النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَن اللُّقَطَةِ فَقَالَ: اعرِف عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا،
ــ
لُقطة. وإلا فهو اللقيط، ويجب حفظه، والقيام به على المسلمين؛ إذا كان ذلك في بلادهم وجوب كفاية، وله أحكام مذكورة في الفروع. ولا يكون المملوك الكبير لُقطة إلا إن كان مِمَّن لا يفهم. وأمَّا غير الإنسان: فإبل، وبقر، وغنم، وخيل، وبغال، وحمير.
المسألة الثالثة: في بيان حكمها. فأمَّا الجماد: فاختلف في حكم التقاطه؛ فذهب الشافعي إلى استحباب ذلك مطلقًا، وعندنا فيه تفصيل. فقيل: لا يجب إلا أن يكون بين قوم غير مأمونين، والإمام عدل؛ فيجب أخذها بنيَّة الحفظ على من وثق بأمانة نفسه، فإن علم خيانة نفسه حرم الأخذ عليه، وإن ظن ذلك كره له، وإذا كانت بين مأمونين، ووثق بأمانة نفسه، فقيل: يستحب له أخذها بنيَّة الحفظ. وروي عن ابن القاسم كراهة التقاطها؛ إلا أن يكون لها قدر وبال. وكذلك روى أشهب في الدنانير، فأمَّا الدرهم وما لا بال فيه (١)؛ فلا أحِبُ له أن يأخذه. وقد رويت عن مالك الكراهة مطلقًا. وباقي ما يتعلّق بها من المسائل يأتي مع البحث في الحديث.
و(قوله: اعرف عِفاصها ووكاءها)، وفي رواية: (وعددها) هذا الأمر للملتقط بتعرف هذه الأمور الثلاثة تفيد إباحة حل وكائها، والوقوف على عينها، وعددها للملتقط. وفائدة ذلك: أنَّه إذا جاء من عرف أولئك الأوصاف دفعت له، كما قال: (فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها، وعددها، ووكاءها، فادفعها إليه) وظاهره: اشتراط معرفة مجموع تلك الأوصاف، وأنها تدفع له بغير بيِّنة. وقد اختلف في المسألتين.
فأمَّا المسألة الأولى: فقال ابن القاسم: لا بدَّ من ذكر جميعها؛ يعني:
стр. 2837
ثُمَّ عَرِّفهَا سَنَةً،
ــ
الوكاء، والعِفاص، والعدد. ولم يعتبر أصبغ العدد. وظاهر الحديث حجَّة لابن القاسم، ولأصبغ التمسك بالحديث الذي ليس فيه ذكر العدد. وحجَّة ابن القاسم أوضح؛ لأن من ذكر شيئًا حجَّة على من سكت عنه، ولأنَّه من باب حمل المطلق على المقيد، فإذا أتى بجميع أوصافها؛ فهل يُحَلَّف مع ذلك أو لا؟ قولان. النَّفي لابن القاسم. وتحليفه لأشهب.
ولا تلزمه بينة عند مالك وأصحابه، وأحمد بن حنبل، وغيرهم. وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا تدفع له (١) إلا إذا أقام بينة أنها له. والأول أولى؛ لنصّ الحديث على ذلك، ولأنَّه لو كان إقامة البيِّنة شرطًا في الدَّفع لما كان لذكر العِفاص، والوكاء، والعدد معنًى؛ فإنَّه يستحقها بالبيِّنة على كل حال، ولما جاز سكوت النبي ﷺ عن ذلك، فإنه تأخير للبيان عن وقت الحاجة. وقال أصبغ: إن عرف العِفاص وحده استُبرئ له، فإن جاء أحدٌ، وإلا أُعطيها. وقال ابن عبد الحكم: لو أصاب تسعة أعشار الصفة، وأخطأ العشر لم يعطها إلا أن يصف العدد، فيصاب أقل. وقال أشهب: إن عرف منها وصفين، ولم يعرف الثالث دفعت إليه.
و(قوله: ثم عرِّفها سنة) تعريفها هو: أن ينشدها في مجتمعات الناس، وحيث يظن أن ربَّها هنالك، أو قربه، فيعرفها تعريفًا لا يضرُّ به، ولا يُخُفِي أمرها. والتعريف واجبٌ؛ لأنَّه مأمورٌ به. ثمَّ يختص الوجوب بسنة في المال الكثير؛ الذي لا يفسد، ولا ينقص منها. وهو قول فقهاء الأمصار. ولم يذهب أحدٌ منهم إلى زيادة على السنة إلا شيء روي عن عمر بن الخطاب ﵁، فإنَّه قال: يعرفها ثلاثة أعوام. وإلا: ما تقدَّم من الخلاف في لقطة الحاجِّ.
فأما الشيء القليل التافه؛ الذي لا يتعلَّق به نفس مالكه كالتمرة، والكِسرة، فلا تعريف فيه. وقد مرَّ النبي ﷺ بتمرة في الطريق فقال: (لولا أني أخاف أن تكون من
стр. 2838
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصَّدقة لأكلتها) (١)، ولم يعرِّفها.
ولو كانت من القليل الذي تتعلَّق به النفس غالبًا، فهل يُعرَّف أو لا؟ وإذا عُرِّف؛ فهل يُعرَّف سنة، أو يجزئ أقل من ذلك؟ كل ذلك مختلف فيه. فظاهر رواية ابن القاسم: أنَّه يُعرَّف سنة كالكثير. وهو قول الشافعي. وقال ابن القاسم في الكتاب: يُعرِّفه أيَّامًا. وبه قال ابن وهب، ولم يحدد الأيام، بل بحسب ما يظن أن مثلها يطلب فيها. وهذا كالحبل، والمخلاة، والدَّلو، والعصا، والسَّوط، والسِّقاء، والنَّعال. وقال أشهب: إن لم يعرفها فأرجو أن يكون واسعًا (٢). وقال بعض العلماء: لا يلزم تعريف شيء من ذلك، وألحقوه بالقسم الأول. وفيه بُعدٌ؛ لأنَّ ما تتشُّوف النفسُ إليه فالغالب: أن صاحبه يطلبه، فلا بدَّ من تعريفه، ولكنه لا ينتهي التعريف فيه إلى السَّنة؛ لأنَّ صاحبه لا يستديم طلبه فيها غالبًا، فحينئذ تضيع استدامة التعريف. فإن قيل: فقد جاء في كتاب أبي داود من حديث جابر: رخَّص لنا رسول الله ﷺ في السوط، والعصا، والحبل، وأشباهه، يلتقطه الرَّجل ينتفع به (٣). وظاهره: أنه لا يحتاج مثل هذا إلى تعريف.
فالجواب: أن هذا لا يصحُّ رفعه؛ لأنَّه من رواية المغيرة بن زياد، عن أبي الزبير، عن جابر. وقد رواه المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير، عن جابر، قال: كانوا، ولم يذكر النبي ﷺ . والمغيرة بن مسلم أصلح حديثًا، وأصح من حديث المغيرة بن زياد. هكذا قاله أبو محمد عبد الحق.
قلت: مع أن حديث أبي الزبير عن جابر لا يؤخذ منه إلا ما ذكر فيه سماعه منه؛ لأنَّه كان يُدلِّس في حديث جابر، ولم يذكر سماعه في هذا الحديث، سلمنا صحته، لكنه يحتمل أن تكون هذه الإباحة بعد التعريف. ويعتضدُ هذا بما رواه
стр. 2839
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبو محمد بن أبي حاتم عن حكيمة بنت غيلان عن أبيها: أن رسول الله ﷺ قال: (من التقط لقطة يسيرة، درهمًا، أو حبلا، أو شبه ذلك؛ فليعرفه ثلاثة أيام، فإن كان فوق ذلك فليعرِّفه ستة أيام) (١). وأصح من هذا وأحسن ما خرَّجه النسائي عن عياض بن حمار المجاشعي: أن رسول الله ﷺ قال: (من أخذ لقطة فليشهد ذوي عدل، وليحفظ عفاصها، ووكاءها، ولا يكتم، ولا يُغيِّب، فإن جاء صاحبها، فهو أحق بها، وإن لم يجئ صاحبها فهو (٢) مال الله يؤتيه من يشاء) (٣)، وهذا عام في كل لُقطة.
و(قوله: فليشهد ذوي عدلٍ) أمرٌ للملتقط بأن يشهد على نفسه بأنه وجد كذا، على جهة الاحتياط للُّقطة مخافة طارئ يطرأ على الملتقط من موت، أو آفة، أو طروء خاطر خيانةٍ.
و(قوله: ولا يكتم، ولا يُغيِّب) يعني به: أنَّه يعرِّفها بأعمِّ أوصافها، ويستدعي من المُدَّعي أخصَّ أوصافها المميَّزة لها، كما تقدم.
وأمَّا ما رواه أبو داود (٤) من حديث علي ﵁: أنَّه وجد دينارًا فرهنه في درهم لحمًا، وأنه أعلم النبي ﷺ بذلك، فأقرَّه، ولم يُنكر عليه تصرَّفه في الدينار بالرَّهن. فلا حجَّة فيه لمن يستدلُّ به: على أن القليل من اللقطة لا يُعرَّف؛ لأنَّ عليًّا ﵁ إنما فعل ذلك في حال ضرورة؛ لأنه دخل بيته والحسن والحسين يبكيان من الجوع، فخرج فوجد الدينار، ففعل ذلك حين لم يجد شيئًا آخر، وفي مثل هذه الحال تحل الميتة، فأحرى التصرف في الوديعة، ثم إنَّه لم يُتلف عين الدينار، وإنَّما رهنه، فلمَّا جاء صاحبه، افتَكَّهُ ودفعه إليه. وذكر في هذا الحديث:
стр. 2840
فَإِن جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَشَأنَكَ بِهَا. قَالَ: فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: لَكَ أَو لِأَخِيكَ أَو لِلذِّئبِ. قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ قَالَ: مَا لَكَ وَما لَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَأكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَلقَاهَا رَبُّهَا.
ــ
أن النبي ﷺ استدعى مدَّعِي الدينار، فسأله، فقال: سقط مني في السُّوق. فأمر عليًّا بافتكاكه، ثم دفعه إلى الرَّجل. من غير أن يسأله عن وصف من أوصاف الدينار، فيحتمل أن يكون اكتفى منه بقوله: أنَّه ضاع مني في السُّوق، وقد كان علي وحده في السُّوق؛ لأنَّ الدينار الواحد ليس فيه عدد، وقد لا يكون له وعاء، ولا وكاء، والدنانير متساوية الأشخاص غالبًا. ويحتمل أن يكون النبي ﷺ علم أنه صاحبه بوحي، أو بقرائن، فلا حجَّة فيه على سقوط السؤال عن الأوصاف. والله تعالى أعلم.
وقد حصل من هذا: أن اللقطة لا بدَّ لها من تعريف؛ فإن كانت مما لها بال ومقدار عُرِّفت سنة. وإن كانت مما ليس لها ذلك المقدار؛ كان تعريفها بحسبها من غير حدٍّ بعدد مخصوص، ولا زمان مخصوص، بل على الاجتهاد. وأما التمرة، والكِسرة: فلا تحتاج إلى تعريف؛ لأنها مزهودٌ فيها، ولا تتشوف نفس صاحبها إليها. وهذا مذهب مالك وغيره. والله أعلم.
و(قوله: فإن جاء صاحبها، وإلا فشأنُك بها -) أو: (فهي لك)، أو: (فاستنفقها)، وفي حديث أبي: (وإلا فاستمتع بها) (١). وفي كتاب الترمذي (٢): (ثمَّ كُلها). وفي كتاب النسائي من حديث عياض بن حمار: (وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء) (٣). أفادت هذه الروايات كلها: أن واجد اللقطة بعد التعريف أحق
стр. 2841
وفي رواية: فَإِن جَاءَ صَاحِبُهَا؛ فَعَرَفَ عِفَاصَهَا وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا، فَأَعطِهَا إِيَّاهُ، وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ.
وفيها أنه ﷺ : غَضِبَ عندما سئل عن ضالة الإبل حَتَّى احمَرَّت وَجنَتَاهُ.
رواه البخاري (٢٤٢٧ و ٢٤٢٨ و ٢٤٢٩ و ٢٤٣٨)، ومسلم (١٧٢٢) (١ و ٦)، وأبو داود (١٧٠٤ - ١٧٠٨)، والترمذيُّ (١٣٧٢)، والنسائي في الكبرى (٥٨١٤ - ٥٨١٦).
ــ
بالنظر فيها من غيره، فلا ينتزعها منه السلطان ولا غيره. وهو قول أهل العلم. غير أن الأوزاعي قال: إن كان مالًا كثيرًا جعله في بيت المال.
واختلفوا إن كان غير مأمون؛ هل يتركها السلطان بيده، أو يأخذها منه؟ فعن الشافعي في ذلك قولان.
قال القاضي عياض: ومقتضى مذهب مالك، وأصحابه: أن يأخذها منه إن كان غير مأمون. وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. فإذا أقرَّت بيده؛ فما الذي يفعل فيها؟ !
الجمهور: على أن له أن يمسكها عنده، ولا ضمان عليه؛ لأنَّها وديعة، كما جاء في بعض طرقه: (ولتكن وديعة عندك). وله أن يصرفها في مصالحه من أكل، أو انتفاع. وله أن يتصدَّق بها، ولا بدَّ في هذين من الضمان متى جاء صاحبها. وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب، وابنه، وابن مسعود، وعائشة، وعطاء، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة. غير أنه - أعني: أبا حنيفة - لم يُبح أكلها إلا للفقير. وشذَّ داود فأسقط عنه الضمان بعد السَّنة.
وموجب الخلاف اختلاف تلك الروايات، وذلك: أن ظاهر قوله: (فهي لك)، و (قوله: ثم كُلها)، و (قوله: وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء): التمليك، وسقوط الضمان، وبه اغتَرَّ داود، لكن قد أزال ذلك الظاهر، ودَحَضَه رواية العدل والضابط الحافظ الإمام يحيى بن سعيد عن يزيد - مولى المنبعث -: أنَّه سمع زيد بن خالد الجهني يقول: سُئل رسول الله ﷺ عن اللقطة؛ الذهب والورق فقال: (اعرف وكاءها،
стр. 2842
[١٨١٨] وعنه، قال: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن اللُّقَطَةِ: الذَّهَبِ أَو الوَرِقِ، فَقَالَ: اعرِف وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفهَا سَنَةً، فَإِن لَم تَعترِف فَاستَنفِقهَا، وَلتَكُن وَدِيعَةً عِندَكَ، فَإِن جَاءَ طَالِبُهَا يَومًا مِن الدَّهرِ فَأَدِّهَا
ــ
وعِفاصها، ثمَّ عرِّفها سَنَة، فإن لم تُعرف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يومًا من الدَّهر، فأدِّها إليه) (١). فهذه أحسن الروايات، وأنصُّها على المطلوب، وهي المبيِّنة لتلك الظواهر الحاكمة عليها. والعجب من داود كيف صُرف عنها وهي بين يديه، وأنَّى تغافلَ عنها؛ وهي حجَّة عليه؟ لكن من حرم التوفيق استدبر الطريق.
و(قوله: ولتكن وديعة عندك) بعد قوله: (استنفقها) معناه: ولتكن في ضمانك على حُكم الوديعة؛ يعني: إذا أنفقها المُودَعُ عنده فإنَّه يضمنها، وإلا: فإذا أنفقها لم تبق عَينُها، فكيف تبقى وديعة إلا على ما ذكرناه؟ والله تعالى أعلم.
و(قوله: فضالةُ الغنم؟ ) فقال: (هي لك، أو لأخيك، أو للذئب) أي: لا بدَّ لها من حال من هذه الأحوال الثلاثة. و (أو) هذه للتقسيم والتنويع. ويفيد هذا: الغنم إذا كانت في موضع يخاف عليها فيه الهلاك جاز لملتقطها أكلها، ولا ضمان عليه؛ إذ قد سوّى بينه وبين الذئب، والذئب لا ضمان عليه، فالملتقط لا ضمان عليه. وهو مذهب مالك وأصحابه، وقد ضمَّنه الشافعي وأبو حنيفة تمسُّكًا ببقاء ملك ربِّها عليها، وبما قد روي من حديث عمرو بن يثربي (٢): أنَّه ﷺ قال: (إن لقيتها لقحة تحمل شفرةً وأزنادًا فلا تمسَّها) (٣). ولا حجَّة في شيء من ذلك؛
стр. 2843
إِلَيهِ. وَسَأَلَهُ عَن ضَالَّةِ الإِبِلِ فَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا، دَعهَا. وذكر نحو ما تقدم.
ــ
قد اتفقنا على أن لواجدها أخذها، وأكلها. والأصل: أنَّه لا يجوز التصرُّف في ملك الغير؛ فقد تركنا ذلك (١) الأصل، فلا نتمسك به في باب اللقطة؛ لأن الشرع قد سلَّط الملتقط عليها، ولما كانت هذه مآلها الهلاك إن تُركت ولا ضمان؛ كان أكلها لواجدها أولى بغير ضمان؛ لأنَّه انتفع بها رجل مسلم، ولا حجَّة أيضًا في الحديث لأنَّه من رواية عمارة بن حارثة، وليس بالمشهور الرواية، ولو سُلِّم أنه صحيح فلا حجَّة فيه أيضًا؛ لأنَّ ذلك القول إنما صدر عن النبي ﷺ جوابًا لمن قال له: أرأيت إن لقيت غنم ابن عمي فأخذت شاة فأجزرتها؛ أعلي في ذلك شيء؟ فأجابه ﷺ بذلك. فلم يسأله عن ضالة الغنم، بل عن غنم ابن عمِّه، وذلك عندما قال النبي ﷺ : (لا يحل لامرئ من مال أخيه شيء إلا بطيب نفسٍ منه) (٢). فحينئذ سأله عن ذلك، فأجابه بذلك. ويلحق بالغنم عند مالك: ما لا يبقى من الأطعمة، ويخافُ عليه الفساد، وكان بموضع لا ينحفظ فيه، ولا يوجد من يشتريه، فله أكله، ولا ضمان. وضمَّنه الإمامان، كما قدمناه، فإن كان شيء من ذلك قريبًا من العمران، وأمن الهلاك عليه فلا يجوز له أكله، ولا خلاف فيه، فإن شاء أخذها بنيَّة حفظها، وإن شاء تركها على ما تقدم.
و(قوله في ضالَّة الإبل: ما لك ولها؟ ) إلى آخر الكلام، وغضبه حين قال ذلك يدلُّ على تحريم التعرُّض لضالَّة الإبل؛ لأنَّها يؤمن عليها الهلاك لاستقلالها بمنافعها. وقد نصّ على ذلك بقوله في الرواية الأخرى: (دعها عنك). ومقتضاه:
стр. 2844
وفي رواية: ثم كلها، فإن جاء صاحبها فأدها إليه.
رواه البخاريُّ (٣٤٣٦)، ومسلم (١٧٢٢) (٥ و ٧)، وأبو داود (١٧٠٦)، والترمذي (١٣٧٣)، والنسائي في الكبرى (٥٨١١)، وابن ماجه (٢٥٠٧).
* * *
ــ
المنع من التصرف فيها مطلقًا، وأن تترك حيث هي. لكن هذا إذا لم تكن بأرض مسبعة. وعلى هذا يدلُّ قوله ﷺ : (ضالة المسلم حرق النار) (١). قال العلماء: هكذا كان في أول الإسلام، وعلى ذلك استمر زمن أبي بكر، وعمر، فلمَّا كان زمن عثمان وعلي، وكثر فساد الناس، واستحلالهم: رأوا التقاطها، وضمَّها، والتعريف بها، وهذا كلُّه منهم وفاءً بمقصود هذا الحديث في لقطة الإبل؛ فإن مقصوده: أنها إذا أمن عليها الهلاك، وبقيت بحيث تتمكن مما تعيش به من الأكل والشرب حتى يجيء ربُّها، فيجدها سليمة، فحينئذ لا يتعرَّض لها أحدٌ، فلو تعذر شيء من ذلك، وخِيف عليها الهلاك أو السَّرق؛ التقطت، وحفظت؛ لأنَّها مال مسلم؛ فيجب حفظه، ولا تُؤكل. ولو كانت بالمواضع المنقطعة عن العمران البعيدة؛ لأنَّ سَوقها ممكن، ومؤونتها متيسرة بخلاف الغنم.
وهل يلحق بها البقر أو بالغنم؟ عندنا في ذلك قولان. فرأى مالك إلحاقها بالغنم لضعفها عن الامتناع عند انفرادها. ورأى ابن القاسم إلحاقها بالإبل إذا كانت بموضع لا يخاف عليها فيه من السِّباع.
قلت: وكأن هذا تفصيل أحوال، لا اختلاف أقوال. وقد بيَّنَّا: أن مثله جار في الإبل، فالأولى: إلحاقها بها.
وكذلك اختلف في التقاط الخيل، والبغال، والحمير. وظاهر قول ابن القاسم: أنها تلتقط. وقال أشهب، وابن كنانة: لا تلتقط.
стр. 2845
(٩) باب الاستظهار في التعريف بزيادة على السنة إذا ارتجى ربَّها
[١٨١٩] عن سُوَيد بن غَفَلَةَ قَالَ: خَرَجتُ أَنَا وَزَيدُ بنُ صُوحَانَ، وَسَلمَانُ بنُ رَبِيعَةَ غَازِينَ، فَوَجَدتُ سَوطًا، فَأَخَذتُهُ، فَقَالَا لِي: دَعهُ، فَقُلتُ: لَا، وَلَكِنِّي أُعَرِّفُهُ، فَإِن جَاءَ صَاحِبُهُ، وَإِلَّا استَمتَعتُ بِهِ، قَالَ: فَأَبَيتُ عَلَيهِمَا، فَلَمَّا رَجَعنَا مِن غَزَاتِنَا، قُضِيَ لِي أَنِّي حَجَجتُ فَأَتَيتُ المَدِينَةَ، فَلَقِيتُ أُبَيَّ بنَ كَعبٍ، فَأَخبَرتُهُ بِشَأنِ السَّوطِ، وَبِقَولِهِمَا، فَقَالَ: إِنِّي وَجَدتُ صُرَّةً فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَيتُ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: عَرِّفهَا حَولًا. قَالَ: فَعَرَّفتُهَا فَلَم أَجِد مَن يَعرِفُهَا، ثُمَّ أَتَيتُهُ فَقَالَ: عَرِّفهَا حَولًا. فَعَرَّفتُهَا، فَلَم أَجِد مَن يَعرِفُهَا، ثُمَّ أَتَيتُهُ فَقَالَ: عَرِّفهَا حَولًا. فَلَم أَجِد مَن يَعرِفُهَا. ثم أتيته فَقَالَ: عَرِّفهَا حَولًا. فعرفتها،
ــ
و(حذاء الإبل): أخِفافُها. وأصل الحذاء: ما يحتذي به الإنسان من نعال أو غيره. و (السِّقاء) ما يشرب به، فيعني: أن الإبل لا تحتاج إلى شيء مما يحتاج إليه غيرها من المواشي، فإنَّها تمشي حيث شاءت، وتأكل من الأشجار، وترد على الأنهار.
(٩) ومن باب: الاستظهار في التعريف
استدلال أُبي بن كعب بحديث المائة الدينار حيث سُئل عن التقاط السَّوط؛ يدلُّ على أن مذهبه التسوية بين قليل اللقطة وكثيرها في وجوب التعريف بها سَنَةً، وأنَّه يستظهر بعد ذلك بحولين، وهذا لم يقل به أحدٌ في الشيء اليسير. وقد قدمنا: أنَّه لم يأخذ أحد من العلماء بتعريف ثلاثة أعوام إلا شيء روي عن عمر بن الخطاب ﵁، والجمهور على أن التعريف فيما له بال سَنَةً؛ لأنَّ
стр. 2846
فَلَم أَجِد مَن يَعرِفُهَا. فقال: احفَظ عَدَدَهَا وَوِعَاءَهَا وَوِكَاءَهَا، فَإِن جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَاستَمتِع بِهَا. فَلَقِيتُهُ بَعدَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ. فَقَالَ: لَا أَدرِي بِثَلَاثَةِ أَحوَالٍ أَو حَولٍ وَاحِدٍ.
وفي رواية شُعبَة، قال: فَسَمِعتُهُ بَعدَ عَشرِ سِنِينَ يَقُولُ: عَرَّفَهَا عَامًا وَاحِدًا. وفي أخرى: فَإِن جَاءَ أَحَدٌ يُخبِرُكَ بِعَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا فَأَعطِهَا إِيَّاهُ. وَإِلَّا فَهِيَ كَسَبِيلِ مَالِكَ.
رواه أحمد (٥/ ١٢٦ و ١٢٧)، والبخاري (٢٤٢٦ و ٢٤٣٧)، ومسلم (١٧٢٣) (٩ و ١٠)، وأبو داود (١٧٠١)، والترمذي (١٣٧٤)، وابن ماجه (٢٥٠٦).
* * *
ــ
صاحبها إن كان حاضرًا تنبَّه لها، وتذكرها، وظهر طلبه لها في هذه السَّنَة. وإن كان غائبًا أمكن عوده وطلبها في هذه السَّنة، أو يسمع خبره فيها، فإذا لم يأت بعد السَّنة؛ فالظاهر الغالب: أنَّه هلك، وأن هذا المال ضائع؛ فواجده أولى به، لما تقدم في الشيء الكثير، فأمَّا في الشيء اليسير: فيمكن أن يكون صاحبه تركه استسهالًا واستخفافًا، وأنَّه غير محتاج إليه. وهذا في التمرة والكِسرة واضح، فلا يحتاج إلى تعريف. وألحق بعض أصحابنا أقل من الدرهم بذلك. وأبعد أبو حنيفة فقال: لا تعريف في أقل من ثمانية دراهم. وأبعد من هذا قول إسحاق: إن الدينار لا يحتاج إلى تعريف، تمسُّكًا بحديث علي المتقدم، وقد قدَّمنا: أنَّه لا حجَّة فيه.
وأمَّا أمره ﷺ لأُبَي بزيادة التعريف على سَنَة بسَنَةٍ أو سَنَتين - على اختلاف الرواية فذلك مبالغة، واحتياط على جهة الاستحباب كما تقدم، لا سيما مع استغناء الملتقط عن الانتفاع بها. قالوا: وكذلك كان أُبي ﵁ مستغنيًا عنها.
و(قول شعبة: فسمعته بعد عشر سنين يقول: عَرَّفَهَا عامًا واحدًا) يعني:
стр. 2847
(١٠) باب النهي عن لقطة الحاج وعن أن يحلب أحد ماشية أحد إلا بإذنه
[١٨٢٠] عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي: أن رسول الله ﷺ نهى عن لقطة الحاج.
رواه أحمد (٣/ ٤٩٩)، ومسلم (١٧٢٤)، وأبو داود (١٧١٩)، والنسائي في الكبرى (٥٨٠٥).
[١٨٢١] وعَن زَيدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ، مَا لَم يُعَرِّفهَا.
ــ
سلمة بن كُهَيل؛ الذي روى عنه هذا الحديث. يعني: أنَّه لقيه بعد أن سمع الحديث منه بعشر سنين، فأعاد سلمة الحديث، فقال: عَرَّفَها عامًا واحدًا؛ يعني: في الاستظهار، وكأن شعبة شكَّ في عدم الاستظهار. هل هو في سَنَة واحدة؟ فلقيه بعد ذلك بعشر سنين، فسأله، فأخبره: أنه كان عامًا واحدًا، فزال شكه. والله تعالى أعلم.
ومن باب: النَّهي عن لقطة الحاج، وعن أن يَحلِب أحدٌ ماشية أحد إلا بإذنه قد تقدم القول في لقطة الحاجِّ، والخلاف فيها.
و(قوله: من آوى ضالَّة فهو ضالٌّ، ما لم يُعرِّفها) يعني: أنَّها إذا كانت مِمَّا يعرَّف فلم يعرفها كان ذلك دليلًا على أنَّه قصد الخيانة فيها، وأنَّه إنَّما أخذها لنفسه، لا ليحفظها على صاحبها. وقد قلنا: إن من أخذها وجب عليه أن يأخذها
стр. 2848
رواه أحمد (٤/ ١١٦)، ومسلم (١٧٢٥)، والنسائي في الكبرى (٥٨٠٦).
[١٨٢٢] وعَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَحلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذنِهِ،
ــ
بنيَّة حفظها على مالكها، وأداء الأمانة فيها، وإلا فهو ضالٌّ عن طريق الحق فيها، خائن، آثمٌ.
و(قوله: لا يحلبن أحدٌ ماشية أحدٍ إلا بإذنه) إنَّما كان هذا لأن أصل الأملاك بقاؤها على ملك مُلَاّكِها، وتحريمها على غيرهم، كما قال ﷺ : (إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا) (١)، وكما تقدم من قوله ﷺ : (إنَّه لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه) (٢)، إلى غير ذلك. وهذا أصل ضروري معلومٌ من الشرائع كلها. وإنما خصَّ اللَّبن بالذكر لتساهل الناس في تناوله، ولا فرق بين اللَّبن والثمرة وغيرها في ذلك، غير أن العلماء قد اختلفوا فيهما. فذهب الجمهور: إلى أنَّه لا يحل شيء من لبن الماشية، ولا من التمر إلا إذا علم طيب نفس صاحبه به، تمسُّكًا بالأصل المذكور، وبهذا الحديث. وذهب بعض المحدثين: إلى أن ذلك يحل وإن لم يُعلم حال صاحبه؛ لأنَّ ذلك حقٌّ جعله الشرع له، تمسُّكًا بما رواه أبو داود عن الحسن، عن سمرة: أن النبي ﷺ قال: (إذا أتى أحدكم على ماشية؛ فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، فإن أذن له، فليحتلب، وليشرب، وإن لم يكن فيها فليصوِّت ثلاثًا؛ فإن أجابه فليستأذنه، فإن أذن له، وإلا فليحتلب وليشرب ولا يحمل) (٣).
стр. 2849
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وذكره الترمذي عن يحيى بن سليم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: (من دخل حائطًا فليأكل، ولا يتخذ خبنة) (١). قال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سُليم. وذكر من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه: أن النبي ﷺ سئل عن الثمر المعلَّق فقال: (من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه) (٢). قال فيه: حديث حسن.
قلت: ولا حجَّة في شيء من هذه الأحاديث لأوجه:
أحدها: أن التمسك بالقاعدة المعلومة أولى.
وثانيها: أن حديث النهي أصحُّ سندًا، فهو أرجح.
وثالثها: أن ذلك محمولٌ على ما إذا علم طيب نفوس أرباب الأموال بالعادة أو بغيرها.
ورابعها: أن ذلك محمول على أوقات المجاعة والضرورة، كما كان ذلك في أول الإسلام. والله تعالى أعلم.
فرع: لو اضطر فلم يجد ميتة؛ وجب عليه إحياء رمقه من مال الغير. وهل يلزمه قيمة ما أكل أم لا؟ قولان في المذهب، والجمهور على وجوبها عليه إذا أمكنه ذلك، فإن وجد ميتة وطعامًا للغير؛ فإن أمن على نفسه من القطع والضرر أكل الطعام ويغرم قيمته. وقيل: لا يغرم. وإن لم يأمن على نفسه أكل الميتة، قاله مالك.
غير أنه قد جرت عادة بعض الناس بالمسامحة في أكل بعض الثمر، كما قد
стр. 2850
أَيُحِبُّ أَحَدُكُم أَن تُؤتَى مَشرُبَتُهُ، فَتُكسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنتَقَلَ طَعَامُهُ؟ فإِنَّمَا تَخزُنُ لَهُم ضُرُوعُ مَوَاشِيهِم أَطعِمَتَهُم، فَلَا يَحلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذنِهِ.
وفي رواية: (فينتثل) بدل: (فينتقل).
رواه البخاريُّ (٢٤٣٥)، ومسلم (١٧٢٦)، وأبو داود (٢٦٢٣)، وابن ماجه (٢٣٠٢).
* * *
ــ
اتفق في بعض بلادنا، وفي شرب بعض لبن الماشية، كما كان ذلك في أهل الحجاز، فيكون استمرار العادة بذلك وترك النكير فيه دليلًا على إباحة ذلك، ولذلك شرب النبي ﷺ ، وأبو بكر ﵁ من لبن غنم الراعي في طريق الهجرة، ويمكن أن تُحمل الأحاديث المتقدمة على العادة الجارية عندهم في اللبن والثمرة.
و(قوله: أيحبُّ أحدكم أن تؤتى مشربته، فتكسر خزانته، فينتقل طعامه). المشربة: سقيفة يختزن فيها الطعام. وقيل: هي كالغرفة، وتقال بضم الراء وفتحها.
فيه من الفقه: استعمال القياس، وإباحة خزن الطعام واحتكاره إلى وقت الحاجة، خلافًا لغلاة المتزهدة القائلة: لا يجوز الادِّخار مطلقًا.
و(يُنتقل طعامُه) معناه: يؤخذ وينقل إلى موضع آخر. وهو معنى: (يُنتَثَل) في الرواية الأخرى، إلا أنَّ النَّثل: النثر بمرةٍ واحدة. يقال: نَثَلَ ما في كنانته؛ أي: صبَّها.
و(قوله: فإنما تُخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم) ظاهر تشبيه ضرع الماشية بالخزانة يقتضي: أن من حلب ماشية أحد في خفية، وكان قيمة ما حلب نصابًا قُطِعَ، كما يُقطع مَن أخذه من خزانته، فيكون ضرع الماشية حرزًا. وقد قال به بعض العلماء. فأمَّا مالك: فلم يقل به، إلا إذا كانت الغنم (١) في حرز.
وفيه من
стр. 2851
(١١) باب الأمر بالضيافة والحكم فيمن منعها
[١٨٢٣] عَن أَبِي شُرَيحٍ العَدَوِيِّ الخزاعي أَنَّهُ قَالَ: سَمِعَت أُذُنَايَ، وَأَبصَرَت عَينَايَ حِينَ تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَن كَانَ يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَليُكرِم ضَيفَهُ جَائِزَتَهُ.
ــ
الفقه: تسمية اللَّبن طعامًا. فمن حلف ألا يأكل طعامًا؛ فشرب لبنًا؛ حنث، إلا أن يكون له نيَّةٌ في نوع من الأطعمة.
وفيه حجَّة لمن منع بيع الشاة اللبون باللَّبن إذا كان في ضرعها لبن حاضر. وهو مذهب مالك والشافعي. فإن لم يكن فيها لبن حاضر أجازه مالك نقدًا، ومنعه إلى أجل. واختلف أصحابه، فحمله جلُّتهم على عمومه. وقال بعضهم: إنَّما هذا إذا قدَّم الشاة، فلو كانت هي المؤخرة جاز، وأجاز بيعها بالطعام نقدًا، وإلى أجل. وأجاز الأوزاعي شراءها باللبن وإن كان في ضرعها لبن. ورآه لغوًا وتابعًا. ولم يجز الشافعي ولا أبو حنيفة بيعها بطعام إلى أجلٍ.
(١١) ومن باب الأمر بالضيافة والحكم فيمن منعها
قوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته) قد تقدم القول في حكم الضيافة، وأن الأمر بها عند الجمهور على جهة الندب، لأنَّها من مكارم الأخلاق، إلا أن تتعين في بعض الأوقات بحسب ضرورة أو حاجة، فتجب حينئذ.
وقد أفاد هذا الحديث: أنها من أخلاق المؤمنين، ومما لا ينبغي لهم أن يتخلَّفوا عنها، لما يحصل عليها من الثواب في الآخرة، ولما يترتب عليها في الدنيا
стр. 2852
قَالَوا: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ! قَالَ: يَومُهُ وَلَيلَتُهُ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ،
ــ
من إظهار العمل بمكارم الأخلاق، وحُسن الأحدوثة الطيبة (١)، وطيب الثناء، وحصول الرَّاحة للضيف المتعوب بمشقَّات السَّفر، المحتاج إلى ما يخفف عليه ما هو فيه من المشقَّة، والحاجة.
ولم تزل الضيافة معمولًا بها في العرب من لدن إبراهيم ﷺ ؛ لأنَّه أول من ضيَّف الضيف. وعادة مستمرة فيهم، حتى إنَّ من تركها يُذَمُّ عُرفًا، ويُبَخَّلُ ويُقَبَّحُ عليه عادة، فنحن وإن لم نقل: إنَّها واجبة شرعًا فهي متعيِّنة لما يحصل منها من المصالح، ويندفع بها من المضار عادة وعُرفًا.
و(الجائزة): العطية. يقال: أجزته جائزة، كما تقول: أعطيته عطية. و (جائزته) هنا منصوبة، إما على إسقاط لفظ حرف الجر، فكأنه قال: فليكرم ضيفه بجائزته. وإما بأن يُشرِبَ (فليكرم) معنى: (فليُعط)، فيكون مفعولا ثانيًا لـ (يكرم).
و(قوله: وما جائزته؟ ) استفهام عن مقدار الجائزة، لا عن حقيقتها، ولذلك أجابهم بقوله: (يومه وليلته) أي: القيام بكرامته في يومه وليلته؛ أي: أقل ما يكون هذا القدر، فإنَّه إذا فعل هذا حصلت له تلك الفوائد.
و(قوله بعد ذلك: والضيافة ثلاثة أيام) يعني بها بالكاملة التي إذا فعلها المضيف فقد وصل إلى غاية الكمال، وإذا أقام الضيف إليها لم يلحقه ذمٌّ بالمقام فيها؛ فإن العادة الجميلة جاريةٌ بذلك. وأمَّا ما بعد ذلك فخارج عن هذا كله، وداخل في باب: إدخال المشقات والكُلَف على المُضيِّف، فإنَّه يتأذى بذلك من أوجه متعددة. وهو المعني بقوله ﷺ : (ولا يحل له أن يقيم عنده حتى يؤثمه) أي: حتى يشق عليه، ويثقل، لا سيما مع رقة الحال، وكثرة الكلف.
وقيل: معنى
стр. 2853
فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيهِ. وَقَالَ: مَن كَانَ يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَليَقُل خَيرًا أَو لِيَصمُت.
رواه أحمد (٤/ ٣١) و (٦/ ٣٨٥)، والبخاريُّ (٦٠١٩ و ٦٤٧٦)، ومسلم (٤٨) في اللقطة (١٤)، وأبو داود (٣٧٤٨)، والترمذيُّ (١٩٦٧)، وابن ماجه (٣٦٧٥).
[١٨٢٤] وعنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَجَائِزَتُهُ يَومٌ وَلَيلَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسلِمٍ أَن يُقِيمَ عِندَ أَخِيهِ حَتَّى يُؤثِمَهُ. قَالَوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيفَ يُؤثِمُهُ؟ قَالَ: يُقِيمُ عِندَهُ وَلَا شَيءَ لَهُ يَقرِيهِ بِهِ.
رواه أحمد (٤/ ٣١) و (٦/ ٣٨٥)، والبخاريُّ (٦١٣٥)، ومسلم (٤٨) في اللقطة (١٥ و ١٦)، وأبو داود (٣٧٤٨)، والترمذيُّ (١٩٦٨)، وابن ماجه (٣٦٧٥).
ــ
(يؤثمه): يحرجه، فيقع في الإثم. وقد جاء ذلك مفسَّرًا في بعض الروايات: (حتى يحرجه). فإن تحمَّل المضيِّف شيئا من ذلك؛ فهو صدقة منه على الضيف، فحقُّه أن يأنف منها، ولا يقبلها، لا سيما إن لم يكن أهلًا لها، فإنَّها تحرم عليه.
وقيل: معنى قوله: (جائزته يوم وليلة) أن ذلك حق المجتاز، ومن أراد الإقامة فثلاثة أيام.
و(جائزته) هنا: مرفوعٌ بالابتداء، وخبره: (يوم وليلة). وقيل: الجائزة غير الضيافة، يضيفه ثلاثة أيام، ثم يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلة. قال الهروي: والجيزة: قدر ما يجوز به المسافر من منهل إلى منهل. وما ذكرناه أولى للمساق والمعنى.
و(قوله: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) يعني: أن المصدِّق بالثواب والعقاب المُترتبين على الكلام في الدَّار الآخرة لا يخلو من
стр. 2854
[١٨٢٥] وعَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: قُلنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّكَ تَبعَثُنَا، فَنَنزِلُ بِقَومٍ ولَا يَقرُونَنَا، فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِن نَزَلتُم بِقَومٍ فَأَمَرُوا لَكُم بِمَا يَنبَغِي لِلضَّيفِ فَاقبَلُوا، فَإِن لَم يَفعَلُوا، فَخُذُوا مِنهُم حَقَّ الضَّيفِ الَّذِي يَنبَغِي لَهُم.
رواه أحمد (٤/ ١٤٩)، والبخاريُّ (٢٤٦١)، ومسلم (١٧٢٧)، وأبو داود (٣٧٥٢)، والترمذي (١٩٨٥)، وابن ماجه (٣٦٧٦).
* * *
ــ
إحدى الحالتين. إما أن يتكلَّم بما يحصل له ثوابًا وخيرًا فيغنم، أو يسكت عن شيء يجلب له عقابًا وشرًّا فيسلم. وعلى هذا: فتكون (أو) للتنويع والتقسيم. وقد أكثر الناس في تفصيل آفات الكلام، وهي أكثر من أن تدخل تحت حصر ونظام.
وحاصل ذلك: أن آفات اللسان أسرع الآفات للإنسان، وأعظمها في الهلاك والخسران. فالأصل: ملازمة الصمت إلى أن تتحقق السلامة من الآفات، والحصول على الخيرات، فحينئذ تخرج تلك الكلمة مخطومة وبأزمَّة التقوى مزمومة. والله الموفق.
و(قوله: إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا) هذا أمر على جهة النَّدب للضيف بالقبول. فحقه ألا يُرَّد لما فيه مِمَّا يؤدي إلى أذى المضيف بالامتناع من إجابة دعوته، وغمِّ قلبه بترك أكل طعامه، ولأنه ترك العمل بمكارم الأخلاق. وقد قال ﷺ : (إذا دعي أحدكم إلى طعامٍ فليجب - عرسًا كان أو غيره -) (١).
و(قوله: فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف) هذا مما استدلَّ به الليث
стр. 2855
(١٢) باب الأمر بالمواساة بالفضل وجمع الأزواد إذا قلت
[١٨٢٦] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: بَينَمَا نَحنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، إِذ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ يضرب يَمِينًا وَشِمَالًا،
ــ
على وجوب الضيافة. وهو ظاهرٌ في ذلك، غير أن هذا محمولٌ على ما كان في أول الإسلام من شدَّة الأمر، وقلَّة الأزواد، فقد كانت السَّرية يخرجها النبي ﷺ ولا يجد لها إلا مِزوَدَي تمر. فكان أمير السَّرية يقوتهم إيَّاه، كما قد اتفق في جيش أبي عبيدة، وسيأتي.
وإذا وجب التضييف كان للضيف طلب حقه شرعًا، وإن لم يكن الحال هكذا فيحتمل أن يكون هذا الحق المأمور بأخذه هو حقُّ ما تقتضيه مكارم الأخلاق، وعادات العرب، كما قررناه، فيكون هذا الأخذ على جهة الحضِّ والترغيب بإبداء ما في الضيافة من الثواب والخير، وحُسن الأحدوثة، ونفي الذمِّ، والبخل، لا على جهة الجبر والقهر؛ إذ الأصل ألا يحلَّ مالُ امرئ مسلم إلا بطيب قلبه، ويحتمل أن يراد بالقوم الممرور بهم أهل الذمة، فينزل بهم الضيف، فيمنعونه ما قد جعل عليهم من التضييف، فهؤلاء يؤخذ منهم ما جعل عليهم من الضيافة على جهة الجبر من غير ظلمٍ ولا تعدٍّ. وقد رأى مالك سقوط ما وجب عليهم من ذلك لما أحدث عليهم من الظلم. والله تعالى أعلم.
(١٢) ومن باب: الأمر بالمواساة وجمع الأزواد إذا قلت
(قوله: جاء رجل على راحلته فجعل يضرب يمينًا وشمالًا) كذا رواه ابن ماهان بالضاد المعجمة، وبالباء الموحدة من تحتها، من الضرب في الأرض؛ الذي يراد به: الاضطراب والحركة، فكأنه كان يجيء بناقته، ويذهب بها فعل المجهود الطالب. وفي كتاب أبي داود: يضرب راحلته يمينًا وشمالًا. وقد رواه العذري فقال: يُصرِّف - بالصاد المهملة والفاء -من الصَّرف، ولم يذكر المصروف
стр. 2856
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن كَانَ مَعَهُ فَضلُ ظَهرٍ فَليَعُد بِهِ عَلَى مَن لَا ظَهرَ لَهُ، وَمَن كَانَ لَهُ فَضلٌ مِن زَادٍ فَليَعُد بِهِ عَلَى مَن لَا زَادَ لَهُ. قَالَ: فَذَكَرَ مِن أَصنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَ، حَتَّى رئينَا: إنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضلٍ.
رواه أحمد (٣/ ٣٤)، ومسلم (١٧٢٨)، وأبو داود (١٦٦٣).
[١٨٢٧] وعن إِيَاس بن سَلَمَةَ، عَن أَبِيهِ قَالَ: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزوَةٍ، فَأَصَابَنَا جَهدٌ، حَتَّى هَمَمنَا أَن نَنحَرَ بَعضَ دوابنا، فَأَمَرَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، فَجَمَعنَا أزَوَادَنَا، فَبَسَطنَا لَهُ نِطَعًا، فَاجتَمَعَ زَادُ القَومِ عَلَى
ــ
ما هو؟ وقد رواه السَّمرقندي والصدفي كذلك، وبيَّنوا المصروف، فقالوا: يصرف بصره يمينًا وشمالًا. يعني: كان يقلب طرفه فيمن يعطيه ما يدفع عنه ضرورته. ولا تباعد بين هذه الروايات؛ إذ قد صدر من الرجل كل ذلك، ولما رآه النبي ﷺ على تلك الحال أمر كل من كان عنده زيادة على قدر كفايته أن يبذله، ولا يمسكه، وكان ذلك الأمر على جهة الوجوب لعموم الحاجة، وشدَّة الفاقة؛ ولذلك قال الصحابي: حتى رئينا: أنَّه لا حق لأحد منا في فضل؛ أي: في زيادة على قدر الحاجة. وهكذا الحكم إلى يوم القيامة؛ مهما نزلت حاجة، أو مجاعة، في السَّفر، أو في الحضر، وجبت المواساة بما زاد على كفاية تلك الحال، وحرم إمساك الفضل.
و(قوله: حتى رئينا) هكذا وقعت هذه الرواية بضم الراء وكسر ما بعدها مبنيًا لما لم يسم فاعله؛ أي: أظهر لنا. وفي بعض النسخ: (رأينا) مبنيًا للفاعل. وفي بعضها: حتى قلنا. من القول بمعنى الظن، كما قال الشاعر (١):
متى تقول القُلُصَ الرَّواسِمَا ... يُدنِين أُمَّ قاسمٍ وقاسما؟
و(قوله: فجمعنا أزوادنا): هذه الرواية الواضحة المحفوظة. وقد وقع
стр. 2857
النِّطَعِ، قَالَ: فَتَطَاوَلتُ لِأَحزِرَهُ كَم هُوَ، فَحَزَرتُهُ كَرَبضَةِ العَنزِ، وَنَحنُ أَربَعَ عَشرَةَ مِائَةً، قَالَ: فَأَكَلنَا حَتَّى شَبِعنَا جَمِيعًا، ثُمَّ حَشَونَا جُرُبَنَا، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : فَهَل مِن وَضُوءٍ؟ . قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ بِإِدَاوَةٍ، وفِيهَا نُطفَةٌ، فَأَفرَغَهَا فِي قَدَحٍ، فَتَوَضَّأنَا كُلُّنَا، نُدَغفِقُهُ دَغفَقَةً، أَربَعَ عَشرَةَ مِائَةً. قَالَ: ثُمَّ جَاءَ بَعدَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ، فَقَالَوا: هَل مِن طَهُورٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَرِغَ الوَضُوءُ.
رواه مسلم (١٧٢٩).
* * *
ــ
لبعضهم: (تزوادنا) بالتاء باثنتين من فوقها، بفتح التاء وكسرها، وهو اسم من الزاد؛ كالتِّسيار، والتمثال. ووقع لبعضهم: (مزاودنا)، والأول أوجه، وأصح.
و(قوله: فحزرته كربضة العَنز) أي: قدرته مثل جُثَّة العنز، فحقُّه على هذا أن يكون مضموم الراء؛ لأنَّه اسم. وكذلك حفظي عمَّن أثق به. فيكون: كـ (ظلمة) و (غرفة). وقد روي بكسر الراء، ذهب فيه مذهب الهيئات، كـ (الجلسة)، و (المشية). وقد روي بفتح الراء، وهي أبعدُها؛ لأنَّه حينئذ يكون مصدرًا، ولا يُحزَر المصدر، ولا يُقدَّر.
و(النُّطفة): القطرة، ومراده بها هنا: القليل من الماء. يقال: نطف الماء ينطف؛ أي: قطر.
و(ندغفقه دغفقة) أي: نأخذ منه ونصب على أيدينا صبًّا شديدًا.
و(الجُرُبُ): جمع جراب، وهي الأوعية التي يجعل فيها الزاد. وتسمى أيضًا: مزاوِد.
وهذا الحديث قد اشتمل على معجزتين من معجزات النبي ﷺ في الطعام والشراب. وقد وقع ذلك منه مرات كثيرة. وروي من طرق عديدة، ووقع منه في جموع كثيرة، ومشاهد عظيمة؛ فهي من معجزاته المتواترة، وكراماته المتظاهرة، وقد بيَّنَّا ذلك في كتابنا في الردِّ على النصارى.
стр. 2858
(٢٥) كتاب الصيد والذبائح وما يحل أكله من الحيوان وما لا يحل
(١) باب الصيد بالجوارح وشروطها
[١٨٢٨] عَن عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرسِلُ
ــ
(٢٥) كتاب الصيد
الأصلُ في جواز الصيد على الجملة: الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَسأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُم قُل أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمتُم مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾؛ أي: وصيد ما علَّمتم، الآية. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيءٍ مِنَ الصَّيدِ﴾ وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُم صَيدُ البَحرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُم وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ الآية.
وأما السُّنة: فصحيحها الأحاديث الآتية.
وأما الإجماع: فمعلومٌ.
والصيد: ذكاة في المتوحش طبعًا، غير المقدور عليه، المأكول نوعه. والنظر فيه: في الصائد، والمصيد، والآلة التي يصاد بها. ولكل منها شروط يأتي ذكرها أثناء النظر في الأحاديث إن شاء الله تعالى.
стр. 2859
الكِلَابَ المُعَلَّمَةَ فَيُمسِكنَ عَلَيَّ، وَأَذكُرُ اسمَ اللَّهِ عَلَيهِ. فَقَالَ: إِذَا أَرسَلتَ كَلبَكَ المُعَلَّمَ؛
ــ
(١ و ٢) ومن باب: الصيد بالجوارح وشروطها (١)
قوله: (إذا أرسلت كلبك المعلَّم) تعليم الكلب وغيره مما يصاد به هو: تأديبه على الصيد، بحيث يأتمر إذا أمر، وينزجر إذا زُجِر. ولا يختلف في هذين الشرطين في الكلاب وما في معناها من سباع الوحوش.
واختلف فيما يصاد به من الطير. فالمشهور: أن ذلك مشترطٌ فيها. وذكر ابن حبيب: أنه لا يشترط أن تنزجر إذا زُجِرَت؛ فإنَّه لا يتأتى ذلك فيها غالبًا. فيكفي أنها إذا أمرت أطاعت.
قلت: والوجود يشهد للجمهور، بل الذي لا ينزجر نادرٌ فيها، وقد شرط الشافعي، وجمهور من العلماء في التعليم أن يمسك على صاحبه، ولا يأكل منه شيئًا. ولم يشترطه مالك في المشهور عنه، وسيأتي.
وقد ألحق الجمهور بالكلب كلَّ حيوان مُعَلَّم يتأتى به الاصطياد تمسُّكًا بالمعنى، وبما رواه الترمذي عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازي فقال: (ما أمسك عليك فَكُل) (٢) على أن في إسناده مجالدًا، ولا يُعرف إلا من حديثه، وهو ضعيف. والمعتمد: النظر إلى المعنى، وذلك أن كل ما يتأتى من الكلب يتأتى من الفهد مثلًا، فلا فارق إلا فيما لا مدخل له في التأثير، وهذا هو القياس في معنى الأصل، كقياس السيف على المِديَة؛ التي ذبح النبي ﷺ بها، وقياس الأَمَة على العبد في سراية العتق.
وقد خالف في ذلك قوم، وقصروا الإباحة على الكلاب خاصة. ومنهم من يستثني الكلب الأسود، وهو الحسن،
стр. 2860
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والنخعي، وقتادة؛ لأنَّه شيطان كما قال النبي ﷺ ، متمسكين بقوله: (مكلِّبين)، وبأنَّه ما وقع في الصحيح إلا ذكر الكلاب، وهذا لا حجَّة لهم فيه؛ لأنَّ ذكر الكلاب في هذه المواضع إنما كان لأنها الأغلب والأكثر. وأيضًا فإن ذكرها خصوصًا لا يدل على أن غيرها لا يصاد بها؛ لأنَّ الكلب لقب، ولا مفهوم للقب عند جماهير المحققين من الأصوليين، ولم يصر إليه إلا الدَّقاق، وليس هو فيه على توفيق، ولا وفاق. ولو صحَّ زعمه ذلك لكفر من قال: عيسى رسول الله؛ فإنَّه كان يلزم منه بحسب زعمه: أن محمدًا وغيره من الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ليس رسولًا.
وفي (قوله ﷺ : إذا أرسلت) ما يدلُّ على أن الإرسال لا بدَّ أن يكون من جهة الصائد، ومقصودًا له؛ لأنَّ أفعل فعل الفاعل كأَخرَج، وأَكرم، ثم هو فعل عاقل، فلا بدَّ أن يكون مفعولًا لغرض صحيح، وفيه مسألتان:
الأولى: أن يقصد الصائد عند الإرسال قصد التذكية والإباحة، وهذا لا يختلف فيه، فلو قصد مع ذلك اللهو؛ فكرهه مالك، وأجازه ابن عبد الحكم. وهو ظاهر قول الليث: ما رأيت حقًّا أشبه بباطل منه. يعني: الصيد. فأما لو فعله بغير نيَّة التذكية: فهر حرام؛ لأنَّه من باب الفساد وإتلاف نفس حيوان بغير منفعة. وقد نهى رسول الله ﷺ عن قتل الحيوان إلا لمأكلة.
الثانية: لا بدَّ أن يكون انبعاثُ الكلب بإرسالٍ من يد الصائد، بحيث يكون زمامه بيده [فيُخلِّي عنه، ويُغرِيه عليه، فينبعثُ، أو يكون الجارح ساكنًا مع رؤية الصيد، فلا يتحرَّك له إلا بإغراء الصائد. فهذا بمنزلة ما زمامه بيده] (١) فأطلقه مُغريًا له على أحد القولين. فأما لو انبعث الجارح من تلقاء نفسه من غير إرسال،
стр. 2861
وَذَكَرتَ اسمَ اللَّهِ عَلَيهِ فَكُل.
ــ
ولا إغراء: فلا يجوز صيده، ولا يحل أكله؛ لأنَّه إنَّما صاد لنفسه، وأمسك عليها، ولا صُنعَ للصائد فيه، فلا يُنسبُ إليه إرساله؛ لأنَّه لا يصدق عليه: (إذا أرسلت كلبك المعلم). ولا خلاف في هذا فيما علمته.
و(قوله: وذكرت اسم الله)، وفي الأخرى: (واذكر اسم الله) على الأمر.
وظاهر هذا: أنه لا بدَّ من التسمية بالقول عند الإرسال، فلو لم توجد على أي وجه كان لم يؤكل الصيد. وهو مذهب أهل الظاهر، وجماعة أهل الحديث، ويعضدهم ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلا تَأكُلُوا مِمَّا لَم يُذكَرِ اسمُ اللَّهِ عَلَيهِ﴾
وذهب طائفة من أصحابنا، وغيرهم: إلى أنه يجوز أكل ما صاد المسلم وذبحه، وإن ترك التسمية عمدًا. وحملوا الأمر بالتسمية على الندب، وكأنهم حملوا هذه الظواهر على ذكر اسم الله بالقلب، وهو لا يخلو عنه المسلم غالبًا، فإنَّه إذا نوى التذكية فقد ذكر الله تعالى بقلبه، فإن معنى ذلك: القصد إلى فعل ما أباحه الله تعالى على الوجه الذي شرعه الله، وهذا كما قاله بعض العلماء في قوله ﷺ : (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) (١) أي: من لم ينو، وأصل هذا: أن الذِّكر إنما هو التنبه بالقلب للمذكور، ثم سمي القول الدال على الذكر: ذكرًا، ثم اشتهر ذلك حتى صار السابق إلى الفهم من الذكر: القول اللِّساني. فأما الآية: فمحمولة على أن المراد بها ذبائح المشركين، كما هو أشهر أقوال المفسرين وأحسنها. وذهب مالك في المشهور عنه إلى الفرق بين ترك التسمية عمدًا، أو سهوًا، فقال: لا تؤكل مع العمد، وتؤكل مع السهو. وهو قول كافة فقهاء الأمصار، وأحد قولي الشافعي.
ثم اختلف أصحاب مالك في تأويل قوله:
стр. 2862
قُلتُ: وَإِن قَتَلنَ؟ قَالَ: وَإِن قَتَلنَ، مَا لَم يَشرَكهَا كَلبٌ لَيسَ مَعَهَا.
ــ
(لا يؤكل)، فمنهم من قال: تحريمًا، ومنهم من قال: كراهةً. ووجه الفرق: أن الناسي غير مكلَّف بما نسيه، ولا مؤاخذة عليه، فلا يؤثر نسيانه بخلاف العامد.
و(قوله: وإن قَتَلن) هذا لا يختلف فيه أن قتل الجوارح للصيد ذكاة إذا كان قتلها بِتَخلِيب، أو تَنيِيب، فأما لو قتله صدمًا، أو نطحًا: فلا يؤكل عند ابن القاسم. وبه قال أبو حنيفة. وقال أشهب: يؤكل. وهو قول أحد قولي الشافعي. وسبب الخلاف: هل صدم الجارح له، أو نطحه كالمعراض إذا أصاب بعرضه، أم لا؟ فشبهه ابن القاسم به؛ فمنع، وفرَّق الآخرون: بأن الجوارح حيوان، وقد أمسك على صاحبه، وقد قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمسَكنَ عَلَيكُم﴾ وليس كذلك المعراض؛ فإنَّه لا يقال فيه: أمسك عليك.
قلت: وهذا الفرق لفظي لا فقه فيه، فإن المِعرَاض، وإن لم يُقل فيه: أمسك عليك؛ لكنه يقال فيه: أمسك - مُطلقًا -؛ لأنَّه لما أصاب الصيد وقتله فقد أمسكه، والأفقه: قول ابن القاسم، والله أعلم.
فأما لو مات الصيد فزعًا، أو دهشًا، ولم يكن للجوارح فيه فعل: فلا يختلف في أنه لا يؤكل فيما علمت.
و(قوله: فإن أدركته حيًّا فاذبحه) هذا يدلُّ على أن المقدور عليه لا تكون ذكاته العقر، بل الذبح، أو النحر. وعلى هذا: فيجب على الصائد إذا أرسل الجوارح أن يجتهد في الجري مُهيِّئًا لآلة الذبح؛ فإنَّه إن فرَّط في شيء من ذلك حتى هلك الصيد بين يدي الجوارح لم يجز أكله؛ لأنَّه لما أمسكته الجوارح صار مقدورًا عليه. والصائد لو لم يُفرط كان متمكنًا من ذبحه، فإن أدركه الصائد منفوذ المقاتل فحكمه حكم المقتول؛ لأنَّه ميؤوس من بقائه. إلا أن مالكًا استحب ذكاته مراعاة للخلاف. هذا هو مشهور قوله.
و(قوله: ما لم يشركها كلب ليس معها)، وفي أخرى: (فإن خالطها
стр. 2863
قُلتُ لَهُ: فَإِنِّي أَرمِي بِالمِعرَاضِ الصَّيدَ فَأُصِيبُ؟ فَقَالَ: إِذَا رَمَيتَ بِالمِعرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلهُ، وَإِن أَصَابَهُ بِعَرضِهِ فَلَا تَأكُلهُ.
وفي رواية: فإنه وقيذ فلا تأكله.
رواه أحمد (٤/ ٢٥٨)، والبخاري (٥٤٧٧)، ومسلم (١٩٢٩) (١ و ٣)، والترمذي (١٤٦٥)، والنسائي (٧/ ١٨٠)، وابن ماجه (٣٩٥).
ــ
كلاب من غيرها فلا تأكل)، وفي الأخرى: (وإن وجدت مع كلبك كلبًا غيره وقد قتل، فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قتله) هذه الروايات وإن اختلفت ألفاظها فمعناها واحد. وهذا الاختلاف يدل: على أنهم كانوا ينقلون بالمعنى. وتفيد هذه الروايات: أن سبب إباحة الصيد الذي هو عَقرُ الجارح له لا بدَّ أن يكون متحققًا غير مشكوك فيه، ومع الشكِّ لا يجوز الأكل. وهذا الكلب المخالط محمول على أنه غير مرسل من صائد آخر، وأنه إنما انبعث في طلب الصيد بطبعه ونفسه. ولا يختلف في هذا. فأما لو أرسله صائدٌ آخر على ذلك الصيد فاشترك الكلبان فيه: فإنَّه للصائدين؛ يكونان شريكين. فلو أنفذ أحد الكلبين مقاتله، ثم جاء الآخر، فهو للذي أنفذ مقاتله.
و(قوله: فإني أرمي بالمعراض). قال أبو عبيد: المعراض: سهم لا ريش فيه، ولا نصل. وقال غيره: المعراض: خشبة ثقيلة، أو عصا غليظة في طرفها حديدة، وقد تكون بغير حديدة، غير أنها محدَّدُ طرفها. وهذا التفسير أولى من تفسير أبي عبيد، وأشهر.
و(قوله: إذا رميت بالمعراض فخزق فكل، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله فإنَّه وقيذٌ) معنى خزق: خرق ونفذ. والعرض: خلاف الطول. والوقيذ: الموقوذ؛ أي: المضروب بالعصا حتى يموت. وبه فسر قوله تعالى: ﴿وَالمَوقُوذَةُ﴾
стр. 2864
[١٨٢٩] وعنه: قَالَ: سَأَلتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُلتُ: إِنَّا قَومٌ نَصِيدُ بِهَذِهِ الكِلَابِ، فَقَالَ: إِذَا أَرسَلتَ كِلَابَكَ المُعَلَّمَةَ، وَذَكَرتَ اسمَ اللَّهِ عَلَيهَا
ــ
وبظاهر هذا الحديث قال جمهور العلماء من السلف والخلف. وقد شذَّ مكحول، والأوزاعي، فأباحا أكل ما أصاب المعراض بعرضه. وهو قول مردودٌ بالكتاب والسُّنَّة؛ لأنَّه مخالف لنصوصهما.
و(قوله: وإن رميت بسهمك فاذكر اسم الله) هذا دليلٌ على جواز الصيد بمحدَّد السلاح، وكذلك قوله في المعراض: (إذا أصاب بحدِّه فكل)، وكذلك قوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيدِيكُم وَرِمَاحُكُم﴾ ولا خلاف فيه.
و(قوله: فإن غاب عنك يومًا، فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل)، ونحوه في حديث أبي ثعلبة، غير أنه زاد: (فكله بعد ثلاث ما لم ينتن). وإلى الأخذ بظاهر هذه الأحاديث صار مالك في أحد أقواله، وسوى بين السَّهم والكلب.
والقول الثاني: إنه لا يؤكل شيء من ذلك إذا غاب عنك.
والقول الثالث: الفرق بين السَّهم، فيؤكل، وبين الكلب فلا يؤكل. ووجهه: أن السهم يقتل على جهة واحدة فلا يُشكل، والجارح على جهات متعدِّدة فيُشكل. والقول الثاني أضعفها.
و(قوله: ما لم يُنتِن) اختلف العلماء في تعليل هذا المنع، فمنهم من قال: إذا أنتن لحق بالمستقذرات التي تمجُّها الطِّباع، فيكره أكلها تنزيهًا، فلو أكلها لجاز، كما قد أكل النبي ﷺ الإهالة السنخة (١)، وهي المنتنة. ومنهم من قال: بل هو مُعلَّلٌ بما يخاف منه الضرر على آكله. وعلى هذا التعليل يكون أكله محرَّمًا؛ إن كان الخوف محققًا. وقيل: إن ذلك النتن يمكن أن يكون من نهش ذوات السُّموم. قال ابن شهاب: كُل مما قتل إلا أن يَنعَطِن، فإذا انعَطَن فإنَّه نهشٌ. وفسَّروا
стр. 2865
فَكُل مِمَّا أَمسَكنَ عَلَيكَ وَإِن قَتَلنَ، إِلَّا أَن يَأكُلَ الكَلبُ، فَإِن أَكَلَ فَلَا تَأكُل، فَإِنِّي أَخَافُ أَن يَكُونَ إِنَّمَا أَمسَكَ عَلَى نَفسِهِ، وَإِن خَالَطَهَا كِلَابٌ مِن غَيرِهَا فَلَا تَأكُل.
وفي رواية: فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره.
رواه مسلم (١٩٢٩) (٢ و ٣).
* * *
ــ
(ينعطن) بأنَّه إذا مُدَّ تَمَرَّط. قال ابن الأعرابي: إهاب معطون، وهو الذي تَمَرَّط شعره (١).
و(قوله: وإن وجدته غريقًا في الماء، فلا تأكل، فإنك لا تدري الماء قتله، أو سهمك؟ ) هذا محمله على الشك المحقق في السبب القاتل للصيد، والشك: تردد بين مُجوّزين لا ترجيحَ لأحدهما على الآخر، فما كان كذلك لم يؤكل، وأما لو تحقق أن سهمه أنفذ مقاتله، ثم وقع في الماء، أو سقط من الهواء، أو ما شاكل ذلك، فإنَّه يؤكل. وهو مذهب الجمهور: مالك، والشافعي، وغيرهما. وقد روى ابن وهب عن مالك كراهة ذلك على ما حكاه ابن المنذر، وهي من جهة الورع، والله أعلم.
وقوله ﷺ : (إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه) بهذا قال الجمهور من السلف وغيرهم، منهم: ابن عباس، والزهري، وأبو هريرة، والشعبي، وسعيد بن جبير، والنخعي، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة، وقتادة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والنعمان.
стр. 2866
(٢) باب الصيد بالسهم ومحدد السلاح وإذا غاب الصيد
[١٨٣٠] عَن عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا أَرسَلتَ كَلبَكَ، فَاذكُر اسمَ اللَّهِ، فَإِن أَمسَكَ عَلَيكَ فَأَدرَكتَهُ حَيًّا فَاذبَحهُ، وَإِن أَدرَكتَهُ قَد قَتَلَ وَلَم يَأكُل مِنهُ فَكُلهُ، وَإِن وَجَدتَ مَعَ كَلبِكَ كَلبًا غَيرَهُ وَقَد قَتَلَ، فَلَا تَأكُل، فَإِنَّكَ لَا تَدرِي أَيُّهُمَا قَتَلَهُ، وَإِن رَمَيتَ سَهمَكَ فَاذكُر اسمَ اللَّهِ، فَإِن غَابَ عَنكَ يَومًا فَلَم تَجِد فِيهِ إِلَّا أَثَرَ سَهمِكَ فَكُل إِن شِئتَ، وَإِن وَجَدتَهُ غَرِيقًا فِي المَاءِ فَلَا تَأكُل.
ــ
وذهبت طائفة أخرى إلى جواز أكل ما أكل الكلب منه. منهم: ابن عمر، وسعد بن مالك، وسلمان، وبه قال مالك، متمسكين بحديث أبي ثعلبة الخشني الذي خرجه أبو داود وغيره. قال فيه الرسول ﷺ : (إذا أرسلت كلبك المعلَّم، وذكرت اسم الله فكل، وإن أكل منه). وقد روي مثل حديث أبي ثعلبة عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وروي أيضًا من طرق متعدِّدة عن عدي بن حاتم مثله، والأشهر عنه: الحديث الأول، وقد رام بعض أصحابنا الجمع بين حديثي: عدي بن حاتم، وأبي ثعلبة؛ بأن حملوا حديث النَّهي على التنزيه، والورع، وحديث الإباحة على الجواز. وقالوا: إن عديًّا كان موسَّعًا عليه، فأفتاه بالكف ورعًا، وأبو ثعلبة كان محتاجًا فأفتاه بالجواز، والله تعالى أعلم. وقد دلَّ على صحة هذا التأويل قوله ﷺ : (فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه).
وقد روي عن قوم من السَّلف التفرقة بين ما أكل منه الكلب فمنعوه، وبين ما أكل منه البازي فأجازوه. وبها قال النخعي، وحماد بن أبي سليمان، والثوري، وأصحابه. وحكي ذلك عن ابن عباس، وفيها ضعفٌ وبُعدٌ، والله تعالى أعلم.
стр. 2867
وفي رواية: فإنك لا تدري الماء قتله أم سهمك.
رواه مسلم (١٩٢٩)(٦) و (٧).
[١٨٣١] وعن أَبِي ثَعلَبَةَ الخُشَنِيِّ قَالَ: أَتَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا بِأَرضِ قَومٍ أَهلِ كِتَابِ، نَأكُلُ فِي آنِيَتِهِم، وَأَرضِ صَيدٍ أَصِيدُ بِقَوسِي، وَأَصِيدُ بِكَلبِي المُعَلَّمِ، أَو بِكَلبِي الَّذِي لَيسَ بِمُعَلَّمٍ، فَأَخبِرنِي مَا الَّذِي يَحِلُّ لَنَا مِن ذَلِكَ؟ قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرتَ أَنَّكُم بِأَرضِ قَومٍ أَهلِ كِتَابِ تَأكُلُونَ فِي آنِيَتِهِم، فَإِن وَجَدتُم غَيرَ آنِيَتِهِم فَلَا تَأكُلُوا فِيهَا، وَإِن لَم تَجِدُوا فَاغسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيهَا، وَأَمَّا مَا ذَكَرتَ أَنَّكَ بِأَرضِ صَيدٍ، فَمَا أَصَبتَ بِقَوسِكَ فَاذكُر اسمَ اللَّهِ ثُمَّ كُل، وَمَا أَصَبتَ بِكَلبِكَ المُعَلَّمِ فَاذكُر اسمَ اللَّهِ ثُمَّ كُل، وَمَا أَصَبتَ بِكَلبِكَ الَّذِي لَيسَ بِمُعَلَّمٍ فَأَدرَكتَ ذَكَاتَهُ فَكُل.
وفي رواية: إذا رميت بسهمك فغاب عنك فأدركته فكل ما لم ينتن.
ــ
و(قوله: فإنك لا تدري الماء قتله، أم سهمك) دليل على أن المشاركة في قتل الصيد لا تضر إذا تحقق: أن سهمه، أو جارحه قتله، وكذلك إذا أصابه السهم في الهواء، فسقط، أو تردَّى من جبل، لكن هذا إنما يتحقق إذا وجد السهم، أو الجارح قد أنفذ مقاتله، فحينئذ لا تضرُّ المشاركة، فلو لم يعلم ذلك حرم الأكل على نصَّ هذا الحديث؛ خلافًا للشافعي، فإنَّه قال فيما رمي في الهواء، فسقط ميتًا، ولم يُدر مِمَّ مات: إنه يؤكل. وقاله أبو ثور، وأصحاب الرأي. قال ابن المنذر: وروى ابن وهب عن مالك نحو قول هؤلاء.
قلت: والصحيح الأول، وهو المشهور من قول مالك. وهو قول الجمهور. وهو الذي يظهر من هذا الحديث.
و(قوله: ما لم يُنتن) هو رباعي مضموم الأول، من: أنتن الشيء: إذا
стр. 2868
وفي رواية: بعد ثلاث فكله ما لم ينتن.
وقال في رواية في الكلب: كله بعد ثلاث إلا أن ينتن فدعه.
رواه أحمد (٤/ ١٩٥)، والبخاري (٥٤٧٨)، ومسلم (١٩٣٠ و ١٩٣١) (٩ و ١٠ و ١١)، وأبو داود (٢٨٥٥)، والترمذي (١٤٦٤)، والنسائي (٧/ ١٨١)، وابن ماجه (٣٢٠٧).
* * *
(٣) باب النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير
[١٨٣٢] عن أَبي ثَعلَبَةَ قال: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن كُلِّ ذِي نَابٍ مِن السِّبَاعِ. قَالَ ابنُ شِهَابٍ: وَلَم أَسمَع ذَلِكَ مِن عُلَمَائِنَا بِالحِجَازِ حَتَّى
ــ
تغيرت رائحته. وقال بعض اللغويين: يقال: أنتن اللحم: إذا تغير بعد طبخه. و (صَلَّ) و (أَصَلَّ): إذا تغير وهو نيء.
قلت: وهذا الحديث الصحيح يَرُدُّ ما قاله هذا اللغوي، بل يقال: أنتن اللحم نيئًا ومطبوخًا. ويقال في غير اللحم: أنتن أيضًا، كما يقال: أنتن الأنف.
(٣) ومن باب: النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع
(قول أبي ثعلبة: نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع) ظاهر هذا النهي: التحريم، وقد جاء نصًّا في حديث أبي هريرة إذ قال: (كل ذي ناب من السباع فأكله حرام). الناب: واحد الأنياب، وهي مما يلي الرُّباعيات من
стр. 2869
حَدَّثَنِي أَبُو إِدرِيسَ الخولاني، وَكَانَ مِن فُقَهَاءِ أَهلِ الشَّامِ.
رواه أحمد (٤/ ١٩٤)، والبخاريُّ (٥٥٣٠)، ومسلم (١٩٣٢) (١٢ و ١٣)، وأبو داود (٣٨٠٢)، والترمذيُّ (١٤٧٧)، والنسائي (٧/ ٢٠٠)، وابن ماجه (٣٢٣٢).
ــ
الأسنان. ذهب الجمهور من السَّلف وغيرهم إلى الأخذ بهذا الظاهر في تحريم السباع، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، ومالك في أحد قوليه، وهو الذي صار إليه في الموطأ، وقال فيه: وهو الأمر عندنا، وروى عنه العراقيون الكراهة، وهو ظاهر المدوَّنة، وبه قال جمهور أصحابه.
تنبيه: هذا الخلاف إنما هو في السباع العادية المفترسة كالأسد، والنمر، والذئب، والكلب. وأما ما ليس كذلك فجُلِّ أقوال الناس فيه: الكراهة. وحيث صار أحدٌ من العلماء إلى تحريم شيء من هذا النوع؛ فإنما ذلك لأنه ظهر للقائل بالتحريم أنَّه عاد، وذلك كاختلافهم في الضَّبع، والثعلب، والهرِّ وشبهها. فرآها قوم من السباع فحكموا بتحريمها، وأجاز أكلها: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وهو قول علي، وجماعة من الصحابة، وكرهها مالك. حكى ذلك القاضي عياض.
تنبيه: إنما عدل القائلون بالكراهة عن ظاهر التحريم (١) المتقدم؛ لأنَّهم اعتقدوا معارضة بينه وبين قوله تعالى: ﴿قُل لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيتَةً أَو دَمًا مَسفُوحًا أَو لَحمَ خِنزِيرٍ﴾ الآية. ووجه ذلك أنهم حملوا قوله: ﴿فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ على عموم وحي القرآن، والسُّنَّة، وقالوا: إن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ ، وهو واقف بعرفة في حجة الوداع، فهي متأخرة عن تلك الأحاديث، والحصر فيها ظاهر، فالأخذ بها أولى؛
стр. 2870
[١٨٣٣] وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: كل ذي ناب من السباع فأكله حرام.
رواه مسلم (١٩٣٣)، والترمذيُّ (١٤٧٩)، والنسائي (٧/ ٢٠٠)، وابن ماجه (٣٢٣٣).
[١٨٣٤] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن كُلِّ ذِي نَابٍ مِن السِّبَاعِ، وَعَن كُلِّ ذِي مِخلَبٍ مِن الطَّيرِ.
ــ
لأنها: إما ناسخة لما تقدمها، أو راجحة على تلك الأحاديث. وأما القائلون بالتحريم، فظهر لهم، وثبت عندهم أن سورة الأنعام: مكِّيَّة، نزلت قبل الهجرة، وأن هذه الآية قصد بها الرد على الجاهلية في تحريمهم البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامي، ولم يكن في ذلك الوقت مُحرَّم في الشريعة إلا ما ذكره في الآية، ثم بعد ذلك حرَّم أمورًا كثيرة؛ كالحمر الإنسية، والبغال، وغيرها، كما رواه الترمذي عن جابر قال: حرَّم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الأهلية، ولحوم البغال، وكلَّ ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطَّير (١). وذكر أبو داود عن جابر أيضًا قال: ذبحنا يوم خيبر الخيل، والبغال والحمير، فنهانا رسول الله ﷺ عن البغال، والحمير، ولم ينهنا عن الخيل (٢).
قلت: والصحيح ما ذهب إليه الجمهور. والله أعلم بحقائق الأمور.
و(قوله: عن كل ذي مخلب من الطير) هو معطوف على قوله: (نهى عن كل ذي ناب من السِّباع). وقد تقرَّر أن ذلك النهي محمولٌ على التحريم في السباع،
стр. 2871
رواه أحمد (١/ ٢٤٤)، ومسلم (١٩٣٤)، وأبو داود (٣٨٠٥)، والنسائي (٧/ ٢٠٦)، وابن ماجه (٣٢٣٤).
* * *
ــ
فيلزم منه تحريم كل ذي مخلب من الطير؛ لأنَّ الواو تُشَرِّك بين المعطوف والمعطوف عليه في العامل ومعناه؛ لأنَّها جامعة. وقد صار إلى تحريم كل ذي مخلب من الطير طائفة؛ تمسُّكًا بهذا الظاهر. وممن قال بذلك: أبو حنيفة، والشافعي. وأمَّا مذهب مالك: فحكى عنه ابن أويس كراهة أكل كل ذي مخلب من الطير. وجل أصحابه، ومشهور مذهبه: على إباحة ذلك؛ متمسكين بقوله تعالى: ﴿قُل لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ وقد تقدم الكلام عليها، والظاهر: التمسك بما قررناه من ذلك الحديث الظاهر.
وتقييد الطير بـ (ذي المخلب) يقتضي: منع أكل سباع الطير العادية: كالعقاب، والشاهين، والغراب، وما أشبهها، ولا يتناول الخَطَّاف وما أشبهها.
وقوله ﷺ لأبي ثعلبة في أواني أهل الكتاب: (إن وجدتم غير آنيتهم، فلا تأكلوا فيها (١)) إنما كان هذا لأنهم لا يتوقَّون النجاسات فيأكلون لحم الخنزير، وربما أكلوا الميتات، فإذا طبخوا ذلك في القدر تنجست، وربما سرت النجاسة في أجزاء قدور الفخار، فإذا طبخ فيها بعد ذلك، وبعد أن غسلت توقع مخالطة تلك الأجزاء النجسة للمطبوخ في القدر ثانية؛ فاقتضى الورع الكفّ عنها. وقد أشار إلى هذا ابن عباس؛ فإنه روي عنه أنه قال: إن كان الإناء من نحاس، أو حديد: غسل، وإن كان من فخار: أغلي فيه الماء، ثم غسل.
و(قوله: وإن لم تجدوا غيرها (٢) فاغسلوه) هذه إباحة عند الحاجة، لكن
стр. 2872
(٤) باب إباحة أكل ميتة البحر وإن طفت
[١٨٣٥] عَن جَابِرٍ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَّرَ عَلَينَا أَبَا عُبَيدَةَ نَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيشٍ، وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِن تَمرٍ، لَم يَجِد لَنَا غَيرَهُ، فَكَانَ أَبُو عُبَيدَةَ
ــ
بشرط الغسل؛ فإن الماء طهور، لكن ينبغي أن يكون الغسل على ما قاله ابن عباس كما حكيناه عنه آنفًا. وهذا فيما يطبخون فيه من أوانيهم، فأما ما يستعملونه من غير أن يطبخوا فيه: فخفيف، إن لم تظن فيه نجاسة، وقد توضأ عمر ﵁ من بيت نصراني في حُقِّ نصرانية. فأما لو كان الإناء من أواني الخمر، أو مما يجعل فيه شيء من النجاسات، فلا شك في المنع من استعماله؛ إلا أن يغسل غسلًا بالغًا؛ فإن كان منها ما يبعد انفصال النجاسة عنه، لم يجز استعماله ألبتة.
قلت: ويظهر لي - على مقتضى هذا الحديث - أنه لا ينبغي للوَرِع أن يُقدِم على أكل طعام أهل الكتاب، ما وجد منه بدًّا؛ بل هو أولى بالانكفاف عنه من الأواني. والله تعالى أعلم.
(٤) ومن باب: إباحة أكل ميتة البحر
العير: الإبل المُحَملة.
قوله: (وزوَّدنا جرابًا من تمر؛ لم يجد لنا غيره) اختلفت ألفاظ الرواة في هذا المعنى؛ فمنها: ما ذكرناه. وفي رواية: (فكنا نحمل أزوادنا على رقابنا). وفي أخرى: (ففني زادهم). وفي الموطأ: (فكان مزودي تمر)، وفي أخرى: (فكان يعطينا قبضة قبضة، ثم أعطانا تمرة تمرة)، ويلتئم شتات هذه الروايات بأن يقال: إن النبي ﷺ زادهم ذلك المزود، أو المزودين إلى ما كان عندهم من زاد أنفسهم الذي كانوا يحملونه على رقابهم، ثم إنهم لما اشتدت بهم الحال جمع أبو عبيدة ما كان
стр. 2873
يُعطِينَا تَمرَةً تَمرَةً. قَالَ: فَقُلتُ: كَيفَ كُنتُم تَصنَعُونَ بِهَا؟ قَالَ: نَمَصُّهَا كَمَا يَمَصُّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ نَشرَبُ عَلَيهَا مِن المَاءِ، تَكفِينَا يَومَنَا إِلَى اللَّيلِ، وَكُنَّا نَضرِبُ بِعِصِيِّنَا الخَبَطَ ثُمَّ نَبُلُّهُ بِالمَاءِ فَنَأكُلُهُ.
وفي رواية: فسمي جيش الخبط.
ــ
عندهم إلى المزود الذي زادهم النبي ﷺ فكان يُفرِّقُه عليهم قبضة قبضة، إلى أن أشرف على النَّفاذ، فكان يعطيهم إيَّاه تمرة تمرة إلى أن فني ذلك.
وَجَمعُ أبي عبيدة الأزواد، وقسمتها بالسَّويَّة: إما أن يكون حكمًا حكم به لِمَا شاهد من ضرورة الحال، ولِمَا خاف من تلف من لم يكن معه زاد، فظهر له: أنه قد وجب على من معه زاد أن يُحيي من ليس له شيء، أو يكون ذلك عن رضا من كان له زادٌ رغبةً في الثواب، وفيما قاله النبي ﷺ [في الأشعريين من أنهم إذا قل زادهم جمعوه فاقتسموه بينهم بالسَّويَّة. قال رسول الله ﷺ ] (١): (فهم مني، وأنا منهم) (٢)، وقد فعل ذلك النبي ﷺ غير مرَّة. ولذلك قال بعض العلماء: إنه سنة.
و(الخَبَط) بفتح الخاء والباء: اسم لما يُخبط فيتساقط من ورق الشجر. وبسكون الباء: المصدر. وتبليلهم الخَبَط بالماء ليلين للمضغ. وإنَّما صاروا لأكل الخبط عند فقد التمرة الموزعة عليهم. وهذا كله يدلُّ على ما كانوا عليه من الجِدِّ، والاجتهاد، والصبر على الشدائد العظام، والمشقات الفادحة، إظهارًا للدِّين، وإطفاءً لكلمة المبطلين. ﵃ أجمعين.
وساحل البحر، وسيفه، وشطِّه، كل ذلك بمعنى واحد.
و(رفع لنا) أي: ظهر لنا، واطَّلعنا عليه. وهو مبني لما لم يسم فاعله.
و(الكثيب) و (الضرب): الجبل الصغير، والكوم أصغر منه. و (الضخم): المرتفع الغليظ.
стр. 2874
قَالَ: وَانطَلَقنَا عَلَى سَاحِلِ البَحرِ، فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ البَحرِ كَهَيئَةِ الكَثِيبِ الضَّخمِ، فَأَتَينَاهُ فَإِذَا هِيَ دَابَّةٌ تُدعَى العَنبَرَ، قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيدَةَ: مَيتَةٌ، ثُمَّ قَالَ: لَا بَل نَحنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَد اضطُرِرتُم فَكُلُوا. قَالَ: فَأَقَمنَا عَلَيهِ شَهرًا، وَنَحنُ ثَلَاثُمِائَةٍ، حَتَّى سَمِنَّا. قَالَ: وَلَقَد رَأَيتُنَا نَغتَرِفُ مِن
ــ
و(قوله: تُدعى العَنبَر) أي: تسمَّى بـ (العنبر)، ولعلها سميت بذلك لأنها الدابَّة التي تلقي العنبر، وكثيرًا ما يوجد العنبر على سواحل البحر، وقد وجد عندنا منه على ساحل البحر بقادس - موضع بالأندلس - قطعة كبيرة كالكوم، حصل لواجديه منه أموال عظيمة.
و(قول أبي عبيدة: مَيتَة) أي: هي مَيتَة، فلا تُقرب؛ لأنَّها حرام بنصِّ القرآن العام، ثم إنه أضرب عمَّا وقع له من ذلك لما تحقق من الضرورة المبيحة له، ولذلك قال: (لا، بل نحن رسل رسول الله ﷺ وقد اضطررتم فكلوا) وهذا يدلّ على جواز حمل العموم على ظاهره، والعمل به من غير بحث عن المخصِّصات، فإن أبا عبيدة حكم بتحريم ميتة البحر تمسُّكًا بعموم القرآن، ثم إنه استباحها بحكم الاضطرار، مع أن عموم القرآن في الميتة مخصَّصٌ بقوله ﷺ : (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) (١)، ولم يكن عنده خبر من هذا المخصِّص، ولا عند أحد من أصحابه.
و(قوله: فأقمنا عليها شهرًا حتى سَمِنَّا) دليل لمالك، ولمن يقول بقوله: على أن يأكل من الميتة شبعه، ويتبسط في أكلها، فإنَّها قد أبيحت له، وارتفع تحريمها في تلك الحال فأشبهت الذَّكيَّة، وخالفه في ذلك جماعة، منهم: الحسن، والنخعي، وقتادة، وابن حبيب، فقالوا: لا يأكل منها حتى يضطرَّ إليها ثانية، ولا يأكل منها إلا ما يُقيم (٢) رمقه. وقال عبد الملك: إن تغدَّى حَرُمَت عليه
стр. 2875
وَقبِ عَينِهِ بِالقِلَالِ الدُّهنَ، وَنَقتَطِعُ مِنهُ الفِدَرَ كَالثَّورِ، أَو كَقَدرِ الثَّورِ، ولَقَد أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيدَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَأَقعَدَهُم فِي وَقبِ عَينِهِ، وَأَخَذَ ضِلَعًا مِن
ــ
يومه، وإن تعشى حرمت عليه ليلته. وهذا الذي قاله هؤلاء تعضده القاعدة، وهي: أن كل ما أبيح لضرورة (١) فيتقدَّر بقدرها، على أنَّه يمكن أن يقال في قضيَّة أبي عبيدة، وأكلهم من تلك الميتة شهرًا حتى سمنوا: إن ذلك القَدر كان قدر ضرورتهم، وذلك أنهم كانوا قد أشرفوا على الهلاك من الجوع، والضعف، وسقطت قواهم، وهم مستقبلون سفرًا، وعَدَوًّا، فإن لم يفعلوا ذلك ضعفوا عن عدوهم، وانقطعوا عن سفرهم، وهذا كما قال النبي ﷺ لأصحابه عند الفتح: (تقوَّوا لعدوكم، والفطر أقوى لكم) (٢).
و(قوله: حتى سَمِنَّا) يعني: تقوينا، وزال ضعفنا، كما قال في الرواية الأخرى: (حتى ثابت إلينا أجسامنا) أي: رجعت إلينا قوَّتنا. وإلا فما كانوا سِمَانًا قطُّ.
و(حجاج العين) يقال: بفتح الحاء وكسرها، وهو الوقب أيضًا. وهو غار العين الذي فيه حبَّتها. وأصل الوقب: الحفرة في الحجر.
و(الفِدَرُ): جمع فِدرَة: وهي القطعة من اللحم، والعجين، وشبههما. وهي: (الثَّور) أيضًا، وجمعه: أثوار. والمراد بها هنا: قطع العجين أو السويق، ولذلك شبَّه قطع اللحم بها؛ إذ قال: كقدر الثور.
فإن قيل: كيف جاز لهم أن يأكلوا من هذه الميتة إلى شهر، ومعلوم: أن اللحم إذا أقام هذه المدَّة، بل أقل منها، أنه يُنتِن، ويشتدُّ نَتَنُه، فلا يحل الإقدام عليه، كما تقدم في الصيد؛ إذ قال: (كله ما لم يُنتِن) (٣).
فالجواب: أن يقال: لعل ذلك لم يَنتَهِ نَتَنُه إلى حال يخاف منه الضرر لبرودة