(٢٤) كتاب الأقضية
(١) باب اليمين على المدعى عليه والقضاء باليمين والشاهد
[١٨٠٢] عَن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَو يُعطَى النَّاسُ بِدَعوَاهُم، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَموَالَهُم، وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ.
رواه أحمد (١/ ٣٤٣)، والبخاريُّ (٢٥١٤)، ومسلم (١٧١١)(١)، وأبو داود (٣٦١٩)، والنسائي (٨/ ٢٤٨)، وابن ماجه (٢٣٢١).
ــ
(٢٤) كتاب الأقضية
(١) ومن باب: اليمين على المدَّعَى عليه (١)
(قوله: لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعَى ناسٌ دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدَّعَى عليه) هذا الحديث رواه مسلم والبخاري مرفوعًا من حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس. قال الأصيلي: لا يصح رفعه، وإنَّما هو من قول ابن عباس، كذلك رواه أيوب ونافع الجمحي عن ابن أبي مليكة.
قلت: إذا صحَّ رفعه بشهادة الإمامين فلا يضرُّه من وقفه، ولا يكون ذلك
стр. 2802
[١٨٠٣] وعنه: أن رسول الله ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه.
رواه مسلم (١٧١١)(٢)، والترمذي (١٣٤٢).
ــ
تعارضًا، ولا اضطرابًا، فإن الرَّاوي قد يعرض له ما يوجب السكوت عن الرفع من نسيان، أو اكتفاء بعلم السَّامع، أو غير ذلك. والرَّافع عدلٌ، ثبتٌ، ولم يكذبه الآخر، فلا يُلتفت إلى الوقف إلا في الترجيح عند التعارض، كما بيَّنَّاه في الأصول.
وهذا الحديث أصل من أصول الأحكام، وأعظم مرجع عند التنازع والخصام، يقتضي ألا يحكم لأحد بدعواه - وإن كان فاضلًا شريفًا - بحقٍّ من الحقوق - وإن كان محتقرًا يسيرًا - حتَّى يستند المدَّعي إلى ما يقوي دعواه، وإلا فالدَّعاوي متكافئة، والأصل: براءة الذمم من الحقوق، فلا بدَّ مما يدلّ على تعلُّق الحق بالذمَّة، وتترجَّحُ به الدعوى.
و(قوله: لادَّعَى ناسٌ دماء رجال وأموالهم) استدل به بعض الناس على إبطال قول مالك في التَّدمِية. ووجه استدلاله: أنَّه ﷺ قد سوَّى بين الدماء والأموال في أنَّ المدَّعِي لا يسمع قوله فيها، فإذا لم يُسمع قول المدَّعِي في مرضه: لي عندَ فلانٍ دينارٌ أو درهم؛ كان أحرى وأولى ألا يُسمع قوله: دَمي عند فلان؛ لحرمة الدماء، ولا حجَّة لهم فيه؛ لأنَّ مالكًا ﵀ لم يسند القصاص أو الدِّية في التَّدمِية لقول المدَّعِي: دمي عند فلان؛ بل للقسامة على القتل، والتَّدمِية لوث يقوي جنبة المدَّعِين حتى يبدؤوا بالأيمان كسائر أنواع اللَّوث التي تقدم ذكرها في كتاب القسامة. وقد بيَّنَّا ذلك فيه، وعلى هذا: فنقول بموجب الحديث، فتأمَّلهُ.
و(قوله: ولكن اليمين على المدَّعَى عليه) المدَّعَى عليه: هو المطلوب منه. والمدَّعِي: هو الطالب. وإنَّما كانت اليمين على المدَّعَى عليه؛ لأنَّ الأصل براءة ذمته عمَّا طُلِبَ منه، وهو متمسّك به. لكن يمكن أن يقال: قد شغلها بما طلب منه، فيدفع ذلك الاحتمال عن نفسه باليمين إن شاء. وظاهر عموم هذا اللفظ
стр. 2803
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يقتضي: أن اليمين تتوجَّه على كل من ادُّعِي عليه؛ كانت هنالك مخالطة أو لم تكن. وهو قول أكثر الفقهاء، وابن نافع، وابن لبابة من أصحابنا. وذهب مالك وجل أصحابه: إلى أن اليمين لا تتوجَّه على المدَّعَى عليه حتى تثبت بينهما خلطة. وهو مذهب الفقهاء السبعة (١). وبه قضى علي. وإنما مال هؤلاء إلى هذا مراعاة للمصلحة، ودفعًا للمفسدة الناشئة من ذلك. وذلك: أنَّ السُّفهاء يتبذلون الأفاضل والعلماء بتكثير الأيمان عليهم مهما شاؤوا، حتى يحلف الرَّجل الجليل القدر في العلم والدين في اليوم الواحد مرارًا، ويكون ذلك الوضيع يقصد ذلك به ليتخلَّص منه بما يبذله. ويهون على أهل الدِّين والفضل بذل الجزيل من المال في مقابلة دفع هذا الامتهان والابتذال.
ثم اختلف مشايخنا في معنى الخلطة. فقيل: معرفة المعاملة والمداينة معه بشاهدٍ أو شاهدين. وقيل: أن يكون المدَّعى عليه يشبه أن يعامل المدَّعي. وقيل: يجزئ من ذلك الشبهة.
وأجمع العلماء على استحلاف المدَّعَى عليه في الأموال، واختلفوا في غير ذلك. فذهب الشافعي، وأحمد، وأبو ثور إلى وجوبها على كل مدَّعَى عليه في حدٍّ، أو طلاقٍ، أو نكاح، أو عتقٍ؛ أخذًا بظاهر عموم الحديث، فإن نَكَلَ؛ حلف المدَّعي، وثبتت دعواه. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: يحلف على النكاح، والطلاق، والعتق، وإن نَكَلَ لزمه ذلك كلُّه. وقال الثوري، والشعبي، وأبو حنيفة: لا يستحلف في الحدود، والسَّرِقة. وقال نحوه مالك. قال: ولا يستحلف في السَّرِقة إلا إذا كان متَّهمًا، ولا في الحدود، والنكاح، والطلاق، والعتق، إلا أن يقوم شاهدٌ واحد، فيستحلف المدَّعَى عليه لقوة شبهة الدَّعوى.
واختَلَف قوله إذا نَكَلَ؛
стр. 2804
[١٨٠٤] وعنه: أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد.
رواه مسلم (١٧١٢)، وأبو داود (٣٦٠٨)، والنسائي في الكبرى (٦٠١١ و ٦٠١٢)، وابن ماجه (٢٣٧٠).
* * *
ــ
هل يحكم عليه بما ادّعي عليه، أو يسجن حتى يحلف، أو حتى يطول سجنه. وفي كتاب الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: (إذا ادَّعت المرأة طلاق زوجها، فأتت على ذلك بشاهد عدلٍ؛ استحلف زوجها، فإن حلف بطلت شهادة الشاهد، وإن نَكَلَ؛ فنكوله بمنزلة شاهد آخر، وجاز طلاقه) (١). وهذا الحديث نصٌّ في الباب، لكنه يحتاج إلى قوائم وأطناب.
و(قوله: البيَّنةُ على المدَّعِي (٢)) هذا بيان حكم المدَّعِي، وإن لم يتعرض لبيان حكم المدَّعَى عليه، وهو تعيين اليمين عليه، لكنه قد بيَّن ذلك في حديث الحضرمي؛ الذي قال فيه النبي ﷺ للمدَّعِي: (شاهداك أو يمينه) (٣) وقد تقدم في الأيمان. وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : (البيِّنَة على المدَّعِي، واليمين على من أنكر؛ إلا في القسامة) (٤). وهذا الحديث وإن كان ضعيف السند - لأنه من حديث مسلم بن خالد الزنجي، ولا يحتجُّ به - فمعناه صحيح، يشهد له قوله ﷺ : (شاهداك أو يمينه)، وقول ابن عباس في الطريق الأخرى: إن رسول الله ﷺ قضى باليمين على المدَّعَى عليه.
و(قوله: إن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد) ظاهره: أنَّه ﷺ حكم في
стр. 2805
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قضية معيَّنة تُحُوكِمَ عنده فيها بيمين وشاهد. ويحتمل أن يكون ذلك عبارة عن تقعيد هذه القاعدة. فكأنه قال: أوجب رسول الله ﷺ الحكم باليمين والشاهد. ومِمَّا يشهد لهذا التأويل: ما زاده أبو داود في حديث ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قضى بشاهد ويمين في الحقوق (١). وهذا الذي يظهر من حديث أبي هريرة الذي قال فيه: قضى رسول الله ﷺ باليمين مع الشاهد (٢). فعلى الظاهر الأول من حديث مسلم لا يكون له عموم؛ لأنَّها قضيَّة في عين، وعلى زيادة أبي داود، وظاهر حديث أبي هريرة يكون له عموم. ومع ذلك فهو مخصوصٌ بالأموال وما يتعلَّق بها.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ﵀: ذلك في الأموال وما يتعلَّق بها دون حقوق الأبدان للإجماع على ذلك من كلِّ قائل باليمين مع الشاهد. قال: لأن حقوق الأموال أخفض من حقوق الأبدان، بدلالة قبول شهادة النساء فيها.
وقد اختلف قول مالك في جراح العمد. هل يجب القود فيها بالشاهد واليمين؟ فيه روايتان:
إحداهما: أنه يجب به التخيير بين القود والدِّية.
والأخرى: أنَّه لا يجب به؛ لأنَّه من حقوق الأبدان. قال: وهو الصحيح. قال مالك في الموطأ: وإنما يكون ذلك في الأموال خاصَّة. وقال الإمام أبو عبد الله: يُقبل ذلك في المال المَحض من غير خلاف، ولا يُقبل في النكاح والطلاق المحضين من غير خلاف. وإن كان مضمون الشهادة ما ليس بمال، ولكنه يُؤدي إلى المال؛ كالشهادة بالوصية، والنكاح بعد الموت، حتى لا يُطلب من ثبوتها إلا المال، إلى غير ذلك؛ ففي قبوله اختلاف. فمن راعى المال قبله، كما يُقبل في المال. ومن راعى الحال لم يقبله.
стр. 2806
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قلت: والعذر لمالك عن خروجه عن ذلك الأصل المجمع عليه فيما كان المقصود فيه المال فقط واضح. وأمَّا الجراح العمد فليست بمال، ولا تؤدي إليه، وإنما يدخل المال فيها برضا المجروح. ثم يلزمه عليه أن يعمل بالشاهد واليمين في قتل النفس العمد؛ لأنَّه قد يرضى بها الأولياء ولا قائل به، ولا يلتفت لتفريق من فرَّق من أصحابنا بين الجراح والنفس، بأن من جنس الجراح ما لا يكون فيه إلا المال؛ لأنَّا كذلك نقول في القتل، فإن من جنسه ما لا يكون فيه إلا المال، وهو قتل الخطأ. فالصحيح من هذا: أنَّه لا يحكم بالشاهد واليمين في الجراح بوجه.
ثمَّ: أحاديث هذا الباب كلها حجَّة للجمهور على الكوفيين، والأوزاعي، والنَّخعي، وابن أبي ليلى، والزهري، والليث، والحكم، والشعبي، حيث نَفَوا الحكم بالشاهد واليمين، ونقضوا حكم من حكم به، وبدَّعوه، وقال الحكم: الشاهد واليمين بدعة، وأول من حكم به معاوية.
قلت: يا للعجب! ولضيعة العلم والأدب! كيف ردَّ هؤلاء القوم هذه الأحاديث مع صحتها، وشهرتها؟ ! وكيف اجترؤوا على تبديع من عمل بها حتى نقضوا حكمه، واستقصروا علمه، مع أنَّه قد عمل بذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم: أبو بكر، وعمر، وعلي، وأبي بن كعب، ومعاوية، وشريح، وعمر بن عبد العزيز، - وكتب به إلى عمَّاله -، وإياس بن معاوية، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو الزناد، وربيعة. ولذلك قال مالك: وإنَّه ليكفي من ذلك ما مضى من السُّنة. أترى هؤلاء تنقض أحكامهم، ويحكم ببدعتهم؟ !
قالوا: والذي حمل هؤلاء المانعين على هذا اللجاج ما اغترُّوا به من واهن الحِجَاج، وذلك: أنَّهم وقع لهم: أن الحكم باليمين مع الشاهد زيادة على نصِّ (١)
стр. 2807
(٢) باب حكم الحاكم في الظاهر لا يغير حكم الباطن والحكم على الغائب
[١٨٠٥] عَن أُمِّ سَلَمَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّكُم
ــ
قوله تعالى: ﴿وَاستَشهِدُوا شَهِيدَينِ مِن رِجَالِكُم فَإِن لَم يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامرَأَتَانِ﴾ ووجه تمسُّكهم: أنها حاصرة للوجوه التي يستحق بها المال نصٌّ في ذلك، والزيادة على ذلك نسخ. ونسخ القاطع بخبر الواحد لا يجوز إجماعًا، والقضاء بالشاهد واليمين إنَّما جاء بخبر الواحد فلا يُقبل.
والجواب: منع كون الزيادة على النصِّ نسخًا؛ إذ الجمع بين النصّ والزيادة يصحّ، وليس ذلك نسخًا لحكم شرعي، كما بيَّنَّاه في الأصول. سلَّمناه، لكن لا نُسلِّم: أن الآية نصٌّ في حصر ذلك؛ لأنَّ ذلك يبطل بنكول المطلوب، ويمين الطالب، فإن ذلك يستحق به المال إجماعًا. وهذا معنى ما أشار إليه مالك في الموطأ، وهو واضح. ثمَّ نقول بموجب الآية؛ إذ نصُّها الأمر بمن يستشهد في المعاملات، لا ما يُقضى به عند الدَّعاوي والخصومات.
(٢) ومن باب: حكم الحاكم في الظاهر لا يغير حكم الباطن
(قوله ﷺ : إنَّما أنا بشرٌ) تنبيه على: أن أصل البشرية عدم العلم بالغيب، وبما يخفى من البواطن؛ إلا من أطلعه الله تعالى على شيء من ذلك، وعلى جواز الغلط والسَّهو عليهم؛ إلا من عصمه الله من ذلك. وقد كان الله تعالى قادرًا أن يُطلع نبيَّه ﷺ على بواطن كل من يتخاصم إليه، فيحكم بخفي ذلك ويخبر به، كما اتفق له في مواضع، كقصة كتاب حاطب بن أبي بلتعة، وحديث فضالة بن
стр. 2808
تَختَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعضَكُم أَن يَكُونَ أَلحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعضٍ،
ــ
عمير (١)، وذلك: أنه أراد قتل النبي ﷺ وهو يطوف بالبيت. قال: فلما دنوت منه قال: (أفضالة؟ ) قلت: نعم. قال: (ما كنت تحدث به نفسك؟ ) قلت: لا شيء، فضحك، وأخبرني بذلك، واستغفر لي، ووضع يده على صدري، فسكن قلبي (٢). وغير ذلك من الوقائع التي أخبر بها، فوجدت كما أخبر. وكما قد اتفق ذلك للخضر في قصة السفينة، والغلام، والجدار، لكن إنَّما كان ذلك للأنبياء من جملة كراماتهم، ومعجزاتهم. ولم يجعل الله ذلك طريقًا عامًّا، ولا قاعدة كليَّة، لا لهم، ولا لغيرهم؛ لاستمرار العادة بأن ذلك لا يقع من غير الأنبياء، ولأنَّ وقوع ذلك من الأنبياء نادرٌ. وتلك سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلًا. وقد شاهدت بعض الممخرقين، وسمعنا منهم: أنهم يعرضون عن القواعد الشرعية، ويحكمون بالخواطر القلبية؛ ويقول: الشاهد المتصل بي أعدل من الشاهد المنفصل عني. وهذه مَخرَقةٌ أبرزتها زندقة، يقتل صاحبها، ولا يستتاب من غير شكٍّ ولا ارتياب.
وهذا خير البشر ﷺ يقول في مثل هذا الموطن: (إنَّما أنا بشرٌ) معترفًا بالقصور عن إدراك المغيبات، وعاملًا بما نصبه الله تعالى له من اعتبار الأيمان والبينات.
و(قوله: يأتيني الخصم) أي: الخصوم. فهو - هاهنا - للجنس. ويقال للواحد، والاثنين، والجمع، والمذكَّر، والمؤنث بلفظ واحد: خصم. كما قال تعالى: ﴿وَهَل أَتَاكَ نَبَأُ الخَصمِ﴾؛ أي: الخصوم، فإنَّه قال بعد ذلك: ﴿إِذ تَسَوَّرُوا المِحرَابَ﴾.
و(قوله: ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجَّته من بعض) أي: أفصح
стр. 2809
فَأَقضِيَ لَهُ عَلَى نَحو ما أَسمَعُ مِنهُ،
ــ
وأفطن. قال أبو زيد: لَحَنتُ له - بالفتح - أَلحَنُ لَحنًا: إذا قلت له قولًا يفهمه عنك، ويخفى على غيره. ولَحِنَهُ هو عَنِّي - بالكسر- يَلحَنهُ لَحنًا؛ أي: فَهِمَهُ. وأَلحَنتُه أنا إيَّاه، ولاحَنتُ النَّاس؛ أي: خاطبتهم (١). كما قال الشاعر (٢):
ولقد لحنت (٣) إليكم كي تفهموا ... ولحنت لحنًا ليس بالمرتاب
وقال غير أبي زيد: اللَّحن - بالتحريك -: الفِطنَة. وقد لَحِنَ -بالكسر- قاله الجوهري.
قلت: وعلى هذا: يقال فيه بمعنى الفطنة: بفتح الماضي وكسره، وفي المصدر: بفتح الحاء وإسكانها.
ويقال: اللَّحن، على الخطأ في القول، وعلى تلحين الشعر، وعلى القصد إلى الشيء، والإشارة إليه.
قلت: وقد جاء هذا اللفظ مفسَّرًا في الرواية الأخرى، فقال: (فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض) أي: أكثر بلاغة، وإيضاحًا لحجَّته.
و(قوله: فأقضي له على نحو ما أسمع منه)، يتمسَّك به من قال: إن الحاكم لا يحكم بعلمه في شيء من الأشياء [إلا بما يعلمه في مجلس حكمه] (٤). ووجه تمسُّكه: أن كلامه ﷺ يفضي إلى أنَّه لا يحكم إلا بما سمع في حال حكمه. وقد رُوي هذا الحرف: (إنما أحكم بما أسمع)، و (إنما) للحصر. فكأنه قال: لا أحكم إلا بما أسمع.
стр. 2810
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد اختلف في هذا. فقال مالك في المشهور عنه: إن الحاكم لا يحكم بعلمه في شيء. وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، والشعبي، وروي عن شريح، وذهبت طائفة: إلى أنَّه يقضي في كل شيء من الأموال والحدود وغير ذلك مطلقًا. وبه قال أبو ثور ومن تبعه، وهو أحد قولي الشافعي. وذهبت طوائف إلى التفريق. فقالت طائفة: يقضي بما سمعه في مجلس قضائه خاصة، لا قبله، ولا في غيره؛ إذا لم تحضر مجلسه بيِّنة، وفي الأموال خاصة. وبه قال الأوزاعي، وجماعة من أصحاب مالك، وحكوه عنه. وقالت طائفة: يحكم بما سمعه في مجلس قضائه، وفي غيره، لا قبل قضائه، ولا في غير مِصرِه في الأموال خاصة، وبه قال أبو حنيفة. وقالت طائفة: إنَّه يقضي بعلمه في الأموال خاصة، سواء سمع ذلك في مجلس قضائه وفي غيره، قبل ولايته أو بعدها. وبه قال أبو يوسف، ومحمد. وهو أحد قولي الشافعي. وذهب بعض أصحابنا: إلى أنَّه يقضي بعلمه في الأموال، والقذف خاصة، ولم يشترط مجلس القضاء. واتفقوا: على أنَّه يحكم بعلمه في الجرح والتعديل؛ لأنَّ ذلك ضروري في حقِّه.
والصحيح: الأول؛ لقوله ﷺ في حديث هلال بن أمية، لَمَّا لاعن زوجته: (أبصروه؛ فإن جاءت به - يعني: الولد - على نعت كذا؛ فهو لهلال، وإن جاءت به على نعت كذا؛ فهو لشريك). فجاءت به على النعت المكروه. وقال: (لو كنت راجمًا بغير بيِّنة لرجمت هذه) (١)، فلم يحكم بعلمه، لعدم قيام البينة. وعند المخالف: يجب أن يرجمها إذا علم ذلك. قاله عبد الوهاب. فهذا ظاهرٌ قوي في الحدود. وأمَّا في غيرها فيدلّ عليه حديث خزيمة، حيث اشترى النبي ﷺ من أعرابي بعيرًا، فمشى معه ليعطيه ثمنه، فعرض للأعرابي من زاده في الثمن، فأراد
стр. 2811
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أن يبيعه، فقال له رسول الله ﷺ : (قد بعته مني)، فأنكر الأعرابي وقال: من يشهد لك؟ فاستدعى النبي ﷺ من يشهد، فشهد خزيمة (١). فهذا النبي ﷺ لم يحكم بعلمه حتى قامت الشهادة. ولا ينفصل عن هذا بأن النبي ﷺ فعل ذلك لأن الحق كان له، ولا يشهد أحدٌ لنفسه، ولا يحكم لها، ولأنَّه لا يُعطَى أحد بدعواه، ولأنه قصد قطع حجَّة الأعرابي لما طلب منه الشهادة؛ لأنَّا نقول: إنَّما اعتبر ذلك كلَّه في حق غير النبي ﷺ لإمكان ادِّعاء الباطل والكذب، وإرادة أخذ مال الغير، ودفعه عن حقِّه. وكل ذلك معدومٌ في حق النبي ﷺ قطعًا. ولذلك قال ﷺ للمنافقين: (أَيَأمَنُنِي الله تعالى على خزائنه ولا تأمنوني، والله! إني لأمين من في السماء) (٢).
وأمَّا قوله: إنما فعله لقطع حجَّة الخصم. فإنَّه باطل؛ إذ لا حجَّة له، ولا لغيره، على خلاف ما قاله النبي ﷺ . فإن هذا الأعرابي إن كان مسلمًا؛ فقد علم صدق النبي ﷺ . وإن كان كافرًا؛ فلا مبالاة بقوله؛ إذ قد قام دليل على صدقه، وعلمه العقلاء، كما لم يُبال بقول من كذَّبه من الكُفَّار، ولا بقول الذي اتهمه في القسمة؛ حيث قال: يا محمد! اعدل، فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله (٣).
ومن أوضح ما يدلّ على المطلوب، وأصحُّهُ حديث أبي جهم؛ حيث بعثه رسول الله ﷺ مصدِّقًا، فلاحاه رجلان، فشجَّهما، فأتيا النبي ﷺ يطلبان القصاص، فبذل لهما مالًا، فرضيا به، فقال: (إني أخطُبُ الناس، وأذكُرُ لهم ذلك، أفرضيتما؟ ) قالا: نعم. فخطب الناس ثم قال: (أرضيتما؟ ) قالا: لا. فهمَّ بهما المهاجرون والأنصار، فمنعهم النبي ﷺ ، ثمَّ نزل فزادهما، فرضيا، ثم صعد
стр. 2812
فَمَن قَطَعتُ لَهُ مِن حَقِّ أَخِيهِ شَيئًا، فَلَا يَأخُذهُ، فَإِنَّمَا أَقطَعُ لَهُ بِهِ قِطعَةً مِن النَّارِ.
ــ
المنبر فقال: (أرضيتما؟ ) قالا: نعم (١).
وموضع الحجَّة: أنَّه لم يحكم عليهما بعلمه لما جحدا. وهو المطلوب. ذكره أبو داود من حديث عائشة. وهو صحيح. وذكر: [أن المشجوج إنَّما كان رجلًا واحدًا، وقد ذكر] (٢) غيره: أنهما كانا اثنين. وحاصل هذا: أن النبي ﷺ لم يحكم بعلمه تعليمًا لأمته (٣)، وسعيًا في سدِّ باب التُّهم، والظنون. والله تعالى أعلم.
و(قوله في الرواية الأخرى: فأحسب (٤) أنَّه صادق) دليل على العمل بالظنون وبناء الأحكام عليها. وهو أمرٌ لم يختلف فيه في حق الحاكم والمفتي.
و(قوله: فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه) نصٌّ في أن حكم الحاكم على الظاهر لا يغيِّر حكم الباطن. وسواء كان ذلك في الدِّماء، والأموال، والفروج. وهو قول الكافة، إلا ما حكي عن أبي حنيفة من أن حكم الحاكم يغير حكم الباطن في الفروج خاصة. وزعم أنه لو شهد شاهدا زور على رجل بطلاق زوجته، وحكم الحاكم بشهادتهما، فإن فرجها يحل لمتزوجها ممن يعلم: أن القضيِّة باطل، وقد شنع عليه بإعراضه عن هذا الحديث الصحيح الصريح، وبأنه صان الأموال، ولم ير استباحتها بالأحكام الفاسدة في الباطن، ولم يصن الفروج عن ذلك. والفروج أحق أن يحتاط لها وتصان.
و(قوله: فإنَّما أقطع له قطعة من النار) أي: ما يأخذه بغير حقه سببٌ يوصل آخذه إلى النَّار. وهو تمثيل يفهم منه شدة العذاب والتنكيل.
стр. 2813
وفي رواية: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّما يَأتِينِي الخَصمُ، فَلَعَلَّ بَعضَكم أَن يَكُونَ أَبلَغَ مِن بَعضٍ، فَأَحسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَأَقضِي لَهُ، فَمَن قَضَيتُ لَهُ بِحَقِّ مُسلِمٍ، فَإِنَّمَا هِيَ قِطعَةٌ مِن النَّارِ، فَليَحمِلهَا أَو يَذَرهَا.
رواه البخاريُّ (٢٤٥٨)، ومسلم (١٧١٣) (٤ و ٥)، وأبو داود (٣٥٨٣)، والترمذيُّ (١٣٣٩)، والنسائي (٨/ ٢٣٣).
[١٨٠٦] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: جَاءَت هِندٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ! ومَا كَانَ عَلَى ظَهرِ الأَرضِ أَهلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَن يُذِلَّهُم اللَّهُ مِن أَهلِ خِبَائِكَ، وَمَا عَلَى ظَهرِ الأَرضِ أَهلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِن أَن يُعِزَّهُم اللَّهُ مِن أَهلِ خِبَائِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَأَيضًا، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ. ثُمَّ قَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبَا سُفيَانَ رَجُلٌ مُمسِكٌ - وفي أخرى: مسيك - فَهَل عَلَيَّ حَرَجٌ أَن أُنفِقَ عَلَى عِيَالِهِ مِن مَالِهِ بِغَيرِ إِذنِهِ؟ فَقَالَ
ــ
و(قوله: فليحملها أو يذرها) لفظه: لفظ الأمر، ومعناه: التهديد، والوعيد.
و(قول هند: يا رسول الله! والله ما كان على ظهر الأرض أهل خباءٍ) أي: أهل بيت، كما قد جاء مفسَّرًا في بعض طرقه، وسُمِّي البيت: خباءً؛ لأنَّه يخبَّأ ما فيه. والخباء في الأصل: مصدر. تقول: خبأتُ الشيء خَبئا، وخِبَاءً. ووصف هند في هذا الحديث حالها في الكفر، وما كانت عليه من بغض رسول الله ﷺ وبغض أهل بيته، وما آلت إليه حالها لما أسلمت، تذكر لنعمة الله عليها بما أنقذها الله منه، وبما أوصلها إليه، وتعظيم لحرمة رسول الله ﷺ ولتنبسط فيما تريد أن تسأل عنه، ولتزول آلام القلوب لما كان منها يوم أحد في شأن حمزة وغير ذلك.
و(قولها: إن أبا سفيان رجل ممسك)، وفي أخرى: (مسيك). وكلاهما بمعنى: شحيح، كما جاء في الرواية الأخرى. ولم ترد: أنه شحيح مطلقًا، فتذمُّه
стр. 2814
النَّبِيُّ ﷺ : لَا حَرَجَ عَلَيكِ أَن تُنفِقِي عَلَيهِم بِالمَعرُوفِ.
وفي رواية: فَقَالَت: إِنَّ أَبَا سُفيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، ولَا يُعطِينِي مِن النَّفَقَةِ مَا يَكفِينِي وَيَكفِي بَنِيَّ، إِلَّا مَا أَخَذتُ مِن مَالِهِ بِغَيرِ عِلمِهِ، فَهَل عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِن جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خُذِي مِن مَالِهِ بِالمَعرُوفِ مَا يَكفِيكِ وَيَكفِي بَنِيكِ.
رواه أحمد (٦/ ٣٩)، والبخاريُّ (٢٢١١)، ومسلم (١٧١٤) (٧ و ٨)، وأبو داود (٣٥٣٢)، والنسائي (٨/ ٢٤٦)، وابن ماجه (٢٢٩٣).
* * *
ــ
بذلك؛ وإنما وصفت حاله معها، فإنَّه كان يقتر عليها، وعلى أولادها، كما قالت: (لا يعطيني وبني ما يكفيني)، وهذا لا يدلّ على البخل مطلقًا، فقد يفعل الإنسان مع أهل بيته، لأنه يرى غيرهم أحوج، وأولى، ليعطي غيرهم. فعلى هذا: فلا يجوز أن يُستدل بهذا الحديث على أن أبا سفيان كان بخيلًا، فإنه لم يكن معروفًا بهذا.
و(مسيك): يروى بفتح الميم، وكسر الشين، وتخفيفها. وبكسر الميم، وتشديد السين مكسورة. وكلاهما للمبالغة. الأول: كعليم، وكبير. والثاني: كسكِّير، وخِمِّير.
و(قوله ﷺ لهندٍ: وأيضًا؛ والذي نفسي بيده) أي: سيتمكَّن الإيمان من قلبك، ويزيد حبُّك لله ولرسوله، ويقوى رجوعك عن بغضه. وأصل (أيضًا): أنه مصدر: آضَ إلى (١) كذا، يَئِيضُ، أيضًا، أي: رجع رجوعًا.
و(قوله: خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك، ويكفي بنيك)، هذا الأمر على جهة الإباحة؛ بدليل قوله في الرواية الأخرى: (لا جناح عليك أن تنفقي
стр. 2815
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليهم بالمعروف). ويعني بالمعروف: القدر الذي عرف بالعادة أنه كفاية، وهذه الإباحة وإن كانت مطلقة لفظًا فهي مقيدة معنى، فكأنه قال: إن صحَّ أو ثبت ما ذكرت فخذي.
وفي هذا الحديث أبواب من الفقه:
فمنها: وجوب نفقة الزوجة والأولاد على أبيهم، وإن لأمهم طلب ذلك عند الحاكم، وسماع الدعوى على الغائب، والحكم عليه، وإن كان قريب الغَيبَة؛ إذا دعت حاجة الوقت إلى ذلك. وهو قول الجمهور. وقال الكوفيون: لا يقضى عليه بشيء.
وفيه دليل: على أن النفقة ليست مقدَّرة بمقدار مخصوص؛ وإنما ذلك بحسب الكفاية المعتادة، خلافًا لمن ذهب: إلى أنَّها مقدَّرة.
وفيه دليل: على اعتبار العرف في الأحكام الشرعية خلافًا للشافعية وغيرهم من المنكرين له لفظًا، الآخذين به عملًا.
وقد استنبط البخاري منه: جواز حكم الحاكم بعلمه فيما اشتهر وعرف. فقال: باب حكم الحاكم بعلمه إذا لم يخف الظنون والتُّهم، وكان أمرًا مشهورًا، وقد تقدم.
وفيه دليل: على أن من تعذر عليه أخذ حقّه من غريمه، ووصل من مال الغريم إلى شيء؛ كان له أخذه بأي وجه توصل إليه. واختلف فيما إذا ائتمنه الغريم على مال، فهل يأخذ منه حقَّه أم لا؟ على قولين. حكاهما الداودي عن مالك. ومشهور مذهبه المنع. وبه قال أبو حنيفة تمسُّكًا بقوله ﷺ : (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) (١)، وإلى الإجازة ذهب الشافعي، وابن المنذر،
стр. 2816
(٣) باب الاعتصام بحبل الله وأن الحاكم المجتهد له أجران في الإصابة وأجر في الخطأ
[١٨٠٧] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ يَرضَى لَكُم ثَلَاثًا، وَيَكرَهُ لَكُم ثَلَاثًا: فَيَرضَى لَكُم أَن تَعبُدُوهُ وَلَا تُشرِكُوا بِهِ شَيئًا،
ــ
بناءً على أن ذلك ليس بخيانة، وإنَّما هو وصول إلى حقٍ.
وفيه دليل: على أن المرأة لا يجوز لها أن تأخذ من مال زوجها شيئًا بغير إذنه، قَلَّ ذلك، أو كَثُرَ. وهذا لا يختلف فيه. ألا ترى: أنَّه ﷺ قال لهند في الرواية الأخرى - لما قالت له: فهل علي جناحٌ أن أطعم من الذي له عيالنا؟ - قال: (لا)، ثم استثنى فقال: (إلا بالمعروف) (١). فمنعها من أن تأخذ من ماله شيئًا إلا القدر الذي يجب لها.
(٣) ومن باب: الاعتصام بحبل الله
(قوله: إن الله يرضى لكم ثلاثًا) أي: شرع هذه الثلاثة، وأمر بها، وجعلها سببًا لكل ما عنده من الكرامة في الدنيا والآخرة.
و(قوله: ويكره لكم ثلاثًا)، وفي الرواية الأخرى: (سخط) أي: نهى عنها وحرَّمها، وجعلها سبب إهانته، وعقوبته في الدنيا والآخرة. وهذا كما قاله تعالى: ﴿وَلا يَرضَى لِعِبَادِهِ الكُفرَ وَإِن تَشكُرُوا يَرضَهُ لَكُم﴾ هذا أولى ما قيل فيه. وقد تقدم القول على الرضا والسَّخط، وعلى العبادة والشرك في الإيمان (٢).
стр. 2817
وَأَن تَعتَصِمُوا بِحَبلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَيَكرَهُ لَكُم: قِيلَ وَقَالَ،
ــ
و(قوله: وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا) الاعتصام بالشيء: التمسُّك به، والتحرز بسببه من الآفات. وأصل العصمة: المنع. تقول العرب: عصم فلانًا الطعام؛ أي: منعه من الجوع، وكنُّوا السَّويق بأبي عاصم لذلك، فالمعتصم بالشيء يمتنع به من أسباب الهلاك والشدائد.
و(حبل الله) هنا: شَرعُهُ الذي شَرَعَهُ، ودينه الذي ارتضاه. قال قتادة: هو القرآن. وهو بمعنى القول الأول. والحبل ينصرف على وجوه:
منها: العهد والوصل، وما يُنجَى به من المخاوف. ومنها: الأمان. وكلُّها متقاربة المعنى؛ لأنَّ الحبل في الأصل: واحد الحبال التي تُربَط بها الآلات، وتجمع بها المتفرقات، ثمَّ استعير لكل ما يعول عليه، ويتمسك به، ثمَّ كثر استعماله في العهد ونحوه. ومعنى هذا: أن الله تعالى أوجب علينا التمسُّك بكتابه، وسُنَّة نبيه ﷺ ، والرجوع إليهما عند الاختلاف.
و(قوله: ولا تفرَّقوا) أي: اجتمعوا على الاعتصام بالكتاب والسُّنة اعتقادًا، وعملًا، فتتفق كلمتكم، وينتظم شتاتكم، فتَتمّ لكم مصالح الدنيا والدِّين، وتسلموا من الاختلاف والافتراق الذي حصل لأهل الكتابين.
وفيه دليلٌ: على صحة الإجماع كما بيَّنَّاه في أصول الفقه.
و(قوله: وكره لكم: قيل وقال) كلاهما مبني على الفتح، فِعل ماضٍ. هكذا الرواية التي لا يُعرف غيرها. ومعناه: أن الله تعالى حرَّم الخوض في الباطل، وفيما لا يعني من الأقوال، وحكايات أحوال الناس التي لا يسلم فاعلها من الغيبة، والنميمة، والبهتان، والكذب. و (من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كانت النار أولى به) (١).
стр. 2818
وَكَثرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ المَالِ.
ــ
قال القاضي عياض: (قيل) منصوبة، فعل ما لم يسم فاعله. و (قال): فعل ماض أيضًا. ويصحُّ أن يكونا اسمين، ويكونا مخفوضين (١). يعني: على رواية من رواه: (نهى عن قيل وقال) (٢).
ثم قال بعد هذا: والقيل، والقال، والقول: كلُّه بمعنى، وكذلك القالة. وهذا كلُّه صحيحٌ؛ فإن مصدر (قال) يقال فيه ذلك كلُّه.
و(قوله: وكثرة السؤال) يحتمل أوجهًا:
أحدها: أن يريد به كثرة سؤال الناس الأموال، والحوائج إلحاحًا، واستكثارًا.
وثانيها: أن يكثر من المسائل الفقهية تنطُّعًا وتكلُّفًا فيما لم ينزل. وقد كان السَّلف يكرهون ذلك، ويرونه من التكلُّف. وقال مالك في هذا الحديث: لا أدري أهو ما أنهاكم عنه من كثرة المسائل، فقد كره رسول الله ﷺ المسائل وعابها، أو هو: مسألة الناس أموالهم.
وثالثها: أن يكثر من السؤال عمَّا لا يعنيه من أحوال النَّاس، بحيث يُؤدِي ذلك إلى كشف عوراتهم، والاطلاع على مساوئهم.
قلت: والوجه: حمل الحديث على عمومه، فيتناول جميع تلك الوجوه كلِّها.
(وإضاعة المال): إتلافه وإهلاكه، كما قد حكي عن بعض جُهَّال المتزهدة:
стр. 2819
وفي رواية: ويسخط لكم ثلاثا، بدل: يكره.
رواه أحمد (٢/ ٣٢٧)، ومسلم (١٧١٥) (١٠ و ١١).
[١٨٠٨] وعَن المُغِيرَةِ بنِ شُعبَةَ، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيكُم عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأدَ البَنَاتِ،
ــ
أنَّه رمى مالًا كان عنده. وحرَّق آخر منهم كتب علم الحديث كانت عنده. وربما أمر بهذا بعض الشيوخ الجُهَّال. وهذا محرَّم بإجماع الفقهاء. ويلحق بإتلاف عينه منع صرفه في وجوهه من مصالح دنياه ودينه، كما يفعله أهل البُّخل، ودناءة الهمم؛ يدَّخرون المال، ويكثرونه، ولا ينفعون نفوسهم بإنفاق شيء منه، ولا يصونون به وجوههم، ولا أديانهم. فهذا الصنف هو المحروم الخاسر؛ الذي قال فيه الشاعر:
رزقت مالًا ولم ترزق منافعه ... إنَّ الشقي هو المحروم ما رُزِقا
وأشدُّ من هذا كلِّه قبحًا وإثمًا من يتلف ماله في معاصي الله تعالى، فيستعين بمال الله على معاصيه، ويخرجه في شهواته المحرمة، ولا يباليه، ويدخل في عموم النهي عن إضاعة المال القليل منه والكثير، لأن المال هنا: هو كلُّ ما يُتَمَوَّل؛ أي: يُتَملَّك؛ حتى لو رمى بثمن درهم في البحر مثلًا لكان ذلك محرمًا. وكذلك لو منعه من صرفه في وجهه الواجب، وكذلك لو أنفقه في معصية الله. ولا خلاف في هذا إن شاء الله.
و(قوله: وحرَّم عليكم عقوق الأمهات) العقوق: مصدر عق، يعق، عقوقًا؛ أي: قطع وشقَّ. فكأنَّ العاقَّ لوالديه يقطع ما أمره الله تعالى به من صلتهما، ويشق عصا طاعتهما. ولا خلاف في أن عقوقهما من أكبر الكبائر. وخصَّ الأمهات هنا بالذِّكر لتأكيد حرمتهن على الآباء؛ لأنَّ الأم لها ثلاثة أرباع البرِّ، كما قد بيَّنَّا وجه ذلك في الأيمان.
و(وأد البنات): هو دفنهن أحياء، كما
стр. 2820
وَمَنعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُم ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ.
وفي رواية: ولا وهات، مكان: منعا.
رواه أحمد (٤/ ٢٤٦)، والبخاري (٢٤٠٨)، ومسلم (٥٩٣) في الأقضية، (١٢ و ١٤).
[١٨٠٩] وعَن عَمرِو بنِ العَاصِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجتَهَدَ ثُمَّ أَخطَأَ فَلَهُ أَجرٌ.
رواه أحمد (٤/ ١٩٨)، والبخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦)، وأبو داود (٣٥٧٤)، وابن ماجه (٢٣١٤).
* * *
ــ
كانت الجاهلية تفعل بهن. وقد بيَّنَّا ذلك فيما تقدم.
و(قوله: ومنعًا وهات)، وفي الرواية الأخرى: (ولا وهات) ومعناهما واحد، وهو أن يمنع ما يجب عليه بذله، ويطلب شيئًا يحرم عليه طلبه. هذا إن حملنا (كره) على معنى: (حرَّم)، كما قد بيَّنَّاه، حيث فَسَّر (كره): بمعنى: (سخط). وعدل عن لفظ هذا الحديث عن لفظ (حرَّم) الذي ذكره قبل هذا اللفظ؛ لأنَّ تلك الأمور التي قرن بها لفظ (حرم) أفحش وأكبر من هذه الأمور التي قرن بها لفظ (كره). وقد قيل: إن الكراهة هنا من باب التنزيه. وفيه بُعدٌ لما بيَّنَّاه في إضاعة المال.
و(قوله ﷺ : إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) كذا وقع هذا اللفظ في كتاب مسلم: (إذا حكم فاجتهد).
стр. 2821
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فبدأ بالحكم قبل الاجتهاد، والأمر بالعكس، فإنَّ الاجتهاد مقدَّمٌ على الحكم؛ إذ لا يجوز الحكم قبل الاجتهاد بالإجماع. ووجهُ مساق هذا اللفظ: أن قوله: (إذا حكم) معناه: إذا أراد أن يحكم، فعند ذلك يجتهد في النازلة، ويفيد هذا صحة ما قاله الأصوليون: إن المجتهد يجب عليه أن يجدد نظرا عند وقوع النازلة، ولا يعتمد على اجتهاده المتقدم، لإمكان أن يظهر له ثانيًا خلاف ما ظهر له أولًا. اللهم إلا أن يكون ذاكرًا لأركان اجتهاده، مائلًا إليه، فلا يحتاج إلى استئناف نظر في إمارة أخرى.
و(قوله: فأصاب) أي: حكم فأصاب وجه الحكم. وهو أن يحكم بالحق لمستحقه في نفس الأمر عند الله تعالى. فهذا يكون له أجرٌ بحسب اجتهاده، وأجر بسبب إصابة ما هو المقصود لنفسه. والخطأ الذي يناقض هذا هو: أن يجتهد في حجج الخصمين، فيظن: أن الحق لأحدهما، وذلك بحسب ما سمع من كلامه وحجَّته، فيقضي له، وليس كذلك عند الله تعالى. فهذا له أجر اجتهاده خاصَّة؛ إذ لا إصابة. وهذا المعنى هو الذي أراده النبي ﷺ بقوله: (فلعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على حسب ما أسمع)، وفي الأخرى: (فأحسب: أنَّه صادق، فأقضي له). وهذا في الحاكم بين الخصوم واضحٌ؛ لأن هنالك حقًّا معيَّنا عند الله تعالى تنازعه الخصمان، لأن أحد الخصمين مبطل قطعًا؛ لأنَّهما تقاسما الصدق والكذب، فمتى صدق أحدهما كذب الآخر. والحاكم إنما يجتهد في تعيين الحق، فقد يصيبه وقد يخطئه. وعلى هذا: فلا ينبغي أن يختلف هنا في أنَّ المصيب واحدٌ، وأنَّ الحق في طرف واحد. وإنَّما ينبغي أن يختصَّ الخلاف بالمجتهد في استخراج الأحكام من أدلَّة الشريعة بناءً على الخلاف في أن النوازل غير المنصوص عليها؛ هل لله تعالى فيها أحكام معيَّنة أم لا؟ وللمسألة غَورٌ، وفيها أبحاث استوفيناها في كتابنا في الأصول.
стр. 2822
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأعظم فوائد هذا الحديث: أن الحاكم لا بدَّ أن يكون من أهل الاجتهاد، فإذا اجتهد وحكم فلا بدَّ له من الأجر؛ فإمَّا ضعفان مع الإصابة، وإمَّا ضعف واحد مع الخطأ. فأمَّا لو كان جاهلًا، أو مقصرًا في اجتهاده فهو عاصٍ آثمٌ في كل ما يحكم به. أمَّا الجاهل: فلعدم أهليته. وأمَّا المقصِّر: فلعدم استيفاء شرطه. وكلاهما حَكَمَ بغير حكم الله، بل بالباطل، والاختلاق على الله. وقد دلَّ على هذا أيضًا ما خرَّجه النسائي من حديث بريدة، قال: قال رسول الله ﷺ : (القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة. رجل عرف الحق فقضى به، فهو في الجنَّة. ورجل عرف الحق فلم يقضِ به، وجار في الحكم، فهو في النار. ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل، فهو في النار) (١).
فإذا تقرَّر ذلك فاعلم: أنَّ المجتهد ضربان:
أحدهما: المجتهد المطلق، وهو: المستقل باستنباط الأحكام من أدلَّتها. فهذا لا شكَّ في أنَّه إذا اجتهد مأجور، كما قدمناه، لكنه يُعزُّ وجوده، بل قد انعدم في هذه الأزمان. فلو لم ينفذ إلا حكم من كان كذلك لتعطلت الأحكام، وضاعت الحقوق.
وثانيهما: مجتهد في مذهب إمام. وهذا غالب قضاة العدل في هذا الزمان. وشرط هذا أن يحقق أصول إمامه، وأدلَّته، وينزل أحكامه عليها فيما لم يجده منصوصًا من مذهب إمامه. وأمَّا ما وجده منصوصًا: فإن لم يختلف قول إمامه؛ عمل على ذلك النَّصَّ، وقد كُفِي مؤنة البحث. والأولى به: تَعَرَّفُ وجه ذلك الحكم. وأما إن اختلف قول إمامه: فهناك يجب عليه البحث في تعيين الأولى من القولين على أصول إمامه.
стр. 2823
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واختلف أصحابنا فيمن يحفظ أقوال إمامه فقط. هل يصلح للحكم عند الضرورة أو لا؟ على قولين؟ فمن أجازه شرط فيه: أنَّه لا يخرج عن نصوص إمامه، أو نصوص من فهم عن إمامه، فإذا تعارضت عنده الأقوال لم يحكم بشيء منها أصلًا حتى يسأل عن الأرجح من له أهلية الترجيح. ولا يحكم بنظره أصلًا؛ إذ لا نظر له. ومتى فعل شيئًا من ذلك كان حكمه منقوضًا، وقوله مردودًا. وقد كان أهل الأندلس يرجحون الأقوال بالناقلين لها من غير نظر في توجيه شيء منها. فيقولون: إن قول ابن القاسم ونقله أولى من نقل غيره وقوله، بناءً على أن ابن القاسم اقتصر على مالك، ولم يتفقَّه بغيره، ولطول ملازمته له. فإن لم نجد لابن القاسم قولًا كان قول أشهب أولى من قول ابن عبد الحكم؛ لأنَّه أخذ عن الشافعي، فخلَّط، وهكذا. وقد بلغني: أنهم كانوا بالأندلس يشترطون على القضاة في سجلاتهم مراعاة ذلك الترتيب.
قلت: وهذه رتبة لا أخسَّ منها؛ إذ صاحبها معزولٌ عن رتبة الفقهاء، ومنخرط في زمرة الأغبياء؛ إذ لا يفهم معاني الأقوال، ولا يعرف فصل ما بين الحلال والحرام، فحق هذا ألا يتعاطى منصب الأحكام، فإنَّه من جملة العوام. والمشهور: أنَّه لا يُستَقضَى من عَرِي عن الاجتهاد المذكور، ولذلك قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: ولا يُستقضى إلا فقيه من أهل الاجتهاد. وهذا محمولٌ على ما تقدم، والله تعالى أعلم.
والاجتهاد المعني في هذا الباب هو: بذل الوسع في طلب الحكم الشرعي في النوازل على ما قلناه.
* * *
стр. 2824
(٤) باب لا يقضي القاضي وهو على حال تشوش عليه فكره، ورد المحدثات، ومن خير الشهداء ؟
[١٨١٠] عَن عَبدِ الله بنِ أَبِي بَكرَةَ قَالَ: كَتَبَ أَبِي وَكَتَبتُ لَهُ إِلَى عُبَيدِ اللَّهِ بنِ أَبِي بَكرَةَ، وَهُوَ قَاضي بِسِجِستَانَ: أَلَا تَحكُمَ بَينَ اثنَينِ وَأَنتَ غَضبَانُ، فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَحكُم أَحَدٌ بَينَ اثنَينِ وَهُوَ غَضبَانُ.
رواه أحمد (٥/ ٣٦ و ٣٧ و ٥٢)، والبخاري (٧١٥٨)، ومسلم (١٧١٧)، وأبو داود (٣٥٨٩)، والترمذيُّ (١٣٣٤)، والنسائي (٨/ ٢٣٧ و ٢٣٨)، وابن ماجه (٢٣١٦).
ــ
(٤) ومن باب: لا يقضي القاضي وهو على حال تشوش عليه فكره
(قوله: لا يحكم أحدٌ بين اثنين وهو غضبان) إنَّما كان الغضب مانعًا من الحكم؛ لأنَّه يشوِّش عليه فكره، ويخلُّ بفهمه، فيجب أن يُلحق به ما في معناه، كالجوع، والألم، والخوف، وما أشبه ذلك. وذلك إما بطريق الأولى، كالخوف، والمرض، فإنهما أولى بذلك من الغضب. وإما بطريق توسيع المناط، وذلك أن تَحذِف خصوصية ذكر الغضب، وتُعدِّيه إلى ما في معناه. وهذا النوع من القياس من أجل أنواعه، ولذلك قال به جماعة الفقهاء، وكثير من نفاة القياس. وقد استوفينا ذلك في الأصول، ولا يعارض هذا الحديث بحكم النبي ﷺ للزبير بإمساك الماء إلى أن يبلغ الجدُر. وقد غضب من قول الأنصاري: أن كان ابن عمتك (١)؟ !
стр. 2825
[١٨١١] وعن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن أَحدَثَ فِي أَمرِنَا هَذَا مَا لَيسَ مِنهُ فَهُوَ رَدٌّ.
وفي رواية: مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمرُنَا فَهُوَ رَدٌّ.
رواه أحمد (٦/ ٧٣ و ٢٤٠ و ٢٧٠)، والبخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) (١٧ و ١٨)، وأبو داود (٤٦٠٦)، وابن ماجه (١٤).
ــ
لأن النبي ﷺ معصوم من الهوى، والباطل، والخطأ في غضبه، ورضاه، وصحته، ومرضه. ولذلك قال: (اكتبوا عني في الغضب والرضا) (١). ولذلك نفذت أحكامه، وعمل بحديثه الصادر منه في حال شدَّة مرضه ونزعه، كما قد نفذ في حال صحته ونشاطه.
و(قوله: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ) أي: من اخترع في الشرع ما لا يشهد له أصل من أصوله فهو مفسوخ، لا يعمل به، ولا يلتفت إليه.
وفيه حجَّة: على أن النهي يدلُّ على الفساد. وهو قول جمهور الفقهاء. وذهب بعض أصحابنا، وأكثر المتكلمين: إلى أنه لا يدل على الفساد، وإنما مدلوله المنع من إدخال المنهي عنه في الوجود فقط. وأما حكمه إذا وقع من فساد أو صحة: فالنَّهي لا يدلُّ عليه، وينظر دليل ذلك من خارج النَّهي.
وقد اختلف حال المنهيات في الشرع؛ فبعضها يصحُّ إذا وقع، كالطلاق في الحيض. وبعضها لا يصحُّ، كبيع الملاقيح والمضامين. وبعضها يختلف فيه أصحابنا والفقهاء، كالبيع وقت النداء. وللمسألة غَورٌ. وقد بيَّنَّاه في الأصول.
وفتى (٢) القاسم بن محمد فيمن له مساكن، فأوصى بثلث كل مسكن منها،
стр. 2826
[١٨١٢] وعَن زَيدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَلَا أُخبِرُكُم بِخَيرِ الشُّهَدَاءِ؟ ! الَّذِي يَأتِي بِشَهَادَتِهِ قَبلَ أَن يُسأَلَهَا.
ــ
فإنَّه يجمع ذلك كلُّه في مسكن واحد. فيه إشكال؛ إذ هي مخالفة لما أوصى به الموصي. والأصل اتِّباع أقواله والعمل بظاهرها؛ فإنَّه كالمشرع. ففتيا القاسم ليس على ظاهرها، وإنما هي محمولة على ما إذا أراد أحد الفريقين من الورثة، أو الموصى لهم القسمة، وتمييز حقه، وكانت المساكن متقاربة، بحيث يضم بعضها إلى بعض في القسمة، فحينئذ تقوَّم تلك المساكن قيمة التعديل، وتقسم بينهم، فيجمع نصيب الموصى لهم في موضع واحد يشتركون فيه بحسب وصاياهم، ويبقى نصيب الورثة فيما عدا ذلك، بحسب مواريثهم.
فإن قيل: فقد استحالت الوصية عن أصلها.
فالجواب: أن ذلك بحسب ما أدَّت إليه سُنَّة القسمة عند الدُّعاء إليها، فإن الموصي لو أوصى بثلث كل مسكن، ومنع من القَسم لم يلتفت إلى منعه، وكان ذلك المنع مردودًا. وهو الذي استدلَّ على ردِّه القاسم بقوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردٌّ) فلو لم يطلب أحدٌ من الفريقين قسمة، أو كانت المساكن لا يُضمُّ بعضها إلى بعض لبعدها، وتباين اختلافها بقي كلُّ واحد منهم على نصيبه حسب ما وُصِّي له به. وهذا كلُّه مذهب مالك.
و(قوله: ألا أخبركم بخير الشهداء) الشهداء: جمع شهيد، كظرفاء: جمع ظريف، ويجمع أيضًا على: شهود، لكنه جمع شاهد، كحضور جمع حاضر، وخروج جمع خارج. ويعني بخير الشهداء: أكملهم في رتبة الشهادة، وأكثرهم ثوابًا عند الله تعالى.
و(قوله: الذي يأتي بشهادته قبل أن يسأَلَها) يعني به الشهادة التي يجب أداؤها، ولم يَسألها؛ كشهادة بحق لم يحضر مستحقه، أو بشيء يخاف ضياعه، أو فوته بطلاق، أو عتق على من أقام على تصرُّفه من الاستمتاع بالزوجة، واستخدام العبد، إلى غير ذلك، فيجب على من تحمَّل شيئًا من ذلك أداء تلك الشهادة، ولا
стр. 2827
رواه أحمد (٥/ ١١٤ و ١١٦ و ١١٧) و (٥/ ١٩٢ و ١٩٣)، ومسلم (١٧١٩)، وأبو داود (٣٥٦٩)، والترمذيُّ (٢٢٩٦ و ٢٢٩٧)، وابن ماجه (٢٣٦٤).
* * *
ــ
يقف أداؤها على أن تُسأَلَ منه، فيضيع الحق، وقد قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ ولا يعارض هذا بقوله ﷺ في الصحيح: (ثم يأتي من بعد ذلك قوم يشهدون ولا يُستشهدون) (١) لأن هذا محمولٌ على أحد وجهين:
أحدهما: أن يراد به: شاهد الزور؛ فإنَّه يشهد بما لم يستشهد؛ أي: بما لم يحمله.
والثاني: أن يراد به الذي يحمله الشَّرَهُ على تنفيذ ما يشهد به فيبادر بالشهادة قبل أن يُسأَلَها. فهذه شهادة مردودة، فإن ذلك يدلُّ على هوى غالب على الشاهد. ولا خلاف عندنا في هذا إن شاء الله تعالى. وما ذكرناه أحسن ما حمل عليه هذا الحديث.
وقد روي عن النَّخعي: أنَّه قال: المراد بالشهادة في هذا الحديث: اليمين. واستدلَّ عليه بقوله ﷺ في بقيَّة الحديث: (تسبق يمين أحدهم شهادته، وشهادته يمينه)، وفيه نظر. وسيأتي إن شاء الله تعالى.
فرع: لا إشكال في أن من وجبت عليه شهادة على أحد الأوجه التي ذكرناها فلم يؤدها أنَّها جُرحَةٌ في الشَّاهد والشهادة. ولا فرق في هذا بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين. هذا قول ابن القاسم وغيره. وذهب بعضهم: إلى أن تلك الشهادة إن كانت بحق من حقوق الآدميين كان ذلك جُرحَة في تلك الشهادة نفسها خاصة، فلا يصلح له أداؤها بعد ذلك.
стр. 2828
(٥) باب تسويغ الاجتهاد
[١٨١٣] عَن ابن عمر قَالَ: نَادَى فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَومَ انصَرَفَ عَن الأَحزَابِ: أَلَا لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العصر إِلَّا فِي بَنِي قُرَيظَةَ. فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوتَ الوَقتِ، فَصَلَّوا دُونَ بَنِي قُرَيظَةَ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا نُصَلِّي إِلَّا حَيثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَإِن فَاتَنَا الوَقتُ. قَالَ: فَمَا عَنَّفَ وَاحِدًا مِن الفَرِيقَينِ.
رواه البخاريُّ (٩٤٦)، ومسلم (١٧٧٠).
* * *
ــ
قلت: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ الذي يوجب جرحته: إنما هو فسقه بامتناعه من القيام بما وجب عليه من غير عُذرٍ. والفسق يسلب أهلية الشهادة مطلقًا. وهذا واضح.
(٥) ومن باب: تسويغ الاجتهاد
(قوله: نادى فينا رسول الله ﷺ ) أي: أمر من ينادي فنادى، فنسب النداء إليه؛ لأنَّه أمر به.
و(قوله: ألا لا يصلين أحدٌ العصر إلا في بني قريظة) كان هذا من النبي ﷺ لما هزم الله تعالى الأحزاب، ورجع هو وأصحابه إلى المدينة، فألقوا السِّلاح، فجاءه جبريل ﵇ فقال له: ألقيت السِّلاح؟ ولا والله ما ألقت الملائكة السِّلاح، فاخرج إلى بني قريظة فإني منطلق إليهم، ومزلزلٌ بهم حصونهم. فحينئذ نادى رسول الله ﷺ ذلك النداء، فأخذ قومٌ من أصحابه بظاهر الأمر، وقالوا: لا نُصلِّي إلا حيث أمرنا رسول الله ﷺ وإن فاتنا الوقت. ونظر آخرون إلى المعنى، فقالوا: إن المقصود من ذلك الأمر الاستعجال، فصلُّوا قبل أن
стр. 2829
(٦) باب اختلاف المجتهدين في الحكم لا ينكر
[١٨١٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: بَينَمَا امرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئبُ، فَذَهَبَ بِابنِ إِحدَاهُمَا، فَقَالَت هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابنِكِ أَنتِ، وَقَالَت الأُخرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ فَقَضَى بِهِ لِلكُبرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيمَانَ بنِ دَاوُدَ ﵉ فَأَخبَرَتَاهُ،
ــ
يَصِلُوا إلى بني قريظة. وعجَّلوا السَّير، فجمعوا بين المقصودين، فأقرَّ النبي ﷺ كلًا منهم على ما ظهر له من اجتهاده، فكان فيه حجَّة لمن يقول: إنَّ كلَّ مجتهد مصيبٌ؛ إذ لو كان أحد الفريقين مخطئًا لعيَّنه النبي ﷺ . ويمكن أن يقال: إنه إنما سكت عن تعيين المخطئ؛ لأنَّه غير آثم، بل مأجور، فاستغنى عن تعيينه، والله أعلم.
[(٦) ومن باب: اختلاف المجتهدين بالحكم لا ينكر] (١)
(قوله: فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى) قد أشكل هذا على كثير من الشارحين، حتى قال بعضهم: إن هذا لم يكن من داود حكمًا، وإنَّما كان فتيا. وهذا فاسدٌ لنصِّه؛ على أنه قضى، ولأن فتيا النبي ﷺ وحكمه سواء؛ إذ يجب تنفيذ ذلك. وقالت طائفة أخرى: إن ذلك كان من شرع داود أن يحكم به للكبرى؛ يعني: من حيث هي كبرى. وهذا أيضًا فاسدٌ؛ لأنَّ اللفظ ليس نصًّا في ذلك، ولأن الكُبر والصغر طَردٌ محض عند الدعاوي، كالطول والقصر، والسّواد والبياض؛ إذ لا يوجب شيء من ذلك ترجيح أحد المتداعيين، حتى يحكم له، أو عليه لأجل ذلك، وهذا مما يقطع به من فهم ما جاءت به الشرائع، كما بيَّنَّاه في الأصول، والذي ينبغي أن يقال: إن داود ﵇ إنما حكم للكبرى لسبب اقتضى عنده
стр. 2830
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ترجيح قولها، ولم يذكره في الحديث بعينه؛ إذ لم تَدعُ حاجةٌ إليه، فيمكن أن يقال: إن الولد كان في يد الكبرى، وعلم عجز الأخرى عن إقامة البيِّنة، فقضى به لها إبقاء لما كان على ما كان. وهذا تأويل حسن لا يمنعه اللفظ، وتشهد له قاعدة الدعاوي الشرعية التي يبعد اختلاف الشرائع فيها. فإن قيل: فإن كان داود ﵇ قضى بسبب شرعي، فكيف ساغ لسليمان نقض حكمه؟ !
فالجواب: أن سليمان ﵇ لم يتعرَّض لحكم أبيه بالنقض، وإنَّما احتال حيلة لطيفة، ظهر له بسببها صدق الصغرى. وهي: أنَّه لَمَّا قال: هات السكين أشقه بينهما! فقالت الصغرى: لا. ظهر له من قرينة الشفقة في الصغرى، وعدم ذلك في الكبرى مع ما عساه انضاف إلى ذلك من القرائن ما حصل له العلم بصدقها فحكم لها. ولعله كان ممن سُوِّغ له أن يحكم بعلمه، ولعل الكبرى اعترفت بأن الولد للصغرى عندما رأت من سليمان الجزم والجِدّ في ذلك، فقضى بالولد للصغرى. ويكون هذا كما إذا حكم الحاكم باليمين، فلما مضى ليحلف حضر من استخرج من المنكر ما أوجب إقراره، فإنَّه يحكم عليه بذلك الإقرار قبل اليمين، وبعدها، ولا يكون ذلك من باب نقض الحكم الأول، ولكن من باب: تبدل الأحكام بحسب تبدل الأسباب. والله أعلم.
وفي هذا الحديث: أن الأنبياء ﵈ سُوِّغ لهم الحكم بالاجتهاد، وهو مذهب المحققين من الأصوليين، ولا يُلتفت لقول من يقول: إن الاجتهاد إنما يسُوِّغ عند فقد النَّصِّ، والأنبياء ﵈ لا يفقدون النصّ، فإنَّهم مُتَمِكِّنون من استطلاع الوحي وانتظاره؛ لأنَّا نقول: إذا لم يأتهم الوحي في الواقعة صاروا كغيرهم في البحث عن معاني النصوص التي عندهم. والفرق بينهم وبين غيرهم من المجتهدين: أنَّهم معصومون عن الغلط والخطأ، وعن التقصير في اجتهادهم، وغيرهم ليس كذلك.
стр. 2831
فَقَالَ: ائتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَينَكُمَا! فَقَالَت الصُّغرَى: لَا، يَرحَمُكَ اللَّهُ، هُوَ ابنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغرَى.
قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: وَاللَّهِ إِن سَمِعتُ بِالسِّكِّينِ قَطُّ إِلَّا يَومَئِذٍ، مَا كُنَّا نَقُولُ إِلَّا المُديَةَ.
رواه أحمد (٢/ ٣٢٢)، رمسلم (١٧٢٠)(٢٠)، والنسائي (٨/ ٢٣٥).
ــ
وفيه من الفقه: استعمال الحكَّام الحيل التي تُستخرج بها الحقوق، وذلك يكون عن قوة الذكاء، والفطنة، وممارسة أحوال الخليقة. وقد يكون في أهل التقوى فراسةٌ دينية، وتوسُّمات نورِّية، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
و(قولها: لا) أي: لا تفعل. ثمَّ دعت له بقولها: (يرحمك الله) فينبغي للقارئ أن يقف على (لا) وقيفة؛ حتى يتبيَّن للسامع: أن ما بعده كلام مستأنف؛ لأنَّه إذا وصل بما بعده توهَّم السَّامع: أنَّه دعاء عليه، وهو دعاء له. وقد روي عن أبي بكر الصِّديق ﵁ أنه قال لرجل سمعه يقول مثل ذلك القول: لا تقل هكذا، وقل: يرحمك الله، لا.
قلت: وقد يزول ذلك الإبهام بزيادة (واو)، فيقال: لا، ويرحمك الله.
وفيه حجَّة لمن يقول: إن الأمّ تَستَلِحقُ، وليس مشهور مذهب مالك، ولا يلحق الولد عند مالك بإحداهما إلا ببيِّنة. وقد تقدم القول في الاستلحاق في النكاح.
* * *
стр. 2832
(٧) باب للحاكم أن يصلح بين الخصوم، وإثم الخصم الألد
[١٨١٥] عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: اشتَرَى رَجُلٌ مِن رَجُلٍ عَقَارًا لَهُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشتَرَى العَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشتَرَى العَقَارَ: خُذ ذَهَبَكَ مِنِّي، إِنَّمَا اشتَرَيتُ مِنكَ الأَرضَ، وَلَم أَبتَع مِنكَ الذَّهَبَ، فَقَالَ الَّذِي شَرَى الأَرضَ: إِنَّمَا بِعتُكَ الأَرضَ وَمَا فِيهَا، قَالَ: فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ، فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ فَقَالَ
ــ
(٧) ومن باب: للحاكم أن يصلح بين الخصوم
العقار: أصل (١) الأموال من الأرض وما يتصل بها، وعقر الشيء: أصله - ومنه: عقرُ الأرض - بفتح العين وضمها -.
و(قوله: فقال الذي شَرَى الأرض: إنَّما بعتك الأرض وما فيها) هكذا للسمرقندي، ومعنى (شَرَى): باع، كما قال تعالى: ﴿وَشَرَوهُ بِثَمَنٍ بَخسٍ﴾؛ أي: باعوه. وقد تقدَّم: أن (شرى) من الأضداد. يقال: شريت الشيء: أي: بعته واشتريته. وقد رواه غير السمرقندي: (الذي اشترى الأرض)، وفيها بُعدٌ؛ لأنَّ المشتري هو الذي تقدَّم ذكره، وهو هنا البائع، ولا يصحُّ أن يقال عليه: مُشترٍ؛ إلا أن صحَّ في (اشترى): أنه من الأضداد، كما قلناه في (شَرَى). والأول هو المعروف.
و(قوله: فتحاكما إلى رجل) ظاهره: أنهما حكَّماه في ذلك، وأنَّه لم يكن حاكمًا منصوبًا للناس، مع أنَّه يحتمل ذلك. وعلى ظاهره يكون فيه لمالك حجَّة
стр. 2833
أَحَدُهُمَا: لِي غُلَامٌ، وَقَالَ الآخَرُ: لِي جَارِيَةٌ، قَالَ: أَنكِحُوا الغُلَامَ الجَارِيَةَ، وَأَنفِقُوا عَلَى أَنفُسِكُمَا مِنهُ، وَتَصَدَّقَا.
رواه أحمد (٢/ ٣١٦)، والبخاريُّ (٣٤٧٢)، ومسلم (١٧٢١)، وابن ماجه (٢٥١١).
ــ
على صحة قوله: إن المتداعيين إذا حَكَّما بينهما من له أهلية الحكم صحَّ، ولزمهما حكمه، ما لم يكن جوَّرًا، سواء وافق ذلك الحكم رأي قاضي البلد، أو خالفه. وقال أبو حنيفة: إن وافق رأيه رأي قاضي البلد نَفَذَ، وإلا فلا. واختلف قول الشافعي، فقال مثل قول مالك، وقال أيضًا: لا يلزم حكمه، ويكون ذلك كالفتوى منه. وبه قال شريح.
وهذا الرَّجل المُحكَّم لم يحكم على أحد منهما؛ وإنما أصلح بينهما، بأن ينفقا ذلك المال على أنفسهما وعلى ولديهما، ويتصدَّقا. وذلك أن هذا المال ضائع، إذا لم يدَّعِه أحدٌ لنفسه. ولعلهم لم يكن لهم بيت مال، فظهر لهذا الرَّجل: أنهما أحق بذلك المال من غيرهما من المستحقين لزهدهما، وورعهما، ولحسن حالهما، ولِمَا ارتجي من طيب نسلهما، وصلاح ذريتهما.
قال الشيخ أبو عبد الله المازري: واختلف عندنا فيمن ابتاع أرضًا فوجد فيها شيئًا مدفونًا؛ فهل يكون ذلك للبائع أو للمشتري؛ فيه قولان.
قلت: ويعني بذلك ما يكون من أنواع الأرض، كالحجارة، والعمد، والرُّخام، ولم يكن خِلقَةً فيها. وأمَّا ما يكون من غير أنواع الأرض، كالذهب والفضة، فإن كان من دفن الجاهلية كان ركازًا. وإن كان من دفن الإسلام (١) فهو لُقَطة. وإن جُهِل ذلك كان مالًا ضائعًا. فإن كان هنالك بيت مالٍ حفظ فيه. وإن لم
стр. 2834
[١٨١٦] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَبغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ.
رواه أحمد (٦/ ٥٥)، والبخاري (٢٤٥٧)، ومسلم (٢٦٦٨)، والترمذي (٢٩٧٦)، والنسائي (٨/ ٢٤٧ و ٢٤٨).
* * *
ــ
يكن؛ صرف للفقراء (١) والمساكين. وفيمن يستعين به على أمور الدِّين، وفيما أمكن من مصالح المسلمين. والله تعالى أعلم.
و(قوله: إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخَصِم) الألد: اسم فاعل من: لدَّ في الخصومة، يَلَدُّ - بفتح العين - لَدًّا: إذا اشتدَّ في خصومته، فهو ألدُّ، والجمع: لُدٌّ. ومنه قوله تعالى: ﴿قَومًا لُدًّا﴾ وامرأة لَدَّاءٌ. وسمي الخَصِم بذلك لإعماله لدَيدَيهِ في الخصومة، وهما جانبا الفم. وقيل: لأنك كلما أخذت في جانب من الحجَّة أخذ جانبًا آخر منها. وعلى هذا: فالألد صفة. فكان حقَّه أن يكون تابعًا للخصم. فيقول: الخصم الألد. لكنه لما كثر استعماله عومل معاملة الأسماء وحُذي به حَذوَ قوله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾؛ لأن الأصل أن يقال: أسودٌ غِربِيب. فلو جاء على الأصل لقال: وسودٌ غرابيب.
وهذا الخصم المذموم هو الذي يعدل عن الحق في خصومته، ويُوَهِّيه، ويَعضِدُ الباطلَ، ويُقَوِّيه. فأمَّا من اشتدت خصومته في حق حتى يظهره، ويبديه، ويزيح الباطل، ويخفيه؛ فهي حالةُ القائمين بالحق، الناصرين له، الذين لا يزالون ظاهرين إلى يوم الدِّين.
стр. 2835
(٨) باب الحكم في اللقطة والضوال
[١٨١٧] عَن زَيدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى
ــ
(٨) ومن باب: حكم اللقطة والضوال
قد تقدم القول في اللقطة وإنشادها في كتاب الحجِّ. و (العِفَاص): الوعاء. وأصله: جلدٌ يلبسه رأس القارورة. يقال: عفصت القارورة: شددت عليها العِفاص. و (الوكاء): الخيط الذي يشدُّ به الوعاء. تقول: عفصتُ عفصًا: إذا شددت العِفاص، فإن جعلت العِفاص؛ قلت: أعفصته. وتقول: أوكيت إيكاءً، والشيءَ مُوكى، كما تقول: أعطيت إعطاء، والشيء مُعطَى.
والكلام في اللقطة في مسائل:
الأولى: في حدِّها، وهي عندنا: وجدان مالٍ معصوم (١) لمعصوم معرَّض للضياع، فيدخل في المال كلُّ ما يُتمَّول من جمادٍ وحيوانٍ. ونعني بالمعصوم: كل مال لمالكه حرمة شرعيَّة، فيدخل فيه مال المسلم، والذمِّي، والمعاهد، ويخرج عنه مال الحربي؛ إذ لا حرمة له. وأموال الجاهلية؛ إذ هي ركاز، ويدخل فيه القليل من المال والكثير منه، سواء كان في عامر من (٢) الأرض أو غامرها، مدفونًا أو غير مدفون. وتحرزنا بقولنا: (مُعرَّض للضياع) عمَّا يكون في حرز مُحترم، أو عليه حافظ.
المسألة الثانية: في أقسام اللقطة، وهي: جمادٌ، وحيوان. والحيوان: إنسان وغير إنسان، والإنسان إمَّا صغير أو كبير. فالصغير إن علم: أنه مملوك؛ فهو
стр. 2836
النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَن اللُّقَطَةِ فَقَالَ: اعرِف عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا،
ــ
لُقطة. وإلا فهو اللقيط، ويجب حفظه، والقيام به على المسلمين؛ إذا كان ذلك في بلادهم وجوب كفاية، وله أحكام مذكورة في الفروع. ولا يكون المملوك الكبير لُقطة إلا إن كان مِمَّن لا يفهم. وأمَّا غير الإنسان: فإبل، وبقر، وغنم، وخيل، وبغال، وحمير.
المسألة الثالثة: في بيان حكمها. فأمَّا الجماد: فاختلف في حكم التقاطه؛ فذهب الشافعي إلى استحباب ذلك مطلقًا، وعندنا فيه تفصيل. فقيل: لا يجب إلا أن يكون بين قوم غير مأمونين، والإمام عدل؛ فيجب أخذها بنيَّة الحفظ على من وثق بأمانة نفسه، فإن علم خيانة نفسه حرم الأخذ عليه، وإن ظن ذلك كره له، وإذا كانت بين مأمونين، ووثق بأمانة نفسه، فقيل: يستحب له أخذها بنيَّة الحفظ. وروي عن ابن القاسم كراهة التقاطها؛ إلا أن يكون لها قدر وبال. وكذلك روى أشهب في الدنانير، فأمَّا الدرهم وما لا بال فيه (١)؛ فلا أحِبُ له أن يأخذه. وقد رويت عن مالك الكراهة مطلقًا. وباقي ما يتعلّق بها من المسائل يأتي مع البحث في الحديث.
و(قوله: اعرف عِفاصها ووكاءها)، وفي رواية: (وعددها) هذا الأمر للملتقط بتعرف هذه الأمور الثلاثة تفيد إباحة حل وكائها، والوقوف على عينها، وعددها للملتقط. وفائدة ذلك: أنَّه إذا جاء من عرف أولئك الأوصاف دفعت له، كما قال: (فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها، وعددها، ووكاءها، فادفعها إليه) وظاهره: اشتراط معرفة مجموع تلك الأوصاف، وأنها تدفع له بغير بيِّنة. وقد اختلف في المسألتين.
فأمَّا المسألة الأولى: فقال ابن القاسم: لا بدَّ من ذكر جميعها؛ يعني:
стр. 2837
ثُمَّ عَرِّفهَا سَنَةً،
ــ
الوكاء، والعِفاص، والعدد. ولم يعتبر أصبغ العدد. وظاهر الحديث حجَّة لابن القاسم، ولأصبغ التمسك بالحديث الذي ليس فيه ذكر العدد. وحجَّة ابن القاسم أوضح؛ لأن من ذكر شيئًا حجَّة على من سكت عنه، ولأنَّه من باب حمل المطلق على المقيد، فإذا أتى بجميع أوصافها؛ فهل يُحَلَّف مع ذلك أو لا؟ قولان. النَّفي لابن القاسم. وتحليفه لأشهب.
ولا تلزمه بينة عند مالك وأصحابه، وأحمد بن حنبل، وغيرهم. وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا تدفع له (١) إلا إذا أقام بينة أنها له. والأول أولى؛ لنصّ الحديث على ذلك، ولأنَّه لو كان إقامة البيِّنة شرطًا في الدَّفع لما كان لذكر العِفاص، والوكاء، والعدد معنًى؛ فإنَّه يستحقها بالبيِّنة على كل حال، ولما جاز سكوت النبي ﷺ عن ذلك، فإنه تأخير للبيان عن وقت الحاجة. وقال أصبغ: إن عرف العِفاص وحده استُبرئ له، فإن جاء أحدٌ، وإلا أُعطيها. وقال ابن عبد الحكم: لو أصاب تسعة أعشار الصفة، وأخطأ العشر لم يعطها إلا أن يصف العدد، فيصاب أقل. وقال أشهب: إن عرف منها وصفين، ولم يعرف الثالث دفعت إليه.
و(قوله: ثم عرِّفها سنة) تعريفها هو: أن ينشدها في مجتمعات الناس، وحيث يظن أن ربَّها هنالك، أو قربه، فيعرفها تعريفًا لا يضرُّ به، ولا يُخُفِي أمرها. والتعريف واجبٌ؛ لأنَّه مأمورٌ به. ثمَّ يختص الوجوب بسنة في المال الكثير؛ الذي لا يفسد، ولا ينقص منها. وهو قول فقهاء الأمصار. ولم يذهب أحدٌ منهم إلى زيادة على السنة إلا شيء روي عن عمر بن الخطاب ﵁، فإنَّه قال: يعرفها ثلاثة أعوام. وإلا: ما تقدَّم من الخلاف في لقطة الحاجِّ.
فأما الشيء القليل التافه؛ الذي لا يتعلَّق به نفس مالكه كالتمرة، والكِسرة، فلا تعريف فيه. وقد مرَّ النبي ﷺ بتمرة في الطريق فقال: (لولا أني أخاف أن تكون من
стр. 2838
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصَّدقة لأكلتها) (١)، ولم يعرِّفها.
ولو كانت من القليل الذي تتعلَّق به النفس غالبًا، فهل يُعرَّف أو لا؟ وإذا عُرِّف؛ فهل يُعرَّف سنة، أو يجزئ أقل من ذلك؟ كل ذلك مختلف فيه. فظاهر رواية ابن القاسم: أنَّه يُعرَّف سنة كالكثير. وهو قول الشافعي. وقال ابن القاسم في الكتاب: يُعرِّفه أيَّامًا. وبه قال ابن وهب، ولم يحدد الأيام، بل بحسب ما يظن أن مثلها يطلب فيها. وهذا كالحبل، والمخلاة، والدَّلو، والعصا، والسَّوط، والسِّقاء، والنَّعال. وقال أشهب: إن لم يعرفها فأرجو أن يكون واسعًا (٢). وقال بعض العلماء: لا يلزم تعريف شيء من ذلك، وألحقوه بالقسم الأول. وفيه بُعدٌ؛ لأنَّ ما تتشُّوف النفسُ إليه فالغالب: أن صاحبه يطلبه، فلا بدَّ من تعريفه، ولكنه لا ينتهي التعريف فيه إلى السَّنة؛ لأنَّ صاحبه لا يستديم طلبه فيها غالبًا، فحينئذ تضيع استدامة التعريف. فإن قيل: فقد جاء في كتاب أبي داود من حديث جابر: رخَّص لنا رسول الله ﷺ في السوط، والعصا، والحبل، وأشباهه، يلتقطه الرَّجل ينتفع به (٣). وظاهره: أنه لا يحتاج مثل هذا إلى تعريف.
فالجواب: أن هذا لا يصحُّ رفعه؛ لأنَّه من رواية المغيرة بن زياد، عن أبي الزبير، عن جابر. وقد رواه المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير، عن جابر، قال: كانوا، ولم يذكر النبي ﷺ . والمغيرة بن مسلم أصلح حديثًا، وأصح من حديث المغيرة بن زياد. هكذا قاله أبو محمد عبد الحق.
قلت: مع أن حديث أبي الزبير عن جابر لا يؤخذ منه إلا ما ذكر فيه سماعه منه؛ لأنَّه كان يُدلِّس في حديث جابر، ولم يذكر سماعه في هذا الحديث، سلمنا صحته، لكنه يحتمل أن تكون هذه الإباحة بعد التعريف. ويعتضدُ هذا بما رواه
стр. 2839
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبو محمد بن أبي حاتم عن حكيمة بنت غيلان عن أبيها: أن رسول الله ﷺ قال: (من التقط لقطة يسيرة، درهمًا، أو حبلا، أو شبه ذلك؛ فليعرفه ثلاثة أيام، فإن كان فوق ذلك فليعرِّفه ستة أيام) (١). وأصح من هذا وأحسن ما خرَّجه النسائي عن عياض بن حمار المجاشعي: أن رسول الله ﷺ قال: (من أخذ لقطة فليشهد ذوي عدل، وليحفظ عفاصها، ووكاءها، ولا يكتم، ولا يُغيِّب، فإن جاء صاحبها، فهو أحق بها، وإن لم يجئ صاحبها فهو (٢) مال الله يؤتيه من يشاء) (٣)، وهذا عام في كل لُقطة.
و(قوله: فليشهد ذوي عدلٍ) أمرٌ للملتقط بأن يشهد على نفسه بأنه وجد كذا، على جهة الاحتياط للُّقطة مخافة طارئ يطرأ على الملتقط من موت، أو آفة، أو طروء خاطر خيانةٍ.
و(قوله: ولا يكتم، ولا يُغيِّب) يعني به: أنَّه يعرِّفها بأعمِّ أوصافها، ويستدعي من المُدَّعي أخصَّ أوصافها المميَّزة لها، كما تقدم.
وأمَّا ما رواه أبو داود (٤) من حديث علي ﵁: أنَّه وجد دينارًا فرهنه في درهم لحمًا، وأنه أعلم النبي ﷺ بذلك، فأقرَّه، ولم يُنكر عليه تصرَّفه في الدينار بالرَّهن. فلا حجَّة فيه لمن يستدلُّ به: على أن القليل من اللقطة لا يُعرَّف؛ لأنَّ عليًّا ﵁ إنما فعل ذلك في حال ضرورة؛ لأنه دخل بيته والحسن والحسين يبكيان من الجوع، فخرج فوجد الدينار، ففعل ذلك حين لم يجد شيئًا آخر، وفي مثل هذه الحال تحل الميتة، فأحرى التصرف في الوديعة، ثم إنَّه لم يُتلف عين الدينار، وإنَّما رهنه، فلمَّا جاء صاحبه، افتَكَّهُ ودفعه إليه. وذكر في هذا الحديث:
стр. 2840
فَإِن جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَشَأنَكَ بِهَا. قَالَ: فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: لَكَ أَو لِأَخِيكَ أَو لِلذِّئبِ. قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ قَالَ: مَا لَكَ وَما لَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَأكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَلقَاهَا رَبُّهَا.
ــ
أن النبي ﷺ استدعى مدَّعِي الدينار، فسأله، فقال: سقط مني في السُّوق. فأمر عليًّا بافتكاكه، ثم دفعه إلى الرَّجل. من غير أن يسأله عن وصف من أوصاف الدينار، فيحتمل أن يكون اكتفى منه بقوله: أنَّه ضاع مني في السُّوق، وقد كان علي وحده في السُّوق؛ لأنَّ الدينار الواحد ليس فيه عدد، وقد لا يكون له وعاء، ولا وكاء، والدنانير متساوية الأشخاص غالبًا. ويحتمل أن يكون النبي ﷺ علم أنه صاحبه بوحي، أو بقرائن، فلا حجَّة فيه على سقوط السؤال عن الأوصاف. والله تعالى أعلم.
وقد حصل من هذا: أن اللقطة لا بدَّ لها من تعريف؛ فإن كانت مما لها بال ومقدار عُرِّفت سنة. وإن كانت مما ليس لها ذلك المقدار؛ كان تعريفها بحسبها من غير حدٍّ بعدد مخصوص، ولا زمان مخصوص، بل على الاجتهاد. وأما التمرة، والكِسرة: فلا تحتاج إلى تعريف؛ لأنها مزهودٌ فيها، ولا تتشوف نفس صاحبها إليها. وهذا مذهب مالك وغيره. والله أعلم.
و(قوله: فإن جاء صاحبها، وإلا فشأنُك بها -) أو: (فهي لك)، أو: (فاستنفقها)، وفي حديث أبي: (وإلا فاستمتع بها) (١). وفي كتاب الترمذي (٢): (ثمَّ كُلها). وفي كتاب النسائي من حديث عياض بن حمار: (وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء) (٣). أفادت هذه الروايات كلها: أن واجد اللقطة بعد التعريف أحق