← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

[١٧٦٩] وعنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَوَّلُ مَا يُقضَى بَينَ النَّاسِ يَومَ القِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ. رواه أحمد (١/ ٤٤٠)، والبخاري (٦٨٦٤)، ومسلم (١٦٧٨)، والترمذي (١٣٩٧)، والنسائي (٧/ ٨٣)، وابن ماجه (٢٦١٧). * * * (٧) باب تحريم الدماء والأموال والأعراض [١٧٧٠] عَن أَبِي بَكرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الزَّمَانَ قَد استَدَارَ كَهَيئَتِهِ يَومَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ، ــ و(قوله: إن أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدِّماء) هذا يدل: على أنه ليس في حقوق الآدميين أعظم من الدماء. ولا تعارض بين هذا وبين قوله ﷺ : (أول ما يحاسب به العبد من عمله الصلاة) (١) لأنَّ كل واحد منهما أول في بابه. فأول ما ينظر فيه من حقوق الله الصلاة. فإنَّها أعظم قواعد الإسلام العملية. وأول ما ينظر فيه من حقوق الآدميين الدِّماء؛ لأنَّها أعظم الجرائم. وقد تقدم هذا في كتاب الصلاة. (٧) ومن باب: تحريم الدماء والأموال والأعراض قوله: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض) اختلف في (معنى هذا اللفظ) (٢) على أقوال كثيرة. وأشبه ما فيها ثلاثة أقوال:

стр. 2697

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحدها: قاله إياس بن معاوية، وذلك: أن المشركين كانوا يحسبون السنة اثني عشر شهرًا وخمسة عشر يومًا، فكان الحجُّ يكون في رمضان، وفي ذي القعدة، وفي كل شهر من السَّنة [بحكم استدارة الشهر بزيادة الخمسة عشر يومًا، فحجَّ أبو بكر ﵁ سنة تسع في ذي القعدة] (١)، بحكم الاستدارة، ولم يحج النبي ﷺ . فلما كان في العام المقبل وافق الحجّ ذا الحجَّة في العشر، ووافق ذلك الأهلة. وقد روي أن أبا بكر إنما حجَّ في ذي الحجة. الثاني: روي عن ابن عباس أنَّه قال: كانوا إذا كانت السنة التي ينسأ فيها، قام خطيبهم وقد اجتمع إليه الناس يوم الصَّدر فقال: أيها الناس! إني قد نسأت العام صفرًا الأول. يعني: المُحَرَّم. فيطرحونه من الشهور، ولا يعتدُّون به. ويبدؤون العدَّة، فيقولون لصفر وشهر ربيع الأول: صفران، ولربيع الآخر وجمادى الأولى: شهرا ربيع، ولجمادى الآخرة ورجب: جماديان، ولشعبان: رجب، ولرمضان: شعبان، وهكذا إلى محرَّم. ويبطلون من هذه السَّنة شهرًا، فيحجون في كل شهر حجتين. ثم ينسأ في السَّنة الثالثة صفرًا الأوّل في عدَّتهم، وهو الآخر في العدَّة المستقيمة، حتى تكون حجتهم في صفر حجتين. وكذلك الشهور كلها حتى يستدير الحجَّ في كل أربع وعشرين سنة إلى المحرم الشهر الذي ابتدؤوا فيه النَّساء. ونحوه قال ابن الزبير، إلا أنه قال: يفعلون ذلك في كل ثلاث سنين، يزيدون شهرًا. قيل: وكانوا يقصدون بذلك موافقة شهور العجم لشهور الأهلة حتى تأتي الأزمان واحدة. الثالث: قيل: كانت العرب تحجُّ عامين في ذي القعدة، وعامين في ذي الحجة، فصادفت حجَّة أبي بكر ﵁ ذا القعدة من السَّنة الثانية. وصادفت حجَّة النبي ﷺ ذا الحجة بالاستدارة.

стр. 2698

السَّنَةُ اثنَا عَشَرَ شَهرًا، مِنهَا أَربَعَةٌ حُرُمٌ، ــ والأشبه القول الأول؛ لأنَّه هو الذي استفيد نفيه من قوله ﷺ : (إن الزمان قد استدار) أي: زمان الحجِّ عاد إلى وقته الأصلي؛ الذي عينه الله تعالى له يوم خلق السماوات والأرض بأصل المشروعية التي سبق بها علمه، ونفذ بها حكمه. ثم قال: (السَّنة اثنا عشر شهرًا) ينفي بذلك الزيادة التي زادوها في السنَّة؛ وهي الخمسة عشر يومًا بتحكمهم. ثمَّ هذا موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثنَا عَشَرَ شَهرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَومَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ مِنهَا أَربَعَةٌ حُرُمٌ﴾ فتعيَّن الوقت الأصلي، وبطل التحكُّم الجهلي. والحمد لله الولي. قلت: وهذه أقوال سلف هذه الأمَّة، وعلماء أهل السُّنة، وقد تكلَّم على هذا الحديث بعض من يدَّعي علم التعديل بقولٍ صدر عنه من غير تحقيق ولا تحصيل، فقال: إن الله سبحانه أول ما خلق الشمس أجراها في برج الحمل، وكأن الزمان الذي أشار إليه (١) النبي ﷺ صادف حلول الشمس في برج الحمل. قلت: وهذا تقوُّل بما لم يصحّ نقله؛ إذ مقتضى قوله: إن الله تعالى خلق البروج قبل الشمس، وأنه أجراها في أول برج الحمل. وهذا لا يتوصل إليه إلا بالنقل عن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ولا نقلا صحيحا عنهم بشيء من ذلك. ومن ادَّعاه فليُسنده. ثمَّ: إن العقل يجوز خلاف ما قال. وهو: أن يخلق الله تعالى الشمس قبل البروج. ويجوز أن يخلق ذلك دفعة واحدة. ثم إن علماء التعديل قد اختبروا كلام ذلك الرجل فوجدوه خطأ صراحًا؛ لأنَّهم اعتبروا بحساب التعديل اليوم الذي قال فيه النبي ﷺ ذلك القول، فوجدوا الشمس فيه في برج الحوت، بينها وبين الحمل عشرون درجة. ومنهم من قال: عشر درجات، والله تعالى أعلم. و(قوله: منها أربعة حرم) أي: من الاثني عشر شهرًا، وأولها المحرم.

стр. 2699

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سُمي بذلك: لتحريم القتال فيه. ثمَّ صفر. سُمي بذلك: لخلوِّ مكة من أهلها فيه. وقيل: وقع فيه وباءٌ فاصفرَّت وجوههم. أبو عبيد: لصفر الأواني من اللَّبن. ثم الربيعان: لارتباع الناس فيهما؛ أي: لإقامتهم في الربيع. ثم جماديان، وسُميا بذلك: لأن الماء جمد فيهما. ثم رجب، سُمي بذلك: لترجيب العرب إياه؛ أي: لتعظيمهم له، أو لأنَّه لا قتال فيه. والأرجب: الأقطع. ثم شعبان. وسُمي بذلك: لتشعب القبائل فيه. ثم رمضان. وسمي بذلك: لشدَّة الرمضاء فيه. ثم شوَّال. وسُمي بذلك: لأن اللقاح تشول فيه أذنابها. ثم ذو القعدة، سُمي بذلك لقعودهم فيه عن الحرب. ثم ذو الحجَّة، وسمي بذلك: لأن الحجَّ فيه. ويجوز في (فاء): ذي القعدة وذي الحجَّة الفتح والكسر، غير أن الفتح في (ذي القعدة) أفصح. وسميت الحُرُم حرمًا: لاحترامها وتعظيمها بما خصَّت به من أفعال البر، وتحريم القتال، وتشديد أمر البغي والظلم فيها. وذلك: أن العرب كانت في غالب أحوالها، ومعظم أوقاتها قبل مجيء الإسلام أهل غارة، ونهب، وقتال، وحرب، يأكل القوي الضعيف، ويصول على المشروف الشريف، لا يرجعون لسلطان قاهر، ولا لأمر جامع، وكانوا فوضى فضا (١)، من غلب سلب، ومن عز بزَّ (٢)، لا يأمن لهم سِرب، ولا يستقر بهم حال. فلطف الله بهم بأن جعل في نفوسهم احترام أمور يمتنعون فيها من الغارة، والقتال، والبغي، والظلم، فيأمن بعضهم من بعض، ويتصرَّفون فيها في حوائجهم، ومصالحهم، فلا يهيج فيها أحدٌ أحدًا، ولا يتعرَّض له، حتى إن الرَّجل يلتقي فيها بقاتل أبيه وأخيه فلا يتعرض له بشيء، ولا بغدر؛ بما جعل الله في قلوبهم من تعظيم تلك الأمور. ولا يبعد أن يكون أصل ذلك مشروعًا لهم من دين إبراهيم وإسماعيل؛ كالحجِّ، والعمرة، وغيرهما مما كان عندهم من شرائعهما.

стр. 2700

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهذه الأمور من الزمان: الأشهر الحرم. ومن المكان: حرم مكة. ومن الأموال: الهدي والقلائد. ويشهد لما ذكرناه قوله تعالى: ﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ الشَّهرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُل قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿مِنهَا أَربَعَةٌ حُرُمٌ﴾ ثم قال: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ وقوله تعالى في الحرم: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وقوله: ﴿أَوَلَم يَرَوا أَنَّا جَعَلنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِن حَولِهِم﴾ وقوله: ﴿وَإِذ جَعَلنَا البَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمنًا﴾ وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعبَةَ البَيتَ الحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ ومعنى كون هذه الأمور قيامًا للناس؛ أي: تقوم بها أحوالهم، وتنتظم بها مصالحهم من أمر أديانهم ومعايشهم. هذا معنى ما قاله المفسرون. فلما جاء الإسلام لم يزد تلك الأمور إلا تعظيمًا وتشريفًا، غير أنه لما حدَّ الحدود، وشرع الشرائع، ونصب العقوبات والزواجر؛ اتفقت كلمة المسلمين، والتزمت شرائع الدين، فأمن الناس على دمائهم ونفوسهم، وأموالهم، فامتنع أهل الظلم من ظلمهم، وكف أهل البغي عن بغيهم، واستوى في الحق القوي والضعيف، والمشروف والشريف. فمن صدر عنه بغي، أو عدوان، قمعته كلمة الإسلام، وأقيمت عليه الأحكام، فحينئذ لا يعيده شيء من تلك المحرَّمات، ولا يحول بينه وبين حكم الله تعالى أحدٌ من المخلوقات. فالحمد لله الذي هدانا لهذا الدِّين القويم، والمنهج المستقيم. وهو المسؤول بأن ينعم علينا بالدَّوام، والتَّمام، ويحشرنا في زمرة واسطة النظام محمد ﵊. والهَدي: ما يُهدى من الأنعام إلى البيت الحرام، والقلائد يعني به: ما تُقلَّدُ به الهدايا؛ وذلك بأن يجعل في عنق البعير حبل يُعلَّق به نعل، كما تقدَّم في كتاب الحج. ويعني بذلك: أن الهدي مهما أُشعر وقُلِّد لم يجز لأحد أن يتملَّكه، ولا أن يأخذه إن وجده. بل يجب عليه أن يحمله إلى مكة إن أمكنه ذلك حتى يُنحَر هناك على ما تقدَّم.

стр. 2701

ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ شَهرُ مُضَرَ، الَّذِي بَينَ جُمَادَى وَشَعبَانَ. ثُمَّ قَالَ: أَيُّ شَهرٍ هَذَا؟ . قُلنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيرِ اسمِهِ، قَالَ: أَلَيسَ ذَا الحِجَّةِ؟ . قُلنَا: بَلَى، قَالَ: فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ . قُلنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيرِ اسمِهِ، قَالَ: أَلَيسَ البَلدَةَ؟ . قُلنَا: بَلَى، قَالَ: فَأَيُّ يَومٍ هَذَا؟ . قُلنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيرِ اسمِهِ، قَالَ: أَلَيسَ يَومَ النَّحرِ؟ . قُلنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُم، وَأَموَالَكُم - قَالَ: وَأَحسِبُهُ قَالَ - ــ وقوله ﷺ : (ثلاثة متواليات) أي: يتلو بعضها بعضًا، كما قد قال في الرواية الأخرى: (ثلاثة سردٌ، وواحدٌ فرد). و(قوله: رجب شهر مُضَر الذي بين جمادى وشعبان) هذه مبالغةٌ في تعيين هذا الشهر ليتميَّز عمَّا كانوا يتحكَّمون به من النَّساء، ومن تغيير أسماء الشهور. وقد تقدَّم: أنهم كانوا يسقطون من السَّنة شهرًا وينقلون اسم الشهر للَّذي بعده، حتى سَمُّوا شعبان رجبًا. ونسبة هذا الشهر لِمُضَر: إما لأنهم أول من عظمه، أو: لأنهم ك نوا أكثر العرب له تعظيمًا، واشتهر ذلك حتى عرف بهم. و(قوله: أي شهر هذا؟ ) و: (أي بلد هذا؟ ) و: (أي يوم هذا؟ ) وسكوته بعد كل واحد منها؛ كان ذلك منه استحضارًا لفهومهم، وتنبيهًا لغفلتهم، وتنويهًا بما يذكره لهم؛ حتى يُقبلوا عليه بكليتهم، ويستشعروا عظمة حرمة ما عنه يخبرهم. ولذلك قال بعد هذا: (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا). وهذا منه ﷺ مبالغة في بيان تحريم هذه الأشياء، وإغياءٌ في التنفير عن الوقوع فيها؛ لأنَّهم كانوا قد اعتادوا فعلها، واعتقدوا حليتها، كما تقدَّم في بيان أحوالهم، وقبح أفعالهم.

стр. 2702

وَأَعرَاضَكُم حَرَامٌ عَلَيكُم، كَحُرمَةِ يَومِكُم هَذَا، فِي بَلَدِكُم هَذَا، فِي شَهرِكُم هَذَا، وَسَتَلقَونَ رَبَّكُم فَيَسأَلُكُم عَن أَعمَالِكُم، فَلَا تَرجِعُوا بَعدِي كُفَّارًا يَضرِبُ بَعضُكُم رِقَابَ بَعضٍ، ــ و(قوله: وسَتَلقُون ربكم فيسألكم عن أعمالكم) أي: ستقفون في العرض موقف من لقي فحبس حتَّى تعرض عليه أعماله، فيسأل عنها، وهذا إخبارٌ بمقام عظيم، وأمر هائل، لا يُقدَرُ قدرُه، ولا يتصور هوله، أصبح الناس عن التذكر فيه معرضين، وعن الاستعداد له متشاغلين. فالأمر كما قال في كتابه المكنون: ﴿قُل هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُم عَنهُ مُعرِضُونَ﴾ فنسأل الله تعالى من فضله أن يوقظنا من رقدتنا، وينبهنا من غفلتنا، ويجعلنا ممن استعدَّ للقائه، وكُفِي فواجِئ نِقمَه وبلائه. و(قوله: فلا ترجعوا بعدي كفارًا (١) يضرب بعضكم رقاب بعض) بهذا وأشباهه كفر الخوارج عليًّا، ومعاوية، وأصحابهما. وهذا إنما صدر عنهم؛ لأنَّهم سمعوا الأحاديث ولم تحط بها فهومهم، كما قرؤوا القرآن ولم يجاوز تراقيهم، فكأنهم ما قرؤوا قول الله : ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤمِنِينَ اقتَتَلُوا فَأَصلِحُوا بَينَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ فَأَصلِحُوا بَينَ أَخَوَيكُم﴾ فأبقى عليهم اسم الإيمان وأخوّته، مع أنهم قد تقاتلوا، وبغت إحداهما على الأخرى، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ والقتل ليس بشرك بالاتفاق والضرورة. وكأنهم لم يسمعوا قول رسول الله ﷺ : (تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إلا بالحق. فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارةٌ له) (٢)، وقد تقدم هذا المعنى في كتاب: الإيمان.

стр. 2703

أَلَا لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعضَ مَن يُبَلِّغُهُ يَكُونُ أَوعَى لَهُ مِن بَعضِ مَن سَمِعَهُ. قَالَ: أَلَا هَل بَلَّغتُ؟ . ــ وإنَّما يُحمل الحديث على التشبيه تغليظًا؛ وذلك: أن المسلمين إذا تحاجزوا، وتقاتلوا؛ فقد ضلَّت الطائفة الباغية منهما، أو كلاهما إن كانتا باغيتين عن الحق، وكفرت حق الأخرى وحرَّمتها. وقد تشبَّهوا بالكفار. وكأنه ﷺ اطَّلع على ما يكون في أمَّته من المِحَن والفتن، فحذَّر من ذلك، وغلَّظه بذلًا للنصيحة، ومبالغة في الشفقة ﷺ . و(قوله: ألا ليبلِّغ الشاهد الغائب) أمرٌ بتبليغ العلم، ونشره. وهو فرض من فروض الكفايات. و(قوله: فلعل بعض من يبلغه يكون أوعى له ممن سمعه) حجة على جواز أخذ العلم والحديث عمَّن لا يفقه ما ينقل؛ إذا أدَّاه كما سمعه. وهذا كما قال ﷺ فيما خرَّجه الترمذي: (نضَّر الله امرأً سمع منَّا حديثًا فبلَّغه غيره كما سمعه، فربَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه، وربَّ حامل فقه ليس بفقيه) (١). فأمَّا نقل الحديث بالمعنى: فمن جوَّزه إنَّما جوَّزه من الفقيه العالم بمواقع الألفاظ. ومن أهل العلم من منع ذلك مطلقًا. وقد تقدَّم ذلك. وفيه حجَّة: على أن المتأخر قد يفهم من الكتاب والسُّنة ما لم يخطر للمتقدم؛ فإن الفهم فضل الله يؤتيه من يشاء. لكن هذا يندر ويقل، فأين البحر من الوَشَل (٢). والعَلُّ من العَلَلِ. ليس التكحُّل في العينين كالكَحَل. و(قوله: ألا هل بلَّغت) استفهام على جهة التقرير؛ أي: قد بلغتكم ما

стр. 2704

وفي رواية: وأعراضكم - من غير شك - وفيها زيادة: ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما، وإلى جزيعة من الغنم فقسمها بيننا. ــ أمرت بتبليغه لكم، فلا عُذر لكم؛ إذ لم يقع مني تقصير في التبليغ. ويحتمل: أن يكون على جهة استعلام ما عندهم، واستنطاقهم بذلك، كما تقدَّم في حديث جابر، حيث ذكر خطبته ﷺ بعرفة فقال: (وأنتم تسألون عنِّي، فما أنتم قائلون؟ ) قالوا: نشهد: أنك قد بلَّغت، وأدَّيت، ونصحت. فقال بإصبعه - السبابة - يرفعها إلى السماء، ويَنكُتها إلى الأرض (١): (اللهم اشهد - ثلاث مرات -) (٢). و(قوله: ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما) وإلى جُزَيعَةٍ من الغنم فقسمها بيننا. (انكفأ): انقلب ومال. و (الملحة): أن يكون في الشاة لمعٌ سودٌ، ويكون الغالب البياض. و (الجزيعة): القطيعة. والجزع: منقطع الوادي. ورواية الكافة: (جزيعة) بالزاي. وقد قيَّدها بعضهم: (جذيعة) بالذَّال، وهو وَهمٌ. قال الدارقطني: قوله: (ثم انكفأ إلى كبشين .. .) الخ، وهم من ابن عون فيما قيل؛ وإنما رواه ابن سيرين عن أنس. قلت: إنما نسب هذا الوهم لابن عون؛ لأنَّ هذا الحديث قد رواه عن ابن سيرين أيوب السّختياني، وقرَّة بن خالد، وانتهى حديثهما في خطبة النبي ﷺ في حجّه يوم النَّحر عند قوله: (ألا هل بلغت) في رواية أيوب. وزاد قرَّة إلى هذا: قالوا: نعم. قال: (اللهم اشهد). وبعد قوله: (ألا هل بلغت) زاد ابن عون عن ابن سيرين، عن أبي بكرة: ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما .. . الخ. وهذا الكلام إنما كان من النبي ﷺ في خطبة عيد الأضحى؛ على ما رواه أيوب وهشام،

стр. 2705

وفي أخرى: قال أبو بكرة: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر فقال: أي يوم هذا؟ . رواه أحمد (٥/ ٣٧)، والبخاري (١٠٥)، ومسلم (١٦٧٩) (٢٩ و ٣٠ و ٣١)، وأبو داود (١٩٤٨)، وابن ماجه (٢٣٣). * * * ــ عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك؛ على ما ذكره مسلم في الضحايا، عنه، قال أنس: إن رسول الله ﷺ صلَّى ثمَّ خطب، فأمر مَن كان ذبح قبل الصلاة أن يعيد ذبحا. قال: وانكفأ رسول الله ﷺ إلى كبشين أملحين، فذبحهما، فقام الناس إلى غنيمة، فتوزعوها. أو قال: فتجزعوها (١). فكأن ابن عون اختلط عليه الحديثان فساقهما مساقًا واحدًا. وأن ذلك كان في خطبة عرفة. وهو وَهمٌ لا شكَّ فيه. وقد فهم بعض علمائنا: أن يوم الحج الأكبر يوم النحر من تعظيمه ﷺ ليوم النَّحر بما ذكره في هذا الحديث. وفيه نظر، غير أنَّه قد ورد في بعض روايات البخاري: أنه ﷺ قال: (أي يوم تعلمونه أعظم؟ ) (٢)، قالوا: يومنا هذا. وهذا حجَّة واضحة على ذلك. وقد ذكرنا الخلاف في ذلك في كتاب الحج. * * *

стр. 2706

(٨) باب الحث على العفو عن القصاص بعد وجوبه [١٧٧١] عن عَلقَمَةَ بن وَائِلٍ عن أبيه قَالَ: إِنِّي لَقَاعِدٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ؛ إِذ جَاءَ رَجُلٌ يَقُودُ آخَرَ بِنِسعَةٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا قَتَلَ أَخِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَقَتَلتَهُ؟ (فَقَالَ: إِنَّهُ لَو لَم يَعتَرِف أَقَمتُ عَلَيهِ البَيِّنَةَ). قَالَ: ــ (٨) ومن باب: الحث على العفو عن القصاص بعد وجوبه قوله: (جاء رجل يقود آخر بنِسعَةٍ) النِّسعة: ما ضفر من الأدم كالحبال. وجمعها: أنساع. فإذا فُتل ولم يُضفر؛ فهو الجديل. والجدل: الفَتل. وفيه من الفقه: العنف على الجاني، وتثقيفه، وأخذ الناس له حتى يحضروه إلى الإمام، ولو لم يجعل ذلك للناس لفرَّ الجناة، وفاتوا، ولتعذر نصر المظلوم، وتغيير المنكر. و(قوله: هذا قتل أخي، فقال رسول الله ﷺ : أقتلته) فيه من الفقه سماع دعوى المدَّعي في الدَّم قبل إثبات الموت والولاية. ثم لا يثبت الحكم حتى يثبت كل ذلك. فإن قيل: فقد حكم النبي ﷺ على القاتل في هذا الحديث من غير إثبات ولاية المدَّعي. فالجواب: إن ذلك كان معلومًا عند النبي ﷺ وعند غيره، فاستغنى عن إثباته لشهرة ذلك. وفيه: استقرار المدَّعى عليه بعد سماع الدعوى لإمكان إقراره، فتسقط وظيفة إقامة البينة عن المدَّعي. كما جرى في هذا الحديث. و(قوله: لو لم يعترف أقمت عليه البينة) بيان: أن الأصل في ثبوت الدِّماء الإقرار، أو البيِّنة. وأمَّا القسامة: فعلى خلاف الأصل، كما تقدم؛ وفيه: استقرار المحبوس، والمتهدَّد، وأخذه بإقراره. وقد اختلف في ذلك العلماء، واضطرب

стр. 2707

نَعَم قَتَلتَهُ، قَالَ: فكَيفَ قَتَلتَهُ؟ . قَالَ: كُنتُ أَنَا وَهُوَ نَختَبِطُ مِن شَجَرَةٍ، فَسَبَّنِي، فَأَغضَبَنِي، فَضَرَبتُهُ بِالفَأسِ عَلَى قَرنِهِ، فَقَتَلتُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : هَل لَكَ مِن شَيءٍ تُؤَدِّيهِ عَن نَفسِكَ؟ . ــ المذهب عندنا في إقراره بعد الحبس والتهديد. هل يُقبل جملة، أو لا يقبل جملة؟ والفرق (١) (فيقبل إذا عيَّن ما اعترف به من قتل، أو سرقة، ولا يُقبل إذا لم يعين) ثلاثة أقوال. و(قوله: كيف قتلته؟ ) سؤال استكشاف عن حال القتل، لإمكان أن يكون خطأ، أو عمدًا. ففيه من الفقه: وجوب البحث عن تحقيق الأسباب التي تنبني عليها الأحكام، ولا يكتفى بالإطلاق. وهذا كما فعله النبي ﷺ مع ماعز حين اعترف على نفسه بالزنى على ما يأتي. و(قوله: كنت أنا وهو نختبط من شجرة، فسبَّني، فأغضبني، فضربته بالفأس على قرنه فقتلته). نختبط (نفتعل) من الخبط، وهو ضرب بالعصا ليقع يابسُ ورقها، فتأكله الماشية. وقرن الرأس: جانبه الأعلى. قال الشاعر: . . . . . . . . . . . . . . . ... وضَرَبتُ قَرنِي كَبشِها فَتَجَدَّلا (٢) و(قوله: هل لك من شيء تؤدِّيه عن نفسك) يدلّ: على أنه ﷺ قد ألزمَه حكم إقراره، وأن قتله كان عمدًا؛ إذ لو كان خطأ لما طالبه بالدِّية، ولطولب بها العاقلة، ويدلُّ على هذا أيضًا قوله: (أترى (٣) قومك يشترونك؟ ) لأنه لما استحق أولياء المقتول نفسه بالقتل العمد صاروا كالمالكين له، فلو دفع أولياء القاتل عنه عوضًا فقبله أولياء المقتول لكان ذلك كالبيع. وهذا كله إنما عرضه

стр. 2708

قَالَ: مَا لِي مَالٌ إِلَّا كِسَائِي وَفَأسِي، قَالَ: فَتَرَى قَومَكَ يَشتَرُونَكَ؟ . قَالَ: أَنَا أَهوَنُ عَلَى قَومِي مِن ذَاكَ، فَرَمَى إِلَيهِ النبي ﷺ بِنِسعَتِهِ وَقَالَ: دُونَكَ صَاحِبَكَ. فَانطَلَقَ بِهِ الرَّجُلُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِن قَتَلَهُ فَهُوَ مِثلُهُ. ــ النبي ﷺ على القاتل بناء منه: على أنه إذا تيسَّر له ما يؤدي إلى أولياء المقتول سألهم في العفو عنه. ففيه من الفقه: السعي في الإصلاح بين الناس، وجواز الاستشفاع، وإن رفعت حقوقهم للإمام؛ بخلاف حقوق الله تعالى، فإنَّه لا تجوز الشفاعة فيها إذا بلغت الإمام. و(قوله: ما لي مال إلا كسائي وفأسي) فيه من الفقه: أنَّ المال يُقال على كل ما يتموَّل من العروض وغيرها. وأن ذلك ليس مخصوصًا بالإبل، ولا بالعين. وقد تقدَّم ذلك. و(قوله: فرمى إليه النبي ﷺ بنِسعَته وقال: دونك صاحبك) أي: خذه فاصنع به ما شئت. هذا: إنَّما حكم به النبي ﷺ لَمَّا تحقق السبب، وتعذَّر عليه الإصلاح، وبعد أن عرض على الولي العفو فأبى، كما قاله ابن أشوع، وبعد أن علم: أنه لا مستحِقَّ للدَّم إلا ذلك الطالب خاصة. ولو كان هناك مستحقٌّ آخر لتعيَّن استعلام ما عنده من القصاص أو العفو. وفيه ما يدلُّ: على أن القاتل إذا تحقق عليه السبب، وارتفعت الموانع لا يقتلُه الإمام، بل يدفعه للولي يفعل به ما يشاء من قتل، أو عفو، أو حبس، إلى أن يرى رأيه فيه. ولا يسترقَّه بوجه؛ لأنَّ الحرَّ لا يملك. ولا خلاف فيه فيما أعلمه. و(قوله: فانطلق به، فلمَّا ولى قال رسول الله ﷺ : إن قتله فهو مثله) ظاهره: إن قتله كان عليه من الإثم مثل ما على القاتل الأول. وقد صرَّح بهذا في الرواية الأخرى التي قال فيها: (القاتل والمقتول في النَّار)، وهذا فيه إشكال عظيم.

стр. 2709

فَرَجَعَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلتَ: إِن قَتَلَهُ فَهُوَ مِثلُهُ. وَأَخَذتُهُ ــ فإن القاتل الأوَّل قَتَل عمدًا. والثاني يَقتُلُ قِصَاصًا، ولذلك: لما سمع الولي ذلك قال: (يا رسول الله! قلت ذلك؟ ! وقد أخذته بأمرك). فاختلف العلماء في تأويل هذا على أقوال: الأول: قال الإمام أبو عبد الله المازري: أمثلُ ما قيل فيه: أنَّهما استويا بانتفاء التِّباعةِ عن القاتل بالقِصاص. قلت: وهذا كلامٌ غير واضح. ويعني به - والله أعلم -: أن القاتل إذا قَتَل قِصَاصًا لم يبق عليه تبعة من القتل. والمقتصّ: لا تبعة عليه؛ لأنَّه استوفى حقه، فاستوى الجاني والولي المقتصُّ في أن كل واحد منهما لا تبعة عليه. الثاني: قال القاضي عياض: معنى قوله: (فهو مثله) أي: قاتل مثله، وإن اختلفا في الجواز والمنع، لكنهما اشتركا في طاعة الغضب، وشِفَاء النفس، لا سيما مع رغبة النبي ﷺ في العفو، على ما جاء في الحديث. قلت: والعجيبُ من هذين الإمامين: كيف قنعا بهذين الخيالين (١) ولم يتأمَّلا مساق الحديث، وكأنهما لم يسمعا قول النبي ﷺ حين انطلق به يجرُّه ليقتله: (القاتل والمقتول في النار). وهذه الرواية مفسِّرة لقوله في الرواية المتقدمة: (إن قَتَلَه فهو مِثلُه) [لأنها ذُكِرت بدلًا منها، فعلى مقتضى قوله: (فهو مثله) أي: هو في النار مثله] (٢)، ومن هنا عظم الإشكال. ولا يلتفت لقول من قال: إن ذلك إنما قاله ﷺ للولي لِمَا عَلِمَه منه من معصية يستحق بها دخول النار؛ لأنَّ المعصية المقدرة (٣)، إما أن يكون لها مدخل في هذه القصَّة، أو لا مدخل لها فيها. فإن كان

стр. 2710

بِأَمرِكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ــ الأول فينبغي لنا أن نبحث عنها حتى نتبيَّنها ونعرف وجه مناسبتها لهذا الوعيد الشديد. وإن لم يكن لها مدخل في تلك القضية لم يلق بحكمة النبي ﷺ ، ولا ببلاغته، ولا ببيانه، أن يذكر وعيدًا شديدًا في قضية ذات أحوال وأوصاف متعددة، ويقرن ذلك الوعيد بتلك القصَّة، وهو يريد: أن ذلك الوعيد إنَّما هو لأجل شيء لم يذكره هو، ولا جرى له ذكر من غيره. ثمَّ إن المقول له ذلك قد فهم: أن ذلك إنما كان لأمر جرى في تلك القصة، ولذلك قال للنبي ﷺ : تقول ذلك، وقد أخذته بأمرك؟ ! ولو كان كما قاله هذا القائل؛ لقال له النبي ﷺ : إنَّما قلت ذلك للمعصية التي فعلت، أو: الحالة التي أنت عليها، لا لهذا، ولما كان يسكت عن ذلك، ولبادر لبيانه في تلك الحال؛ لأنَّ الحاجة له داعية، والنصيحة والبيان واجبان عليه ﷺ . والله تعالى أعلم. الثالث: أن أبا داود (١) روى هذا الحديث من طريق أبي هريرة وقال فيه: قتل رجل على عهد رسول الله ﷺ فرفع ذلك إلى النبي ﷺ فدفعه إلى ولي المقتول. فقال القاتلُ: يا رسول الله! والله ما أردت قتله! فقال رسول الله ﷺ للولي: (أما إنَّه إن كان صادقًا ثمَّ قتلته دخلت النار) فحاصله: أن هذا المعترف بالقتل زعم أنه لم يرد قتله، وحلف عليه، فكان القتل خطأ، فكأن النبي ﷺ خاف أن يكون القاتل صدق فيما حلف عليه، وأن القاتل يعلم ذلك؛ لكن سلمه له بحكم إقراره بالعمد، ولا شاهد يشهد له بالخطأ. ومع ذلك فتوقَّع صدقَهُ، فقال: إن قتلته دخلت النَّار. فكأنه قال: إن كان صادقًا وعلمت أنت صدقه، ثمَّ قتلته فأنت في النار. وهذا - على ما فيه من التكلُّف - يبطله قوله: (القاتل والمقتول في النار)، فسوَّى بينهما في الوعيد. فلو كان القاتلُ مُخطِئًا لما استحق بذلك النَّار، ولَمَا باء بإثمِه وإثم صاحبه؛ فإن المخطئ لا يكون آثِمًا، ولا يتحمَّل إثمَ من أخطأ عليه.

стр. 2711

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الرابع: أن أبا داود (١) روى هذا الحديث عن وائل بن حجر، وذكر فيه ما يدلّ: على أن النبي ﷺ قصد تخليصه فعرض (٢) الدِّية، أو العفو على الولي ثلاث مرَّات، والولي في كل ذلك يأبى إلا القتل معرضًا عن شفاعة النبي ﷺ وعن حرصه على تخليص الجاني من القتل، فكأن الولي صدر منه جفاء في حق النبي ﷺ حيث ردَّ متأكد شفاعته، وخالفه في مقصوده. ويظهر هذا من مساق الحديث. وذلك: أن وائل بن حجر قال: كنت عند النبي ﷺ إذ جيء برجل قاتل في عنقه نسعة. قال: فدعا ولي المقتول، فقال: (أتعفو؟ )، قال: لا. فقال: (أتأخذ الدِّية؟ ) قال: لا. قال: (أتقتل؟ ) قال: نعم. قال: (اذهب به)، فلمَّا ولى، قال: (أتعفو؟ ) قال: لا. قال: (أفتأخذ الدِّية؟ ) قال: لا. قال: (أفتقتل؟ ) قال: نعم. قال: (اذهب به)، فلمَّا كان في الرابعة قال: (أما إنَّك إن عفوت عنه يبوء بإثمه وإثم صاحبه)، قال: فعفا عنه (٣). فهذا المساق يفهم منه: صحَّة قصد النبي ﷺ لتخليص ذلك القاتل، وتأكد شفاعته له في العفو، أو قبول الدِّية. فلمَّا لم يلتفت الولي إلى ذلك كله صدرت منه ﷺ تلك الأقوال الوعيدية مشروطة باستمراره على لَجَاجه، ومضيه على جفائه. فلما سمع الولي ذلك القول عفا وأحسن، فقُبِلَ، وأُكرِمَ. وهذا أقرب من تلك التأويلات والله أعلم بالمشكلات. وهذا الذي أشار إليه ابن أشوع حيث قال: إن النبي ﷺ سأله أن يعفو فأبى. تنبيه: إنَّما عظم الإشكال من جهة قوله ﷺ : (القاتل والمقتول في النار)، ولما كان ذلك قال بعض العلماء: إن هذا اللفظ يعني: قوله: (القاتل والمقتول في النار) إنما ذكره النبي ﷺ في حديث آخر، وهو قوله ﷺ : (إذا التقى المسلمان

стр. 2712

أَمَا تُرِيدُ أَن يَبُوءَ بِإِثمِكَ وَإِثمِ صَاحِبِكَ؟ . قَالَ: بلى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّ ذَاكَ كَذَاكَ. قَالَ: فَرَمَى بِنِسعَتِهِ وَخَلَّى سَبِيلَهُ. ــ بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) (١). فوهم بعض الرواة، فضمه إلى هذا الحديث الآخر. قلت: وهذا فيه بُعد. والله تعالى أعلم. و(قوله: أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك؟ ) أي: ينقلب، ويرجع. وأكثر ما يُستعمل: (باء بكذا) في الشر. ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ ويعني بذلك - والله تعالى أعلم -: أن المقتول ظلمًا تُغفر له ذنوبه عند قتل القاتل له. والولي يغفر له عند عفوه عن القاتل. فصار ذهاب ذنوبهما بسبب القاتل، فلذلك قيل عنه: إنَّه باء بذنوب كل واحد منهما. هذا أحسن ما قيل فيه. والله تعالى أعلم. و(قوله: ألك شيء تؤدِّيه عن نفسك) يفيد: أنَّه لو حضرت الدِّية لدفعت للولي، ولسقط القصاص لكن برضى الولي، ولا يُجبر على أخذها؛ لأنَّ الذي للولي القصاص أو التخيير. وهو حقه، ولا يختلف في هذا. وإنَّما اختلف في إجبار القاتل على إعطاء الدية إذا رضي بها الولي. فذهب جماعة: إلى إجباره عليها؛ منهم: الشافعي وغيره على ما تقدَّم في كتاب الحجِّ. وقالت طائفة أخرى: لا يجبر عليها، ولا يكون ذلك إلا برضا القاتل والولي، وإليه ذهب الكوفيون. وهو مشهور مذهب مالك. وسبب هذا الخلاف معارضة السُّنة للقرآن. وذلك: أن ظاهر القرآن وجوب القصاص. وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ القِصَاصُ فِي القَتلَى﴾ وقوله: ﴿وَكَتَبنَا عَلَيهِم فِيهَا أَنَّ النَّفسَ بِالنَّفسِ﴾ وقد ثبت: أن النبي ﷺ قال: (من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين،

стр. 2713

وفي رواية: فانطلق به وفي عنقه نسعة يجرها، فلما أدبر قال رسول الله ﷺ : القاتل والمقتول في النار فأتى رجل الرجل فقال له مقالة رسول الله ﷺ ، فخلى عنه، قال ابن أشوع: إن النبي ﷺ إنما سأله أن يعفو عنه فأبى. رواه مسلم (١٦٨٠) (٢٢ و ٢٣)، وأبو داود (٤٤٩٩ - ٤٥٠١)، والنسائي (٧/ ١٥ و ١٦). * * * (٩) باب دية الخطأ على عاقلة القاتل، وما جاء في دية الجنين [١٧٧٢] عن أَبي هُرَيرَةَ قَالَ: اقتَتَلَت امرَأَتَانِ مِن هُذَيلٍ، فَرَمَت إِحدَاهُمَا الأُخرَى بِحَجَرٍ، ــ بين أن يأخذوا العقل، وبين أن يقتلوا) (١)، وهذا نصَّ في التخيير. وبيان الأرجح يستدعي تطويلًا. وبسطه في كتب الخلاف. (٩) ومن باب: دية الخطأ على عاقلة القاتل وما جاء في دية الجنين (قوله: اقتتلت امرأتان من هذيل - وفي أخرى -: من بني لحيان، فرمت إحداهما الأخرى بحجر). وفي حديث المغيرة: ضربتها بعمود فسطاط (٢).

стр. 2714

فَقَتَلَتهَا وَمَا فِي بَطنِهَا، فَاختَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ، عَبدٌ، أَو وَلِيدَةٌ، ــ لا تباعد بينهما؛ إذ يحتمل أن تكون جمعت ذلك عليها، فأخبر أحدهما بإحدى الآلتين، والثاني بالأخرى. و(قوله: فقتلتها وما في بطنها) ظاهر العطف بالفاء: أن القتل وقع عقب الضرب، وليس كذلك لما رواه سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: إن رسول الله ﷺ قضى في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرة - عبد أو وليدة - ثمَّ: إن المرأة توفيت) (١)، وهذا نصٌّ في تأخر موتها عن وقت الضرب. وفي هذه الرواية أيضًا: بيان أن الجنين خرج ميتًا. والأولى محتملة لأن يكون خرج، ولأن يكون لم يخرج، لكنه مات، وبينهما فرقان، فإنَّه إذا مات في بطنها ولم يخرج فلا شيء فيه عند كافة العلماء؛ لأنَّه لم تتحقق حياته، ولأنَّه كالعضو منها، ولم ينفصل عنها، فلا شيء فيه. وأجمع أهل العلم: على أن في الجنين الذي يسقط من ضرب أمه حيًّا، ثم يموت؛ الدِّية كاملة في الخطأ وفي العمد بعد القسامة. وقيل: بغير قسامة، لكن اختلفوا فيما به تُعلم حياته. وقد اتفقوا: على أنه إذا استهل صارخًا، أو ارتضع، أو تنفس نفسًا محققًا حي، فيه الدِّية كاملة. واختلفوا فيما إذا تحرَّك. فقال الشافعي، وأبو حنيفة: حركته تدل على حياته. وقال مالك: لا؛ إلا أن يقارنها طول إقامة. وسببه اختلاف شهادة الحركة في الوجود للحياة. و(قوله: فقضى رسول الله ﷺ : أن دية جنينها غرة - عبد، أو وليدة). قضى: حكم وألزم. و (غرة - عبد أو وليدة -) روي: (غرة) - بالتنوين - ورفع (عبدٌ) على البدل. وروي بغير تنوين وخفض عبد بالإضافة. ومعناهما متفاوت (٢) وإن اختلف توجيههما النحوي.

стр. 2715

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ و(قوله: أو وليدة) معطوف على (عبد) رفعًا وخفضًا. و (أو) فيه للتنويع، أو للتخيير، لا للشكِّ. وكذلك فهمه مالك وغيره. ويعني بالوليدة: الأمَة. وقد جاء في بعض ألفاظه: (أو أمة) مكان: (وليدة). وغرَّة المال: خياره. قال ابن فارس: غرة كل شيء: أكرمه وأنفسه. وقال أبو عمرو (١): معناه: الأبيض. ولذلك سميت: غرة. فلا يؤخذ فيها أسود. ولذلك: اختار مالك أن تكون من الحُمر. ومقتضى مذهب مالك: أنَّه مخيَّر بين إعطاء غرة، أو عُشر دية الأمِّ، من نوع ما يجري بينهم؛ إن كانوا أهل ذهب فخمسون دينارًا، أو أهل ورق فستمائة درهم، أو خمس فرائض من الإبل. وقيل: لا يعطى من الإبل. وعلى هذا في قيمة الغرة الجمهور. وخالف الثوري، وأبو حنيفة، فقالا: الغرة خمسمائة درهم؛ لأنَّ دية أمِّه عندهم خمسة آلاف درهم. وعمدة الجمهور في تقويم الغرَّة بما ذكر قضاء الصحابة بذلك. وذهب بعض السَّلف؛ منهم: عطاء، ومجاهد، وطاووس: إلى غرة عبد، أو وليدة، أو فرس. وقال بعضهم: أو بغل. وقال ابن سيرين: عبد، أو وليدة، أو مائة شاة. ومتمسك هؤلاء ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة قال: قضى رسول الله ﷺ في الجنين بغرة عبد، أو أمة، أو فرس، أو حمار، أو بغل. وفي بعض طرقه: خمسمائة شاة (٢). وهو وهمٌ. وصوابه: مائة شاة. وفي مسند الحارث بن أبي أسامة: في الجنين غرَّة عبد، أو أمة، أو عشر من الإبل، أو مائة شاة (٣). خرَّجه من حديث حمل بن مالك (٤). والصحيح: ما خرَّجه مسلم. وقال داود

стр. 2716

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأصحابه: كل ما وقع عليه اسم (غرة) يجزئ. وأقل سن الغرَّة عند الشافعي سبع سنين في أحد قوليه. وقد شذَّت شرذمة فقالوا: لا شيء في الجنين. وهي محجوجةٌ بكل ما تقدم في الباب، وبإجماع الصحابة على أن فيه حكمًا، وبحديث المغيرة الآتي بعده. و(قوله: فطرحت جنينها) (١)، وفي اللفظ الآخر: (سقط ميتًا) (٢). والجنين: اسم لما يجتنُّ في بطن المرأة [من الولد] (٣). والمتفق على اعتباره من أحواله أن يزايل أُمَّه وهو تامُّ التصوير والتخطيط. واختلف فيما قبل ذلك من كونه: علقة، أو مضغة؛ هل يعتبر أم لا؟ فعندنا وعند أبي حنيفة: يعتبر. وعند الشافعي: لا، حتى يتبيَّن شيء من خلقه وتصويره، ولا فرق بين أن يكون ذكرًا، أو أنثى؛ إذ كل واحد منهما يسمَّى جنينًا، وكأن الشرع قصد بمشروعية الغرَّة في الجنين دفع الخصومة والتنازع. [كما قد فعل في باب المصرَّاة، حيث قدر فيها الصاع من الطعام رفعًا للتنازع] (٤) وجبرًا للمتلف بما تيسَّر. وقد بالغت الصحابة في هذا المعنى، حيث قدَّروا الغرَّة بخمسين دينارًا، أو ستمائة درهم. والله تعالى أعلم. فإن زايل الجنين أمَّه بعد موتها، فهل فيه غرَّة أم لا؟ قولان: الأول: لربيعة، والليث، والزهري، وأشهب، وداود. والثاني: لمالك، والشافعي، وعامة العلماء.

стр. 2717

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ و(قوله: فقضى فيه بغرَّة، وجعله على أولياء المرأة) يعني: الضاربة. وهذا نصٌّ: في أن الغرة تقوم بها العاقلة. وبه قال الكوفيون، والشافعي. وهو أحد قولي مالك. وقيل: على الجاني. وهو المشهور من قول مالك. وقاله أهل البصرة. واختلفوا: هل تلزمه الكفارة مع الغرَّة أم لا؟ قولان. الأول لمالك. قلت: وهذه الأحاديثُ كلُّها إنَّما جاءت في جنين واحد، انفصل من حرَّة مسلمة ميتًا. فلو خالف شيئًا من هذه القيود ففيه تفصيل. وذلك يعرف بمسائل: الأولى: لو ألقت أجنة لكان في كل جنين غرَّة. هذا قول الكافة، ولا يعرف فيه خلاف. الثانية: لو ألقت بعضه فلا غرَّة فيه. وقال الشافعي: فيه الغرَّة. الثالثة: لو كان جنين أمة ففيه عشر قيمة أمَّه. هذا قول عامة أهل العلم. وذهب الثوري، والنعمان، وابن الحسن: إلى أن فيه عشر قيمته لو كان حيًّا ذكرًا كان أو أنثى. وذهب الحسن: إلى أن فيه نصف عشر ثمن أمَّه. وذهب سعيد بن المسيب: إلى أن فيه عشرة دنانير. وقال حمَّاد بن أبي سليمان: فيه حُكم. الرابعة: جنين الكتابية. وفيه عشر دية أمَّه، ولا يحفظ فيه خلاف. الخامسة: من أعتق ما في بطن جاريته، فضربها ضارب، فطرحته، فديته دية المملوك. وهو قول الزهري، والثوري، وأحمد، وإسحاق. السادسة: إذا اختلف الجاني والمجني عليه، فقال الجاني: طرحته ميتًا. وقال المجني عليه: بل حيًّا. فالقول قول الجاني. وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. السابعة: دية الجنين موروثة على كتاب الله تعالى. وقال الزهري والشافعي:

стр. 2718

وَقَضَى بِدِيَةِ المَرأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَن مَعَهُم، فَقَالَ حَمَلُ بنُ النَّابِغَةِ الهُذَلِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وكَيفَ أَغرَمُ مَن لَا شَرِبَ، وَلَا أَكَلَ، وَلَا نَطَقَ وَلَا استَهَلَّ؟ ! فَمِثلُ ذَلِكَ يُطَلُّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّمَا هَذَا مِن إِخوَانِ الكُهَّانِ، مِن أَجلِ سَجعِهِ الَّذِي سَجَعَ. ــ إن كان الضارب هو الأب لم يرث من الغرَّة شيئًا. وقال الليث، وربيعة: هي للأم خاصَّة. و(قول حمل بن النابغة: أنغرم من لا شربَ، ولا أكلَ، ولا نطقَ، ولا استهلَ) يدل: على أن عاقلة الجاني تحمل الغرَّة كما هو أحد القولين. و(قوله: فمثل ذلك يُطَلُّ) رويناه بالياء باثنتين من تحتها، بمعنى: يُهدر [ولا يطلب به] (١). ورويناه بالباء بواحدة من تحتها، من البطلان؛ أي: هو ممن ينبغي أن يبطل. والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد؛ أي: هذا لا ينبغي فيه شيء. و(قوله ﷺ : إنَّما هذا من إخوان الكهَّان) فسَّره الراوي: بقوله: من أجل سجعه؛ يعني بذلك: أنه تشبَّه بالكهَّان، فسجع كما يسجعون حين يخبرون عن المغيِّبات، كما قد ذكر ابن إسحاق من سجع شقّ وسطيح (٢) وغيرهما. وهي عادةٌ مستمرَّة في الكهَّان. وقيل: إنما أنكر النبي ﷺ ذلك السَّجع لأنه جاء به في مقابلة حكم الله مستبعدًا له، ولا يذمُّ من حيث السَّجع؛ [لأن النبي ﷺ قد تكلم بكلام يشبه السجع] (٣) في غير ما موضع. وقيل: إنما أنكر عليه تكلّف الإسجاع على طرق الكهَّان وحوشية الأعراب. وليس بسجع فصحاء العرب، ولا على مقاطعها. قلت: وهذا القول الأخير إنَّما يصحُّ أن يقال على قوله ﷺ : (أسجع

стр. 2719

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كسجع الأعراب) (١)، لا على قوله: (إنَّما هذا من إخوان الكهَّان) (٢)، فتأمله. وحَمَل بن النابغة - بفتح الحاء المهملة والميم -. وقال فيه في الرواية الأخرى: حمل بن مالك. وهو هذلي من قبيل القاتلة. ولحيان: فخذ من هذيل، [ولذلك صدق أن يقال على القاتلة: أنها هذلية لحيانية. ولحيان] (٣) يقال بفتح اللام وكسرها. قلت: وقد ذكر الحديث الحارث بن أبي أسامة عن أبي المليح مرسلًا قال: إن حمل بن مالك كانت له امرأتان: مليكة، وأم عفيف، فحذفت إحداهما الأخرى (٤) بحجر فأصابت قبلها، فماتت، وألقت جنينها ميِّتًا (٥)، وذكر الحديث كنحو ما تقدم. وعلى هذا فكان حَمَلٌ زوجَ المقتولة والقاتلة، وعاصبَ القاتلة، ووالدَ الجنين. وحينئذ يكون قوله: أنغرم من لا شربَ ولا أكلَ؛ دليل: على أنه غارم وليس بوارث. ولهذا قال الليث بن سعد، وربيعة: إن الغرَّة للأمّ خاصة. ويحتمل: أن يكون معبِّرا عن العصبة دون نفسه، مستبعدًا للحكم، كما تقدم. والله تعالى أعلم. و(قوله: وقضى بدية المرأة على عاقلتها) فيه تلفيف في الضمائر أزالته الرِّواية الأخرى؛ التي قال فيها: (فجعل دية المقتولة على عصبة القاتلة). وقد احتج

стр. 2720

وفي رواية: قال: فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عصبة القاتلة، وغرة لما في بطنها. ــ بظاهر الحديث من رأى: أنه لا يستقاد ممن قتل بمثقل، وإنَّما عليه الدِّية. وهم الحنفية. ولا حجَّة لهم في ذلك لما تقدم: من أن النبي ﷺ قد أقاد ممن قتل بحجر، كما تقدم في حديث اليهودي (١)، ولقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعتَدَى عَلَيكُم فَاعتَدُوا عَلَيهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيكُم﴾ والمماثلة بالمثقَّل ممكنة، ولإمكان كون هذا القتل خطأ أو شبه عمد [فاندفع القصاص بذلك] (٢)، ولو سلّم: أنه كان عمدًا لكان ذلك برضا العصبة، وأولياء الدَّم، لا بالحكم، وكل ذلك محتمل، فلا حجَّة لهم فيه. وفيه ما يدل: على أن العاقلة تحمل الدِّية. وقد أجمع المسلمون: على أنَّها تحمل دية الخطأ، وما زاد على الثلث. واختلفوا في الثلث. فقال الزهري: الثلث فدونه هو في مال الجاني، [ولا تحمله العاقلة. وقال سعيد بن المسيب: الثلث فما زاد على العاقلة، وما دون الثلث في مال الجاني] (٣)، وبه قال مالك، وعطاء، وعبد العزيز بن أبي سلمة. وأمَّا ما دون الثلث فلا تحمله العاقلة عند من ذكر، ولا عند أحمد. وقالت طائفة: عقل الخطأ على عاقلة الجاني؛ قَلَّت الجنايةُ أو كثرت. وهو قول الشافعي. وقد تقدم في الدِّيات وانقسامها. فإن قيل: كيف ألزم العاقلة الدية، والقتل عمدٌ؟ والعاقلة لا تعقل عمدًا، ولا صلحًا، ولا اعترافًا. فالجواب: أن هذا الحديث خرَّجه النَّسائي من حديث حَمَل بن مالك. وقال فيه: قضى رسول الله ﷺ في جنينها بغرَّة، وأن تقتل بها (٤). وهو طريق صحيح.

стр. 2721

وفي أخرى: فقضى فيه بغرة، وجعله على أولياء المرأة. رواه أحمد (٢/ ٤٣٨ و ٥٣٥)، والبخاري (٦٩١٠)، ومسلم (١٦٨١) (٣٦ و ٣٧ و ٣٨)، وأبو داود (٤٥٧٦ و ٤٥٧٩)، وابن ماجه (٢٦٣٩ و ٢٦٤١). ــ وهذا نصٌّ: في أنه قضى بالقصاص من القاتلة؛ بخلاف الأحاديث المتقدمة؛ فإن فيها: أنه قضى على العاقلة بالدِّية. ووجه التلفيق؛ وبه يحصل [الجواب على] (١) التحقيق: أن رسول الله ﷺ قضى بقتل القاتلة أولًا، ثم إن العصبة، والأولياء اصطلحوا: على أن التزم العصبة الدِّية ويعفو الأولياء. فقضى النبي ﷺ بالدِّية على العصبة لما التزموها. والله تعالى أعلم. و(قوله: وورثها عصبتها ومن معهم) أعاد الضمير الأول على الدِّية، والثاني على المقتولة. وعنى بالعصبة: بنيها، وبمن معهم من الزوج. ولم يختلف: في أن الزوج يرث هنا من دية زوجته فرضه، وإن كانوا قد اختلفوا فيه: هل يرث من دية الجنين؟ على ما تقدم. والدِّية موروثة على الفرائض سواء كانت عن خطأ، أو عن عمدٍ تعذَّر فيه القود. والذي يبين الحق في هذا الباب حديثان خرَّجهما الترمذي. أحدهما: عن سعيد بن المسيب. قال: قال عمر: الدِّية على العاقلة، ولا ترث المرأة من زوجها شيئًا (٢). فأخبره الضحَّاك بن سفيان الكلابي: أن رسول الله ﷺ كتب إليه: أن ورث امرأة أشيم الضَّبابي من دية زوجها. وقال: هذا حديث حسن صحيح (٣). وثانيهما: عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ

стр. 2722

[١٧٧٣] وعَن المِسوَرِ بنِ مَخرَمَةَ قَالَ: استشار عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، الناس فِي مِلَاصِ المَرأَةِ، فقال المُغِيرَةُ بنُ شُعبَةَ: شَهِدتُ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى ــ قضى في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرَّة عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها (١) بغرة توفيت، فقضى رسول الله ﷺ : بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وإن عقلها على عصبتها (٢). ثمَّ حيث وجبت الدِّية على العاقلة؛ فلا تؤخذ منهم حالَّة، بل مُنجَّمة في ثلاث سنين. وهو قول عامَّة أهل العلم من السَّلف والخلف. وتوزع على الأحرار، البالغين، الأغنياء، الذكور. فلا تؤخذ من عبدٍ، ولا من صبي، ولا من امرأة، ولا من فقير بالإجماع على ما حكاه ابن المنذر. واختلفوا في قدر ما يوزع على من يُطالَب بها. فقال الشافعي: من كثر ماله أخذ منه نصف دينار، ومن كان دونه ربع دينار، لا ينقص منه، ولا يزاد عليه. وحكى أبو ثور عن مالك: أنه قال: على كل رجل ربع دينار. وبه قال أبو ثور. وقال أحمد: يحملون بقدر ما يطيقون. وقال أصحاب الرأي: ثلاثة دراهم، [أو أربعة دراهم] (٣). قلت: والقول ما قاله أحمد. فإن التحديد يحتاج إلى شرع جديد. و(قوله: استشار عمر بن الخطاب الناس في ملاص المرأة) كذا صحيح الرواية: (ملاص) من غير ألف. وقد وقع في بعض نسخ الأئمة: (إملاص)، وكذا قيَّده الحميدي. وكلاهما صحيح في اللغة. فإنَّه قد جاء: أملص، وملص: إذا أفلت. قال الهروي: وسُئل عن إملاص المرأة الجنين قال: يعني: أن تزلقه قبل

стр. 2723

فِيهِ بِغُرَّةٍ: عَبدٍ أَو أَمَةٍ، قال: فَقَالَ عُمَرُ: ائتِنِي بِمَن يَشهَدُ مَعَكَ، قَالَ: فَشَهِدَ له مُحَمَّدُ بنُ مَسلمَةَ. رواه أحمد (٤/ ٢٤٤)، والبخاريُّ (٦٩٠٥)، ومسلم (١٦٨٣)، وابن ماجه (٢٦٤٠). * * * ــ وقت الولادة. وكل ما زلق من اليد فقد ملَص يملَص. ومنه حديث الدَّجال: وأملصت به أمُّه (١). قال أبو العبَّاس: يقال: أملصت به. وأزلقت به. وأسهلت به، وخطأت به. قلت: وإملاص فيما حكاه الهروي عن عمر هو المصدر؛ لأنَّه ذكر بعده الجنين، وهو مفعوله. وفيما ذكره مسلم (٢): (ملاص) ويعني به: الجنين نفسه، فلا يتعدَّى هنا؛ لأنه نقل من المصدر المؤكد، فسمِّي به. فإن أصله: ملص يملص ملاصًا؛ كـ (لزم، يلزم، لزامًا). وفيه من الفقه: الاستشارة في الوقائع الشرعية، وقبول أخبار الآحاد، والاستظهار بالعدد في أخبار العدول. وليس ذلك عن شك في العدالة، وإنَّما هو استزادة يقين، وطمأنينة نفس. ولا حجَّة فيه لمن يشترط العدد في قبول أخبار الآحاد؛ لأنَّ عمر ﵁ قد قبل خبر الضَّحَّاك وغيره من غير استظهار. والله تعالى أعلم (٣). * * *

стр. 2724

(٢٣) كتاب الحدود (١) باب حد السرقة وما يقطع فيه [١٧٧٤] عَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقطَعُ السَّارِقَ فِي رُبعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا. رواه أحمد (٦/ ٣٦)، ومسلم (١٦٨٤) (١)، وأبو داود (٤٣٨٣)، والترمذيُّ (١٤٤٥)، والنسائي (٨/ ٧٩)، وابن ماجه (٢٥٨٥). ــ (٢٣) كتاب الحدود (١) هي: جمع حدّ. وأصل الحدّ: المنع حيث وقع وإن اختلفت أبنيته وصيغه. وسميت العقوبات المترتبة على الجنايات: حدودًا؛ لأنَّها تمنع من عود الجاني ومن فعل المعتبر بها. (١) ومن باب حدّ السَّرِقة وما يقطع فيه السَّرِقةُ والسَّرِقُ - بكسر الراء فيهما -: هو اسم الشيء المسروق، والمصدر من (سَرَق، يَسرِقُ): سَرَقًا - بفتح الرَّاء - كذا قاله الجوهري. وأصل هذا اللفظ إنما هو: أخذ الشيء في خفية. ومنه: استَرَق السَّمع. وسَارَقَه النظر. قال ابن عرفة:

стр. 2725

[١٧٧٥] وعنها: أنها سمعت رَسُول اللَّهِ ﷺ يقول: لا تقطع يد السارق إلا فِي رُبعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا رواه مسلم (١٦٨٤) (٣)، والنسائي (٨/ ٨١). ــ السارق عند العرب هو: من جاء مستترًا إلى حرزٍ فأخذ منه ما ليس له. فإن أخذ من ظاهرٍ فهو مختلس، ومستلبٌ، ومنتهبٌ، ومحترسٌ. فإن منع مما في يده فهو غاصبٌ له. قلت: وهذا الذي قاله ابن عرفة هو السارق في عُرفِ الشرع. ويستدعي النَّظر في هذا الباب النَّظر في: السَّارق، والمسروق منه، والشيء المسروق، وحكم السَّارق. ولا خلاف في أن السَّارق إذا كملت شروطه يقطع دون الغاصب، والمُختَلِس، والخَائِن. وفيمن يستعير المتاع فيَجحَدُهُ (١) خلاف شاذٌّ، حكي عن أحمد، وإسحاق، فقالا: يقطع. والسَّلف والخلف على خلافهما. وسيأتي القول في حديث المخزوميَّة (٢). وإنَّما خصَّ الشرع القطع بالسَّارق؛ لأن أخذ الشيء مُجاهَرَة يمكن أن يُستَرجع منه غالبًا. والخائن مكَّنَهُ ربُّ الشيء منه، وكان متمكنًا من الاستيثاق بالبينة. وكذلك المُعير. ولا يُمَكَّن شيء من ذلك في السَّرِقة، فبالغ الشرع في الزجر عنها؛ لما انفردت به عن غيرها بقطع اليد. وقد أجمع المسلمون: على أن اليمنى [تقطع إذا وجدت؛ لأنَّها الأصل في محاولة كل الأعمال]. و(قول عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ ] (٣) يَقطع في ربع دينار

стр. 2726

[١٧٧٦] وعن ابن عمر: أن رَسُول اللَّهِ ﷺ قطع سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم. رواه أحمد (٢/ ٨٠)، والبخاريُّ (٦٧٩٧)، ومسلم (١٦٨٦) (٦)، وأبو داود (٤٣٨٦)، والنسائي (٨/ ٧٧)، وابن ماجه (٢٥٨٤). ــ فصاعدًا). وفي الطريق الأخرى: (لا تُقطع يد السَّارق إلا في ربع دينار فصاعدًا). هذا تقرير لقاعدة ما تقطع فيه يد السَّارق من النبي ﷺ وبلفظه. لكنَّه ظاهر فيما إذا كان المسروق ذهبًا، فلو كان غير ذهب، وكان فضة، فهل يعتبر قيمتها بالذهب؛ فإن سوّيت ربع دينار فصاعدًا قطع فيها، أو إنما تعتبر بنفسها؛ فإذا بلغت ثلاثة دراهم وزنًا قطع فيها، فيكون كل واحد من الذهب والفضة أصلًا معتبرًا بنفسه؛ قولان: الأول: للشافعي، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبي ثور، وهو مروي عن عمر، وعلي، وعثمان، وبه قالت عائشة، وعمر بن عبد العزيز. والثاني: لمالك وأصحابه. وقال أحمد وإسحاق: إن سرق ذهبًا فربع دينار، وإن سرق غير الذهب والفضة فكانت قيمته ربع دينار، أو ثلاثة دراهم من الورق. وهذا نحو مما صار إليه مالك في أحد القولين. وفي المشهور: أنه إنما تقوَّم العروض بالدراهم، كما قال في حديث ابن عمر. وقال بعض أصحابنا: يقوَّم بالغالب في موضع السَّرِقة من الذهب والفضة كما تقوَّم المتلفات. وهو القياس. وهذان القولان ناشئان من حديثي عائشة، وابن عمر المذكورين في هذا الباب. وقد نقلت أقوال عن كثير من السلف والعلماء في تحديد نصاب السَّرِقة لم يثبت فيها عن النبي ﷺ حديث معتمد، ولا لها في الأصول ظاهر مستند؛ فمنها ما روي عن عمر، وقال به سليمان بن يسار، وابن شبرمة. وهو: أنَّ الخَمسَ لا تقطع إلا في خَمسٍ. ومنها:

стр. 2727

[١٧٧٧] وعن أبي هريرة، قال: قال رَسُول اللَّهِ ﷺ : لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده. ــ أنَّها لا تقطع إلا في عشرة دراهم. وبه قال عطاء، والنُّعمان، وصاحباه. ومنها: أنها تقطع في أربعة دراهم فصاعدًا. وهو مروي عن أبي هريرة، وأبي سعيد. ومنها: أنها تقطع في درهم فما فوقه، وهو مروي عن عثمان. ومنها: أنها تقطع في كل ما له قيمة، وروي عن الحسن في أحد أقواله، وهو قول الخوارج، وأهل الظاهر. [واختاره ابن بنت الشافعي] (١). ومنها: أنها لا تقطع في أقل من درهمين، وروي عن الحسن. ومنها: أنها لا تقطع في أقل من أربعين درهما، أو أربعة دنانير. وروي عن النخعي. قلت: وهذه كلها أقوال متكافئة، خلية عن الأدلة الواضحة الشافية، ولا يصحُّ ما رواه الحجَّاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا: (لا تقطع يد السَّارق في أقل من عشرة دراهم) (٢) لضعف إسناده، ولما يعارضه من قوله في الصحيح: (لا تقطع يد السَّارق إلا في ربع دينار فصاعدًا). ولا حجَّة لمن احتجَّ بقوله ﷺ : (لعن الله السَّارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده) لأنَّه وإن احتمل أن يراد بالبيضة بيضة الحديد، وبالحبل حب السُّفن، كما قد قيل فيه: فالأظهر من مساقه: أنَّه يراد به التقليل، لكن أقل ذلك القليل مقيَّد بقوله: (لا تقطع يد السَّارق إلا في ربع دينار)، وهذا نصٌّ، وبقول عائشة: لم تكن يد السَّارق تقطع في الشيء التَّافه، خرَّجه البخاري (٣) وغيره. وهذا منها خبر عن عادة الشرع الجارية عندهم. ومعلوم: أن الواحدة من بيض الدَّجاج، والحبل الذي يشدّ

стр. 2728

وفي رواية: إن سرق حبلا وإن سرق بيضة. ــ به المتاع والرَّحل تافهٌ. وإنَّما سلك النبي ﷺ في هذا الحديث مسلك العرب فيما إذا أغيَت في تكثير شيء أو تحقيره، فإنَّها تذكر في ذلك ما لا يصحّ وجوده، أو ما يندر وجوده إبلاغًا في ذلك، فتقول: لأصعَدنَّ بفلان إلى السماء، ولأهبطنَّ به إلى تخوم الثَّرى. وفلانٌ مناطُ الثُّريَّا. وهو مِنِّي مقعد القابلة. ومن بنى لله مسجدًا ولو مثل مفحص قطاة بُني له بيتٌ في الجنة. ولا يُتصوَّر مسجد مثل ذلك. وتصدَّقن ولو بظلفٍ مُحرَّقٍ. وهو مِمَّا لا يُتصدقُ به. ومثل هذا كثير في كلامهم، وعادة لا تستنكر في خطابهم. وقيل في الحديث: إنَّه إذا سرق البيضة أو الحبل ربما حمله ذلك على أن يسرق ما يقطع فيه، لأنه ربما يجترئ على سرقة غيرهما، فيعتاد ذلك فتقطع يده. و(قوله: لعن الله السَّارق) أي: أبعده الله. وقد تقدَّم: أن أصل اللعن: الطرد، والبعد. وفيه ما يدلّ: على جواز لعن جنس العصاة؛ لأنَّه لا بدَّ أن يكون في ذلك الجنس من يستحق ذلك اللعن، أو الذم، أو الدُّعاء عليه. وليس كذلك العاصي المعيَّن؛ لأنَّه قد لا يستحق ذلك، فيعلم الله أنَّه يتوب من ذلك، فلا يستحق ذلك اللعن بذلك. وقد ذهب بعض النَّاس: إلى أنَّه يجوز لعن المعيَّن من أهل المعاصي ما لم يُحَدّ. فإذا حدّ لم يجز؛ لأن الحدود كفارة. وهذا فاسد؛ لأنَّ العاصي المؤمن لم يخرج بمعصيته عن اسم المؤمن. وقد قال ﷺ : (لعن المؤمن كقتله) (١). وقد نهي عن اللَّعن. وهو كثير. وقد نهى النبي ﷺ عن لعن الملقب بـ (حمار) الذي كان يشرب الخمر كثيرًا، فلعنه بعضهم، فنهاهم النبي ﷺ عن لعنه (٢). وهو صحيح

стр. 2729

رواه البخاريُّ (٦٧٨٣)، ومسلم (١٦٨٧) (٧)، والنسائي (٨/ ٦٥). * * * ــ نصٌّ في الباب. وفرق بين لعن الجنس والشخص؛ لأنَّ لعن الجنس تحقيق وتحذير، ولعن الشخص حسبان (١) وتعيير. وأمَّا الكافر فلا حُرمةَ له. ويجب الكفُّ عن أذى مَن له ذمَّة. ولا حجَّة لمن رأى: أنَّه لا تقطع الخَمس إلا في خَمسٍ بما رواه أنس عن أبي بكر: أنَّه قَطَع في خمسة دراهم؛ لأنَّه ليس فيه دلالة على أن هذا أقلّ ما يقطع فيه، ولو كان نصًّا لما كان معارضًا لقوله ﷺ : (لا تقطع يد السَّارق في أقل من ربع دينار). فإن هذا نصٌّ من النبي ﷺ فلا يعارض بغيره. واختلف العلماء في الحدّ الذي تقطع منه اليد. وفيمن قطعت يده ثمَّ سرق؛ ما الذي يقطع له؟ وفيمن كانت له يمين شَلَاّء. فهذه مسائل: الأولى: لا خلاف أن اليمين هي التي تقطع أولًا. ثمَّ اختلفوا إن سرق ثانية. فقال مالك، وأهل المدينة، والشافعي، وأبو ثور، وغيرهم: تقطع رجله اليسرى، ثمَّ في الثالثة يده اليسرى، ثمَّ في الرابعة رجله اليمنى، ثم بعد هذا يعزر ويحبس. قال أبو مصعب من أصحابنا: يقتل بعد الرابعة. وقد ثبت عن أبي بكر وعمر: أنهما قطعا اليد بعد اليد، والرِّجل بعد الرِّجل. وقيل: تقطع في الثانية رجله اليسرى، ثمَّ لا قطع في غيرها، فإن عاد حبس، وعزر. روي ذلك عن علي، وبه قال الزهري، وحمَّاد، وأحمد. فلو كانت اليمنى شلَاّء، أو مقطوعة أكثر الأصابع، أو لا يمين له - وهي المسألة الثانية -؛ ففيه عن مالك روايتان: إحداهما: تُقطع يده اليسرى. والأخرى: رِجله اليسرى. وقال الزُّهري: تُقطع الشَّلَاّء؛ لأنَّها جمال. وبه قال إسحاق، وأبو ثور. وقال أحمد: إذا كان يُحَرِّكُها قُطِعت. وعند الحنفية تفصيلٌ بعيدُ التحصيل (٢).

стр. 2730

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثم إلى أين تُقطع- وهي المسألة الثالثة -؛ فعند الكافة: تقطع اليد من الرُّسغ، والرِّجل من المفصل. وهو مروي عن عمر وعثمان ﵄. وقال علي ﵁: تُقطع الرجل من شطر القدم، ويُترك له العقب، وبه قال أحمد، وأبو ثور. وقيل: تُقطع اليد إلى المرفق. وقيل: إلى المنكب. وهما شاذان. تنبيه: آيةُ السَّرقة وردت عامة مطلقة، لكنها مخصَّصة مقيَّدة عند كافة العلماء؛ إذ قد خرج من عموم السَّارق من سرق ملكه، ومن سرق أقل من نصاب، وغير ذلك. وتقيَّدت باشتراط الحِرز، فلا قطع على من سرق شيئًا من غير حرز بالإجماع إلا ما شذَّ فيه الحسن، وأهل الظاهر، فلم يشترطوا الحِرز. وقد روى النسائي من حديث رافع بن خديج: أن رسول الله ﷺ قال: (لا قطع في كَثَرٍ ولا ثَمَرٍ) (١)، والكَثَر: الجُمَّار (٢). وروى من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنَّه سُئل عن الثمر المُعَلَّق؟ فقال: (من أصاب منه من ذي حاجة غير مُتَّخِذٍ خُبنَة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق شيئًا منه بعد أن يؤويه الجرين (٣) فبلغ ثمن المِجَنِّ فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة) (٤). وفي رواية: (وليس في الماشية قطعٌ إلا فيما آواه المراح فبلغ ثمن المِجَنِّ ففيه قطع اليد، وما لم يبلغ ثمن المِجَنِّ ففيه غرامة مثليه وجلدات (٥). قال أبو عمر: قوله: وغرامة مثليه: هو منسوخ. ولا أعلم أحدًا من الفقهاء قال به إلا رواية أحمد. ومحمل هذا على التشديد، والعقوبة. وأبو عمر يصحح حديث عمرو بن شعيب إذا كان الرَّاوي عنه ثقةٌ، والراوي عنه

стр. 2731

(٢) باب النهي عن الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام [١٧٧٨] عَن عَائِشَةَ: أَنَّ قُرَيشًا أَهَمَّهُم شَأنُ المَخزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَت، فَقَالَوا: مَن يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ وَمَن يَجتَرِئُ عَلَيهِ إِلَّا أُسَامَةُ حِبُّ ــ لهذا الحديث ابن عجلان، وهو ثقة. وإذا تقرَّر اشتراط الحِرز في السرقة: فالحِرز عبارة عن المحلّ الذي يحفظ فيه ذلك الشيء عادة. ثم هو مختلف بحسب اختلاف الشيء المُحرز. وتفصيل ذلك وبقية ما يتعلَّق بالسَّرِقة في الفروع. (٢) ومن باب: النهي عن الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام (قوله: إن قريشًا أهمَّهم شأن المخزومية التي سرقت) هذا هو الصحيح: أن هذه المرأة سرقت، وقطعت يدها لأجل سرقتها، لا لأجل جحد المتاع. ويدلّ على صحة ذلك أربعة أوجه: أولها: إن رواية من روى: أنها سرقت؛ أكثر وأشهر من رواية من قال: إنَّها كانت تجحد المتاع. وإنَّما انفرد معمر بذكر الجحد وحده من بين الأئمة الحفاظ، وقد تابعه على ذلك من لا يعتد بحفظه كابن أخي ابن شهاب ونَمَطِه. هذا قول المحدِّثين. ثانيها: إن معمرًا وغيره ممن روى هذه القضية متفق: على أن النبي ﷺ قال - حيث أنكر على أسامة -: (لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها)، ثم أمر بيد المرأة فقطعت. وهذا يدلُّ دلالة قاطعة: على أن المرأة قطعت في السَّرِقة؛ إذ لو كان قطعها لأجل جحد المتاع لكان ذكر السِّرِقة هنا لاغيًا، لا فائدة له، وإنما كان يقول: لو أن فاطمة جحدت المتاع لقطعت يدها. وثالثها: إن جاحد المتاع خائن، ولا قطع على خائن عند جمهور العلماء

стр. 2732

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَشفَعُ فِي حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ؟ ! ــ خلافًا لما ذهب إليه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه؛ لقوله ﷺ فيما رواه الترمذي من حديث جابر مرفوعًا: (ليس على خائن، ولا منتهب، ولا مختلس، قطع) (١). وقال: هذا حديث حسن صحيح. وهذا نصٌّ. ولأنَّه لو كان في جَحد المتاع قطعٌ لكان يلزم القطع على كلَّ من جَحَد شيئًا من الأشياء ثمَّ ثبت عليه. وهذا لا قائل به فيما أعلم. ورابعها: إنَّه لا تعارض بين رواية من روى: (سرقت) ولا بين رواية من روى: (جحدت ما استعارت) إذ يمكن أن يقال: إن المرأة فعلت الأمرين، لكن قطعت في السرقة، لا في الجحد، كما شهد به مساق الحديث، فتأمله (٢). و(قوله ﷺ : أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟ ! ) إنكارٌ على أسامة، يُفهَم منه: تحريم الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام، فيَحرُم على الشافع وعلى المُشَفَّع، وهذا لا يختلف فيه. وقد ذكر الدارقطني عن عروة بن الزبير قال: شفع الزبير في سارق، فقيل: حتى نُبلِغَهُ الإمامَ. قال: إذا بلغ الإمام فلعن الله الشافع والمُشَفَّع، كما قال رسول الله ﷺ (٣). ورواه مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: أن الزبير قال ذلك، ولم يذكر النبي ﷺ (٤). والموقوف هو الصحيح.

стр. 2733

ثُمَّ قَامَ فَاختَطَبَ فَقَالَ: يا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَهلَكَ الَّذِينَ قَبلَكُم أَنَّهُم كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِم الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِم الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيهِ الحَدَّ، وَايمُ اللَّهِ، لَو أَنَّ فَاطِمَةَ بِنتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَت لَقَطَعتُ يَدَهَا. وفي رواية: فَتَلَوَّنَ وَجهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَتَشفَعُ فِي حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ؟ ! فَقَالَ أُسَامَةُ: استَغفِر لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ! وفيها: ثُمَّ أَمَرَ بِتِلكَ المَرأَةِ الَّتِي سَرَقَت فَقُطِعَت يَدُهَا، قَالَت عَائِشَةُ: فَحَسُنَت تَوبَتُهَا بَعدُ، وَتَزَوَّجَت، وَكَانَت تَأتِينِي بَعدَ ذَلِكَ فَأَرفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رواه البخاريُّ (٣٤٧٥)، ومسلم (١٦٨٨) (٨ و ٩)، وأبو داود (٤٣٧٣)، والترمذيُّ (١٤٣٠)، والنسائي (٨/ ٧٣)، وابن ماجه (٢٥٤٧). ــ وأمَّا الشفاعة قبل بلوغ الإمام: فقد أجازها أكثر أهل العلم لما جاء في السِّتر على المسلم مطلقًا، لكن قال مالك: ذلك فيمن لم يُعرف منه أذى للنَّاس، فأما من عرف منه شرٌّ، وفسادٌ: فلا أحبُّ أن يُشفع فيه. وأمَّا الشفاعة فيما ليس فيه حدٌّ وليس فيه حق لآدمي، وإنَّما فيه التعزير فجائزة عند العلماء بلغ الإمام أم لا. و(قوله: إنَّما أهلك الذين قبلكم أنَّهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ) تهديد، ووعيد شديد على ترك القيام بالحدود، وعلى ترك التسوية فيما بين الدَّنيء والشريف، والقوي والضعيف. ولا خلاف في وجوب ذلك. وفيه حجَّة لمن قال: إن شرع من قبلنا شرع لنا. و(قوله: لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها) إخبارٌ عن مقدَّر يفيد القطع بأمر محقق. وهو وجوب إقامة الحد على البعيد والقريب، والبغيض والحبيب، لا تنفع في ذريةٍ شفاعة، ولا تحولُ دونه قرابة ولا جماعة. و(قولها: فحسنت توبتها، وتزوَّجت .. . إلى آخره) يدلّ على صحة توبة

стр. 2734

[١٧٧٩] وعنها: قالت: كَانَت امرَأَةٌ مَخزُومِيَّةٌ تَستَعِيرُ المَتَاعَ وَتَجحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بقطع يَدهَا، فَأَتَى أَهلُهَا أُسَامَةَ فَكَلَّمُوهُ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحوَ الأول. رواه مسلم (١٦٨٨) (١٠)، وأبو داود (٤٣٧٤). * * * (٣) باب حد البكر والثيب إذا زنيا [١٧٨٠] عَن عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَد جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا؛ البِكرُ بِالبِكرِ، جَلدُ مِائَةٍ ونَفيُ ــ السَّارق، وأنها ماحيةٌ لإثم السَّرِقة، وللمعرَّة اللاحقة، فيحرم تعييره بذلك. أو يعاب عليه شيء مما كان هنالك. وهكذا حكم أهل الكبائر إذا تابوا منها، وحسنت أحوالهم بعدها، تُسمعُ أقوالهم، وتُقبل شهادتهم. وهذا مذهب الجمهور، غير أن أبا حنيفة قال: لا تقبل شهادة القاذف المحدود مطلقًا وإن تاب. وقال مالك: لا تُقبل شهادة المحدود فيما حدّ فيه، وتُقبل في غيره. (٣) ومن باب: حدّ البكر والثيِّب إذا زنيا (قوله ﷺ : خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا) أي: افهموا عني تفسير السبيل المذكور في قوله تعالى: ﴿فَأَمسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوتُ أَو يَجعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ واعملوا به. وذلك: أن مُقتضى هذه الآية: أن من زنى حبس في بيته إلى أن يموت. كذا قاله ابن عباس في النساء، وحكي عن ابن عمر: أن ذلك حكم الزانيين؛ يعني: الرَّجل والمرأة. فكان ذلك

стр. 2735

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحبس هو حدّ الزناة؛ لأنَّه كان يحصل به إيلام الجاني وعقوبته؛ بأن يمنع من التصرف والنكاح وغيره طول حياته، وذلك عقوبةٌ وزجرٌ، كما يحصل من الجلد والتغريب. فحقيق أن يُسمّى ذلك الحبس حدًّا، غير أن ذلك الحكم كان محدودًا إلى غاية وهو أن يبين الله لهن سبيلًا آخر غير الحبس، فلما بلغ وقت بيانه المعلوم عند الله أوضحه الله تعالى لنبيّه ﷺ فبلَّغه لأصحابه، فقال لهم: (خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة، وتغريب عام، والثيِّب بالثيِّب جلد مائة والرَّجم)، فارتفع حكم الحبس في البيوت لانتهاء غايته. وهذا نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ فإذا جاء الليل ارتفع حكم الصيام، لانتهاء غايته، لا لنسخه. وبهذا يعلم بطلان قول من قال: إن الحبس في البيوت في حق البكر منسوخ بالجلد المذكور في النور، وفي حق الثيِّب بالرَّجم المجمع عليه. وهذا ليس بصحيح لما ذكرناه أولًا، ولأن الجمع بين الحبس، والجلد، والرَّجم ممكن، فلا تعارض، وهو شرط النسخ مع علم [المتأخر من] (١) المتقدم، كما قدَّمناه في باب النسخ في الأصول. وإذا تقرر هذا فاعلم: أن الأمَّة مُجمِعة: على أن البكر - ويعني به: الذي لم يحصن - إذا زنى جلد الحدّ. وجمهور العلماء من الخلفاء، والصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، على وجوب التغريب مع الحدّ إلا أبا حنيفة، وصاحبه محمد بن الحسن، فإنَّهما قالا: لا تغريب عليه. فإن النصّ الذي في الكتاب إنَّما هو على جلد الزاني، والتغريب زيادةٌ عليه، والزيادة على النصّ نسخ، فيلزم عليه نسخ القرآن القاطع بخبر الواحد، فإن التغريب إنما ثبت بخبر الواحد. والجواب: أنا لا نسلِّم: أن الزيادة على النص نسخٌ، بل زيادة حكم آخر مع
следующие страницы →