← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

(٢) باب النهي عن الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام [١٧٧٨] عَن عَائِشَةَ: أَنَّ قُرَيشًا أَهَمَّهُم شَأنُ المَخزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَت، فَقَالَوا: مَن يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ وَمَن يَجتَرِئُ عَلَيهِ إِلَّا أُسَامَةُ حِبُّ ــ لهذا الحديث ابن عجلان، وهو ثقة. وإذا تقرَّر اشتراط الحِرز في السرقة: فالحِرز عبارة عن المحلّ الذي يحفظ فيه ذلك الشيء عادة. ثم هو مختلف بحسب اختلاف الشيء المُحرز. وتفصيل ذلك وبقية ما يتعلَّق بالسَّرِقة في الفروع. (٢) ومن باب: النهي عن الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام (قوله: إن قريشًا أهمَّهم شأن المخزومية التي سرقت) هذا هو الصحيح: أن هذه المرأة سرقت، وقطعت يدها لأجل سرقتها، لا لأجل جحد المتاع. ويدلّ على صحة ذلك أربعة أوجه: أولها: إن رواية من روى: أنها سرقت؛ أكثر وأشهر من رواية من قال: إنَّها كانت تجحد المتاع. وإنَّما انفرد معمر بذكر الجحد وحده من بين الأئمة الحفاظ، وقد تابعه على ذلك من لا يعتد بحفظه كابن أخي ابن شهاب ونَمَطِه. هذا قول المحدِّثين. ثانيها: إن معمرًا وغيره ممن روى هذه القضية متفق: على أن النبي ﷺ قال - حيث أنكر على أسامة -: (لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها)، ثم أمر بيد المرأة فقطعت. وهذا يدلُّ دلالة قاطعة: على أن المرأة قطعت في السَّرِقة؛ إذ لو كان قطعها لأجل جحد المتاع لكان ذكر السِّرِقة هنا لاغيًا، لا فائدة له، وإنما كان يقول: لو أن فاطمة جحدت المتاع لقطعت يدها. وثالثها: إن جاحد المتاع خائن، ولا قطع على خائن عند جمهور العلماء

стр. 2732

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَشفَعُ فِي حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ؟ ! ــ خلافًا لما ذهب إليه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه؛ لقوله ﷺ فيما رواه الترمذي من حديث جابر مرفوعًا: (ليس على خائن، ولا منتهب، ولا مختلس، قطع) (١). وقال: هذا حديث حسن صحيح. وهذا نصٌّ. ولأنَّه لو كان في جَحد المتاع قطعٌ لكان يلزم القطع على كلَّ من جَحَد شيئًا من الأشياء ثمَّ ثبت عليه. وهذا لا قائل به فيما أعلم. ورابعها: إنَّه لا تعارض بين رواية من روى: (سرقت) ولا بين رواية من روى: (جحدت ما استعارت) إذ يمكن أن يقال: إن المرأة فعلت الأمرين، لكن قطعت في السرقة، لا في الجحد، كما شهد به مساق الحديث، فتأمله (٢). و(قوله ﷺ : أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟ ! ) إنكارٌ على أسامة، يُفهَم منه: تحريم الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام، فيَحرُم على الشافع وعلى المُشَفَّع، وهذا لا يختلف فيه. وقد ذكر الدارقطني عن عروة بن الزبير قال: شفع الزبير في سارق، فقيل: حتى نُبلِغَهُ الإمامَ. قال: إذا بلغ الإمام فلعن الله الشافع والمُشَفَّع، كما قال رسول الله ﷺ (٣). ورواه مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: أن الزبير قال ذلك، ولم يذكر النبي ﷺ (٤). والموقوف هو الصحيح.

стр. 2733

ثُمَّ قَامَ فَاختَطَبَ فَقَالَ: يا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَهلَكَ الَّذِينَ قَبلَكُم أَنَّهُم كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِم الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِم الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيهِ الحَدَّ، وَايمُ اللَّهِ، لَو أَنَّ فَاطِمَةَ بِنتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَت لَقَطَعتُ يَدَهَا. وفي رواية: فَتَلَوَّنَ وَجهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَتَشفَعُ فِي حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ؟ ! فَقَالَ أُسَامَةُ: استَغفِر لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ! وفيها: ثُمَّ أَمَرَ بِتِلكَ المَرأَةِ الَّتِي سَرَقَت فَقُطِعَت يَدُهَا، قَالَت عَائِشَةُ: فَحَسُنَت تَوبَتُهَا بَعدُ، وَتَزَوَّجَت، وَكَانَت تَأتِينِي بَعدَ ذَلِكَ فَأَرفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رواه البخاريُّ (٣٤٧٥)، ومسلم (١٦٨٨) (٨ و ٩)، وأبو داود (٤٣٧٣)، والترمذيُّ (١٤٣٠)، والنسائي (٨/ ٧٣)، وابن ماجه (٢٥٤٧). ــ وأمَّا الشفاعة قبل بلوغ الإمام: فقد أجازها أكثر أهل العلم لما جاء في السِّتر على المسلم مطلقًا، لكن قال مالك: ذلك فيمن لم يُعرف منه أذى للنَّاس، فأما من عرف منه شرٌّ، وفسادٌ: فلا أحبُّ أن يُشفع فيه. وأمَّا الشفاعة فيما ليس فيه حدٌّ وليس فيه حق لآدمي، وإنَّما فيه التعزير فجائزة عند العلماء بلغ الإمام أم لا. و(قوله: إنَّما أهلك الذين قبلكم أنَّهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ) تهديد، ووعيد شديد على ترك القيام بالحدود، وعلى ترك التسوية فيما بين الدَّنيء والشريف، والقوي والضعيف. ولا خلاف في وجوب ذلك. وفيه حجَّة لمن قال: إن شرع من قبلنا شرع لنا. و(قوله: لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها) إخبارٌ عن مقدَّر يفيد القطع بأمر محقق. وهو وجوب إقامة الحد على البعيد والقريب، والبغيض والحبيب، لا تنفع في ذريةٍ شفاعة، ولا تحولُ دونه قرابة ولا جماعة. و(قولها: فحسنت توبتها، وتزوَّجت .. . إلى آخره) يدلّ على صحة توبة

стр. 2734

[١٧٧٩] وعنها: قالت: كَانَت امرَأَةٌ مَخزُومِيَّةٌ تَستَعِيرُ المَتَاعَ وَتَجحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بقطع يَدهَا، فَأَتَى أَهلُهَا أُسَامَةَ فَكَلَّمُوهُ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحوَ الأول. رواه مسلم (١٦٨٨) (١٠)، وأبو داود (٤٣٧٤). * * * (٣) باب حد البكر والثيب إذا زنيا [١٧٨٠] عَن عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَد جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا؛ البِكرُ بِالبِكرِ، جَلدُ مِائَةٍ ونَفيُ ــ السَّارق، وأنها ماحيةٌ لإثم السَّرِقة، وللمعرَّة اللاحقة، فيحرم تعييره بذلك. أو يعاب عليه شيء مما كان هنالك. وهكذا حكم أهل الكبائر إذا تابوا منها، وحسنت أحوالهم بعدها، تُسمعُ أقوالهم، وتُقبل شهادتهم. وهذا مذهب الجمهور، غير أن أبا حنيفة قال: لا تقبل شهادة القاذف المحدود مطلقًا وإن تاب. وقال مالك: لا تُقبل شهادة المحدود فيما حدّ فيه، وتُقبل في غيره. (٣) ومن باب: حدّ البكر والثيِّب إذا زنيا (قوله ﷺ : خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا) أي: افهموا عني تفسير السبيل المذكور في قوله تعالى: ﴿فَأَمسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوتُ أَو يَجعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ واعملوا به. وذلك: أن مُقتضى هذه الآية: أن من زنى حبس في بيته إلى أن يموت. كذا قاله ابن عباس في النساء، وحكي عن ابن عمر: أن ذلك حكم الزانيين؛ يعني: الرَّجل والمرأة. فكان ذلك

стр. 2735

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحبس هو حدّ الزناة؛ لأنَّه كان يحصل به إيلام الجاني وعقوبته؛ بأن يمنع من التصرف والنكاح وغيره طول حياته، وذلك عقوبةٌ وزجرٌ، كما يحصل من الجلد والتغريب. فحقيق أن يُسمّى ذلك الحبس حدًّا، غير أن ذلك الحكم كان محدودًا إلى غاية وهو أن يبين الله لهن سبيلًا آخر غير الحبس، فلما بلغ وقت بيانه المعلوم عند الله أوضحه الله تعالى لنبيّه ﷺ فبلَّغه لأصحابه، فقال لهم: (خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة، وتغريب عام، والثيِّب بالثيِّب جلد مائة والرَّجم)، فارتفع حكم الحبس في البيوت لانتهاء غايته. وهذا نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ فإذا جاء الليل ارتفع حكم الصيام، لانتهاء غايته، لا لنسخه. وبهذا يعلم بطلان قول من قال: إن الحبس في البيوت في حق البكر منسوخ بالجلد المذكور في النور، وفي حق الثيِّب بالرَّجم المجمع عليه. وهذا ليس بصحيح لما ذكرناه أولًا، ولأن الجمع بين الحبس، والجلد، والرَّجم ممكن، فلا تعارض، وهو شرط النسخ مع علم [المتأخر من] (١) المتقدم، كما قدَّمناه في باب النسخ في الأصول. وإذا تقرر هذا فاعلم: أن الأمَّة مُجمِعة: على أن البكر - ويعني به: الذي لم يحصن - إذا زنى جلد الحدّ. وجمهور العلماء من الخلفاء، والصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، على وجوب التغريب مع الحدّ إلا أبا حنيفة، وصاحبه محمد بن الحسن، فإنَّهما قالا: لا تغريب عليه. فإن النصّ الذي في الكتاب إنَّما هو على جلد الزاني، والتغريب زيادةٌ عليه، والزيادة على النصّ نسخ، فيلزم عليه نسخ القرآن القاطع بخبر الواحد، فإن التغريب إنما ثبت بخبر الواحد. والجواب: أنا لا نسلِّم: أن الزيادة على النص نسخٌ، بل زيادة حكم آخر مع

стр. 2736

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأصل، فلا تعارض، فلا نسخ. وقد بيَّنا ذلك في الأصول، سلمنا ذلك، لكن هذه الآية ليست بنصٍّ، بل عموم ظاهرٌ، فيخصّص منها بعض الزناة بالتغريب، كما يخصِّص بعضهم بالرَّجم، ثمَّ يلزمهم ردَّ الحكم بالرجم فإنه زيادة على نصّ القرآن، وهو ثابت بأخبار الآحاد. ولو سلَّمنا: أن الرَّجم ثبت بالتواتر، فشرطه الذي هو الإحصان ثبت بأخبار الآحاد، ثم هم قد نقضوا هذه القاعدة التي قعدوها في مواضع كثيرةٍ بيَّناها في الأصول. ومن أوضح ذلك: أنهم أجازوا الوضوء بالنبيذ معتمدين في ذلك على خبر ضعيف لم يصحّ عند أهل العلم بالحديث، وهو زيادة على ما نصّ عليه القرآن من استعمال الماء. ثم القائلون بالتغريب اختلفوا فيه. فقال مالك: ينفى من مصر إلى الحجاز وشَعب وأسوان ونحوها. ومن المدينة إلى خيبر وفدك، وكذلك فَعَل عمر بن عبد العزيز. وقد نفى علي ﵁ من الكوفة إلى البصرة. قال مالك: ويحبس في البلد الذي نُفي إليه. وقيل: يُنفى إلى عمل غير عمل بلده. وقيل: إلى غير بلده. وقال الشافعي: أقلُّ ذلك يوم وليلة. قلت: والحاصل: أنَّه ليس في ذلك حدٌّ محدود، وإنَّما هو بحسب ما يراه الإمام، فيختلف بحسب اختلاف أحوال الأشخاص على حسب ما يراه أردع. ثمَّ القائلون بالتغريب لم يختلفوا في تغريب الذكر الحرّ. واختلفوا في تغريب المرأة والعبد. فممن رأى التغريب فيهما؛ أخذا بعموم حديث التغريب، ابن عمر، وقد حدّ مملوكة له في الزنى، ونفاها إلى فدك. وبه قال الشافعي، وأبو ثور، والثوري، والطبري، وداود. وهل يُنفى العبد والأمة سنة أو نصف سنة؟ قولان عند الشافعي. وذهب معظم القائلين بالنفي: إلى أنه لا نفي على مملوك، وبه قال الحسن وحماد بن

стр. 2737

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أبي سليمان، ومالك، وأحمد، وإسحاق. ولم ير مالك، والأوزاعي على النساء نفيًا. وروي مثله عن علي بن أبي طالب بناءً على تخصيص حديث النفي. أما في الأَمَة: فبقوله ﷺ : (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ثلاثًا). ثم قال بعد ذلك: (ثم إن زنت فبيعوها ولو بِضَفِير) (١)، ولم يذكر النفي، وهو موضع بيان، ووقته، لا يجوز تأخيره عنه، ولأن تغريب المملوك عقوبة لمالكه يمنعه من منافعه في مدة تغريبه، ولا يناسب ذلك تصرُّف الشرع، فلا يعاقب غير الجاني، ألا ترى أن العبد لا يجب عليه الحجَّ، ولا الجمعة، ولا الجهاد لحق السيِّد؛ فِبأن لا يغرب أولى. وإمَّا في حق الحرَّة: فلأنها لا تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم أو زوج، فإن أوجبنا التغريب على هؤلاء معها كنا قد عاقبناهم وهم برءاءُ، وإن لم نوجبه عليهم لم يجز لها أن تسافر وحدها فتعذَّر سفرها. فإن قيل: تسافر مع رفقة مأمونة أو النساء؛ كما يقوله مالك في سفر الحجّ. فالجواب: إن ذلك من مالك سعي في تحصيل وظيفة الحجّ لعظمها وتأكد أمرها، بخلاف الزانية؛ فإن المقصود منه المبالغة في الزجر والنكال، وذلك حاصل بالجلد، ولأن إخراج المرأة من بيتها الأصل منعه. ألا ترى: أن صلاتها في بيتها أفضل، ولا تخرج منه في العِدَة. وقد قال ﷺ : (أَعرُوا النساء يَلزَمن الحِجالَ) (٢). وحاصل ذلك: أن في إخراجها من بيتها إلى بلد آخر تعريضها لكشف عورتها، وتضييعا لحالها، وربما يكون ذلك سببًا لوقوعها فيما أخرجت من سببه، وهو الفاحشة. ومآل هذا البحث تخصيص عموم التغريب بالمصلحة المشهود لها بالاعتبار، وهو مختلف فيه، كما ذكرناه في الأصول.

стр. 2738

سَنَةٍ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم. رواه أحمد (٥/ ٣١٣)، ومسلم (١٦٩٠) (١٢)، وأبو داود (٤٤١٦)، والترمذي (١٤٣٤). ــ و(قوله: والثيِّب بالثيِّب جلد مائة والرَّجم) الثيب هنا: هو المحصن، وهو البالغ، العاقل، الحرّ، المسلم، الواطئ وطئًا مباحًا في عقد صحيح. هذه شروط الإحصان عند مالك، وقد اختلف في بعضها. ولبيان ذلك موضع آخر. فإذا زنى المحصن وجب الرَّجم بإجماع المسلمين، ولا التفات لإنكار الخوارجِ والنّظَّامِ (١) الرَّجمَ، إمَّا لأنهم ليسوا بمسلمين عند من يكفِّرهم، وإما لأنَّهم لا يعتد بخلافهم؛ لظهور بدعتهم وفسقهم على ما قرَّرناه في الأصول. وهل يجمع عليه الجلد والرَّجم؟ كما هو ظاهر هذا الحديث؛ وبه قال الحسن البصري، وإسحاق، وداود، وأهل الظاهر. وروي عن علي بن أبي طالب ﵁: أنَّه جمع ذلك على شراحة، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ . أو يقتصر على الرَّجم وحده؟ وهو مذهب الجمهور، متمسكين بأن النبي ﷺ رجم ماعزًا والغامدية ولم يجلدهما، وقال: (اغدُ يا أُنَيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) (٢)، ولم يذكر الجلد، فلو كان مشروعًا لما سكت عنه، وكأنَّهم رأوا: أن هذا أرجح من حديث الجمع بين الجلد والرَّجم، إما لأنَّه منسوخ إن عرف التاريخ، وإمَّا لأن العمل المتكرر من النبي ﷺ في أوقات متعددة أثبت في النفوس، وأوضح، فيكون أرجح. وقد شذَّت طائفة فقالت: يجمع الجلد والرجم على الشيخ، ويُجلد الشابُّ تمسُّكًا بلفظ الشيخ. وهو خطأ، فإنَّه قد سَمَّاه في الحديث الآخر: الثيب.

стр. 2739

[١٧٨١] وعن عَبد اللَّهِ بن عَبَّاسٍ قَالَ: قال عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ - وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالحَقِّ، وَأَنزَلَ عَلَيهِ الكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أُنزِلَ الله عَلَيهِ آيَةُ الرَّجمِ، قَرَأنَاهَا، وَوَعَينَاهَا، وَعَقَلنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَرَجَمنَا بَعدَهُ، فَأَخشَى إِن طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَن يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرَّجمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ! فَيَضِلُّوا بِتَركِ فَرِيضَةٍ أَنزَلَهَا اللَّهُ، ــ و(قوله في الأصل (١): كرب لذلك وتَرَبَّد وجهه) أي: أصابه كربٌ، وعلت وجهه غَبَرَةٌ. والرَّبدة: تغيير البياض للسواد، وقد تقدم في الإيمان. و(قول عمر: كان مما أنزل الله تعالى على نبيه ﷺ آية الرَّجم، فقرأناها، ووعيناها، وعقلناها) هذا نصٌّ من عمر ﵁ على أنَّ هذا كان قرآنًا يُتلى. وفي آخره ما يدلُّ على أنَّه نُسخ كَونُها من القرآن، وبقي حُكمُها معمولًا به، وهو الرَّجم. وقال ذلك عمر بمحضرِ الصحابة ﵃. وفي مَعدن الوحي، وشاعت هذه الخطبة في المسلمين، وتناقلها الرُّكبان، ولم يسمع في الصحابة ولا فيمن بعدهم من أنكر شيئًا مِمَّا قاله عمر، ولا راجعه لا في حياته ولا بعد موته، فكان ذلك إجماعًا منهم على صحة هذا النوع من النسخ. وهو نسخ التلاوة مع بقاء الحكم، ولا يلتفت لخلاف من تأخر زمانه، وقل علمه في ذلك. وقد بيَّنا في الأصول: أن النسخ على ثلاثة أضرب: نسخ التلاوة، ونسخ الحكم مع بقاء التلاوة، ونسخ التلاوة مع بقاء الحكم. و(قوله: فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده) يعني: نفسه وأبا بكر ﵄. و(قوله: فأخشى إن طال زمان أن يقول قائل: ما نجدُ الرَّجم في كتاب الله فيضلُّوا بترك فريضةٍ أنزلها الله تعالى) هذا الذي توقعه عمر قد وقع بعده للخوارج،

стр. 2740

فإِنَّ الرَّجمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَن زَنَى إِذَا أَحصَنَ مِن الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ؛ إِذَا قَامَت البَيِّنَةُ، أَو كَانَ الحَبَلُ، أَو الِاعتِرَافُ. ــ والنّظَّام؛ فإنَّهم أنكَرُوا الرَّجم، فهم ضالون بشهادة عمر ﵁ وهذا من الحق الذي جعل الله تعالى على لسان عمر وقلبه ﵁، ومما يدلُّ على أنَّه كان محدِّثًا بكثير مما غاب عنه، كما شهد له بذلك رسول الله ﷺ . و(قوله: فإن الرَّجم في كتاب الله) أي: في حكم الله الذي كان نزل في الكتاب، وكان فيه ثابتًا قبل نسخه، كما قدَّمناه. وقد نصَّ على هذا المعنى فيما ذكره عنه مالك في الموطأ؛ فقال: لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبته بيدي: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة (١). وهذا من قوله يدلّ على أن الكتاب قد أحكمت آياته وانحصرت حروفه وكلماته، فلا يقبل الزيادة ولا النقصان. و(قوله: حقٌّ) أي: ثابت يعمل به إلى يوم القيامة. و(قوله: على من زنى من الرِّجال أو النساء إذا أحصن) هذا مجمع عليه؛ إذ لم يسمع بمن فرَّق فيه بين الرجال والنساء. وقد رجم رسول الله ﷺ ماعزًا والغامدية على ما يأتي. و(قوله: إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف) فيعني بالبينة الأربعة الشهداء العدول، المؤدين للشهادة في فَورٍ واحد؛ الذين يَصفُون رؤية فرجه في فرجها كالمِرُّود في المكحلة، المقيمين على شهادتهم إلى أن يقام الحدّ على ما يُعرف في كتب الفقه. و(الحَبَلُ): يعني به: أن يظهر بامرأة لا زوج لها، ولا سيِّد، وكانت غير طارِئةٍ (٢) - حَبَلٌ، ولم يظهر ما يدلُّ على الإكراه [مثل أن تتعلق

стр. 2741

رواه البخاريُّ (٣٨٧٢)، ومسلم (١٦٩١) (١٥)، وأبو داود (٤٤١٨)، والترمذيُّ (١٤٣١). * * * ــ به، وتفضح نفسها، وهي تُدمَى، فأما لو لم يكن إلا قولها أنها أكرهت، ولم يظهر ما يدلّ على الإكراه] (١)، فإنَّها لا يَدفَع الحدّ عنها مجرَّدُ قولِها، ولا يكون قولها شبهة عندنا، وهو شبهة عند أبي حنيفة يدرأ بها الحدّ. وبه قال ابن المنذر، والكوفيون، والشافعي، قالوا: إذا وجدت المرأة حاملًا فلا حدّ عليها إلا أن تقرَّ بالزنى، أو تقوم عليها بيِّنة. ولم يفرِّقوا بين الطارئة وغيرها. ويرد عليهم قول عمر ﵁: أو الحَبَل - بحضرة الصحابة - ولا منكر. وأيضًا: فمثل هذا لا يقوله عمر ﵁ عن اجتهاد، إنَّما يقوله عن النبي ﷺ لكنه لم يصرَّح بالرفع. ولا يضرُّنا ذلك. ولو سلَّمنا: أنَّه قاله عن اجتهاد فاجتهاده راجحٌ على اجتهاد غيره؛ لشهادة النبي ﷺ (إن الله تعالى قد جعل الحق على لسانه وقلبه) (٢). وسيأتي الكلام في الاعتراف. * * *

стр. 2742

(٤) باب إقامة الحد على من اعترف على نفسه بالزنا [١٧٨٢] عَن عَلقَمَةَ بنِ مَرثَدٍ، عَن سُلَيمَانَ بنِ بُرَيدَةَ، عَن أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ مَاعِزُ بنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طَهِّرنِي، فَقَالَ: وَيحَكَ! ارجِع فَاستَغفِر اللَّهَ وَتُب إِلَيهِ. قَالَ: فَرَجَعَ غَيرَ بَعِيدٍ ثُمَّ جَاءَ ــ (٤ و ٥ و ٦) ومن باب: إقامة الحد على من اعترف على نفسه بالزنى (١) (قول ماعز ﵁ في هذه الرِّواية: يا رسول الله! طهرني) ولم يذكر فيها مماذا يُطهَّر؟ وإنما أراد به: من إثم الزنى، بإقامة الحدّ، كما جاء في الرِّواية الأخرى، فإنَّه قال: يا رسول الله! إني قد ظلمت نفسي، وزنيت، وإني أريد أن تطهرني. وهذه رواية محكمة، وهكذا هذا الحديث روي بألفاظ متعددة بعضها يفسر بعضًا، أو يُقيِّده (٢). و(قوله ﷺ : ويحك! ارجع فاستغفر الله، وتب إليه) يدل على أن ما كان من حقوق الله تعالى يكفي في الخروج من إثمه التوبة، والاستغفار، وإن كان فيه حدٌّ. وفيه: جواز ستر الإمام على الزاني ما لم يتحقق السبب، فإذا تحقق السبب الذي يترتب عليه الحدّ فلا بدَّ من إقامته، كما ذكره مالك في الموطأ من مراسيل ابن شهاب، عن النبي ﷺ أنه قال: (من بلي بشيء من هذه القاذورات فليستتر،

стр. 2743

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طَهِّرنِي، فَقَالَ النبي ﷺ : وَيحَكَ! ارجِع فَاستَغفِر اللَّهَ وَتُب إِلَيهِ. قَالَ: فَرَجَعَ غَيرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طَهِّرنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِثلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَت الرَّابِعَةُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟ . فَقَالَ: مِن الزِّنَى، فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَبِهِ جُنُونٌ؟ . فَأُخبِرَ أَنَّهُ لَيسَ بِمَجنُونٍ، فَقَالَ: أَشَرِبَ خَمرًا؟ . فَقَامَ رَجُلٌ فَاستَنكَهَهُ، فَلَم يَجِد مِنهُ ــ فإنَّه من يُبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله) (١). فأمَّا حقوق الآدميين: فلا بدَّ مع التوبة من الخروج منها. و(قوله ﷺ : أبه جنون؟ ) هذا سؤال أوجبه ما ظهر على السَّائل من الحال التي تشبه حال المجنون، وذلك: أنَّه جاء إلى رسول الله ﷺ منتفش الشعر، ليس عليه رداء، يقول: زنيت فطهرني. كما قد صحَّ في الرِّواية، وإلا فليس من المناسب أن ينسب الجنون إلى من أتى على هيئة العقلاء، وأتى بكلام منتظم مُقيد، لا سيما إذا كان فيه طلب الخروج من مأثم. و(قوله: أَشرِبَ (٢) خمرًا؟ واستِنكَاهُهُم له) يدلُّ على أن مَن وجدت منه رائحة الخمر حكم له بحكم من شربها. وهو مذهب مالك، والشافعي. وهو قول عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وعمر بن عبد العزيز. وقال آخرون: لا يُحَدُّ بالرِّيح بل بالاعتراف، أو البيِّنة، أو يُوجد سكران. وإليه ذهب عطاء وعمرو بن دينار، والثوري، غير أنه قال: يعزر من وجد منه ريح الخمر. وفيه من الفقه ما يدلُّ على أن المجنون لا تعتبر أقواله، ولا يتعلَّق بها حكم، وهذا لا يختلف فيه.

стр. 2744

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وظاهر هذا الحديث: أن السَّكران مثل المجنون في عدم اعتبار إقراره، وأقواله. وبه قالت طائفة من أهل العلم. وقالت طائفة أخرى، وهو مالك، وجل أصحابه: يؤخذ بإقراره؛ لأنه لا يعرف المتساكر من السَّكران، ولأنَّه لَمَّا كان مختارًا لإدخال السُّكر على نفسه صار كأنه مختار لما يكون في سكره. وهذا مع أنا نقول: إن من ذهب عقله حتى لا يميز شيئًا فليس بمكلَّف، ولا مخاطب خطاب تكليف في تلك الحال بالإجماع، على ما حكاه ابن العربي. وإنَّما يتعلَّق به خطاب الإلزام المسمَّى بخطاب الوضع والإخبار؛ على ما بيَّناه في الأصول. واعترافه على نفسه أربع مرَّات يَستدلُ به من يشترط في قبول إقرار الزاني العدد. وهم: الحكم، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي؛ فقالوا: لا يقام عليه الحدّ إلا إذا أقرَّ على نفسه أربع مرَّات تمسُّكًا بهذا الحديث، وبأن الإقرار بالزنى كالشهادة عليه، وقد انعقد الإجماع: على أن شهود الزنى أربعة، فيكون الإقرار أربعة. ومن هؤلاء من شرط أن تكون الأربع الإقرارات في مجلس واحد. وإليه ذهب ابن أبي ليلى، وأحمد. وقال أصحاب الرأي: إذا أقرَّ أربع مرَّات في مجلس واحد فهو بمنزلة مرة واحدة. قلت: والأوَّل مقتضى قياس الإقرار بالزنى على الشهادة به، وعلى القول الثاني يمتنع الإلحاق. والصحيح: أنَّه لا يشترط في الإقرار بالزنى، ولا غيره عدد. وهو مذهب الجمهور: مالك، والشافعي، وأبي ثور. وبه قال الحسن، وحمَّاد. والدَّليل على صحة ذلك: أنه ﷺ رجم الغامدية بإقرارها مرة واحدة، ولم يستعد منها الإقرار، ولقوله ﷺ : (واغدُ يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) (١) ولم يأمره أن

стр. 2745

رِيحَ خَمرٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَزَنَيتَ؟ . فَقَالَ: نَعَم، ــ يستعيد إقرارها بذلك أربع مرَّات. وأما تكرار اعتراف ماعز فإنما كان لأجل إعراضه عنه ﷺ في الثلاث المرَّات ليستر نفسه، وليتوب، ولم يأمره النبي ﷺ بإعادة ذلك. وأمَّا قياسهم الإقرار على الشهادة فليس بصحيح، للفرق بينهما من وجوه متعددة. وذلك: أن إقرار الفاسق والعبد على نفسه مقبول بخلاف شهادتهما، ويكفي منه في سائر الحقوق مرة واحدة بالإجماع، إلا من شذَّ فقال: إنَّ الإقرار بالقتل لا يكون إلا مرَّتين كالشهادة به، ولو كان الإقرار كالشَّهادة مطلقًا لاشترط فيه العدد مطلقًا، ولو كان كالشهادة لما قُبل إقرار المرأة على نفسها بأنها جُرِحت أو أعتقت؛ لأنَّها لا تقبل شهادتها في ذلك، فبطل تمسكهم بالخبر والقياس. والله الموفق. و(قوله: أزنيتَ؟ فقال: نعم) جاء هذا المعنى في كتاب أبي داود بأوضح من هذا: قال له النبي ﷺ : (أنكتها؟ ) قال: نعم. قال: (حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ ) قال: نعم. قال: (كما يغيب المِروَد في المُكحُلَة، والرِّشاء في البِئر؟ ) قال: نعم. قال: (هل تدري ما الزنى؟ ) قال: نعم، أتيتُ منها حرامًا ما يأتي الرَّجُل من أهله حلالًا) (١). وهذا منه ﷺ أخذ لماعز بغاية النصّ الرافع لجميع الاحتمالات كلها تحقيقًا للأسباب، وسعيًا في صيانة الدماء. ثمَّ لما فرغ ﷺ من استفصاله (٢) عن ذلك سأله عن الإحصان. فقال: (هل أحصنت؟ ) قال: نعم؛ يعني: هل تزوجت تزويجًا صحيحًا، ووطئت وطئًا مباحًا؟ فعندما أجابه بنعم، أمر برجمه، وذلك عند تحقق السبب الذي هو الزنى بشرطه؛ الذي هو الإحصان. وقد أخذ علماؤنا من حديث أبي داود: أن شهود الزنى يصفون الزنى كما وصف ماعز، فيقول الشاهد: رأيت فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة. وإليه ذهب معاوية، والزهري، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.

стр. 2746

فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَكَانَ النَّاسُ فِيهِ فِرقَتَينِ، قَائِلٌ يَقُولُ: لَقَد هَلَكَ، لَقَد ــ و(قوله: فأمر به، فرجم)، وفي الرِّواية الأخرى: (فأمر به فحفر له)، وفي الرواية الأخرى قال: (فما أوثقناه، ولا حفرنا له)، وفي حديث الغامدية: (أنها حُفِر لها إلى صدرها) اختلاف هذه الروايات هو الموجب لاختلاف العلماء في هذا الحكم الذي هو: الحفر. فلم يبلغ مالكًا من أحاديث الحفر شيء، فلم يقل به، لا في حق المرأة، ولا في حق الرَّجل، لا هو، ولا أصحابه. وكذلك قال أحمد، وأصحاب الرأي. وقالوا: إن حفر للمرأة فحسن. وقيل: يحفر لهما. وبه قال قتادة وأبو يوسف. وروي في ذلك عن علي، ووسَّع الشافعي، وابن وهب للإمام في ذلك، وخيراه. ثم قال في هذه الرواية الأخيرة: (فرميناه بالعظم، ثمَّ المدر، والخزف)، قال: (فاشتد واشتددنا خلفه حتى أتى عُرض الحَرَّة، فانتصب لنا، فرميناه بِجَلامِيد الحرَّةِ حتى سكت) يعني بالعظم: العظام، والمدر: التراب الأحمر المنعقد، والخزف: الشِّقاف، وهي: كِسَر الفخَّار. وعُرض الحَرَّة - بضم العين -: جانبها، وسكت: معناه: سكن؛ أي: مات. وقال أبو داود فيه من حديث هَزَّال، فقال رسول الله ﷺ : (هلَاّ تركتموه لعلَّه أن يتوب فيتوب الله عليه) (١). وقال أيضًا من حديث جابر: أن جابرًا قال: لما خرجنا به فرجمناه، فوجد مس الحجارة صرخ بنا: يا قوم! ردوني إلى رسول الله ﷺ ، فإن قومي قتلوني، وغرُّوني من نفسي، وأخبروني: أن رسول الله ﷺ غير قاتلي. فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلمَّا رجعنا إلى رسول الله ﷺ وأخبرناه فقال: (هلا تركتموه وجئتموني به) ليستثبت رسول الله ﷺ فيه، فأمَّا لترك حدّ فلا (٢). هذه الروايات متواردة: على أن ماعزًا لَمَّا وجد ألم الحجارة صدر منه ما

стр. 2747

أَحَاطَت بِهِ خَطِيئَتُهُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: مَا تَوبَةٌ أَفضَلَ مِن تَوبَةِ مَاعِزٍ، إنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: اقتُلنِي بِالحِجَارَةِ، قَالَ: فَلَبِثُوا بِذَلِكَ يَومَينِ أَو ثَلَاثَةً، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُم جُلُوسٌ فَسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ: استَغفِرُوا لِمَاعِزِ بنِ مَالِكٍ. قَالَ: فَقَالَوا: غَفَرَ اللَّهُ لِمَاعِزِ بنِ مَالِكٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَقَد تَابَ تَوبَةً لَو قُسِمَت بَينَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتهُم. ــ يدلّ على أنه أراد أن يردَّ إلى النبي ﷺ لا سيما وقد صرح بذلك في حديث جابر، وأن النبي ﷺ قال: (فهلا تركتموه، وجئتموني به)، فاستنبط منه كثير من العلماء: أن المعترف بما يجب عليه من الحد إن رجع عن إقراره مطلقًا لم يُحدَّ، وممن ذهب إلى هذا: عطاء، ويحيى بن يعمر، والزهري، وحمَّاد، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والنعمان، ومالك في رواية القعنبي. وقيل: لا ينفعه رجوعه مطلقًا. وبه قال سعيد بن جبير، والحسن، وابن أبي ليلى، وأبو ثور. وهي رواية ابن عبد الحكم عن مالك. وقال أشهب: قال مالك: إن جاء بعذر قُبل منه، وإلا لم يقبل ذلك منه. قلت: وليس في شيء من هذه الروايات ما ينصّ على أنَّه ﷺ كان يقبل رجوعه مطلقًا لا سيما مع قول جابر: ليستثبت في أمره، فأمَّا لترك حدّ فلا. ولعلَّه كان يستدعي منه النبي ﷺ الرُّجوع إلى شبهة كما صار إليه مالك في رواية أشهب. وهذا القول أعجب ما في هذه المسألة. إنَّه إن رجع إلى شبهة درئ عنه الحد، وإلا فلا. وقد قال أحمد بن حنبل، وأبو ثور: إذا هرب تُرك اتِّباعًا لهذه الزيادة. وقاله بعض أصحابنا. وقال: إن وُجد بالفور كمل عليه الحد. وإن وجد بعد زمان تُرِكَ. و(قوله: فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة) الإشارة بـ (ذلك) إلى ما وقع لهم من الاختلاف في شأن ماعز؛ يعني: أنَّهم بقوا كذلك إلى أن تبيَّن لهم حاله بقوله:

стр. 2748

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (لقد تاب توبة لو قُسِمَت بين أُمَّةٍ لوسعتهم). والأمَّة: الجماعة من الناس. وقد يقال على الجماعة مما لا يعقل. فيقال: أمَّة من الحمير، ومن الطير. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيهِ إِلا أُمَمٌ أَمثَالُكُم﴾ ويعني بالأمَّة في هذا الحديث السبعين الذين ذكروا في حديث الغامدية. وزاد أبو داود من رواية ابن عباس: أن ماعزًا لما رجم سمع النبي ﷺ رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه، فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب، فسكت عنهما، ثم سار ساعة حتى مرَّ بجيفة حمار شائلٍ بِرِجلِه. فقال: (أين فلان وفلان؟ ) فقالا: نحن ذانِ يا رسول الله! فقال: (انزلا وكلا من جيفة هذا الحمار) فقالا: يا رسول الله! من يأكل من هذا؟ قال: (فما نِلتُما من عِرضِ أَخِيكُما آنفًا أشد من أكلٍ منه، والذي نفسي بيده! إنَّه الآن في أنهار الجنة ينغمسُ فيها) (١). قلت: فهذه الروايات كلها متواردة على أن الحدّ كفارة، كما جاء في حديث عبادة بن الصامت حيث قال: (فمن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة) (٢). وقد زاد أبو داود في حديث ماعز من حديث خالد بن اللجلاج: أنه لَمَّا رجم جاء رجل يسأل عن المرجوم، فانطلقنا به إلى النبي ﷺ فقلنا: هذا جاء يسأل عن الخبيث. فقال رسول الله ﷺ : (لهو أطيب عند الله من ريح المسك)، فإذا هو أبوه، فأعنَّاه على غسله وتكفينه، ودفنه. قال: وما أدري؛ قال: والصلاة عليه، أم لا (٣)؟

стр. 2749

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفيه دليل: على أن المرجوم يُغسَّل، ويكفَّن، ويصلَّى عليه. وفي معناه: كل من قتل في حدّ من المسلمين، غير أن الإمام يجتنب الصلاة على من قتله في حدّ؛ على مذهب مالك، وأحمد بن حنبل؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يصل على ماعز. وعند أبي بكر بن أبي شيبة (١): أن النبي ﷺ أمر بالغامدية فصُلِّي عليها - بضم الصاد -كذا الرواية. وفي كتاب أبي داود (٢): أنَّه أمرهم: أن يصلوا عليها. وظاهر هذين الحديثين: أنَّه لم يصل عليها، غير أنَّه في كتاب مسلم: صَلَّى عليها. وظاهره: أنَّه صلَّى بنفسه، حتى قال له عمر: أتصلي عليها وقد زنت؟ ! وبهذا استدل من قال: إن الإمام يُصلِّي على من قتله في حدّ، على أنه يحتمل أن قول الراوي: صلَّى عليها؛ أي: دعا لها، واستغفر لها. أو يكون معناه: أنه أمر أن يصلّى عليها. ويعتضد هذا بأنه لم يُصلِّ على ماعز، كما قد روي من حديث معمر: أنه لم يصلِّ عليه. وفي بعض طرقه: أنَّه ما صلَّى عليه، ولا استغفر له، مع أنَّه قد صحَّ قوله: (استغفروا لأخيكم). فقالوا: غفر الله له (٣). ولم يتلفظ هو بالاستغفار، ولكنه أمر به، فيجوز أن يكون جرى في الصلاة عليه كذلك. و(قوله: لعلك قبَّلت أو غمزت (٤))، وفي بعض طرقه: (لعلك)، واقتصر عليها. فيه من الفقه: جواز تلقين الإمام للمقرِّ ما يدرأ عنه الحدّ. وقد روي ذلك عن رسول الله ﷺ ، وأئمة العلماء. وروي عنه ﷺ أنَّه قال لسارقٍ: (ما إخالُك سَرَقتَ) (٥)، وروي عن أبي بكر، وعمر، وأبي الدرداء قالوا لسارقٍ: (أسرقتَ؟ قُل

стр. 2750

قَالَ: ثُمَّ جَاءَتهُ امرَأَةٌ مِن غَامِدٍ مِن الأَزدِ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طَهِّرنِي، فَقَالَ: وَيحَكِ، ارجِعِي فَاستَغفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيهِ. فَقَالَت: أَرَاكَ تُرِيدُ أَن تُرَدّنِي كَمَا رَدَّدتَ مَاعِزَ بنَ مَالِكٍ، قَالَ: وَمَا ذَاكِ؟ . قَالَت: إِنَّهَا حُبلَى مِن الزِّنَى، فَقَالَ: آنتِ؟ . قَالَت: نَعَم، فَقَالَ لَهَا: حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطنِكِ. قَالَ: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِن الأَنصَارِ حَتَّى وَضَعَت، قَالَ: فَأَتَى ــ : لا). وعن عمر: ما أَرَى يد سارقِ. وعن ابن مسعود: لعلك وجدته. وعن علي ﵁ وقال لِحُبلَى: لعلَّكِ استُكرِهتِ، لعلَّك وُطِئتِ نائمةً. وقال للحُبلى الباكِيَة: إن المرأة قد تُستَكرَه. وقد أجاز ذلك أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وغيرهم. و(قوله: جاءت امرأة من غامد من الأزد) كذا قال في هذه الرِّواية. وفي الرواية الأخرى: (من جهينة)، ولا تباعد بين الروايتين؛ فإن غامدًا قبيلة من جهينة، قاله عياض. وأظن جهينة من الأزد. وبهذا تتفق الروايات (١). وقولها (٢): (إنَّها لَحُبلَى من الزنى) اعتراف منها من غير تكرار يطلب منها. ففيه دليلٌ على عدم اشتراطه على ما مرَّ. وكونه ﷺ لم يستفصلها كما استفصل ماعزًا؛ لأنَّها لم يظهر عليها ما يُوجب ارتيابًا في قولها، ولا شكًّا في حالها، بخلاف حال ماعز، فإنَّه ظهر عليه ما يشبه الجنون، فلذلك استفصله النبي ﷺ لِيَستَثبِت في أمره، كما تقدَّم. و(قوله ﷺ : حتى تضعي ما في بطنك) يدل على أن الجنين - وإن كان من زنى - له حُرمَة، وأن الحامل لا تُحَدُّ حتى تضع؛ لأجل حملها. وهذا

стр. 2751

النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: قَد وَضَعَت الغَامِدِيَّةُ، فَقَالَ: إِذًا لَا نَرجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا، لَيسَ لَهُ مَن يُرضِعُهُ. فَقَامَ رَجُلٌ مِن الأَنصَارِ فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَالَ: فَرَجَمَهَا. رواه أحمد (٥/ ٣٤٧ و ٣٤٨)، ومسلم (١٦٩٥) (٢٢)، والنسائي في الكبرى (٧١٦٣). * * * ــ لا خلاف فيه إلا شيء روي عن أبي حنيفة على خلاف عنه فيه. وقال في الرواية الأخرى: (إمَّا لا، فاذهبي حتى تلدي) إمَّا: بكسر الهمزة التي هي همزته (إن) الشَّرطية، زيدت عليها (ما) المؤكدة؛ بدليل دخول الفاء في جوابها. و (لا) التي بعدها للنفي. فكأنه قال: إن رأيت أن تستري على نفسك وترجعي عن إقرارك فافعلي، وإن لم تفعلي فاذهبي حتى تلدي. ثمَّ اختلف العلماء فيها إذا وضعت. فقال مالك: إذا وضعت رجمت، ولم ينتظر بها إلى أن تكفل ولدها. وقاله أبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه. وهذا قول من لم تبلغه هذه الرواية التي فيها تأخير الغامدية إلى أن فطمت ولدها. وقد روي عن مالك: أنها لا ترجم حتى تجد من يكفل ولدها بعد الرَّضاع. وهو مشهور قول مالك، والشافعي، وقول أحمد، وإسحاق. وقد اختلفت الروايات في رجمها متى كان؟ هل كان قبل فطام الولد، أو بعد فطامه. والأولى: رواية من روى: أنها لم ترجم حتى فطمت ولدها، ووجدت من يكفله؛ لأنَّها مُثبِتةٌ حكما زائدًا على الرواية الأخرى التي ليس فيها ذلك، ولمراعاة حق الولد. وإذا روعي حقه وهو جنين، فلا ترجم لأجله بالإجماع، فمراعاته إذا خرج للوجود أولى. ويستفاد من هذه الرِّواية: أن الحدود لا يبطلها طول الأزمان. وهو مذهب الجمهور. وقد شذَّ بعضهم فقال: إذا طال الزمان على الحدّ بطل. قاله أبو حنيفة في الشهادة بالزِّنى والسَّرِقة القَدِيمين. وهو قول لا أصل له.

стр. 2752

(٥) باب يحفر للمرجوم حفرة إلى صدره وتشد عليه ثيابه [١٧٨٣] عن بَشِير بن المُهَاجِرِ، عن عَبد اللَّهِ بن بُرَيدَةَ، عَن أَبِيهِ: أَنَّ مَاعِزَ بنَ مَالِكٍ الأَسلَمِيَّ أَتَى النبي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَد ظَلَمتُ نَفسِي وَزَنَيتُ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَن تُطَهِّرَنِي. فَرَدَّهُ، فَلَمَّا كَانَ مِن الغَدِ أَتَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي زَنَيتُ، فَرَدَّهُ الثَّانِيَةَ، فَأَرسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى قَومِهِ فَقَالَ: أَتَعلَمُونَ بِعَقلِهِ بَأسًا تُنكِرُونَ مِنهُ شَيئًا؟ فَقَالَوا: مَا نَعلَمُهُ إِلَّا وَفِيَّ العَقلِ، مِن صَالِحِينَا فِيمَا نُرَى، فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَأَرسَلَ إِلَيهِم أَيضًا، فَسَأَلَ عَنهُ فَأَخبَرُوهُ أَنَّهُ لَا بَأسَ بِهِ وَلَا بِعَقلِهِ، فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةَ حَفَرَ لَهُ حُفرَةً، فَرُجِمَ. قَالَ: فَجَاءَت الغَامِدِيَّةُ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لِمَ تَرُدُّنِي؟ لَعَلَّكَ أَن تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدتَ مَاعِزًا، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَحُبلَى، قَالَ: إِمَّا لَا، فَاذهَبِي حَتَّى تَلِدِي. فَلَمَّا وَلَدَت أَتَتهُ بِالصَّبِيِّ فِي خِرقَةٍ. قَالَت: هَذَا قَد وَلَدتُهُ، قَالَ: اذهَبِي فَأَرضِعِيهِ حَتَّى تَفطِمِيهِ. فَلَمَّا فَطَمَتهُ أَتَتهُ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسرَةُ خُبزٍ. فَقَالَت: هَذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ! قَد فَطَمتُهُ، وَقَد أَكَلَ الطَّعَامَ! فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجُلٍ مِن المُسلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدرِهَا، وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا، ــ و(قوله: وأمر الناس فرجموها) ظاهره: أنَّه ﷺ لم يرجمها معهم، لا في أول الأمر، ولا في آخره. فلا يلزم الإمام أن يبدأ بالرجم. وهو مذهب الجمهور. وقد ذهب أبو حنيفة: إلى أنَّه إن ثبت الزنى بالإقرار حضر الإمام، وبدأ قبل الناس بالرَّجم. وإن كان بالشهادة حضر الشهود، وبدؤوا بالرَّجم قبل الناس. قلت: وأحاديث هذا الباب تردُّ ما قاله أبو حنيفة، غير أنَّه وقع في كتاب أبي داود من حديث الغامدية: أن رسول الله ﷺ أخذ حصاة مثل الحِمَّصَة فرماها

стр. 2753

فَيُقبِلُ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ بِحَجَرٍ، فَرَمَى رَأسَهَا فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجهِ خَالِدٍ، فَسَبَّهَا، فَسَمِعَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ سَبَّهُ إِيَّاهَا. فَقَالَ: مَهلًا يَا خَالِدُ، فَوَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَقَد تَابَت تَوبَةً، لَو تَابَهَا صَاحِبُ مَكسٍ لَغُفِرَ لَهُ. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيهَا، وَدُفِنَت. رواه مسلم (١٦٩٥) (٢٣)، وأبو داود (٤٤٤٢)، والنسائي في الكبرى (٧١٦٧). ــ به (١). وهي رواية شاذةٌ، مخالفة للمشهور من حديث الغامدية. و(قوله: فَتَنَضَّخ الدَّم على وجه خالد) أي: تطاير متفرقًا، وهو بالخاء المعجمة. والعين النضاخة هي: الفوارة بالماء الغزير؛ الذي يسيل ويتفرَّق. وقد روي بالحاء المهملة، وهو الرشُّ الخفيف، وهو أخف من النضخ - بالخاء المعجمة. و(قوله: مهلًا يا خالد! ) أي: كفَّ عن سبِّها. ففيه دليل: على أن من أقيم عليه الحدَّ لا يُسَبُّ، ولا يُؤذَى بِقَذَعٍ كلامٍ. و(قوله ﷺ : لقد تابت توبةً لو تابها صاحبُ مَكسٍ لغُفِر له). صاحب المكس: هو الذي يأخذ من الناس ما لا يلزمهم شرعًا من الوظائف المالية بالقهر والجبر. ولا شك في أنه من أعظم الذنوب، وأكبرها، وأفحشها، فإنَّه غصب، وظلمٌ، وعَسفٌ على الناس، وإشاعةٌ للمنكر، وعملٌ به، ودوامٌ عليه. ومع ذلك كلِّه: إن تاب من ذلك، وردَّ المظالم إلى أربابها صحَّت توبته، وقبلت، لكنَّه بعيد أن يتخلص من ذلك؛ لكثرة الحقوق وانتشارها في النَّاس، وعدم تعيين المظلومين، وهؤلاء كضمان ما لا يجوز ضمان أصله من الزكوات، والمواريث،

стр. 2754

[١٧٨٤] وعَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ: أَنَّ امرَأَةً مِن جُهَينَةَ أَتَت نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ حُبلَى مِن الزِّنَى. فَقَالَت: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَصَبتُ حَدًّا، فَأَقِمهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَلِيَّهَا فَقَالَ: أَحسِن إِلَيهَا، فَإِذَا وَضَعَت فَائتِنِي بِهَا. فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فَشُكَّت عَلَيهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَت، ثُمَّ صَلَّى عَلَيهَا، فَقَالَ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيهَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَقَد زَنَت؟ ! قَالَ: لَقَد تَابَت تَوبَةً لَو قُسِمَت بَينَ سَبعِينَ مِن أَهلِ المَدِينَةِ لَوَسِعَتهُم، وَهَل وَجَدتَ تَوبَةً أَفضَلَ مِن أَن جَادَت بِنَفسِهَا لِلَّهِ. رواه أحمد (٤/ ٤٢٩)، ومسلم (١٦٩٦)، وأبو داود (٤٤٤٠ و ٤٤٤١)، والترمذيُّ (١٤٣٥)، والنسائي (٤/ ٦٣ - ٦٤). * * * (٦) باب من روى أن ماعزا لم يحفر له ولا شد ولا استغفر له [١٧٨٥] عَن أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ رَجُلًا مِن أَسلَمَ يُقَالَ لَهُ: مَاعِزُ بنُ مَالِكٍ، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَصَبتُ فَاحِشَةً فَأَقِمهُ عَلَيَّ، فَرَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ مِرَارًا، قَالَ: ثُمَّ سَأَلَ قَومَهُ، فَقَالَوا: مَا نَعلَمُ بِهِ بَأسًا، إِلَّا أَنَّهُ أَصَابَ ــ والملاهي، والمرتَّبين في الطرق، إلى غير ذلك مِمَّا قد كثر في الوجود، وعمل عليه في سائر البلاد. و(قوله: فشكت عليها ثيابها) أي: جمع بعضها إلى بعض بشوك أو خُيُوط، ومنه: المِشَكُّ، وهي: الإبرة الكبيرة. وشككت الصيد بالرَّمح؛ أي: نفذته به.

стр. 2755

شَيئًا، يَرَى أَنَّهُ لَا يُخرِجُهُ مِنهُ إِلَّا أَن يُقَامَ فِيهِ الحَدُّ، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى رسول الله ﷺ ، فَأَمَرَنَا أَن نَرجُمَهُ، قَالَ: فَانطَلَقنَا بِهِ إِلَى بَقِيعِ الغَرقَدِ، قَالَ: فَمَا أَوثَقنَاهُ وَلَا حَفَرنَا لَهُ، قَالَ: فَرَمَينَاهُ بِالعَظمِ وَالمَدَرِ، وَالخَزَفِ، قَالَ: فَاشتَدَّ وَاشتَدَدنَا خَلفَهُ، حَتَّى أَتَى عُرضَ الحَرَّةِ، فَانتَصَبَ لَنَا فَرَمَينَاهُ بِجَلَامِيدِ الحَرَّةِ - يَعنِي: الحِجَارَةَ - حَتَّى سَكَتَ، قَالَ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا مِن العَشِيِّ فَقَالَ: أَوَكُلَّمَا انطَلَقنَا غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَخَلَّفَ رَجُلٌ فِي عِيَالِنَا لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيسِ، عَلَيَّ ألا أُوتَى بِرَجُلٍ فَعَلَ ذَلِكَ إِلَّا نَكَّلتُ بِهِ. قَالَ: فَمَا استَغفَرَ لَهُ وَلَا سَبَّهُ. رواه أحمد (٥/ ١٠٣)، ومسلم (١٦٩٤) (٢٠)، وأبو داود (٤٤٣٢). ــ و(قوله: فخرجنا به إلى بقيع الغرقد) الغرقد: شجر من شجر البادية كانت في ذلك الموضع، فنسب إليها، فذهبت تلك الشجر، واتخذ ذلك الموضع مقبرة، وهو الذي عبَّر عنه في الرِّواية الأخرى بـ (المصلى) أي: مصلى الجنائز. و(قوله: له نبيب كنبيب التَّيس) [وهو صوت التيس] (١) عند السفاد. و(قوله: يمنح أحدهم الكثبة) (٢). (يمنح): يعطي. و (الكثبة): القليل من اللَّبن، والطعام. والجمع: كُثب. وقد كَثَبتُهُ، أكثِبُهُ؛ أي: جَمَعتُه. و(قوله: علي ألا أُوتَى برجل فعل ذلك إلا نَكَّلتُ به) أي: فعلت به ما ينكِّله؛ أي: ما يسوؤه، ويكدره. وأصله من النَّكَل، وهو: القيد. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَدَينَا أَنكَالا﴾؛ أي: قيودًا. قاله الأخفش. وقال الكلبي: أغلالًا. ويعني به: الرَّجم لمن كان محصنًا، أو الجلد لمن لم يحصن.

стр. 2756

[١٧٨٦] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمَاعِزِ بنِ مَالِكٍ: أَحَقٌّ ــ و(قوله في صفة ماعز: أعضل) (١) أي: ذو عضلات. والعضلة: كل ما اشتمل من اللحم على عصب. وماعز هذا: هو ابن مالك الأسلمي. قيل: يكنى: أبا عبد الله، لولدٍ كان له. [وفي الصَّحابة: ماعز التميمي غير منسوب لأبٍ. ويقال: هو المكنى بأبي عبد الله] (٢). وكان ماعز هذا تحت حِجر هزَّال بن رئاب، أبي نُعَيم الأسلمي، فوقع على جارية هزَّال، فجاء به إلى النبي ﷺ فقال له: (هلا سترته بردائك؟ ! ) (٣) و(قوله: فلمَّا أذلقته الحجارة) (٤) أي: أصابته بحدِّها. وذلق كل شيء: حدَّه. ومنه: لسان ذَلِق. وفي حديث ابن عبَّاس: أن النبي ﷺ قال لماعز: (أحقٌّ ما بلغني عنك؟ ) قال: وما بلغك عني؟ قال: (بلغني أنَّك وقعت بجارية آل فلان)، قال: نعم (٥). هذه الرِّواية مخالفة لما تقدَّم؛ لأنَّها تضمنت: أن ماعزًا هو الذي بدأ النبي ﷺ بالسؤال، والنبي ﷺ مُعرضٌ عنه؟ حتى أقرَّ أربع مرات، وهذا أحد المواضع الثلاثة المضطربة في حديث ماعز. والثاني: في الحفر له، ففي بعضها: أنه حُفِر له، وفي بعضها: أنَّه لم يُحفَر له، وفي بعضها: أنَّه ﷺ صلَّى عليه بعدما رُجِمَ. وفي بعضها: لم يصلِّ عليه. وكذلك في الاستغفار له، وكلُّها في الصحيح - والله تعالى أعلم - بالسقيم من الصحيح.

стр. 2757

مَا بَلَغَنِي عَنكَ؟ قَالَ: وَمَا بَلَغَكَ عَنِّي؟ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ وَقَعتَ بِجَارِيَةِ آلِ فُلَانٍ. قَالَ: نَعَم، قَالَ: فَشَهِدَ أَربَعَ شَهَادَاتٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ. رواه أحمد (١/ ٢٤٥)، ومسلم (١٦٩٣)، وأبو داود (٤٤٢٥)، والترمذيُّ (١٤٢٧)، والنسائي في الكبرى (٧١٧١). * * * ــ وفي حديث ماعز والغامديَّة ما يدلُّ على: أن التوبة - وإن صحت - لا تسقط حدّ الزنى، وهو متفق عليه. واختلف فيما عداه من الحدود، فالجمهور: على أنَّها لا تسقط شيئًا من الحدود إلا حدّ الحرابة؛ فإنَّه يسقط لقوله تعالى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبلِ أَن تَقدِرُوا عَلَيهِم فَاعلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فتسقط عنه الحدود، ويؤخذ بحقوق الآدميين من الدِّماء والأموال. وروي عن علي: أن التوبة تسقط عنه كل شيء. وروي عن ابن عبَّاس وغيره: أن التوبة لا تُسقط عن المحارب حقًّا ولا حدًّا. وروي عن الشافعي: أن التوبة تُسقط حدّ الخمر. * * *

стр. 2758

(٧) باب لا تغريب على امرأة ويقتصر على رجم الزاني الثيب ولا يجلد قبل الرجم [١٧٨٧] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، وَزَيدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا: إِنَّ رَجُلًا مِن الأَعرَابِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنشُدُكَ إِلَّا قَضَيتَ لِي بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ الخَصمُ الآخَرُ - وَهُوَ أَفقَهُ مِنهُ -: نَعَم، فَاقضِ بَينَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَائذَن لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُل. قَالَ: إِنَّ ابنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخبِرتُ أَنَّ عَلَى ابنِي الرَّجمَ، فَافتَدَيتُ ــ (٧) ومن باب: لا تغريب على امرأة، ويقتصر على رجم الزاني الثيِّب، ولا يجلد قبل الرَّجم قوله: (يا رسول الله! أنشدك إلا قضيت لي بكتاب الله) هكذا وقع في صحيح الرواية: (أنشدك) من غير ذكر اسم الله. وهو المراد به، لكنَّه حُذِف لفظًا للعلم به. وقد وقع في بعض النُّسخ: (أنشدك الله! ) ومعناه: أقسم عليك بالله. وكتاب الله هنا: يُراد به: حكم الله إن كانت هذه القضية وقعت بعد نسخ تلاوة آية الرَّجم كما تقدم. وإن كانت قبل ذلك: فكتاب الله محمول على حقيقته. و(قوله: فقال الخصم الآخر -وهو أفقه منه -: نعم، فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي) إنما فضل الراوي الثاني على الأول بالفقه؛ لأنَّ الثاني ترفق ولم يستعجل، ثمَّ تلطَّف بالاستئذان في القول، بخلاف الأوَّل، فإنَّه استعجل، وأقسم على النبي ﷺ في شيء كان يفعله بغير يمين، ولم يستأذن، وهذا كله من جفاء الأعراب، فكان للثاني عليه مزيَّة في الفهم والفقه. ويحتمل: أن يكون ذلك؛ لأنَّ الثاني وصف القضية بكمالها، وأجاد سياقتها. و(قوله: إن ابني كان عَسِيفًا على هذا، فزنى بامرأته) العسيف: الأجير،

стр. 2759

مِنهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلتُ أَهلَ العِلمِ، فَأَخبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابنِي جَلدُ مِائَةٍ وَتَغرِيبُ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امرَأَةِ هَذَا الرَّجمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَالَّذِي ــ على ما قاله مالك. ولم يكن هذا من الأب قذفًا لابنه، ولا للمرأة؛ لاعترافهما بالزنى على أنفسهما. وفي هذا الحديث أبواب من الفقه. فمنها: أن كل صلح خالف السُّنَّة فهو باطل، ومردودٌ. وأن الحدود التي هي ممحَّضةٌ لحقِّ الله تعالى لا يصح الصُّلح فيها. واختلف في حدّ القذف؛ هل يصحُّ الصلح فيه أم لا؟ ولم يختلف في كراهته لأنَّه ثمنُ عِرضٍ. ولا خلاف في أنَّه يجوز قبل رفعه. وأمَّا حقوق الأبدان من الجراح، وحقوق الأموال: فلا خلاف في جوازه مع الإقرار. واختلف في الصلح على الإنكار. فأجازه مالك، ومنعه الشافعي. وفيه: جواز استنابة الحاكم في بعض (ل ضايا من يحكم فيها مع تمكُّنه من مباشرته. وفيه: أن الإقرار بالزنى لا يشترط فيه تكرار أربع مرَّات، ولا أن المرجوم يجلد قبل الرَّجم. وقد تقدم الخلاف فيهما. وفيه: أن ما كان معلومًا من الشروط والأسباب التي تترتب عليها الأحكام لا يحتاج إلى السؤال عنها. فإن إحصان المرأة كان معلومًا عندهم، فإنَّها كانت ذات زوج معروف الدخول عليها. وعلى هذا: يحمل حديث الغامدية؛ إذ لو لم تكن محصنة؛ لما جاز رجمها بالإجماع. وفيه: إقامةُ الحاكم الحدّ بمجرَّد إقرار المحدود وسماعه منه من غير شهادة عليه. وهو أحد قولي الشافعي، وأبي ثور. ولا يجوز ذلك عند مالك إلا بعد الشهادة عليه. وانفصل عن ذلك بأنه ليس في الحديث ما ينصُّ على أنها لم يسمع إقرارها إلا أُنَيس خاصَّة، بل العادة قاضية بأن مثل هذه القضيَّة لا تكون في خلوةٍ،

стр. 2760

نَفسِي بِيَدِهِ لَأَقضِيَنَّ بَينَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ: الوَلِيدَةُ وَالغَنَمُ رَدٌّ، وَعَلَى ابنِكَ ــ ولا ينفرد بها الآحاد، بل لا بدَّ من حضور جمع كثير تلك القضيَّة، وشهرتها (١)، لا سيما قضية مثل هذه تُرفع إلى الإمام، ويَبعَث من يكشفها ويرجم فيها. ولا بدَّ من إحضار طائفة من المؤمنين لإقامة الحدّ كما قال تعالى (٢)، مع صغر المدينة، فمثل هذا لا يخفى، ولا ينفرد به الواحد ولا الاثنان. وهذا كلُّه مبني: على أن أنيسًا كان حاكمًا، ويحتمل أن يكون رسولًا لها ليستفصلها، ويعضد هذا التأويل قوله في آخر الحديث: (فاعترفت فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت) فهذا يدلُّ على أن أنيسًا إنَّما سمع إقرارها، وأن تنفيذ الحكم؛ إنما كان من النبي ﷺ بعد سماع إقرارها من أُنَيس، حين أبلغه إيَّاه، وحينئذ يتوجَّه إشكال آخر. وهو: أن يقول: فكيف اكتفى بشاهد واحد؟ ! وقد اختلف في الشهادة على الإقرار بالزنى. هل يكتفى فيه بشهادة شاهدين كسائر الإقرارات أم لا بدَّ من أربعة كالشهادة على رؤية الزنى؟ على قولين لعلمائنا، ولم يذهب أحدٌ من المسلمين إلى الاكتفاء بشهادة واحد. فالجواب: أن هذا اللفظ؛ الذي قال فيه: فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت. هو من رواية الليث عن الزهري. وقد روى هذا الحديث عن الزُّهري مالك، وقال فيه: فاعترفت، فرجمها (٣). ولم يذكر: (فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت). وعند التعارض: فحديث مالك أولى لما يعلم من حال مالك، وحفظه، وضبطه، وخصوصًا في حديث الزهري، فإنَّه أعرف الناس به. وعلى رواية مالك فظاهرها: أن أُنيسًا كان حاكمًا، فيزول الإشكال، ولو سلَّمنا: أنَّه كان رسولًا؛ فليس في الحديث ما ينصُّ على انفراد أُنيس بالشهادة عليها، فيكون غيره شهد عند

стр. 2761

جَلدُ مِائَةٍ وَتَغرِيبُ عَامٍ، وَاغدُ يَا أُنَيسُ إِلَى امرَأَةِ هَذَا؛ فَإِن اعتَرَفَت فَارجُمهَا. قَالَ: فَغَدَا عَلَيهَا فَاعتَرَفَت، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَت. رواه أحمد (٤/ ١١٥)، والبخاريُّ (٢٣١٤)، ومسلم (١٦٩٧)، وأبو داود (٤٤٤٥)، والترمذيُّ (١٤٣٣)، والنسائي (٨/ ٢٤١ و ٢٤٢)، وابن ماجه (٢٥٤٩). * * * ــ النبي ﷺ بذلك. ويعتضد هذا بما ذكرنا: من أن القضيَّة انتشرت، واشتهرت. فيَبعد أن ينفرد بها واحدٌ، سلَّمناه، لكنَّه خبر، وليس بشهادة، فلا يشترط فيه العدد. وحينئذ يستدلُّ به على قبول أخبار الآحاد والعمل بها في الدِّماء وغيرها. والله تعالى أعلم. وفيه دليل على جواز الاستفتاء والفُتيا في زمان رسول الله ﷺ مع إمكان الوصول إليه. وجواز استفتاء المفضول مع وجود الأفضل. ولو كان ذلك غير جائز لأنكره النبي ﷺ . وفيه دليل: على جواز اليمين بالله تعالى، وإن لم يُستَحلَف. وعلى أنَّ ما يفهم منه اسم الله تعالى يمين جائزة وإن لم يكن من أسمائه تعالى، فإنَّ قوله: (والذي نفسي بيده! ) ليس من أسماء الله تعالى، ولكنه تنزل منزلة الأسماء في الدلالة، فيلحق به كل ما كان في معناه، كقوله: والذي خلق الخلق، وبسط الرزق. وما أشبه ذلك. و(قوله: واغدُ يا أنيس على امرأة هذا) معناه: امضِ، وسِر. وليس معناه: سر إليها بُكرةً، كما هو موضوع الغداة. وكذلك قوله: (فغدا عليها) أي: مشى إليها، وسار نحوها. وفيه ما يدلُّ على أن زنى المرأة تحت زوجها لا يفسخ نكاحها، ولا يوجب

стр. 2762

(٨) باب إقامة حكم الرجم على من ترافع إلينا من زناة أهل الذمة [١٧٨٨] عَن عَبد اللَّهِ بن عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَد زَنَيَا، فَانطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَاءَ يَهُودَ، فَقَالَ: مَا تَجِدُونَ ــ تفرقة بينها وبين زوجها؛ إذ لو كان ذلك لفرَّق بينهما قبل الرَّجم ولَفَسَخَ النِّكاحَ. ولم يُنقَل شيءٌ من ذلك، ولو كان لَنُقِل كما نُقِلَت القصة، وكثيرٌ من تفاصيلها. وفيه دليلٌّ على صحة الإجَارَة. (٨) ومن باب: إقامة الحدّ على من ترافع إلينا من زناة أهل الذمة (قوله: إنَّ رسول الله ﷺ أتِي بيهودي ويهوديَّةٍ قد زنيا)، وفي الرواية الأخرى: (إن اليهود جاؤوا إلى النبي ﷺ برجل وامرأة قد زنيا)، وفي الثالثة: (مرَّ على رسول الله ﷺ بيهودي مُحَمَّمٍ مَجلُودٍ) هذه الروايات كلها متقاربة في المعنى، ولا يعدُّ مثل هذا اضطرابًا؛ لأن ذلك كلّه حكاية عن حال قضيَّة وقعت، فعبَّر كلٌّ منهم بما تيسَّر له. والكلُّ صحيحٌ إذ هي متواردة: على أنَّه حضر بين يديه ﷺ يهودي زنى بيهوديةٍ، وهو في موضعه. وفي كتاب أبي داود: أنَّه كان في المسجد. غير أنَّه قد جاء في كتاب أبي داود أيضًا من حديث ابن عمر (١) ما يظهر منه تناقضٌ، وذلك أنَّه قال: (أَتَى نفرٌ من يهود فدعوا رسول الله ﷺ إلى القُفِّ، فأتاهم في بيت المِدرَاس. فقالوا: يا أبا القاسم! إن رجلًا مِنَّا زنى بامرأة فاحكم بينهم. وظاهر هذا: أنه مشى

стр. 2763

فِي التَّورَاةِ عَلَى مَن زَنَى؟ قَالَوا: نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا وَنُحَمِّلُهُمَا، وَنُخَالِفُ ــ إليهم، وأن ذلك لم يكن في مسجده، بل في بيت دَرسِهم. ويرتفع هذا التَّوهُم بحديث أبي هريرة الذي ذكره أبو داود أيضًا. واستوفى هذه القصَّة، وساقها سياقة حسنة فقال: زنى رجل من اليهود وامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي، فإنَّه نبي بُعِثَ بالتخفِيفَات، فإن أفتى بالفتيا دون الرَّجم قبلناها، واحتججنا بها عند الله. وقلنا: فتيا نبي من أنبيائك. قال: فأتَوا النبي ﷺ وهو جالسٌ في المسجد في أصحابه. فقالوا: يا أبا القاسم! ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا. فلم يُكلِّمهُمُ النبي ﷺ حتى أتى بيت مدراسهم، فقام على الباب فقال: (أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى! ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن؟ ) قالوا: يُحَمَّم، ويُجَبَّه، ويُجلَد - والتَّجبيهُ: أن يحمل الزانيان على حمار، وتقابل أقفيتهما، ويطاف بهما - قال: وسكت شابٌّ منهم. فلمَّا رآه النبي ﷺ سكت: أَلَظَّ (١) به النُّشدَةَ، فقال: اللَّهم إِذ نشدتنا، فإنا نجد في التوراة الرَّجم. وساق الحديث إلى أن قال: قال النبي ﷺ : (فإني أحكم بما في التوراة)، فأمر بهما فرجما (٢). فقد بيَّن في هذا الحديث: أن اليهود جاؤوا إلى النبي ﷺ وهو في مسجده، ثمَّ بعد ذلك مشى معهم إلى بيت المدراس بعد أن سألوه عن ذلك، على ما رواه ابن عمر. وذكر في هذا الحديث أيضًا السبب الحامل لهم على سؤال النبي ﷺ ؛ وعليه يدلُّ مساق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الكُفرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفوَاهِهِم وَلَم تُؤمِن قُلُوبُهُم﴾ إلى آخر الآيات وما بعدها. وذكر أبو داود أيضًا من حديث جابر؛ فقال: جاءت اليهود برجلٍ وامرأةٍ منهم زنيا، فقال: (ائتُوني بأعلم رجلين منكم)، فأتوا بابني

стр. 2764

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صوريا، فنشدهما: (كيف تجدون في التوراة؟ ) قالا: نجد في التوراة: إذا شهد أربعة: أنَّهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المُكحُلة؛ رجما. وذكر الحديث (١). قال: فدعا رسول الله ﷺ بالشهود، فجاء أربعة فشهدوا: أنهم رأوا فرجه في فرجها مثل المِيل في المكحلة. فأمر برجمهما (٢). قلت: فالحاصل من هذه الروايات: أن اليهود حَكَّمَت النبي ﷺ فَحَكَم عليهم بمقتضى ما في التوراة، واستند في ذلك إلى قول ابني صوريا. وأنَّه سمع شهادة اليهود وعمل بها، وأنَّه ليس الإسلام شرطًا في الإحصان. وهذه مسائل يجب البحث عنها، فلنشرع في ذلك مستعينين بالله. المسألة الأولى في التحكيم: فإذا ترافع أهل الذمَّة إلى الإمام؛ فإن كان ما رفعوه ظلمًا، كالقتل العدوان، والغصب؛ حكم بينهم، ومنعهم منه بلا خلاف. وأمَّا إن لم يكن كذلك؛ فالإمام مخيَّر في الحكم بينهم، وتركه عند مالك والشافعي، غير أن مالكًا رأى الإعراض عنهم أولى، فإن حكم حكم بحكم الإسلام، غير أن الشافعي قال: لا يحكم بينهم في الحدود. وقال أبو حنيفة: يحكم بينهم على كل حال. وهو قول الزهري، وعمر بن عبد العزيز، والحَكَم، وروي عن ابن عبَّاس، وهو أحد قولي الشافعي. والأولى ما صار إليه مالك لقوله تعالى: ﴿فَإِن جَاءُوكَ فَاحكُم بَينَهُم أَو أَعرِض عَنهُم﴾ وهو نصٌّ في التخيير. ثم إنَّ النبي ﷺ حيث حكم عليهم فعل أحد ما خيَّره الله تعالى فيه، غير أنَّه يبقى على مالك أن يقال له: لِمَ قلتَ: إن الإعراض عنهم أولى مع أن النبي ﷺ قد حكم بينهم؟ ولا يُتخلص من ذلك بأن يقال: لأنهم يستهزئون بأحكام المسلمين؛ لأنَّا نقول: إن أظهروا ذلك

стр. 2765

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عاقبناهم، وإن أخفوه، فما يخفون من اعتقادهم تكذيب نبينا ﷺ أكبر، مع قطعنا بأنَّهم يعتقدون ذلك، لكنا عاقدناهم على ذلك، ولأن النبي ﷺ قد علم منهم أنهم يهزؤون بديننا وأحكامنا، ومع ذلك فحكم عليهم، وأقرَّهم. ألا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيتُم إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾؟ ! وأمَّا قول الشافعي: إنه لا يحكم بينهم في الحدود؛ فمخالف لنصّ الحديث المذكور في الواقعة، فلا يعول عليه. وقد تأوَّل الشافعي حكم النبي ﷺ على اليهود بالرجم بأن ذلك منه كان إقامة لحكم كتابهم لَمَّا حرفوه، وأخفوه، وتركوا العمل به. ألا ترى أنَّه قال ﷺ : (اللهم! إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه). وأيضًا: فإن النبي ﷺ لم يكن بعد نزل عليه حكم الزاني، ولذلك جاء في بعض طرق هذا الحديث: أن ذلك كان حين قدم المدينة، وأيضًا: فلأنه ﷺ قد استثبت ابني صُوريا عن حكم التوراة، واستحلفهما على ذلك. وأقوال الكُفَّار في الحدود وفي شهاداتهم عليها غير مقبولة بالإجماع، لكن فعل ذلك على طريق إلزامهم ما التزموه وعملوا به. وقد قال هذا كله بعض أصحابنا. وهذا البحث هو المسألة الثانية. والجواب عنه أن نقول: إنَّه ﷺ حكم بما علم أنَّه حقٌّ من التوراة، وأنه حكم الله، ولولا ذلك لما أقدم على قتل من ثبت أن له عهدًا. ثمَّ لا يلزم أن يكون طريق حصول العلم بذلك له قول ابني صوريا، بل الوحي، أو ما ألقى الله تعالى في روعه من تعيين صدقهما فيما قالاه من ذلك. ولا نسلِّم: أن حكم الرَّجم لم يكن مشروعًا له قبل ذلك، فإنَّها دعوى تحتاج إلى إثباتها بالنقل. سلمنا ذلك، لكنا نقول: من ذلك الوقت بيان مشروعية الرَّجم ومبدؤه، فيكون النبي ﷺ أفاد بما فعله إقامة حكم التوراة، وبيان أن ذلك حكم شريعته، وأن التوراة يحكم بما صحَّ وثبت فيها أنَّه حكم الله. وعلى هذا يدلُّ قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلنَا التَّورَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسلَمُوا﴾ وهو نبي من الأنبياء. وقد قال عنه

стр. 2766

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أبو هريرة: (فإني أحكم بما في التوراة) (١) على ما ذكره أبو داود. وقد استوفينا هذا المعنى في الأصول. المسألة الثالثة في شهادة أهل الذمَّة: فالجمهور على أن الكافر لا تقبل شهادته على مسلم، ولا على كافر؛ لأنَّ الله قد شرط في الشهادة العدالة. والكافر ليس بعدل؛ ولأن الفاسق المسلم مردود الشهادة بالنص، فالكافر أولى؛ ولأن العبد المسلم مسلوب أهلية الشهادة للكفر الأصلي الذي كان سبب رقِّه (٢). فالكفر الحاصل في الحال أولى بأن يكون مانعًا، ولا فرق بين الحدود وغيرها، ولا بين السفر والحضر. وقد قبل شهادتهم جماعة من التابعين، وأهل الظاهر إذا لم يوجد مسلم؛ تمسُّكًا بما ذكرناه من حديث أبي داود المتقدم. وقال أحمد بن حنبل: تجوز شهادة أهل الذمَّة على المسلمين في السفر عند عدم المسلمين تمسُّكًا في ذلك بما جاء في كتاب أبي داود عن الشعبي: أن رجلًا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقاء (٣) هذه، ولم يجد أحدًا من المسلمين يشهد على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة، فأتيا الأشعري، فأخبراه، وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمرٌ لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله ﷺ فأحلفهما بعد العصر بالله: ما كذبا، ولا خانا، فأمضى شهادتهما (٤).

стр. 2767

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا حجة فيه؛ لأنَّه مرسل وموقوف. ولو صحَّ؛ فلم يحكم بمجرد شهادتهما حتى ضم إليها يمينهما، والشاهد لا يستحلف. وإنَّما كان هذا من أبي موسى عملًا بما [تُفِيدُه القرائن] (١). والله تعالى أعلم. فأمَّا أخبَار أهل الكفر فيما لا يُعرَف إلا من جهتهم، كإخبارهم عن ذبائحهم، ونسائهم، وأحكامهم، وأقوال أطِبَّائهم، فتُسمَع إذا احتيج إلى ذلك لضرورة الحال، وهي أخبار لا شهادات. والله تعالى أعلم. ويُعتَذَر للجمهور عن رجم النبي ﷺ الزانيين عند شهادة اليهود: بأن النبي ﷺ نفَّذ عليهم ما علم أنَّه حكم التوراة، وألزمهم العمل به على نحو ما عملت به بنو إسرائيل إلزامًا للحجَّة عليهم، وإظهارًا لتحريفهم وتغييرهم، فكان منفِّذًا لا حاكمًا. وهذا يمشي على تأويل الشافعي المتقدم. وأمَّا على ما قرَّرناه من أن النبي ﷺ كان حاكمًا في القضيَّة بحكم الله، فيكون العذر عن سماع شهادة اليهود: أن ذلك كان خاصًّا بتلك الواقعة؛ إذ لم تسمع في الصدر الأول شهاداتهم في مثل ذلك. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: وهي أن هذا الحديث يدلُّ على أن ليس شرطًا في الإحصان. فإنه ﷺ رجم اليهوديين، ولو كانا شرطًا لما رجمهما. وبهذا قال الزهري، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد. وقالت طائفة أخرى: إنَّه من شروط الإحصان. وبه قال مالك، والشافعي - في أحد قوليه - متمسكين بأن الشرع إنَّما حكم برجم الحرِّ، المسلم، الثيب، إذا زنى؛ لعلو منصبه، وشرفيته بالحرية والإسلام؛ بدليل: أن العبد لا يرجم، وينصف عليه الحدّ لخسَّة قدره. والكافر أخس من العبد المسلم، فكان أولى بألا يرجم، ولأن من شرط

стр. 2768

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإحصان صحة النكاح، وأنكحة الكفار فاسدة (١)، فلا يصح فيهم الإحصان لعدم شرطه، واستيفاء مباحثها في الخلاف. ويُعتذر لمالك، ولمن قال بقوله بما تقدم، وبما رواه عيسى عن ابن القاسم أنَّه قال: إن اليهوديين المرجومين لم يكونا أهل ذِمَّة، وإنَّما كانا أهل حرب، كما رواه الطبري وغيره: أن الزانيين كانا من أهل فدك وخيبر، وكانوا حربًا لرسول الله ﷺ . واسم المرأة الزانية: بُسرة. وكانوا بعثوا إلى يهود المدينة ليسألوا النبي ﷺ فقالوا لهم: سلوا محمدًا عن هذا، فإن أفتاكم بغير الرَّجم فخذوا به، وإن أفتى بالرَّجم فاحذروا. قلت: وهذا الاعتذار يحتاج إلى أن يعتذر عنه. وسبب ذلك بعد تسليم صحة الحديث: أن مَجِيئهم سائلين يوجب عهدًا لهم، كما إذا جاؤونا، ودخلوا بلادنا لغرضٍ مقصود: من تجارة، أو رسالة، أو ما أشبه ذلك. فإن ذلك يوجب لهم أمانًا، فإمَّا أن يقضى غرضهم، أو يُرَدُّوا إلى مأمنهم، ولا يحل قتلهم، ولا أخذ مالهم. قاله القاضي أبو بكر بن العربي. المسألة الخامسة: قد يحتجُّ بهذا الحديث من يرى على الإمام إقامة الحدّ على زناة أهل الذمِّة وإن لم يتحاكموا إلينا، وهو قول أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي. وقد روي عن ابن عباس. وقال مالك: لا يعرض لهم الإمام، ويردُّهم

стр. 2769

بَينَ وُجُوهِهِمَا، وَيُطَافُ بِهِمَا. قَالَ: فَأتُوا بِالتَّورَاةِ إِن كُنتُم صَادِقِينَ. فَجَاؤوا بِهَا فَقَرَؤوهَا، حَتَّى إِذَا مَرُّوا بِآيَةِ الرَّجمِ، وَضَعَ الفَتَى الَّذِي يَقرَأُ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجمِ، وَقَرَأَ مَا بَينَ يَدَيهَا وَمَا وَرَاءَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ - وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مُرهُ فَليَرفَع يَدَهُ، فَرَفَعَهَا، فَإِذَا تَحتَهَا آيَةُ الرَّجمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا، قَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ: كُنتُ فِيمَن ــ إلى أهل دينهم إلا أن يظهر منهم ذلك بين يدي (١) المسلمين؛ فيمنعوا من ذلك. ولا حجَّة لمن خالف مالكًا في هذا الحديث، لما قدَّمناه من أنهم حكَّموا النبي ﷺ في ذلك، فحكم بأحد ما خيَّره الله تعالى فيه على ما تقدَّم. الغريب: الحُمَم: الفَحم، واحدته: حُمَمَة. والمُحمَّمُ: المسوَّد. وروى العذري، والسمرقندي: نُسَوِّد وجوههما ونُحمِّمهُما. ورواه السَّجزي: نُجمِلهُما - بنون مضمومة، وجيم -؛ بمعنى: نحملهما على جمل، ويطاف بهم. ورواها الطبري: نَحمِلهما - بنون مفتوحة، وحاء مهملة - من الحمل. وكلتا الروايتين أحسن من رواية العذري، لأن فيها تكرارًا. فإن قوله: نسوِّدهما. هو بمعنى: نُحَمِّمهُما. وقد تقدم ذكر (التَّجبيه)، وقد تقدم أن هذا الفعل إنما كان مما اخترعته اليهود، وابتدعوه، وجعلوه عوضًا عن حكم الرَّجم، ولذلك لم يقل به أحدٌ من أهل الإسلام في الزنى، وإنَّما عمل به بعض أهل العلم في شاهد الزور، فرأى أن يحمم وجهه، ويجلد، ويحلق رأسه، ويطاف به. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب. وقد روي ذلك عن بعض قضاة البصرة. ولم يره مالك. و(قوله: فأتوا بالتوراة) دليل على جواز المطالبة بإقامة الحجج على الأحكام.

стр. 2770

رَجَمَهُمَا، فَلَقَد رَأَيتُهُ يَقِيهَا مِن الحِجَارَةِ بِنَفسِهِ. وفي رواية: إن اليهود جاؤوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ برجل منهم وامرأة قد زنيا. وساقه بنحو ما تقدم. رواه أحمد (٢/ ٧)، والبخاري (٣٦٣٥)، ومسلم (١٦٩٩) (٢٦ و ٢٧)، وأبو داود (٤٤٤٦)، والترمذيُّ (١٤٣٦). ــ و(قوله: فلقد رأيته يقيها الحجارةَ بنفسه) هذا يدلُّ على أنهما لم يُحفر لهما، ولا رُبِطا. وقد تقدَّم القولُ في ذلك. وقد وقع هذا اللفظُ في الموطأ (١): فرأيتُ الرَّجلَ يحني على المرأة، يقيها الحجارة. رويناه: (يَحنِي) بياء مفتوحةٍ، وبحاء مهملة، من الحنُوِّ، وهو الصواب. ورويناه: ((يَجنِي) بالجيم من غير همزٍ، وليست بصوابٍ. وحكى بعضُ مشايخنا: أن صوابها: (يَجنَأ) بفتح الياء والجيم وهمزة، وحكاها عن أبي عبيد، وأظنه: القاسم بن سلام. والذي رأيته في الغريبين لأبي عبيد الهروي: قال: (فجعل الرَّجل يُجنِئ عليها)، بياء مضمومة وهمزةٍ. قال: أي: يكبُّ عليها. يقال: أجنأ عليه، يُجنئ، إجناءً: إذا أكبَّ عليه يقيه شيئًا. قال: وفي حديثٍ آخر: فلقد رأيته يُجانئ عليها يقيها الحجارة بنفسه. هذا نصُّه (٢). وفي الصِّحاح: جنأ الرَّجل على الشيء، وجانأ عليه، وتجانأ عليه: إذا أكبَّ عليه. قال الشاعر (٣): أغَاضِرُ (٤) لَو شهدتِ غَداةَ بِنتُم ... جُنُوءَ العَائِداتِ على وِسَادِي ورجلٌ أجنأُ: بيِّن الجَنَاء؛ أي: أحدب الظهر. والمُجنأُ - بالضم -: الترس.
следующие страницы →