← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

لَا وَفَاءَ لِنَذرٍ فِي مَعصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَملِكُ العَبدُ. وَفِي رِوَايَةِ: لَا نَذرَ فِي مَعصِيَةِ اللَّهِ. ــ و(قوله: لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك العبد) ظاهر هذه الكلمة يدل على أن ما صدر من المرأة نذر معصية؛ لأنَّها التزمت أن تهلك ملك الغير، فتكون عاصية بهذا القصد. وهذا ليس بصحيح؛ لأن المرأة لم يتقدَّم لها من النبي ﷺ بيان تحريم ذلك، ولم تقصد ذلك، وإنَّما معنى ذلك - والله تعالى أعلم -: أن من أقدم على ذلك بعد التقدمة، وبيان: أن ذلك محرَّم: كان عاصيًا بذلك القصد. ولا يدخل في ذلك المعلَّق على الملك، كقوله: إن ملكت هذا البعير فهو هدي، أو صدقة؛ لأن ذلك الحكم معلَّق على ملكه، لا ملك غيره. وليس مالكا في الحال، فلا نذر. وقد تقدَّم الكلام على هذا في الطلاق والعتق المعلَّقين على الملك. وأن الصحيح لزوم المشروط عند وقوع الشرط. وفيه دليل: على أن من نذر معصية حرم عليه الوفاء بها، وأنَّه لا يلزمه على ذلك حكم بكفارة يمين، ولا غيره. إذ لو كان هنالك حكم لبيَّنه للمرأة؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وعليه جمهور العلماء. وذهب الكوفيون: إلى أنه يحرم عليه الوفاء بالمعصية، لكن تلزمه كفارة يمين؛ متمسكين في ذلك بحديث معتل عند أهل الحديث. وهو ما يروى من حديث عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال: (لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين) (١) ذكره أبو داود، والطحاوي، والصحيح من حديث عائشة ما خرَّجه البخاري عن النبي ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه) (٢) وليس فيه شيء من ذلك. والله تعالى أعلم. ثم: النذر إمَّا طاعة، فيجب الوفاء به بالاتفاق، أو: معصية، فيحرم الوفاء به

стр. 2627

وفي رواية: كَانَت العَضبَاءُ لِرَجُلٍ مِن بَنِي عُقَيلٍ، وَكَانَت مِن سَوَابِقِ الحَاجِّ. وَقال: فَأَتَت عَلَى نَاقَةٍ ذَلُولٍ مُجَرَّسَةٍ. وفي أخرى: وَهِيَ نَاقَةٌ مُدَرَّبَةٌ. رواه أحمد (٤/ ٤٣٠)، ومسلم (١٦٤١)، وأبو داود (٣٣١٦) * * * ــ بالاتفاق. أو: لا طاعة، ولا معصية، وهو المكروه والمباح، فلا يلزم الوفاء بشيء منهما. وهو مكروه؛ لأنه من تعظيم ما لا يعظم. وهو مذهب الجمهور. وشذَّ أحمد بن حنبل، فقال: إذا نذر مباحًا لزمه: إمَّا الوفاء به، أو كفارة يمين. وحيث قلنا: بلزوم الوفاء فلا اعتبار بالوجه الذي يخرج عليه النذر من تبرر، أو لجاج، أو غضبٍ، أو غير ذلك. وهو مذهب الجمهور. وقال الشافعي في نذر الحرج المعيَّن: مخرجه: هو بين الوفاء به، وبين كفارة يمين (١). وعموم قوله: (من نذر أن يطيع الله فليطعه) حجة. وكل ما روي في هذا الباب عن النبي ﷺ من قوله: (لا نذر في غضب، أو غيظ، وكفارته كفارة يمين) (٢) لا يصح من طرقه شيء عند أئمة المحدثين. ومن أوضح الحجج في عدم وجوب الكفارة على أن من نذر معصية، أو ما لا طاعة فيه أنه لا تلزمه كفارة، حديث أبي إسرائيل الذي خرَّجه مالك مرسلًا، والبخاري، وأبو داود مسندًا عن ابن عبَّاس، وهذا لفظه: قال: بينما النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس فسأل عنه، فقالوا: هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. فقال: (مروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه) (٣). قال مالك: ولم أسمع أن رسول الله ﷺ أمره بكفارة.

стр. 2628

(٣) باب فيمن نذر أن يمشي إلى الكعبة [١٧٤٢] عَن أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى شَيخًا يُهَادَى بَينَ ابنَيهِ قَالَ: مَا بَالُ هَذَا؟ قَالَوا: نَذَرَ أَن يَمشِيَ، فقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَن تَعذِيبِ هَذَا نَفسَهُ لَغَنِيٌّ. وَأَمَرَهُ أَن يَركَبَ. رواه أحمد (٣/ ١١٤)، والبخاري (١٨٦٥)، ومسلم (١٦٤٢)، وأبو داود (٣٣٠١)، والترمذي (١٥٣٧)، والنسائي (٧/ ٣٠). ــ (٣) ومن باب: نذر المشي إلى بيت الله (قوله: إنه رأى شيخًا يهادى بين رجلين (١)) أي: يمشي بينهما متوكئًا عليهما، كما فسَّره في الرواية الثانية. وكان يفعل ذلك لضعفه عن المشي. وفي هذا الحديث وحديث أخت عقبة المذكور بعد هذا - وهو أنصُّ مما قبله-؛ دليل على أن نذر المشي إلى البيت الحرام يجب الوفاء به لمن قدر عليه، فإن لم يقدر وجب عليه المضي راكبًا. وظاهرهما: لزوم المشي، وإن لم يذكر حجًّا ولا عمرة، كما هو مذهب مالك؛ لأنه لما سأله عقبة عمَّن نذر المشي إلى البيت مطلقا، فأجاب عنه، ولم يستفصل، تعيَّن حملُ الجواب على إطلاق ذلك السؤال؛ إذ لو اختلف الحال بقيدٍ لسأل عنه، أو لبيَّنه؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وإلى هذا ذهب الشافعي. وهو مروي عن عليّ، وابن عباس. وقال أبو حنيفة: إن لم يسم حجًّا ولا عمرة لم يلزمه مشيٌ، ولا شيء جملة واحدة. وقال الحسن البصري: إن نذر حجًّا أو عمرة فلا مشي عليه، ويركب وعليه دم. وقاله أبو حنيفة أيضًا. والحجة عليهما ما تقدَّم. و(قوله ﷺ : (إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني) أي: لم يكلفه بذلك، ولم

стр. 2629

[١٧٤٣] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَدرَكَ شَيخًا يَمشِي بَينَ ابنَيهِ يَتَوَكَّأُ عَلَيهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا شَأنُ هَذَا؟ قَالَ ابنَاهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ــ يحوجه إليه؛ لأنه غير مستطيع. وفي اللفظ الآخر: (إن الله لغني عنك وعن نذرك) أي: عن مشيك الذي لا تستطيعه، لا أنَّ أصل النذر يسقط عنه؛ فإنَّه قد أمره بالرُّكوب. وخرجت هذه العبارة على ما تعارفناه بيننا: من أنَّ من استغنى عن شيء لم يلتفت إليه، ولم يعبأ به. وكيف لا، والله تعالى هو الغني الحميد، وكل الموجودات مفتقرة إليه افتقار ضعفاء العبيد. وظاهر حديث هذا الشيخ: أنَّه كان قد عجز عن المشي في الحال، وفيما يأتي بعد، ولذلك لم يقل له النبي ﷺ ما قال لأخت عقبة: (مُرها فلتمش ولتركب) فإنَّها كانت ممن يقدر على بعض المشي، فأمرها أن تركب ما عجزت عنه، وتمشي ما قدرت عليه. وهذا هو المناسب لقواعد الشريعة. ولم يذكر لواحد منهما وجوب دم عليه، ولا ذكر لأخت عقبة وجوب الرُّجوع لتمشي ما ركبته. فأمَّا من يئس عن المشي فلا رجوع عليه قولًا واحدًا، ولا يلزمه دم؛ إذ لم يخاطب بالمشي، فيكون الدَّم بدله، وإنما هو استحباب عند مالك. وأمَّا من خوطب بالمشي فركب لموجب مرض، أو عجز: فيجب عليه الهدي عند الجمهور. وقال الشافعي: لا يجب عليه الهدي، ويختار له الهدي. وروي عن ابن الزبير: أنه لم يجعل عليه هديًا (١)؛ متمسِّكًا بما قررناه من الظاهر. وقد تمسَّك الجمهور بزيادةٍ زادها أبو داود والطحاوي في حديث عقبة، وهذا لفظه: قال عقبة بن عامر: أنه أتى النبي ﷺ فأخبره: أن أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافية ناشرة شعرها. فقال له النبي ﷺ : (مرها فلتركب، ولتختمر، ولتهد هديًا). وعند أبي داود: بدنة، وليس فيه: ناشرة شعرها. وزيادة الهدي قد رواها عن النبي ﷺ مع عقبة بن عامر ابنُ عبَّاس. ورواها عنهما الثقات، فلا سبيل

стр. 2630

كَانَ عَلَيهِ نَذرٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اركَب أَيُّهَا الشَّيخُ، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكَ وَعَن نَذرِكَ. رواه أحمد (٢/ ٣٧٣)، ومسلم (١٦٤٣)، وأبو داود (٣٣٠١). ــ إلى ردَّها. وليس سكوت من سكت عنها حجة على من نطق بها. وقد عمل بها الجماهير من السلف وغيرهم. ثم هل يجب عليه مع الهدي الرجوع فيمشي ما ركبه أم لا؟ اختلف فيه: فقيل: لا يجب عليه مطلقا. وإليه ذهب الشافعي، وأهل الكوفة، وهذا أحد قولي ابن عمر. وقيل: يرجع، وإليه ذهب سلف أهل المدينة، وابن الزبير، وهو القول الآخر عن ابن عمر. وفرَّق مالك فقال: إن كان المشي يسيرًا لم يرجع، ويرجع في الكثير، ما لم يرجع لبلده البعيدة، فيكفيه الدَّم. قلت: والتمسَّك بحديث عقبة في ترك إيجاب الرُّجوع ظاهر، وعمل سلف أهل المدينة باهر. و(قوله: إن الشيخ نذر أن يمشي) يعني به: إلى بيت الله؛ لأنَّه عرَّف المشي، كما قال عقبة: إن أخ هـ نذرت أن تمشي إلى بيت الله. وقال الطحاوي: إلى الكعبة. ولم يرد فيما صحَّ من الحديث أكثر من هذين اللفظين: بيت الله، والكعبة. وألحق العلماء بهما ما في معناهما، مثل أن يقول: إلى مكة، أو ذكر جزءًا من البيت. وهذا قول مالك وأصحابه. واختلف أصحابه فيما إذا قال: إلى الحرم، ، أو مكانًا من مدينة مكة، أو المسجد. هل يرجع إلى البيت أم لا؟ على قولين. وقال الشافعي: من قال: عليَّ المشي إلى شيء مما يشتمل عليه الحرم؛ لزمه. وإن ذكر ما خرج عنه، لم يلزمه. وبه قال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن حبيب من أصحابنا، إلا إذا ذكر عرفات؛ فيلزمه وإن كانت خارج الحرم. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه في هذا مشي ولا مسير في القياس، لكن الاستحسان في

стр. 2631

[١٧٤٤] وعَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: نَذَرَت أُختِي أَن تَمشِيَ إِلَى بَيتِ اللَّهِ حَافِيَةً، فَأَمَرَتنِي أَن أَستَفتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَاستَفتَيتُهُ، فَقَالَ: لِتَمشِ وَلتَركَب. رواه البخاري (١٨٦٦)، ومسلم (١٦٤٤)، وأبو داود (٣٢٩٣)، والترمذي (١٥٤٤)، والنسائي (٧/ ١٩). * * * ــ قوله: إلى بيت الله، أو الكعبة، أو مكة فقط. وكل هذا إذا ذكر المشي، فلو قال: علي المسير إلى مكة، أو الانطلاق، أو الذهاب؛ فلا شيء عليه؛ إلا أن يقول: في حجٍّ، أو عمرةٍ، أو ينويهما. وتردد قول مالك في الرُّكوب، وأوجب أشهب الحج والعمرة فيهما، كالمشي. وكل هذا: إذا ذكر مكة، أو موضعًا منها على ما فصلناه. فلو قال: عليَّ المشي إلى مسجد من المساجد الثلاثة لم يلزمه المشي عند ابن القاسم، بل المضي إليها. وقال ابن وهب: يلزمه المشي. وهو القياس. ولو قال: إلى مسجد غير هذه الثلاثة، قال ابن الموَّاز: إن كان قريبًا كالأميال، لزمه المشي إليه، وإن كان بعيدًا لم يلزمه. * * *

стр. 2632

(٤) باب كفارة النذر غير المسمى كفارة يمين، والنهي عن الحلف بغير الله تعالى [١٧٤٥] عَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَفَّارَةُ النَّذرِ، كَفَّارَةُ اليَمِينِ. رواه مسلم (١٦٤٥)، وأبو داود (٣٣٢٣)، والترمذي (١٥٢٨)، والنسائي (٧/ ٢٦). ــ (٤) ومن باب: كفارة النذر غير المسمى (قوله: كفارة النَّذر كفارة اليمين) يعني به: النذر الذي لم يسمَّ مخرجه بدليلين: أحدهما: أن هذا الحديث قد رواه أبو داود من حديث ابن عبَّاس مرفوعًا: (من نذر نذرًا لم يسمه فكفارته كفارة يمين) (١)، فقيَّد في هذا الحديث ما أطلقه في حديث عقبة. وثانيهما: أنَّه ﷺ أمر أبا إسرائيل بإتمام الصوم الذي نذره (٢)، وقال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) (٣). ولا يتميَّزُ آحاد النوعين إلا بالتعيين والتسمية. والمفهوم من الأمر بالوفاء بالنذر: أن يفعل عين ما التزمه. وأما ما لم يعيّن

стр. 2633

[١٧٤٦] وعَن عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ يَنهَاكُم أَن تَحلِفُوا بِآبَائِكُم. قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا حَلَفتُ بِهَا مُنذُ سَمِعتُ ــ لفظًا ولا نية: فالأصل عدم لزومه. وما ذكرناه هو مذهب مالك، وأصحابه، وكثير من أهل العلم. وقد ذهبت طائفة من فقهاء المحدثين وأبو ثور (١): إلى أن كفارة اليمين تجري في جميع أبواب النذر تمسُّكًا بإطلاق الحديث الأول. والحجة عليهم ما ذكرناه. و(قوله: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) إنما نهى النبي ﷺ عن الحلف بالآباء لما فيه من تعظيمهم بصيغ الأيمان؛ لأن العادة جارية بأن الحالف منَّا إنما يحلفُ بأعظم ما يعتقده؛ كما بينَّاه. وإذا كان ذلك: فلا أعظم عند المؤمن من الله تعالى، فينبغي ألا يحلف بغيره، فإذا حلف بغير الله فقد عظم ذلك الغير بمثل ما عظم به الله تعالى، وذلك ممنوع منه. وهذا الذي ذكرناه في الآباء جار في كل محلوف به غير الله تعالى، وإنما جرى ذكر الآباء هنا لأنه هو السبب الذي أثار الحديث حين سمع النبي ﷺ عمر يحلف بأبيه. وقد شهد لهذا المعنى قوله: (من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله) وهذا حصرٌ، وعلى ما قررناه فظاهر النهي التحريم. ثم هذا النهي وإن كان ظاهره التحريم فيتحقق فيما إذا حدث بملة غير الإسلام، أو بشيء من المعبودات دون الله تعالى، أو ما كانت الجاهلية تحلف به كالدُّمى (٢)، والدِّماء، والأنصاب. فهذا لا يُشكُّ في تحريمه. وأما الحلف بالآباء، والأشراف، ورءوس السلاطين، وحياتهم ونعمهم (٣)، وما شاكل ذلك فظاهر هذا الحديث يتناولهم بحكم عمومه، ولا ينبغي أن يختلف في تحريمه. وأما ما كان معظمًا في الشرع مثل: والنبي ﷺ والكعبة، والعرش، والكرسي، وحرمة الصالحين: فأصحابنا يطلقون على الحلف بها الكراهة. وظاهر الحديث وما قدَّمناه من النظر

стр. 2634

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في المعنى يقتضي التحريم. والله تعالى أعلم. فإن قيل: كيف يحكم بتحريم الحلف بالآباء والنبي ﷺ قد حلف بذلك لما قال: (أفلح وأبيه إن صدق) (١)؟ وكيف يًحكَمُ بتحريم الحلف بغير الله وقد أقسم الله تعالى بغيره فقال: ﴿وَالضُّحَى﴾، ﴿وَالشَّمسِ﴾، ﴿وَالعَادِيَاتِ﴾، ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ وغير ذلك مما في كتاب الله تعالى من ذلك (٢)؟ فالجواب: أما عن قوله ﷺ : (أفلح وأبيه): فقد تقدَّم في الإيمان. وحاصله: أن ذلك يُحتَمَل أن يكون صدر منه قبل أن يوحى إليه بهذا النهي. ويحتمل أن يكون جرى هذا على لسانه من غير قصد للحلف به، كما يجري في لغو اليمين؛ الذي هو: لا والله، وبلى والله. وأما عن قسم الله تعالى بتلك الأمور فمن وجهين: أحدهما: أن المقسم به محذوف. تقديره: ورب الضحى. ورب الشمس، ونحو ذلك. قاله أكثر أئمة المعاني. وثانيهما: أن الله تعالى يقسم بما يريد كما يفعل ما يريد (٣)؛ إذ لا حكم عليه، ولا حاكم فوقه، ونحن المحكوم عليهم، وقد أبلَغَنا حكمه على لسان نبيه ﷺ فقال: (من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت (٤)) (٥)، و (من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله) (٦). فيجب الانقياد، والامتثال لحكم ذي العزة والجلال.

стр. 2635

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنهَا، ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا. رواه البخاري (٦٦٤٧)، ومسلم (١٦٤٦)، وأبو داود (٣٢٥٠)، والترمذي (١٥٣٣)، والنسائي (٧/ ٤) وابن ماجه (٢٠٩٤). [١٧٤٧] وعَن عَبدِ اللَّهِ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّهُ أَدرَكَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ فِي رَكبٍ، وَعُمَرُ يَحلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَادَاهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَا إِنَّ اللَّهَ يَنهَاكُم أَن تَحلِفُوا بِآبَائِكُم، فَمَن كَانَ حَالِفًا فَليَحلِف بِاللَّهِ أَو لِيَصمُت. وفي لفظ آخر: مَن كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحلِف إِلَّا بِاللَّهِ. وَكَانَت قُرَيشٌ تَحلِفُ بِآبَائِهَا، فَقَالَ: لَا تَحلِفُوا بِآبَائِكُم. ــ و(قوله: من كان حالفًا فليحلف بالله) لا يفهم منه قَصرُ اليمين الجائزة على الحلف بهذا الاسم فقط، بل حكم جميع أسماء الله تعالى حكم هذا الاسم. فلو قال: والعزيز، والعليم، والقادر، والسميع، والبصير؛ لكانت يمينًا جائزة. وهذا متفق عليه. وكذلك الحكم في الحلف بصفات الله تعالى؛ كقوله: وعزة الله، وعلمه، وقدرته، وما أشبه ذلك مما يَتَمَحَّضُ فيه الصفة لله تعالى، ولا ينبغي أن يختلف في هذا النوع أنها أيمان كالقسم الأول. وأما ما يضاف إلى الله تعالى مما ليس بصفة له كقوله: وخلق الله، ونعمته، ورزقه، وبيته؛ فهذه ليست بأيمان جائزة؛ لأنها حلف بغير الله ؛ على ما (١) تقدم. وبين هذين القسمين قسم آخر متردد بينهما، فاختلف فيه لتردده، كقوله: وعهد الله، وأمانته، وكفالته، وحقه. فعندنا: أنَّها أيمان ملحقة بالملحق بالقسم الأول؛ لأنها صفات. وعند الشافعي: ليست بأيمان. ورأى: أنها من القسم الثاني. وقول عمر: (فما حلفت بها ذاكرًا ولا آثرًا) أي: لم يقع مني الحلف بها. ولا تحدثت بالحلف بها عن غيري. وأثرت الحديث: نقلتَهُ عن غيرك.

стр. 2636

رواه البخاري (٦٦٤٦)، ومسلم (١٦٤٦) (٣ و ٤)، وأبو داود (٣٢٤٩)، والترمذي (١٥٣٤)، والنسائي (٧/ ٥). * * * (٥) باب النهي عن الحلف بالطواغي، ومن حلف باللات فليقل: لا إله إلا الله [١٧٤٨] عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَحلِفُوا بِالطَّوَاغِي وَلَا بِآبَائِكُم. رواه مسلم (١٦٤٨)، والنسائي (٧/ ٧)، وابن ماجه (٢٠٩٥). ــ (٥) ومن باب: النهي عن الحلف بالطواغي الطواغي: جمع طاغية، كالروابي: جمع رابية. والدوالي: جمع دالية. وهي مأخوذة من الطغيان، وهو: الزيادة على الحد. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى المَاءُ حَمَلنَاكُم فِي الجَارِيَةِ﴾؛ أي: زاد. وقد تقدَّم أن الطواغي، والطواغيت: كل معبود سوى الله تعالى في كتاب الإيمان. وقد تقرر أن اليمين بذلك محرم، ومع ذلك فلا كفارة فيه عند الجمهور لأجل الحلف بها، ولا لأجل الحنث فيها. أمَّا الأول؛ فلأن النبي ﷺ قد قال: (من قال: واللات والعزى (١) فليقل: لا إله إلا الله) ولم يذكر كفَّارة. ولو كانت لوجب تبيينها لتعيُّن الحاجة لذلك. وأمَّا الثاني: فليست بيمين منعقدة، ولا مشروعة فيلزم بالحنث فيها الكفارة (٢). وقد شذَّ بعض الأئمة (٣) وتناقَضَ، فيما إذا قال: أشرك بالله، أو اكفر بالله، أو هو يهودي، أو

стр. 2637

[١٧٤٩] وعَن أَبي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن حَلَفَ مِنكُم فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ، فَليَقُل: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَن قَالَ لِصَاحِبِهِ ــ نصراني، أو بريء من الإسلام، أو من النبي ﷺ ، أو من القرآن، وما أشبه ذلك. فقال: هي أيمانٌ يلزم بها كفارةٌ إذا حنث فيها. أما شذوذه: فلأنَّه لا سلفَ له فيه من الصحابة، ولا موافق له من أئمة الفتوى فيما أعلم. وأما تناقضه: فلأنَّه قال: لو قال: واليهودية، والنصرانية، والنبي، والكعبة؛ لم يجب عليه كفارة عنده مع أنها على صيغ الأيمان اللغوية، فأوجب الكفارة فيما لا يقال عليه يمين لا لغة ولا شرعا، ولا هو من ألفاظها، ولو عكس لكان أولى، وأمسَّ. ولا حجة له في آية كفارة اليمين؛ إذ تلك الكلمات ليست أيمانًا، كما بيَّناه. ولو سلَّمنا: أنها أيمان؛ فليست بمنعقدةٍ، فلا يتناولها العموم. ثم يلزم بحكم العموم أن يوجب الكفارة في كل ما يقال عليه يمين لغة، وعرفًا، ولم يقل بذلك. والله تعالى أعلم. و(قوله: من قال: واللات؛ فليقل: لا إله إلا الله) اللات، والعزى، ومناة: أصنام ثلاثة كانت في جوف الكعبة. وقيل: كانت اللات بالطائف. والعزى بغطفان، وهي التي هدمها خالد بن الوليد. ومناة بقديد. وقيل بالمشلل. فأمَّا اللات فقيل: إنَّهم أرادوا به تأنيث اسم الله تعالى. وقيل: أرادوا أن يسموا بعض آلهتهم باسم الله تعالى، فصرف الله ألسنتهم عن ذلك؛ فقالوا: اللات؛ صيانة لذلك الاسم العظيم أن يُسمَّى به غيره، كما صرف ألسنتهم عن نسب (١) محمد ﷺ إلى: مُذَمَّم، فكانوا إذا تكلموا باسمه في غير السَّبِّ قالوا: محمَّد، فإذا أرادوا أن يسبُّوه قالوا: مُذَمَّم. حتى قال النبي ﷺ : (ألا تعجبون! مِمَّا صرف الله عني من أذى قريش، يسبون مذمَّمًا، وأنا مُحمَّد) (٢). ولَمَّا نشأ القوم على تعظيم تلك الأصنام، وعلى الحلف بها، وأنعم الله عليهم بالإسلام بقيت تلك الأسماء تجري على

стр. 2638

تَعَالَ أُقَامِركَ فَليَتَصَدَّق. رواه أحمد (٢/ ٣٠٩)، والبخاري (٤٨٦٠)، ومسلم (١٦٤٧)، وأبو داود (٣٢٤٧)، والترمذي (١٥٤٥)، والنسائي (٧/ ٧)، وابن ماجه (٢٠٩٦). * * * ــ ألسنتهم من غير قصد للحلف بها، فأمر النبي ﷺ من نطق بذلك أن يقول بعده: لا إله إلا الله؛ تكفيرًا لتلك اللفظة، وتذكيرًا من الغفلة وإتمامًا للنعمة. وخص اللات بالذكر في هذا الحديث لأنها كانت أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم. وحكم غيرها من أسماء آلهتهم حكمها؛ إذ لا فرق بينها. والعزى: تأنيث الأعز، كالجُلَّى: تأنيث الأجل. و(قوله: من قال: تعال أقامرُك فليتصدق) القول فيه كالقول في اللات؛ لأنهم كانوا اعتادوا المقامرة. وهي من أكل المال بالباطل. ولما ذمَّها النبي ﷺ بالغ في الزجر عنها، وعن ذكرها، حتَّى إذا ذكرها الإنسان طالبًا للمقامرة بها؛ أمره بصدقة. والظاهر: وجوبها عليه؛ لأنها كفارةٌ مأمور بها، وكذلك قول: لا إله إلا الله؛ على من قال: واللات. ثم هذه الصَّدقة غير محدودة، ولا مقدَّرة، فيتصدق بما تيسَّر له مِمَّا يصدق عليه الاسم. كالحال في صدقة مناجاة الرسول ﷺ في قوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجوَاكُم صَدَقَةً﴾ فإنها غير مقدَّرة. وقال الخطابي: يتصدَّق بقدر ما أراد أن يقامر به، وليس في اللفظ ما يدل عليه، ولا في قواعد الشرع، ولا للعقل مجال في تقدير الكفارات. فهو تحكم. وأبعد من هذا قول من قال من الحنفية: إن المراد بها: كفارة اليمين. وهذا فاسد قطعًا؛ لأن كفارة اليمين ما هي صدقة فقط، بل عتق، أو كسوة، أو إطعام، فإن لم يجد فصيام. فكيف يصح أن يقال: أطلق الصدقة، وهو يريد به إطعام عشرة مساكين، وأنه مخيَّر بينه وبين غيره من الخصال المذكورة معه في الآية؛ وأيضًا:

стр. 2639

(٦) باب من حلف على يمين فرأى خيرًا منها فليكفر [١٧٥٠] عَن زَهدَمٍ الجَرمِيِّ، قَالَ: كُنَّا عِندَ أَبِي مُوسَى فَدَعَا بِمَائِدَتِهِ وَعَلَيهَا لَحمُ دَجَاجٍ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِن بَنِي تَيمِ اللَّهِ أَحمَرُ شَبِيهٌ بِالمَوَالِي فَقَالَ لَهُ: هَلُمَّ، فَتَلَكَّأَ، فَقَالَ: هَلُمَّ فَإِنِّي قَد رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأكُلُ مِنهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي رَأَيتُهُ يَأكُلُ شَيئًا فَقَذِرتُهُ، فَحَلَفتُ ألَا أَطعَمَهُ، فَقَالَ: هَلُمَّ ــ فإنه لا يتمشى على أصل الحنفية المتقدم الذكر، فإنهم قالوا: لا تجب الكفارة إلا بالحنث في قوله: هو يهودي، أو نصراني، إلى غير ذلك مما ذكروه. وهذا حكم معلَّق على نطق بقول ليس فيه يمين، ولا التزام، وإنما هو استدعاء للمقامرة. فأين الأرض من السماء؟ والعرش من الثَّرى؟ (٦) ومن باب: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر (قوله: إن أبا موسى دعا بمائدته وعليها لحم دجاج) يدل على أن أكل الطيِّبات على الموائد جائز معمولٌ به عندهم. وأن ذلك لا يناقض الزهد، ولا يُنقصه خلافًا لبعض متقشِّفة المتزهدة. وقول الرَّجل: (رأيته يأكل شيئًا فقذرته) يعني به: أنه رأى الدَّجاج يأكل نجاسة فاستقذره، فحلف ألا يأكله لذلك. وظاهر قول هذا الرجل؛ أنه كان يكره أكل ما يأكل النجاسات من الحيوانات. وقد اختلف في ذلك. فكرهه قوم، فكان ابن عمر لا يأكل الدَّجاجة حتَّى يقصرها أيامًا. ومثل ذلك روي عن ابن القاسم في الجدي الذي ارتضع على خنزيرة: إنَّه لا يذبح حتَّى يذهب ما في بطنه. وكره الكوفيون أكل لحوم الجلَاّلة، والشافعي: إن كان أكلُها أو غالبُه النجاسة، فإن كان غالبه الطَّهارة لم يكرهه. وأجاز مالك أكل لحوم الإبل الجلَاّلة، وأكل ما يأكل الجيف من الطَّير وغيره لبعد الاستحالة.

стр. 2640

أُحَدِّثكَ عَن ذَلِكَ: إِنِّي أَتَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي رَهطٍ مِن الأَشعَرِيِّينَ نَستَحمِلُهُ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَحمِلُكُم، وَمَا عِندِي مَا أَحمِلُكُم عَلَيهِ. فَلَبِثنَا مَا شَاءَ اللَّهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَهبِ إِبِلٍ، فَدَعَا بِنَا، فَأَمَرَ لَنَا بِخَمسِ ذَودٍ غُرِّ الذُّرَى، قَالَ: فَلَمَّا انطَلَقنَا قَالَ بَعضُنَا لِبَعضٍ: أَغفَلنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمِينَهُ، ــ قلت: وهذا محمول على ما إذا ذهب ما في بطونها من ذلك، كما حكيناه عن ابن القاسم، لأن مالكا قد قال في روث ما يأكل النجاسة وبوله: أنَّه نجس، بخلاف أصله في أن الأبوال تابعة للُّحوم. وكره ابن حبيب من أصحابنا أكل ما يأكل النجاسات مطلقا. قلت: وقد روى أبو داود من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ نهى عن أكل الجلَاّلة وألبانها (١). وهو حجة لابن حبيب؛ لولا أنَّه من رواية محمد بن إسحاق. و(قوله: فتَلَكَّأ) أي: تثاقل، وتأخر. و (نستحمله) أي: نسأله أن يحملنا؛ أي: يعطينا ما نتحمَّل عليه وبه، و (ن هبُ إبل) أي: غنيمتها. والنهب: الغنيمة. وكان أبو بكر ﵁ إذا أوتر من أول الليل قال: أحرزت نهبي؛ أي: غنيمتي. وقد تقدَّم الكلام في الذَّود في كتاب الزكاة. و(قوله: غُرِّ الذُّرى) غرُّ: جمع أغرُّ. وأصله: الذي في جبهته بياض من الخيل. و (الذُّرى): جمع ذروة، وهي: من كل شيء أعلاه. والمراد بـ (غُرّ الذُّرى): أن تلك الإبل كانت بيض الأسنمة. وقد روي: (بُقعُ الذُّرى) أي: فيها لمعٌ بيضٌ وسودٌ. ومنه قيل: الغراب الأبقع، والشَّاة البقعاء: إذا كانا كذلك. و(قوله: أغفَلنا رسول الله ﷺ يمينه) أي: وجدناه غافلًا عنها. كما تقول العرب: أحمدت الرَّجل: وجدته محمودًا. وأذممته: وجدته مذمومًا. فكأنه قال:

стр. 2641

لَا يُبَارَكُ لَنَا، فَرَجَعنَا إِلَيهِ فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أَتَينَاكَ نَستَحمِلُكَ، وَإِنَّكَ حَلَفتَ أَلَا تَحمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلتَنَا، فَنَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ إِن شَاءَ اللَّهُ لَا أَحلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيرَهَا خَيرًا مِنهَا إِلَّا أَتَيتُ الَّذِي هُوَ خَيرٌ وَتَحَلَّلتُهَا، فَانطَلِقُوا فَإِنَّمَا حَمَلَكُم اللَّهُ . ــ وجدناه غافلًا عنها، فاغتنمنا غفلته، فأخذنا منه في حال غفلته. و(قوله: لا يبارك لنا) أي: فيما أعطانا إن سكتنا عن ذلك ولم نعرّفه. وفيه من الفقه ما يدل على جواز اليمين عند التبرُّم، وجواز ردّ السَّائل المثقل عند تعذر الإسعاف، وتأديبه بنوع من الإغلاظ بالقول. وذلك: أنَّهم سألوه في حال تحقق فيها: أنَّه لم يكن عنده شيء فأدَّبهم بذلك القول، ثم: إنَّه ﷺ بقي مترقِّبًا لما يُسعِفُ به طِلبتَهُم، ويجبرُ به انكسارهم، فلمَّا يسَّر الله تعالى ذلك عليه أعطاهم، وجبرهم على مقتضى كرم خلقه. و(قوله: إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحلَّلتها)، وفي الرواية الأخرى: (إلا كفَّرتُ عن يميني، وأتيت الذي هو خير) اختلاف هاتين الروايتين أوجب اختلاف العلماء في الكفارة قبل الحنث هل تجزئ أم لا؟ على ثلاثة أقوال: جوازها مطلقا. وهو مذهب أربعة عشر من الصحابة، وجمهور الفقهاء. وهو مشهور مذهب مالك. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تجزئ بوجه. وهي رواية أشهب عن مالك. وقال الشافعي: تجزئ بالإطعام، والعتق، والكسوة. ولا تجزئ بالصَّوم. وقد ذكر أصحابنا للخلاف في هذه المسألة سببًا آخر. وهو اختلافهم في اليمين. هل هو جزء السبب، والحنث الجزء الآخر؟ أم ليس كذلك؟ بل وجود اليمين هو السبب فقط، والحنث شرط وجوب الكفارة. وبسط هذا في مسائل الخلاف. وذكر (١) مسلم في بعض طرق حديث أبي موسى الأشعري المردفة. حدثنا شيبان بن فرُّوخ، حدثنا الصَّعِقُ

стр. 2642

وفي رواية: إِلَّا كَفَّرتُ يَمِينِي، وَأَتَيتُ الَّذِي هُوَ خَيرٌ. رواه البخاري (٧٥٥٥)، ومسلم (١٦٤٩) (٩ و ٧)، وأبو داود (٣٢٧٦)، والنسائي (٧/ ٩). ــ ابن حَزن - بكسر العين - من الصعق، حدثنا مطر الوَّراق، حدثنا زَهدَم الجَرمِي. وهذا سندٌ فيه نظر. وذلك أن الدارقطني استدركه على مسلم؛ فقال: ابن الصَّعِق، ومطر ليسا بالقويين، ولم يسمع مطر من زُهدم. قلت: وهذا لا عتب على مسلم فيه، ولا نقص يلحق كتابه بسبب ذلك؛ لأنَّه قد أخرج الحديث من طرق كثيرة صحيحة، ثم أردف هذا السَّند بعد تلك الطرق الصحيحة المتصلة، ولذلك قال فيه: عن زهدم قال: دخلت على أبي موسى، وهو يأكل لحم دجاج، وساق الحديث بنحو حديثهم، وزاد فيه: قال: إني والله ما نسيت. فذكره مردفًا لأجل هذه اللفظة الزائدة، ثم هذا على ما شرطه في أول كتابه؛ حيث قَسَم الأسانيد إلى ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات. فهذا السَّند من الطبقة الأخيرة؛ التي هي دون من قبلها، وفيها مغمزٌ بوجه ما. وهذا يدل على أنه أدخل الثلاث الطبقات في كتابه خلافًا لمن زعم: أنه لم يدخل فيه من الطبقة الثالثة أحدًا. وذكر مسلم بعد هذا السند: ضُرَيب بن نُقَير عن زهدم. قال القاضي عياض: ضُرَيب بن نُقَير: مصغران، ونُفَير (١) هذا بالقاف أشهر. وهي رواية الصَّدفي، والأسدي، والتميمي من أشياخنا. وكذا قيَّدناه عنهم. وكان الخشني قيَّده بالفاء. وقال الحافظ أبو علي: يقال بهما، والقاف أشهر. وأمَّا جبير بن نُفَير: فلم يختلف أنه بالفاء. وقول أبي موسى: (وافقته وهو غضبان) (٢) وحلفه في تلك الحال يدلُّ

стр. 2643

[١٧٥١] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: أَعتَمَ رَجُلٌ عِندَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهلِهِ فَوَجَدَ الصِّبيَةَ قَد نَامُوا، فَأَتَاهُ أَهلُهُ بِطَعَامِهِ فَحَلَفَ لَا يَأكُلُ مِن أَجلِ صِبيَتِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَكَلَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيرَهَا خَيرًا مِنهَا، فَليَأتِهَا وَليُكَفِّر عَن يَمِينِهِ. وفي أخرى: فَليُكَفِّر عن يَمِينَهُ وَليَفعَل الَّذِي هُوَ خَيرٌ. رواه مسلم (١٦٥٠) (١١ و ١٤)، والترمذي (١٥٣٠). ــ لمالك: على صحة قوله بلزوم حكم اليمين الواقعة في حال الغضب. وهو له حجة على الشافعي حيث قال: إنَّها لا تلزم، كما تقدَّم. ويدلُّ أيضًا على قول مالك حديث عدي بن حاتم المذكور. و(قوله: أَعتَم رجل عند النبي ﷺ أي: تأخر عنده إلى عتمة الليل. وهي شدَّة ظلمته. ولعله يريد بذلك: أنه صلى مع رسول الله ﷺ العتمة، وكان النبي ﷺ قد أخرها منتظرًا للناس، فإنَّه ﷺ كان إذا رآهم قد اجتمعوا عجَّل، وإذا رآهم قد أبطئوا أخر؛ يعني: في العشاء الآخرة. و(قوله ﷺ : (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفِّر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير) هذا أمرٌ من النبي ﷺ بتقديم الكفَّارة على الحنث. وهو نصٌّ في الردِّ على أبي حنيفة، فإن أقل مراتب هذا الأمر أن يكون من باب الإرشاد إلى المصلحة. وأقل مراتب المصلحة أن تكون مباحة. فالكفارة قبل الحنث جائزة مجزية. وقد تضافر على هذا المعنى فعل النبي ﷺ المتقدِّم في حديث أبي موسى، وأمره هذا، وكذلك حديث عدي الآتي بعد هذا. و(قوله: فليفعل الذي هو خير) أي: الذي هو أكثر خيرًا؛ أي: الذي هو أصلح؛ يعني: من الاستمرار على موجب اليمين، أو ما يخالف ذلك مما يحنث

стр. 2644

[١٧٥٢] وعَن تَمِيمِ بنِ طَرَفَةَ قَالَ: جَاءَ سَائِلٌ إِلَى عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ فَسَأَلَهُ نَفَقَةً فِي ثَمَنِ خَادِمٍ أَو فِي بَعضِ ثَمَنِ خَادِمٍ، فَقَالَ: لَيسَ عِندِي مَا أُعطِيكَ، إِلَّا دِرعِي وَمِغفَرِي، قَالَ: فَأَكتُبُ إِلَى أَهلِي أَن يُعطُوكَهَا. قَالَ: فَلَم يَرضَ، فَغَضِبَ عَدِيٌّ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أُعطِيكَ شَيئًا. ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ رَضِيَ، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَولَا أَنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ثُمَّ رَأَى أَتقَى لِلَّهِ مِنهَا، فَليَأتِ التَّقوَى مَا حَنَّثتُ يَمِينِي. رواه مسلم (١٦٥١) (١٥). ــ به. والأصلح تارة يكون من جهة الثواب وكثرته. وهو الذي أشار إليه في حديث عدي، حيث قال: (فليأت التقوى). وقد يكون من حيث المصلحة الراجحة الدنيويَّة التي تطرأ عليه بسبب تركها حرجٌ ومشقَّةٌ. وهي التي أشار إليها النبي ﷺ بقوله: (لأن يلج أحدكم بيمينه آثم له عند الله من أن يكفر) (١) يعني بذلك: أن استمراره على مقتضى يمينه إذا أفضى به إلى الحرج - وهو المشقة - قد يفضي به إلى أن يأثم، فالأولى به أن يفعل ما شرع الله له من تحنيثه نفسه وفعل الكفارة (٢). وغضب عدي في الحديث الأول ويمينه سببهما: أن الرَّجل السائل لم يرض بالدِّرع والمغفر مع أنه لم يكن عنده غيرهما. ويمينه في الحديث الثاني وما يفهم من غضبه فيه سببه فيما يظهر من مساق الحديث: أن عديًّا استقل ما سُئِل منه. ألا ترى قوله: تسألني مائة درهم، وأنا ابن حاتم؟ ! فكأنه قال: تسألني هذا الشيء اليسير وأنا من عرفت؛ أي: نحن معروفون ببذل الكثير. فهذا سبب غير السبب

стр. 2645

[١٧٥٣] وعنه، قَالَ: سَمِعتُ عَدِيَّ بنَ حَاتِمٍ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ يَسأَلُهُ مِائَةَ دِرهَمٍ، قَالَ: تَسأَلُنِي مِائَةَ دِرهَمٍ وَأَنَا ابنُ حَاتِمٍ، وَاللَّهِ لَا أُعطِيكَ، ثُمَّ قَالَ: لَولَا أَنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، ثُمَّ رَأَى خَيرًا مِنهَا، فَليَأتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ. وفي رواية: فَرَأَى خَيرًا مِنهَا فَليُكَفِّرهَا وَليَأتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ. رواه مسلم (١٦٥١) (١٨ و ١٧)، والنسائي (٧/ ١١). * * * (٧) باب اليمين على نية المستحلف والاستثناء فيه [١٧٥٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيهِ صَاحِبُكَ. ــ الأول. هذا ظاهر الحديث، غير أن القاضي عياضا قال: معنى قوله عندي: وأنا ابن حاتم؛ أي: قد عُرِفت بالجود، وورثتُهُ، ولا يمكنني ردَّ سائلٍ إلا لعذر، وقد سأله ويعلم: أنه ليس عنده ما يعطيه، فكأنه أراد أن يبخله. فلذلك قال: والله لا أعطيك؛ إذ لم يعذره. قلت: وهذا المعنى إنما يليق بالحديث الأول، لا بالثاني. فتأمَّلهما. وفيه من الفقه: أن اليمين في الغضب لازمة كما تقدم. (٧) ومن باب: اليمين على نية المستحلف (قوله: يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك) يعني: أن يمينك التي يجوز لك أن تحلفها؛ هي التي تكون صادقة في نفسها، بحيث لو اطَّلع عليها صاحبك

стр. 2646

وفي رواية: يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ. رواه أحمد (٢/ ٢٢٨)، ومسلم (١٦٥٣)، وأبو داود (٣٢٥٥). [١٧٥٥] وعَنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اليَمِينُ عَلَى نِيَّةِ المُستَحلِفِ. رواه مسلم (١٦٥٣) (٢١). ــ لعلم: أنها حقٌّ وصدقٌ، وأن ظاهر الأمر فيها كباطنه، وسرَّه كعَلَنِه، فيصدقك فيما حلفت عليه. فهذا خطاب لمن أراد أن يُقدِم على يمين، فحقُّه أن يعرض اليمين على نفسه، فإن رآها كما ذكرناه حلف إن شاء، وإلا أمسك؛ فإنَّها لا تحل له. هذا فائدة هذا اللفظ. فأمَّا قوله: (اليمين على نيِّة المستحلف) فمقصوده: أن من توجَّهت عليه يمين في حق ادُّعي عليه به؛ فحلف على ذلك لفظًا، وهو ينوي غيره، لم تنفعه نيَّته، ولا يخرج بها عن إثم تلك اليمين. ويظهر من كلام الأئمة على هذين الحديثين: أن معنى الأول مردودٌ إلى الثاني، وما ذكرته أولى إن شاء الله تعالى. ويتبيَّن لك ذلك من سياق اللفظين. فتأملهما تجد ما ذكرته. وإذا تقرر هذا؛ فاعلم: أن اليمين إما أن يتعلَّق بها حق لآدمي أو لا. فإن لم يتعلَّق بها حق لآدمي، وجاء صاحبها مستفتيًا، ولم يضبط بشهادة؛ فله نيته. قال القاضي: ولا خلاف في ذلك نعلمه. وأما إن حلف لغيره في حق عليه؛ فلا خلاف أنه يحكم عليه بظاهر يمينه إذا قامت عليه بيّنَة، سواء حلف متبرعًا، أو مُستَحلفًا. وأمَّا فيما بينه وبين الله تعالى: فاختلف فيه قول مالك وأصحابه اختلافًا كثيرًا. فقيل: على نية المحلوف له. وقيل: على نية الحالف. وقيل: إن كان مستحلفًا؛ فاليمين على نيِّة المحلوف له. وإن كان متبرعًا؛ فعلى نيِّة الحالف. وهو ظاهر قول مالك، وابن القاسم. وقيل: عكسه. وقيل: تنفعه نيَّته فيما لا يقضى عليه فقط.

стр. 2647

[١٧٥٦] وعَنه، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ سُلَيمَانُ بنُ دَاوُدَ نَبِيُّ اللَّهِ: لَأَطيفَنَّ اللَّيلَةَ عَلَى سَبعِينَ امرَأَةً، كُلُّهُنَّ تَأتِي بِغُلَامٍ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ــ وروي عن مالك: إن كان على وجه المكر والخديعة؛ فهو آثم. وإن كان على وجه العُذر فلا. وعكسه ابن حبيب. ذكر هذه الأقوال كلها القاضي عياض، وقال: ولا خلاف في أن الحالف بما يقتطع به حق غيره ظالم، آثم، حانث. وقول سليمان: لأطيفن الليلة على سبعين امرأة) هذا الكلام قَسَمٌ، وإن لم يذكر فيه مُقسَم به؛ لأن لام (لأطيفن) هي التي تدخل على جواب القسم. فكثيرًا ما تحذف معها العرب المقسم به اكتفاءً بدلالتها على المُقسَم به، لكنها لا تدلُّ على مُقسَم به مُعَيَّن. وعلى هذا: ففيه من الفقه ما يدل على أن من قال: أحلف، أو أشهد، أو ما أشبه ذلك مما يفيد القسم، ونوى بذلك الحلف بالله تعالى؛ كانت يمينًا جائزة، منعقدة. وهو مذهب مالك. وقد قال الشافعي: لا تكون يمينًا بالله تعالى حتى يتلفظ بالمُقسَم به. وقال أبو حنيفة: هي يمين أراد بها اليمين بالله تعالى أم لا. وكأن الأولى ما صار إليه مالك؛ لأن ذلك اللفظ صالح وضعًا للقَسَم بالله تعالى، فإذا أراده الحالف؛ لزمه كسائر الألفاظ المقيدة بالمقاصد من العمومات، والمطلقات، وغير ذلك. وأمَّا إذا لم يرد باللفظ القَسَم أو القَسَم بغير الله تعالى؛ فلا يلزمه به شيء (١)؛ لأن الأوَّل لا يكون يمينًا، والثاني غير جائز، ولا مُنعَقد، فلا يلزم به حكم على ما تقدَّم. و(قوله: كُلُّهُنَّ تأتي بغلام يقاتل في سبيل الله) وفي اللفظ الآخر: (بفارس). قد تقدَّم القول في الغلام، وأنه الصغير. وأراد به ها هنا: الشاب المطيق للقتال. وهذا الكلام من سليمان ﷺ ظاهره الجزم على أن الله يفعل ذلك

стр. 2648

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الذي أراد، لكن الذي حمله على ذلك صدق نيته في حصول الخير، وظهور الدِّين، وفعل الجهاد، وغلبة رجاء فضل الله تعالى في إسعافه بذلك. ولا يظن به: أنه قطع بذلك على الله تعالى إلا من جهل حالة الأنبياء في معرفتهم بالله تعالى وبحدوده، وتأدبهم معه. ورواية العذري: (لأطوفن). ورواية الجماعة كما تقدم. وكلاهما صحيح في اللغة. يقال: أطفت بالشيء، أطيف به، وأنا مطيف. وطفت على الشيء، وبه، أطوف، وأنا طائف، كما قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيهَا طَائِفٌ مِن رَبِّكَ وَهُم نَائِمُونَ﴾ وأصله: الدَّوران حول الشيء. ومنه: الطواف بالبيت. وهو في هذا الحديث كناية عن الجماع، كما جاء عن نبينا ﷺ : أنَّه كان يطوف على نسائه، وهن تسع، في ساعة واحدة من ليل أو نهار (١). وهذا يدل على ما كان الله تعالى خصَّ به الأنبياء من صحة البنية، وقوة الفحولية، وكمال الرُّجولية، مع ما كانوا فيه من الجهد، والمجاهدات، والمكابدات على ما هو المعلوم من حال نبينا ﷺ وأنَّه توفي ولم يشبع من خبز البرِّ ثلاث ليال تباعًا (٢). وقد روي عن سليمان ﷺ : أنه كان يفترش الرَّماد، ويأكل خبز الرَّماد (٣). وهذا هو المعلوم من حال الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، ومن كان هذه حاله فالعادة جارية بأن يضعف عن الجماع، لكن خرق الله لهم العادة في أبدانهم، كما خرقها لهم في معجزاتهم، وأكثر أحوالهم.

стр. 2649

فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ أَو المَلَكُ: قُل: إِن شَاءَ اللَّهُ، ــ وقد اختلفت الرِّوايات في عدد النساء اللواتي طاف عليهن سليمان. ففي الأصل: ستون، وسبعون، وتسعون. وفي غير كتاب مسلم: مائة. والله تعالى أعلم أيُّ ذلك كان. و(قوله: قال له صاحبه أو الملك) هذا شكٌّ من أحد الرواة في الذي قاله النبي ﷺ منهما. فإن كان صاحبه، فيعني به: وزيره من الإنس، أو الجن. وإن كان الملك؛ فهو الذي كان يأتيه بالوحي. وقد أبعد من قال: هو خاطره. و(قوله: قل: إن شاء الله) هذا تذكير له بأن يقول بلسانه، لا أنه غفل عن التفويض إلى الله تعالى بقلبه؛ فإن ذلك بعيدٌ على الأنبياء، وغير لائق بمناصبهم الرفيعة، ومعارفهم المتوالية. وإنَّما هذا كما قد اتفق لنبينا ﷺ لما سئل عن الرُّوح، والخضر، وذي القرنين؛ فوعدهم بأن يأتي بالجواب غدًا، جازمًا بما عنده من معرفته بالله تعالى، وصدق وعده في تصديقه، وإظهار كلمته، لكنه ذهل عن النطق بكلمة: (إن شاء الله) لا عن التفويض إلى الله تعالى بقلبه، فأُدِّب بأن تأخر الوحي عنه؛ حتى رموه بالتكذيب لأجلها. ثم إن الله تعالى علَّمه وأدَّبه بقوله: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فكان بعد ذلك يستعمل هذه الكلمة حتى في الواجب (١). وهذا لعلوِّ مناصب الأنبياء، وكمال معرفتهم بالله تعالى، يناقشون، ويعاتبون على ما لا يعاتب عليه غيرهم، كما قد قال النبي ﷺ في حق لوط: (ويرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد) (٢) فعتب عليه نطقه بكلمة يسوغ لغيره أن ينطق بها، وقد استوفينا هذا المعنى فيما تقدَّم.

стр. 2650

فَلَم يَقُل وَنَسِيَ، فَلَم تَأتِ وَاحِدَةٌ مِن نِسَائِهِ إِلَّا وَاحِدَةٌ جَاءَت بِشِقِّ غُلَامٍ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَلَو قَالَ: إِن شَاءَ اللَّهُ، لَم يَحنَث وَكَانَ دَرَكًا لحَاجَتِهِ. ــ و(قوله: فلم يقل، ونسي) أي: لم ينطق بتلك الكلمة ذهولًا ونسيانًا، أنساه الله تعالى إيَّاها لينفذ قدر الله تعالى الذي سبق به علمه، من جعل ذلك النسيان سببًا لعدم وقوع ما تمنَّاه وقصده سليمان ﵇. و(قوله: فلو قال: إن شاء الله لم يحنث) دليل على جواز قول: (لو) و (لولا) بعد وقوع المقدور. وقد وقع من ذلك مواضع كثيرة في الكتاب، والسُّنة، وكلام السَّلف، كقوله تعالى: ﴿لَو أَنَّ لِي بِكُم قُوَّةً أَو آوِي إِلَى رُكنٍ شَدِيدٍ﴾ وكقوله: ﴿وَلَولا رِجَالٌ مُؤمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤمِنَاتٌ﴾ وكقوله ﷺ : (لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدَّهر، ولولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام، ولم يخنز اللحم) (١). فأمَّا قول النبي ﷺ في الصحيح: (لا يقولن أحدكم: لو؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان (٢)) فمحمول على من يقول ذلك معتمدًا على الأسباب، مُعرضًا عن المقدور، أو متضجرًا منه، كما حكاه الله تعالى من قول المنافقين حيث قالوا: ﴿لَو أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ ثم ردَّ الله قولهم، وبيَّن لهم عجزهم، فقال: ﴿قُل فَادرَءُوا عَن أَنفُسِكُمُ المَوتَ إِن كُنتُم صَادِقِينَ﴾ ولذلك قال ﷺ في ذلك الحديث: (المؤمن القوي خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، ولا تقل: لو كان كذا لكان كذا؟ فإن لو تفتح عمل الشيطان. قل: ما شاء الله كان، وما شاء فعل) (٣)، فالواجب عند وقوع المقدور التسليم لأمر الله، وترك الاعتراض على

стр. 2651

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الله، والإعراض عن الالتفات إلى ما فات. فيجوز النطق بـ (لو) عند السلامة من تلك الآفات. والله تعالى أعلم. وفيه دليل على أن اليمين بالله تعالى إذا قرن بها (إن شاء الله) لفظًا منويًّا؛ لم يلزم الوفاء بها، ولا يقع الحنث فيها. ولا خلاف في ذلك. واختلفوا فيما إذا وقع الاستثناء منفصلًا عن اليمين. فالجمهور: على أنه لا ينفع (١) الاستثناء حتى يكون متصلًا به، منويا معه، أو مع آخر حرف من حروفه. وإليه ذهب مالك، والشافعي، والأوزاعي، والجمهور. وقد اتفق مالك والشافعي: على أن السُّعال، والعِطَاس، وما أشبه ذلك لا يكون قاطعًا إذا كان ناويًا له. وقال بعض أصحابنا: لا ينفع الاستثناء إلا أن ينويه قبل نطقه بجميع حروف اليمين. وعند هؤلاء: أن السكوت المختار الذي يقطع به كلامه، أو يأخذ في غيره لا ينفع معه الاستثناء. وكان الحسن، وطاوس، وجماعة من التابعين يرون للحالف الاستثناء ما لم يقم من مجلسه. وقال قتادة: ما لم يقم أو يتكلم. وعن عطاء: قَدر حلبة ناقة. وعن سعيد بن جبير: بعد أربعة أشهر. وروي عن ابن عباس: بعد سنة. وقد أنكرت هذه الرواية عنه، وضُعفت، وتأولها بعضهم: بأن له أن يستثني امتثالًا لأمر الله: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ لا لحل اليمين. والصحيح الأول إن شاء الله؛ لأنه لو لم يشترط الاتصال لما انعقدت يمين، ولا تصوَّر عليها ندم، ولا حنث، ولا احتيج للكفَّارة فيها. وكل ذلك حاصل بالاتفاق. فاشتراط الاتصال صحيح. ولتفصيل هذه الجملة علم الخلاف. وقد احتجَّ من قال بفصل الاستثناء بما قال في هذا الحديث: إن سليمان ﵇ لما حلف قال له صاحبه - أو الملك -: قل: إن شاء الله. ووجهه:

стр. 2652

وفي رواية: عَلَى تِسعِينَ امرَأَةً كُلُّهَا تَأتِي بِفَارِسٍ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ــ أنَّه إنَّما عرض عليه الاستثناء بعد فراغه من اليمين. فلو قالها بعد فراغ قول الصَّاحب لكان قولها غير متصل باليمين، ومع ذلك (١)، فلو قالها لكانت تنفع، ولم يحنث، كما قال النبي ﷺ : (لو قال: إن شاء الله لم يحنث). والجواب: منع أنه قاله بعد فراغه من اليمين. بل لعلَّه قال ذلك في أضعاف يمينه؛ لأن يمينه تلك كثرت كلماتها فطالت. وليس ذلك الاحتمال بأولى من هذا، فلا حجة فيه، لا له، ولا عليه. وقد احتجَّ المخالف أيضًا بما رواه أبو داود عن عكرمة - مولى ابن عباس -: أن رسول الله ﷺ قال: (والله لأغزون قريشًا! والله لأغزون قريشًا! والله لأغزون قريشًا! ) ثم قال: (إن شاء الله)، وفي رواية: ثم سكت، ثم قال: (إن شاء الله) (٢). وهذا مرسل. وقد أُسند من حديث عبد الواحد بن صفوان. وليس حديثه بشيء على ما قاله أهل الحديث. والمرسل هو الصحيح. قلت: وهذا الحديث حجة ظاهرة على جواز الفصل بالسُّكوت اليسير، وأن ذلك القدر ليس بقاطع؛ لأن الحال شاهدة على الاتصال، لكن عند من يقبل المرسل. ويحتمل أن يكون ذلك السكوت عن غلبة نفس خارج أو أمر طارئ. وفيه بُعد. ثم اختلف العلماء في الاستثناء بمشيئة الله تعالى؛ هل يرفع حكم الطلاق، والعتاق، والمشي لمكة، وغيرها من الأيمان بغير الله تعالى، أم لا؟ فذهب مالك والأوزاعي: إلى أن ذلك لا يرفع شيئًا من ذلك. وذهب الكوفيون، والشافعي، وأبو ثور، وبعض السَّلف: إلى أنه يرفع ذلك كله. وقصر الحسن الرفع على العتق، والطلاق خاصة.

стр. 2653

اللَّهِ، وفيها: فَلَم تَحمِل مِنهُنَّ إِلَّا امرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، فَجَاءَت بِشِقِّ رَجُلٍ، وَايمُ الَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَو قَالَ: إِن شَاءَ اللَّهُ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرسَانًا أَجمَعُونَ. ــ قلت: وسببُ الخلاف اختلافهم في معنى قوله ﷺ فيما رواه النسائي من حديث ابن عمر من طرق متعددة، وهو صحيح، عن النبي ﷺ أنه قال: (من حلف على يمين؛ فقال: إن شاء الله؛ فهو بالخيار، إن شاء مضى، وإن شاء ترك)، وفي رواية: (إن شاء ترك غير حنث) (١). فحمل مالك ومن قال بقوله هذا الحديث على اليمين الجائزة، وهي اليمين بأسماء الله وصفاته بناء على أنه هو المقصود الأصلي، واليمين العرفي. وحمله المخالف على العموم في كل ما يمكن أن يقال عليه يمين. قلت: والصحيح الأول؛ لما قدَّمناه: من أن هذا النوع الذي قد أطلق عليه الفقهاء يمينًا لا يُسمَّى يمينًا لا لغةً، ولا شرعا؛ إذ ليس من ألفاظها اللغوية، ولا من معانيها الشرعية، كما بيَّناه. و(قوله: قل: إن شاء الله) دليل على صحة قول من يقول: إن الاستثناء لا يصحُّ إلا بالقول، ولا يصح بالنيَّة المجردة. وهو قول كافة العلماء، وأئمة أهل الفتيا. وقال بعض متأخري شيوخنا: إنه يصحُّ بالنيَّة كالمحاشاة؛ فإنَّهم اتفقوا على أنها تصحُّ بالنيَّة (٢). وفرَّق المتقدمون بين الاستثناء وبين والمحاشاة؛ بأن الاستثناء رفعٌ لأصل اليمين. والمحاشاة رفعٌ لبعض ما تناولته اليمين، فافترقا. و(قوله: وايم الذي نفس محمدٍ بيده! ) قد قدمنا ذكر خلاف النحويين في:

стр. 2654

رواه البخاري (٣٤٢٤)، ومسلم (١٦٥٤) (٢٣ و ٢٥)، والنسائي (٧/ ٢٥). * * * ــ (ايم الله) واللغات المذكورات فيه فيما تقدَّم. والكلام هنا في بيان حكمها. فحكى ابن خواز منداذ، والطحاوي عن مالك: أنَّها يمين. وبه قال الشافعي، وأصحاب أبي حنيفة، وابن حبيب من أصحابنا. وفي كتاب محمَّد عن مالك: أخشى أن تكون يمينًا. قلت: وعلى كونها يمينًا جائزة يدلُّ قَسَم النبي ﷺ بها، ويتمشى ذلك على قول الفراء: إنها جمعُ يمين. وهو الذي اختاره أبو عبيد. واستدل عليه بقول زهير: فَتُجمَع أَيمُنٌ مِنَّا وَمِنكُم ... . . . . . . . . . . . . . . (١) قال: وكثر استعمالهم فيه، فحذفوا النون، كما حذفوا نون (لم يك). قلت: ويلزم على هذا: أن الحالف به يلزمه ثلاثة أيمان؛ لأن الثلاثة أقل مراتب الجمع. وأمَّا على ما فسَّره سيبويه: من أنه مأخوذ من اليُمن والبركة فلا يلزم بها كفارة؛ لأن الحالف بها كأنَّه قال: وبركة الله، ويُمن الله. وذلك راجع إلى الحلف بفعل من أفعال الله تعالى؛ كما لو قال: ورزق الله، وفضل الله. وحينئذ تكون يمينًا غير جائزة، ولو كان ذلك لما حلف بها النبي ﷺ . فإذًا قول الفراء أولى، إن شاء الله تعالى.

стр. 2655

(٨) باب ما يخاف من اللجاج في اليمين، وفيمن نذر قربة في الجاهلية [١٧٥٧] عَن أَبي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَاللَّهِ لَأَن يَلَجَّ أَحَدُكُم بِيَمِينِهِ فِي أَهلِهِ آثَمُ لَهُ عِندَ اللَّهِ مِن أَن يُعطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ. رواه البخاري (٦٦٢٥)، ومسلم (١٦٥٥). ــ (٨) ومن باب: ما يخاف من اللجاج في اليمين (قوله: والله لأن يلج أحدكم في يمينه (١)) اللجاج في اليمين: هو المضي على مقتضاها؛ وإن لزم من ذلك حرج، ومشقَّة، أو ترك ما فيه منفعة عاجلة، أو آجلة. فإن كان فيه شيء من ذلك فالأولى له: تحنيث نفسه، وفعل الكفارة على ما تقدَّم (٢). و(قوله: آثم له عند الله من أن يعطي ما فرض الله من الكفارة (٣)) أي: أكثر إثما. وذلك إنما يكون إذا لزم من المضي في اليمين ترك واجب، هذا ظاهره. ويحتمل ما قدمناه في معنى هذا الحديث. وفيه ما يدل: على أن الكفارة واجبة على من حنث. وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ ولا خلاف في ذلك.

стр. 2656

[١٧٥٨] وعَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَذَرتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَن أَعتَكِفَ لَيلَةً فِي المَسجِدِ الحَرَامِ؟ قَالَ: فَأَوفِ بِنَذرِكَ. ــ وقول عمر: (إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة)، وفي الرواية الأخرى: (يومًا في المسجد الحرام). فقال: (أوف (١) بنذرك) ظاهره: لزوم نذر الكافر إذا أوجبه على نفسه في حال كفره؛ إذا كان من نوع القرب؛ التي يوجبها المسلمون، غير أنه لا يصح منه إيقاعه في حالة كفره لعدم شرط الأداء؛ الذي هو الإسلام. فأمَّا إذا أسلم وجب عليه الوفاء. وبذلك قال الشافعي، وأبو ثور، والمغيرة المخزومي، والبخاري، والطبري. ورأوا أن قوله ﷺ : (أوف بنذرك) على الوجوب. وذهب مالك، والكوفيون: إلى أنَّه لا يلزمه شيء من ذلك؛ لا عتق، ولا صوم، ولا اعتكاف؛ لعدم تصوُّر نيَّة القربة منهم حالة كفرهم. واعتذروا عن ظاهر الحديث: بأن قول عمر: نذرت في الجاهلية. إنما يريد: في أيام الجاهلية، لا أنه كان هو في الجاهلية. ومنهم من قال: إن هذا الأمر على جهة النَّدب. قلت: والاعتذاران ضعيفان؛ لأنهما خلاف الظاهر من مساق الحديث، ومن ظاهر الأمر. وأما قولهم: لا يلزمهم شيء من نذر تلك القرب؛ لأنه لا تصح نيَّة التقرُّب منهم؛ فقول لا يصبر على السبر؛ لأنا نقول: لا يلزم من كون العبادة لا تصحُّ من المكلَّف إلا أن يكون مخاطبًا بها؛ لأنَّا نجوز التكليف بالمشروط حالة عدم شرطه الممكن التحصيل. كما يؤمر الكافر بالإيمان بالرُّسول حالة عدم معرفة المرسل (٢)، والمحدث في الصلاة حالة الحدث، والبعيد عن مكة بالحج. وسر هذا: أنه لما كانت هذه الشروط ممكنة التحصيل للمكلَّف؛ أُمِر بفعل المشروط.

стр. 2657

وفي رواية: إِنِّي نَذَرتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَن أَعتَكِفَ يَومًا فِي المَسجِدِ الحَرَامِ، فَكَيفَ تَرَى؟ قَالَ: اذهَب فَاعتَكِف يَومًا. رواه أحمد (١/ ٣٧)، والبخاري (٢٠٤٢)، ومسلم (١٦٥٦) (٢٧ و ٢٨)، وأبو داود (٣٣٢٥)، والترمذي (١٥٣٩)، وابن ماجه (٢١٢٩). * * * ــ ويتضمن ذلك الأمر (١) الأمر بتحصيل ما لا يصح ذلك المشروط إلا به. وهذه مسألة خطاب الكفار بفروع الشريعة. وقد ذكرنا في أصول الفقه: أن الصحيح أنهم مخاطبون بها، وأنه الصحيح من مذهب مالك وغيره من العلماء. وعلى هذا: فيلزم الكافر ما نذره في حال كفره، كما هو الظاهر من حديث عمر ﵁ هذا. وكذلك يلزمه عتق ما أعتق، وصدقة ما تصدَّق به. فإن أسلم صحَّت له تلك الأعمال كلّها، وأُثيب عليها، كما هو الظاهر من قوله ﷺ لحكيم بن حزام: (أسلمتَ على ما أسلفتَ عليه من خير) (٢). ومالك - حيث لم يلزمه بشيء - إنما بناه على القول الآخر عنه: في أن الكفار ليسوا مخاطبين بالفروع. والصحيح المشهور من مذهبه، ومذهب أصحابه: أنهم مخاطبون بها. وعلى هذا: يخرج من مذهبه قول آخر في إلزام الكفار ما التزموه من النَّذر والعتق في حالة الكفر. والله تعالى أعلم. و(قوله: أنه نذر أن يعتكف ليلة) يحتجُّ به من يجيز الاعتكاف بالليل وبغير صوم. ولا حجة له فيه؛ لأنه قد قال في الرواية الأخرى (٣): (أنَّه نذر أن يعتكف

стр. 2658

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يومًا) والقصة واحدة. فدلَّ مجموع الروايتين: على أنَّه نذر يومًا وليلة، غير أنه أفرد أحدهما بالذكر لدلالته على الآخر، من حيث: إنهما تلازما في الفعل، ولهذا قال مالك: إن أقل الاعتكاف يومٌ وليلةٌ، فلو نذر أحدهما لزمه تكميله بالآخر. ولو سلمنا: أنَّه لم يجئ لليوم ذكر لما كان في تخصيص الليلة بالذكر حجة؛ لإمكان حمل ذلك الاعتكاف على المجاورة؛ فإنَّها تُسمَّى اعتكافًا لغةً. وهي تصحُّ بالليل والنهار، وبصوم وبغير صوم. والله تعالى أعلم. * * *

стр. 2659

(٢٢) كتاب القسامة والقصاص والديات (١) باب في كيفية القسامة وأحكامها [١٧٥٩] عَن سَهلِ بنِ أَبِي حَثمَةَ: أَنَّهُ أَخبَرَ عَن رِجَالٍ مِن كُبَرَاءِ قَومِهِ: أَنَّ عَبدَ اللَّهِ بنَ سَهلٍ، وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيبَرَ مِن جَهدٍ أَصَابَهُم، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ فَأَخبَرَ: أَنَّ عَبدَ اللَّهِ بنَ سَهلٍ قَد قُتِلَ، فطُرِحَ فِي عَينٍ أَو فَقِيرٍ، فَأَتَى يَهُودَ فَقَالَ: أَنتُم وَاللَّهِ قَتَلتُمُوهُ، قَالَوا: وَاللَّهِ مَا قَتَلنَاهُ، ثُمَّ أَقبَلَ حَتَّى ــ (٢٢) كتاب القسامة والقصاص (١) ومن باب: كيفية القسامة وأحكامها في الصِّحاح: يقال: أقسمت: حلفت. وأصله من القسامة، وهي: الأيمانُ تُقسَمُ على الأولياء في الدَّم. والقَسَمُ - بالتحريك -: اليمين. وكذلك: المَقسَم. وهو المصدر. مثل: المَخرَج. والمَقسَم أيضًا: موضع القسم. قال زهير: . . . . . . . . . . . . . . . . . ... بِمَقسَمةٍ تَمُورُ بها الدِّماءُ (١) [يعني: بمكة] (٢). (قوله: فأتى مُحَيِّصةُ فقال: أنتم والله قتلتموه) ظاهره: أنَّه لم يكن هناك

стр. 2660

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لوثٌ (١) يستند إليه في دعواه على اليهود إلا كون القتيل وجد في محلَّتِهم وقريتهم. وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، والثوري، ومعظم الكوفيين. فرأوا: أن ذلك لوثٌ يوجب القسامة، ولم يروا لوثًا غيره تمسُّكًا بهذا الحديث. ولم ير الجمهور: مالك، والشافعي، والليث، وأحمد، وداود، وغيرهم، ذلك لوثًا موجبًا للقسامة، والقتيل هَدر؛ لأنه قد يقتل الرَّجلُ الرَّجل ويلقيه في محلَّة القوم لِيُلَطِّخَهُم (٢) به، غير أن الشافعي قال: إلا أن يكون مثل القصة التي حكم فيها النبي ﷺ في خيبر، فتجبُ فيها القسامة؛ لما بين اليهود والأنصار من العداوة، ولأنه لم يكن هنالك سواهم؛ ولأن عبد الله خرج بعد العصر، فوُجد قتيلًا قبل الليل. ونحوه قال أحمد. وقد تأول النسائي هذا على مالك. قلت: وحاصل ما قال هؤلاء: إن هذه القضية اجتمعت فيها قرائن غير كون القتيل وجد في محلتهم، وإنَّ المحلَّة لم تنفرد باللوث، بل مجموع ما أبدوه من القرائن. وما قالوه صحيح؛ إذ لا مُعيّن، ولا مخصص، ولا ما يدل على إلغاء ما أبدوه. وقد اختلف العلماء في الأمور التي تكون لوثًا. ومجموع ما اختلف فيه من ذلك سبعة أمور: أحدها: المحلَّة، وقد ذكرناها. وثانيها: قول القتيل: دمي عند فلان. أو فلان قتلني عمدًا. أو ضربني؛ وجد به أثر، أو لم يوجد. فقال مالك، والليث: إنه لوث يوجب القسامة. قال

стр. 2661

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مالك: إنه مِمَّا اجتمع عليه في الحديث والقديم، وروي عن عبد الملك بن مروان. وشَرَط بعض أصحاب مالك وجود الأثر والجرح، وتمسَّك مالك في ذلك بقصّة قتيل بقرة بني إسرائيل، فإنَّه لَمَّا حيي القتيل قال: فلان قتلني (١). فاعتمد على ذلك، وبأن المسلم المُشرِف على الموت لا يُتَّهم بكذبٍ يُسفَكُ به دمُ مسلم عند آخر عهده بالدنيا، فظاهر حاله الصدق. وقد خالفه في ذلك سائر العلماء، ولم يروا شيئًا من ذلك لوثا. وثالثها: شهادة غير البيِّنة القاطعة. ولم يختلف قول مالك، والشافعي، والليث: في أن الشاهد الواحد العدل ولفيف الناس لوث (٢)؛ واختلف قول مالك في الواحد غير العدل، وفي المرأة. هل ذلك لوث، أم لا؟ وجعل الليث وربيعة ويحيى بن سعيد شهادة النِّساء، والعبيد، والذميين لوثًا. وقال بعض أصحابنا: شهادة النِّساء والصبيان لوث. وأباه أكثرهم. ورابعها: أن يشهد شاهدان على الجرح، ثمَّ يحيا المجروح حياة بيِّنة، ثم يموت. فذلك لوث يوجب القسامة عند مالك، وأصحابه، واللَّيث. واختلف عندنا فيما إذا شهد بالجرح شاهد واحد؛ هل يوجب ذلك قسامة، أم لا؟ على قولين، والأصح: أنها لا تجب إلا بشاهدين. ولم ير الشافعي، ولا أبو حنيفة في هذا قسامة، بل القصاص من غير قسامة. وخامسها: وجود المتهم عند المقتول، أو قربه، أو آتيًا من جهته وعليه آثار القتل من التلطُّخ بالدَّم وشبهه. فهو لوث عند مالك. وقال الشافعي نحوه. قال:

стр. 2662

قَدِمَ عَلَى قَومِهِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُم، ثُمَّ أَقبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ، - وَهُوَ أَكبَرُ مِنهُ - وَعَبدُ الرَّحمَنِ بنُ سَهلٍ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ - وَهُوَ الَّذِي كَانَ ــ وذلك: إذا لم يوجد هنالك أحد به أثر، ولا سَبُع. قال: ولو وجد في بيت، أو دار، أو صحراء قتيل ليس فيها أحدٌ سواهم فيتفرقون عن قتيل. فهذا كلُّه شبهة توجب القسامة. وسادسها: فئتان تقتتلان، فيوجد بينهما قتيل؛ ففيه روايتان: إحداهما: أن أولياءه يقسمون على من يدَّعون عليه، أو من يدَّعي عليه المقتول؛ كان من الفئتين، أو غيرهم. والأخرى: لا قسامة فيه في هذه الوجوه، وفيه الدِّية على الطائفة التي نازعت طائفته؛ إن كان منها، وعلى الطائفتين إن كان من غيرهما، وبالقسامة في هذا قال الشافعي. وقال أحمد وإسحاق: عقله على الفئة المنازعة؛ فإن عيّنوا رجلًا؛ ففيه القسامة. وسابعها: الميِّت في مزاحمة الناس. قال الشافعي: تجب بذلك القسامة، وتكون فيه الدِّية. وعند مالك: هو هدر. وقال إسحاق، والثوري: ديته على بيت المال. وروي مثله عن عمر، وعلي ﵄، وقال الحسن، والزهري: ديته على من حضر. وقوله: (ثم أقبل هو وأخوه حُوَيِّصَة) يعني به: مُحَيِّصَة. وهما ابنا مسعود بن زيد. والمشهور في حُوَيصَة ومُحَيِّصَة تخفيف الياء. وقد رويا بكسر الياء وتشديدها. وعلى الوجهين فهما مصغران، والمقتول: عبد الله بن سهل بن زيد، وأخوه عبد الرحمن بن سهل، فالأربعة بنو عم، بعضهم لبعض. وإنَّما تقدم مُحَيِّصَة بالكلام لكونه كان بخيبر حين قُتل عبد الله، غير أنه كان أصغر سنًّا من حُوَيِّصَة؛ ولذلك قال النبي ﷺ : (كَبِّر، كَبِّر) أي: قدِّم للكلام قبلك من هو أكبر سنًّا منك. فتقدم حويصةُ، وكأنه كان أكبر منه ومن عبد الرحمن أخي المقتول.

стр. 2663

بِخَيبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُحَيِّصَةَ: كَبِّر كَبِّر. يُرِيدُ السِّنَّ - فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِمَّا أَن يَدُوا صَاحِبَكُم، وَإِمَّا أَن يُؤذِنُوا بِحَربٍ. ــ ففيه من الفقه: أن المشتركين في طلب حقّ ينبغي لهم أن يقدِّموا للكلام واحدًا منهم، وأحقهم لذلك أسنُّهم؛ إذا كانت له أهلية القيام بذلك. وهذا كما قال في الإمام (١): فإن كانوا في الفقه (٢) سواءً فأقدمهم سنًّا. وقد قدَّمنا أنَّ كبر السنِّ لم يستحق التقديمَ إلا من حيث القدم في الإسلام، والسبق إليه، والعلم به، وممارسة أعماله وأحواله، والفقه فيه، ولو كان الشيخُ عَرِيًّا عن ذلك لاستحق التأخير، ولكان المتصفُ بذلك هو المستحق للتقديم - وإن كان شابا -، وقد قدِم وفدٌ على عمر بن عبد العزيز، فتقدَّم شابٌّ للكلام، فقال عمرُ له: كبِّر، كبِّر. فقال: يا أمير المؤمنين! لو كان الأمرُ بالسنِّ لكان هنا من هو أولى بالخلافة منك! فقال: تكلَّم. فتكلم فأبلغ، فأوجز. و(قوله - بعد سماع كلام المدَّعين -: (إمَّا أن يَدُوا صاحبكم، وإمَّا أن يُؤذِنُوا بحربٍ) هذا الكلامُ من النبي ﷺ على جهة التأنيس، والتسلية لأولياء المقتول، وعلى جهة الإخبار بالحكم على تقدير ثبوت القتل عليهم. لا أن ذلك كان حكمًا من النبي ﷺ على اليهود في حال غيبتهم، فإنَّه بَعدُ لم يسمع منهم، ولا حضروا حتى يسألهم. ولذلك كتبَ إليهم بعد أن صدر منه ذلك القول. ثم إن النبي ﷺ بعد أن سمعَ الدعوى لم يستحضر المدَّعى عليهم إليه. وفيه من الفقه: أنَّ مجرَّدَ الدَّعوى لا يُوجب إحضارَ المدَّعى عليه؛ لأنَّ في إحضاره منعًا له من أشغاله، وتضييعًا لما له من غير مُوجبٍ ثابتٍ. فلو ظهرَ هنالك

стр. 2664

فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيهِم فِي ذَلِكَ، فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاللَّهِ مَا قَتَلنَاهُ، ــ ما يقوِّي دعوى المدَّعي من لطخ، أو شبهة، لتعيَّن أن يستحضر ويسمع جوابه عمَّا ادعي عليه. ثم قد يختلف هذا في القرب، والبعد، وشدة الضرر، وقلَّته. و(قوله: فكتبوا: إنَّا والله ما قتلناه! ) فيه من الفقه: الاكتفاء بالكتبِ، وبأخبار الآحاد مع إمكان المشافهة، وأن اليمين قبل استدعائها، وتوجهها لا اعتبار بها. و(قوله للمدَّعين: [أتحلفون خمسين يمينًا] (١)) دليل: على أن القسامة يبدأ فيها المدَّعون بالأيمان. وهو قول معظم القائلين: بأن القسامة يُستوجب بها الدَّم. وقال مالك: الذي أجمعت عليه الأمة في القديم والحديث: أن المدَّعين يبدؤون في القسامة، وخالف في ذلك الكوفيون، وكثير من البصريين، والمدنيين، والأوزاعي. وروي عن الزهري، وعمر بن الخطاب ﵁، وقالوا: يُبدَأ بالمدَّعى عليهم؛ متمسكين في ذلك بالأصل الذي دلَّ عليه قوله ﷺ للمدَّعي: (شاهداك، أو يمينه)، وبأنه قد روي هذا الحديث من طرق ذكرها أبو داود، والنسائي. ذكر فيها: أنه ﷺ طالب المدَّعين بالبينة. فقالوا: ما لنا بيِّنة، فقال: (فتحلف لكم يهود خمسين يمينًا) (٢). وهذا هو الأصل المقطوع به في باب الدَّعاوى؛ الذي نبَّه الشرع على حكمته بقوله: (لو أعطي الناس بدعاويهم لاستحل رجال دماء رجال وأموالهم، ولكن البيِّنة على المدَّعي، واليمين على من أنكر) (٣). وقد أجاب الجمهور عن ذلك: بأن الصحيح المشهور المعروف من حديث حُويصة ومحيصة تبدئة المدَّعين بالأيمان. وهي رواية الأئمة الحفَّاظ

стр. 2665

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحُوَيِّصَةَ، وَمُحَيِّصَةَ، وَعَبدِ الرَّحمَنِ: أَتَحلِفُونَ ــ بالطرق المسندة المستفيضة، وما ذكروه مما رواه أبو داود والنسائي بالطرق المسندة المستفيضة، وما ذكروه مما رواه أبو داود والنسائي: مراسيل، وغير معروفة عند المحدِّثين، وليست مِمَّا تعارض بها الطُّرُق الصِّحاح؛ فيجب ردَّها بذلك. وأجابوا عن التمسك بالأصل: بأن هذا الحكم أصل بنفسه لحرمة الدِّماء، ولتعذر إقامة البيِّنة على القتل غالبًا. فإن القاصد للقتل إنَّما يطلب الخلوة، والغيلة، بخلاف سائر الحقوق، وبشهادات الروايات الصحيحة لهذا الأصل الخاص بهذا الحكم الخاص، وبقي ما عداه على ذلك الأصل الآخر. ثم ليس ذلك خروجًا عن ذلك الأصل بالكلية. وذلك أن المدَّعي إنَّما كان القول قوله لقوَّة جنبته بشهادة الأصل له بالبراءة مما ادُّعي عليه، وذلك المعنى موجود هنا، فإنَّه إنما كان القول قول المدَّعين لقوة جنبتهم باللوث الذي يشهد لهم بصدقهم. فقد أعملنا ذلك الأصل، ولم نطرحه بالكليَّة. و(قوله: أتحلفون خمسين يمينًا؟ )، وفي الأخرى: (أيُقسم خمسون منكم؟ ) دليل: على استحقاق هذا العدد من الأيمان، فلا يجزئ فيها أقل من ذلك. فإن كان المستحقون خمسين؛ حلف كل واحد منهم يمينًا واحدة. فإن كانوا أقل من ذلك، أو نكل منهم من لا يجوز عفوه رُدَّت الأيمان عليهم بحسب عددهم. ولا يحلف في العمد أقل من اثنين من الرجال، لا يحلف فيه الواحد من الرِّجال ولا النساء، يحلف الأولياء ومن يستعين بهم الأولياء من العصبة خمسين يمينًا. هذا مذهب مالك، والليث، وربيعة، والثوري، والأوزاعي، وأحمد وداود، وأهل الظاهر. واختلف عن مالك فيما إذا زاد الأولياء على الخمسين. هل يحلف كلهم يمينًا، يمينًا؟ أو يقتصر منهم على خمسين؟ وهذا هو الأولى لقوله: (يحلف خمسون منكم)، و (من) للتبيين (١). والخطاب لجميع الأولياء. فأفادَ
следующие страницы →