. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبو هريرة: (فإني أحكم بما في التوراة) (١) على ما ذكره أبو داود. وقد استوفينا هذا المعنى في الأصول.
المسألة الثالثة في شهادة أهل الذمَّة: فالجمهور على أن الكافر لا تقبل شهادته على مسلم، ولا على كافر؛ لأنَّ الله قد شرط في الشهادة العدالة. والكافر ليس بعدل؛ ولأن الفاسق المسلم مردود الشهادة بالنص، فالكافر أولى؛ ولأن العبد المسلم مسلوب أهلية الشهادة للكفر الأصلي الذي كان سبب رقِّه (٢). فالكفر الحاصل في الحال أولى بأن يكون مانعًا، ولا فرق بين الحدود وغيرها، ولا بين السفر والحضر. وقد قبل شهادتهم جماعة من التابعين، وأهل الظاهر إذا لم يوجد مسلم؛ تمسُّكًا بما ذكرناه من حديث أبي داود المتقدم. وقال أحمد بن حنبل: تجوز شهادة أهل الذمَّة على المسلمين في السفر عند عدم المسلمين تمسُّكًا في ذلك بما جاء في كتاب أبي داود عن الشعبي: أن رجلًا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقاء (٣) هذه، ولم يجد أحدًا من المسلمين يشهد على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة، فأتيا الأشعري، فأخبراه، وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمرٌ لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله ﷺ فأحلفهما بعد العصر بالله: ما كذبا، ولا خانا، فأمضى شهادتهما (٤).
стр. 2767
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا حجة فيه؛ لأنَّه مرسل وموقوف. ولو صحَّ؛ فلم يحكم بمجرد شهادتهما حتى ضم إليها يمينهما، والشاهد لا يستحلف. وإنَّما كان هذا من أبي موسى عملًا بما [تُفِيدُه القرائن] (١). والله تعالى أعلم.
فأمَّا أخبَار أهل الكفر فيما لا يُعرَف إلا من جهتهم، كإخبارهم عن ذبائحهم، ونسائهم، وأحكامهم، وأقوال أطِبَّائهم، فتُسمَع إذا احتيج إلى ذلك لضرورة الحال، وهي أخبار لا شهادات. والله تعالى أعلم.
ويُعتَذَر للجمهور عن رجم النبي ﷺ الزانيين عند شهادة اليهود: بأن النبي ﷺ نفَّذ عليهم ما علم أنَّه حكم التوراة، وألزمهم العمل به على نحو ما عملت به بنو إسرائيل إلزامًا للحجَّة عليهم، وإظهارًا لتحريفهم وتغييرهم، فكان منفِّذًا لا حاكمًا. وهذا يمشي على تأويل الشافعي المتقدم. وأمَّا على ما قرَّرناه من أن النبي ﷺ كان حاكمًا في القضيَّة بحكم الله، فيكون العذر عن سماع شهادة اليهود: أن ذلك كان خاصًّا بتلك الواقعة؛ إذ لم تسمع في الصدر الأول شهاداتهم في مثل ذلك. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: وهي أن هذا الحديث يدلُّ على أن ليس شرطًا في الإحصان. فإنه ﷺ رجم اليهوديين، ولو كانا شرطًا لما رجمهما. وبهذا قال الزهري، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد. وقالت طائفة أخرى: إنَّه من شروط الإحصان. وبه قال مالك، والشافعي - في أحد قوليه - متمسكين بأن الشرع إنَّما حكم برجم الحرِّ، المسلم، الثيب، إذا زنى؛ لعلو منصبه، وشرفيته بالحرية والإسلام؛ بدليل: أن العبد لا يرجم، وينصف عليه الحدّ لخسَّة قدره. والكافر أخس من العبد المسلم، فكان أولى بألا يرجم، ولأن من شرط
стр. 2768
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإحصان صحة النكاح، وأنكحة الكفار فاسدة (١)، فلا يصح فيهم الإحصان لعدم شرطه، واستيفاء مباحثها في الخلاف. ويُعتذر لمالك، ولمن قال بقوله بما تقدم، وبما رواه عيسى عن ابن القاسم أنَّه قال: إن اليهوديين المرجومين لم يكونا أهل ذِمَّة، وإنَّما كانا أهل حرب، كما رواه الطبري وغيره: أن الزانيين كانا من أهل فدك وخيبر، وكانوا حربًا لرسول الله ﷺ . واسم المرأة الزانية: بُسرة. وكانوا بعثوا إلى يهود المدينة ليسألوا النبي ﷺ فقالوا لهم: سلوا محمدًا عن هذا، فإن أفتاكم بغير الرَّجم فخذوا به، وإن أفتى بالرَّجم فاحذروا.
قلت: وهذا الاعتذار يحتاج إلى أن يعتذر عنه. وسبب ذلك بعد تسليم صحة الحديث: أن مَجِيئهم سائلين يوجب عهدًا لهم، كما إذا جاؤونا، ودخلوا بلادنا لغرضٍ مقصود: من تجارة، أو رسالة، أو ما أشبه ذلك. فإن ذلك يوجب لهم أمانًا، فإمَّا أن يقضى غرضهم، أو يُرَدُّوا إلى مأمنهم، ولا يحل قتلهم، ولا أخذ مالهم. قاله القاضي أبو بكر بن العربي.
المسألة الخامسة: قد يحتجُّ بهذا الحديث من يرى على الإمام إقامة الحدّ على زناة أهل الذمِّة وإن لم يتحاكموا إلينا، وهو قول أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي. وقد روي عن ابن عباس. وقال مالك: لا يعرض لهم الإمام، ويردُّهم
стр. 2769
بَينَ وُجُوهِهِمَا، وَيُطَافُ بِهِمَا. قَالَ: فَأتُوا بِالتَّورَاةِ إِن كُنتُم صَادِقِينَ. فَجَاؤوا بِهَا فَقَرَؤوهَا، حَتَّى إِذَا مَرُّوا بِآيَةِ الرَّجمِ، وَضَعَ الفَتَى الَّذِي يَقرَأُ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجمِ، وَقَرَأَ مَا بَينَ يَدَيهَا وَمَا وَرَاءَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ - وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مُرهُ فَليَرفَع يَدَهُ، فَرَفَعَهَا، فَإِذَا تَحتَهَا آيَةُ الرَّجمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا، قَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ: كُنتُ فِيمَن
ــ
إلى أهل دينهم إلا أن يظهر منهم ذلك بين يدي (١) المسلمين؛ فيمنعوا من ذلك. ولا حجَّة لمن خالف مالكًا في هذا الحديث، لما قدَّمناه من أنهم حكَّموا النبي ﷺ في ذلك، فحكم بأحد ما خيَّره الله تعالى فيه على ما تقدَّم.
الغريب: الحُمَم: الفَحم، واحدته: حُمَمَة. والمُحمَّمُ: المسوَّد. وروى العذري، والسمرقندي: نُسَوِّد وجوههما ونُحمِّمهُما. ورواه السَّجزي: نُجمِلهُما - بنون مضمومة، وجيم -؛ بمعنى: نحملهما على جمل، ويطاف بهم. ورواها الطبري: نَحمِلهما - بنون مفتوحة، وحاء مهملة - من الحمل. وكلتا الروايتين أحسن من رواية العذري، لأن فيها تكرارًا. فإن قوله: نسوِّدهما. هو بمعنى: نُحَمِّمهُما. وقد تقدم ذكر (التَّجبيه)، وقد تقدم أن هذا الفعل إنما كان مما اخترعته اليهود، وابتدعوه، وجعلوه عوضًا عن حكم الرَّجم، ولذلك لم يقل به أحدٌ من أهل الإسلام في الزنى، وإنَّما عمل به بعض أهل العلم في شاهد الزور، فرأى أن يحمم وجهه، ويجلد، ويحلق رأسه، ويطاف به. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب. وقد روي ذلك عن بعض قضاة البصرة. ولم يره مالك.
و(قوله: فأتوا بالتوراة) دليل على جواز المطالبة بإقامة الحجج على الأحكام.
стр. 2770
رَجَمَهُمَا، فَلَقَد رَأَيتُهُ يَقِيهَا مِن الحِجَارَةِ بِنَفسِهِ.
وفي رواية: إن اليهود جاؤوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ برجل منهم وامرأة قد زنيا. وساقه بنحو ما تقدم.
رواه أحمد (٢/ ٧)، والبخاري (٣٦٣٥)، ومسلم (١٦٩٩) (٢٦ و ٢٧)، وأبو داود (٤٤٤٦)، والترمذيُّ (١٤٣٦).
ــ
و(قوله: فلقد رأيته يقيها الحجارةَ بنفسه) هذا يدلُّ على أنهما لم يُحفر لهما، ولا رُبِطا. وقد تقدَّم القولُ في ذلك. وقد وقع هذا اللفظُ في الموطأ (١): فرأيتُ الرَّجلَ يحني على المرأة، يقيها الحجارة. رويناه: (يَحنِي) بياء مفتوحةٍ، وبحاء مهملة، من الحنُوِّ، وهو الصواب. ورويناه: ((يَجنِي) بالجيم من غير همزٍ، وليست بصوابٍ. وحكى بعضُ مشايخنا: أن صوابها: (يَجنَأ) بفتح الياء والجيم وهمزة، وحكاها عن أبي عبيد، وأظنه: القاسم بن سلام. والذي رأيته في الغريبين لأبي عبيد الهروي: قال: (فجعل الرَّجل يُجنِئ عليها)، بياء مضمومة وهمزةٍ. قال: أي: يكبُّ عليها. يقال: أجنأ عليه، يُجنئ، إجناءً: إذا أكبَّ عليه يقيه شيئًا. قال: وفي حديثٍ آخر: فلقد رأيته يُجانئ عليها يقيها الحجارة بنفسه. هذا نصُّه (٢). وفي الصِّحاح: جنأ الرَّجل على الشيء، وجانأ عليه، وتجانأ عليه: إذا أكبَّ عليه. قال الشاعر (٣):
أغَاضِرُ (٤) لَو شهدتِ غَداةَ بِنتُم ... جُنُوءَ العَائِداتِ على وِسَادِي
ورجلٌ أجنأُ: بيِّن الجَنَاء؛ أي: أحدب الظهر. والمُجنأُ - بالضم -: الترس.
стр. 2771
[١٧٨٩] وعَن البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ قَالَ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجلُودًا، فَدَعَاهُم ﷺ فَقَالَ: هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُم؟ قَالَوا: نَعَم، فَدَعَا رَجُلًا مِن عُلَمَائِهِم فَقَالَ: أَنشُدُكَ بِاللَّهِ الَّذِي أَنزَلَ التَّورَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُم؟ قَالَ: لَا، وَلَولَا أَنَّكَ نَشَدتَنِي بِهَذَا لَم أُخبِركَ! نَجِدُهُ الرَّجمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذنَا الشَّرِيفَ تَرَكنَاهُ، وَإِذَا أَخَذنَا الضَّعِيفَ أَقَمنَا عَلَيهِ الحَدَّ، قُلنَا: تَعَالَوا فَلنَجتَمِع عَلَى شَيءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالوَضِيعِ، فَجَعَلنَا التَّحمِيمَ وَالجَلدَ مَكَانَ الرَّجمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَن أَحيَا أَمرَكَ إِذ أَمَاتُوهُ! فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَأَنزَلَ اللَّهُ : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الكُفرِ﴾ إِلَى قَولِهِ ﴿إِن أُوتِيتُم هَذَا فَخُذُوهُ﴾ يَقُولُ: ائتُوا مُحَمَّدًا ﷺ ، فَإِن أَمَرَكُم بِالتَّحمِيمِ وَالجَلدِ فَخُذُوهُ، وَإِن أَفتَاكُم بِالرَّجمِ فَاحذَرُوا، فَأَنزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن لَم يَحكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ﴾ ﴿وَمَن لَم يَحكُم بِمَا
ــ
قلت: ويحصل من مجموع حكاية أبي عبيد وصاحب الصِّحاح: أنَّه يُقال: جنأَ - مهموزًا ثلاثيًّا ورباعيًّا -.
و(قوله تعالى: ﴿وَمَن لَم يَحكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ﴾ يحتجُّ بظاهره من يُكفِّرُ بالذنوب، وهم الخوارج، ولا حجَّة لهم فيه؛ لأنَّ هذه الآيات نزلت في اليهود المحرفين كلام الله تعالى، كما جاء في هذا الحديث، وهم كفار، فيشاركهم في حكمها من يشاركهم في سبب نزولها. وبيان هذا: أن المسلم إذا علم حكم الله تعالى في قضيَّة قطعًا، ثم لم يحكم به؛ فإن كان عن جَحدٍ كان كافرًا، لا يختلف في هذا. وإن كان لا عن جَحدٍ كان عاصيًا مرتكب كبيرة؛ لأنَّه مصدق بأصل ذلك الحكم، وعالم بوجوب تنفيذه عليه، لكنه عصى بترك العمل به،
стр. 2772
أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَن لَم يَحكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾ فِي الكُفَّارِ كُلُّهَا.
رواه مسلم (١٧٠٠)، وأبو داود (٤٤٤٨)، والنسائي في الكبرى (٧٢١٨)، وابن ماجه (٢٥٥٨).
* * *
ــ
وهكذا في كل ما يعلم من ضرورة الشرع حكمه، كالصلاة، وغيرها من القواعد المعلومة. وهذا مذهب أهل السُّنة. وقد تقدم ذلك في كتاب الإيمان؛ حيث بيَّنَّا: أن الكفر هو الجحد والتكذيب بأمرٍ معلوم ضروري من الشرع، فما لم يكن كذلك فليس بكفر.
ومقصود هذا البحث: أن هذه الآيات المراد بها: أهل الكفر، والعناد. وأنها كانت ألفاظها عامة، فقد خرج منها المسلمون؛ لأنَّ ترك العمل بالحكم مع الإيمان بأصله هو دون الشرك. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ وترك الحكم بذلك ليس بشرك بالاتفاق، فيجوز أن يُغفر، والكفر لا يُغفر، فلا يكون ترك العمل بالحكم كفرًا. ويعتضد هذا بالقاعدة المعلومة من الشرع المتقدمة.
والظلم والفسق في هاتين الآيتين المراد به: الكفر؛ لأنَّ الكافر وضع الشيء في غير موضعه، وخرج عن الحق، فصدق على الكافر: أنَّه ظالم وفاسق، بل هو أحق بذينك الاسمين ممن ليس بكافر؛ لأنَّ ظلمه أعظم الظلم، وفسقه أعظم الفسق. وقد تقدَّم في الإيمان بيان كفر دون كفر، وظلم دون ظلم.
* * *
стр. 2773
(٩) باب إقامة السادة الحد على الأرقاء
[١٧٩٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا زَنَت أَمَةُ أَحَدِكُم فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَليَجلِدهَا الحَدَّ، وَلَا يُثَرِّب عَلَيهَا، ثُمَّ إِن زَنَت
ــ
(٩) ومن باب: إقامة السَّادة الحدَّ على الأرقَّاء
(قوله: إذا زنت أَمَةُ أحدكم فتبيَّن زناها فليجلدها)، الأمة: هي المملوكة. وتجمع الأمة: إماءٌ وأَمَوانٌ. قال (١):
أمَّا الإماء فلا يدعونني ولدًا ... إذا ترامى بنو الأُموانِ بالعار
وتبيُّنُ زنى الأمة يكون بالإقرار وبالحَبَل، وبصحة الشهادة عند الإمام. وهل يكتفي السيِّد بعلم الزنى أو لا؟ عندنا في ذلك روايتان.
و(قوله: فليجلدها)، أمرٌ للسيِّد بجلد أمته الزانية وعبده. وبه قال الجمهور من الصحابة، والتابعين، والفقهاء، خلا أهل الرأي أبا حنيفة وأصحابه، فإنَّهم قالوا: لا يقيم الحدّ إلا السلطان. وهذه الأحاديث - النصوص الصحيحة - حجَّة عليهم. وفي معنى حدّ الزنى عند الجمهور سائر الحدود، غير أنهم اختلفوا في حد السَّرِقة، وقصاص الأعضاء. فمنع مالك وغيره إقامة السيِّد ذلك مخافة أن يمثل بعبده، ويدعي أنَّه سرق وأقام الحدّ عليه، فيسقط العتق الواجب بالمُثلَة.
قلت: وعلى هذا: لو قامت بيِّنة توجب حدّ السَّرِقة أقامه. وقاله بعض أصحابنا إذا قامت على السَّرِقة البيِّنة. وقال الشافعي: يقطع السيِّد عبده إذا سرق.
قلت: وعلى هذا: فله أن يَقتل عبده إذا قتل؛ لكن إذا قامت البيِّنة.
стр. 2774
فَليَجلِدهَا الحَدَّ وَلَا يُثَرِّب عَلَيهَا، ثُمَّ إِن زَنَت الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَليَبِعهَا وَلَو بِحَبلٍ مِن شَعَرٍ.
رواه البخاريُّ (٢١٥٢)، ومسلم (١٧٠٣)(٣٠)، وأبو داود (٤٤٧٠).
ــ
وكل من قال بإقامة السيِّد الحدّ على أمته لم يفرِّق بين أن تكون الأمة ذات زوج، أو غير ذات زوج؛ خلا مالكًا فإنَّه قال: إن كانت غير ذات زوج، أو كانت متزوجة بعبد السيِّد أقام عليها الحدّ، فلو كانت متزوجة بأجنبي لم يقم سيِّدها عليها الحدّ لحق الزوج؛ إذ قد يُعِيبُها عليه، وإنَّما يقيمه الإمام.
والجلد المأمور به هنا: هو نصف حدِّ الحرِّ. الذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَعَلَيهِنَّ نِصفُ مَا عَلَى المُحصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾
و(قوله: ولا يُثَرِّب عليها) أي: لا يُوبِّخ، ولا يُعيِّر، ولا يُكثِر من اللَّوم، فإنَّ الإكثار من ذلك يزيل الحياء والحشمة، ويُجرئ على ذلك الفعل. وأيضًا: فإن العبد غالب حاله: أنَّه لا ينفعه اللوم والتوبيخ، ولا يؤثر، فلا يظهر له أثر، وإنما يظهر أثره في حق الحر. ألا ترى قول الشاعر:
واللَّوم للحرِّ مُقيمٌ رادِعٌ ... والعبدُ لا يَردَعُهُ إلا العصا
وأيضًا: فإن التوبيخ واللَّوم (١) عقوبة زائدة على الحد الذي نصّ الله تعالى عليه، فلا ينبغي أن يلتزم ذلك. ولا يدخل في ذلك الوعظ والتخويف بعقاب الله تعالى، والتهديد إذا احتيج إلى ذلك؛ إذ ليس بتثريب، ولأن الصحابة ﵃ قد قالوا لشارب الخمر: أما اتَّقيت الله، أما استحيت من رسول الله ﷺ .
стр. 2775
[١٧٩١] وعنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَن الأَمَةِ إِذَا زَنَت وَلَم تُحصِن قَالَ: إِن زَنَت فَاجلِدُوهَا، ثُمَّ إِن زَنَت فَاجلِدُوهَا، ثُمَّ إِن زَنَت
ــ
و(قوله: ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير)، الضفير: الحبل المضفور، فعيل بمعنى: مفعول. وفي الرِّواية الأخرى: (ولو بحبل من شعر) [فوصف الحبل بكونه من شعر] (١)؛ لأنَّه أكثر حبالهم. وهذا خرج مخرج التقليل والتزهيد في الجارية الزانية، فكأنَّه قال: لا تمسكها، بعها بما تيسَّر. ففيه دليل على إبعاد أهل المعاصي واحتقارهم.
فروع: إذا باعها عرَّف بزناها، فإنَّه عيبٌ، فلا يحلُّ أن يكتم. فإن قيل: إذا كان مقصود هذا الحديث إبعاد الزانية، ووجب على بائعها التعريف بزناها، فلا ينبغي لأحد أن يشتريها، لأنها مِمَّا قد أُمِرنا بإبعادها. فالجواب: إنَّها مالٌ، ولا يُضاع؛ للنهي عن إضاعة المال، ولا تُسيَّب، ولا تحبس دائمًا؛ إذ كل ذلك إضاعة مال، ولو سُيِّبت لكان ذلك إغراءً لها بالزنى وتمكينًا منه، فلم يبق إلا بيعها. ولعل السيِّد الثاني يُعِفُّها بالوطء، أو يبالغ في التحرز بها، فيمنعها من ذلك. وعلى الجملة فعند تَبَدُّل الأملاك تختلف عليها الأحوال. وجمهور العلماء حملوا الأمر ببيع الأمة الزانية على النَّدب، والإرشاد للأصلح، ما خلا داود وأهل الظاهر فإنهم حملوه على الوجوب تمسُّكًا بظاهر الأمر، والجمهور صرفوه عن ظاهره تمُّسكًا بالأصل الشرعي، وهو: أنَّه لا يجبر أحدٌ على إخراج ملكه لملك آخر بغير الشفعة. فلو وجب ذلك عليه لجبر عليه، ولم يجبر عليه فلا يجب. وقد استنبط بعض العلماء من هذا الحديث جواز البيع بالغَبن، قال: لأنه بيع خطير بثمن يسير. وهذا ليس بصحيح؛ لأنَّ الغبن المختلف فيه إنَّما هو مع الجهالة من المغبون. وأمَّا مع علم البائع بقدر ما باع وبقدر ما قبض فلا يختلف فيه؛ لأنَّه
стр. 2776
فَاجلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَو بِضَفِيرٍ. قَالَ ابنُ شِهَابٍ: لَا أَدرِي بَعدَ الثَّالِثَةِ أَو الرَّابِعَةِ. وَالضَّفِيرُ: الحَبلُ.
رواه أحمد (٤/ ١١٧)، والبخاري (٢١٥٣)، ومسلم (١٧٠٤)(٣٣)، وأبو داود (٤٤٦٩)، وابن ماجه (٢٥٦٥).
ــ
عن علم منه ورضًا، فهو إسقاط لبعض الثَّمن، وإرفاق بالمشتري، لاسيَّما وقد بيَّنَّا: أن الحديث خرج على جهة التزهيد، وترك الغبطة.
و(قوله: سُئِل عن الأَمَة إذا زنت ولم تحصن) هذه الزيادة التي هي قوله: (ولم تحصن) هي رواية مالك عن ابن شهاب. قال الطحاوي: لم يقله غير مالك. قال غيره: ليس ذلك بصحيح، بل قد رواه سفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد، عن ابن شهاب، كما قاله مالك.
واختلف في تأويل قوله: (ولم تحصن). فقيل: لم تعتق، وتكون فائدته: أنها لو زنت وهي مملوكة فلم يحدَّها سيِّدها حتى عتقت لم يكن له سبيل إلى جلدها. والإمام هو الذي يقيم ذلك عليها إذا ثبت عنده. وقيل: ما لم تتزوَّج. وفائدة ذلك: أنَّها إذا تزوَّجت لم يكن للسِّيد أن يجلدها لحق الزوج؛ إذ قد يضره ذلك. وهذا مذهب مالك إذا لم يكن الزوج ملكًا للسيِّد، فلو كان جاز للسيِّد ذلك؛ لأنَّ حقَّهُما حقُّه. وقيل: لم تسلم. وفائدته: أن الكافرة لا تُحدُّ، وإنما تُعزر وتُعاقب. وعلى هذا فيكون الجلد المأمور به في هذا الحديث على جهة التعزير، لا الحدّ. وهذا كله إنَّما هو تَنَزُّل على أن النبي ﷺ علَّق الجلد المأمور به في الجواب على نفي الإحصان المأخوذ قيدًا في السؤال، وعلى القول بدليل الخطاب. وحينئذ يكون هذا الحديث على نقيض قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحصِنَّ فَإِن أَتَينَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيهِنَّ نِصفُ مَا عَلَى المُحصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ فإن شرط الجلد نفي الإحصان، وشرط الحدِّ في الآية ثبوت الإحصان، فلا بدَّ أن يكون أحد الإحصانين غير الآخر. ولو قدَّرناه واحدًا فيهما للزم أن يكون الجلد المترتب على نفي الإحصان في الحديث غير الحد المترتب على الإحصان المثبت في الآية.
стр. 2777
[١٧٩٢] وعَن أَبِي عَبدِ الرَّحمَنِ قَالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا
ــ
وقد اختلف في إحصان الآية، كما اختلف في الإحصان المنفي في الحديث. فقال قوم: هو الإسلام. قاله ابن مسعود، والشعبي، والزهري، وغيرهم. وعلى هذا: فلا تُحدُّ كافرةٌ. وقال آخرون: إنَّه التزويج. قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير. وعلى هذا فتُحدُّ المتزوجة وإن كانت كافرة، كما قاله الشافعي. وقال آخرون: إنَّه الحرية. وروي ذلك عن عمر، وابن عباس، وعلي. وعلى هذا: فلا تُحدُّ أمةٌ بوجه وإن كانت مسلمة، لكنها يجلدها سيِّدها تعزيرًا. وكل هذا الخلاف أوجبه اشتراك لفظ الإحصان، فإنَّه قد جاء في كتاب الله تعالى بمعنى: الإسلام، والحرية، والتزويج، والعفاف. والعفاف غير مراد في هذا الحديث، ولا في هذه اآية بالاتفاق، فبقي لفظ الإحصان محتملًا لأن يراد به واحد من تلك المعاني الثلاثة، فترتب عليه الخلاف المذكور.
والذي يرفع الإشكال عن الحديث إن شاء الله تعالى: أن نفي الإحصان إنما هو من قول السَّائل، ولم يصرَّح النبي ﷺ بأخذه قيدًا في الجلد. فيحتمل أن يكون النبي ﷺ أعرض عنه، وأفتى (١) بالجلد مطلقًا. ويشهد لهذا التأويل: أن الأحاديث الواردة في جلد الأمة إذا زنت، ليس فيها ذكر لذلك القيد من كلام النبي ﷺ لقوله: (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحدّ. . . الحديث) ولو سلمنا: أن ذلك القيد من كلام النبي ﷺ وتنزلنا على القول بدليل الخطاب، فأولى الأقوال به أن يحمل على التزويج، ويستفاد منه صحة مذهب مالك على ما قدَّمناه دفعا للاشتراك، وتنزيلًا للحديث على فائدة مستجدَّة. والذي يحسم مادة الإشكال عن الحديث والآية حديث علي بعد هذا، وهو قوله في حال خطبته: يا أيها النَّاس أقيموا على أرقائكم الحدّ، من أحصن منهم ومن لم يحصن. وهذا الحديث وإن كان موقوفًا على علي ﵁ في كتاب مسلم، فقد رواه النسائي، وقال فيه: قال
стр. 2778
النَّاسُ، أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُم الحَدَّ، مَن أَحصَنَ مِنهُم، وَمَن لَم يُحصِن، فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَنَت،
ــ
رسول الله ﷺ : (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم؛ من أحصن منهم، ومن لم يحصن) (١) وهذا ينصّ على أمر السَّادة بإقامة الحد الذي ذكره الله تعالى، وليس بتعزير، فإنَّه قد سمَّاه حدًّا، وصرَّح بإلغاء اعتبار الإحصان مطلقًا؛ إذ سوَّى بين وجوده وعدمه، فتُحدُّ الأَمَة الزانية على أي حال كانت. ويعتذر عن تخصيص الإحصان في الآية بالذكر: بأنه أغلب حال الإماء، أو الأهم في مقاصد الناس، لا سيما إذا حمل الإحصان على الإسلام. وهو أولى الأقوال على ما قد أوضحه القاضي أبو بكر بن العربي. والله تعالى أعلم.
و(قوله: فإن أمة لرسول الله ﷺ زنت) كذا جاء في كتاب مسلم. وفي كتاب أبي داود: (فجرت جارية لآل رسول الله ﷺ ). وظاهره: أن هذه الجارية كانت لبعض عشيرته. وهذه الرواية أحسن من رواية مسلم وأليق بحال من ينتسب لحضرة بيت رسول الله ﷺ وملكه، استصحابًا لما شهد الله تعالى به من الطهارة لذلك الجناب الكريم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيرًا﴾ وكيف يليق بمن كان في مثل هذا (٢) البيت الكريم، وبمن صحَّ له ذلك الملك الشريف أن تقع منه فاحشة الزنى. هذا والله من البعد على الغاية القصوى، فإن العبد من طينة سيِّده. ألا ترى أنَّه لما كثر المنافقون على مارية في ابن عمها؛ الذي كان يزورها، فبعث النبي ﷺ علي بن أبي طالب ليقتله، فدخل عليه، فلما رآه كشف عن فرجه فإذا هو أَجَبُّ، فقرأ علي ﵁: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيرًا﴾
стр. 2779
فَأَمَرَنِي أَن أَجلِدَهَا، فَإِذَا هِيَ حَدِيثة عَهدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيتُ إِن أَنَا جَلَدتُهَا أَن أَقتُلَهَا، فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَحسَنتَ.
رواه مسلم (١٧٠٥)، وأبو داود (٤٤٧٣)، والترمذيُّ (١٤٤١).
* * *
ــ
[الأحزاب: ٣٣] (١). هذا كله مع احتمال أن يراد بآل محمد نفسه، كما قدمناه في قوله ﷺ : (اللَّهم صلِّ على آل أبي أوفى) (٢)، وفي قوله: (لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود) (٣). وتكون هذه الأمة من الإماء المُتخذات للخدمة والتصرف، ولعلَّها قريبة عهد بالجاهلية. لكن الأوَّل أليق وأسلم. والله تعالى أعلم.
و(قوله: فأمرني أن أجلدها) هذا إنَّما كان لما ظهر من زناها بالحَبَل، كما دلَّ عليه قوله: (فإذا هي حديثة عهد بنفاس).
و(قوله: فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها). هذا فيه أصل من أصول الفقه. وهو ترك العمل بالظاهر لِمَا هو أولى منه، وتسويغ الاجتهاد. ألا ترى أن عليًّا ﵁ قد ترك ظاهر الأمر بالجلد مخافة أمر آخر؛ هو أولى بالمراعاة، فحسَّنه النبي ﷺ له وصوَّبه. ولو كان الأمر على ما ارتكبه أهل الظاهر من الأصول الفاسدة لجلدها وإن هلكت.
وفيه من الفقه ما يدلُّ على أن من كان حدُّه دون القتل لم يقم عليه الحدّ في مرضه حتى يفيق، لا مُفَرَّقًا، ولا مجموعًا، ولا مخففًا، ولا مثقلًا. وهو مذهب الجمهور تمسُّكًا بهذا الحديث، وهو أولى مما خرَّجه أبو داود من حديث سهل بن
стр. 2780
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حنيف: أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ اشتكى حتى أَضنَى، فعاد جِلدَةً على عَظمٍ، فوقع على جارية لغيره، ثمَّ ندم، فاستُفتِي له رسول الله ﷺ فأمر رسول الله ﷺ أن يأخذوا له مائة شمراخ فيضربوه بها ضربة واحدة (١)؛ لأنَّ إسناده مختلف فيه. ولحديث سهل هذا؛ قال الشافعي: يضرب المريض بِعثكُولِ نخل تصل شماريخه كلها إليه، أو بما يقوم مقامه. وهذا في مريض ليس عليه حدُّ القتل. فلو كان عليه جلدٌ وقتلٌ؛ يجلد الحدّ ثم يقتل بعد ذلك. وحديث علي هذا: قد أخرجه النسائي، والترمذي، وزاد فيه: فقال رسول الله ﷺ : (دعها حتى ينقطع دمها ثم أقم عليها الحدّ، وأقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم)، وهذا لفظ أبي داود (٢). وهو نصٌّ على صحة مذهب الجمهور، وهو أصحُّ من حديث سهل وأعلى، فالعمل به أوجب وأولى، والحدُّ الذي أمر علي بإقامته هو نصف حدّ الحرَّة الذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَعَلَيهِنَّ نِصفُ مَا عَلَى المُحصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ وهو خمسون جلدة، وهو قول الجمهور. ولا رجم على أمة وإن كانت متزوجة بالإجماع.
فروع: قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم: أن الجلد بالسَّوط؛ والسَّوط الذي يجلد به سوط بين سوطين، ولا تُجَرَّد المرأة، وتُستَر، ويُنزع عنها ما يقيها. وهو مذهب مالك وغيره، بل لا خلاف فيه فيما أعلم. وأمَّا الرَّجل: فاختلف في تجريده. فقيل: لا يجرد. وبه قال طاوس، والشعبي، وقتادة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وروي ذلك عن ابن مسعود، وأبي عبيدة بن الجرَّاح. وقالت طائفة أخرى: يجرَّد وتستر عورته. وبه قال عمر بن عبد العزيز، ومالك. وقال الأوزاعي: ذلك إلى الإمام، إن شاء جرَّد، وإن شاء لم يجرد. واتفقوا على أن المجلود وعليه قميصه مجلود.
وتُضرب المرأة قاعدة عند
стр. 2781
(١٠) باب الحد في الخمر وما جاء في جلد التعزير
[١٧٩٣] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَد شَرِبَ الخَمرَ،
ــ
الجمهور. واختلف في الرِّجال. فالجمهور على أنهم يجلدون قيامًا. قاله الشافعي، وغيره. وقال مالك: قعودًا. واتفقوا: على أن الجلد كيفما وقع أجزأ. ولا يُمدُّ المجلود، ولا يُربط. وتُترك له يداه عند الجمهور. قال ابن مسعود: لا يحل في هذه الأُمَّة تجريدٌ، ولا مَدٌّ. والضرب الذي يجب هو أن يكون مؤلِمًا؛ لا يجرح، ولا يبضع، ولا يُخرج الضارب يده من تحت إبطه. وبه قال الجمهور، وعلي، وابن مسعود. وأتي عمر برجلٍ في حدٍّ، فأُتي بسوط بين سوطين، وقال للضارب: اضرب، ولا يُرى إبطك، وأعط كل عضو حقَّه. واتفقوا: على أنه لا يضرب في الوجه؛ لنهي النبي ﷺ عن ذلك، ولا يُضرب في الفرج عند العلماء. والجمهور على اتِّقاء الرأس. وقال أبو يوسف: يُضرب في الرأس. وقد روي: أن عمر ضرب صَبِيغًا (١) في رأسه، وكان تَعزِيرًا، لا حدًّا.
قلت: وإنَّما منع من الضرب في الفرج مخافة الموت. فيجب أن تُتَّقَى المقاتل كلُّها، كالدماغ، والقلب، وما أشبه ذلك. وهذا لا يُختَلف فيه إن شاء الله تعالى.
(١٠) ومن باب: الحدّ في الخمر
(قوله: أُتي رسول الله ﷺ برجل قد شرب الخمر فجلده) ظاهره يقتضي: أن الخمر بمجرَّده موجبٌ للحدِّ؛ لأن الفاء للتعليل، كقولهم: سها فسجد،
стр. 2782
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وزنى فرُجِم. وهو مذهب الجمهور من الصحابة وغيرهم. ولم يفرِّقوا بين شرب خمر العنب وغيره، ولا بين شرب قليله وكثيره؛ إذ الكل خمر، كما قدَّمناه، وللكوفيين تفصيل ينبني على ما تقدَّم ذكره في باب تحريم الخمر. وهو: أن من شرب شيئًا من خمر العنب النيَّئة وجب عليه الحدّ، قليلًا كان أو كثيرًا، لأن هذا هو المجمع عليه، فإن شرب غيره من الأشربة فسكر: حُدَّ، [وهذا أيضًا مجمع عليه] (١)، فإن لم يسكر لم يُحدَّ عندهم. وكذلك قالوا في مطبوخ العنب. وذهب أبو ثور: إلى أن من رأى تحريم القليل من النبيذ جلد ومن لم يره لم يجلد؛ لأنَّه متأوِّل. وقد مال إلى هذا الفرق بعض شيوخنا المتأخرين. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور بما سبق ذكره في باب تحريم الخمر، وبدليل قوله: (من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاقتلوه) (٢)، فعلَّق الحكم على نفس شرب ما يقال عليه خمر، ولم يفرق بين قليل، ولا كثير. وقد بيَّنَّا: أن الكل يقال عليه خمر لغة وشرعًا، بالطرق التي لا مدفع لها.
فأما قتل الشارب في الرابعة: فمنسوخ بما روي من حديث جابر الذي خرَّجه النسائي: أن رسول الله ﷺ أُتي بنعيمان، فضربه رسول الله ﷺ أربع مرات. قال: فرأى المسلمون أن الحدّ قد وقع، وأن القتل قد رفع (٣).
فيحصل من هذا الحديث معرفة التاريخ ومعرفة إجماع المسلمين على رفع القتل. ومن حكي عنه
стр. 2783
فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَينِ نَحوَ أَربَعِينَ، قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ استَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبدُ الرَّحمَنِ: أَخَفُّ الحُدُودِ ثَمَانونَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ.
رواه البخاري (٦٧٧٣)، ومسلم (١٧٠٦)(٣٥)، وأبو داود (٤٤٧٩)، والترمذي (١٣٤٣).
ــ
خلاف ذلك فإنما هو خلاف متأخر مسبوق بالإجماع المتقدم. وقد عضد حديث جابر ما خرَّجه البخاري من حديث عمر بن الخطاب ﵁: أن رجلًا كان اسمه: عبد الله، وكان يلقب حمارًا، وكان يُضحِك النبي ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ قد جلده في الشراب، فأُتي به يومًا، فأمر به فجلد. فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يُؤتى به! فقال النبي ﷺ : (لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله (١). وظاهره: أن هذا الشارب شرب أكثر من أربع مرَّات، ثم لم يقتله، بل شهد له أنَّه يحب الله ورسوله.
و(قوله: فجلده بجريدتين نحو أربعين)، وفي الرواية الأخرى: (جلد في الخمر بالجريد والنعال أربعين). هذه الروايات تدل على أن النبي ﷺ لم يحد في الخمر حدًّا محدودًا، وإنما كان ذلك منه تعزيرًا وأدبًا، لكن انتهى في ذلك إلى أربعين. ومما يدلّ على ذلك ما رواه أبو داود عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ أُتي برجل شرب، فقال: (اضربوه). قال: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه. ثم قال لأصحابه: (بكتوه)، فأقبلوا عليه يقولون: أما اتقيت الله؟ ! أما استحييت من رسول الله ﷺ (٢)؟ ! وهذا كله يدلّ على أن ذلك كله أدب، وتعزير. ولذلك قال علي ﵁: إن رسول الله ﷺ لم يَسُنَّه؛ أي: لم يحدَّ فيه حدًّا، ولذلك اجتهدت الصحابة فيه، فألحقوه بأخف الحدود، وهو حدُّ
стр. 2784
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القذف. هذا قولُ طائفةٍ من علماء أصحابنا وغيرهم، وهو ظاهرٌ من الأحاديث التي ذكرناها. غير أنه يرد عليهم أن يقال: هذا معارضٌ بوجهين:
أحدهما: أن علي بن أبي طالب قد قال: جلد رسولُ الله ﷺ أربعين، وأبو بكرٍ أربعين، وجلد علي بحضرة عثمان، والصحابة ﵃ أربعين، ودوامهم على مراعاة هذا العدد يدل على أنَّه حدٌّ محدود، ولو كان تعزيرًا لاختلف بحسب اجتهاد كلّ واحدٍ منهم.
وثانيهما: أن الأمَّة مُجمعة على أنَّ الحدَّ في الخمر أحد العددين؛ إمَّا أربعون، وإمَّا ثمانون.
قال القاضي عياض: أجمع المسلمون على وجوب الحدِّ في الخمر. وكيف تُجمِعُ الأمَّةُ على خلاف ما جاء به النبي ﷺ ؟ !
فالجواب عن الوجهين: أن الصحابة - رضوان الله عليهم - هم الذين نقلوا عن النبي ﷺ ما يدلُّ على التعزير، وهم الذين نقلوا ما يدل على التحديد. والذين قاسوا واجتهدوا هم الذين عدَّدوا وحدَّدُوا، ولم ينصَّ أحدٌ منهم على نفي أحد الوجهين وثبوت الآخر، وإنما هو نقل أحوالٍ محتملة، فلا بدَّ من التلفيق بين أقوالهم؛ لاستحالة التناقض والكذب عليهم.
ووجهُ التلفيق: أن الصحابةَ - رضي الله تعالى عنهم - فهمت عن النبي ﷺ : أنَّ جَلده كان تعزيرًا؛ لأنَّه قد اختلف حاله فيه، فمرةً جلد فيه بالأيدي، والنِّعال، والثياب من غير عددٍ. ومرَّةً جلد فيه بالجريد والنعال أربعين. ومرَّةً جلد فيه بجريدتين نحو الأربعين، فهذه نحو الثمانين. فهذا تعزير بلا شك، لكن لَمَّا كان أكثر جلده أربعين اختاره أبو بكر، وعمر في أول أمره، فلمَّا كثر إقدامُ الناس على شرب الخمر، تفاوضت الصحابة في ذلك ونظروا، فظهر لهم: أن ذلك القدر
стр. 2785
[١٧٩٤] وعنه: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ جَلَدَ فِي الخَمرِ بِالجَرِيدِ وَالنِّعَالِ،
ــ
لا يزجرهم، ولا يبالون به، فظهر لهم أن يلحقوه بأخف حدود الأحرار المذكورة في القرآن، فوجدوه القذف، مع أنه قد ظهر لهم جامع بينهما، فقالوا: إذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افترى. ومع ما تقدَّم لهم من أن النبي ﷺ قد قارب فيه الثمانين، فأثبتوها، ومنعوا من الزيادة عليها. ولما ظهر هذا المعنى لعلي بن أبي طالب ﵁ قال مصرِّحًا به: جلد رسولُ الله ﷺ أربعين، وأبو بكرٍ أربعين، وعمر ثمانين، وكل سُنَّة. ثمَّ إنَّه جلد هو أربعين، وأقرَّه على ذلك عثمان، ومَن حضر من الصحابة ﵃ وظهر له أن الاقتصار على أربعين أولى من الثمانين؛ مخافةَ أن يموتَ فتلزمه الدِّية، كما قد صرَّح به؛ حيث قال: ما كنت أقيمُ على أحدٍ حدًّا فيموت فيه، فأجد في نفسي، إلا صاحب الخمر، لأنه إن مات وَدَيتُهُ. وهذا يدلُّ على أنَّه جلد فيه ثمانين في ولايته، وأنَّه لم يخالف عمر في الثمانين، وإيَّاها عَنَى بقوله: (فإن رسول الله ﷺ لم يَسُنَّه)، ولا يصحُّ أن يريدَ بذلك الأربعين؛ لأنه هو الذي روى أن النبي ﷺ جلد فيه أربعين. ولو مات في الأربعين لم تجب له ديةٌ بوجهٍ. ولذلك قال الشافعي: لو مات في الأربعين فالحقُّ قَتَلَهُ، كما تقدَّم. فتفهَّم هذا البحث، فإنَّه حسن.
وحاصله: أن الجلدَ على الخمر تعزير مُنِع من الزيادة على غايته. فرأت طائفه: أن غايته أربعون، فلا يُزاد عليه. وبه قال الشافعي من الفقهاء، والإجماع: على أنَّه لا يزاد على الثمانين، فإن قيل: كيف يكون تعزيرًا وقد قال ﷺ : (لا يُجلَدُ أحدٌ فوق عشرة أسواطٍ إلا في حدٍّ من حدود الله (١)؟ فمقتضى هذا: ألا يُزاد في التعزير على العشرة. وبه قال من يأتي ذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى. فالجواب: إنَّه سيأتي الكلام على ذلك الحديث.
стр. 2786
- وفي رواية: أربعين - ثُمَّ جَلَدَ أَبُو بَكرٍ أَربَعِينَ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ وَدَنَا النَّاسُ مِن الرِّيفِ وَالقُرَى، قَالَ: مَا تَرَونَ فِي جَلدِ الخَمرِ؟ فَقَالَ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ: أَرَى أَن تَجعَلَهَا كَأَخَفِّ الحُدُودِ، قَالَ: فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ.
رواه مسلم (١٧٠٦)(٣٦).
ــ
و(قوله: فلمَّا كان عمر ودنا النَّاس من الرِّيف والقرى) كان هنا تامَّة. وفي الكلام حذفٌ؛ أي: لما وقع، ووجد زمن خلافة عمر. والرِّيف: أرض الزرع والخصب. والجمع: أرياف. يقال: أَرَافَت الأرض - رباعيًّا - أخصبت. ورافت الماشية: إذا رعت الريف. وأَريَفنا: أي: صرنا إلى الريف. (من الصحاح) ويعني بذلك: أنَّه لما فتحت البلاد بالشَّام وغيرها، وكثرت الكروم ظهر في الناس شُربُ الخمر، فشاور عمرُ الصحابةَ ﵃ في التشديد في العقوبة عليها، فتفاوضوا في ذلك، واتفقوا على إلحاقها بحدِّ القذف؛ لأنَّه أخف الحدود، كما قال عبد الرحمن. وقد جاء في الموطأ: أن عمر لَمَّا استشارهم في ذلك قال علي: نرى أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افترى (١). فصرَّح بكيفية الإلحاق. وحاصلها راجعٌ إلى أنه أقام السُّكر مقامَ القذف؛ لأنه لا يخلو عنه غالبًا، فأعطاه حكمه، فكان هذا الحديث من أوضح حجج القائلين بالقياس والاجتهاد؛ إذ هذه القضيةُ نصٌّ منهم على ذلك. وهم الملأ الكريم. وقد انتشرت القضيةُ في ذلك الزَّمان، وعمل عليها في كل مكانٍ، ولم يتعرَّض بالإنكار عليها إنسان، مع تكرار الأعصار، وتباعد الأقطار، فكان ذلك إجماعًا على صحة العمل بالقياس الذي لا ينكره إلا الأغبياء من الناس. وقد أورد بعض من يتعاطى العلم الجدلي على هذا النظر السديد العَلَوِي أن قال: إن حكم للسُّكر بحكم القذف - لأنه مظنَّته - فليحكم له بحكم الزِّنى والقتل لأنه مظنتهما. وأيضًا: فلأنه يلزم عليه ألا يُحَدَّ على مجرد الشرب، بل على السُّكر خاصةً، لأنَّه هو المظنَّة، لا الشُرب.
стр. 2787
[١٧٩٥] وعن حُضَين بن المُنذِرِ أَبي سَاسَانَ قَالَ: شَهِدتُ عُثمَانَ بنَ عَفَّانَ أُتِيَ بِالوَلِيدِ قَد صَلَّى الصُّبحَ رَكعَتَينِ، ثُمَّ قَالَ: أَزِيدُكُم؟ قال: فَشَهِدَ عَلَيهِ رَجُلَانِ - أَحَدُهُمَا حُمرَانُ -: أَنَّهُ شَرِبَ الخَمرَ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأُ،
ــ
وقد حدُّوا على شرب الخمر وإن لم يسكر. فدلَّ على أن السُّكر ليس معتبرًا في الحدِّ، فلا يكون علَّة له، ولا مظنَّة.
والجواب عن الأول: منع كون السُّكر مظنة للزنى والقتل؛ لأنَّ المظنَّة اسم لما يظن فيها تحقق المعنى المناسب غالبًا. ومن المعلوم: أن السُّكر لا يخلو عن الهذيان والقذف غالبًا في عموم الأوقات والأشخاص، وليس كذلك الزنى والقتل؛ فإن ذلك إن وقع فنادرٌ، وغير غالبٍ. والوجود يحققه.
والجواب عن الثاني: أن الحدّ على قليل الخمر إنما هو من باب سدِّ الذرائع؛ لأنَّ القليل يدعو إلى الكثير، والكثير يُسكر، والسُّكر المظنَّة، كما قررته الصحابة ﵃؛ فهم الأسوة، وهم القدوة.
و(قوله في الأم: عبد الله الدَّاناج (١)) بالجيم. ويقال: الدَّاناء. بهمزة مكان الجيم. ويقال بهاء. وهو بالفارسية: العالم. (عن حُضَين) بالحاء المهملة، والضاد المعجمة: تصغير (حُضن) وهو ما دون الإبط إلى الكشح. وحضن الشيء: جانبه. ونواحي كل شيء: أحضانه. و (الوليد) هو ابن عقبة بن أبي مُعيط، ظهر عليه أنَّه شرب الخمر، فَكُثِّرَ على عثمان فيه، فلما شهد عنده بأنَّه شربها أقام عليه الحدّ كما ذكر.
و(قوله: فشهد حمران: أنَّه شربها، وشهد آخر: أنَّه رآه يتقيَّأ): فيه من
стр. 2788
فَقَالَ عُثمَانُ: إِنَّهُ لَم يَتَقَيَّأ حَتَّى شَرِبَهَا، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، قُم فَاجلِدهُ،
ــ
الفقه: تلفيق الشهادتين إذا أدَّتا إلى معنى واحد، فإن أحدهما شهد برؤية الشرب. والآخر بما يستلزم الشرب، ولذلك قال عثمان: إنَّه لم يتقيَّأ حتى شربها. غير أنَّه قد ذكر الحُمَيدِي محمد بن نصر في حديث عمر حين شهد عنده الجارود: بأن قدامة شرب الخمر ثمَّ دعا بأبي هريرة وقال: علام تشهد؟ فقال: لم أره حين شرب! وقد رأيته سكران يقيء. فقال عمر: لقد تنطَّعتَ يا أبا هريرة في الشهادة! فلمَّا استحضر قُدامة أنكر. فقال أبو هريرة: يا أمير المؤمنين! إن كنت تشك في شهادتنا فَسَل بنت الوليد امرأة ابن مظعون. فأرسل عمر إلى هند ينشدها بالله. فأقامت هند على زوجها الشهادة، فجلده. فظاهر هذا: أن عمر لم يسمع شهادة أبي هريرة لما قال له: إنَّه لم يره يشرب، وإنَّما رآه يتقيَّأ.
والجواب: أن عمر إنَّما توقف في شهادة أبي هريرة؛ لأنَّ أبا هريرة سلك في أداء الشهادة مسلك من يُخبر بتفصيل قرائن الأحوال التي أفادته العلم بالمشهود فيه، ومهما شرع الشاهد في تفصيل ذلك وحكايته لم يحصل لسامع الشهادة الجزم بصحتها؛ لأنَّ قرائن الأحوال لا تنضبط بالحكاية عنها، وإنما حق الشاهد أن يعرض عنها، ويُقدِم على الأداء إقدام الجازم المخبر عن علم حاصل، فكان توقف عمر لذلك. ثمَّ إن أبا هريرة لما جزم في الشهادة سمعها عمر وحكم بها، لكنه استظهر بقول هند على عادته في الاستظهار في الشهادات والإخبار، ولا يظن به أنه ردَّ شهادة أبي هريرة، وقبل شهادة امرأة في الحدود، إلا من هو عن المعارف مصدود.
و(قول عثمان لعلي: قم يا علي فاجلده) دليل على أن الحدَّ إنَّما ينبغي أن يقيمه بين أيدي الخلفاء والحكام فضلاء الناس، وخيارهم. وكذلك كانت الصحابة تفعل كلَّما وقع لهم شيء من ذلك. وسبب ذلك: أنَّه قيامٌ بقاعدةٍ شرعية، وقُربة تعبديِّة تجب المحافظة على فعلها، وقدرها، ومحلِّها، وحالها، بحيث لا يُتَعَدَّى
стр. 2789
فَقَالَ عَلِيٌّ: قُم يَا حَسَنُ فَاجلِدهُ، فَقَالَ الحَسَنُ: وَلِّ حَارَّهَا مَن تَوَلَّى قَارَّهَا، فَكَأَنَّهُ وَجَدَ عَلَيهِ، فَقَالَ: يَا عَبدَ اللَّهِ بنَ جَعفَرٍ، قُم فَاجلِدهُ، فَجَلَدَهُ وَعَلِيٌّ يَعُدُّ حَتَّى بَلَغَ أَربَعِينَ، فَقَالَ: أَمسِك،
ــ
شيء من شروطها، ولا أحكامها. ولذلك يجب عند جميع العلماء أن يختار لها أهل الفضل، والعدل؛ إذا أمكن ذلك مخافة التعدِّي في الحدود. وقد وقع في زماننا من جلد في الخمر ثمانين، فتعدَّى عليه الضاربُ، فقتله بها، وحُرمةُ دم المسلم عظيمة، فتجب مراعاتها بكل ممكن.
و(قول علي: قم يا حسن فاجلده! ) دليل على أن من استنابه الإمام في أمر فله أن يستنيب من يتنزل منزلته في ذلك الأمر.
و(قول حسن: ولِّ حارَّها من تولى قارَّها). هذا مثل من أمثال العرب. قال الأصمعي: معناه: وَلِّ شدَّتها من تولى هنيئها. والقارُّ: البارد. ويعني الحسن بهذا: ولِّ شدة إقامة الحدّ من تولى إمرة المسلمين، وتناول حلاوة ذلك.
و(قوله: فكأنه وجد عليه) أي: غضب عليه لأجل توقفه فيما أمره به، وتعريضه بالأمراء.
و(قوله: فقال: يا عبد الله! قم فاجلده) يحتمل أن يكون الآمر لعبد الله عليًّا، فكأنه أعرض عن الحسن لَمَّا توقف. ويحتمل أن يكون الحسن استناب عبد الله فيما أمره به علي طلبًا لرضا علي. والله تعالى أعلم.
و(قوله: فجلده وعلي يعدُّ حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك) ظاهر هذا: أنَّه لم يزد على الأربعين. وفي البخاري من حديث المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود، وذكر هذا الحديث طويلًا، وقال في آخره: إن عليًّا جلد الوليد ثمانين (١). وهذا تعارض، غير أن حديث حضين أولى، لأنَّه مفصل في مقصوده،
стр. 2790
ثُمَّ قَالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ وأَبُو بَكرٍ أَربَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ.
رواه مسلم (١٧٠٧)(٣٨)، وأبو داود (٤٤٨٠ و ٤٤٨١).
ــ
حسنٌ في مساقه، وساقه رواية مساق المُتثبِّت. والأقرب أن بعض الرواة وَهِمَ في حديث المسور، فوضع (ثمانين) مكان (أربعين).
و(قول علي: جلد رسول الله ﷺ أربعين. وأبو بكر أربعين، وكل سُنَّة) دليل واضح على اعتقاد علي ﵁ صحة إمامة الخليفتين أبي بكر، وعمر، وأن حكمهما يقال عليه: سُنَّة؛ خلافًا للرافضة والشيعة، وهو أعظم حُجَّة عليهم؛ لأنَّه قول متبوعهم؛ الذي يتعصبون له، ويعتقدون فيه ما يتبرأ هو منه. وكيف لا تكون أقوال أبي بكر وعمر وأفعالهما سنة، وقد قال ﷺ : (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) (١)؟ ! .
و(قوله: وهذا أحبُّ إلي) ظاهره: أنَّه أشار إلى الأربعين التي أمر بالإمساك عليها. وقد روي: أن المعروف من مذهبه الثمانون. فيكون له في ذلك القولان، لكنه دام هو على الثمانين لما كثر الإقدام على شرب الخمر.
وحاصل هذا الاختلاف في الأحاديث، وبين الصحابة راجع إلى أنه لم يتقدَّر في الخمر حدٌّ محدود. وإنما كان الأدب والتعزير، لكن استقر الأمر: أن أقصى ما بلغ فيه إلى الثمانين، فلا يزاد عليها بوجه. وقد نصَّ على هذا المعنى السائب بن يزيد فيما خرَّجه البخاري قال: كنَّا نُؤتى بالشارب على عهد رسول الله ﷺ وإِمرة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا، ونعالنا، وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر، فجلد أربعين، حتى إذا عَتَوا وفَسَقُوا جلد ثمانين (٢). وعلى هذا:
стр. 2791
[١٧٩٦] وعَن عَلِيٍّ قَالَ: مَا كُنتُ أُقِيمُ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فَيَمُوتَ فِيهِ فَأَجِدَ فِي نَفسِي إِلَّا صَاحِبَ الخَمرِ؛ لِأَنَّهُ إِن مَاتَ وَدَيتُهُ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَم يَسُنَّهُ.
رواه أحمد (١/ ١٢٥)، والبخاريُّ (٦٧٧٨)، ومسلم (١٧٠٧)(٣٩)، وأبو داود (٤٤٨٦)، وابن ماجه (٢٥٦٩).
ــ
فلا ينبغي أن يعدل عن الثمانين؛ لأنَّه الذي استقرَّ عليه آخر أمر الصحابة أجمعين.
و(قول علي: ما كنت لأقيم على أحد حدًّا فيموت فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر؛ لأنَّه إن مات وديته) يدلُّ على أن ما كان فيه حدٌّ محدود فأقامه الإمام على وجهه، فمات المحدود بسببه؛ لم يلزم الإمام شيء، ولا عاقلته، ولا بيت المال. وهذا مجمعٌ عليه؛ لأنَّ الإمام قام بما وجب عليه، والميت قتيل الله. وأمَّا حدّ الخمر فقد ظهر: أن رسول الله ﷺ لم يحدّ فيه حدًّا. فلما قصرته الصحابة على عدد محدود، هو الثمانون، وجد علي في نفسه من ذلك شيئًا، فصرَّح بالتزام الدِّية إن وقع له موت المجلود احتياطًا، وتوقيًّا، لكن ذلك - والله أعلم - فيما زاد على الأربعين إلى الثمانين. وأمَّا الأربعون: فقد نص (١) هو على أن رسول الله ﷺ وأبا بكر جلداها، وسمى ذلك سنة. فكيف يخاف من ذلك؟
وهذا هو الذي فهمه الشافعي من فعل علي هذا، فقال: إن حدّ أربعين بالأيدي، والنعال، والثياب، فمات؛ فالله قتله. وإن زِيدَ على الأربعين بذاك، أو ضرب أربعين بسوط فمات؛ فديته على عاقلة الإمام.
قلت: ويظهر لي من فعل عمر خلافُ ذلك: إنه لما شُهِدَ على قُدامة بشُرب الخمر استشار من حضره في جَلدِه، فقال القوم: لا نرى أن تَجلِدَه ما دام
стр. 2792
[١٧٩٧] وعَن أَبِي بُردَةَ الأَنصَارِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يُجلَدُ أَحَدٌ فَوقَ عَشَرَةِ أَسوَاطٍ، إِلَّا فِي حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ.
رواه أحمد (٤/ ٤٥)، والبخاريُّ (٦٨٥٠)، ومسلم (١٧٠٨)، وأبو داود (٤٤٩٢)، والنسائي في الكبرى (٧٣٣٠).
* * *
ــ
وَجِعًا، فسكت عمر عن جلده أيامًا، ثم أصبح يومًا قد عزم على جلده، فاستشارهم. فقالوا: لا نرى أن تجلده ما دام وَجِعًا. فقال عمر: والله لأن يلقى الله تحت السياط أحبُّ إلي من أن ألقى الله وهي في عنقي. والله لأجلدنَّه. فجلده بسوط بين سوطين (١). وهذا يدلُّ: على أنَّه لا يلزم في ذلك دية لا على العاقلة، ولا في بيت المال؛ لأنَّ عمر سلك في حد الخمر مسلك الحدود المحدودة بالنصّ. وأمَّا جلد عمر لقدامة على ما ذكروا له من وَجَعِه، فكأنه فهم أن وجعه لم يكن بحيث يبالى به، ولا يخاف منه. وكأنهم اعتذروا به ليتأخر ضربه شفقة عليه، وحُنُوًّا. وقد ظهر ذلك منهم لما أَتَوه بسوطٍ دقيق صغير. فقال لأسلم: أخذتك دقرارة أهلك؛ أي: حميتهم الحاملة على المخالفة.
واختلفوا فيمن مات من التعزير. فقال الشافعي: عَقلُه على الإمام، وعليه الكفارة. وقيل: على بيت المال. وجمهور العلماء: على أنَّه لا شيء عليه.
و(قوله ﷺ : لا يجلد أحدٌ فوق عشرة أسواط إلا في حدٍّ من حدود الله) أخذ بظاهر هذا الحديث أحمد بن حنبل، وأشهب من أصحاب مالك في بعض أقواله. وقال ابن أبي ذئب وابن أبي ليلى: لا يضرب في الأدب أكثر من ثلاثة. وقال أشهب في مؤدِّب الصبيان. قال: وإن زاد اقتَّص منه. والجمهور: على أنَّه يُزاد في التعزير على العشرة. فمنهم من قصره على عدد بحيث لا يزاد عليه. فقال
стр. 2793
(١١) باب من أقيم عليه الحد فهو كفارة له
[١٧٩٨] عَن عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ قَالَ: أَخَذَ عَلَينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ: أَن لَا نُشرِكَ بِاللَّهِ شَيئًا، وَلَا نَسرِقَ، وَلَا نَزنِيَ، وَلَا نَقتُلَ
ــ
أبو حنيفة: أربعين. وقاله الشافعي، وقال أيضًا: عشرين. وروي عن مالك: خمسة وسبعين سوطًا. وإليه مال أصبغ بن الفرج، وقاله ابن أبي ليلى، وأبو يوسف. وقال محمد بن مسلمة: لا أرى أن يبلغ به الحدّ. وقد روي عن عمر: ما يبلغ به ثمانون. وعن ابن أبي ليلى وابن شبرمة: لا يبلغ به مائة. ومنهم من رأى ذلك موكولًا إلى رأي الإمام بحسب ما يراه أردع، وأليق بالجاني، وإن زاد على أقصى الحدود. وهو مشهور مذهب مالك، وأبي يوسف، وأبي ثور، والطحاوي، ومحمد بن الحسن. وقال: وإن بلغ ألفًا. وقد روي عنه مثل قول أبي حنيفة. والصحيح عن عمر: أنَّه ضرب من نقش على خاتمه مائة. وضرب ضبيعا (١) أكثر من الحدّ. وقد روي عن الشافعي: أنَّه يُضرب في الأدب أبدًا، وإن أتى على نفسه حتى يُقرَّ بالإنابة. وقال المُزني من أصحاب الشافعي: تعزير كل ذنب مستنبط من حدِّه لا يجاوز.
قلت: والصحيح: القول العمري، والمذهب المالكي؛ لأنَّ المقصود بالتعزير الرَّدع، والزجر. ولا يحصل ذلك إلا باعتبار أحوال الجنايات والجناة. فأمَّا الحديث فخرج على أغلب ما يحتاج إليه في ذلك الزمان. والله تعالى أعلم.
(١١) ومن باب: من أقيم عليه الحدّ فهو كفارة له
(قوله: أَخَذَ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء) يعني: أنَّه بايعهم على
стр. 2794
أَولَادَنَا، وَلَا يَعضَهَ بَعضُنَا بَعضًا،
ــ
التزام هذه الأمور المذكورة كما بايع النساء عليها. وإنَّما نبَّه بهذا على أن هذه البيعة لما لم يكن فيها ذكر القتال استوى فيها الرِّجال والنساء؛ ولذلك كانت تسمى هذه البيعة بيعة النساء. وهذه البيعة كانت بالعقبة خارج مكة. وهي أول بيعة بايعها رسول الله ﷺ لنقباء الأنصار، وذلك قبل الهجرة، وقبل فرض القتال.
و(قوله: ولا يَعضَهُ بعضنا بعضًا) هكذا رواية الجماعة، وقيل فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه السِّحر؛ أي: لا يسحر بعضنا بعضا. والعَضهُ، والعَضِيهَة: السِّحر. والعاضِهُ: السَّاحر. والعاضِهَةُ: السَّاحرة.
والثاني: أنَّه النَّمِيمَة والكذب.
والثالث: البُّهتان.
قلت: وهذه الثلاثة متقاربة في المعنى؛ لأنَّ الكل كذبٌ وزور. ويقال لكلِّها عَضهٌ، وعَضِيهةٌ. ويُصرف فعلها كما سبق.
وقد روى العذري هذه اللفظة: (ولا يَعضِي بعضنا بعضًا) - بالياء مكان الهاء - على وزن: يقضي. ويكون من التعضية، وهي التفريق والتجزئة. ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرآنَ عِضِينَ﴾ قال ابن عباس: فرَّقوه فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعض. وعلى هذا: فيكون عضين: جمع عضه. فيكون منقوضًا؛ لأنَّ أصله: عِضوةٌ، فحذفوا الواو، ونقلوا حركتها إلى الساكن قبلها، كما فعلوه في عزة، فيكون معناه في الحديث: لا تكذب عليه فتبهته بأنواع من البهتان والكذب، فتفرقها عليه في أوقات، وتنسبها إليه في حالات. ورواية الجماعة أوضح.
و(النُّقَباء): جمع نقيب، كظريف، وظرفاء. وهو الذي ينقب عن أخبار أصحابه، وأحوالهم، فيرفعها للأمراء. وهم المسمُّون بالعرفاء أيضًا: جمع
стр. 2795
فَمَن وَفَى مِنكُم فَأَجرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَن أَتَى مِنكُم حَدًّا فَأُقِيمَ عَلَيهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ،
ــ
عريف، لتعرُّفهم بالأحوال، وتعريفهم بها. وقد تقدم الكلام في (النهبة).
و(قوله: ولا نقتل أولادنا) يعني بهم: البنات اللواتي كانوا يدفنونهم (١) أحياء. وهي الموءودة. وكانوا يفعلون ذلك للأنفة الجاهلية وخوف الفقر والإملاق. ولا يُعارض هذا قوله في الرواية الأخرى: (ولا نقتل (٢) النَّفس التي حرَّم الله إلا بالحق) لأنَّ هذه البيعة كانت فيها أمورٌ كثيرة منعهم منها، ونهاهم عنها؛ قد تقدم ذكر بعضها في كتاب الإمارة. وقد شمل ذلك كُلَّه بقوله: (ولا نعصي)، وكذلك قال تعالى في حق النساء: ﴿وَلا يَعصِينَكَ فِي مَعرُوفٍ﴾
و(قوله: فمَن وَفَى منكم) بتخفيف الفاء. وقاله الأصيلي بتشديدها، ومعناهما واحد؛ أي: فعل ما أمر به، وانتهى عمَّا نُهِي عنه.
و(قوله: فأجره على الله) أي: إن الله تعالى ينجيه من عذابه وإهانته، ويوصله إلى جنته وكرامته.
و(قوله: ومن أتى منكم حدًّا فأُقِيم عليه فهو كفارته) هذا حجَّة واضحة لجمهور العلماء على أن الحدود كفارات. فمن قتل فاقتُصَّ منه لم يبق عليه طِلبَةٌ في الآخرة؛ لأنَّ الكفارات ماحيةٌ للذنوب، ومصَيِّرةٌ لصاحبها كأن ذنبه لم يكن (٣). وقد ظهر ذلك في كفارة اليمين والظِّهار وغير ذلك. فإن بقي مع الكفارة شيء من آثار الذنب لم يصدق عليها ذلك الاسم. وقد سمعنا من بعض علماء مشايخنا: أن الكفارة إنَّما تكفر حق الله تعالى، ويبقى على القاتل حق المقتول يطلبه به يوم القيامة. وتَطَّرِدُ هذه الطريقة في سائر حقوق الآدميين.
стр. 2796
وَمَن سَتَرَهُ اللَّهُ فَأَمرُهُ إِلَى اللَّهِ، إِن شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِن شَاءَ غَفَرَ لَهُ.
رواه أحمد (٥/ ٣٢٥)، والبخاريُّ (٧١٩٩)، ومسلم (١٧٠٩)(٤٣)، والنسائي (٧/ ١٣٧)، وابن ماجه (٢٨٦٦).
[١٧٩٩] وعنه، قَالَ: إِنِّي مِن النُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: بَايَعنَاهُ عَلَى ألَا نُشرِكَ بِاللَّهِ شَيئًا، وَلَا نَزنِيَ، وَلَا نَسرِقَ، وَلَا نَقتُلَ النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَلَا نَنتَهِبَ وَلَا نَعصِيَ، فَالجَنَّةُ إِن فَعَلنَا ذَلِكَ، فَإِن غَشِينَا مِن ذَلِكَ شَيئًا، كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ.
رواه مسلم (١٧٠٩)(٤٤).
* * *
ــ
قلت: وهذا ليس بصحيح؛ لأنَّه تخصيص لعموم ذلك الحديث بغير دليل، وما ذكره من اختلاف الحقوق صحيحٌ، غير أنَّه لما أباح الله دم القاتل بسبب جريمته، وقتل، فقد فعل به مثل ما فعل من إيلام نفسه واستباحة دمه، فلم يبق عليه شيء. وهذا معنى القصاص.
و(قوله: ومن ستر الله عليه، فأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) يعني: إذا مات ولم يَتُب منه. فأمَّا لو تاب منه لكان كمن لم يُذنب؛ بنصوص القرآن والسُّنة كما قد تقدم. وهذا تصريحٌ بأن ارتكاب الكبائر ليس بكفر؛ لأنَّ الكفر لا يغفر لمن مات عليه بالنصّ والإجماع. وهو حجَّة لأهل السُّنة على المُكَفِّرة بالذنوب، وهم الخوارج، وأهل البدعة.
و(قوله: فإن غَشينا شيئًا من ذلك كان قضاء ذلك إلى الله تعالى) أي: إن ارتكبنا شيئًا من ذلك، وفعلناه؛ كان حكمه لله؛ أي: إن شاء عذب، وإن شاء عفا. كما فسَّره في الرواية الثانية.
стр. 2797
(١٢) باب الجبار الذي لا دية فيه ومن ظهرت براءته مما اتهم به لم يحبس ولم يعزر
[١٨٠٠] عَن أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُتَّهَمُ بِأُمِّ وَلَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: اذهَب فَاضرِب عُنُقَهُ. فَأَتَى عَلِيٌّ فَإِذَا هُوَ فِي رَكِيٍّ يَتَبَرَّدُ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ: اخرُج، فَنَاوَلَهُ يَدَهُ، فَأَخرَجَهُ، فَإِذَا هُوَ مَجبُوبٌ لَيسَ لَهُ ذَكَرٌ، فَكَفَّ عَلِيٌّ عَنهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ لَمَجبُوبٌ مَا لَهُ ذَكَرٌ.
رواه أحمد (١/ ٨٣)، و (٣/ ٢٨١)، ومسلم (٢٧٧١).
[١٨٠١] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: العَجمَاءُ جَرحُهَا جُبَارٌ، وَالبِئرُ جُبَارٌ، وَالمَعدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمسُ.
ــ
(١٢) ومن باب: الجُبَار الذي لا دية فيه
(قوله: العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس) هكذا جاء هذا الحديث بمجموع هذه الأمور. فظاهره: أن النبي ﷺ ذكرها في وقت واحد متصلة مجموعة، فيكون فيه حجَّة لمالك على أبي حنيفة: في أن الركاز ليس هو المعدن؛ إذ قد عدل عن لفظ المعدن إلى اسم آخر في مساق واحد، وذكره بعده. فلو كان الركاز هو المعدن لقال: والمعدن جُبار وفيه الخمس. وكان يكون أيسر، وأفصح، وأبعد عن الإشكال، بل لو ذكر لفظ المعدن نفسه بدل الرِّكاز فقال: وفي المعدن الخمس؛ لكان مستقبحًا عند الفصحاء، فإنَّه وضع الظاهر موضع المضمر من غير فائدة، ولا تفخيم، بل مع ما يجرُّه من اللَّبس. وهذا النوع من الكلام ركيك، ويُجَلُّ كلام الشارع أن يحمل عليه. ويحتمل
стр. 2798
رواه أحمد (٢/ ٢٣٩)، والبخاريُّ (٦٩١٢)، ومسلم (١٧١٠)(٤٥)، وأبو داود (٣٠٨٥)، والترمذيُّ (١٣٧٧)، والنسائي (٥/ ٤٤)، وابن ماجه (٢٦٧٣).
* * *
ــ
أن يقال: إن النبي ﷺ ذكر هذه الأمور في أوقات مختلفة، فجمعها الرَّاوي، وساقها سياقة واحدة، وحينئذ لا يكون فيه حجَّة على ما ذكرناه، لكن الظاهر الأول، والله تعالى أعلم.
و(الجُبار): الذي لا قود فيه، ولا دية، ولا شيء. وهو بضم الجيم، على وزن: غُرَاب. و (العجماء) - ممدودة، مهموزة-: اسم جنس لجميع البهائم، سُمِّيت بذلك لأنَّها لا تنطق. فظاهر قوله: (العَجمَاء جرحها جُبار) أن ما انفردت البهيمة بإتلافه لم يكن فيه شيء، وهذا مُجمعٌ عليه. فلو كان معها قائد، أو سائق، أو راكب، فحملها أحدهم على شيء فأتلفته لزمه حكم المُتلَف. فإن كانت جناية مضمونة بالقصاص، وكان الحمل عمدًا؛ كان فيه القصاص. ولا يختلف فيه؛ لأنَّ الدَّابة كالآلة. وإن كان عن غير قصد كانت فيه الدية على العاقلة. وفي الأموال الغرامة في مال الجاني قصدًا كان أو غير قصد. وهذا كلُّه لا يختلف فيه إن شاء الله تعالى.
واختلفوا فيما أصابته برجلها أو ذنبها. فلم يُضمِّن مالك، والليث، والأوزاعي صاحبها، وضَمَّنه الشافعي، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة. واختلفوا في الضَّارِيَة. فجمهورهم على أنَّها كغيرها. ومالك وبعض أصحابه يُضَمِّنُونَه.
واختلفوا فيما رعت المواشي. فضَمَّن مالك ربَّها ما أفسدته ليلًا دون ما أفسدته نهارًا. وبه قال الشافعي، والجمهور. ومعتمد التفرقة: أن على أرباب الحوائط والمراعي حفظها نهارًا؛ إذ غالب المواشي أنَّها تسرح فيه، ولا تنضبط، وعلى أرباب المواشي حفظها بالليل، فكأن رعي النهار تمكين من أرباب الزروع للماشية من الرَّعي، ورَعي الليل تسليط من أرباب المواشي على الرَّعي. وقال أبو حنيفة:
стр. 2799
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا ضمان فيما رعته المواشي ليلًا ولا نهارًا تمسُّكًا منه بالحديث. وهذا إنما يليق بأهل الظاهر لا بأبي حنيفة. وقال الليث، وسحنون: يضمن ما رعت نهارًا.
و(قوله: والبئر جُبار) يعني: إذا حفرها الإنسان في ملكه على الوجه الجائز. فلو حفرها في ملك غيره بغير إذنه، أو في طريق فهلك فيها شيء؛ ضمنه عند مالك، والشافعي. فإن هلك فيها إنسان كانت ديته على الجاني. وكذلك لو حفرها لسارق؛ فهلك فيها. وقال الليث: لا دية فيه ولا ضمان. وكذلك الحكم في المعدن. فلو انهار المعدن على العملة؛ فإن كان ربُّ المعدن قد غرَّهم؛ كانت دياتهم على عاقلته، وإن لم يَغرَّهُم فهلكوا فيه؛ لم يلزمه شيء ولا عاقلته.
والركاز عند مالك هو: ما يوجد (١) من دفين الجاهلية. فخمسه لبيت مال المسلمين، وأربعة أخماسه لواجده. وهل هذا حُكم كل ركاز. أو يختلف ذلك بحسب نوعه وأرضه؟ فيه خلاف بين أصحابنا وغيرهم. وكله مذكور في كتبهم.
و(قوله في حديث أنس: أن رجلًا كان يُتهم بأمِّ ولد رسول الله ﷺ ) هذه مارية أمّ إبراهيم، ولد رسول الله ﷺ كان يزورها رجل قبطي، فتكلم المنافقون في ذلك وشنَّعوا، فأظهر الله براءتها بما ظهر من حال الرَّجل - وهذا نحو مِمَّا جرى لعائشة ﵂ حتَّى برَّأها الله تعالى، وأظهر من حال المرمي أنَّه حصور. كل ذلك مبالغةٌ في صيانة حرم رسول الله ﷺ وإظهار تكذيب من تَفَوَّهَ بشيء من ذلك.
و(قوله ﷺ لعلي: اذهب فاضرب عنقه) في هذا اللفظ إشكال، وهو: أنَّه ﷺ كيف يأمر بضرب عنق هذا الرجل ولم يكن هناك موجبٌ للقتل، وقد ظهر ذلك حين انكشف حال الرَّجل؟ ويزول هذا الإشكال: بأن هذا الحديث رواه
стр. 2800
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبو بكر البزار، فساق فيه أكمل من هذا، وأوضح، فقال فيه: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كثر على مارية في قبطي ابن عم لها كان يزورها، ويختلف إليها، فقال لي رسول الله ﷺ : (خذ هذا السيف فانطلق، فإن وجدته عندها فاقتله) قال: قلت: يا رسول الله! أكون في أمرك كالسِّكة المحماة، لا يثنيني شيء، حتى أمضي لما أمرتني، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ فقال: (بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب) (١)، وذكر الحديث بنحو ما تقدم. فهذا يدلّ على أن أمره بقتله إنَّما كان بشرط أن يجده عندها على حالة تقتضي قتله. ولما فَهِمَ عنه علي ذلك سأله، فبيَّن له بيانًا شافيًا، فزال ذلك الإشكال، والحمد لله ذي الجلال. ويحتمل أن يقال: إن ذلك خرج من النبي ﷺ مخرج التغليظ والمبالغة في الزجر على موجب الغيرة الجِبِلِّيَّة. والأول أليق وأسلم. والله بحقائق الأمور أعلم.
وفيه من الفقه: إعمال النظر، والاجتهاد، وترك الجمود على الظواهر، وأنَّه يجوز الاطلاع على العورة عند الضرورة، كتحمُّل شهادة الزنى، كما صار إليه مالك.
* * *
стр. 2801
(٢٤) كتاب الأقضية
(١) باب اليمين على المدعى عليه والقضاء باليمين والشاهد
[١٨٠٢] عَن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَو يُعطَى النَّاسُ بِدَعوَاهُم، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَموَالَهُم، وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ.
رواه أحمد (١/ ٣٤٣)، والبخاريُّ (٢٥١٤)، ومسلم (١٧١١)(١)، وأبو داود (٣٦١٩)، والنسائي (٨/ ٢٤٨)، وابن ماجه (٢٣٢١).
ــ
(٢٤) كتاب الأقضية
(١) ومن باب: اليمين على المدَّعَى عليه (١)
(قوله: لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعَى ناسٌ دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدَّعَى عليه) هذا الحديث رواه مسلم والبخاري مرفوعًا من حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس. قال الأصيلي: لا يصح رفعه، وإنَّما هو من قول ابن عباس، كذلك رواه أيوب ونافع الجمحي عن ابن أبي مليكة.
قلت: إذا صحَّ رفعه بشهادة الإمامين فلا يضرُّه من وقفه، ولا يكون ذلك
стр. 2802
[١٨٠٣] وعنه: أن رسول الله ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه.
رواه مسلم (١٧١١)(٢)، والترمذي (١٣٤٢).
ــ
تعارضًا، ولا اضطرابًا، فإن الرَّاوي قد يعرض له ما يوجب السكوت عن الرفع من نسيان، أو اكتفاء بعلم السَّامع، أو غير ذلك. والرَّافع عدلٌ، ثبتٌ، ولم يكذبه الآخر، فلا يُلتفت إلى الوقف إلا في الترجيح عند التعارض، كما بيَّنَّاه في الأصول.
وهذا الحديث أصل من أصول الأحكام، وأعظم مرجع عند التنازع والخصام، يقتضي ألا يحكم لأحد بدعواه - وإن كان فاضلًا شريفًا - بحقٍّ من الحقوق - وإن كان محتقرًا يسيرًا - حتَّى يستند المدَّعي إلى ما يقوي دعواه، وإلا فالدَّعاوي متكافئة، والأصل: براءة الذمم من الحقوق، فلا بدَّ مما يدلّ على تعلُّق الحق بالذمَّة، وتترجَّحُ به الدعوى.
و(قوله: لادَّعَى ناسٌ دماء رجال وأموالهم) استدل به بعض الناس على إبطال قول مالك في التَّدمِية. ووجه استدلاله: أنَّه ﷺ قد سوَّى بين الدماء والأموال في أنَّ المدَّعِي لا يسمع قوله فيها، فإذا لم يُسمع قول المدَّعِي في مرضه: لي عندَ فلانٍ دينارٌ أو درهم؛ كان أحرى وأولى ألا يُسمع قوله: دَمي عند فلان؛ لحرمة الدماء، ولا حجَّة لهم فيه؛ لأنَّ مالكًا ﵀ لم يسند القصاص أو الدِّية في التَّدمِية لقول المدَّعِي: دمي عند فلان؛ بل للقسامة على القتل، والتَّدمِية لوث يقوي جنبة المدَّعِين حتى يبدؤوا بالأيمان كسائر أنواع اللَّوث التي تقدم ذكرها في كتاب القسامة. وقد بيَّنَّا ذلك فيه، وعلى هذا: فنقول بموجب الحديث، فتأمَّلهُ.
و(قوله: ولكن اليمين على المدَّعَى عليه) المدَّعَى عليه: هو المطلوب منه. والمدَّعِي: هو الطالب. وإنَّما كانت اليمين على المدَّعَى عليه؛ لأنَّ الأصل براءة ذمته عمَّا طُلِبَ منه، وهو متمسّك به. لكن يمكن أن يقال: قد شغلها بما طلب منه، فيدفع ذلك الاحتمال عن نفسه باليمين إن شاء. وظاهر عموم هذا اللفظ
стр. 2803
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يقتضي: أن اليمين تتوجَّه على كل من ادُّعِي عليه؛ كانت هنالك مخالطة أو لم تكن. وهو قول أكثر الفقهاء، وابن نافع، وابن لبابة من أصحابنا. وذهب مالك وجل أصحابه: إلى أن اليمين لا تتوجَّه على المدَّعَى عليه حتى تثبت بينهما خلطة. وهو مذهب الفقهاء السبعة (١). وبه قضى علي. وإنما مال هؤلاء إلى هذا مراعاة للمصلحة، ودفعًا للمفسدة الناشئة من ذلك. وذلك: أنَّ السُّفهاء يتبذلون الأفاضل والعلماء بتكثير الأيمان عليهم مهما شاؤوا، حتى يحلف الرَّجل الجليل القدر في العلم والدين في اليوم الواحد مرارًا، ويكون ذلك الوضيع يقصد ذلك به ليتخلَّص منه بما يبذله. ويهون على أهل الدِّين والفضل بذل الجزيل من المال في مقابلة دفع هذا الامتهان والابتذال.
ثم اختلف مشايخنا في معنى الخلطة. فقيل: معرفة المعاملة والمداينة معه بشاهدٍ أو شاهدين. وقيل: أن يكون المدَّعى عليه يشبه أن يعامل المدَّعي. وقيل: يجزئ من ذلك الشبهة.
وأجمع العلماء على استحلاف المدَّعَى عليه في الأموال، واختلفوا في غير ذلك. فذهب الشافعي، وأحمد، وأبو ثور إلى وجوبها على كل مدَّعَى عليه في حدٍّ، أو طلاقٍ، أو نكاح، أو عتقٍ؛ أخذًا بظاهر عموم الحديث، فإن نَكَلَ؛ حلف المدَّعي، وثبتت دعواه. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: يحلف على النكاح، والطلاق، والعتق، وإن نَكَلَ لزمه ذلك كلُّه. وقال الثوري، والشعبي، وأبو حنيفة: لا يستحلف في الحدود، والسَّرِقة. وقال نحوه مالك. قال: ولا يستحلف في السَّرِقة إلا إذا كان متَّهمًا، ولا في الحدود، والنكاح، والطلاق، والعتق، إلا أن يقوم شاهدٌ واحد، فيستحلف المدَّعَى عليه لقوة شبهة الدَّعوى.
واختَلَف قوله إذا نَكَلَ؛
стр. 2804
[١٨٠٤] وعنه: أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد.
رواه مسلم (١٧١٢)، وأبو داود (٣٦٠٨)، والنسائي في الكبرى (٦٠١١ و ٦٠١٢)، وابن ماجه (٢٣٧٠).
* * *
ــ
هل يحكم عليه بما ادّعي عليه، أو يسجن حتى يحلف، أو حتى يطول سجنه. وفي كتاب الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: (إذا ادَّعت المرأة طلاق زوجها، فأتت على ذلك بشاهد عدلٍ؛ استحلف زوجها، فإن حلف بطلت شهادة الشاهد، وإن نَكَلَ؛ فنكوله بمنزلة شاهد آخر، وجاز طلاقه) (١). وهذا الحديث نصٌّ في الباب، لكنه يحتاج إلى قوائم وأطناب.
و(قوله: البيَّنةُ على المدَّعِي (٢)) هذا بيان حكم المدَّعِي، وإن لم يتعرض لبيان حكم المدَّعَى عليه، وهو تعيين اليمين عليه، لكنه قد بيَّن ذلك في حديث الحضرمي؛ الذي قال فيه النبي ﷺ للمدَّعِي: (شاهداك أو يمينه) (٣) وقد تقدم في الأيمان. وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : (البيِّنَة على المدَّعِي، واليمين على من أنكر؛ إلا في القسامة) (٤). وهذا الحديث وإن كان ضعيف السند - لأنه من حديث مسلم بن خالد الزنجي، ولا يحتجُّ به - فمعناه صحيح، يشهد له قوله ﷺ : (شاهداك أو يمينه)، وقول ابن عباس في الطريق الأخرى: إن رسول الله ﷺ قضى باليمين على المدَّعَى عليه.
و(قوله: إن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد) ظاهره: أنَّه ﷺ حكم في
стр. 2805
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قضية معيَّنة تُحُوكِمَ عنده فيها بيمين وشاهد. ويحتمل أن يكون ذلك عبارة عن تقعيد هذه القاعدة. فكأنه قال: أوجب رسول الله ﷺ الحكم باليمين والشاهد. ومِمَّا يشهد لهذا التأويل: ما زاده أبو داود في حديث ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قضى بشاهد ويمين في الحقوق (١). وهذا الذي يظهر من حديث أبي هريرة الذي قال فيه: قضى رسول الله ﷺ باليمين مع الشاهد (٢). فعلى الظاهر الأول من حديث مسلم لا يكون له عموم؛ لأنَّها قضيَّة في عين، وعلى زيادة أبي داود، وظاهر حديث أبي هريرة يكون له عموم. ومع ذلك فهو مخصوصٌ بالأموال وما يتعلَّق بها.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ﵀: ذلك في الأموال وما يتعلَّق بها دون حقوق الأبدان للإجماع على ذلك من كلِّ قائل باليمين مع الشاهد. قال: لأن حقوق الأموال أخفض من حقوق الأبدان، بدلالة قبول شهادة النساء فيها.
وقد اختلف قول مالك في جراح العمد. هل يجب القود فيها بالشاهد واليمين؟ فيه روايتان:
إحداهما: أنه يجب به التخيير بين القود والدِّية.
والأخرى: أنَّه لا يجب به؛ لأنَّه من حقوق الأبدان. قال: وهو الصحيح. قال مالك في الموطأ: وإنما يكون ذلك في الأموال خاصَّة. وقال الإمام أبو عبد الله: يُقبل ذلك في المال المَحض من غير خلاف، ولا يُقبل في النكاح والطلاق المحضين من غير خلاف. وإن كان مضمون الشهادة ما ليس بمال، ولكنه يُؤدي إلى المال؛ كالشهادة بالوصية، والنكاح بعد الموت، حتى لا يُطلب من ثبوتها إلا المال، إلى غير ذلك؛ ففي قبوله اختلاف. فمن راعى المال قبله، كما يُقبل في المال. ومن راعى الحال لم يقبله.