الله تعالى فيه ﴿اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم﴾ ولم ينقص من أحكامه ولا شريعته التي شاء الله تعالى بقاءها شيءٌ، وقد أعلاه الله تعالى وأظهرَه على الدِّين كلِّه وكما وعدنا تعالى. سلَّمنا ذلك، لكن الأحاديث الأول أرجح؛ لأنها متفق على صحتها، وهي نصوص في المطلوب، والقياس الذي ذكروه فاسد الوضع لأنَّه في مقابلة النَّصّ ولخلوه عن الجامع، فإذا ثبت هذا فاعلم أن المسلم والكافر المذكورين في الحديث للعموم، فلا مسلمًا ما يرث كافرًا ما ولو كان مرتدًّا، وهو مذهب مالك وربيعة والشافعي وابن أبي ليلى - قالوا: لا يرث المرتدَّ أحدٌ من المسلمين، ومالُهُ فَيءٌ لبيت المال.
وخالفهم في ذلك طائفة أخرى فقالوا: إن ورثته من المسلمين يرثونه - وبه قال الأوزاعي وإسحاق والحسن البصري والشعبي وعمر بن عبد العزيز، وروي ذلك عن عليّ وابن مسعود.
وفرَّقت طائفة ثالثة فقالت: يرث ماله الذي كان له قبل ردَّته ورثته المسلمون، وما استفاده بعد الرَّدة فيءٌ - وهو قول الثوريِّ وأبي حنيفة، والعموم المتقدم حجة على هؤلاء الطائفتين.
وقوله يتوارث أهل ملَّتين قال بظاهره مالك، فلا يرث اليهودي النصرانيَّ ولا يرثان المجوسيَّ، وهكذا جميع أهل الملل أخذًا بظاهر هذا الحديث. وقال الشافعي وأبو حنيفة وداود: إن الكفار كلهم أهل ملة واحدة، وإنهم يتوارثون - محتجِّين بقوله تعالى: ﴿وَلَن تَرضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم﴾ فوحَّد المِلَّة. وبقوله: ﴿لَكُم دِينُكُم وَلِيَ دِينِ﴾ والخطاب بـ لكم للكفار كلهم مع توحيد دين، وتأولوا قوله لا يتوارث أهل ملتين على أن المراد به الإسلام والكفر، كما قال في الحديث الأول لا يرث المسلم الكافر، ولا حجة لهم في ذلك.
أمَّا الآية الأولى فلأن ملّتهم وإن كانت موحدة في اللفظ فهي مكثرة في المعنى؛ لأنه قد
стр. 2581
(٥) باب ميراث الكلالة
[١٧٢٠] عَن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: مَرِضتُ، فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكرٍ يَعُودَانِي مَاشِيَينِ، فَأُغمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ مِن وَضُوئِهِ، فَأَفَقتُ
ــ
أضافها إلى ضمير الكثرة، كما تقول: أخذتُ عن علماء المدينة علمهم - مثلًا - وسمعتُ عليهم حديثهم؛ يعني علومهم وأحاديثهم.
وأمَّا الثانية فلأن الذين نزلت الآية جوابًا لهم إنَّما هم مشركو قريش، قالوا للنبي ﷺ : تعال نشترك في أمرنا وأمرك؛ تدين بديننا وندين بدينك، فنستوي في الأخذ بالخير! فأنزلها الله مخاطبةً لهم، وهم صنفٌ واحدٌ من الكفار وهم الوثنيون، وكيف لا يكون ما قاله مالك وقد قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلنَا مِنكُم شِرعَةً وَمِنهَاجًا﴾؟ فالعربُ تزعم أنها على شريعة إبراهيم، واليهود على شريعة موسى، والنَّصارى على شريعة عيسى، فهي ملل متعددة وشرائع مختلفة.
(٥) ومن باب: ميراث الكلالة
قول جابر ﵁ مرضت، فأتاني رسول الله ﷺ وأبو بكر يعوداني ماشِيَينِ، إنَّما أتياه ماشيين مبالغة في التواضع وفي كثرة أجر المشي؛ لأن المشي للقرب التي لا يحتاج فيها إلى كبير مؤونة ولا نفقة أفضل من الركوب بدليل ما ذكرناه في الجمعة، وقد ذكرنا الخلاف في ذلك في الحج.
وقوله فأغمي عليّ، فتوضأ فصبَّ عليَّ من وَضُوئه فأفقتُ فيه دليل
стр. 2582
فقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيفَ أَقضِي فِي مَالِي؟ فَلَم يَرُدَّ عَلَيَّ شَيئًا، حَتَّى نَزَلَت آيَةُ المِيرَاثِ: يَستَفتُونَكَ قُل اللَّهُ يُفتِيكُم فِي الكَلَالَةِ.
وفي رواية: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةٌ - فَنَزَلَت آيَةُ المِيرَاثِ. قال شعبة: فَقُلتُ لِمُحَمَّدِ بنِ المُنكَدِرِ: يَستَفتُونَكَ قُل اللَّهُ يُفتِيك فِي الكَلَالَةِ؟ قَالَ: هَكَذَا أُنزِلَت.
ــ
على جواز المداواة ومحاولة دفع المرض بما تُرجى فائدته، وخصوصًا بما يرجع إلى التَّبَرُّك بما عظمه الله ورسوله.
وفيه ظهور بركة رسول الله ﷺ فيما باشره أو لمسه، وكم له منها وكم! وقد ذكرنا من ذلك جملة صالحة في كتاب الإعلام بمعجزات النبي ﵊.
وقوله فقلت: يا رسول الله، كيف أقضي في مالي؟ إنَّما يرثني كلالة، هذا السؤال كان قبل نزول آيات المواريث على ما يدل عليه قوله فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَولادِكُم﴾، وقد تقدَّم أن الحكم كان قبل ذلك وجوب الوصية للأقربين، وعلى هذا فيكون سؤال جابر للنبي ﷺ بقوله كيف أقضي في مالي؟ : كيف أوصي فيه؟ وبماذا أوصي؟ ولمن أوصي؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ فنسخت وجوب الوصيَّة للأقربين على ما قدَّمناه. وأما إن كان الذي نزل في جوابه ﴿يَستَفتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفتِيكُم فِي الكَلالَةِ﴾ فيكون هذا السؤال بعد نزول ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ وقبل نزول آية الكلالة، وهذا هو الأقرب والأنسب لقوله إنما يرثني كلالة، وذلك السؤال هو الذي عنى الله تعالى بقوله ﴿يَستَفتُونَكَ﴾ ثم قال: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفتِيكُم فِي الكَلالَةِ﴾ وقد تقدم ذكر الاختلاف في اشتقاق الكلالة وفي معناها في كتاب الصلاة، والقول هنا في بيان المختار من الأقوال، ولا شكَّ أن جابرًا قد أطلق على ورثته كلالة وما كان له وارث يومئذ سوى أخواته، فإن أباه كان قتل يوم أحد وترك سبع بنات وجابرًا،
стр. 2583
وفي أخرى: فَنَزَلَت: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَولَادِكُم لِلذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَينِ.
رواه البخاري (١٩٤)، ومسلم (١٦١٦)، وأبو داود (٢٨٨٦ و ٢٨٨٧)، والترمذي (٢٠٩٨ و ٣٠١٩).
ــ
فهنَّ اللاتي سَمَّاهنَّ كلالة، وهنَّ اللاتي أجيب فيهنَّ بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفتِيكُم فِي الكَلالَةِ﴾ ولم يكن له ولد ولا والد، فقد ظهرت صحَّة قول من قال: إن الكلالة ما عدا الولدَ والوالد، وإن الإخوة المذكورين فيها ليسوا إخوة لأم قطعًا؛ لأن أخوات جابر لم يكن لأم، ولأن الإخوة للأم لا يقتسمون للذكر مثل حظِّ الأنثيين. ومقصود هذه الآية بيان حكم الإخوة والأخوات للأب والأم أو للأب إذا لم يكن معهنَّ ولدٌ ولا والدٌ، وإنما قلنا ذلك لأن الولد مصرَّحٌ بنفيه في الآية بقوله ﴿لَيسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ والأب أيضًا لا بدَّ من نفيه في هذه الآية؛ لأنه لو كان أبٌ مع الإخوة لحجبهم كلَّهم جملة بغير تفصيل. وأمَّا الجدَّ مع الإخوة الأشقاء أو للأب فيقاسمهم ما لم تنقصه المقاسمة من الثلث فله أن يأخذه، وعلى هذا فالجدّ تصحُّ معه الكلالة لأنه كالأخ معهم، وأما الآية التي في أول السورة فالمراد بالكلالة فيها الإخوة للأم إذا لم يكن معهم ابن ولا أب ولا جدّ؛ لأن هؤلاء كلّهم يحجبون الإخوة للأم. ولقراءة سعد: وله أخ أو أخت لأم، ولأن الإخوة الأشقاء أو للأب لا يرث الواحد منهم السدس ولا الاثنان فصاعدا الثلث، وإنما ذلك فرض الإخوة للأم، فقد ظهر بهذا البحث الدقيق أن القول ما قاله أبو بكر الصدِّيق. وأمَّا قولا الاشتقاق فكلاهما معنى صحيح بالاتفاق؛ لأن من فقد الطرفين فقد تَكلَّله نفي المانعين، أو لأنه لما كلَّ منه الرحم الوالد وثب على متروكه الأباعد.
وقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ القراءة المشهورة ﴿يُورَثُ﴾ بفتح الراء على أنَّه فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله، وفيه
стр. 2584
[١٧٢١] وعَن مَعدَانَ بنِ أَبِي طَلحَةَ أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ خَطَبَ يَومَ جُمُعَةٍ فَذَكَرَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَذَكَرَ أَبَا بَكرٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَا أَدَعُ بَعدِي شَيئًا أَهَمَّ عِندِي مِن الكَلَالَةِ، مَا رَاجَعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي شَيءٍ مَا رَاجَعتُهُ فِي الكَلَالَةِ، وَمَا أَغلَظَ لِي فِي شَيءٍ مَا أَغلَظَ لِي فِيهِ، حَتَّى طَعَنَ بِإِصبَعِهِ فِي صَدرِي وَقَالَ: يَا عُمَرُ، أَلَا تَكفِيكَ آيَةُ الصَّيفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ! وَإِنِّي إِن أَعِش أَقضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ يَقضِي بِهَا مَن يَقرَأُ القُرآنَ وَمَن لَا يَقرَأُ القُرآنَ.
رواه أحمد (١/ ٢٨)، ومسلم (١٦١٧).
ــ
ضمير مفعول لم يُسم فاعله عائدًا على رجل، و ﴿كَلالَةً﴾ حال من ذلك الضمير، فتكون الكلالة الميِّت. وقرأه الحسن ﴿يُورَثُ﴾ بكسر الراء مبنيًا للفاعل، وتكون ﴿كَلالَةً﴾ مفعولًا بـ ﴿يُورَثُ﴾ وقرئ كذلك مضعف الرَّاء، وعلى هذا فيصحُّ أن تكون الكلالة الوارث ويصحُّ أن تكون المالَ، وأحد مفعولي ﴿يُورَثُ﴾ مسكوت عنه لأنه يجوز الاقتصار على أحدهما، والله تعالى أعلم.
وقوله ما راجعت رسول الله ﷺ في شيء ما راجعته في الكلالة، ولا أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه، هكذا جاء هذا الضمير مذكَّرًا وقبله الكلالة، وكان حقُّه أن يكون مؤنثًا، لكنه لما كان السؤال عن حكم الكلالة أعاده مذكَّرًا على الحكم المراد.
وقوله حتى طعن بإصبعه في صدري، هذا الطَّعن مبالغة في الحث على النظر والبحث، وألا يرجع إلى السؤال مع التمكُّن من البحث والاستدلال ليحصل على رتبة الاجتهاد ولينال أجر من طلب فأصاب الحكم ووافق المراد.
وقوله ﷺ ألا تكفيك آية الصيف يعني به آخر سورة النساء، فإنها نزلت في الصَّيف، وإنما أحاله على النظر في هذه الآية لأنه إذا أمعن النظر فيها
стр. 2585
[١٧٢٢] وعَن البَرَاءَ بنَ عَازِبٍ قَالَ: آخِرُ آيَةٍ أُنزِلَت آيَةُ الكَلَالَةِ، وَآخِرُ سُورَةٍ أُنزِلَت بَرَاءَةُ.
وفي رواية: أُنزِلَت كَامِلَةً، وآخِرَ سُورَةٍ أُنزِلَت تَامَّةً.
رواه البخاري (٤٦٥٤)، ومسلم (١٦١٨)، والترمذي (٣٠٤٤ و ٣٠٤٥).
* * *
ــ
علم أنها مخالفة للآية الأولى في الورثة وفي القسمة، فيتبين من كل آية معناها ويُرتِّب عليها حكمها فيزول الإشكال، والله يعصم من الخطأ والضلال. وقد تقدَّم القول في قول عمر: وإن أعش أقضِ فيها بقضيَّة.
وقول البراء آخرُ آيةٍ أُنزلت آية الكلالة. . . إلى آخره، اختلف في آخر آية أنزلت؛ فقيل ما قال البراء، وقال ابن عباس: ﴿اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم﴾ وقيل: قُل لَا أَجِدُ. . .، والتلفيق أن يقال: إن آية الكلالة آخر ما نزل من آيات المواريث، وآخر آية أنزلت في حصر المحرمات: ﴿قُل لا أَجِدُ﴾ والظاهر أن آخر الآيات نزولًا: ﴿اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم﴾؛ لأن الكمال لما حصل لم يبق بعده ما يزاد، والله أعلم.
وأما قوله آخر سورة نزلت براءة فقد فسَّر مراده بقوله في الرواية الأخرى أنزلت كاملة، ومع ذلك فقد قيل: إن آخر سورة نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصرُ اللَّهِ وَالفَتحُ﴾ وكانت تسمى سورة التوديع.
وقد اختلف في وقت نزولها على أقوال، أشبهها قول ابن عمر: إنها نزلت في حجة الوداع، ثم نزلت بعدها: ﴿اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم﴾ فعاش بعدها ثمانين يومًا، ثم نزلت بعدها آية الكلالة فعاش بعدها خمسين يومًا، ثم نزل بعدها ﴿لَقَد جَاءَكُم رَسُولٌ مِن أَنفُسِكُم﴾ فعاش بعدها خمسة وثلاثين يومًا، ثم نزلت بعدها ﴿وَاتَّقُوا يَومًا
стр. 2586
(٦) باب من ترك مالًا فلورثته وعصبته
[١٧٢٣] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُؤتَى بِالرَّجُلِ المَيِّتِ عَلَيهِ الدَّينُ، فَيَسأَلُ: هَل تَرَكَ لِدَينِهِ مِن قَضَاءٍ؟ فَإِن حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى عَلَيهِ، وَإِلَّا قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُم. فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيهِ الفُتُوحَ قَالَ: أَنَا أَولَى بِالمُؤمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم، فَمَن تُوُفِّيَ وَعَلَيهِ دَينٌ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَن تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ.
رواه أحمد (٢/ ٢٩٠)، والبخاري (٢٣٩٨)، ومسلم (١٦١٩)، وأبو داود (٢٩٥٥)، والنسائي (٤/ ٦٦)، وابن ماجه (٢٤١٥).
[١٧٢٤] وعنه، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِن
ــ
تُرجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ فعاش بعدها أحدًا وعشرين يومًا. وقال مقاتل: سبعة أيام. والله تعالى أعلم.
ذكر هذا الترتيب أبو الفضل محمد بن يزيد بن طيفور الغزنوي في كتابه المسمَّى بـ عيون معاني التفسير.
(٦ و ٧) ومن باب: ترك مالًا فلورثته
سؤال النبي ﷺ عن الميت هل عليه دين أو لا؟ وامتناعه من الصلاة على من مات وعليه دين ولم يترك وفاءً إشعار بصعوبة أمر الدِّين وأنه لا ينبغي أن يتحمله الإنسان إلا من ضرورة، وأنَّه إذا أخذه فلا ينبغي أن يتراخى في أدائه إذا تمكن منه، وذلك لما قدمناه من أن الدَّين شَينٌ، الدَّين همٌّ بالليل ومذلةٌ بالنهار، وإخافة للنفوس، بل وإرقاقٌ لها. وكان هذا من النبي ﷺ ليرتدعَ من يتساهلُ في
стр. 2587
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أخذ الدَّين حتى لا تتشوش أوقاتهم عند المطالبة، وكان هذا كله في أول الإسلام. وقد حكي أن الحُرَّ كان يُباع في الدَّين في ذلك الوقت، كما قد رواه البزار (١) من حديث رجل من أصحاب النبي ﷺ يُقال له سُرَّق، ثم نسخ ذلك كله بقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾ وقيل: إن النبي ﷺ إنَّما كان يمتنع من الصلاة على من ادَّان دينًا غير جائز أو في سعة. والأول أظهر؛ لقول الرَّاوي في الحديث: فلما فتح الله عليه الفتوح قال أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، مَن توفي وعليه دَينٌ فعلي قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته (٢) - فهذا يعمُّ الدُّيون كلَّها، ولو افترق الحال لتعيَّن التنويع أو السؤال. ويحتمل أن يكون النبي ﷺ تبرَّع بالتزام ذلك على مقتضى كرم أخلاقه، لا أنه أمرٌ واجب عليه.
وقال بعض أهل العلم: بل يجب على الإمام أن يقضي من بيت المال دين الفقراء اقتداء بالنبي ﷺ ؛ فإنَّه قد صرَّح بوجوب ذلك عليه، حيث قال فعلي قضاؤه، ولأن الميِّت الذي عليه الدَّين يخاف أن يعذب في قبره على ذلك الدَّين كما قد صحَّ عن النبي ﷺ حيث دُعِي ليصلي على ميِّت، فأُخبر أن عليه دينًا ولم يترك وفاءً، فقال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله وعلي دينه! فصلَّى عليه، ثم قال له: قم فأده عنه، فلمَّا أدَّى عنه قال ﷺ : الآن حين بردت عليه جلدته (٣). وكما كان على الإمام أن يسدَّ رمقه ويراعي مصلحته الدنيوية كان أحرى وأولى أن يسعى فيما يرفع عنه به العذاب الأخروي.
والمولى الذي يتولَّى أمور الرَّجل بالإصلاح والمعونة على الخير والنصر على الأعداء وسدّ الفاقات ورفع الحاجات.
стр. 2588
عَلَى الأَرضِ مُؤمِنٍ إِلَّا أَنَا أَولَى النَّاسِ بِهِ، فَأَيُّكُم مَا تَرَكَ دَينًا أَو ضَيَاعًا فَأَنَا مَولَاهُ، وَأَيُّكُم ما تَرَكَ مَالًا فَإِلَى العَصَبَةِ مَن كَانَ.
وفي رواية: فَأَيُّكُم مَا تَرَكَ دَينًا أَو ضَيعَةً فَادعُونِي فَأَنَا وَلِيُّهُ، وَأَيُّكُم مَا تَرَكَ مَالًا فَليُؤثَر بِهِ عَصَبَتُهُ مَن كَانَ.
رواه مسلم (١٦١٩)(١٥).
* * *
(٧) باب قوله ﵊: لا نورث
[١٧٢٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا نُورَثُ، مَا تَرَكنَا صَدَقَةٌ.
ــ
وقوله فأيُّكم ما ترك ضياعًا فأنا مولاه، ما هنا زائدة، تقدير الكلام: فأيكم ترك. وضياعًا بفتح الضاد لا غير، وهو ما يحتاج (١) إلى الإصلاح، والضياع في الأصل مصدر ضاع، ثم جعل اسمًا لكل ما هو بصدد أن يضيع من عيال وبنين لا كافل لهم ومال لا قيِّم له، وسميت الأرض ضيعة لأنها معرضة للضياع، وتجمع: ضياعًا - بكسر الضاد. وفي رواية من ترك كلا (٢) مكان ضياعًا، والكل بفتح الكاف ما يتحمله الإنسان مما يشق عليه ويثقله، فكأنه قد كلَّ تحته لثقله كلالًا.
وقوله من ترك مالًا فليؤثر به عصبته من كان؛ يعني إذا لم يكن معه ذو سهم أو فضل شيء عن ذوي السِّهام. ورواية من رواه فهو لورثته أتقن.
стр. 2589
وفي رواية: لَا يَقتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا، مَا تَرَكتُ بَعدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَؤونَةِ عَامِلِي صَدَقَةٌ.
رواه البخاري (٢٧٧٦)، ومسلم (١٧٦٠ - ١٧٦١)، وأبو داود (٢٩٧٤).
[١٧٢٦] عَن عَائِشَةَ قَالَت: إِنَّ أَزوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرَدنَ أَن يَبعَثنَ عُثمَانَ بنَ عَفَّانَ إِلَى أَبِي بَكرٍ فَيَسأَلنَهُ مِيرَاثَهُنَّ مِن النَّبِيِّ ﷺ . قَالَت عَائِشَةُ لَهُنَّ: أَلَيسَ قَد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا نُورَثُ، مَا تَرَكنَا صَدَقَةٌ؟
رواه أحمد (٦/ ١٤٥)، والبخاري (٤٠٣٤)، ومسلم (١٧٥٨)، وأبو داود (٢٩٧٦ - ٢٩٧٧).
* * *
ــ
وقد تقدم القول في كتاب الجهاد على قوله نورث، ما تركنا صدقة بما فيه كفاية.
* * *
стр. 2590
(٢٠) كتاب الصَّدقة والهِبَة والحَبس
(١) باب النهي عن العود في الصدقة
[١٧٢٧] عَن زَيدِ بنِ أَسلَمَ، عَن أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ قَالَ: حَمَلتُ عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ،
ــ
(٢٠) كتاب الصَّدقة والهِبَة والحَبس
(١) ومن باب: النهي عن العود في الصدقة
قول عمر ﵁ حملت على فرس عتيق في سبيل الله يعني أنه تصدَّق به على رجل ليجاهد عليه ويتملَّكه، لا (١) على وجه الحبس؛ إذ لو كان كذلك لما جاز له أن يبيعه، وقد وجده عمر ﵁ في السوق يباع، وقد قال ﷺ لا تبتعه، ولا تَعُد في صدقتك، فدلَّ على أنه ملكه إيَّاه على جهة الصَّدقة ليجاهد عليه في سبيل الله.
والعتيق من الخيل: الكريم الأبوين. وسبيل الله: الجهاد هنا - وهو العُرف فيه.
وقوله فأضاعه صاحبه؛ أي: فرَّط فيه، ولم يحسن القيام عليه. وهذا
стр. 2591
فَظَنَنتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخصٍ، فَسَأَلتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَن ذَلِكَ فَقَالَ: لَا تَبتَعهُ، وَلَا تَعُد فِي صَدَقَتِكَ؛ فَإِنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالكَلبِ يَعُودُ فِي قَيئِهِ.
ــ
الذي قلناه أولى من قول من قال إنه حبسٌ في سبيل الله وبيعه إنما كان لما أضاعه صاحبه صار بحيث لا يصلح للجهاد، وهذا هو الذي صار إليه مالك تفريعًا على القول بجواز تحبيس الحيوان أنه يباع إذا هرم ويُستبدل بثمنه في ذلك الوجه المحبس فيه أو يعين بثمنه فيه. والقول الأول أظهر لما ذكرناه، ولأنه لو كان ذلك لسأل عن هذا الفرس هل تغير عن حاله أم لا، ولنظر في أمره.
وقوله فظننت أنه بائعُه بِرُخصٍ، إنَّما ظن ذلك لأنه هو الذي كان أعطاه إيَّاه، فتعلَّق خاطره بأنه يسامحه في ترك جزء من الثمن، وحينئذ يكون ذلك رجوعًا في عين ما تصدَّق به في سبيل الله. ولَمَّا فهم النبي ﷺ هذا نهاه عن ابتياعه وسمَّى ذلك عودًا، فقال: لا تبتعه، ولا تَعُد في صدقتك.
واختلف في هذا النَّهي هل يحمل على ظاهره من التحريم؟ ولأنه يفهم من تشبيهه بالكلب التحريم؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلبِ﴾ أو على الكراهة لأن تشبيهه بالقيء إنما يدلُّ على الاستقذار والعيافة للنَّفرة الموجودة من ذلك لا أنه يحرم العود في القيء إلا أن يتغير للنجاسة، فحينئذ يحرم لكونه نجاسة (١) لا لكونه قيئًا - والأول في كتاب ابن المواز (٢) وقال به الداودي، والثاني عليه أكثر النَّاس.
قلت: ويحتاج موضع الخلاف إلى تنقيح، فنقول: أما الصَّدقة في السَّبيل أو على المسكين أو على ذي الرَّحم إذا وصلت للمتصدِّق عليه فلا يحل له
стр. 2592
وفي رواية أَنَّه حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَوَجَدَهُ يُبَاعُ - وذكر نحوه.
رواه أحمد (٢/ ٥٥)، والبخاري (٢٩٧١)، ومسلم (١٦٢١)، (١ - ٣)، وأبو داود (١٥٩٣)، والترمذي (٦٦٨)، والنسائي (٥/ ١٠٩).
ــ
الرُّجوع فيها بغير عوض قولا واحدًا؛ لأنه قد أخرجها عن ماله على وجه القربة لله تعالى واستحقها المتصدق عليه وملكها بالصدقة والحوز، فالرجوع فيها أو في بعضها حرام. وأما الرُّجوع فيها بالشراء الذي لا يُحَطُّ عنه من ثمنها شيءٌ فمكروه؛ لأنه قد استرد عينًا أخرجها لله تعالى.
والأولى حمل النهي الواقع في الحديث المذكور عن الابتياع على التحريم؛ لأن النبي ﷺ فهم عن عمر ما كان وقع له من أنَّه يبيعه منه بحطيطة من الثمن، وهذا رجوع في بعض عين الصَّدقة، إلا أن الكراهية هي المشهورة في المذهب في هذه المسألة، وكأنَّهم رأوا أن هذه عطية مبتدأة من المتصَدَّق عليه أو الموهوب له لأنها عن طيب نفس منه، فكان ذلك للمتصدق أو الواهب مِلكًا جديدًا بطريق آخر. وهذا كما قال ﷺ لمن وهب أمةً لأمِّه فماتت أمُّه، فسأل النبي ﷺ عن ذلك، فقال له النبي ﷺ : وجب أجرك، وردَّها عليك الميراث (١)، غير أنه لا يليق بمكارم الأخلاق أن يعود في شيء خرج عنه على وجه المعروف، ولا بأهل الدِّين أن يرجعوا في شيء خرجوا عنه لله تعالى بوجه، فكان مكروها من هذا الوجه. وهذا نحو مما قررناه في قضيَّة تحرّج المهاجرين من المقام بمكة.
قلت: والظاهر من ألفاظ الحديث ومساقه التحريم، فاجمع ألفاظه وتدبر معانيها يلح لك ذلك إن شاء الله تعالى!
стр. 2593
[١٧٢٨] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَثَلُ الَّذِي يَرجِعُ فِي صَدَقَتِهِ كَمَثَلِ الكَلبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيئِهِ فَيَأكُلُهُ.
رواه أحمد (١/ ٢١٧ و ٣٤٩)، والبخاري (٢٥٨٩)، ومسلم (١٦٢٢)(٥)، والترمذي (١٢٩٨)، والنسائي (٦/ ٢٦٦).
* * *
ــ
وقوله مثل الذي يرجع في هبته (١) كمثل الكلب يقيء ثم يعود في قيئه، إن كان المراد بالهبة الصدقة كما قد جاء في الرواية الأخرى فقد تكلّمنا عليها، وإن كان المراد مطلق الهبة فهي مخصوصة؛ إذ يخرج منها الهبة للثواب وهبة أحد الأبوين، فأما هبة الثواب فقد قال بها مالك وإسحاق والطبري والشافعي - في أحد قوليه - إذا علم أنه قصد الثواب إما بالتصريح به وإما بالعادة والقرائن كهبة الفقير للغني والرَّجل للأمير، وبها قال أبو حنيفة إذا شرط الثواب، وكذلك قال الشافعي في القول الآخر. وقد روي عنهما وعن أبي ثور منعها مطلقا، ورأوا أنَّها من البيع المجهول الثمن والأجل، والأصل في جواز هبة الثواب ما خرَّجه الدارقطني من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يُثَب منها (٢)، قال: رواته كلهم ثقات. والصواب عن ابن عمر عن عمر قوله، وما خرَّجه مالك عن عمر أنه قال: من وهب هبة لصلة الرَّحم أو على وجه الصَّدقة أنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنَّه إنما أراد بها الثواب، فهو على هبته يرجع فيها ما لم يرض منها (٣)، وما خرَّجه الترمذي من
стр. 2594
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حديث أبي هريرة قال: أهدى رجل من بني فزارة إلى النبي ﷺ ناقة فعوضه منها بعض العوض، فتسخَّطه. وفي رواية: أهدى له بكرة فعوَّضه ستَّ بكرات، فقال رسول الله ﷺ على المنبر: إن رجالًا من العرب يُهدي أحدُهم الهديَّة فأعوِّضه منها بقدر ما عندي، فيظل يتسخَّطُ عليِّ! وايم الله لا أقبل بعد يومي هذا من رجل من العرب هديَّة إلا من قرشيٍّ أو أنصاريٍّ أو ثقفيٍّ أو دوسيٍّ (١). وهذا الحديث وإن لم يكن إسناده بالقوي فيعضده كل ما تقدم، وما حكاه مالك من أن هبة الثواب مجتمعٌ عليها عندهم، وكيف لا تجوز وهي معاوضةٌ تشبه البيع في جميع وجوهه (٢) إلا وجهًا واحدًا! وهو أن العوض فيها غير معلوم حالة العقد، وإنما سامح الشرع في هذا القدر لأنهما دخلا في ذلك على وجه المكارمة لا المشاحَّة، فعفا عن تعيين العوض فيه كما فعل في نكاح التفويض.
وأما هبة الأب لولده فللأب الرجوع فيها، وإلى ذلك (٣) ذهب مالك والشافعي وأبو ثور والأوزاعي، وقد اتفق هؤلاء على أن ذلك للأب، وهل يلحق بالأب الأم والجد؟ اختلف في ذلك قول مالك والشافعي؛ ففي قول: يُقصَرُ ذلك على الأب. وفي قول آخر: إلحاقهما به. والمشهور من مذهب مالك إلحاق الأم، ومن مذهب الشافعي إلحاق الأم والأجداد والجدَّات مطلقا، والأصل في هذا الباب ما خرَّجه النسائي من حديث ابن عمر وابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: لا يحل لرجل يعطي عطية يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي عطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب أكل حتَّى إذا شبع قاء ثم عاد في قيئه (٤)، وهذا حديث صحيح. وقال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا
стр. 2595
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أن من أعطى ولده عطيَّة ليس بصدقة أن له أن يعتصرها (١)، ما لم يستحدث الولد دينًا أو ينكح فليس للأب الاعتصار. وسبب اختلافهم في إلحاق غير الأب بالأب هو أنَّه هل يتناول الملحق اسم الأبوة أو الوالد أم لا؟ وهل هم في معنى الأب أو يُفرَّق بينهم وبينه؟ فإن للأب من الحق في مال الولد ما ليس لغيره، وله من خصوصية (٢) القرب ما ليس لهم.
قلت: أما إلحاق الأم فلا إشكال فيه، وقد أوغل الشافعي في استرجاع الأب لما وهب، ولو تعلَّق بالولد من الدين والتزويج كل طلب، وللأب أن يعتصرها من كل من يقع عليه اسم ولد حقيقة أو مجازا مثل ولده لصُلبه وولد ولده من أولاد البنين والبنات.
وحملت طائفة حديث النَّهي عن الارتجاع في الهبة على عمومه، ولم يستثنوا من ذلك ولدًا ولا غيره، وبه قال طاووس وأحمد، والرجوع عندهم في الهبة محرم مطلقا، والحجة عليهم ما تقدَّم من الحديث وعمل أهل المدينة الدَّالّين على استثناء الأب، وقالت طائفة أخرى: إن المراد بذلك النهي من وهب لذي رحم أو زوج فلا يجوز له الرُّجوع، وإن وهب لغيرهم جاز الرُّجوع - وهو قول الثوري والنخعي وإسحاق، وقصره أبو حنيفة والكوفيون على كل ذي رحم محرم فلا رجوع له فيما يهبه لهم، ويرجع فيما وهبه لغيرهم وإن كانوا ذوي رحم.
قلت (٣): وهذه تحكُّمات على ذلك العموم، فيا لله من تلك الفهوم! !