فَظَنَنتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخصٍ، فَسَأَلتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَن ذَلِكَ فَقَالَ: لَا تَبتَعهُ، وَلَا تَعُد فِي صَدَقَتِكَ؛ فَإِنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالكَلبِ يَعُودُ فِي قَيئِهِ.
ــ
الذي قلناه أولى من قول من قال إنه حبسٌ في سبيل الله وبيعه إنما كان لما أضاعه صاحبه صار بحيث لا يصلح للجهاد، وهذا هو الذي صار إليه مالك تفريعًا على القول بجواز تحبيس الحيوان أنه يباع إذا هرم ويُستبدل بثمنه في ذلك الوجه المحبس فيه أو يعين بثمنه فيه. والقول الأول أظهر لما ذكرناه، ولأنه لو كان ذلك لسأل عن هذا الفرس هل تغير عن حاله أم لا، ولنظر في أمره.
وقوله فظننت أنه بائعُه بِرُخصٍ، إنَّما ظن ذلك لأنه هو الذي كان أعطاه إيَّاه، فتعلَّق خاطره بأنه يسامحه في ترك جزء من الثمن، وحينئذ يكون ذلك رجوعًا في عين ما تصدَّق به في سبيل الله. ولَمَّا فهم النبي ﷺ هذا نهاه عن ابتياعه وسمَّى ذلك عودًا، فقال: لا تبتعه، ولا تَعُد في صدقتك.
واختلف في هذا النَّهي هل يحمل على ظاهره من التحريم؟ ولأنه يفهم من تشبيهه بالكلب التحريم؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلبِ﴾ أو على الكراهة لأن تشبيهه بالقيء إنما يدلُّ على الاستقذار والعيافة للنَّفرة الموجودة من ذلك لا أنه يحرم العود في القيء إلا أن يتغير للنجاسة، فحينئذ يحرم لكونه نجاسة (١) لا لكونه قيئًا - والأول في كتاب ابن المواز (٢) وقال به الداودي، والثاني عليه أكثر النَّاس.
قلت: ويحتاج موضع الخلاف إلى تنقيح، فنقول: أما الصَّدقة في السَّبيل أو على المسكين أو على ذي الرَّحم إذا وصلت للمتصدِّق عليه فلا يحل له
стр. 2592
وفي رواية أَنَّه حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَوَجَدَهُ يُبَاعُ - وذكر نحوه.
رواه أحمد (٢/ ٥٥)، والبخاري (٢٩٧١)، ومسلم (١٦٢١)، (١ - ٣)، وأبو داود (١٥٩٣)، والترمذي (٦٦٨)، والنسائي (٥/ ١٠٩).
ــ
الرُّجوع فيها بغير عوض قولا واحدًا؛ لأنه قد أخرجها عن ماله على وجه القربة لله تعالى واستحقها المتصدق عليه وملكها بالصدقة والحوز، فالرجوع فيها أو في بعضها حرام. وأما الرُّجوع فيها بالشراء الذي لا يُحَطُّ عنه من ثمنها شيءٌ فمكروه؛ لأنه قد استرد عينًا أخرجها لله تعالى.
والأولى حمل النهي الواقع في الحديث المذكور عن الابتياع على التحريم؛ لأن النبي ﷺ فهم عن عمر ما كان وقع له من أنَّه يبيعه منه بحطيطة من الثمن، وهذا رجوع في بعض عين الصَّدقة، إلا أن الكراهية هي المشهورة في المذهب في هذه المسألة، وكأنَّهم رأوا أن هذه عطية مبتدأة من المتصَدَّق عليه أو الموهوب له لأنها عن طيب نفس منه، فكان ذلك للمتصدق أو الواهب مِلكًا جديدًا بطريق آخر. وهذا كما قال ﷺ لمن وهب أمةً لأمِّه فماتت أمُّه، فسأل النبي ﷺ عن ذلك، فقال له النبي ﷺ : وجب أجرك، وردَّها عليك الميراث (١)، غير أنه لا يليق بمكارم الأخلاق أن يعود في شيء خرج عنه على وجه المعروف، ولا بأهل الدِّين أن يرجعوا في شيء خرجوا عنه لله تعالى بوجه، فكان مكروها من هذا الوجه. وهذا نحو مما قررناه في قضيَّة تحرّج المهاجرين من المقام بمكة.
قلت: والظاهر من ألفاظ الحديث ومساقه التحريم، فاجمع ألفاظه وتدبر معانيها يلح لك ذلك إن شاء الله تعالى!
стр. 2593
[١٧٢٨] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَثَلُ الَّذِي يَرجِعُ فِي صَدَقَتِهِ كَمَثَلِ الكَلبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيئِهِ فَيَأكُلُهُ.
رواه أحمد (١/ ٢١٧ و ٣٤٩)، والبخاري (٢٥٨٩)، ومسلم (١٦٢٢)(٥)، والترمذي (١٢٩٨)، والنسائي (٦/ ٢٦٦).
* * *
ــ
وقوله مثل الذي يرجع في هبته (١) كمثل الكلب يقيء ثم يعود في قيئه، إن كان المراد بالهبة الصدقة كما قد جاء في الرواية الأخرى فقد تكلّمنا عليها، وإن كان المراد مطلق الهبة فهي مخصوصة؛ إذ يخرج منها الهبة للثواب وهبة أحد الأبوين، فأما هبة الثواب فقد قال بها مالك وإسحاق والطبري والشافعي - في أحد قوليه - إذا علم أنه قصد الثواب إما بالتصريح به وإما بالعادة والقرائن كهبة الفقير للغني والرَّجل للأمير، وبها قال أبو حنيفة إذا شرط الثواب، وكذلك قال الشافعي في القول الآخر. وقد روي عنهما وعن أبي ثور منعها مطلقا، ورأوا أنَّها من البيع المجهول الثمن والأجل، والأصل في جواز هبة الثواب ما خرَّجه الدارقطني من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يُثَب منها (٢)، قال: رواته كلهم ثقات. والصواب عن ابن عمر عن عمر قوله، وما خرَّجه مالك عن عمر أنه قال: من وهب هبة لصلة الرَّحم أو على وجه الصَّدقة أنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنَّه إنما أراد بها الثواب، فهو على هبته يرجع فيها ما لم يرض منها (٣)، وما خرَّجه الترمذي من
стр. 2594
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حديث أبي هريرة قال: أهدى رجل من بني فزارة إلى النبي ﷺ ناقة فعوضه منها بعض العوض، فتسخَّطه. وفي رواية: أهدى له بكرة فعوَّضه ستَّ بكرات، فقال رسول الله ﷺ على المنبر: إن رجالًا من العرب يُهدي أحدُهم الهديَّة فأعوِّضه منها بقدر ما عندي، فيظل يتسخَّطُ عليِّ! وايم الله لا أقبل بعد يومي هذا من رجل من العرب هديَّة إلا من قرشيٍّ أو أنصاريٍّ أو ثقفيٍّ أو دوسيٍّ (١). وهذا الحديث وإن لم يكن إسناده بالقوي فيعضده كل ما تقدم، وما حكاه مالك من أن هبة الثواب مجتمعٌ عليها عندهم، وكيف لا تجوز وهي معاوضةٌ تشبه البيع في جميع وجوهه (٢) إلا وجهًا واحدًا! وهو أن العوض فيها غير معلوم حالة العقد، وإنما سامح الشرع في هذا القدر لأنهما دخلا في ذلك على وجه المكارمة لا المشاحَّة، فعفا عن تعيين العوض فيه كما فعل في نكاح التفويض.
وأما هبة الأب لولده فللأب الرجوع فيها، وإلى ذلك (٣) ذهب مالك والشافعي وأبو ثور والأوزاعي، وقد اتفق هؤلاء على أن ذلك للأب، وهل يلحق بالأب الأم والجد؟ اختلف في ذلك قول مالك والشافعي؛ ففي قول: يُقصَرُ ذلك على الأب. وفي قول آخر: إلحاقهما به. والمشهور من مذهب مالك إلحاق الأم، ومن مذهب الشافعي إلحاق الأم والأجداد والجدَّات مطلقا، والأصل في هذا الباب ما خرَّجه النسائي من حديث ابن عمر وابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: لا يحل لرجل يعطي عطية يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي عطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب أكل حتَّى إذا شبع قاء ثم عاد في قيئه (٤)، وهذا حديث صحيح. وقال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا
стр. 2595
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أن من أعطى ولده عطيَّة ليس بصدقة أن له أن يعتصرها (١)، ما لم يستحدث الولد دينًا أو ينكح فليس للأب الاعتصار. وسبب اختلافهم في إلحاق غير الأب بالأب هو أنَّه هل يتناول الملحق اسم الأبوة أو الوالد أم لا؟ وهل هم في معنى الأب أو يُفرَّق بينهم وبينه؟ فإن للأب من الحق في مال الولد ما ليس لغيره، وله من خصوصية (٢) القرب ما ليس لهم.
قلت: أما إلحاق الأم فلا إشكال فيه، وقد أوغل الشافعي في استرجاع الأب لما وهب، ولو تعلَّق بالولد من الدين والتزويج كل طلب، وللأب أن يعتصرها من كل من يقع عليه اسم ولد حقيقة أو مجازا مثل ولده لصُلبه وولد ولده من أولاد البنين والبنات.
وحملت طائفة حديث النَّهي عن الارتجاع في الهبة على عمومه، ولم يستثنوا من ذلك ولدًا ولا غيره، وبه قال طاووس وأحمد، والرجوع عندهم في الهبة محرم مطلقا، والحجة عليهم ما تقدَّم من الحديث وعمل أهل المدينة الدَّالّين على استثناء الأب، وقالت طائفة أخرى: إن المراد بذلك النهي من وهب لذي رحم أو زوج فلا يجوز له الرُّجوع، وإن وهب لغيرهم جاز الرُّجوع - وهو قول الثوري والنخعي وإسحاق، وقصره أبو حنيفة والكوفيون على كل ذي رحم محرم فلا رجوع له فيما يهبه لهم، ويرجع فيما وهبه لغيرهم وإن كانوا ذوي رحم.
قلت (٣): وهذه تحكُّمات على ذلك العموم، فيا لله من تلك الفهوم! !
стр. 2596
(٢) باب فيمن نحل بعض ولده دون بعض
[١٧٢٩] عَن النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي قد نَحَلتُ ابنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلتَهُ مِثلَ هَذَا؟ قَالَ: لَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَارجِعهُ.
وفي رواية: فرده.
ــ
(٢) ومن باب: من نحل بعض ولده دون بعض
حديث النعمان بن بشير في هذا الباب كثرت طرقه فاختلفت (١) ألفاظه، حتَّى لقد قال بعض الناس: إنَّه مضطرب - وليس كذلك؛ لأنه ليس في ألفاظه تناقض، بل يمكن الجمع بينها على ما نبينه إن شاء الله تعالى.
وقوله إني نَحَلتُ ابني هذا غلامًا، كان هذا النُّحل منه بعد أن سألته أمُّه - وهي عمرة بنت رواحة - بعض الموهبة من ماله، كما قال قد جاء في الرواية الأخرى.
ونحلت: أعطيت. والنحلة: العطية بغير عوض. والنحل: الشيء المنحول. والموهبة رواية أبي عيسى، وهي مصدرٌ مزيدٌ من وهب يهب هبة وموهبة، وهي هنا بمعنى الشيء الموهوب، وعند كافة الرواة: الموهوبة - أي: بعض الأشياء الموهوبة. وجاء في الرواية الأخرى وهبت بدل نحلت، وهو بمعناه. وفي رواية: قال النعمان: تصدق عليَّ أبي ببعض ماله، فسمَّي ذلك صدقة تجوزا، فأمَّا أبوه بشير فسمَّاها نحلة وهبة حقيقة، وهو أعلم بنيَّته وأثبت في قضيَّته؛ لأن النعمان إذ ذاك كان غلامًا.
وقوله أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ تنبيه على أن الإنسان إذا أعطى بنيه
стр. 2597
وفي رواية: أَفَعَلتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِم؟ قَالَ: لَا. قَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ، وَاعدِلُوا فِي أَولَادِكُم - فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلكَ الصَّدَقَةَ.
رواه البخاري (٢٥٨٦)، ومسلم (١٦٢٣) (٩ و ١٢ و ١٣)، والنسائي (٦/ ٢٥٨).
ــ
سوَّى بينهم ذكرهم وأنثاهم، وأن ذلك الأفضل، وإليه ذهب القاضي أبو الحسن بن القصار من أصحابنا وجماعة من المتقدِّمين، وذهب آخرون منهم عطاء والثوري ومحمد بن الحسن وأحمد وإسحاق وابن شعبان من أصحابنا - إلى أن الأفضل للذكر مثل حظ الأنثيين على قسمة الله تعالى المواريث.
وقوله في الرِّواية الأخرى أفعلت هذا بولدك كلهم؟ ، هذه الرواية بمعنى اللفظ الأول، فهو نقل بالمعنى. وكان هذا القول من النبي ﷺ بعد أن سأله فقال له ألك ولدٌ غيره؟ كما جاء في الرواية الأخرى، فلما أجابه عن قوله أفعلت هذا بولدك كلهم؟ بقوله لا قال اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم، وحينئذ قال: لا تشهدني لا يصلح هذا، أشهد غيري فإني لا أشهد على جَور، وفي الرواية الأخرى فإني لا أشهد إلا على حق، وهي بمعنى لا أشهد على جَور. وكان هذا منه ﷺ لما سأله بشير أن يشهد على الهبة، كما قال: إن ابنة رواحة أعجبها أن أشهدك على ما وهبت لابنها، ثم نبهه ﷺ على علَّة أمره بالتسوية بينهم بقوله أتحبُّ أن يكونوا لك في البرِّ سواء؟ قال: نعم. قال: فلا إذًا. وإذا تأملت هذا تبيَّنتَ ألا اضطراب في الروايات وانتظام ما يظهر في بادئ الأمر من الشَّتات، ولما تبيَّن هذا تعيَّن أن نبحث عمَّا فيه من الأحكام، والله المستعان.
فأول ذلك أنَّه لا يجوز أن يخصَّ بعض ولده بعطاء ابتداء، وهل ذلك على جهة التحريم أو الكراهة؟ قولان لأهل العلم، وإلى التحريم ذهب طاووس،
стр. 2598
[١٧٣٠] وعنه أَنَّ أُمَّهُ ابنة رَوَاحَةَ سَأَلَت أَبَاهُ بَعضَ المَوهِبَةِ مِن مَالِهِ لِابنِهَا، فَالتَوَى بِهَا سَنَةً ثُمَّ بَدَا لَهُ، فَقَالَت: لَا أَرضَى حَتَّى تُشهِدَ
ــ
ومجاهد والثوري وأحمد وإسحاق، وأن ذلك يُفسَخُ إن وقع. وذهب الجمهور - مالك في المشهور عنه، والشافعي، وأبو حنيفة، وغيرهم - إلى أن ذلك لا يُفسَخ إذا وقع، وقد حكى ابن المنذر عن مالك وغيره جواز ذلك ولو أعطاه ماله كله. وحكى غيره عن مالك أنَّه إن أعطاه ماله كله ارتجعه. قال سحنون: من أعطى ماله كله ولدًا أو غيره ولم يبق له ما يقوم به لم يجز فِعله. فمن قال بالتحريم تمسَّك بظاهر النهي وأيده بقوله: لا يصلح هذا، ولا أشهد على جور، وبقوله: اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم وبأمره بردّ ذلك. ومن قال بالكراهة انصرف عن ذلك الظاهر بقوله أشهد على هذا غيري. قال: ولو كان حرامًا لما قال هذا. وأنه إنما كان يذمُّ من فَعَلَه ومن يشهد فيه ويغلِّظ عليه كعادته في العقود المحرَّمة، وبقوله أيسرُّك أن يكونوا لك في البرِّ سواء؟ ؛ فإنه نبَّه على مراعاة الأحسن. وبأن أبا بكر ﵁ نحل عائشة ﵂ جادَّ (١) عشرين وسقًا من ماله بالغابة ولم ينحل غيرها من ولده شيئًا من ذلك، ولأن الأصل جواز تصرُّف الإنسان في ماله مطلقا. وتأول هؤلاء ما احتجَّ به المتقدِّمون من قوله ﷺ لا يصلح هذا وأن ذلك جَور على أن ذلك على الكراهة؛ لأن من عدل عن الأولى والأصلح يصدق عليه مثل ذلك الإطلاق، لأنه مما لا ينبغي أن يُقدِم عليه، ولذلك لم يشهد فيه النبي ﷺ .
وأما أمره بالارتجاع بذلك لأنه يجوز للأب أن يرجع فيما وهب ولده كما تقدَّم، وهو يدل على صحَّة الهبة المتقدمة كما قال ﷺ : مُره فليراجعها (٢)، وكان ذلك دليلًا على صحة الطلاق الواقع في الحيض. وللطائفة الأولى أن تنفصل عن ذلك المنع: أن قوله
стр. 2599
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَا وَهَبتَ لِابنِي! فَأَخَذَ أَبِي بِيَدِي وَأَنَا يَومَئِذٍ غُلَامٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّ هَذَا ابِنة رَوَاحَةَ أَعجَبَهَا أَن
ــ
أشهد على هذا غيري ليس إذنًا في الشهادة وإنَّما هو زجرٌ عنها؛ لأنه ﷺ قد سمَّاه جورًا وامتنع من الشهادة فيه، فلا يمكن أن يشهد أحد من المسلمين في ذلك بوجه.
وعن قوله أيسرك أن يكونوا في البر سواء؟ أن ذلك تنبيه على الأحسن، فإن ذلك ممنوع، بل ذلك تنبيه على مدخل المفسدة الناشئة عنه وهو العقوق الذي هو أكبر الكبائر، وعن نُحلِ أبي بكر ﵁ أن ذلك يحتمل أنَّ كان قد نحل أولاده نحلًا يعادل ذلك ولم ينقل، ثم إن ذلك الفعل منه لا يعارض به قول النبي ﷺ . وعن التمسك بالأصل أن ذلك غير قادح (١)؛ لأن الأصل الكلِّيّ والواقعة المعينة المخالفة لذلك الأصل في حكمه لا تعارض بينهما كالعموم والخصوص، وقد تقرر في الأصول أن الصحيح بناء العام على الخاص. وعن التأويل (٢) أن ذلك مجاز، وهو على خلاف الأصل. وعن الارتجاع بمنع أن يحمل ذلك على الاعتصار؛ فإن لفظ الردِّ ظاهر في الفسخ، كما قال ﷺ : من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردٌّ (٣)؛ أي: مفسوخ. ويؤيد ذلك قوله فردَّ أبي تلك الصدقة، والصَّدقة لا يعتصرها الأب بالاتفاق.
وعند هذا الانفصال يتبيَّن للناظر أن القائل بالتحريم هو الذي صال (٤)، وأمَّا القول بالجواز فلم يظهر له وجه به يجاز.
стр. 2600
أُشهِدَكَ عَلَى الَّذِي وَهَبتُ لِابنِهَا! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا بَشِيرُ، أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟ قَالَ: نَعَم. فَقَالَ: أَكُلَّهُم وَهَبتَ لَهُ مِثلَ هَذَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَلَا تُشهِدنِي إِذًا؛ فَإِنِّي لَا أَشهَدُ عَلَى جَورٍ!
ــ
تنبيه: مِن أبعد تأويلات ذلك الحديث قول من قال إن النهي فيه إنَّما يتناول من وهب ماله كلَّه لبعض ولده، وكأنه لم يسمع في الحديث نفسه إن الموهوب كان غلامًا فقط، وإنما وهبه له لمَّا سألته أمُّه بعض الموهبة من ماله، وهذا يعلم منه على القطع أنه كان له مالٌ غيره.
وفي هذا الحديث ما يدل على الاحتياط في العقود بشهادات الأفضل والأكبر، وعلى حضِّ الأب على سلوك الطرق المفضية بابنه إلى برِّه، ويجتنب ما يفضي إلى نقيض ذلك.
وفيه دليل على أن حَوز الأب لابنه الصغير ما وهبه له جائز، ولا يحتاج إلى أن يحوزه غيره؛ فإن النُّعمان كان صغيرا، وقد جاء به أبوه إلى النبي ﷺ وهو يحمله.
قال عياض: ولا خلاف في هذا بين العلماء فيما يعرف بعينه. واختلف المذهب فيما لا يعرف بعينه - كالمكيل، والموزون، وكالدراهم - هل يجزئ تعيينه والإشهاد عليه والختم عليه في (١) الحوز أم لا يجزئ ذلك حتى يخرجها من يده إلى يد غيره؟ وأجاز ذلك أبو حنيفة وإن لم يخرجه من يده.
وكذلك اختلف في هبته له جزءًا من ماله مشاعًا.
قلت: وهذا الحكم إنما ينتزعه من هذا الحديث من حمل قوله فارجعه على الاعتصار.
واختلف العلماء فيما لم يقبض من الهبات هل تلزم بالقول أم لا حتى تقبض؟ فذهب الحسن البصري وحمَّاد بن أبي سليمان وأبو ثور وأحمد بن حنبل إلى أنَّها تلزم بالقول ولا تحتاج إلى حوزٍ كالبيع، وقال أبو حنيفة
стр. 2601
وفي رواية قَالَ: فَأَشهِد عَلَى هَذَا غَيرِي. ثُمَّ قَالَ: أَيَسُرُّكَ أَن يَكُونُوا لَكَ فِي البِرِّ سَوَاءً؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَلَا إِذًا.
وفي أخرى قَالَ: فَلَيسَ يَصلُحُ هَذَا، وَإِنِّي لَا أَشهَدُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ.
رواه أحمد (٤/ ٢٦٨)، ومسلم (١٦٢٣) (١٠ و ١٢)، وأبو داود (٣٥٤٣)، والترمذي (١٣٦٧)، والنسائي (٦/ ٢٥٨)، وابن ماجه (٢٣٧٦).
* * *
(٣) باب المنحة مردودة
[١٧٣١] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةَ قَدِمُوا وَلَيسَ بِأَيدِيهِم شَيءٌ، وَكَانَ الأَنصَارُ أَهلَ الأَرضِ وَالعَقَارِ، فَقَاسَمَهُم الأَنصَارُ عَلَى أَن أَعطَوهُم أَنصَافَ ثِمَارِ أَموَالِهِم كُلَّ عَامٍ وَيَكفُونَهُم العَمَلَ وَالمَؤونَةَ، وَكَانَت أُمُّ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ - وَهِيَ تُدعَى أُمَّ سُلَيمٍ، وَكَانَت أُمُّ عَبدِ اللَّهِ بنِ أَبِي طَلحَةَ، كَانَ أَخًا لِأَنَسٍ لِأُمِّهِ، وَكَانَت أَعطَت أُمُّ
ــ
والشافعي: لا تلزم بالقول (١)، بل بالحوز. وذهب مالك إلى أنها تلزم بالقول وتتم بالحوز - وقد تقدم ذلك. والعلماء مُجمِعُون على لزومها بالقبض، وهبة المشاع جائزة عند الجمهور، ومنعها أبو حنيفة.
(٣) ومن باب: المنحة مردودة
ظاهر قول أنس فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف أموالهم كل عام ويكفونهم المؤونة يقتضي أن الأنصار ساقَوا المهاجرين، فيكون فيه حجة
стр. 2602
أَنَسٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِذَاقًا لَهَا، فَأَعطَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ أَيمَنَ مَولَاتَهُ أُمَّ أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ. قَالَ ابنُ شِهَابٍ: فَأَخبَرَنِي أَنَسُ بنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا فَرَغَ مِن قِتَالِ أَهلِ خَيبَرَ وَانصَرَفَ إِلَى المَدِينَةِ رَدَّ المُهَاجِرُونَ إِلَى الأَنصَارِ مَنَائِحَهُم الَّتِي كَانُوا مَنَحُوهُم مِن ثِمَارِهِم. قَالَ: فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أُمِّي عِذَاقَهَا، وَأَعطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ أَيمَنَ مَكَانَهُنَّ مِن حَائِطِهِ. قَالَ ابنُ شِهَابٍ: وَكَانَ مِن شَأنِ أُمِّ أَيمَنَ - أُمِّ أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ - أَنَّهَا كَانَت وَصِيفَةً لِعَبدِ اللَّهِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ، وَكَانَت مِن الحَبَشَةِ، فَلَمَّا وَلَدَت آمِنَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعدَمَا تُوُفِّيَ أَبُوهُ، وَكَانَت أُمُّ أَيمَنَ تَحضُنُهُ حَتَّى كَبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَعتَقَهَا، ثُمَّ أَنكَحَهَا زَيدَ بنَ حَارِثَةَ، ثُمَّ تُوُفِّيَت بَعدَمَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَمسَةِ أَشهُرٍ.
رواه البخاريُّ (٢٦٣٠)، ومسلم (١٧٧١)، (٧٠)، والنسائي في الكبرى (٨٣٢٠).
ــ
على من أنكر المساقاة وهو أبو حنيفة، غير أن هذا لم يكن من جميع الأنصار، بل كان منهم من فعل هذا ومنهم من أعطى الثَّمرة من غير عمل كما فعلت أم سليم مع رسول الله ﷺ ، وكما قال أنس في الرواية الأخرى إن الرَّجل كان يعطي النبي ﷺ النخلات من أرضه، وكان هذا من المهاجرين تنزها عن الأخذ العَرِيِّ عن المعاوضة على مقتضى كرم أخلاقهم، ولم يفعل الأنصار ذلك إلا عند امتناع المهاجرين من القبول، وذلك أن النبي ﷺ لما آخى بين المهاجرين والأنصار كان الأنصاري يقول للمهاجري: إن عندي من المال كذا، فتعال أشاطرك عليه! وكان منهم من يقول: إن عندي زوجتين؛ أنزل لك عن أحسنهما! فيقول المهاجري: بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلَّني على السوق (١)! وإنَّما أعطى
стр. 2603
[١٧٣٢] وعنه أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَجعَلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ النَّخَلَاتِ مِن أَرضِهِ حَتَّى فُتِحَت عَلَيهِ قُرَيظَةُ وَالنَّضِيرُ، فَجَعَلَ بَعدَ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيهِ مَا كَانَ أَعطَاهُ. قَالَ أَنَسٌ: وَإِنَّ أَهلِي أَمَرُونِي أَن آتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَسأَلَهُ مَا كَانَ أَهلُهُ أَعطَوهُ أَو بَعضَهُ، وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ قَد أَعطَاهُ أُمَّ أَيمَنَ، فَأَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعطَانِيهِنَّ، فَجَاءَت أُمُّ أَيمَنَ فَجَعَلَت الثَّوبَ فِي عُنُقِي وَقَالَت: وَاللَّهِ لَا نُعطِيكَهُنَّ وَقَد أَعطَانِيهِنَّ! فَقَالَ النَبِيُّ ﷺ : يَا أُمَّ أَيمَنَ، اترُكِيهِ وَلَكِ كَذَا وَكَذَا. وَتَقُولُ: كَلَّا وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ! فَجَعَلَ يَقُولُ: كَذَا - حَتَّى أَعطَاهَا عَشرَةَ أَمثَالِهِ.
رواه أحمد (٣/ ٢١٩)، والبخاري (٣١٢٨)، ومسلم (١٧٧١)(٧١).
* * *
ــ
النبي ﷺ لأمِّ أيمن ما كان يملكه من ثمر ذلك العَذق، فظنت أمُّ أيمن أنَّه إنما أعطاها الأصل، فلذلك امتنعت من ردِّه بناء منها على أنه كان يملكه، فكان منها ما يأتي بعد.
وهذا الحديث يدلُّ على جواز هبة المجهول؛ فإن الثمرة مجهولة، ولا وجه لمنع ذلك إذ لا يؤدي إلى فساد في عوض ولا إلى غرر في عقد؛ لأن هذه الهبة إن قصد بها الأجر فهو حاصل بحسب نيّة الواهب، وصل الموهوب لتلك الهبة أو لا. وإن أراد المحبَّة والتودد فإن حصلت الهبة للموهوب حصل ذلك المقصود، وإلا فقد علم الموهوبُ له اعتناءَ الواهب به وإرادة إيصال الخير له.
وفعل أم أيمن بأنس ما فعلت بحضرة النبي ﷺ وامتناعها من ردِّ ما أمرها بردِّه رسول الله ﷺ ، إنما صدر عنها كل ذلك لما كان لها على النبي ﷺ من
стр. 2604
(٤) باب ما جاء في العمرى
[١٧٣٣] عَن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ الأَنصَارِيَّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ أَعمَرَ رَجُلًا عُمرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَقَالَ: قَد أَعطَيتُكَهَا وَعَقِبَكَ
ــ
الإدلال (١) والانبساط بحكم أنها كأمه من جهة الحضانة والتربية والكفالة، ومسامحة النبي ﷺ لها في ذلك على جهة الإكرام لها والقيام بحقها، ومع ذلك فلم يزل النبي ﷺ يسوسها ويتلطف بها إلى أن أخذ منها ما ليس لها وأعطاها ما كان لها مُستَرضِيًا لها ومطيِّبًا قلبها على كرم خلقه وحُسن محاولته ﷺ .
وفيه دليل على أن ما وُهِبَت منفعته فإذا انقضت وَجب ردُّ الأصل، ولا خلاف فيه.
(٤) ومن باب: العمرى
(قوله: أيُّما رجل أعمر عُمرى له ولعقبه) العمرى في اللغة: هي أن يقول الرَّجل للرَّجل: هذه الدار لك عمري أو عمرك. وأصلها من العمر؛ قاله أبو عبيد. وقال غيره: أعمرته الدَّار جعلتها له عمره. وقال الحربي: سمعت ابن الأعرابي يقول: لم يختلف العرب أن هذه الأشياء على ملك أربابها: العمرى، والرُّقبى، والسُّكنى، والإطراق، والمنحة، والعرية، والعارية، والأفقار. ومنافعها لمن جعلت له.
قلت: وعلى هذا: فالعُمرى الواردة في الحديث حقها أن تحمل على هذا. فتكون: تمليك منافع الرَّقبة مدة عمر من قُيِّدت بعمره، فإن لم يذكر عقبًا؛ فمات المُعمَرُ رجعت إلى الذي أعطاها ولورثته. فإن قال: هي لك ولعقبك؛ لم ترجع إلى الذي أعطاها إلا أن ينقرض العَقِبُ.
стр. 2605
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعلى هذا: فيكون الإعمار بمعنى الإسكان؛ إذا قيّده بالعمر، غير أن الأحاديث التي جاءت في هذا الباب تقتضي بحكم ظاهرها أنَّها تمليك الرَّقبة على ما هي مسرودة في الأصل، فاختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
أحدها: ما تقدَّم، وهي أنها تمليك منافع الرَّقبة. وهو قول القاسم بن محمد، ويزيد بن قُسَيط، واللَّيث بن سعد، وهو مشهور مذهب مالك، وأحد قولي (١) الشافعي. وقال مالك: وللمُعمِر أن يُكريها ولا يُبعِد، وله أن يبيعها من الذي أعطاها، لا من غيره.
وثانيها: أنها تمليك الرَّقبة ومنافعها، وهي هبة مبتولة. وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأصحابهما، والثوري، والحسن بن حيّ، وأحمد بن حنبل، وابن شبرمة، وأبي عبيد؛ قالوا: من أعمر رجلًا شيئًا حياته فهو له حياته، وبعد وفاته لورثته؛ لأنه قد ملك رقبتها. وشرط المعطي الحياة أو العمر باطل؛ لأن رسول الله ﷺ قد أبطل شرطه، وجعلها بتلةً. وسواء قال: هي لك حياتك، أو: هي لك ولعقبك بعدك.
وثالثها: إن قال: عمرك؛ ولم يذكر العقب كان كالقول الأول. وإن قال: هي لك ولعقبك؛ كان كالقول الثاني. وبه قال الزهري، وأبو ثور، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وابن أبي ذئب، وقد روي عن مالك. وهو ظاهر قوله في موطأ يحيى بن يحيى.
فأهل القول الأول تمسَّكوا بأصل اللغة، وعضدوا ذلك بما رواه ابن القاسم (٢) عن مالك قال: رأيت محمدًا وعبد الله ابني أبي بكر بن محمد بن عمرو
стр. 2606
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن حزم، وعبد الله يعاتب محمدًا - وهو يومئذ قاض - يقول له: ما لك لا تقضي بحديث ابن شهاب في العُمرى؟ فقال: يا أخي! لم أجد النَّاس عليه، وأباه الناس. قال مالك: ليس عليه العمل، ولوددت: أنه مُحِي. وعضدوه أيضًا بأن قالوا: الأصل بقاء ملك المعطي للرَّقبة بإجماع، ولم يرد قاطع بإخراجه عن يده قبل الإعمار (١)، وتأولوا جميع تلك الظواهر الواردة في الباب.
وأما أهل القول الثاني: فظواهر الأحاديث معهم، غير أنَّهم لا يُسلَّم لهم أن رسول الله ﷺ أبطل شرط العمر؛ لأنَّه لو أبطله لبطلت العمرى بالكليَّة، ولامتنع إطلاق ذلك الاسم عليها، ولم تبطل؛ لأن الأصل في شروط المسلمين صحتها وبقاؤها بدليل قول رسول الله ﷺ : (المسلمون على شروطهم) (٢) ذكره أبو داود وغيره عن أبي هريرة.
فإن قيل: هذا من الشروط التي قد أبطلها الشرع بقوله: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) (٣)، قلنا: لا نسلّم: أنَّه ليس في كتاب الله؛ لأن كتاب الله هنا يراد به: حكم الله؛ بدليل السبب الذي خرج عليه الحديث المتقدَّم. وقد تقدَّم في العتق. ثم يلزم على هذا إبطال المنحة، والإفقار، والعارية، فإنَّها كلها عطايا بشروط، وليست كذلك باتفاق. فإن قيل: فقد قال رسول الله ﷺ فيما رواه ابن أبي ذئب في موطئه من حديث جابر عن النبي ﷺ : أنَّه قضى فيمن أعمر عُمرى له ولعقبه: فهي بتلةٌ لا يجوز للمعطي فيها شرط، ولا مثوبة. وهذا صريح في إبطال الشرط. فالجواب: إنا لا نسلم: أن هذا الشرط المنهي عنه هو نفس الإعمار في قوله: هي لك عمرك؛ لأنه لو كان كذلك لبطلت حقيقة العمرى، كما قلناه، ولأنه لو بطل ذلك لبطل قول المعطي: هي لك سنة من عمرك، ولم يبطل بالاتفاق، فلا تبطل. والجامع بين الصورتين: أن كل واحد منهما إعطاء ذكر فيه العمر. وقد قال
стр. 2607
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القاسم بن محمد: ما أدركت الناس إلا وهم على شروطهم في أموالهم (١). ومما يتمسكون به قوله ﷺ : (لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث) فقد صيَّرها ملكًا؛ لأنه لا يورث عن الإنسان إلا ما كان يملك. ويجابون عن ذلك: بأن اللفظ ليس من كلام النبي ﷺ وإنما هو من قول أبي سلمة بن عبد الرحمن؛ كما قد رواه ابن أبي ذئب عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، وذكر الحديث المتقدِّم، فلما فرغ قال: قال أبو سلمة: (لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث). ولئن سلم ذلك؛ فإنما جاء ذلك من حيث ذكر العقب، فيكون فيه حجة لأهل القول الثالث، لا للثاني.
وأما أهل القول الثالث، فكأنهم أعملوا الاسم فيما لم يذكر فيه العقب، وتركوا مقتضاه، حيث منع منه الشرع. وكأنهم جمعوا بين الاسم والأحاديث التي في الباب. وقد شهد لصحة هذا رواية من قال عن جابر: إنَّما العُمرى التي أجاز رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك. فأمَّا إذا قال: هي لك ما عشت: فإنها ترجع إلى صاحبها. قال: وبه كان الزهري يُفتي. ثم ما ورد من الروايات مطلقا فإنه مقيد بهذا الحديث. غير أن كلام النبي ﷺ انتهى عند قوله: (هي لك ولعقبك) وما بعده من كلام الزهري، على ما قاله محمد بن يحيى الذهلي. وهو مما انفرد به معمر عن الزهري. وخالفه في ذلك سائر من رواه عن الزهري من الأئمة الحفاظ، كالليث، ومالك، وابن أخي الزهري، وابن أبي ذئب. ولم يذكروا ذلك. .
قلت: والذي يظهر لي، وأستخير الله في ذكره: أنَّ حديث جابر في العُمرى رواه عنه جماعة، واختلفت ألفاظهم اختلافًا كثيرًا، ثم رواه عن كل واحد من تلك الجماعة قوم آخرون. واختلفوا كذلك. ثم كذلك القول في الطبقة الثالثة. وخلط فيه بعضهم بكلام النبي ﷺ ما ليس منه، فاضطرب، فضعفت الثقة به، مع ما ينضاف إلى ذلك من مخالفته للأصل المعلوم المعمول به: من أن الناس على شروطهم
стр. 2608
مَا بَقِيَ مِنكُم أَحَدٌ، فَإِنَّهَا لِمَن أُعطِيَهَا، وَإِنَّهَا لَا تَرجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا مِن أَجلِ أَنَّهُ أَعطَى عَطَاءً وَقَعَت فِيهِ المَوَارِيثُ.
رواه مسلم (١٦٢٥)(٢٠)، وأبو داود (٣٥٥٣)، والترمذي (١٣٥٠)، والنسائي (٦/ ٢٧٥).
[١٧٣٤] وعنه، قَالَ: إِنَّمَا العُمرَى الَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَن يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشتَ، فَإِنَّهَا تَرجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا. قَالَ مَعمَرٌ: وَكَانَ الزُّهرِيُّ يُفتِي بِهِ.
وفي رواية: قَالَ ﵊: العُمرَى لِمَن وُهِبَت لَهُ.
ــ
في أموالهم، كما قال القاسم بن محمد، وكما دلَّ عليه الحديث المتقدم في الشروط. وينضاف إلى ذلك: أن الناس تركوا العمل به؛ كما قال محمد بن أبي بكر. فتعيَّن تركه، كما قال مالك: ليته مُحِي. ووجب التمسك بأصل وضع العُمرى، كما تقدَّم، وبالأصل المعلوم من الشريعة: من أن الناس على ما شرطوه في أعطياتهم. وهُذا (١) القول الأول، وليس على غيره معوَّل. وإذا تقرر ذلك فلنبين وجه ردِّ تلك الروايات إلى ما قررناه.
فأمَّا قوله: (وإنها لا ترجع إلى صاحبها، من أجل: أنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث). فيعني به: أنه لما جعلها للعقب؛ فالغالب أن العقب لا ينقطع، فلا تعود لصاحبها لذلك.
وأمَّا قوله: (وقعت فيه المواريث) فإن سلَّمنا أنه من قول النبي ﷺ فمعناه - والله أعلم -: أنَّها لما كانت تنتقل للعقب بحكم تلقيهم عن مورِّثهم، ويشتركون في الانتفاع بها أشبهت المواريث، فأطلق عليها ذلك.
стр. 2609
وفي أخرى: أَمسِكُوا عَلَيكُم أَموَالَكُم وَلَا تُفسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَن أَعمَرَ عُمرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ.
وفي أخرى: جَعَلَ الأَنصَارُ يُعمِرُونَ المُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمسِكُوا عَلَيكُم أَموَالَكُم.
وفي أخرى: قَالَ ﵊: العُمرَى جَائِزَةٌ.
ــ
وأمَّا قوله: (أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها) فإنه من باب الإرشاد إلى الأصلح؛ لأن الإعمار يمنع المالك من التصرف فيما يملكُ رقبته آمادًا طويلة، لا سيما إذا قال: هي لك ولعقبك؛ فإن الغالب: أنها لا ترجع إليه، كما قررناه. ولا يصح حمل هذا النهي على التحريم؛ لأنَّه قد قال في الرِّواية الأخرى: (العمرى جائزة لمن وهبت له) (١) أي: عطيَّة جائزة، ولأنها من أبواب البر، والمعروف، والرفق. فلا يمنع منه. وقول ابن عباس: لا تحِلُّ العُمرى ولا الرُّقبى؛ محمول على ذلك، فإنه قال إثر ذلك: فمن أعمر شيئًا فهو له، ومن أرقب شيئًا فهو له (٢). فقد جعلهما طريقين للتمليك. فلو كان عقدهما حرامًا كسائر العقود المحرَّمة لأمر بفسخهما.
وأمَّا قوله: (فهي للذي أعمرها حيًّا وميتًا) فيعني بذلك: إذا قال: هي لك ولعقبك؛ فإنَّه ينتفع بها في حياته، ثم ينتقل نفعها إلى عقبه بعد موته. وهذه الرواية وإن وقعت هنا مطلقة؛ فهي مقيدة بالروايات الأخر التي ذكر فيها العقب، لا سيما والرَّاوي واحد، والقضية واحدة. فيحمل المطلق منها على المقيَّد قولًا واحدًا، كما قررناه في الأصول.
و(قوله: إنما العمرى التي أجاز رسول الله ﷺ : أن يقول: هي لك ولعقبك؛ أي: أمضى جوازها وألزمه دائمًا على ما ذكرناه.
стр. 2610
رواه أحمد (٣/ ٢٩٤)، ومسلم (١٦٢٥) (٢٣ و ٢٦ و ٢٧)، وأبو داود (٣٥٥٥)، والنسائي (٦/ ٢٧٤).
[١٧٣٥] وعن أَبي الزُّبَيرِ، عَن جَابِرٍ قَالَ: أَعمَرَت امرَأَةٌ بِالمَدِينَةِ حَائِطًا لَهَا ابنًا لَهَا، ثُمَّ تُوُفِّيَ وَتُوُفِّيَت بَعدَهُ، وَتَرَكَ وَلَدًا، وَلَهُ إِخوَةٌ بَنُونَ لِلمُعمِرَةِ، فَقَالَ وَلَدُ المُعمِرَةِ: رَجَعَ الحَائِطُ إِلَينَا، وَقَالَ بَنُو المُعمَرِ: بَل كَانَ لِأَبِينَا حَيَاتَهُ وَمَوتَهُ، فَاختَصَمُوا إِلَى طَارِقٍ مَولَى عُثمَانَ، فَدَعَا جَابِرًا فَشَهِدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالعُمرَى لِصَاحِبِهَا، فَقَضَى بِذَلِكَ طَارِقٌ ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عَبدِ المَلِكِ فَأَخبَرَهُ ذَلِكَ، وَأَخبَرَهُ بِشَهَادَةِ جَابِرٍ، فَقَالَ عَبدُ المَلِكِ: صَدَقَ جَابِرٌ، فَأَمضَى ذَلِكَ طَارِقٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ الحَائِطَ لِبَنِي المُعمَرِ حَتَّى اليَومِ.
رواه مسلم (١٦٢٥)(٢٨).
* * *
ــ
و(قوله: وأمَّا إذا قال: فهي لك ما عشت) فإنها ترجع إلى صاحبها، فإن كان من قول النبي ﷺ فهو نصٌّ فيما اخترناه. وإن كان من قول الرَّاوي؛ فهو أقعد بالحال، وأعلم بالمقال.
تنبيه: القائلون: بأن العمرى تمليك الرقبة؛ فرَّقوا بينها وبين السُّكنى. فلو قال: أسكنتك حياتك. فإذا مات رجعت إلى صاحبها (١). إلا الشَّعبي: فإنه سوَّى بينهما، وقال في السَّكنى: لا ترجع إلى صاحبها بوجه. وهو شاذٌّ لا يعضده نظر، ولا خبر. فإن العمرى عند القائلين: بأنها تمليك الرَّقبة، خارجة عن القياس. وإنما صاروا إليه من جهة ظواهر الأخبار، فلا تقاس السُّكنى عليها؛ لأن الخارج عن القياس لا يُقَاس عليه كما قررناه في الأصول. ولا خبر فيه، فلا يصار إليه. والله تعالى أعلم.
стр. 2611
(٥) باب فيما جاء في الحُبس
[١٧٣٦] عَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ أَرضًا بِخَيبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَستَأمِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبتُ أَرضًا بِخَيبَرَ لَم
ــ
(٥) ومن باب: الحُبس
(قول عمر ﵁: يا رسول الله! إنِّي أصبت أرضًا بخيبر لم أُصِبُ مالًا قطُّ هو أنفسُ منه) يعني: أنَّه صارت له هذه الأرض بالقسمة. فإن النبي ﷺ قسم أرض خيبر التي افتتحت عُنوة كما قررناه في الجهاد. والمال النفيس: المغتبط به لجودته. ويُسَمَّى هذا المال: ثَمغ. ولما كان هذا المال أطيب أموال عمر، وأحبَّها إليه أراد أن يتصدَّق به لينالَ البرَّ الذي ذكر الله تعالى في قوله: ﴿لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وهذا كما قال الأنصاري صاحبُ بيرحاء، فأرشده رسول الله ﷺ إلى الأصلح في الصَّدقة وهو التحبيس؛ من حيث إن صدقته جارية، وأجره دائم في الحياة، وبعد الموت. كما قال ﷺ : (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) (١).
و(قوله: فما تأمر به؟ ) استشارة من عمر مع حُسن أدب، ولذلك أجابه ﷺ بقوله: (إن شئت حبست أصلها، وتصدَّقت بها) أي: بثمرها (٢)، كما قد قال في الرِّواية الأخرى، وليس هذا أمرًا من النبي ﷺ له، ولا حُكمًا عليه بالتحبيس. وإنما هي إشارة إلى الأصلح والأولى. ففيه دليل على جواز الاستشارة في الأمور؛ وإن
стр. 2612
أُصِب مَالًا قَطُّ هُوَ أَنفَسُ عِندِي مِنهُ، فَمَا تَأمُر بِهِ؟ قَالَ: إِن شِئتَ حَبَستَ
ــ
كانت من نوع القرب. وعلى أن المستشار يجب عليه أن يشير بأحسن ما يظهر له، كما قال صلى (ل هـ عليه وسلم: (من أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره؛ فقد خانه) (١)، وقال: (المستشار مؤتمن) (٢). ولما فهم عمر ﵁ أنَّه أشار عليه بالأصلح بادر إلى ذلك، فتصدَّق به على جهة تقتضي تحبيس الأصل، والتصدُّق بالثمرة، فكان ذلك دليلًا لجمهور العلماء على جواز الحُبس، وصحته على من شذَّ ومنعه. وهذا خلاف لا يُلتفت إليه. فإن قائله خرق إجماع المسلمين في المساجد، والسقايات؛ إذ لا خلاف في ذلك. وهو أيضًا حجة للجمهور على قولهم: إن الحُبس لازم، وإن لم يقترن به حكم حاكم. وخالف في ذلك أبو حنيفة، وزفر، فقالا: لا يلزم، وهو عطيَّة، يرجع فيها صاحبها، وتورث عنه إلا أن يحكم به حاكم، أو يكون مسجدًا، أو سقاية، أو يوصي به، فيكون في ثلثه.
ووجه الحجة عليه من هذا الحديث: أن عمر ﵁ لما فهم عن النبي ﷺ إشارته بالتحبيس بادر إلى ذلك بحضرة النبي ﷺ وقال: إنه لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث. ثم إنه أمضى ذلك من غير أن يحكم به النبي ﷺ ؛ إذ لم يصدر من النبي ﷺ أكثر من (٣) الإشارة.
وأيضًا: فإن الصحابة قد أجمعت على ذلك من غير خلاف بينهم فيه. فقد حبس الأئمة الأربعة ﵃ وطلحة، وزيد بن ثابت، والزبير، وابن عمر، وخالد بن الوليد، وأبو رافع، وعائشة، وغيرهم. واستمرت أحباسهم معمولًا بها على وجه الدَّهر، من غير أن يقف شيء من ذلك على حكم حاكم. ولم يُحكَ أن شيئًا من تلك الأحباس رجعت إلى المحبِّس، ولا
стр. 2613
أَصلَهَا وَتَصَدَّقتَ بِهَا. قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِه عُمَرُ، أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصلُهَا، وَلَا
ــ
إلى ورثته (١).
ومن جهة المعنى: فإنَّها عطية على جهة القربة، فتلزم؛ كالهبة للمساكين، ولذي الرَّحم، وكالصَّدقة. ولأنه قد أُجمع على تحبيس المساجد من غير حكم. ولا فرق بين تحبيسها وتحبيس العقار لا سيما على الفقراء والمساكين. فإذا ثبت هذا: فالحُبس لازم في كل شيء تمكن العطية فيه.
واختلف عن مالك في تحبيس الحيوان؛ كالإبل، والخيل، على قولين: المنع؛ وبه قال أبو حنيفة، وأبو يوسف.
والصحة: وبه قال الشافعي، وهو الصحيح؛ لأنه عطية على وجه القربة، يتكرر أجرها، كالعقار، وغيره، ولأن المسلمين على شروطهم، وقد شرط صاحب الفرس في صدقته: أنها لا تباع، ولا توهب، ولا تورث. فَينفُذُ شرطه. وقد تقدم القول على هذا المعنى في باب العُمرى.
فإذا فهمت هذا؛ فاعلم: أن الألفاظ الواقعة في هذا الباب إما أن يقترن معها ما يدل على التأبيد أو لا.
فالأوَّل: نحو قوله: لا يباع، ولا يوهب، ولا يورَّث، أو: أبدًا، أو: دائمًا، أو: على مجهولين، أو: على العقب. فهذا النَّوع لا يبالي بأيِّ لفظ نُسِق معه؛ لأنه يفيد ذلك المعنى؛ كقوله: وقف، أو: حبس، أو: صدقة، أو: عطية.
فأما الثاني: وهو إذا تجرد عما يدل على ذلك، فلفظ الوقف صريح الباب، فيقتضي التأبيد، والتحريم. ولم يختلف المذهب في ذلك.
وفي الحُبس روايتان: إحداهما: أنه كالوقف. والثانية: أنه يرجع إلى المحبِّس بعد موت المحبَّس عليه. والظاهر الأول؛ لأنه يستعمل في ذلك شرعا
стр. 2614
يُورَثُ وَلَا يُوهَبُ، قَالَ: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِي الفُقَرَاءِ، وَفِي القُربَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَابنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيفِ ولَا جُنَاحَ عَلَى مَن وَلِيَهَا أَن يَأكُلَ مِنهَا بِالمَعرُوفِ، أَو يُطعِمَ صَدِيقًا غَيرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ. وفي رواية: غَيرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا.
ــ
وعرفًا. وأما الصدقةُ: فالظاهر منها أنها تمليك الرَّقبة. وفي رواية: أنها كالوقف. وفيها بُعدٌ إلا عند القرينة. واختلف فيما لو جمع بينهما فقال: حُبسُ صدقةٍ. والظاهر: أن حكمه حكم الحُبس. وصدقة: تأكيد.
و(قوله: فتصدَّق بها عمر في الفقراء، وفي القربى، وفي الرِّقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف) قد تقدَّم القول في الفقير في كتاب الزكاة، وكذلك: في الرِّقاب، وفي سبيل الله، وفي ابن السبيل. وأما القربى: فظاهره أنه أراد به قرابته. ويحتمل أن يريد به: قرابة النبي ﷺ المذكورين في الخمس والفيء. وفيه بُعد؛ لأنه قد أطلق على ذلك الحبس صدقة، وهم قد حرموا الصدقة، إلا إن تنزَّلنا: على أن الذي حرموه هي الصدقة الواجبة (١) فقط. والرَّافع لهذا الاحتمال الوقوف على ما صنع في صدقة عمر. فينبغي أن يبحث عن ذلك. والأولى حمله على قرابة عمر الخاصة به. والله أعلم.
و(قوله: لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف) هذا رفع للحرج عن الوالي عليها، والعامل في تلك الصَّدقة في الأكل منها، على ما جرت به عادة العمَّال في الحيطان (٢) من أكلهم من ثمرها حالة عملهم فيها. فإن المنع من ذلك نادر، وامتناع العامل من ذلك أندر، حتى أنه لو اشترط رب الحائط على العامل فيه ألا يأكل لاستُقبِح ذلك عادة وشرعا. وعلى ذلك: فيكون المراد بالمعروف: القدر
стр. 2615
رواه أحمد (٢/ ١٢)، والبخاري (٢٧٣٧)، ومسلم (١٦٣٢)، وأبو داود (٢٨٧٨)، والترمذي (١٣٧٥)، والنسائي (٦/ ٢٣٠)، وابن ماجه (٢٩٦).
* * *
ــ
الذي يدفع الحاجة، ويردُّ الشَّهوة، غير أكل بسرفٍ، ولا نَهمةٍ، ولا متخذًا خيانة ولا خُبنَة (١). وقيل: مراد عمر بذلك: أن يأكل العامل منها بقدر عمله. وفيه بُعدٌ؛ لأنه لا يصح ذلك حتى يُتأوَّل (يأكل) بمعنى: (يأخذ) لأن العامل إنَّما يأخذ أجرته، فيتصرَّف فيها بما شاء من بيع، أو أكل، أو غير ذلك. و (أكل) بمعنى: (أخذ) على خلاف الأصل، ولأن مساق اللفظ لا يشعر بقصد إلى أن تلك الإباحة إنما هي بحسب العمل وبقدره. فتأمله، لا سيما وقد أردف عليه: ويطعم صديقًا غير متأثلٍ مالًا؛ يعني به: صديقًا للوالي عليها، وللعامل فيها. ويحتمل: صديقًا للمحبِّس. وفيه بُعدٌ. والمتأثل للشيء هو: المتَّخِذُ لأصله، حتى كأنَّه قديم عنده.
ومنه قول الشاعر:
ولكنَّما أَسعى لِمَجدٍ مُؤثَّلٍ ... وقد يُدرِكُ المَجد المؤَثَّلَ أَمثَالي
أي: المجد القديم المؤصَّل. وأثلةُ الشيء: أصله. وفيه ما يدلُّ على أنه يجوز الحبس على الأغنياء.
* * *
стр. 2616
(٢١) كتاب النذور والأيمان
(١) باب الوفاء بالنذر، وأنه لا يرد من قدر الله شيئا
[١٧٣٧] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: استَفتَى سَعدُ بنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نَذرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ تُوُفِّيَت قَبلَ أَن
ــ
(٢١) كتاب النذور والأيمان
النُّذور: جمع نَذر، كفَلسٍ، وفلوس. وهو عبارة عن التزام فعل الطَّاعات بصيغ مخصوصة؛ كقوله: للهِ عليَّ صومٌ، أو صلاةٌ، أو صدقة.
والأيمان: جمع يمين، وهو في أصل اللغة: الحَلفُ (١) بمعظَّم - في نفسه، أو عند الحالف - على أمر من الأمور؛ من فعل، أو ترك، بصيغ مخصوصة؛ كقوله: والله لأفعلن، وبحياتك لأتركن.
وأمَّا تسمية العتق، والطلاق، والصَّدقة المعلقات على أمر مستقبل أيمانًا؛ فليست كذلك لغة، ولا ورد في كلام الشارع تسميتها أيمانًا، لكن الفقهاء سَمُّوا ذلك أيمانًا، فيقولون: كتاب الأيمان بالطلاق. ومن حلف بطلاق زوجته، أو بعتق أمته فقال: إن شاء الله لم ينفعه الاستثناء. وهم يريدون: إن دخلتِ الدَّار فأنتِ طالق إن شاء الله. وتسمية هذه أيمانًا وَضعٌ من جهتهم. والأحق بهذا النَّوع أن يُسمَّى التزامًا؛ لأنه شرط ومشروط، وليس من نوع ما تسمِّيه العرب يمينًا.
(١) ومن باب: الوفاء بالنَّذر
(قوله: استفتى سعدٌ رسول الله ﷺ في نذرٍ كان على أمِّه توفيت قبل أن
стр. 2617
تَقضِيَهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَاقضِهِ عَنهَا.
رواه أحمد (١/ ٢١٩)، والبخاري (٦٦٩٨)، ومسلم (١٦٣٨)، وأبو داود (٣٣٠٧)، والنسائي (٦/ ٢٥٣).
[١٧٣٨] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَومًا يَنهَانَا عَن النَّذورِ وَيَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيئًا، وَإِنَّمَا يُستَخرَجُ بِهِ مِن الشَّحِيحِ.
وفي رواية: قَالَ ﵊: النَّذرُ لَا يُقَدِّمُ شَيئًا وَلَا يُؤَخِّرُهُ، وَإِنَّمَا يُستَخرَجُ بِهِ مِن البَخِيلِ.
وفي أخرى: إِنَّهُ لَا يَأتِي بِخَيرٍ، (بدل): لَا يُقَدِّمُ وَلَا يُؤَخِّرُ.
رواه أحمد (٢/ ١١٨)، والبخاري (٦٦٩٢)، ومسلم (١٦٣٩).
ــ
تقضيه) فيه من الفقه: استفتاء الأعلم ما أمكن. وقد اختلف أهل الأصول في ذلك. هل يجب على العامِّيّ أن يبحث عن الأعلم، أو يكتفي بسؤال عالم - أي عالم كان - على قولين. وقد أوضحناهما في الأصول، وبيَّنا: أنه يجب عليه أن يبحث عن الأعلم؛ لأن الأعلم أرجح، والعمل بالرَّاجح واجب.
وقد اختلف في هذا النذر الذي كان على أم سعد؛ فقيل: إنه كان نذرًا مطلقا. وقيل: صومًا. وقيل: عتقًا. وقيل: صدقةً. والكل محتمل، ولا مُعيِّن، فهو مُجمَل. ولا خلاف: أن حقوق الأموال من العتق، والصَّدقة تصحّ فيها النيابة، وتصحّ توفيتها عن المَيِّت والحيِّ. وإنَّما اختلف في الحجِّ والصوم كما تقدم ذلك في كتابيهما.
و(قوله: فاقضه عنها) أمرٌ بالقضاء على جهة الفتوى فيما سئل عنه، فلا يحمل على الوجوب، بل على جهة بيان: أنه إن فعل ذلك صحَّ، بل نقول: لو ورد
стр. 2618
[١٧٣٩] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَنذِرُوا، فَإِنَّ النَّذرَ لَا يُغنِي مِن القَدَرِ شَيئًا، وَإِنَّمَا يُستَخرَجُ بِهِ مِن البَخِيلِ.
رواه أحمد (٢/ ٤١٢)، والبخاري (٦٦٩٤)، ومسلم (١٦٤٠)، وأبو داود (٣٢٨٨)، والترمذي (١٥٣٨)، والنسائي (٧/ ١٦)، وابن ماجه (٢١٢٣).
ــ
ذلك ابتداءً وافتتاحًا لما حمل على الوجوب، إلا أن يكون ذلك النذر ماليًّا، وتركت (١) مالًا، فيجب على الوارث إخراج ذلك من رأس المال، أو من الثلث، كما قد ذكرناه في الوصايا. وإن كان حقًّا بدنيًا: فمن يقول بأن الوليَّ يقضيه عن الميت؛ لم يقل: إن ذلك يجب على الوليِّ، بل ذلك على النَّدب إن طاعت بذلك نفسُه. ومن تخيَّل شيئًا من ذلك فهو محجوج بقوله ﷺ : (من مات وعليه صيام صام عنه وليُّه لمن شاء) (٢) وهو نصٌّ في الغرض.
و(قوله ﷺ : لا تنذروا! فإن النَّذر لا يردّ من قدر الله شيئًا) هذا النذر (٣) محله أن يقول: إن شفى الله مريضي، أو قدم غائبي فعليَّ عتق رقبة، أو صدقة كذا، أو صوم كذا. ووجه هذا النهي هو: أنه لما وقف فعل هذه القربة على حصول غرض عاجل ظهر: أنه لم يتمحض له نيَّة التقرب إلى الله تعالى بما صدر منه، بل سلك فيها مسلك المعاوضة. ألا ترى: أنَّه لو لم يحصل غرضه لم يفعل؟ ! وهذه حال البخيل؛ فإنَّه لا يخرج من ماله شيئًا إلا بعوض عاجل يربي على ما أخرج. وهذا المعنى هو الذي أشار إليه بقوله ﷺ : (وإنما يستخرج به من البخيل ما لم يكن البخيل يخرجه) ثم ينضاف إلى هذا اعتقاد جاهل يظن: أن
стр. 2619
[١٧٤٠] وعنه، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ النَّذرَ لَا يُقَرِّبُ مِن ابنِ آدَمَ
ــ
النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو: أن الله تعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر. وإليهما الإشارة بقوله ﷺ : (فإن النَّذر لا يردُّ من قدر الله شيئًا). وهاتان جهالتان. فالأولى تُقارب الكفر. والثانية خطأ صراح.
وإذا تقرر هذا، فهل هذا النهي محمول على التحريم، أو على الكراهة؟ المعروف من مذاهب العلماء الكراهة.
قلت: والذي يظهر لي: حمله على التحريم في حق من يخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد. فيكون إقدامه على ذلك محرما. والكراهة في حق من لم يعتقد ذلك. والله تعالى أعلم.
وإذا وقع هذا النذر على هذه الصفة لزمه الوفاء به قطعًا من غير خلاف. ولقوله ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه) (١) ولم يفرق بين النذر المعلَّق ولا غيره. ومما يلحق بهذا النَّهي في الكراهة: النذر على وجه التبرُّم والتَّحرُّج. فالأول: كمن يستثقل عبدًا لقلة منفعته، وكثرة مؤنته، فينذر عتقه تخلُّصًا منه، وإبعادًا له. وإنما يكره ذلك لعدم تمحُّض نية القربة. والثاني: أن يقصد التضييق على نفسه، والحمل عليها؛ بأن ينذر كثيرًا من الصوم، أو من الصلاة، أو غيرهما مما يؤدي إلى الحرج والمشقة مع القدرة عليه. فأمَّا لو التزم بالنذر ما لا يطيقه لكان ذلك محرَّمًا. فأمَّا النذر الخارج عمَّا تقدَّم: فما كان منه غير معلَّق على شيء، وكان طاعة؛ جاز الإقدام عليه، ولزم الوفاء به. وأمَّا ما كان منه على جهة الشكر: فهو مندوب إليه؛ كمن شُفي مريضه فقال: للهِ عليَّ أن أصوم كذا، أو أن أتصدق بكذا شكرًا لله تعالى.
стр. 2620
شَيئًا لَم يَكُن اللَّهُ قَدَّرَهُ، وَلَكِن النَّذرُ يُوَافِقُ القَدَرَ، فَيُخرَجُ بِذَلِكَ مِن البَخِيلِ مَا لَم يَكُن البَخِيلُ يُرِيدُ أَن يُخرِجَ.
رواه أحمد (٢/ ٣٧٣)، ومسلم (١٦٤٠)(٧).
* * *
ــ
وقد روي عن مالك كراهة النذر مطلقا. فيمكن حمله على الأنواع التي بينَّا كراهتها. ويمكن حمله على جميع أنواعه؛ لكن من حيث: إنَّه أوجب على نفسه ما يخاف عليه التفريط فيه، فيتعرض للوم الشرع وعقوبته. كما قد كره الدُّخول في الاعتكاف. وعلى هذا فتكون هذه الكراهة من باب تسمية ترك الأولى مكروها. ووجه هذا واضح. وهو: أن فعل القرب من غير التزامها خير محض، عَرِيّ عن خوف العقاب، بخلاف الملتزم لها؛ فإنَّه يخاف عليه ذلك فيها. وقد شهد لهذا ذمُّ من قصَّر فيما التزم في قوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ ولا إشكال في أن النذر من جملة العقود والعهود المأمور بالوفاء بها، وأن الوفاء بذلك من أعظم القرب المثنى عليها. وكفى بذلك مدحًا وتعزيزًا قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذرِ وَيَخَافُونَ يَومًا كَانَ شَرُّهُ مُستَطِيرًا﴾
стр. 2621
(٢) باب لا وفاء لنذرٍ في معصية، ولا فيما لا يملك العبد
[١٧٤١] عَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ قَالَ: كَانَت ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَنِي عُقَيلٍ، فَأَسَرَت ثَقِيفُ رَجُلَينِ مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَسَرَ أَصحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مِن بَنِي عُقَيلٍ، وَأَصَابُوا مَعَهُ العَضبَاءَ، فَأَتَى عَلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الوَثَاقِ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: مَا شَأنُكَ؟ فَقَالَ: بِمَ أَخَذتَنِي، وَبِمَ أَخَذتَ سَابِقَةَ الحَاجِّ؟ قَالَ: إِعظَامًا لِذَلِكَ
ــ
(٢) ومن باب: لا وفاء لنذرٍ في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد
الحلفاء: جمع حليف، كظرفاء: جمع ظريف. والحليف: اسم فاعل من حلف، عدل عن حالف للمبالغة. وقد كثر حتى صار كالأسماء. والمحالفة، والتحالف: التعاهد والتعاقد على التناصر والتعاضد. والأسر: الأخذ. وأصله: الشَّدُّ والرَّبط؛ قاله القتبي. والعضباء: اسم للناقة. وهي التي صارت للنبي ﷺ ؛ إما بحكم سهمه الخاص به من المغنم المسمَّى بـ (الصفيِّ)، وإمَّا بالمعاوضة الصحيحة. وهي المسمَّاة بالجدعاء، والقصواء، والخرماء في روايات أخر. وقد ذكرنا الخلاف فيها فيما تقدَّم. والعضب، والقصو، والجدع، والخرم، كلها بمعنى القطع. وسميت هذه الناقة بتلك الأسماء؛ لأنها كان في أذنها قطع، وسميت به، فصدقت عليها تلك الأسماء كلها. وعلى هذا: فأصول هذه الأسماء تكون صفات لها، ثم كثرت فاستعملت استعمال الأسماء.
و(قول الرجل المأسور: (يا محمد! بم أخذتني، وأخذتَ سابقةَ الحاجِّ؟ ) هو استفهام عن السبب الذي أوجب أخذه وأخذ ناقته. وكأنَّه كان يعتقد: أن له أو
стр. 2622
أَخَذتُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ. ثُمَّ انصَرَفَ عَنهُ فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَحِيمًا رَقِيقًا، فَرَجَعَ إِلَيهِ فَقَالَ: مَا شَأنُكَ؟ قَالَ: إِنِّي مُسلِمٌ،
ــ
لقبيلته عهدًا من النبي ﷺ . فأجابَه النبي ﷺ بذكر السبب إعظامًا لحق الوفاء، وإبعادًا لنسبة الغدر إليه. فقال: (أخذتُك بجريرة حلفائِك ثقيفٍ) أي: بما فعلته ثقيفٌ من الجناية التي نقضوا بها ما كانَ بينَهم وبينَ رسول الله ﷺ من العهد (١). وكانت بنو عقيل دخلوا معهم في ذلك. فإمَّا بحكم الشرط، وفيه بُعد، والظاهر أنَّهم دخلوا معهم بحكم الحِلف الذي كان بينَهم. ولذلك ذكر حلفهم في الحديث. ولما سمع الرَّجلُ ذلك لم يجد جوابًا، فسكتَ. وعنى بسابقة الحاجِّ: ناقته العضباء. فإنها كانت لا تُسبق. وقد كانت معروفة بذلك، حتى جاء أعرابيٌّ بقَعودٍ له فسبقَها؛ فعظمَ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، وقالوا: سُبقت العضباء. فقال رسول الله ﷺ : (إن حقًّا على اللهِ ألا يُرفعَ شيء من الدُّنيا إلا وضعه) (٢).
و(قوله: ثم انصرف، فنادَاه: يا محمَّدُ! يا محمَّدُ! ) هذا النِّداء من الرَّجل على جهة الاستلطاف، والاستعطاف، ولذلك رقَّ له رسول الله ﷺ فرجعَ له وقال له: (ما شأنك؟ ) - رحمةً ورفقًا - على مقتضى خلقه الكريم، ولذلك قال الرَّاوي: (وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا).
و(قوله: إني مسلمٌ) ظاهر هذا اللفظ: أنَّه قد صار مسلمًا بدخوله في دين
стр. 2623
قَالَ: لَو قُلتَهَا وَأَنتَ تَملِكُ أَمرَكَ، أَفلَحتَ كُلَّ الفَلَاحِ. ثُمَّ انصَرَفَ، فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: مَا شَأنُكَ؟ قَالَ: إِنِّي جَائِعٌ فَأَطعِمنِي، وَظَمآنُ فَاسقِنِي، قَالَ: هَذِهِ حَاجَتُكَ. فَفُدِيَ بِالرَّجُلَينِ. فقَالَ: وَأُسِرَت امرَأَةٌ مِن الأَنصَارِ، وَأُصِيبَت العَضبَاءُ، فَكَانَت المَرأَةُ فِي الوَثَاقِ،
ــ
الإسلام.
وظاهر قوله ﷺ أنه لم يقبل ذلك منه؛ لما أجابه بقوله: (لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح)، وحينئذ يلزم منه إشكال عظيم؛ فإن ظاهره: أنه لم يقبل إسلامه لأنه أسيرٌ مغلوبٌ عليه، لا يملك نفسه. وعلى هذا: فلا يصح إسلام الأسير في حال كونه أسيرًا، وصحة إسلامه معلوم من الشريعة، ولا يختلف فيه، غير أن إسلامه لا يزيل ملك مالكه بوجه. وهو أيضًا معلوم من الشارع (١).
ولما ظهر هذا الإشكال اختلفوا في الانفصال عنه. فقال بعض العلماء: يمكن أن يكون علم النبي ﷺ من حاله: أنه لم يصدق في ذلك بالوحي. ولذلك لما سأله في المرَّة الثالثة فقال: (إني جائع فأطعمني، وظمآن فاسقني) قال: (هذه حاجتك). وقال بعضهم: بل إسلامه صحيح، وليس فيه ما يدل على أنه ردَّ إسلامه.
فأمَّا قوله: (لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح) أي: لو قلت كلمة الإسلام قبل أن تؤسر لبقيت حرًّا من أحرار المسلمين، لك ما لهم من الحرية في الدُّنيا، وثواب الجنة في الآخرة. وأمَّا إذا قلتها وأنت أسير: فإن حكم الرق لا يزول عنك بإسلامك. فإن قيل: فلو كان مسلمًا فكيف يفادى به من الكفار رجلان مسلمان؟ ! فالجواب: أنَّه ليس في الحديث نصٌّ: أنه رجع إلى بلاده بلاد الكفر. فيمكن أن يُقال: إنما فدي بالرَّجلين من الرِّق فأعتق منه بسبب ذلك، وبقي مع المسلمين حرًّا من الأحرار. وليس في قوله: (هذه حاجتك) ما يدلُّ على أن إسلامه ليس بصحيح، كما ظنه القائل الأول. وإنما معنى ذلك: هذه حاجتك حاضرة مُتيسِّرة.
стр. 2624
وَكَانَ القَومُ يُرِيحُونَ نَعَمَهُم بَينَ يَدَي بُيُوتِهِم، فَانفَلَتَت ذَاتَ لَيلَةٍ مِن الوَثَاقِ، فَأَتَت الإِبِلَ، فَجَعَلَت إِذَا دَنَت مِن البَعِيرِ رَغَا فَتَترُكُهُ، حَتَّى تَنتَهِيَ إِلَى العَضبَاءِ، فَلَم تَرغُ، قَالَ: وَنَاقَةٌ مُنَوَّقَةٌ فَقَعَدَت فِي عَجُزِهَا، ثُمَّ زَجَرَتهَا فَانطَلَقَت، وَنَذِرُوا بِهَا فَطَلَبُوهَا
ــ
قلت: وهذا الوجه الثاني أولى؛ لأنه لا نص في الحديث يردَّه، ولا قاعدة شرعية تبطله. والله تعالى أعلم.
و(قوله: وكان القوم يريحون نعمهم بين أيدي بيوتهم) النعم هنا: الإبل، وإراحتها: إناختها لتستريح من تعب السَّير ومشقة السفر.
و(بين أيدي بيوتهم) بمعنى: عند بيوتهم وبحضرتها.
و(قوله: وناقة مُنوَّقةٌ) أي: مذللة، مدرَّبة، لا نفرة عندها. وهي المجرَّبة أيضًا. هذا قول العلماء، ويظهر لي: أن كونها مدرَّبة ليس موجبا لئلا ترغو؛ لأنا قد شاهدنا من الأباعر والنُّوق ما لم يزل مدرَّبًا على العمل ومع ذلك فيرغو عند ركوبه، وعند الحمل عليه، وكأن هذه الناقة إنما كانت كذلك إما لأنها دربت على ترك الرُّغاء من صغرها، وإما لأنها كان لها هوًى في السَّير والجري لنشاطها، فكلما حركت بادرت لما في هواها، وإما لأنها خصَّت في أصل خلقتها بزيادة هدوء، أو كان غير ذلك ببركة ركوب رسول الله ﷺ عليها.
و(قوله: فقعدت في عجزها) أي: ركبتها. والعجز: المؤخر.
وقوله: (نذروا بها) أي: علموا. وهو بكسر الذال المعجمة في الماضي، وفتحها في المستقبل (نذارة) في المصدر. ونذر، ينذر - بفتحها في الماضي، وكسرها في المستقبل- نذرًا؛ أي: أوجب. يقال: نذرت بالشيء؛ أي: علمته ونذرت الشيء؛ أي: أوجبته. ابن عرفة: النذر: ما كان وعدًا على شرط، فإن لم يكن شرط لم يكن نذرًا. فلو قال: لله عليَّ صدقة؛ لم يكن ناذرًا حتى يقول: إن شفى الله مريضي، أو قدم غائبي.
стр. 2625
فَأَعجَزَتهُم، قَالَ: فَنَذَرَت لِلَّهِ إِن نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيهَا لَتَنحَرَنَّهَا، فَلَمَّا قَدِمَت المَدِينَةَ رَآهَا النَّاسُ، فَقَالَوا: العَضبَاءُ نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَت: إِنَّهَا نَذَرَت إِن نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيهَا لَتَنحَرَنَّهَا، فَأَتَوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: سُبحَانَ اللَّهِ، بِئسَمَا جَزَتهَا، نَذَرَت لِلَّهِ إِن نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيهَا لَتَنحَرَنَّهَا،
ــ
قلت: والمشهور عدم التفرقة، وأن كل ذلك نذر عند اللغويين والفقهاء. والإنذار: الإعلام بما يخاف منه.
و(قوله: أعجزتهم) أي: سبقتهم، ففاتتهم، فعجزوا عنها. ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَن نُعجِزَ اللَّهَ فِي الأَرضِ وَلَن نُعجِزَهُ هَرَبًا﴾؛ أي: لن نفوته، فلا يعجز عنا.
و(قوله: فنذرت لله: إن نجَّاها الله عليها لتنحرنَّها) ظنت هذه المرأة: أن ذلك النَّذر يلزمها بناء منها على أنها لما استنقذتها من أيدي العدو ملكتها، أو جاز لها التصرُّف فيها لذلك. فلمَّا أُعلم بذلك النبي ﷺ أجابها بما يوضح لها: أنَّها لم تملكها، وأن تصرُّفها فيها غير صحيح.
و(قوله ﷺ : (بئس ما جزتها) ذمٌّ لذلك النذر، من حيث إنه لم يصادف محلًا مملوكًا لها، ولو كانت ملكًا لها للزمها الوفاء بذلك النذر؛ إذ كان يكون نذر طاعةٍ، فيلزم الوفاء به اتفاقًا. هذا إن كان ذلك الذمُّ شرعيًّا. ويمكن أن يقال: إنَّما صدر هذا الذمُّ منه لأن ذلك النذر مستقبحٌ عادة؛ لأنه مقابلة الإحسان بالإساءة. وذلك: أن النَّاقة نجتها من الهلكة، فقابلتها على ذلك بأن تُهلكها. وهذا هو الظاهر من قوله ﷺ : (سبحان الله! بئس ما جزتها! نذرت لله: إن نجاها الله عليها لتنحرنَّها).
وفي هذا الحديث حجة: على أن ما وجد من أموال المسلمين بأيدي الكفار، وغلبوا عليه، وعرف مالكه؛ أنَّه له دون آخذه. وفيه مستروحٌ لقول من يقول: إن الكفار لا يملكون. وقد تقدَّم الكلام في ذلك.
стр. 2626
لَا وَفَاءَ لِنَذرٍ فِي مَعصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَملِكُ العَبدُ.
وَفِي رِوَايَةِ: لَا نَذرَ فِي مَعصِيَةِ اللَّهِ.
ــ
و(قوله: لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك العبد) ظاهر هذه الكلمة يدل على أن ما صدر من المرأة نذر معصية؛ لأنَّها التزمت أن تهلك ملك الغير، فتكون عاصية بهذا القصد. وهذا ليس بصحيح؛ لأن المرأة لم يتقدَّم لها من النبي ﷺ بيان تحريم ذلك، ولم تقصد ذلك، وإنَّما معنى ذلك - والله تعالى أعلم -: أن من أقدم على ذلك بعد التقدمة، وبيان: أن ذلك محرَّم: كان عاصيًا بذلك القصد. ولا يدخل في ذلك المعلَّق على الملك، كقوله: إن ملكت هذا البعير فهو هدي، أو صدقة؛ لأن ذلك الحكم معلَّق على ملكه، لا ملك غيره. وليس مالكا في الحال، فلا نذر. وقد تقدَّم الكلام على هذا في الطلاق والعتق المعلَّقين على الملك. وأن الصحيح لزوم المشروط عند وقوع الشرط. وفيه دليل: على أن من نذر معصية حرم عليه الوفاء بها، وأنَّه لا يلزمه على ذلك حكم بكفارة يمين، ولا غيره. إذ لو كان هنالك حكم لبيَّنه للمرأة؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وعليه جمهور العلماء. وذهب الكوفيون: إلى أنه يحرم عليه الوفاء بالمعصية، لكن تلزمه كفارة يمين؛ متمسكين في ذلك بحديث معتل عند أهل الحديث. وهو ما يروى من حديث عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال: (لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين) (١) ذكره أبو داود، والطحاوي، والصحيح من حديث عائشة ما خرَّجه البخاري عن النبي ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه) (٢) وليس فيه شيء من ذلك. والله تعالى أعلم.
ثم: النذر إمَّا طاعة، فيجب الوفاء به بالاتفاق، أو: معصية، فيحرم الوفاء به
стр. 2627
وفي رواية: كَانَت العَضبَاءُ لِرَجُلٍ مِن بَنِي عُقَيلٍ، وَكَانَت مِن سَوَابِقِ الحَاجِّ. وَقال: فَأَتَت عَلَى نَاقَةٍ ذَلُولٍ مُجَرَّسَةٍ.
وفي أخرى: وَهِيَ نَاقَةٌ مُدَرَّبَةٌ.
رواه أحمد (٤/ ٤٣٠)، ومسلم (١٦٤١)، وأبو داود (٣٣١٦)
* * *
ــ
بالاتفاق. أو: لا طاعة، ولا معصية، وهو المكروه والمباح، فلا يلزم الوفاء بشيء منهما. وهو مكروه؛ لأنه من تعظيم ما لا يعظم. وهو مذهب الجمهور. وشذَّ أحمد بن حنبل، فقال: إذا نذر مباحًا لزمه: إمَّا الوفاء به، أو كفارة يمين. وحيث قلنا: بلزوم الوفاء فلا اعتبار بالوجه الذي يخرج عليه النذر من تبرر، أو لجاج، أو غضبٍ، أو غير ذلك. وهو مذهب الجمهور. وقال الشافعي في نذر الحرج المعيَّن: مخرجه: هو بين الوفاء به، وبين كفارة يمين (١). وعموم قوله: (من نذر أن يطيع الله فليطعه) حجة. وكل ما روي في هذا الباب عن النبي ﷺ من قوله: (لا نذر في غضب، أو غيظ، وكفارته كفارة يمين) (٢) لا يصح من طرقه شيء عند أئمة المحدثين.
ومن أوضح الحجج في عدم وجوب الكفارة على أن من نذر معصية، أو ما لا طاعة فيه أنه لا تلزمه كفارة، حديث أبي إسرائيل الذي خرَّجه مالك مرسلًا، والبخاري، وأبو داود مسندًا عن ابن عبَّاس، وهذا لفظه: قال: بينما النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس فسأل عنه، فقالوا: هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. فقال: (مروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه) (٣). قال مالك: ولم أسمع أن رسول الله ﷺ أمره بكفارة.
стр. 2628
(٣) باب فيمن نذر أن يمشي إلى الكعبة
[١٧٤٢] عَن أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى شَيخًا يُهَادَى بَينَ ابنَيهِ قَالَ: مَا بَالُ هَذَا؟ قَالَوا: نَذَرَ أَن يَمشِيَ، فقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَن تَعذِيبِ هَذَا نَفسَهُ لَغَنِيٌّ. وَأَمَرَهُ أَن يَركَبَ.
رواه أحمد (٣/ ١١٤)، والبخاري (١٨٦٥)، ومسلم (١٦٤٢)، وأبو داود (٣٣٠١)، والترمذي (١٥٣٧)، والنسائي (٧/ ٣٠).
ــ
(٣) ومن باب: نذر المشي إلى بيت الله
(قوله: إنه رأى شيخًا يهادى بين رجلين (١)) أي: يمشي بينهما متوكئًا عليهما، كما فسَّره في الرواية الثانية. وكان يفعل ذلك لضعفه عن المشي. وفي هذا الحديث وحديث أخت عقبة المذكور بعد هذا - وهو أنصُّ مما قبله-؛ دليل على أن نذر المشي إلى البيت الحرام يجب الوفاء به لمن قدر عليه، فإن لم يقدر وجب عليه المضي راكبًا. وظاهرهما: لزوم المشي، وإن لم يذكر حجًّا ولا عمرة، كما هو مذهب مالك؛ لأنه لما سأله عقبة عمَّن نذر المشي إلى البيت مطلقا، فأجاب عنه، ولم يستفصل، تعيَّن حملُ الجواب على إطلاق ذلك السؤال؛ إذ لو اختلف الحال بقيدٍ لسأل عنه، أو لبيَّنه؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وإلى هذا ذهب الشافعي. وهو مروي عن عليّ، وابن عباس. وقال أبو حنيفة: إن لم يسم حجًّا ولا عمرة لم يلزمه مشيٌ، ولا شيء جملة واحدة. وقال الحسن البصري: إن نذر حجًّا أو عمرة فلا مشي عليه، ويركب وعليه دم. وقاله أبو حنيفة أيضًا. والحجة عليهما ما تقدَّم.
و(قوله ﷺ : (إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني) أي: لم يكلفه بذلك، ولم
стр. 2629
[١٧٤٣] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَدرَكَ شَيخًا يَمشِي بَينَ ابنَيهِ يَتَوَكَّأُ عَلَيهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا شَأنُ هَذَا؟ قَالَ ابنَاهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
ــ
يحوجه إليه؛ لأنه غير مستطيع. وفي اللفظ الآخر: (إن الله لغني عنك وعن نذرك) أي: عن مشيك الذي لا تستطيعه، لا أنَّ أصل النذر يسقط عنه؛ فإنَّه قد أمره بالرُّكوب. وخرجت هذه العبارة على ما تعارفناه بيننا: من أنَّ من استغنى عن شيء لم يلتفت إليه، ولم يعبأ به. وكيف لا، والله تعالى هو الغني الحميد، وكل الموجودات مفتقرة إليه افتقار ضعفاء العبيد.
وظاهر حديث هذا الشيخ: أنَّه كان قد عجز عن المشي في الحال، وفيما يأتي بعد، ولذلك لم يقل له النبي ﷺ ما قال لأخت عقبة: (مُرها فلتمش ولتركب) فإنَّها كانت ممن يقدر على بعض المشي، فأمرها أن تركب ما عجزت عنه، وتمشي ما قدرت عليه. وهذا هو المناسب لقواعد الشريعة. ولم يذكر لواحد منهما وجوب دم عليه، ولا ذكر لأخت عقبة وجوب الرُّجوع لتمشي ما ركبته.
فأمَّا من يئس عن المشي فلا رجوع عليه قولًا واحدًا، ولا يلزمه دم؛ إذ لم يخاطب بالمشي، فيكون الدَّم بدله، وإنما هو استحباب عند مالك.
وأمَّا من خوطب بالمشي فركب لموجب مرض، أو عجز: فيجب عليه الهدي عند الجمهور. وقال الشافعي: لا يجب عليه الهدي، ويختار له الهدي. وروي عن ابن الزبير: أنه لم يجعل عليه هديًا (١)؛ متمسِّكًا بما قررناه من الظاهر. وقد تمسَّك الجمهور بزيادةٍ زادها أبو داود والطحاوي في حديث عقبة، وهذا لفظه: قال عقبة بن عامر: أنه أتى النبي ﷺ فأخبره: أن أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافية ناشرة شعرها. فقال له النبي ﷺ : (مرها فلتركب، ولتختمر، ولتهد هديًا). وعند أبي داود: بدنة، وليس فيه: ناشرة شعرها. وزيادة الهدي قد رواها عن النبي ﷺ مع عقبة بن عامر ابنُ عبَّاس. ورواها عنهما الثقات، فلا سبيل
стр. 2630
كَانَ عَلَيهِ نَذرٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اركَب أَيُّهَا الشَّيخُ، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكَ وَعَن نَذرِكَ.
رواه أحمد (٢/ ٣٧٣)، ومسلم (١٦٤٣)، وأبو داود (٣٣٠١).
ــ
إلى ردَّها. وليس سكوت من سكت عنها حجة على من نطق بها. وقد عمل بها الجماهير من السلف وغيرهم.
ثم هل يجب عليه مع الهدي الرجوع فيمشي ما ركبه أم لا؟ اختلف فيه: فقيل: لا يجب عليه مطلقا. وإليه ذهب الشافعي، وأهل الكوفة، وهذا أحد قولي ابن عمر. وقيل: يرجع، وإليه ذهب سلف أهل المدينة، وابن الزبير، وهو القول الآخر عن ابن عمر. وفرَّق مالك فقال: إن كان المشي يسيرًا لم يرجع، ويرجع في الكثير، ما لم يرجع لبلده البعيدة، فيكفيه الدَّم.
قلت: والتمسَّك بحديث عقبة في ترك إيجاب الرُّجوع ظاهر، وعمل سلف أهل المدينة باهر.
و(قوله: إن الشيخ نذر أن يمشي) يعني به: إلى بيت الله؛ لأنَّه عرَّف المشي، كما قال عقبة: إن أخ هـ نذرت أن تمشي إلى بيت الله. وقال الطحاوي: إلى الكعبة. ولم يرد فيما صحَّ من الحديث أكثر من هذين اللفظين: بيت الله، والكعبة. وألحق العلماء بهما ما في معناهما، مثل أن يقول: إلى مكة، أو ذكر جزءًا من البيت. وهذا قول مالك وأصحابه. واختلف أصحابه فيما إذا قال: إلى الحرم، ، أو مكانًا من مدينة مكة، أو المسجد. هل يرجع إلى البيت أم لا؟ على قولين. وقال الشافعي: من قال: عليَّ المشي إلى شيء مما يشتمل عليه الحرم؛ لزمه. وإن ذكر ما خرج عنه، لم يلزمه. وبه قال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن حبيب من أصحابنا، إلا إذا ذكر عرفات؛ فيلزمه وإن كانت خارج الحرم. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه في هذا مشي ولا مسير في القياس، لكن الاستحسان في