. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مالك: إنه مِمَّا اجتمع عليه في الحديث والقديم، وروي عن عبد الملك بن مروان. وشَرَط بعض أصحاب مالك وجود الأثر والجرح، وتمسَّك مالك في ذلك بقصّة قتيل بقرة بني إسرائيل، فإنَّه لَمَّا حيي القتيل قال: فلان قتلني (١). فاعتمد على ذلك، وبأن المسلم المُشرِف على الموت لا يُتَّهم بكذبٍ يُسفَكُ به دمُ مسلم عند آخر عهده بالدنيا، فظاهر حاله الصدق. وقد خالفه في ذلك سائر العلماء، ولم يروا شيئًا من ذلك لوثا.
وثالثها: شهادة غير البيِّنة القاطعة. ولم يختلف قول مالك، والشافعي، والليث: في أن الشاهد الواحد العدل ولفيف الناس لوث (٢)؛ واختلف قول مالك في الواحد غير العدل، وفي المرأة. هل ذلك لوث، أم لا؟ وجعل الليث وربيعة ويحيى بن سعيد شهادة النِّساء، والعبيد، والذميين لوثًا. وقال بعض أصحابنا: شهادة النِّساء والصبيان لوث. وأباه أكثرهم.
ورابعها: أن يشهد شاهدان على الجرح، ثمَّ يحيا المجروح حياة بيِّنة، ثم يموت. فذلك لوث يوجب القسامة عند مالك، وأصحابه، واللَّيث. واختلف عندنا فيما إذا شهد بالجرح شاهد واحد؛ هل يوجب ذلك قسامة، أم لا؟ على قولين، والأصح: أنها لا تجب إلا بشاهدين. ولم ير الشافعي، ولا أبو حنيفة في هذا قسامة، بل القصاص من غير قسامة.
وخامسها: وجود المتهم عند المقتول، أو قربه، أو آتيًا من جهته وعليه آثار القتل من التلطُّخ بالدَّم وشبهه. فهو لوث عند مالك. وقال الشافعي نحوه. قال:
стр. 2662
قَدِمَ عَلَى قَومِهِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُم، ثُمَّ أَقبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ، - وَهُوَ أَكبَرُ مِنهُ - وَعَبدُ الرَّحمَنِ بنُ سَهلٍ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ - وَهُوَ الَّذِي كَانَ
ــ
وذلك: إذا لم يوجد هنالك أحد به أثر، ولا سَبُع. قال: ولو وجد في بيت، أو دار، أو صحراء قتيل ليس فيها أحدٌ سواهم فيتفرقون عن قتيل. فهذا كلُّه شبهة توجب القسامة.
وسادسها: فئتان تقتتلان، فيوجد بينهما قتيل؛ ففيه روايتان:
إحداهما: أن أولياءه يقسمون على من يدَّعون عليه، أو من يدَّعي عليه المقتول؛ كان من الفئتين، أو غيرهم.
والأخرى: لا قسامة فيه في هذه الوجوه، وفيه الدِّية على الطائفة التي نازعت طائفته؛ إن كان منها، وعلى الطائفتين إن كان من غيرهما، وبالقسامة في هذا قال الشافعي. وقال أحمد وإسحاق: عقله على الفئة المنازعة؛ فإن عيّنوا رجلًا؛ ففيه القسامة.
وسابعها: الميِّت في مزاحمة الناس. قال الشافعي: تجب بذلك القسامة، وتكون فيه الدِّية. وعند مالك: هو هدر. وقال إسحاق، والثوري: ديته على بيت المال. وروي مثله عن عمر، وعلي ﵄، وقال الحسن، والزهري: ديته على من حضر.
وقوله: (ثم أقبل هو وأخوه حُوَيِّصَة) يعني به: مُحَيِّصَة. وهما ابنا مسعود بن زيد. والمشهور في حُوَيصَة ومُحَيِّصَة تخفيف الياء. وقد رويا بكسر الياء وتشديدها. وعلى الوجهين فهما مصغران، والمقتول: عبد الله بن سهل بن زيد، وأخوه عبد الرحمن بن سهل، فالأربعة بنو عم، بعضهم لبعض. وإنَّما تقدم مُحَيِّصَة بالكلام لكونه كان بخيبر حين قُتل عبد الله، غير أنه كان أصغر سنًّا من حُوَيِّصَة؛ ولذلك قال النبي ﷺ : (كَبِّر، كَبِّر) أي: قدِّم للكلام قبلك من هو أكبر سنًّا منك. فتقدم حويصةُ، وكأنه كان أكبر منه ومن عبد الرحمن أخي المقتول.
стр. 2663
بِخَيبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُحَيِّصَةَ: كَبِّر كَبِّر. يُرِيدُ السِّنَّ - فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِمَّا أَن يَدُوا صَاحِبَكُم، وَإِمَّا أَن يُؤذِنُوا بِحَربٍ.
ــ
ففيه من الفقه: أن المشتركين في طلب حقّ ينبغي لهم أن يقدِّموا للكلام واحدًا منهم، وأحقهم لذلك أسنُّهم؛ إذا كانت له أهلية القيام بذلك. وهذا كما قال في الإمام (١): فإن كانوا في الفقه (٢) سواءً فأقدمهم سنًّا. وقد قدَّمنا أنَّ كبر السنِّ لم يستحق التقديمَ إلا من حيث القدم في الإسلام، والسبق إليه، والعلم به، وممارسة أعماله وأحواله، والفقه فيه، ولو كان الشيخُ عَرِيًّا عن ذلك لاستحق التأخير، ولكان المتصفُ بذلك هو المستحق للتقديم - وإن كان شابا -، وقد قدِم وفدٌ على عمر بن عبد العزيز، فتقدَّم شابٌّ للكلام، فقال عمرُ له: كبِّر، كبِّر. فقال: يا أمير المؤمنين! لو كان الأمرُ بالسنِّ لكان هنا من هو أولى بالخلافة منك! فقال: تكلَّم. فتكلم فأبلغ، فأوجز.
و(قوله - بعد سماع كلام المدَّعين -: (إمَّا أن يَدُوا صاحبكم، وإمَّا أن يُؤذِنُوا بحربٍ) هذا الكلامُ من النبي ﷺ على جهة التأنيس، والتسلية لأولياء المقتول، وعلى جهة الإخبار بالحكم على تقدير ثبوت القتل عليهم. لا أن ذلك كان حكمًا من النبي ﷺ على اليهود في حال غيبتهم، فإنَّه بَعدُ لم يسمع منهم، ولا حضروا حتى يسألهم. ولذلك كتبَ إليهم بعد أن صدر منه ذلك القول. ثم إن النبي ﷺ بعد أن سمعَ الدعوى لم يستحضر المدَّعى عليهم إليه.
وفيه من الفقه: أنَّ مجرَّدَ الدَّعوى لا يُوجب إحضارَ المدَّعى عليه؛ لأنَّ في إحضاره منعًا له من أشغاله، وتضييعًا لما له من غير مُوجبٍ ثابتٍ. فلو ظهرَ هنالك
стр. 2664
فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيهِم فِي ذَلِكَ، فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاللَّهِ مَا قَتَلنَاهُ،
ــ
ما يقوِّي دعوى المدَّعي من لطخ، أو شبهة، لتعيَّن أن يستحضر ويسمع جوابه عمَّا ادعي عليه. ثم قد يختلف هذا في القرب، والبعد، وشدة الضرر، وقلَّته.
و(قوله: فكتبوا: إنَّا والله ما قتلناه! ) فيه من الفقه: الاكتفاء بالكتبِ، وبأخبار الآحاد مع إمكان المشافهة، وأن اليمين قبل استدعائها، وتوجهها لا اعتبار بها.
و(قوله للمدَّعين: [أتحلفون خمسين يمينًا] (١)) دليل: على أن القسامة يبدأ فيها المدَّعون بالأيمان. وهو قول معظم القائلين: بأن القسامة يُستوجب بها الدَّم. وقال مالك: الذي أجمعت عليه الأمة في القديم والحديث: أن المدَّعين يبدؤون في القسامة، وخالف في ذلك الكوفيون، وكثير من البصريين، والمدنيين، والأوزاعي. وروي عن الزهري، وعمر بن الخطاب ﵁، وقالوا: يُبدَأ بالمدَّعى عليهم؛ متمسكين في ذلك بالأصل الذي دلَّ عليه قوله ﷺ للمدَّعي: (شاهداك، أو يمينه)، وبأنه قد روي هذا الحديث من طرق ذكرها أبو داود، والنسائي. ذكر فيها: أنه ﷺ طالب المدَّعين بالبينة. فقالوا: ما لنا بيِّنة، فقال: (فتحلف لكم يهود خمسين يمينًا) (٢). وهذا هو الأصل المقطوع به في باب الدَّعاوى؛ الذي نبَّه الشرع على حكمته بقوله: (لو أعطي الناس بدعاويهم لاستحل رجال دماء رجال وأموالهم، ولكن البيِّنة على المدَّعي، واليمين على من أنكر) (٣). وقد أجاب الجمهور عن ذلك: بأن الصحيح المشهور المعروف من حديث حُويصة ومحيصة تبدئة المدَّعين بالأيمان. وهي رواية الأئمة الحفَّاظ
стр. 2665
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحُوَيِّصَةَ، وَمُحَيِّصَةَ، وَعَبدِ الرَّحمَنِ: أَتَحلِفُونَ
ــ
بالطرق المسندة المستفيضة، وما ذكروه مما رواه أبو داود والنسائي بالطرق المسندة المستفيضة، وما ذكروه مما رواه أبو داود والنسائي: مراسيل، وغير معروفة عند المحدِّثين، وليست مِمَّا تعارض بها الطُّرُق الصِّحاح؛ فيجب ردَّها بذلك. وأجابوا عن التمسك بالأصل: بأن هذا الحكم أصل بنفسه لحرمة الدِّماء، ولتعذر إقامة البيِّنة على القتل غالبًا. فإن القاصد للقتل إنَّما يطلب الخلوة، والغيلة، بخلاف سائر الحقوق، وبشهادات الروايات الصحيحة لهذا الأصل الخاص بهذا الحكم الخاص، وبقي ما عداه على ذلك الأصل الآخر. ثم ليس ذلك خروجًا عن ذلك الأصل بالكلية. وذلك أن المدَّعي إنَّما كان القول قوله لقوَّة جنبته بشهادة الأصل له بالبراءة مما ادُّعي عليه، وذلك المعنى موجود هنا، فإنَّه إنما كان القول قول المدَّعين لقوة جنبتهم باللوث الذي يشهد لهم بصدقهم. فقد أعملنا ذلك الأصل، ولم نطرحه بالكليَّة.
و(قوله: أتحلفون خمسين يمينًا؟ )، وفي الأخرى: (أيُقسم خمسون منكم؟ ) دليل: على استحقاق هذا العدد من الأيمان، فلا يجزئ فيها أقل من ذلك. فإن كان المستحقون خمسين؛ حلف كل واحد منهم يمينًا واحدة. فإن كانوا أقل من ذلك، أو نكل منهم من لا يجوز عفوه رُدَّت الأيمان عليهم بحسب عددهم. ولا يحلف في العمد أقل من اثنين من الرجال، لا يحلف فيه الواحد من الرِّجال ولا النساء، يحلف الأولياء ومن يستعين بهم الأولياء من العصبة خمسين يمينًا. هذا مذهب مالك، والليث، وربيعة، والثوري، والأوزاعي، وأحمد وداود، وأهل الظاهر. واختلف عن مالك فيما إذا زاد الأولياء على الخمسين. هل يحلف كلهم يمينًا، يمينًا؟ أو يقتصر منهم على خمسين؟ وهذا هو الأولى لقوله: (يحلف خمسون منكم)، و (من) للتبيين (١). والخطاب لجميع الأولياء. فأفادَ
стр. 2666
وَتَستَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُم؟ .
قَالَوا: لَا والله.
ــ
ذلك: أنهم إذا حلف منهم خمسون أجزأ.
وأمَّا القسامة في الخطأ عند القائلين بها: فيحلف فيها الواحد من الرجال، والنساء، فمهما كملت خمسون يمينًا من واحد أو أكثر استحق الحالف ميراثه، ومن نكل لم يستحق شيئًا. فإن جاء من غاب حلف من الأيمان ما كان يجب عليه لو حضر بحسب ميراثه. هذا قول مالك المشهور عنه. وقد روي عنه: أنه لا يرى في الخطأ قسامة. وقال الليث: لا ينقص من ثلاثة أنفس. وقال الشافعي: لا يحلف في العمد، ولا في الخطأ إلا أهل الميراث على قدر مواريثهم. ولا يحلف على مال مَن لا يستحقه. وهو قول أبي ثور، وابن المنذر.
و(قوله: وتستحقون دم صاحبكم)، وفي الرواية الأخرى: (فيُدفَع إليكم برمَّتِه (١)) نصٌّ في أن القسامة يُستحقُّ بها الدَّم. وهو مذهب معظم الحجازيين، وهو قول الزهري، وربيعة، والليث، ومالك، وأصحابه، والأوزاعي، وأبي ثور، وأحمد، وإسحاق، وداود، وأحد قولي الشافعي. وروي ذلك عن ابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز ﵃. قال أبو الزناد: قتلنا بالقسامة وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون؛ إني لأراهم ألف رجل، فما اختلف منهم في ذلك اثنان. وقال الكوفيُّون، وإسحاق، والشافعي - في قوله الآخر -: إنَّما تجب بها الدِّية. وهو قول الحسن البصري، والحسن بن حي، والبتِّي، والنخعي، والشعبي. وروي عن أبي بكر، وعمر، وابن عبَّاس، ومعاوية. والحديث المتقدِّم نصٌّ في موضع الخلاف، فلا ينبغي أن يُعدَل عنه.
و(قوله: على رجل منهم)، وفي اللفظ الآخر: (وتستحِقُّون دم صاحبكم) دليلٌ على أن القسامة إنما تكون على واحد. وهو قول أحمد، ومشهور قول
стр. 2667
وفي رواية: فقالوا: يا رسول الله! ما شهدنا، ولا حضرنا.
قَالَ:
ــ
مالك. وقال أشهب: لهم أن يقسموا على جماعة، ويختارون واحدا للقتل، ويسجن الباقون عامًا، ويضربون مائة مائة. وقال المغيرة: يقتل بها الجماعة. وهو قول الشافعي في القديم. وذهب ابن سريج من أصحابه: إلى أنه يقسم على الجماعة، ويقتل منهم واحد. وقد فهم الشافعي من قوله: (وتستحقون دم صاحبكم): أنَّه لا يحلف إلا الورثة الذين يستحقون المال. وهو فهم عجيب ينبني على أن المستحق بالقتل العمد تخيير الولي بين القصاص وبين الدِّية. وسيأتي ذلك إن شاء الله. وقد بناه بعضهم على قولته الأخرى: في أن المستَحَقَّ بالقسامةِ الدِّيةَ لا القصاص. وهو خلاف نص الحديث.
و(قوله: ما حضرنا، ولا شهدنا)، وفي اللفظ الآخر: [أمرٌ لم نحضره، فكيف نحلف عليه؟ ! ] (١)؛ دليلٌ: على أن الأيمان في القسامة على القطع. وهو الأصل في الأيمان، إلا أن يتعذر ذلك فيها، كما سيأتي تفصيل ذلك. وسبب ذلك: أن الحالف جازم في دعواه، فلا يحلف إلا على ما تحققه، كالشاهد، غير أنَّه لا يشترط في تحقيق ذلك الحضور والمشاهدة؛ إذ قد يحصل له التحقيق من الأخبار، والنَّظر في قرائن الأحوال (٢).
و(قوله: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم) دليل: على أن من توجهت عليه يمين فنكل عنها: أنَّه لا يُقضى عليه بمجرد النُّكول حتى تردَّ اليمينُ على الآخر، ويحلف. وهو قول مالك، والشافعي. وروي عن عمر، وعثمان، وعلي، وجماعة من السلف. وقال أبو حنيفة، والكوفيون، وأحمد بن حنبل: يُقضى عليه
стр. 2668
فَتَحلِفُ لَكُم يَهُودُ. قَالَوا: لَيسُوا بِمُسلِمِينَ.
فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن عِندِهِ، فَبَعَثَ إِلَيهِم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِائَةَ نَاقَةٍ حمراء، حَتَّى أُدخِلَت عَلَيهِم الدَّارَ، فَقَالَ سَهلٌ: فَلَقَد رَكَضَتنِي مِنهَا نَاقَةٌ حَمرَاءُ.
وفي رواية: فقالوا: يا رسول الله! (كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ )
ــ
دون رد اليمين. وقال ابن أبي ليلى: يُؤخذ باليمين. ومعنى تبرئكم يهود: أي: يبرؤون إليكم مما طالبتموهم به، فتبرؤون أنتم منهم؛ إذ ينقطع طلبكم عنهم شرعًا.
وفيه دليل على أن الأيمان المردودة لا تكون أقل من خمسين يمينًا من خمسين رجلًا إذا كان المدَّعى عليهم خمسين. فإن كانوا أقل من ذلك؛ حلفوا خمسين يمينًا، ورُدَّت عليهم بحسب عددهم. وهل لهم أن يستعينوا بمن يحلف معهم من أوليائهم أم لا؟ قولان. فمشهور مذهب مالك: لهم الاستعانة. وعليه فلا يحلف فيها أقل من اثنين. ولا يحلفُ المدَّعى عليه معهم إلا أن لا يجد من يحلفُ معه، فيحلفُ هو خمسين يمينًا. وروى مطرف عن مالك: أنَّه لا يحلفُ مع المدَّعى عليه أحدٌ، ويحلفُ هم أنفسهم كانوا واحدًا أو أكثر خمسين يمينًا يبرئون بها أنفسهم. وهو قول الشَافعي. وهو الصحيح؛ لأن من لم يُدَّع عليه لم يكن له سبب يتوجَّه عليه به يمين، ثم مقصود هذه الأيمان: البراءة من الدَّعوى. ومن لم يُدَّع عليه بريء، ولأن أيمانهم على أن وليَّهم لم يُقتل شهادةٌ على نفي، وهي باطل. وأيضًا فقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى﴾
و(قوله: فيُدفع بِرُمَّتِه) هو بضم الراء، وهو: الحبل البالي. وأصله: أنَّ رجلًا سلَّم رجلًا لآخر بحبلٍ في عنقه ليقتلَه، فقيل: ذلك لكل من سلم شيئًا بكلِّيته، ولم يبق له به تعلُّق. والرِّمَّةُ - بكسر الراء -: العظم البالي. يقال: رمَّ العظم، وأرم: إذا بلي. والرميم: الشيء البالي، المتفتت كالورق، المتهشم. ومنه قوله تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِن شَيءٍ أَتَت عَلَيهِ إِلا جَعَلَتهُ كَالرَّمِيمِ﴾
و(قول المدَّعين: كيف نقبل أيمانَ قومٍ كُفَّار) هذا استبعاد لصدقهم وتقريبٌ
стр. 2669
بدل: (ليسوا بمسلمين).
وفي أخرى: فكره رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أن يبطل دمه، فوداه مائة من إبل الصدقة.
رواه البخاري (٧١٩٢)، ومسلم (١٦٦٩) (٦ و ١ و ٥)، وأبو داود (٤٥٢٠ و ٤٥٢١)، والترمذي (١٤٢٢)، والنسائي (٨/ ٩)، وابن ماجه (٢٦٧٧).
ــ
لإقدامهم على الكذب، وجرأتهم على الأيمان الفاجرة. وعلى هذا يدل قولهم: (ليسوا بمسلمين) أي: ما هم عليه من الكفر والعداوة للمسلمين يجرؤهم على الأيمان الكاذبة، لكنهم مع هذا كله لو رضوا بأيمانهم لحلفوا لهم، ولا خلاف أعلمه في أن الكافر إذا توجَّهت عليه يمين: أنه يحلفها أو يُعَدُّ ناكلًا.
وبماذا يحلف؟ فالمشهور عن مالك: أنَّه إنما يحلف بالله؛ الذي لا إله إلا هو. سواء كان يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو غيرهما من الأديان، كما يحلف المسلم. وفيه نظر. وروى الواقدي عن مالك: أن اليهودي يحلف بالله الذي أنزل التوراة على موسى. والنصراني: بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى. وهذا القول أمشى على الأصول من الأول. وذلك: أنَّا إذا أجبرنا النصراني على أن يحلف بالتوحيد مع قطعنا: بأنَّه خلاف معتقده، ودينه؛ فقد أجبرناه على الخروج عن دينه، مع أنا قد عاهدناه على إبقائه على اعتقاده، ودينه. وأيضًا: فلا مانع له من أن يقدم على الحلف بذلك؛ إذ هو في اعتقاده ليس بصحيح. فالأولى القول الثاني. ويحلف في المواضع التي يعتقد تعظيمها.
و(قوله: فودَاه رسول الله ﷺ من عنده) إنَّما فعل ذلك على مقتضى كرم خلقه، وحسن إيالته (١)، وجلبًا للمصلحة، ودفعًا للمفسدة، وإطفاءً للثائرة،
стр. 2670
[١٧٦٠] وعن سليمان بن يسار، عن ناس من الأنصار: أن
ــ
وتأليفًا للأغراض المتنافرة عند تعذر الوصول إلى استيفاء الحق لتعذر طرقه. وهذا اللفظ الذي هو: (من عنده) ظاهر في: أن الإبل التي دفع كانت من ماله. وهذا أصحُّ من رواية من روى: أنها كانت من إبل الصَّدقة؛ إذ قد قيل: إنَّها غلط من بعض الرُّواة؛ إذ ليس هذا من مصارف الزكاة.
قلت: والأولى ألا يغلَّط الراوي العدل الجازم بالرواية ما أمكن. ويحتمل ذلك أوجهًا من التأويلات:
أحدها: أنَّه تسلَّف ذلك من مال الصَّدقة؛ حتَّى يؤديها من الفيء.
وثانيها: أن يكون أولياء القتيل مستحقين للصدقة، فأعطاها إياهم في صورة الدِّية، تسكينًا لنفرتهم وجبرًا لهم؛ مع أنَّهم مستحقون لها.
وثالثها: أنَّه أعطاهم تلك من سهم المؤلفة قلوبهم استئلافًا لهم، واستجلابًا لليهود.
ورابعها: قول من قال: إنَّه يجوز صرف الصدقة في مثل هذا؛ لأنَّه من المصالح العامَّة. وهذا أبعد الوجوه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ﴾ الآية.
تفسير غريبه: الفريضة (١): واحدة الفرائض، وهي: النوق المأخوذة في الزكاة والدِّية. وقد فسَّرها في الرِّواية التي قال فيها: (فلقد ركضتني منها ناقة حمراء). وأصل الفرض: التقدير، كما تقدم. ولا معنى لقول من قال: إنَّها المسنة
стр. 2671
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقَرَّ القَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَت عَلَيهِ فِي الجَاهِلِيَّةِ.
رواه مسلم (١٦٧٠)(٧)، والنسائي (٨/ ٥).
* * *
ــ
من الإبل. والشَّرَبة (١) - بفتح الشِّين والرَّاء - هي: حوض في أصل النَّخلة تشرب منه النخلة. وجمعه: شَرَب - بفتح الرَّاء -؛ وهي التي عبَّر عنها في الرواية الأخرى بـ (الفقير). وقيل: الفقير: هو الحفر العميق الذي يحفر للفسيلة. والجهد - بفتح الجيم -: الشدَّة والمشقَّة. والجهد - بضمها -: غاية الوسع والطَّاقة. والعقل (٢): الدِّية. وسمِّيت بذلك: لأن الإبل كانت تعقل بفناء المستحقين للدِّية. وقد تقدم القول في (الرِّمَّة) (٣).
وفيه من الفقه: أن أهل الذِّمَّة يحكم عليهم بحكم الإسلام، لا سيما إذا كان الحكم بين ذمِّي ومسلم، فإنَّه لا يختلف في ذلك. وكذلك لو كان المقتول من أهل الذمة فادَّعي به على مسلم؛ فإن ولاة الدَّم يحلفون خمسين يمينًا، ويستحقون به دِّية ذمِّي. هذا قول مالك. وقال بعض أصحابه: يحلف المسلم المدَّعى عليه خمسين يمينًا، ويبرأ، ولا تحمل العاقلة ديته. فلو قام للذمي شاهدٌ واحدٌ بالقتل؛ فقال مالك: يحلف ولاته يمينًا واحدة ويستحقون الدِّية من ماله في العمد، ومن عاقلته في الخطأ. وقال غيره: يحلف المدَّعى عليه خمسين يمينًا ويجلد مائة، ويحبس عامًا.
وفيه ما يدلُّ على جواز سماع حجَّة أحد الخصمين في غيبة الآخر. وأن أهل الذمِّة إن امتنعوا من فعل ما وجب عليهم لنقض عهدهم.
والحديث كله حجَّة واضحة للجمهور من السَّلف والخلف على من أنكر العمل بالقسامة؛ وهم: سالم بن عبد الله، وأبو قلابة، ومسلم بن خالد، وقتادة،
стр. 2672
(٢) باب القصاص في العين وحكم المرتد
[١٧٦١] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَنَّ نَاسًا مِن عُرَينَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ فَاجتَوَوهَا، فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِن شِئتُم أَن
ــ
وابن عُلَيَّة، وبعض المكيين. فنفَوا الحكم بها شرعًا في العمد والخطأ. وقد روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، والحكم بن عتَيبة. وقد روي عنهما العمل بها. وقد روي نفي العمل بها عن سليمان بن يسار.
والصحيح عنه روايته المذكورة عنه هنا. حيث قال عن رجال من الأنصار: أن رسول الله ﷺ أقرَّ القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية. وظاهر هذا: أنَّه يقول بها. وهذا الحديث أيضًا حجة للجمهور على من أنكر العمل بها. فإن ظاهره: أنَّه ﷺ وجدَ الناس على عمل، فلمَّا أسلموا، واستقل بتبليغ الأحكام أقرَّها على ما كانت عليه، فصار ذلك حكما شرعيًّا يُعمل عليه، ويحكم به، لكن يجب أن يبحث عن كيفية عملهم الذي كانوا يعملونه فيها، وشروطهم التي اشترطوها، فيعمل بها من جهة إقرار النبي ﷺ ، لا من جهة الاقتداء بالجاهلية فيها.
(٢) ومن باب القصاص في العين وحكم المرتد
(قوله: إن ناسًا من عُرَينَة قدموا المدينة فاجتَوَوها) أي: لم توافقهم في صحتهم. يقال: اجتوى البلد، واستوبله، واستوخمه: إذا سقم فيه عند دخوله. و (استاقوا الذود) أي: حملوا الإبل معهم، وهو من السَّوق، وهو: السير السَّريع العنيف. وفي الرِّواية الأخرى: مكان: (الذود): (لقاح رسول الله ﷺ )، وهي: جمع: لِقحَة. وهي: الناقة ذات اللبن. و (سَمَلَ أعينهم) أي: غرز فيها الشوك حتَّى فقأها. قال أبو ذُؤَيب:
والعَينُ بَعدَهُمُ كأنَّ حِدَاقِهَا ... سُمِلَت بشوكٍ فهي عُورٌ تدمَعُ
стр. 2673
تَخرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَتَشرَبُوا مِن أَلبَانِهَا وَأَبوَالِهَا. فَفَعَلُوا فَصَحُّوا، ثُمَّ
ــ
و(سَمَرَ) أي: فقأها بمسامير محميَّةٍ؛ قاله أبو عبيد. وقال غيره: (سَمَلَ) و (سَمَّرَ) بمعنى واحد. أبدلت الرَّاء من اللام. وفيه بُعدٌ.
(يستسقون): يسألون أن يسقوا. وفي الأصل (١): (وقد وقع بالمدينة ألمُوم، وهو البرسام). والبرسام: لفظة يونانية تستعملها الأطبَّاء في كتبهم، يعنون به: وجعَ الرأسِ أو الصَّدر.
وفي الحديث أبواب من الفقه؛ منها: جواز التطبب، وأن يطب كل جسم بما اعتاد. فإن هؤلاء القوم أعراب البادية، عادتهم شرب أبوال الإبل وألبانها، وملازمتهم الصحارى. فلمَّا دخلوا القرى، وفارقوا أغذيتهم، وعادتهم؛ مرضوا. فأرشدهم النبي ﷺ إلى ذلك، فلمَّا رجعوا إلى عادتهم من ذلك، صحُّوا، وسمنوا.
وفيه دليل لمالك على طهارة بول ما يؤكل لحمه. وقد تقدَّم.
وفيه جواز (٢) قتل المرتدين من غير استتابةٍ.
وفيه: القصاص من العين بمثل ما فقئت به، كما قال أنس: إنما سَمَل رسول الله ﷺ أعينهم؛ لأنهم سَمَلوا أعين الرِّعاء، وإنَّما قطع رسول الله ﷺ أيديهم وأرجلهم لأنهم فعلوا كذلك بالرَّاعي؛ على ما حكاه أهل التاريخ (٣) والسِّير. قالوا: كان هذا الفعل من هؤلاء المرتدِّين سنة ست من الهجرة. واسم الرَّاعي: يسار، وكان نوبيًّا. فقطعوا يديه، ورجليه، وغرزوا الشوك في عينيه حتَّى مات، وأدخل المدينة ميتًا. ففعل بهم رسول الله ﷺ مثل ما فعلوا به.
قلت: وعلى هذا: فلا يكون فيه إشكال. ويكون فيه دليل على القصاص من الجماعة بالواحد في النفس والأطراف. وهو قول مالك، وجماعة. وخالف في
стр. 2674
مَالُوا عَلَى الرُّعَاء، فَقَتَلُوهُم وَارتَدُّوا عَن الإِسلَامِ، وَاستاقُوا ذَودَ
ــ
ذلك أبو حنيفة فقال: لا تقتل الجماعة بالواحد. والحديث حجَّة عليه.
وقول عمر ﵁: (لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به). غير أن ذلك الحديث يُشكِل بما زاده أبو داود فيه من حديث أنس أيضًا قال: فبعث رسول الله ﷺ في طلبهم قافة، فأُتي بهم، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسعَونَ فِي الأَرضِ فَسَادًا﴾ الآية (١).
وعلى هذا فإنما قطعهم وقتلهم لأنهم محاربون، فلا يكون فيه حجَّة على شيء مما ذكر قبل هذا من الأوجه المستنبطة؛ لأنَّهم إذا كانوا محاربين فهو مخيَّر فيهم. ثم يشكل هذا بما زاده أبو داود فيه من حديث أنس، فإنَّه قال فيه بعد ذلك: ثم نهى عن المثلة (٢).
وفيه من حديث أبي الزناد: أن رسول الله ﷺ لما قطع أيدي الذين سرقوا لقاحه، وسمل أعينهم بالنار عاتبه الله في ذلك، فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية (٣). فإن كان فعل ذلك قصاصًا منهم، أو حدًّا؛ لأنهم محاربون؛ فذلك ليس بمثلة منهيًّا عنها، ولا يعاتب عليه.
قلت: والذي يرتفع به الإشكال -إن شاء الله -: أن طرق حديث أنس الواقعة في كتاب مسلم والبخاري أشهر وأصح من طرق أبي داود. وتلك الطرق متوافقة: على أن ذلك من النبي ﷺ كان قصاصًا منهم بما فعلوا، غير تركهم حتى ماتوا عطاشًا، وتكحيلهم بمسامير محمَّاة، كما ذكره أبو داود، وكما دل عليه قوله: (وسمر أعينهم). فيمكن أن يقال: إن الله تعالى عاتبه على ذلك القدر الذي زاده فقط، دون القصاص والقتل، فإن ذلك كان حكمهم. ولم يَستَتِبهُم من الرِّدة، إما لأن الاستتابة لم تكن إذ ذاك مشروعة، وإمَّا لأنهم كانوا قد وجب قتلهم إمَّا
стр. 2675
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَبَعَثَ فِي أَثَرِهِم، فَأُتِيَ بِهِم، فَقَطَعَ أَيدِيَهُم وَأَرجُلَهُم، وَسَمَلَ أَعيُنَهُم، وَتَرَكَهُم فِي الحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا.
ــ
بالقصاص، وإمَّا بالحرابة؛ فلا بدَّ من قتلهم، فلا يظهر للاستتابة فائدة، فاستغنى عنها، والله تعالى أعلم.
غير أنه يبقى على هذا إشكال آخر، وهو: أن من قطع يد رجل أو رجله، أو فقأ عينه، ثم قتله، قتل به، ولم يُفعل به شيء مما فعل بالمقتول من قطع، أو جرح. بل يُقتل خاصة إلا أن يكون قد مَثَّل به فيُفعل به كما فعل، ثمَّ يقتل. هذا مذهب مالك. وقال أبو حنيفة، والشافعي: يجرح، أو يقطع، ثم يُقتل. فعلى قولهما لا إشكال فيه. ويزول الإشكال على قول مالك بأنهم مثَّلوا بالرَّاعي فمُثِّل بهم، ثم قُتِلوا.
وقد اختلف العلماء فيماذا نزلت: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؟ فقيل: نزلت في هؤلاء العُرَنيَّين كما ذكرناه في حديث أبي داود. وذهب الحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح: إلى أنها نزلت في المشركين. وذهب ابن جرير: إلى أنها نزلت في اليهود. قال: ويدخل تحتها كلُّ ذِمِّي وملِّي. وذهب مالك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: إلى أنها نزلت في المسلمين المحاربين. وهذا القول أصحها - إن شاء الله تعالى - لوجهين:
أحدهما: أن الكفار لا تخيير فيهم بين القتل والصَّلب، وقطع الأيدي والأرجل. وإنَّما حكم الكافر الأصلي: إمَّا القتل، وإمَّا السباء، أو الجزية. وأمَّا المرتد: فالقتل. وهل يستتاب أو لا؟ هذا محل الخلاف كما تقدم.
وثانيهما: أن الكافر لو تاب فأسلم بعد القدرة عليه لصحت توبته، وحرم قتله بالإجماع. وآية المحاربة بنصِّها مخالفة لهذين الوجهين. فدلَّ اختلاف حكم الكافر لحكم المحارب: أن المحارب إنَّما هو مسلمٌ بحكم اعتقاده، محارب بفعله. فحكمه ما ذكره الله تعالى في آية المحاربة. ثم المحاربة عندنا هي: إخافة السبيل، وإشهار السلاح قصدًا لأخذ الأموال، وسعيا بالفساد في الأرض، ويكون خارج
стр. 2676
وفي رواية: قال: وسملت أعينهم، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون.
رواه أحمد (٣/ ١٠٧)، والبخاري (٤١٩٢)، ومسلم (١٦٧١)، (٩ و ١٠)، وأبو داود (٤٣٦٤)، والترمذي (٧٢)، والنسائي (٧/ ٩٣) وابن ماجه (٢٥٧٨) (٩ و ١٠).
ــ
المصر وداخله عندنا، وعند الشافعي. وقال أبو حنيفة، وعطاء: لا تكون في المصر. وقد فسَّر مجاهد المحاربة بالزنى والسرقة. وليس بصحيح؛ لأن الله تعالى قد بيَّن في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ : (أن السارق تقطع يده فقط، وأن الزاني يجلد ويغرَّب إن كان بكرًا، أو يرجم إن كان ثيِّبًا محصنًا). وأحكام المحارب في هذه الآية خلاف ذلك؛ اللهم إلا أن يريد (مجاهد): إخافة الطُّرق بإظهار السِّلاح قصدا للغلبة على الفروج؛ فهذا أفحش المحاربة، وأقبح من أخذ الأموال. ولا ينبغي أن يختلف في ذلك. وقد دخل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَيَسعَونَ فِي الأَرضِ فَسَادًا﴾ وأي فسادٍ أعظم من الهجم على حرم المسلمين وأولادهم، وإشهار ذلك، وإظهار السلاح لأجله. وقد كثر ذلك في بلاد الأندلس في هذه المُدَد القريبة، وظهر فيهم ظهورًا فاحشًا، بحيث اشترك فيه الشُّبَّان بالفعل، وأشياخهم بالإقرار عليه، [وترك الإنكار. فسلط الله عليهم عدوَّهم فأهلكهم، واستولى على بلادهم. فإنا لله وإنَّا إليه راجعون] (١).
فأمَّا حكم المحارب: فأولى الأقوال فيه ما شهد له ظاهر الآية. وهو: تخيير الإمام بين القتل مع الصَّلب، والقطع، والنفي. فأي ذلك رأى الإمام أنكى، أو أحق، فعل. وهو مروي عن ابن عباس. وإليه ذهب عطاء، والحسن البصري، والنخعي، ومجاهد، والضحاك، ومالك، وأبو ثور. واختلف عن مالك في
стр. 2677
[١٧٦٢] عَن أَنَسٍ قَالَ: إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَعيُنَ أُولَئِكَ لِأَنَّهُم سَمَلُوا أَعيُنَ الرِّعَاءِ.
رواه مسلم (١٤٧١)(١٤).
* * *
ــ
الصَّلب. هل يكون قبل القتل، أو بعده؟ وروي أيضًا عن ابن عباس: أنه إن أخاف السبيل وأخذ المال؛ قُطعت يده ورجله من خلاف. وإن أخذ المال وقَتَل؛ قُطعت يده ورجله، ثم قُتل. وإن قتل، ولم يأخذ مالًا؛ قُتل. وإن لم يأخذ مالًا (١) ولم يقتل: نُفي. وبه قال قتادة، وأبو مجلز. وقال الأوزاعي: إن أخاف السبيل، وشهر السلاح؛ قتل، ولم يصلب. وإن أخذ، وقتل؛ قتل مصلوبًا. وإن أخاف السبيل ولم يقتل؛ قطع؛ أخذ المال أو لم يأخذ. وقال الشافعي: إن قتل، وأخذ؛ قتل، وصلب. وإن قتل ولم يأخذ؛ قُتل ولم يصلب، ودُفع إلى أوليائه، وإن أخذ ولم يقتل؛ قطعت يده اليمنى، ثم حسمت بالنار، ثم رجله اليسرى، ثم حسمت. وقال أحمد: من قَتَل قُتِل، ومن أخذ المال قُطِع. والأولى: القولُ بالتخيير. [والله العليم الخبير] (٢).
* * *
стр. 2678
(٣) باب القصاص في النفس بالحجر
[١٧٦٣] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَ رَأسُهَا قَد رُضَّ بَينَ حَجَرَينِ، فَسَأَلُوهَا مَن صَنَعَ هَذَا بِكِ؟ فُلَانٌ؟ فُلَانٌ؟ حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا،
ــ
(٣) ومن باب: القصاص في النفس
(قوله: إن جارية وجد رأسها قد رضَّ بين حجرين فجيء بها [إلى النبي ﷺ وبها رمق] (١)) الرَّضُّ: الكسر غير المُبَان. و (الرَّمَق): بقية الحياة؛ يعني: أنها قد أشرفت على الموت. ولذلك لما سُئلت عمَّن أصابها أومأت برأسها لما ذُكِر لها القاتل، ولم تقدر على الكلام بلسانها. ومن قال من الرواة: إنَّها قالت: نعم. فإنما عبَّر عمَّا فهم عنها من الإشارة بالقول، فإنَّها تنزلت منزلة القول.
ففيه من الفقه: قتل الرَّجل بالمرأة. وهو قول الجمهور خلافًا لمن شذَّ فقال: لا يقتل بها. وهو عطاء، والحسن. وقد روي عن علي ﵁.
وأمَّا القصاص بينهما في الأطراف: فهو أيضًا مذهب الجمهور. وقد ذهب إلى نفيه فيها من نفاه في النفس، وأبو حنيفة، وحماد، وإن قالا به في النفس. والصحيح قول الجمهور في المسألتين؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبنَا عَلَيهِم فِيهَا أَنَّ النَّفسَ بِالنَّفسِ﴾
وفيه: جواز ذكر من اتُّهم، وعرضهم على المقتول واحدًا واحدًا بعينه واسمه، وإن لم تقم دلالة على لطخه أكثر من أنَّه يحتمل ذلك احتمالًا قريبًا. ولا يكون ذلك عرضًا يستباح.
وفيه: ما يدلُّ على اعتبار التَّدمية على الجملة. وقد تقدَّم الكلام فيها، لكن
стр. 2679
فَأَومَأت بِرَأسِهَا، فَأُخِذَ اليَهُودِيُّ، فَأَقَرَّ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن يُرَضَّ رَأسُهُ بِالحِجَارَةِ.
ــ
الصحيح في هذا الحديث: أن اليهودي إنَّما قتل بالمرأة باقراره، لا بمجرد التَّدمية. والرواية التي يظهر منها: أنَّه قتل بمجرد التَّدمية مردودة إلى الرواية التي ذكر فيها: أنه قتل بإقراره لوجهين:
أحدهما: أن القضية واحدة وإن اختلفت الرِّوايات، فيحمل مطلقها على مقيَّدِها.
والثاني: أن ظاهر تلك الرِّواية المطلقة مجمع على تركه؛ إذ لم يقل أحد من المسلمين: أن التَّدمية بمجردها يقتل بها، وإنَّما هي عند من قال بها لوثٌ يقسم معها. ولم يسمع قطّ في شيء من طرق هذا الحديث، ولا رواياته: أن أولياء هذه الجارية أقسموا على اليهودي.
وفيه: قتل الكبير بالصَّغير؛ لأن الجارية اسم لمن لم يبلغ من النساء، كالغلام في الرجال. وهذا لا يختلف فيه.
وفيه: أن من قَتَل بشيء قُتل به. وقد اختلف فيه، فذهب الجمهور: إلى أنَّه يُقتل بمثل ما قَتَل من حجر، أو عصا، أو تغريق، أو خنق، أو غير ذلك، ما لم يقتله بفسق كاللوطية، وإسقاء الخمر؛ فيقتل بالسيف. وحجَّتهم هذا الحديث، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعتَدَى عَلَيكُم فَاعتَدُوا عَلَيهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيكُم﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ والقصاص أصله: المساواة في الفعل. ومن هؤلاء من خالف في التحريق بالنار، وفي قتله بالعصا. فجمهورهم: على أنَّه يقتل بذلك. وقال ابن الماجشون وغيره: لا يحرَّق بالنار لقول رسول الله ﷺ : (لا يعذب بالنَّار إلا الله) (١). وقال مالك في إحدى الروايتين عنه:
стр. 2680
وفي رواية: فقتله رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بين حجرين.
رواه أحمد (٣/ ١٨٣)، والبخاري (٢٤١٣)، ومسلم (١٦٧٢)(١٥)، وأبو داود (٤٥٢٧)، والترمذي (١٣٩٤)، وابن ماجه (٢٦٦٥).
ــ
إنَّه إن كان في قتله بالعصا تطويل وتعذيب، قتل بالسَّيف. وفي الأخرى: يقتل بها، وإن كان فيه ذلك، وهو قول الشافعي. وقال الشافعي فيمن حبس رجلًا أيَّامًا في بيت حتَّى مات جوعًا، أو عطشًا (١)، أو قطع يديه ورجليه، ورمى به من جبل، أن يُفعل به مثل ذلك، فإن مات، وإلا قتل. وذهبت طائفة إلى خلاف ذلك كلِّه فقالوا: لا قود إلا بالسيف، وهو مذهب أبي حنيفة، والشعبي، والنخعي. واحتجوا على ذلك بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (لا قود إلا بحديدة) (٢)، وبالنهي عن المثلة. والصحيح مذهب الجمهور لما تقدم، ولأن الحديث الذي هو: (لا قود إلا بحديدة) ضعيف عند المحدثين، لا يروى من طريق صحيح، ولأن النهي عن المثلة نقول بموجبه إذا لم يمثل بالمقتول، فإذا مَثَّل مثَّلنا به؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعتَدُوا عَلَيهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيكُم﴾ ولحديث العُرَنِيِّين على ما تقدم.
وقد شذَّ بعضهم (٣) فقال فيمن قتل بخنق، أو بسم، أو تردية من جبل أو في بئر، أو بخشبة: أنه لا يقتل، ولا يقتص منه إلا إذا قتل بمحدد: حديد، أو حجر، أو خشب، أو كان معروفًا بالخنق والتردية. وهذا منه ردٌّ للكتاب، والسُّنة، وإحداث ما لم يكن عليه أمر الأمَّة، وذريعةٌ إلى رفع القصاص الذي شرعه الله حياة للنفوس، فليس عنه مناصٌ.
ثم اختلف العلماء فيما إذا قَتَل بما لا يَقتُل مِثلُه (٤) غالبًا، كالعضَّة واللَّطمة،
стр. 2681
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وضربة السَّوط، والقضيب، وشبه ذلك. فقال مالك، والليث: هو عمدٌ، وفيه القود. قال أبو عمر: وقال بقولهما جماعة من السلف من الصحابة والتابعين. وذهب جمهور فقهاء الأمصار: إلى أن هذا كلُّه شبه عمد، إنما فيه الدِّية مغلظة. وهو قول الثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وقد ذكر عن مالك، وقاله ابن وهب، وجماعة من الصحابة والتابعين.
قلت: وهو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ إذ العمد: القصدُ إلى القتل، وهو أمر خفي لا يُطَّلعُ عليه، فلا بُدَّ من دليل عليه، ولا بدَّ أن تكون تلك الدَّلالة واضحة رافعة للشَّك. ودلالة ما يقتل مثله (١) غالبًا دلالة محقَّقة، صحيحة، وليس كذلك اللطمة، وضربة السوط، فلا دلالة فيهما. والدِّماء أحق ما احتيط لها؛ إذ الأصل صيانتها في أهبها، فلا نستبيحها إلا بأمر بيِّن، لا إشكال فيه، وهذا فيه إشكال، ولا نستبيح به دمًا، ولما كان مترددًا بين العمد والخطأ؛ حكم له بشبه العمد، وهو حُكمٌ بين حُكمين، فلا هو عمد محضّ، ولا خطأ محضّ، فلا قود فيه؛ إذ لم يتحقق العمد. ومع ذلك فيمكن أن يكون قصد القتل، فتكون فيه الدِّية المغلظة، هذا مع ما قد رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ خطب يوم الفتح بمكة، فذكر الحديث، وقال فيه: (ألا وإن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسَّوط، أو العصا مائة من الإبل، أربعون في بطونها أولادها) (٢). وهذا نصٌّ في الباب، فلا ينبغي أن يعدل عنه.
ثمَّ اختلف القائلون بشبه العمد في الدِّية المغلظة ما هي؟ فقال عطاء، والشافعي: هي ثلاثون حِقَّة، وثلاثون جَذَعة، وأربعون خَلِفَة. وقد روي ذلك عن عمر، وزيد بن ثابت، والمغيرة، وأبي موسى. وهو مذهب مالك حيث يقول: بشبه العمد.
стр. 2682
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومشهور مذهبه: أنه لم يقل به إلا في مثل فعل المدلجي بابنه حيث ضربه بالسَّيف. وقيل: إن دية شبه العمد أربعون جَذَعة إلى بازلٍ عامها، وثلاثون حِقَّة، وثلاثون بنت لبون. وروي هذا عن عثمان. وبه قال الحسنُ، وطاووس، والزُّهري.
وأمَّا ديةُ العمد: فهي عند الشافعي ثلاثون حِقَّةً، وثلاثون جَذَعةً، وأربعون خلفة، كما قال في شبه العمد. وقال مالك: هي أرباع: ربع بنات مخاض، وربع بنات لبون، وربع جِذاعٌ، وربعٌ حقاقٌ. وبه قال الزهري، وربيعةُ، وأحمدُ. وقال أبو ثور: أخماس، ويزيد على الأربعة الأسنان المتقدِّمة بني لبون. وهي عنده ديةُ شبه العمد.
وأمَّا دية الخطأ: فهي عنده (١) أخماسٌ كما ذكرناه آنفًا. وبه قال عمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، والزهري، وربيعةُ، والشافعي. ونحوه قال أبو حنيفة، غير أنه جعل بدل بني لبون بني مخاضٍ. وبه قال النَّخعي، وأحمدُ، ويعقوبُ، ومحمد. ورُوِي عن ابن مسعودٍ. وقيل: إنها أرباعٌ كما تقدَّم في دية العمد. وبه قال الشعبي، والحسن البصري، والنخعي، وإسحاق بن راهويه.
قلتُ: وهذا في أهل الإبل مجمعٌ عليه: أن في النَّفس مائة من الإبل. واختلف في غيرهم. فقالت طائفة: يجب على أهل الذهبِ الذهبُ، وعلى أهل الورِقِ الورِقُ. وروي ذلك عن عمر، وعروة، وقتادة، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، ولم يختلف هؤلاء: أن دية الذهب ألفُ دينار. واختلفوا في الفضة. فقال الثوري، والنعمان، وصاحباه، وأبو ثورٍ: هي عشرةُ آلاف درهم. [وقال الحسن البصري، وعروةُ، ومالكٌ، وأحمدُ، وإسحاقُ: اثنا عشر ألف درهم] (٢). وقال مالك، وأبو حنيفة: الدِّيةُ من الذهب، والإبل،
стр. 2683
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والفضة، ولم يعرفا الحُلَل، ولا الشاء، ولا البقر. وقال آخرون: هي على أهل البقر مائتا بقرة. وعلى أهل الشاء ألفا شاة. وعلى أهل الحُلَل مائتا حُلَّة. وروي هذا عن عمر، والحسن البصري. وبه قال عطاء، والزهري، وقتادة، غير أن هؤلاء الثلاثة لم يقولوا بالحلل.
قلت: وسبب هذا الخلاف اختلاف الأحاديث الواردة في الباب، والاختلاف في تصحيحها، وذلك: أنه ليس شيء منها متفقًا على صحته، وهي ما بين مرسلٍ، وضعيفٍ. فلنذكر منها (١) ما خرَّجه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جدِّه: أن رسول الله ﷺ قال: (من قَتَل متعمدًا دفع إلى أولياء المقتول؛ فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدِّية، وهي: ثلاثون حِقَّة، وثلاثون جَذَعة، وأربعون خَلِفة، وما صالحوا عليه فهو لهم، وذلك لتشديد العقل) (٢).
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وروى أبو داود عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه: أن رسول الله ﷺ قضى: أن من قتل خطأ فديته مائة من الإبل: ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حِقَّة، وعشر بني لبونٍ ذكر (٣). وروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار، أو ثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين. قال: فكان ذلك حتى استخلف عمر، فقام خطيبًا فقال: ألا إن الإبل قد غلت، ففرضها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة. قال: وترك دية أهل
стр. 2684
[١٧٦٤] وعنه: أَنَّ رَجُلًا مِن اليَهُودِ قَتَلَ جَارِيَةً مِن الأَنصَارِ عَلَى حُلِيٍّ لَهَا، ثُمَّ أَلقَاهَا فِي القَلِيبِ، وَرَضَخَ رَأسَهَا بِالحِجَارَةِ، فَأُخِذَ فَأُتِيَ بِهِ
ــ
الذمَّة لم يرفعها فيما رفع من الدِّية. وفي رواية أخرى عنه قال: عقل شبه العمد مغلَّظة مثل العمد، ولا يقتل صاحبه (١). وعن عطاء، عن جابر: أن رسول الله ﷺ فرض في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلَّة (٢). وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ في دية الخطأ عشرون حِقَّة، وعشرون جَذَعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون بني مخاض ذكر (٣). وعن عكرمة، عن ابن عبَّاس: أن رجلًا من بني عدي قتل، فجعل رسول الله ﷺ ديته اثني عشر ألفًا (٤).
فهذه الأحاديث التي دارت بين العلماء الذين تقدم ذكر مذاهبهم، فصار كل فريق منهم إلى ما صحَّ عنده منها، وعمل به، ومن بلغه جميعها فلا بد له من البحث عنها حتى يتبيَّن له الأرجح منها.
و(قوله في الرواية الأخرى: أن رجلًا من اليهود قتل جارية من الأنصار على حلي لها)، وفي رواية (٥): (على أوضاح، فألقاها في القليب). و (الأوضاح): جمع: وضح، وهو الحُلِي من الدراهم (٦)؛ قاله أبو عبيد. و (القليب): البئر غير المطوية (٧). و (رضخ رأسها): شدخه.
стр. 2685
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَرَ بِهِ أَن يُرجَمَ حَتَّى يَمُوتَ، فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ.
رواه مسلم (١٦٧٢).
* * *
(٤) باب من عض يد رجل فانتزع يده فسقطت ثنية العاض
[١٧٦٥] عَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ قَالَ: قَاتَلَ يَعلَى بنُ مُنيَةَ - أَو ابنُ أُمَيَّةَ - رَجُلًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَانتَزَعَ يَدَهُ مِن فَمِهِ فَنَزَعَ ثَنِيَّتَهُ، - وفي
ــ
و(قوله: فأمر به رسول الله ﷺ أن يرجم حتى يموت، فرجم حتى مات) هذا مخالف لمساق الرِّواية الأولى، فلذلك قيل في هذا: إنَّها قضية أخرى غير تلك. والأولى: أن القضية واحدة، غير أن الرَّاوي عبَّر عن رض رأس اليهودي بالحجارة بالرَّجم. ولا بُعد في ذلك؛ فإنَّه من تسمية الشيء بما يشبهه.
(٤) ومن باب: من عَضَّ يد رَجُلٍ
(قوله: قاتل يعلى بن أمية - أو: ابن مُنيَة - رجلًا) كذا صواب هذا اللفظ. وصحيح مُنيَة: بميم مضمومة، ونون ساكنة، وياء باثنتين من تحتها. وهي امرأة، وبها كان يُعرف. واختلف فيها؛ هل كانت أمُّه، أو جدَّته؟ قال أبو الحسن الدارقطني (١): مُنيَة بنت الحارث هي جدة يعلى، وبها كان يعرف. قاله الزبير بن بكَّار. وقال أهل الحديث: يقولون: هي أمَّه، وأنها مُنيَة بنت غزوان. وقال الطبري: يعلى بن أمية، أمُّه: مُنيَة بنت جابر. ومن قال: (مُنَبِّه) بنون مفتوحة، وباء مكسورة بواحدة تحتها فقد صحَّف؛ قاله القاضي عياض.
стр. 2686
رواية: ثَنِيَّتَيهِ - فَاختَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَيَعَضُّ أَحَدُكُم كَمَا يَعَضُّ الفَحلُ؟ لَا دِيَةَ لَهُ.
وفي رواية: فقال رسول الله ﷺ : ما تأمرني؟ تأمرني أن آمره أن يدع يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل؟ ادفع يدك حتى يقضمها، ثم انتزعها.
ــ
قلت: ويُعرف أيضًا بأبيه، وقد صحَّت نسبته إليهما في كتب الحديث. فمرة نُسب إلى أبيه، وهو: أميَّة، ومرة نسب إلى هذه المرأة. وهذه الرِّواية يظهر منها: أن يعلى هو الذي قاتل الرَّجل. وفي الرواية الأخرى: أن أجيرًا ليعلى بن أميَّة عضَّ يد رجل. وهذا هو الأولى، والأليق؛ إذ لا يليق هذا (١) الفعل بيعلى بن أميَّة مع جلالته وفضله.
و(قوله: أن يدع يده في فيك يقضمها كما يقضم الفحل؟ ) أي: يعضها كما يعض الفحل، كما جاء مبينًا في الرواية الأخرى. يقال: قضمت الدَّابة شعيرها - بكسر الضاد - تقضمه - بفتحها - على اللغة الفصيحة: إذا أكلته بأطراف أسنانها. وخضمته - بالخاء المنقوطة بواحدة من فوقها -: إذا أكلته بفيها كلِّه. ويقال: الخضم: أكل الرُّطب واللَّيِّن. والقضم: أكل اليابس. ومنه قول الحسن: تخضمون ونقضم، والموعد: الحساب.
و(قوله: ادفع يدك حتى يقضمها ثم انتزعها) هو أمرٌ على جهة الإنكار، كما قال قبل هذا: (بم تأمرني؟ تأمرني أن آمره أن يدع يده في فيك (٢) تقضمها؟ ! ) فمعناه: أنك لا تدع يدك في فمه يقضمها، ولا يمكن أن يؤمر بذلك.
стр. 2687
رواه أحمد (٤/ ٢٢٢)، والبخاري (٢٢٦٥)، ومسلم (١٦٧٤) (١٨ و ٢١)، وأبو داود (٤٥٨٤ و ٤٥٨٥)، والنسائي (٨/ ٣٠)، وابن ماجه (٢٦٥٦).
* * *
ــ
و(قوله: لا دية له، وفي الأخرى: فأبطله رسول الله ﷺ ) نصٌّ صريحٌ في إسقاط القصاص والدِّية في ذلك. ولم يقل أحدٌ بالقصاص فيما علمت، وإنما الخلاف في الضمان. فأسقطه أبو حنيفة وبعض أصحابنا، وضمنه الشافعي. وهو مشهور مذهب مالك. ونزَّل بعض أصحابنا القول بالضَّمان على ما إذا أمكنه نزع يده برفق، فانتزعها بعنف. وحمل بعض أصحابنا الحديث على أنه كان متحرك الثنايا. وهذا يحتاج إلى خُطُم (١)، وأزمَّة، ولا ينبغي أن يُعدل عن صريح الحديث. وقد روي عن مالك والشافعي في الجمل الصائل إذا دفعه الرَّجل عن نفسه، فأدَّى إلى تلف الصائل، لم يكن فيه ضمان؛ لأنَّه مأمور بالدَّفع عن نفسه. ومن فعل ما أمر به لم يلزمه ضمان.
قلت: وعلى هذا: فيخرج من هذه المسألة قول بإسقاط الضمان في مسألة العضّ المتقدمة عن مالك، والشافعي؛ لأنَّه مأمور بنزع يده من فيه، وأبو حنيفة يلزم الضمان في مسألة الصائل، لكنه يجيب عن هذا المعنى بأنه وإن سلَّم أنه مأمور بالدَّفع عن نفسه، فلم يؤذن له في إتلاف مال فيضمن.
قلت: ويخرج من هذا قول عن أبي حنيفة في إثبات الضمان في مسألة العضّ. ويقرب من هذا مسألة من اطَّلع من باب بيتٍ ففقئت عينه لذلك، فاختلف أصحابنا في ذلك. فأكثر منهم على الضمان. وبه قال أبو حنيفة، وبعضهم قال بنفيه. وبه قال الشافعي.
стр. 2688
(٥) باب القصاص في الجراح
[١٧٦٦] عَن أَنَسٍ: أَنَّ أُختَ الرُّبَيِّعِ أُمَّ حَارِثَةَ جَرَحَت إِنسَانًا،
ــ
قلت: وهو الظاهر من قوله ﷺ : (لو أن امرأً اطَّلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاةٍ، ففقأت عينه لم يكن عليك جناح) (١)، وأيضًا: فقد رام النبي ﷺ أن يطعن بالمدراة في عين من أراد أن يطَّلع من حُجرٍ في باب بيته. وقال: (لو أعلم أنك تطَّلع لطعنت به في عينك) (٢)، وما كان النبي ﷺ بالذي يريد أن يفعل ما لا يجوز، أو ما يؤدي إلى ديةٍ. وأيضًا: فقد جاء عنه أنه قال: (من اطَّلع في بيت قومٍ بغير إذنهم فقد حلَّ لهم أن يفقؤوا عينه) (٣). وأمَّا من زعم: أنه يضمن، فمن حُجَّته: أنَّه لو نظر إنسان إلى عورة آخر لما أباح ذلك منه فقء عينه، ولما سقط عنه الضمان بالاتفاق. [فهذا أول بنفي الضمان] (٤). وحملوا قوله: (لا جناح عليك) أي: لا إثم. ومنهم من قال: يحمل الحديث على أنَّه رماه بحصاةٍ. ولم يرد فقء عينه، فانتفى عنه الإثم لذلك.
قلت: وهذا تحريف وتبديل، لا تأويل، ولا قياس مع النصوص.
(٥) ومن باب: القصاص في الجراح
(قوله: إن أخت الرُّبيِّع أم حارثة جرحت إنسانًا) كذا وقع هذا اللفظ في كتاب
стр. 2689
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مسلم. قال القاضي عياض: المعروف: أن الرَّبيع هي صاحبة القصة. وكذا جاء الحديث في البخاري في الروايات الصحيحة: أنها الرَّبيع بنت النضر، وأخت أنس بن النَّضر، وعمَّة أنس بن مالك. وأن الذي أقسم هو أخوها أنس بن النَّضر، وكذا في المصنفات، وجاء مفسَّرًا عند البخاري وغيره: أنها لطمت جارية، فكسرت ثنيَّتها. ورواية البخاري هذه تدل: على أن الإنسان المجروح المذكور في رواية مسلم هو جارية. فلا يكون فيه حجَّة لمن ظن أنَّه رجل، فاستدلَّ به: على أن القصاص جار بين الذكر والأنثى فيما دون النفس. والصحيح: أن الإنسان ينطلق على الذكر والأنثى وهو من أسماء الأجناس. وهي تعمُّ الذكر والأنثى، كالفرس يعمُّ الذكر والأنثى. والجمهور من السلف والخلف على جريان القصاص بين الذكر والأنثى، فيقتل الذكر بالأنثى إلا خلافًا شاذًّا عن الحسن وعطاء، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب. وهم محجوجون بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبنَا عَلَيهِم فِيهَا أَنَّ النَّفسَ بِالنَّفسِ﴾ فعمَّ، وبأنه قد تقدم: أن النبي ﷺ قتل اليهودي بالجارية (١). فأمَّا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ القِصَاصُ فِي القَتلَى﴾؛ فإنما اقتضت بيان حكم النوع إذا قتل نوعه، فبيَّنت حكم الحرِّ إذا قتل حرًّا، والعبد إذا قتل عبدًا، والأنثى إذا قتلت أنثى. ولم تتعرض لأحد النَّوعين إذا قتل الآخر، لكن بين ذلك بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبنَا عَلَيهِم فِيهَا أَنَّ النَّفسَ بِالنَّفسِ﴾ وبيَّنه النبي ﷺ بسنَّته لما قتل اليهودي بالمرأة. وأمَّا القِصاص بين الرَّجل والمرأة فيما دون النفس: فهو قول الجمهور أيضًا، وخالفهم في ذلك ممن يرى القصاص بينهما في النفس أبو حنيفة، وحمَّاد، فقالا: لا قصاص بينهما فيما دون النفس. وهما محجوجان بإلحاق ما دون النَّفس على طريق الأحرى والأولى. وذلك: أنهما قد وافقا الجمهور: على أن الرَّجل يقتل بالمرأة مع عظم حرمة
стр. 2690
فَاختَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : القِصَاصَ القِصَاصَ! . فَقَالَت أُمُّ الرَّبِيعِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُقتَصُّ مِن فُلَانَةَ؟ ! وَاللَّهِ لَا يُقتَصُّ مِنهَا،
ــ
النَّفس. ولا شكَّ: أن حرمة ما دون النفس أهونُ من حرمة النَّفس. فكان القِصاص فيها أحرى وأولى. وفي المسألتين مباحث مستوفاة في علم الخلاف.
و(قوله: القصاصَ، القصاصَ! ) الرِّواية بنصب القصاص في اللفظين. ولا يجوز غيره. وهو منصوب بفعل مضمر لا يجوز إظهاره. تقديره: ألزمكم القصاص. أو: أقيموا القصاص. غير أن هذا الفعل لا تظهره العرب قطّ؛ لأنهم استغنوا عنه بتكرار اللفظ. كما قالوا: الجدارَ الجدارَ (١). والصبي، الصبي.
ولما فهم أنس بن النضر - على ما ذكره البخاري، أو أمّ الرَّبيع على ما ذكره مسلم - لزوم القصاص؛ عظم عليه أن تكسر ثنية الجانية، فبذلوا الأرش؛ فلم يرضَ أولياء المجني عليها به، فكلَّم أهلها في ذلك، فأبَوا، فلما رأى امتناعهم من ذلك، وأن القصاص قد تعيَّن قال: أيُقتَصُّ من فلانة، والله لا يُقتصُّ منها؟ ! ثقة منه بفضل الله تعالى، وتعويلًا عليه في كشف تلك الكُربة، لا أنه ردَّ حكم الله وعانده، بل هو مُنزَّهٌ عن ذلك لما علم من فضله، وعظيم قدره، وبشهادة النبي ﷺ بما له عند الله تعالى من المنزلة. وهذا التأويل أولى من تأويل من قال: إن ذلك القسم كان منه على جهة الرَّغبة للنبي ﷺ ، أو للأولياء؛ لأن النبي ﷺ قد أنكر ذلك عليه بقوله: (سبحان الله! كتاب الله القصاص). ولو كان رَغِبَهُ لما أنكره. وأيضًا: فإن النبي ﷺ قد سمَّاه قسمًا، وأخبر: أنه قسم على الله، وأن الله تعالى قد أبرَّه فيه لما قال: (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرَّه).
ففيه: العمل بشرع من قبلنا إذا صحَّ عندنا، ولم يثبت في شرعنا ناسخ له. ولا مانع منه. وقد اختلف في ذلك الفقهاء، والأصوليون. وفي المذهب فيه
стр. 2691
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : سُبحَانَ اللَّهِ، يَا أُمَّ الرَّبِيعِ، القِصَاصُ كِتَابُ اللَّهِ. قَالَت: لَا وَاللَّهِ، لَا يُقتَصُّ مِنهَا أَبَدًا، قَالَ: فَمَا زَالَت حَتَّى قَبِلُوا الدِّيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ مِن عِبَادِ اللَّهِ مَن لَو أَقسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ.
رواه أحمد (٣/ ١٢٨)، والبخاري (٢٨٠٦)، ومسلم (١٦٧٥)، وأبو داود (٤٥٩٥)، والنسائي (٨/ ٢٦ - ٢٧)، وابن ماجه (٢٦٤٩).
* * *
ــ
قولان، ووجه هذا الفقه قوله: (كتاب الله القصاص)، وليس في كتاب الله القصاص في السِّن إلا في قوله تعالى حكاية عمَّا حكم به في التوراة في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبنَا عَلَيهِم فِيهَا﴾ الآية، إلى قوله: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾
وفيه: القصاص في السِّن إذا قُلِعَت أو طُرِحَت. وفي كسرها وكسر عظام الجسد خلاف؛ هل يُقتَصُّ منها، أو لا؟ فذهب مالك إلى القصاص في ذلك كلِّه إذا أمكنت المماثلة وما لم يكن مخوفًا، كعظم الفخذ، والصُّلب، أخذًا بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعتَدَى عَلَيكُم فَاعتَدُوا عَلَيهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيكُم﴾ وبقوله: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ وذهب الكوفيون، والليث، والشافعي: إلى أنَّه لا قود في كسر عظم ما خلا السِّن لعدم الثقة بالمماثلة. وفيه ما يدلّ على كرامات الأولياء.
* * *
стр. 2692
(٦) باب لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، وتكرار إثم من سن القتل، وأنه أول ما يقضى فيه
[١٧٦٧] عَن عَبدِ اللَّهِ - هو ابن مسعود - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلِمٍ يَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفسُ بِالنَّفسِ،
ــ
(٦) ومن باب: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث
(قوله ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنَّفس بالنَّفس، والتَّارك لدينه المفارق للجماعة) الثيب هنا: المحصن. وهو اسم جنس يدخل فيه الذكر والأنثى. وهو حجَّة على ما اتفق المسلمون عليه: من أن حكم الزاني المحصن الرَّجم. وسيأتي شروط الإحصان، وبيان أحكام الرَّجم.
و(قوله: النفس بالنَّفس) موافق لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبنَا عَلَيهِم فِيهَا أَنَّ النَّفسَ بِالنَّفسِ﴾ ويعني به: النفوس المتكافئة في الإسلام، والحرِّيَّة؛ بدليل قوله: (لا يقتل مسلم بكافر) (١) خرَّجه البخاري عن علي بن أبي طالب ﵁، وهو حجَّة للجمهور من الصَّحابة، والتابعين على من خالفهم، وقال: يقتل المسلم بالذمي. وهم أصحاب الرأي، والشَّعبي، والنَّخعي، ولا يصحُّ لهم ما رووه من حديث ربيعة: أن النبي ﷺ قتل يوم خيبر مسلمًا بكافر (٢)؛ لأنَّه
стр. 2693
وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ
ــ
منقطع، ومن حديث ابن البيلماني، وهو ضعيف، ولا يصحُّ في الباب إلا حديث البخاري المتقدم.
وأما الحرية فشرط في التكافؤ، فلا يقتل حر بعبد عند مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور. وهو قول الحسن، وعطاء، وعمرو بن دينار، وعمر بن عبد العزيز؛ محتجِّين في ذلك: بأن العبد لما كان مالًا متقوَّمًا كان كسائر الأموال إذا تلفت؛ فإنما يكون فيها قيمة المتلف بالغة ما بلغت، والحرُّ ليس بمال بالاتفاق، فلا يكون كفؤًا للعبد، فلا يقتل به، ويغرم قيمته ولو فاقت على دية الحرِّ، ويجلد القاتل مائة، ويحبس عامًا عند مالك.
وذهبت طائفة أخرى: إلى أنَّه يُقتل به. وإليه ذهب سعيد بن المسيب، والنخعي، والشعبي، وقتادة، والثوري، وأصحاب الرأي؛ محتجين بقوله ﷺ : (المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم) (١)، وذهب النخعي، والثوري في أحد قوليه: إلى أنه يقتل به، وإن كان عبده، محتجين في ذلك بما رواه النسائي من حديث الحسن عن سمرة: أن رسول الله ﷺ قال: (من قتل عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه، ومن أخصاه خصيناه) (٢). قال البخاري عن علي بن المديني: سماع الحسن من سمرة صحيح. وأخذ بهذا الحديث. وقال البخاري: وأنا أذهب إليه. وقال غيره: لم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة.
و(قوله: التارك لدينه) يعني به: المرتد؛ الذي قال فيه النبي ﷺ : (من بدَّل دينه فاقتلوه) (٣). وهذا الحديث يدل: على أن المرتد الذي يقتل هو الذي يبدل بدين الإسلام دين الكفر؛ لأنَّه ﷺ استثناه من قوله: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث)، ثم ذكرهم، وذكر منهم: التارك لدينه. وقد تقدم الكلام في الرِّدَّة، وأحكامها.
стр. 2694
المُفَارِقُ لِلجَمَاعَةِ.
رواه أحمد (١/ ٤٦٥)، ومسلم (١٦٧٦)(٢٥)، وأبو داود (٤٣٥٢)، والترمذي (١٤٠٢)، والنسائي (٨/ ١٣)، وابن ماجه (٢٥٣٤).
[١٧٦٨] وعنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تُقتَلُ نَفسٌ ظُلمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفلٌ مِن دَمِهَا؛
ــ
و(قوله: المفارق للجماعة) ظاهره: أنَّه أتى به نعتًا جاريًا على التارك لدينه؛ لأنَّه إذا ارتد عن دين الإسلام، فقد خرج عن جماعتهم، غير أنه (يلحق بهم) (١) في هذا الوصف كل من خرج عن جماعة المسلمين، وإن لم يكن مرتدًّا، كالخوارج، وأهل البدع إذا منعوا أنفسهم من إقامة الحدِّ (٢) عليهم، وقاتلوا عليه، وأهل البغي، والمحاربون، ومن أشبههم؛ فيتناولهم لفظ (المفارق للجماعة) بحكم العموم، وإن لم يكن كذلك لم يصحّ الحصر المذكور في أول الحديث الذي قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث)، فلو كان المفارق للجماعة إنما يعني به: المفارقة بالرِّدَّة فقط لبقي من ذكرناه من المفارقين للجماعة بغير الردة لم يدخلوا في الحديث، ودماؤهم حلال بالاتفاق، وحينئذ لا يصحُّ الحصر، ولا يصدق، وكلام الشارع مُنَزَّهٌ عن ذلك؛ فدلَّ: على أن ذلك الوصف يعم جميع ذلك النوع، والله تعالى أعلم. وتحقيقه: أنَّ كلَّ من فارق الجماعة يصدق عليه: أنه بدَّل دينه، غير أن المرتدَّ بدَّل كلَّ الدِّين، وغيره من المفارقين بدَّل بعضه.
و(قوله: لا تقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها) يدخل فيه بحكم عمومه نفس الذمِّي والمعاهد إذا قتلا ظلمًا؛ لأنَّ (نفسًا) نكرة في سياق النفي، فهي للعموم.
و(الكفل): الجزء والنصيب، كما قال تعالى: ﴿وَمَن
стр. 2695
لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَن سَنَّ القَتلَ.
رواه أحمد (١/ ٣٨٣)، والبخاري (٣٣٣٥)، ومسلم (١٦٧٧)، والنسائي (٧/ ٨٢)، وابن ماجه (٢٦١٦).
ــ
يَشفَع شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَهُ كِفلٌ مِنهَا﴾؛ أي: نصيب. وقال الخليل: الكفل من الأجر والإثم: الضعف.
و(قوله: لأنَّه أول من سنَّ القتل) نصٌّ على تعليل ذلك الأمر؛ لأنَّه لما كان أول من قتل كان قتله ذلك تنبيهًا لمن أتى بعده، وتعليمًا له. فمن قتل كأنَّه اقتدى به في ذلك، فكان عليه من وزره. وهذا جار في الخير والشَّرِّ؛ كما قد نصَّ عليه النبي ﷺ في الحديث المتقدم بقوله: (من سنَّ في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) (١). وبهذا الاعتبار يكون على إبليس كفل من معصية كل من عصى بالسجود؛ لأنَّه أول من عصى به. وهذا - والله أعلم - ما لم يتب ذلك القاتل الأول من تلك المعصية؛ لأنَّ آدم ﵇ أول من خالف في أكل ما نهي عنه، ولا يكون عليه شيء من أوزار من عصى بأكل ما نهي عنه، ولا شربه ممن بعده بالإجماع؛ لأنَّ آدم ﵇ تاب من ذلك، وتاب الله عليه، فصار كأن لم يجن؛ فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. والله تعالى أعلم.
وابن آدم المذكور هنا هو: قابيل، قتل أخاه هابيل لما تنازعا تزويج إقليمياء، فأمرهما آدم أن يقربا قربانًا، فمن تقبل منه قربانه؛ كانت له. فتُقُبِّل قربان هابيل، فحسده قابيل، فقتله بغيًا وعدوانًا. هكذا حكاه أهل التفسير.
стр. 2696
[١٧٦٩] وعنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَوَّلُ مَا يُقضَى بَينَ النَّاسِ يَومَ القِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ.
رواه أحمد (١/ ٤٤٠)، والبخاري (٦٨٦٤)، ومسلم (١٦٧٨)، والترمذي (١٣٩٧)، والنسائي (٧/ ٨٣)، وابن ماجه (٢٦١٧).
* * *
(٧) باب تحريم الدماء والأموال والأعراض
[١٧٧٠] عَن أَبِي بَكرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الزَّمَانَ قَد استَدَارَ كَهَيئَتِهِ يَومَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ،
ــ
و(قوله: إن أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدِّماء) هذا يدل: على أنه ليس في حقوق الآدميين أعظم من الدماء. ولا تعارض بين هذا وبين قوله ﷺ : (أول ما يحاسب به العبد من عمله الصلاة) (١) لأنَّ كل واحد منهما أول في بابه. فأول ما ينظر فيه من حقوق الله الصلاة. فإنَّها أعظم قواعد الإسلام العملية. وأول ما ينظر فيه من حقوق الآدميين الدِّماء؛ لأنَّها أعظم الجرائم. وقد تقدم هذا في كتاب الصلاة.
(٧) ومن باب: تحريم الدماء والأموال والأعراض
قوله: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض) اختلف في (معنى هذا اللفظ) (٢) على أقوال كثيرة. وأشبه ما فيها ثلاثة أقوال:
стр. 2697
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحدها: قاله إياس بن معاوية، وذلك: أن المشركين كانوا يحسبون السنة اثني عشر شهرًا وخمسة عشر يومًا، فكان الحجُّ يكون في رمضان، وفي ذي القعدة، وفي كل شهر من السَّنة [بحكم استدارة الشهر بزيادة الخمسة عشر يومًا، فحجَّ أبو بكر ﵁ سنة تسع في ذي القعدة] (١)، بحكم الاستدارة، ولم يحج النبي ﷺ . فلما كان في العام المقبل وافق الحجّ ذا الحجَّة في العشر، ووافق ذلك الأهلة. وقد روي أن أبا بكر إنما حجَّ في ذي الحجة.
الثاني: روي عن ابن عباس أنَّه قال: كانوا إذا كانت السنة التي ينسأ فيها، قام خطيبهم وقد اجتمع إليه الناس يوم الصَّدر فقال: أيها الناس! إني قد نسأت العام صفرًا الأول. يعني: المُحَرَّم. فيطرحونه من الشهور، ولا يعتدُّون به. ويبدؤون العدَّة، فيقولون لصفر وشهر ربيع الأول: صفران، ولربيع الآخر وجمادى الأولى: شهرا ربيع، ولجمادى الآخرة ورجب: جماديان، ولشعبان: رجب، ولرمضان: شعبان، وهكذا إلى محرَّم. ويبطلون من هذه السَّنة شهرًا، فيحجون في كل شهر حجتين. ثم ينسأ في السَّنة الثالثة صفرًا الأوّل في عدَّتهم، وهو الآخر في العدَّة المستقيمة، حتى تكون حجتهم في صفر حجتين. وكذلك الشهور كلها حتى يستدير الحجَّ في كل أربع وعشرين سنة إلى المحرم الشهر الذي ابتدؤوا فيه النَّساء. ونحوه قال ابن الزبير، إلا أنه قال: يفعلون ذلك في كل ثلاث سنين، يزيدون شهرًا. قيل: وكانوا يقصدون بذلك موافقة شهور العجم لشهور الأهلة حتى تأتي الأزمان واحدة.
الثالث: قيل: كانت العرب تحجُّ عامين في ذي القعدة، وعامين في ذي الحجة، فصادفت حجَّة أبي بكر ﵁ ذا القعدة من السَّنة الثانية. وصادفت حجَّة النبي ﷺ ذا الحجة بالاستدارة.
стр. 2698
السَّنَةُ اثنَا عَشَرَ شَهرًا، مِنهَا أَربَعَةٌ حُرُمٌ،
ــ
والأشبه القول الأول؛ لأنَّه هو الذي استفيد نفيه من قوله ﷺ : (إن الزمان قد استدار) أي: زمان الحجِّ عاد إلى وقته الأصلي؛ الذي عينه الله تعالى له يوم خلق السماوات والأرض بأصل المشروعية التي سبق بها علمه، ونفذ بها حكمه. ثم قال: (السَّنة اثنا عشر شهرًا) ينفي بذلك الزيادة التي زادوها في السنَّة؛ وهي الخمسة عشر يومًا بتحكمهم. ثمَّ هذا موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثنَا عَشَرَ شَهرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَومَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ مِنهَا أَربَعَةٌ حُرُمٌ﴾ فتعيَّن الوقت الأصلي، وبطل التحكُّم الجهلي. والحمد لله الولي.
قلت: وهذه أقوال سلف هذه الأمَّة، وعلماء أهل السُّنة، وقد تكلَّم على هذا الحديث بعض من يدَّعي علم التعديل بقولٍ صدر عنه من غير تحقيق ولا تحصيل، فقال: إن الله سبحانه أول ما خلق الشمس أجراها في برج الحمل، وكأن الزمان الذي أشار إليه (١) النبي ﷺ صادف حلول الشمس في برج الحمل.
قلت: وهذا تقوُّل بما لم يصحّ نقله؛ إذ مقتضى قوله: إن الله تعالى خلق البروج قبل الشمس، وأنه أجراها في أول برج الحمل. وهذا لا يتوصل إليه إلا بالنقل عن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ولا نقلا صحيحا عنهم بشيء من ذلك. ومن ادَّعاه فليُسنده. ثمَّ: إن العقل يجوز خلاف ما قال. وهو: أن يخلق الله تعالى الشمس قبل البروج. ويجوز أن يخلق ذلك دفعة واحدة. ثم إن علماء التعديل قد اختبروا كلام ذلك الرجل فوجدوه خطأ صراحًا؛ لأنَّهم اعتبروا بحساب التعديل اليوم الذي قال فيه النبي ﷺ ذلك القول، فوجدوا الشمس فيه في برج الحوت، بينها وبين الحمل عشرون درجة. ومنهم من قال: عشر درجات، والله تعالى أعلم.
و(قوله: منها أربعة حرم) أي: من الاثني عشر شهرًا، وأولها المحرم.
стр. 2699
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سُمي بذلك: لتحريم القتال فيه. ثمَّ صفر. سُمي بذلك: لخلوِّ مكة من أهلها فيه. وقيل: وقع فيه وباءٌ فاصفرَّت وجوههم. أبو عبيد: لصفر الأواني من اللَّبن. ثم الربيعان: لارتباع الناس فيهما؛ أي: لإقامتهم في الربيع. ثم جماديان، وسُميا بذلك: لأن الماء جمد فيهما. ثم رجب، سُمي بذلك: لترجيب العرب إياه؛ أي: لتعظيمهم له، أو لأنَّه لا قتال فيه. والأرجب: الأقطع. ثم شعبان. وسُمي بذلك: لتشعب القبائل فيه. ثم رمضان. وسمي بذلك: لشدَّة الرمضاء فيه. ثم شوَّال. وسُمي بذلك: لأن اللقاح تشول فيه أذنابها. ثم ذو القعدة، سُمي بذلك لقعودهم فيه عن الحرب. ثم ذو الحجَّة، وسمي بذلك: لأن الحجَّ فيه. ويجوز في (فاء): ذي القعدة وذي الحجَّة الفتح والكسر، غير أن الفتح في (ذي القعدة) أفصح.
وسميت الحُرُم حرمًا: لاحترامها وتعظيمها بما خصَّت به من أفعال البر، وتحريم القتال، وتشديد أمر البغي والظلم فيها.
وذلك: أن العرب كانت في غالب أحوالها، ومعظم أوقاتها قبل مجيء الإسلام أهل غارة، ونهب، وقتال، وحرب، يأكل القوي الضعيف، ويصول على المشروف الشريف، لا يرجعون لسلطان قاهر، ولا لأمر جامع، وكانوا فوضى فضا (١)، من غلب سلب، ومن عز بزَّ (٢)، لا يأمن لهم سِرب، ولا يستقر بهم حال. فلطف الله بهم بأن جعل في نفوسهم احترام أمور يمتنعون فيها من الغارة، والقتال، والبغي، والظلم، فيأمن بعضهم من بعض، ويتصرَّفون فيها في حوائجهم، ومصالحهم، فلا يهيج فيها أحدٌ أحدًا، ولا يتعرَّض له، حتى إن الرَّجل يلتقي فيها بقاتل أبيه وأخيه فلا يتعرض له بشيء، ولا بغدر؛ بما جعل الله في قلوبهم من تعظيم تلك الأمور. ولا يبعد أن يكون أصل ذلك مشروعًا لهم من دين إبراهيم وإسماعيل؛ كالحجِّ، والعمرة، وغيرهما مما كان عندهم من شرائعهما.
стр. 2700
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذه الأمور من الزمان: الأشهر الحرم. ومن المكان: حرم مكة. ومن الأموال: الهدي والقلائد. ويشهد لما ذكرناه قوله تعالى: ﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ الشَّهرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُل قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿مِنهَا أَربَعَةٌ حُرُمٌ﴾ ثم قال: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ وقوله تعالى في الحرم: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وقوله: ﴿أَوَلَم يَرَوا أَنَّا جَعَلنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِن حَولِهِم﴾ وقوله: ﴿وَإِذ جَعَلنَا البَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمنًا﴾ وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعبَةَ البَيتَ الحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ ومعنى كون هذه الأمور قيامًا للناس؛ أي: تقوم بها أحوالهم، وتنتظم بها مصالحهم من أمر أديانهم ومعايشهم. هذا معنى ما قاله المفسرون. فلما جاء الإسلام لم يزد تلك الأمور إلا تعظيمًا وتشريفًا، غير أنه لما حدَّ الحدود، وشرع الشرائع، ونصب العقوبات والزواجر؛ اتفقت كلمة المسلمين، والتزمت شرائع الدين، فأمن الناس على دمائهم ونفوسهم، وأموالهم، فامتنع أهل الظلم من ظلمهم، وكف أهل البغي عن بغيهم، واستوى في الحق القوي والضعيف، والمشروف والشريف. فمن صدر عنه بغي، أو عدوان، قمعته كلمة الإسلام، وأقيمت عليه الأحكام، فحينئذ لا يعيده شيء من تلك المحرَّمات، ولا يحول بينه وبين حكم الله تعالى أحدٌ من المخلوقات. فالحمد لله الذي هدانا لهذا الدِّين القويم، والمنهج المستقيم. وهو المسؤول بأن ينعم علينا بالدَّوام، والتَّمام، ويحشرنا في زمرة واسطة النظام محمد ﵊.
والهَدي: ما يُهدى من الأنعام إلى البيت الحرام، والقلائد يعني به: ما تُقلَّدُ به الهدايا؛ وذلك بأن يجعل في عنق البعير حبل يُعلَّق به نعل، كما تقدَّم في كتاب الحج. ويعني بذلك: أن الهدي مهما أُشعر وقُلِّد لم يجز لأحد أن يتملَّكه، ولا أن يأخذه إن وجده. بل يجب عليه أن يحمله إلى مكة إن أمكنه ذلك حتى يُنحَر هناك على ما تقدَّم.