← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

رواه أحمد (١/ ٢٤٤)، ومسلم (١٩٣٤)، وأبو داود (٣٨٠٥)، والنسائي (٧/ ٢٠٦)، وابن ماجه (٣٢٣٤). * * * ــ فيلزم منه تحريم كل ذي مخلب من الطير؛ لأنَّ الواو تُشَرِّك بين المعطوف والمعطوف عليه في العامل ومعناه؛ لأنَّها جامعة. وقد صار إلى تحريم كل ذي مخلب من الطير طائفة؛ تمسُّكًا بهذا الظاهر. وممن قال بذلك: أبو حنيفة، والشافعي. وأمَّا مذهب مالك: فحكى عنه ابن أويس كراهة أكل كل ذي مخلب من الطير. وجل أصحابه، ومشهور مذهبه: على إباحة ذلك؛ متمسكين بقوله تعالى: ﴿قُل لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ وقد تقدم الكلام عليها، والظاهر: التمسك بما قررناه من ذلك الحديث الظاهر. وتقييد الطير بـ (ذي المخلب) يقتضي: منع أكل سباع الطير العادية: كالعقاب، والشاهين، والغراب، وما أشبهها، ولا يتناول الخَطَّاف وما أشبهها. وقوله ﷺ لأبي ثعلبة في أواني أهل الكتاب: (إن وجدتم غير آنيتهم، فلا تأكلوا فيها (١)) إنما كان هذا لأنهم لا يتوقَّون النجاسات فيأكلون لحم الخنزير، وربما أكلوا الميتات، فإذا طبخوا ذلك في القدر تنجست، وربما سرت النجاسة في أجزاء قدور الفخار، فإذا طبخ فيها بعد ذلك، وبعد أن غسلت توقع مخالطة تلك الأجزاء النجسة للمطبوخ في القدر ثانية؛ فاقتضى الورع الكفّ عنها. وقد أشار إلى هذا ابن عباس؛ فإنه روي عنه أنه قال: إن كان الإناء من نحاس، أو حديد: غسل، وإن كان من فخار: أغلي فيه الماء، ثم غسل. و(قوله: وإن لم تجدوا غيرها (٢) فاغسلوه) هذه إباحة عند الحاجة، لكن

стр. 2872

(٤) باب إباحة أكل ميتة البحر وإن طفت [١٨٣٥] عَن جَابِرٍ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَّرَ عَلَينَا أَبَا عُبَيدَةَ نَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيشٍ، وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِن تَمرٍ، لَم يَجِد لَنَا غَيرَهُ، فَكَانَ أَبُو عُبَيدَةَ ــ بشرط الغسل؛ فإن الماء طهور، لكن ينبغي أن يكون الغسل على ما قاله ابن عباس كما حكيناه عنه آنفًا. وهذا فيما يطبخون فيه من أوانيهم، فأما ما يستعملونه من غير أن يطبخوا فيه: فخفيف، إن لم تظن فيه نجاسة، وقد توضأ عمر ﵁ من بيت نصراني في حُقِّ نصرانية. فأما لو كان الإناء من أواني الخمر، أو مما يجعل فيه شيء من النجاسات، فلا شك في المنع من استعماله؛ إلا أن يغسل غسلًا بالغًا؛ فإن كان منها ما يبعد انفصال النجاسة عنه، لم يجز استعماله ألبتة. قلت: ويظهر لي - على مقتضى هذا الحديث - أنه لا ينبغي للوَرِع أن يُقدِم على أكل طعام أهل الكتاب، ما وجد منه بدًّا؛ بل هو أولى بالانكفاف عنه من الأواني. والله تعالى أعلم. (٤) ومن باب: إباحة أكل ميتة البحر العير: الإبل المُحَملة. قوله: (وزوَّدنا جرابًا من تمر؛ لم يجد لنا غيره) اختلفت ألفاظ الرواة في هذا المعنى؛ فمنها: ما ذكرناه. وفي رواية: (فكنا نحمل أزوادنا على رقابنا). وفي أخرى: (ففني زادهم). وفي الموطأ: (فكان مزودي تمر)، وفي أخرى: (فكان يعطينا قبضة قبضة، ثم أعطانا تمرة تمرة)، ويلتئم شتات هذه الروايات بأن يقال: إن النبي ﷺ زادهم ذلك المزود، أو المزودين إلى ما كان عندهم من زاد أنفسهم الذي كانوا يحملونه على رقابهم، ثم إنهم لما اشتدت بهم الحال جمع أبو عبيدة ما كان

стр. 2873

يُعطِينَا تَمرَةً تَمرَةً. قَالَ: فَقُلتُ: كَيفَ كُنتُم تَصنَعُونَ بِهَا؟ قَالَ: نَمَصُّهَا كَمَا يَمَصُّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ نَشرَبُ عَلَيهَا مِن المَاءِ، تَكفِينَا يَومَنَا إِلَى اللَّيلِ، وَكُنَّا نَضرِبُ بِعِصِيِّنَا الخَبَطَ ثُمَّ نَبُلُّهُ بِالمَاءِ فَنَأكُلُهُ. وفي رواية: فسمي جيش الخبط. ــ عندهم إلى المزود الذي زادهم النبي ﷺ فكان يُفرِّقُه عليهم قبضة قبضة، إلى أن أشرف على النَّفاذ، فكان يعطيهم إيَّاه تمرة تمرة إلى أن فني ذلك. وَجَمعُ أبي عبيدة الأزواد، وقسمتها بالسَّويَّة: إما أن يكون حكمًا حكم به لِمَا شاهد من ضرورة الحال، ولِمَا خاف من تلف من لم يكن معه زاد، فظهر له: أنه قد وجب على من معه زاد أن يُحيي من ليس له شيء، أو يكون ذلك عن رضا من كان له زادٌ رغبةً في الثواب، وفيما قاله النبي ﷺ [في الأشعريين من أنهم إذا قل زادهم جمعوه فاقتسموه بينهم بالسَّويَّة. قال رسول الله ﷺ ] (١): (فهم مني، وأنا منهم) (٢)، وقد فعل ذلك النبي ﷺ غير مرَّة. ولذلك قال بعض العلماء: إنه سنة. و(الخَبَط) بفتح الخاء والباء: اسم لما يُخبط فيتساقط من ورق الشجر. وبسكون الباء: المصدر. وتبليلهم الخَبَط بالماء ليلين للمضغ. وإنَّما صاروا لأكل الخبط عند فقد التمرة الموزعة عليهم. وهذا كله يدلُّ على ما كانوا عليه من الجِدِّ، والاجتهاد، والصبر على الشدائد العظام، والمشقات الفادحة، إظهارًا للدِّين، وإطفاءً لكلمة المبطلين. ﵃ أجمعين. وساحل البحر، وسيفه، وشطِّه، كل ذلك بمعنى واحد. و(رفع لنا) أي: ظهر لنا، واطَّلعنا عليه. وهو مبني لما لم يسم فاعله. و(الكثيب) و (الضرب): الجبل الصغير، والكوم أصغر منه. و (الضخم): المرتفع الغليظ.

стр. 2874

قَالَ: وَانطَلَقنَا عَلَى سَاحِلِ البَحرِ، فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ البَحرِ كَهَيئَةِ الكَثِيبِ الضَّخمِ، فَأَتَينَاهُ فَإِذَا هِيَ دَابَّةٌ تُدعَى العَنبَرَ، قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيدَةَ: مَيتَةٌ، ثُمَّ قَالَ: لَا بَل نَحنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَد اضطُرِرتُم فَكُلُوا. قَالَ: فَأَقَمنَا عَلَيهِ شَهرًا، وَنَحنُ ثَلَاثُمِائَةٍ، حَتَّى سَمِنَّا. قَالَ: وَلَقَد رَأَيتُنَا نَغتَرِفُ مِن ــ و(قوله: تُدعى العَنبَر) أي: تسمَّى بـ (العنبر)، ولعلها سميت بذلك لأنها الدابَّة التي تلقي العنبر، وكثيرًا ما يوجد العنبر على سواحل البحر، وقد وجد عندنا منه على ساحل البحر بقادس - موضع بالأندلس - قطعة كبيرة كالكوم، حصل لواجديه منه أموال عظيمة. و(قول أبي عبيدة: مَيتَة) أي: هي مَيتَة، فلا تُقرب؛ لأنَّها حرام بنصِّ القرآن العام، ثم إنه أضرب عمَّا وقع له من ذلك لما تحقق من الضرورة المبيحة له، ولذلك قال: (لا، بل نحن رسل رسول الله ﷺ وقد اضطررتم فكلوا) وهذا يدلّ على جواز حمل العموم على ظاهره، والعمل به من غير بحث عن المخصِّصات، فإن أبا عبيدة حكم بتحريم ميتة البحر تمسُّكًا بعموم القرآن، ثم إنه استباحها بحكم الاضطرار، مع أن عموم القرآن في الميتة مخصَّصٌ بقوله ﷺ : (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) (١)، ولم يكن عنده خبر من هذا المخصِّص، ولا عند أحد من أصحابه. و(قوله: فأقمنا عليها شهرًا حتى سَمِنَّا) دليل لمالك، ولمن يقول بقوله: على أن يأكل من الميتة شبعه، ويتبسط في أكلها، فإنَّها قد أبيحت له، وارتفع تحريمها في تلك الحال فأشبهت الذَّكيَّة، وخالفه في ذلك جماعة، منهم: الحسن، والنخعي، وقتادة، وابن حبيب، فقالوا: لا يأكل منها حتى يضطرَّ إليها ثانية، ولا يأكل منها إلا ما يُقيم (٢) رمقه. وقال عبد الملك: إن تغدَّى حَرُمَت عليه

стр. 2875

وَقبِ عَينِهِ بِالقِلَالِ الدُّهنَ، وَنَقتَطِعُ مِنهُ الفِدَرَ كَالثَّورِ، أَو كَقَدرِ الثَّورِ، ولَقَد أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيدَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَأَقعَدَهُم فِي وَقبِ عَينِهِ، وَأَخَذَ ضِلَعًا مِن ــ يومه، وإن تعشى حرمت عليه ليلته. وهذا الذي قاله هؤلاء تعضده القاعدة، وهي: أن كل ما أبيح لضرورة (١) فيتقدَّر بقدرها، على أنَّه يمكن أن يقال في قضيَّة أبي عبيدة، وأكلهم من تلك الميتة شهرًا حتى سمنوا: إن ذلك القَدر كان قدر ضرورتهم، وذلك أنهم كانوا قد أشرفوا على الهلاك من الجوع، والضعف، وسقطت قواهم، وهم مستقبلون سفرًا، وعَدَوًّا، فإن لم يفعلوا ذلك ضعفوا عن عدوهم، وانقطعوا عن سفرهم، وهذا كما قال النبي ﷺ لأصحابه عند الفتح: (تقوَّوا لعدوكم، والفطر أقوى لكم) (٢). و(قوله: حتى سَمِنَّا) يعني: تقوينا، وزال ضعفنا، كما قال في الرواية الأخرى: (حتى ثابت إلينا أجسامنا) أي: رجعت إلينا قوَّتنا. وإلا فما كانوا سِمَانًا قطُّ. و(حجاج العين) يقال: بفتح الحاء وكسرها، وهو الوقب أيضًا. وهو غار العين الذي فيه حبَّتها. وأصل الوقب: الحفرة في الحجر. و(الفِدَرُ): جمع فِدرَة: وهي القطعة من اللحم، والعجين، وشبههما. وهي: (الثَّور) أيضًا، وجمعه: أثوار. والمراد بها هنا: قطع العجين أو السويق، ولذلك شبَّه قطع اللحم بها؛ إذ قال: كقدر الثور. فإن قيل: كيف جاز لهم أن يأكلوا من هذه الميتة إلى شهر، ومعلوم: أن اللحم إذا أقام هذه المدَّة، بل أقل منها، أنه يُنتِن، ويشتدُّ نَتَنُه، فلا يحل الإقدام عليه، كما تقدم في الصيد؛ إذ قال: (كله ما لم يُنتِن) (٣). فالجواب: أن يقال: لعل ذلك لم يَنتَهِ نَتَنُه إلى حال يخاف منه الضرر لبرودة

стр. 2876

أَضلَاعِهِ فَأَقَامَهَا، ثُمَّ رَحَلَ أَعظَمَ بَعِيرٍ مَعَنَا، فَمَرَّ مِن تَحتِهَا، وَتَزَوَّدنَا مِن لَحمِهِ وَشَائِقَ، فَلَمَّا قَدِمنَا المَدِينَةَ أَتَينَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرنَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: هُوَ رِزقٌ أَخرَجَهُ اللَّهُ لَكُم، فَهَل مَعَكُم مِن لَحمِهِ شَيءٌ فَتُطعِمُونَا؟ قَالَ: ــ الموضع، أو يقال: إنهم أكلوه طريًّا، ثم مَلَّحُوه، وجعلوه وشائِق؛ أي: قدَّدوه قدائد، كما يُفعل باللحم. ويقال فيه: وشقت اللحم، فاتَّشق، والوَشيقَة: القديدة. وعلى هذا يدلّ قوله: (ونقتطع منه الفدر) أي: القطع الكبار. و(قوله: وتزوَّدنا من لحمه وشائق) أي: قدائد. وهذا اللفظ يدلّ أيضًا: على أنه يتزوَّد من الميتة إذا خاف ألا يجد غيرها، فإن وجد غيرها، أو ارتجى وجوده لم يستصحبها. وهو قول مالك، وغيره من العلماء. و(قوله: كنا نَغتَرف من وَقب عينها (١) بالقلال الدُّهن) دليل على أنهم كانوا يجيزون الانتفاع بشحوم الميتة، وبالزيت النجس، كما يقوله ابن القاسم، ويجنب المساجد. وخالفه عبد الملك وغيره، فقالوا: لا ينتفع بشيء من ذلك؛ لقوله ﷺ في سمن الفأرة: (إن كان مائعًا فلا تقربوه) (٢). و(قوله ﷺ : هو رزق الله أخرجه لكم) تذكير لهم بنعمة الله تعالى ليشكروه عليها. و(قوله ﷺ : فهل عندكم شيء منه فتطعمونا) وأكله منه ليبيِّن لهم بالفعل جواز أكل ميتة البحر في غير الضرورة، وأنها لم تدخل في عموم الميتة المحرَّمة في القرآن، كما قد بيَّن ذلك بقوله ﷺ : (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) (٣). وفي

стр. 2877

فَأَرسَلنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنهُ، فَأَكَلَهُ. رواه أحمد (٣/ ٣١١)، ومسلم (١٩٣٥) (١٧ و ١٨)، وأبو داود (٣٨٤٠)، والنسائي (٧/ ٢٠٨). * * * (٥) باب النهي عن لحوم الحمر الأهلية، والأمر بإكفاء القدور منها [١٨٣٦] عَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن مُتعَةِ النِّسَاءِ يَومَ خَيبَرَ، وَعَن لُحُومِ الحُمُرِ الإِنسِيَّةِ. رواه البخاري (٥٥٢٣)، ومسلم (١٤٠٧)، والنسائي (٦/ ١٢٦)، وابن ماجه (١٩٦١). ــ هذا الحديث للجمهور ردٌّ على من قال بمنع ما طفا من ميتات الماء. وهو: طاووس، وابن سيرين، وحماد بن زيد، وأصحاب الرأي - أبو حنيفة وأصحابه -. وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال: يُؤكل ما يوجد في حافتي البحر، وما جَزَرَ عنه، ولا يُؤكل ما طفا. ومثله روي عن ابن عباس، وكأنهما قصرا الإباحة على حديث أبي عبيدة المذكور. والصحيح: الإباحة في الجميع لقوله ﷺ : (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)، والله تعالى أعلم. (٥) ومن باب: النَّهي عن لحوم الحمر الأهلية قد تقدم الكلام في (١) تحريم نكاح المتعة في كتاب النكاح.

стр. 2878

[١٨٣٧] وعن أَبي ثَعلَبَةَ قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُحُومَ الحُمُرِ الأَهلِيَّةِ. رواه البخاريُّ (٥٥٢٧)، ومسلم (١٩٣٦)، والنسائي (٧/ ٣٠٤). ــ و(قوله: حرَّم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الأهلية) وفي الروايات الأخر: (نهى)، والأُولى نصٌّ في تحريمها. وهي مفسِّرة للنَّهي الوارد في الروايات الأخر. وبالتحريم للحمر الأهلية قال جمهور العلماء - سلفًا وخلفًا - وفي مذهب مالك قولٌ بالكراهة المغلظة، والصحيح: الأول؛ لما تقدم. لا يقالُ: كيف يُجزِم بتحريم أكلها مع اختلاف الصحابة في تعليل النهي الوارد فيها على أقوال؟ فمنهم من قال: نهى عنها لأنَّها لم تُخَمس. ومنهم من قال: لأنها كانت حمولتهم. ومنهم من قال: لأنها كانت تأكل الجَلَّة، كما ذكره أبو داود. ومنهم من قال: لأنها رجس. وهذه كلها ثابتة بطرق صحيحة، وهي متقابلة، فلا تقوم بواحد منها حجَّة. فكيف يجزم بالتحريم؟ وإذا لم يجزم بالتحريم فأقل درجات النهي أن يحمل على الكراهة؛ لأنَّا نجيب عن ذلك: بأن الصحابي قد نصَّ على ذلك التحريم كما ذكرناه آنفًا، وبأن أولى العلل ما صرَّح به منادي رسول الله ﷺ حيث قال: (إن الله ورسوله ينهيانكم عنها، فإنَّها رجسٌ من عمل الشيطان). والرِّجس: النَّجس. فلحومها نجسة؛ لأنَّها هي التي عاد عليها ضمير (إنها رجس). وهي التي أمر بإراقتها من القدور، وغسلها منها، وهذا حكم النجاسة. فظهر: أن هذه العلَّة أولى من كل ما قيل فيها. وأما التعليل الذي ذكره أبو داود من حديث غالب بن أبجر، وهو الذي قال فيه عن النبي ﷺ : (إنما حرمتها عليكم من أجل جوَّال القرية) (١) فحديث لا يصح؛ لأنَّه يرويه عن عبد الله بن عمرو بن لويم، وهو مجهول، وقد رواه رجل يقال له: عبد الرحمن بن بشر، وهو أيضًا مجهولٌ على ما ذكره أبو محمد عبد الحق. وأما

стр. 2879

[١٨٣٨] وعَن ابنِ عُمَرَ، نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن أَكلِ الحِمَارِ الأَهلِيِّ يَومَ خَيبَرَ، وَكَانَ النَّاسُ احتَاجُوا إِلَيهَا. رواه البخاريُّ (٤٢١٨)، ومسلم (٥٦١) في الصيد والذبائح (٢٥)، والنسائي (٧/ ٢٠٣). [١٨٣٩] وعن عَبدَ اللَّهِ بنَ أَبِي أَوفَى، وسئل عَن لُحُومِ الحُمُرِ الأَهلِيَّةِ، فَقَالَ: أَصَابَتنَا مَجَاعَةٌ يَومَ خَيبَرَ، وَنَحنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَد أَصَبنَا لِلقَومِ حُمُرًا خَارِجَةً مِن المَدِينَةِ فَنَحَرنَاهَا، فَإِنَّ قُدُورَنَا لَتَغلِي؛ إِذ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَن اكفَؤوا القُدُورَ، وَلَا تَطعَمُوا مِن لُحُومِ الحُمُرِ ــ ما عدا ذلك من العلل التي ذكرناها فمتوهمة مقدَّرة، لا يشهد لها دليل. فصح ما قلناه، والحمد لله. ثم نقول: لا بُعد في تعليل تحريمها بعلل مختلفة، كل واحدة منها مستقلة بإفادة التحريم. وهو الصحيح من أحد القولين للأصوليين. وأمَّا تعليل من علَّلها بعدم التخميس فغير صحيح؛ لأنَّه: يجوز أكل الطعام والعلوفة قبل التخميس اتفاقًا، لا سيما في حال المجاعة، والحاجة. وقد تقدم القول في الإنسيَّة، وأنها تقال بفتح الهمزة والنون. [وهي الأشهر عند المحققين من أهل التقييد. ويقال أيضًا: بكسر الهمزة وسكون النون] (١). وكلاهما منسوب إلى الإنس. و(قوله: أن اكفؤوا القدور) الرواية المشهورة بوصل الألف، وفتح الفاء، من: كفأت القدر إذا قلبتها، وقد رويت بقطع الهمزة وكسر الفاء من: أكفأت. قال ابن السكيت وابن قتيبة: هما لغتان بمعنى واحد. وقال الأصمعي: كفأت الإناء،

стр. 2880

شَيئًا. فَقُلتُ: حَرَّمَهَا تَحرِيمَ مَاذَا؟ قَالَ: تَحَدَّثنَا بَينَنَا فَقُلنَا: حَرَّمَهَا أَلبَتَّةَ، وَحَرَّمَهَا مِن أَجلِ أَنَّهَا لَم تُخَمَّس. وفي رواية: فقال: إنما نهى عنها رسول الله ﷺ لأنها لم تخمس، وقال آخرون: نهى عنها ألبتة. رواه البخاري (٣١٥٥)، ومسلم (١٩٣٧) (٢٦ و ٢٧)، والنسائي (٧/ ٢٠٣). [١٨٤٠] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا أَدرِي أنَهَى عَنهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن أَجلِ أَنَّهُ كَانَ حَمُولَةَ النَّاسِ، فَكَرِهَ أَن تَذهَبَ حَمُولَتُهُم، أَو حَرَّمَهُ يَومِ خَيبَرَ؛ لُحُومَ الحُمُرِ الأَهلِيَّةِ. رواه البخاريُّ (٤٢٢٧)، ومسلم (١٩٣٩). [١٨٤١] وعَن سَلَمَةَ بنِ الأَكوَعِ قَالَ: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى خَيبَرَ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ فَتَحَهَا عَلَيهِم، فَلَمَّا أَمسَى النَّاسُ اليَومَ الَّذِي فُتِحَت عَلَيهِم أَوقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا هَذِهِ النِّيرَانُ؟ عَلَى أَيِّ شَيءٍ تُوقِدُونَ؟ . قَالَوا: عَلَى لَحمٍ، قَالَ: عَلَى أَيِّ لَحمٍ؟ . قَالَوا: عَلَى لَحمِ حُمُرٍ إِنسِيَّةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَهرِيقُوهَا وَاكسِرُوهَا. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَو نُهَرِيقُهَا وَنَغسِلُهَا؟ قَالَ: أَو ذَاكَ. رواه أحمد (٤٧١٤)، والبخاري (٢٤٧٧)، ومسلم (١٨٠٢)، وابن ماجه (٣١٩٥). ــ وكلَّ شيء قلبته، ولا يقال: أكفأت، وقيل: كفأتُ القِدر: كببتها ليخرج ما فيها، وأكفأتها: أملتها. و(قوله ﷺ في القدور: (أهريقوها، واكسروها)، كأن الأمر بكسر هذه

стр. 2881

[١٨٤٢] وعَن أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيبَرَ أَصَبنَا حُمُرًا خَارِجًا مِن القَريَةِ، فَطَبَخنَا مِنهَا، فَنَادَى مُنَادِي النبي ﷺ : أَلَا إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنهَيَانِكُم عَنهَا؛ فَإِنَّهَا رِجسٌ مِن عَمَلِ الشَّيطَانِ. فَأُكفِئَت القُدُورُ بِمَا فِيهَا، وَإِنَّهَا لَتَفُورُ بِمَا فِيهَا. وفي رواية: لَمَّا كَانَ يَومُ خَيبَرَ، جَاءَ جَاءٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُكِلَت الحُمُرُ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُفنِيَت الحُمُرُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا طَلحَةَ فَنَادَى: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنهَيَانِكُم ... وذكر نحوه. رواه البخاري (٥٥٢٨)، ومسلم (١٩٤٠) (٣٤ و ٣٥)، والنسائي (٧/ ٢٥٤)، وابن ماجه (٣١٩٦) * * * ــ القدور إنما صدر منه بناءً على أن هذه القدور لا ينتفع بها مطلقًا، وأن الغسل لا يؤثر فيها لما يسري فيها من النجاسات، كما نقوله في أواني الخمر المضرَّاة (١)، فلما قال له الرجل: (أو نهريقها، ونغسلها)، فهم الرسول ﷺ أنها مِمَّا ينغَسل، فأباح له ذلك، فتبدَّل الحكم لتبَدُّل سببه. ولهذا في الشريعة نظائر. وهي تدل على أنَّه ﷺ كان يحكم بالاجتهاد فيما لم يُوح إليه فيه شيء. وقد تقدم التنبيه على هذا في الحجِّ عند قول العباس: (إلا الإذخر). وفيه دليلٌ: على أن إزالة النجاسات إنما تكون بالماء، خلافًا لأبي حنيفة، وقد تقدم. * * *

стр. 2882

(٦) باب في إباحة لحوم الخيل وحمر الوحش [١٨٤٣] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى يَومَ خَيبَرَ عَن لُحُومِ الحُمُرِ الأَهلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الخَيلِ. ــ (٦) ومن باب: إباحة لحوم الخيل (قول جابر: وأذن في لحوم الخيل)، وفي الرواية الأخرى: (أكلنا زمن خيبر الخيل)، و (قول أسماء: نحرنا فرسًا على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه) كلها ظاهرةٌ في إباحة الخيل، وبذلك قال الجمهور من الفقهاء، والمحدِّثين، والسَّلف، كالحسن، وعطاء، وحمَّاد بن أبي سليمان، وسعيد بن جبير، والشافعي، والثوري، وأبي يوسف، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المبارك. وذهبت طائفة إلى كراهتها. منهم: ابن عباس، ومجاهد، ومالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وأبو عبيد: متمسكين بقول الله تعالى: ﴿وَالخَيلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ لِتَركَبُوهَا وَزِينَةً﴾ ويتقرر الاستدلال بها من وجهين: أحدهما: أن الله تعالى ذكر الأنعام التي هي: البقر، والإبل، والغنم، في صدر الآية، ثم عدَّد جميع ما ينتفع به منها، ومن جملتها الأكل. ثمَّ ذكر بعدها: الخيل، والبغال، والحمير، وذكر منافعها، ولم يذكر فيها الأكل، فلو كان الأكل جائزًا لكان مذكورًا فيها؛ لأنَّ مقصود الآية التذكير بالنعم، وتعديد ما أنعم الله به علينا في هذه الحيوانات من الفوائد، ثم إن الأكل من أهمِّ الفوائد، فلو كان مشروعًا فيها لما أغفله مع القصد إلى تعديدها، وذكر الامتنان بآحادها. الثاني: أن الله تعالى قد سوى بين الخيل، والبغال، والحمير في العطف والنَّسق، والبغال والحمير لا تؤكل بالاتفاق على ما مر، فالخيل لا تؤكل، ثم اعتذر القائلون بالكراهة عن الحديث بأن ذلك كان في حالة مجاعة وشدَّة حاجة،

стр. 2883

وفي رواية: قال: أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهانا النبي ﷺ عن الحمار الأهلي. رواه البخاريُّ (٥٥٢٠)، ومسلم (١٩٤١) (٣٦ و ٣٧)، وأبو داود (٣٧٨٨)، والترمذيُّ (١٤٧٨)، والنسائيُّ (٧/ ٢٠٢)، وابن ماجه (٣١٩١). [١٨٤٤] وعن أسماء قالت: نحرنا فرسا على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه. رواه أحمد (٦/ ٣٤٥)، ومسلم (١٩٤٢)، وابن ماجه (٣١٩٠). * * * ــ فأباحها لهم، وكانت الخيل بالإباحة أولى من البغال والحمير، لخِفَّة الكراهة فيها، فكانت بالإباحة أولى. ويستثمر من هذا: أن المضطرَّ مهما وجد شيئين أحدهما أغلظ في المنع، عدل إلى الأخف، واجتنب الأثقل، وكذلك يفعل في المحرمات؛ إذا كان أحدهما - مثلًا - مُتَّفقًا على تحريمه، والثاني مختلفًا فيه، فينبغي للمضطرِّ أن يأكل المختلف فيه. وقد شذَّت طائفة منهم، فقالت بتحريم لحوم الخيل. منهم: الحكم بن عتيبة، وفيه بُعدٌ؛ لأنَّ الآية لا تدل عليه، والأحاديث تخالفه. والله تعالى أعلم. و(قول جابر: أكلنا يوم (١) خيبر حمر الوحش) يعني: أنهم صادوها، ولا خلاف في جواز أكلها فيما علمته؛ لأنَّها من جملة الصَّيد الذي أباحه الله تعالى في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ . * * *

стр. 2884

(٧) باب ما جاء في أكل الضب [١٨٤٥] عن ابنَ عُمَرَ قال: سُئِلَ رسول الله ﷺ عَن الضَّبِّ فَقَالَ: لَستُ بِآكِلِهِ وَلَا مُحَرِّمِهِ. وفي رواية: أتي رسول الله ﷺ بضب فلم يأكله ولم يحرمه. رواه أحمد (٢/ ٦٢ و ٧٤)، والبخاري (٥٥٣٦)، ومسلم (١٩٤٣) (٣٩ - ٤١)، والترمذيُّ (١٧٩٠)، والنسائي (٧/ ١٩٧)، وابن ماجه (٣٢٤٢). ــ (٧ و ٨) ومن باب: أكل الضبِّ (١) وهو حرذونٌ كبير يكون في الصحراء. و (المَحنُوذ): المشوي بالرَّضف، وهي الحجارة المحمَّاة، وهو الحنيذ أيضًا. وقيل: المشوي مطلقًا. يقال: حَنَذَته النار، والشمس؛ إذا شوته. و(قوله ﷺ في الضبِّ: لست بآكله، ولا محرِّمه)، و (قول خالد: (أحرامٌ الضبُّ يا رسول الله؟ فقال: لا) دليل على أنه ليس بحرام. وهي تبطل قول من قال بتحريمه. حكاه المازري عن قومٍ، ولم يُعيِّنهم. وحكى ابن المنذر عن علي ﵁ النهي عن أكله. والجمهور من السلف والخلف على إباحته لما ذكرناه، وقد كرهه آخرون: فمنهم من كرهه استقذارًا، ومنهم من كرهه مخافة أن يكون مما مسخ. وقد جاء في هذه الأحاديث التنبيه على هذين التعليلين. وقد جاء

стр. 2885

[١٨٤٦] وعن ابن عَبَّاسٍ أَنَّ خَالِدَ بنَ الوَلِيدِ الَّذِي يُقَالَ لَهُ: سَيفُ اللَّهِ، أَخبَرَهُ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَيمُونَةَ زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ خَالَتُهُ وَخَالَةُ ابنِ عَبَّاسٍ - فَوَجَدَ عِندَهَا ضَبًّا مَحنُوذًا، قَدِمَت بِهِ أُختُهَا حُفَيدَةُ بِنتُ الحَارِثِ مِن نَجدٍ، فَقَدَّمَت الضَّبَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ قَلَّمَا يُقَدّمُ يديه لطَعَام حَتَّى يُحَدَّثَ بِهِ، وَيُسَمَّى لَهُ، فَأَهوَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ إِلَى الضَّبِّ، فَقَالَت امرَأَةٌ مِن النِّسوَةِ الحُضُورِ: أَخبِرنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَدَّمتُنَّ لَهُ، قُلنَ: هُوَ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ، فَقَالَ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ: أَحَرَامٌ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ لَم يَكُن بِأَرضِ قَومِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ. ــ في غير كتاب مسلم: أنه ﷺ كرهه لرائحته، فقال: (إني يحضرني من الله حاضرة) (١)، يريد: الملائكة. فيكون هذا كنحو ما قال في الثوم: (إِنِّي أناجي من لا تناجي) (٢). قلت: ولا بُعد في تعليل كراهة الضب بمجموعها (٣). وإنما كان يُسمَّى له الطعام إذا وُضع بين يديه ليقبل على ما يحب، ويترك ما لا يحب؛ فإنَّه ﷺ ما كان يذمُّ ذواقًا، فإن أحبَّه أكله، وإن كرهه تركه، كما فعل بالضبِّ. و(قوله: لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه) أي: أكرهه. يقال: عِفت الشيء أعافه [عيفًا: إذا كرهته. وعِفتُه أُعِيفُه] (٤) عيافة: من الزجر. وعافَ الطيرُ،

стр. 2886

قَالَ خَالِدٌ: فَاجتَرَرتُهُ فَأَكَلتُهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنظُرُ، فَلَم يَنهَنِي. رواه البخاريُّ (٥٥٣٧)، ومسلم (١٩٤٥ و ١٩٤٦) (٤٤)، وأبو داود (٣٧٩٤)، والنسائي (٧/ ١٩٧ و ١٩٨)، وابن ماجه (٣٢٤١). [١٨٤٧] وعَن يَزِيدَ بنِ الأَصَمِّ قَالَ: دَعَانَا عَرُوسٌ بِالمَدِينَةِ فَقَرَّبَ إِلَينَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ ضَبًّا، فَآكِلٌ وَتَارِكٌ، فَلَقِيتُ ابنَ عَبَّاسٍ مِن الغَدِ فَأَخبَرتُهُ، فَأَكثَرَ القَومُ حَولَهُ حَتَّى قَالَ بَعضُهُم: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا آكُلُهُ، وَلَا أَنهَى عَنهُ، وَلَا أُحَرِّمُهُ. فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: بِئسَ مَا قُلتُم، مَا بُعِثَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِلَّا ــ يَعيفُ: إذا حام على الماء ليشرب. و(قوله: بأرض قومي) ظاهره: أنه لم يكن موجودًا فيها، وقد حكي عن بعض العلماء: أن الضبَّ موجودٌ عندهم بمكة؛ غير أنه قليل، وأنهم لا يأكلونه. والله تعالى أعلم. و(قول خالد: فاجتررته، فأكلته ورسول الله ﷺ ينظر، فلم يمنعني) هذا تقرير منه ﷺ على جواز أكله، ولو كان حرامًا لم يقرَّ عليه، ولا أُكِلَ على مائدته، ولا بحضرته، فثبت: أنه حلال مطلقٌ لعينه. وإنَّما كرهه لأمور خارجةٍ عن عينه، كما نصَّ عليها فيما ذكرناه آنفا. و(قول يزيد بن الأصم: دعانا عروسٌ بالمدينة، فقرَّب إلينا ثلاثة عشر ضبًّا) دليل: على أن أكلهم للضباب كان فاشيًا عندهم، معمولًا به في الحاضرة، وفي البادية، ولذلك قال عمر ﵁: إنه طعام عامة الرُّعاء، ولو كان عندي طعمته. وإنكار ابن عباس على الذي نقل عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا آكله، ولا أنهى عنه، ولا أحرِّمه) إنما كان لأنَّه فهم من الناقل: أنه اعتقد أن النبي ﷺ لم يحكم في الضبِّ بشيء، ولذلك قال له: بئس ما قلت، ما بعث رسول الله ﷺ إلا محرِّمًا ومحلِّلًا. ثم بيَّن له بعد ذلك الدليل على أنَّه ﷺ أباحه، فذكر الحديث.

стр. 2887

مُحِلّلا وَمُحَرِّمًا، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَينَمَا هُوَ عِندَ مَيمُونَةَ وَعِندَهُ الفَضلُ بنُ عَبَّاسٍ، وَخَالِدُ بنُ الوَلِيدِ، وَامرَأَةٌ أُخرَى، إِذ قُرِّبَ إِلَيهِم خُوَانٌ عَلَيهِ لَحمٌ، فَلَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَن يَأكُلَ، قَالَت لَهُ مَيمُونَةُ: إِنَّهُ لَحمُ ضَبٍّ، فَكَفَّ يَدَهُ، وَقَالَ: هَذَا لَحمٌ لَم آكُلهُ قَطُّ. وَقَالَ لَهُم: كُلُوا. فَأَكَلَ مِنهُ الفَضلُ، وَخَالِد، وَالمَرأَةُ، وَقَالَت مَيمُونَةُ: لَا آكُلُ مِن شَيءٍ إِلَّا شَيءٌ يَأكُلُ مِنهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وفي رواية: قَالَ ابن عَبَّاسٍ: أَهدَت خَالَتِي أَمُّ حُفَيدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَمنًا وَأَقِطًا وَأَضُبًّا، فَأَكَلَ مِن السَّمنِ وَالأَقِطِ، وَتَرَكَ الضَّبَّ ــ و(الخوان): ما يجعل عليه الطعام، يقال بكسر الخاء وضمها، وجمعه: أَخوِنَة وخُونٌ. ويُسمَّى بذلك إذا لم يكن عليه طعام، وإذا وضع عليه الطعام يسمّى: مائدة. وفيه دليل: على جواز اتخاذ الأخونة، والأكل عليها؛ فإنَّه ﷺ قد كان له خوان، وأُكِل عليه بحضرته، على ما اقتضاه ظاهر هذا الحديث. وما روي: أنه ﷺ وأصحابه ﵃ لم تكن لهم موائد، وإنما يأكلون على السُّفَرِ، فذلك كان غالب أحوالهم. والله تعالى أعلم. و(قول ابن عباس: أهدت خالتي أمُّ حُفيد) مصغر بغير هاء. كذا صوابه؛ لأنَّه الأشهر. واسمها: هزيلة. وهكذا ذكره أبو عمر في الصحابة، وهي رواية النَّسفي في البخاري، وما عدا هذه الرواية فاضطراب من الرواة. فمنهم من قال: حُفيدة. ومنهم من قال: أمّ حُفيدة. ومنهم من قال: أمّ حُفيد (١). وعند بعض رواة البخاري: أمُّ حذيفة. والأول الصواب. والله تعالى أعلم. و(الأَقِطُ): اللَّبن المجبَّن المُجَّفف.

стр. 2888

تَقَذُّرًا، وَأُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَو كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رواه البخاري (٥٥٣٧)، ومسلم (١٩٤٧ و ١٩٤٨)، وأبو داود (٣٧٩٣)، والنسائي (٤٣٢٤)، وابن ماجه (٣٢٤١). * * * (٨) باب ما جاء في أن الضب والفأر يتوقع أن يكونا مما مسخ [١٨٤٨] عن جَابِر بن عَبدِ اللَّهِ قال: أُتِيَ النبي ﷺ بِضَبٍّ، فَأَبَى أَن يَأكُلَ مِنهُ، وَقَالَ: لَا أَدرِي لَعَلَّهُ مِن القُرُونِ الَّتِي مُسِخَت رواه أحمد (٣/ ٣٢٣ و ٣٨٠)، ومسلم (١٩٤٩). [١٨٤٩] وعَن أَبِي الزُّبَيرِ قَالَ: سَأَلتُ جَابِرًا عَن الضَّبِّ، فَقَالَ: لَا تَطعَمُوهُ، وَقَذِرَهُ. وَقَالَ: قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يُحَرِّمهُ؛ إِنَّ اللَّهَ يَنفَعُ بِهِ غَيرَ وَاحِدٍ، فَإِنَّمَا طَعَامُ عَامَّةِ الرِّعَاءِ مِنهُ، وَلَو كَانَ عِندِي طَعِمتُهُ. رواه مسلم (١٩٥٠). [١٨٥٠] وعَن أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ أَعرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي فِي غَائِطٍ مَضَبَّةٍ، وَإِنَّهُ عَامَّةُ طَعَامِ أَهلِي. قَالَ: فَلَم يُجِبهُ، فَقُلنَا: عَاوِدهُ، ــ و(قول الأعرابي: في غائطٍ مَضَبَّة)، الغائط: المنخفض من الأرض، و (مضبَّة) أي: ذات ضِباب كثيرة، وهي بفتح الميم والضاد، كقولهم: أرض

стр. 2889

فَعَاوَدَهُ فَلَم يُجِبهُ، ثَلَاثًا، ثُمَّ نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ: يَا أَعرَابِيُّ، إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ - أَو غَضِبَ - عَلَى سِبطٍ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ فَمَسَخَهُم دَوَابَّ يَدِبُّونَ فِي الأَرضِ، فَلَا أَدرِي لَعَلَّ هَذَا مِنهَا، فَلَستُ آكُلُهَا وَلَا أَنهَى عَنهَا. رواه مسلم (١٩٥١) (٥٠ - ٥١). ــ مَسبَعة، ومأسدة؛ أي: كثيرةُ ذلك. قال سيبويه: مَفعَلَة - بالهاء والفتح - للتكثير، وقد حكى غيره في مَضَبَّة: كسر الميم والضاد، والأول المعروف. و (السَّبط): واحد الأسباط، وهم كالقبائل في العرب. و(قوله ﷺ : إن الله لعن - أو: غضب - على سبط من بني إسرائيل، فمسخهم دوابَّ يَدِبُّون، ولا أدري لعل هذا منها) هذا منه ﷺ تَوقُّعٌ، وخوف لأن يكون الضَّبُّ من نسل ما مسخ من الأمم. ومثله ما ذكره في الفأرة لما قال: (فُقِدت أمَّة من بني إسرائيل لا أدري ما فَعَلت، ولا أراها إلا الفأر) كان هذا منه ﷺ ظنًّا، وحدسا قبل أن يوحى إليه: (إن الله تعالى لم يجعل لمسخٍ نسلًا) (١). فلما أوحي إليه بذلك زال عنه ذلك التخوُّف، وعلم أن الضَّبَّ والفأر ليسا من نسل ما مُسِخ. وعند ذلك أخبرنا بقوله: (إن الله لم يجعل لمسخٍ نسلًا) (١). وقد تقدَّمت النصوص بإباحة أكل الضَّبِّ، وأما الفأر: فلا يأكل، لا لأنه مسخ، بل لأن رسول الله ﷺ قد استخبثه، كما قد استخبث الوزغ، وأمر بقتله، وسَمَّاه: فويسقًا. وإذا ثبت ذلك فقد تناوله قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الخَبَائِثَ﴾ فيكون أكلها حرامًا. وأما الهِرَّ: فقد تناوله (٢) عموم تحريم كل ذي ناب. فإنَّه من ذوات الأنياب على ما تقدم. وقد جاء فيه حديث

стр. 2890

[١٨٥١] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فُقِدَت أُمَّةٌ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ لَا يُدرَى مَا فَعَلَت، وَلَا أُرَاهَا إِلَّا الفَأرَ، أَلَا تَرَونَهَا إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلبَانُ الإِبِلِ لَم تَشرَبهُ، وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتهُ؟ قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: فَحَدَّثتُ هَذَا الحَدِيثَ كَعبًا فَقَالَ: آنتَ سَمِعتَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قُلتُ: نَعَم. قَالَ ذَلِكَ مِرَارًا، قُلتُ: آقرَأُ التَّورَاةَ؟ . وفي أخرى: أأنزلت علي التوراة؟ ولفظها: الفأرة مسخ، وآية ذلك: أنه يوضع ... وذكر نحوه. رواه أحمد (٢/ ٤١١)، ومسلم (٢٩٩٧) (٦١ و ٦٢). * * * ــ صحيح ذكره أبو داود من حديث جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الهِرِّ، وأكل ثمنه (١). و(قول أبي هريرة: آقرأ التوراة؟ ) هو بمد همزة أَقرأُ؛ لأنَّها للاستفهام على جهة الإنكار على كعب لَمَّا كرَّر عليه السؤال بقوله: آنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ وقد بيَّنه في الرواية الأخرى حيث قال: أَأُنزِلَت علي التوراة؟ . وكان هذا من أبي هريرة تعريضًا بكعب، فإنَّه كان يقرأ التوراة، وكان أكثر أحاديثه منها. وأما أبو هريرة فما كان يُحَدِّثُ إلا عن رسول الله ﷺ . * * *

стр. 2891

(٩) باب أكل الجراد والأرانب [١٨٥٢] عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: غزونا مع رسول الله ﷺ نأكل الجراد. وفي رواية: سبع غزوات. رواه أحمد (٤/ ٣٥٧)، والبخاريُّ (٥٤٩٥)، ومسلم (١٩٥٢)، وأبو داود (٣٨١٢)، والترمذي (١٨٢٢)، والنسائي (٧/ ٢١٠). ــ (٩) ومن باب: أكل الجراد والأرنب (قوله: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد) ظاهره جواز أكل الجراد مطلقًا، ولم يُختلف في جواز أكل الجراد على الجملة، لكن اختلف فيه؛ هل يحتاج إلى سبب يموت به أم لا يحتاج؟ فعامَّة الفقهاء: على أنه لا يحتاج إلى ذلك. فيجوز أكل الميتة منه. وإليه ذهب ابن عبد الحكم، ومطرِّف من أصحابنا. وذهب مالك: إلى أنَّه لا بدَّ له من سبب يموت به، كقطع رأسه، أو رجله، أو أجنحته إذا مات من ذلك، أو يشوى، أو يُصلَق. وقال اللَّيث: يُكره أكل ميت الجراد إلا ما أخذ حيًّا ثم مات، فإن أخذه ذكاته، وإليه ذهب سعيد بن المسيب، والجمهور تمسُّكًا بظاهر حديث ابن أبي أوفى المتقدم، وبما ذكره ابن المنذر: أن أزواج النبي ﷺ كن يتهادين الجراد فيما بينهن (١). وبما ذكره الدارقطني عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: (أحل لنا ميتتان: الحوت والجراد، ودمان: الكبد والطحال) (٢)، على أنه لا يصحُّ لأنه من رواية عبد الله، وعبد الرحمن ابني

стр. 2892

[١٨٥٣] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: مَرَرنَا فَاستَنفَجنَا أَرنَبًا بِمَرِّ الظَّهرَانِ، فَسَعَوا عَلَيهِ فَلَغَبُوا، قَالَ: فَسَعَيتُ حَتَّى أَدرَكتُهَا، فَأَتَيتُ بِهَا أَبَا ــ زيد بن أسلم، ولا يحتج بحديثهما. ومن الجمهور من رأى: أنه من صيد البحر، وعلى هذا فيجوز للمُحرِم صيدها (١)، من غير جزاء، ويجوز أكل ما صاد المجوسي منه، وإليه ذهب النَّخعي، والشافعي، والنعمان، وأبو ثور. فأما مالك والليث فرأيا: أن الجراد من حيوان البر، فميتته محرَّمة؛ لأنَّها داخلة في عموم قوله: ﴿حُرِّمَت عَلَيكُمُ المَيتَةُ﴾ ولم يصح عندهم: (أحلّت لنا ميتتان)، وقالا بموجب حديث ابن أبي أوفى، وبما ذكره ابن المنذر بشرط الذكاة؛ إذ ليسا بنصَّين. وإذا كان كذلك فلا بُدَّ من ذكاة، إلا أن ذكاة كل شيء بحسب ما يتأتى فيه. فرأى مالك: أنه لا بدَّ من فعلٍ يُفعل فيها حتى تموت بسببه. ورأى اللَّيث: أن أخذها وتركها إلى أن تموت سببٌ يبيحها. ولم ير مالك ذلك لأنه لم يفعل فيها شيئًا. وقال أشهب: لا يؤكل الجراد إلا إذا قُطعت رؤوسه، أو يُطرح حيًّا في نار، أو ماء. فأما قطع أرجله، وأجنحته فلا يكون ذلك ذكاة عنده؛ وإن مات بسببه، وعلى هذا: فلو صُلِقَ الحي منه مع الميت فقال أشهب: يُطرح الجميع، وقال سحنون: يؤكل الأحياء، وتكون الموتى بمنزلة خشاش الأرض يموت في القِدر. قلت: وهذا من سحنون ميل إلى أنه من الحيوان الذي ليس له نفسٌ سائلةٌ. ويلزم على هذا ألا ينجس بالموت، ولا ينجس ما مات فيه. وحينئذ يجوز أكله ميتًا. والله تعالى أعلم. و(قول أنس: استَنفَجنا أرنبًا) هذا الحرف صحيح روايته ومشهورها عند أهل التقييد واللغة بالنون والفاء، لا يعرفون غيره. ومعناه: استَثَرنا الأرنب وأخرجناه من مكمنه. يقال: نفَجت الأرنب إذا وثبت. قال الهروي: أنفجتُ

стр. 2893

طَلحَةَ فَذَبَحَهَا، فَبَعَثَ بِوَرِكِهَا وَفَخِذَيهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وأَتَيتُ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَبِلَهُ. رواه أحمد (٣/ ٢٩١)، والبخاري (٥٥٣٥)، ومسلم (١٩٥٣)، وأبو داود (٣٧٩١)، والترمذيُّ (١٧٩٠)، والنسائي (٧/ ١٩٧)، وابن ماجه (٣٢٤٣). * * * ــ الأرنبَ (١) من جحره فنفج؛ أي: أثرتُه: فثار. وقد وقع للمازري: (فبعجنا) بالباء بواحدة من تحتها، والعين المهملة. وفسَّره بـ: شققنا، من: بعج بطنه؛ إذا شقَّه، وهذا لا يصحُّ رواية ولا معنى، وإنما هو تصحيف، وكيف يَشُقُّون بطنها، ثم يسعون خلفها؟ ! و(السَّعي): الجري. و (اللُّغوب): التعب والإعياء. وجمهور السَّلف والخلف من الفقهاء وغيرهم على العمل بحديث أنس هذا، في جواز أكل الأرنب. وقد حكي عن عبد الله بن عمرو بن العاصي تحريمه. وعن ابن أبي ليلى كراهته. وقد ذكر عبد الرزاق من حديث عبد الكريم بن أمية - وهو ضعيف - قال: سأل جريرُ بن أنس رسول الله ﷺ عن الأرنب فقال: (أُنبئت أنها تحيضُ، لا آكُلُها) (٢). وهو منقطع. وذكر النسائي أيضًا عن موسى بن طلحة، قال: أتي النبي ﷺ بأرنب قد شواها رجل، وقال: يا رسول الله! إني رأيت بها دمًا. فتركها رسول الله ﷺ فلم يأكلها، وقال لمن عنده: (فإني لو اشتهيتها أكلتها) (٣). وهذا

стр. 2894

(١٠) باب الأمر بإحسان الذبح وحد الشفرة [١٨٥٤] عَن شَدَّادِ بنِ أَوسٍ قَالَ: ثِنتَانِ حَفِظتُهُمَا من رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، فَإِذَا قَتَلتُم ــ مرسل. وليس في شيء من الأحاديث - وإن ضَعُفَت - ما يدلّ على تحريم الأرنب. وغاية هذين الخبرين استقذارها مع جواز أكلها. فأمَّا من حَرَّم أكلها: فلا متمسك له فيما علمناه، والحديث الأول حُجَّة عليه. (١٠ و ١١) ومن باب: الأمر بتحسين الذبح والنهي عن صبر البهائم (١) (قوله: إن الله كتب الإحسان على كل شيء) أي: أَمَر به، وحضَّ عليه. وأصل كتب: أثبت وجمع. ومنه قوله تعالى: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ﴾؛ أي: ثبَّته وجمعه. ومنه: كتبتُ البغلة؛ إذا جمعتَ حياءها. و (على) هنا بمعنى: (في)، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلكِ سُلَيمَانَ﴾؛ أي: في ملكه. ويقال: كان كذا على عهد فلان؛ أي: في عهده. حكاه القتبي. و(الإحسان) هنا بمعنى: الإحكام، والإكمال، والتحسين في الأعمال المشروعة، فحقُّ من شرع في شيء منها أن يأتي به على غاية كماله، ويحافظ على آدابه المصححة، والمكمِّلة، وإذا فعل ذلك قُبِل عمله، وكَثُر ثوابه. و(القِتلة) بكسر القاف، هي الرواية، وهي: هيئة القتل. و (القَتلة) بالفتح: مصدر قتل المحدود. وكذلك: الرِّكبَة والمِشيَةُ: الكسر للاسم، والفتح للمصدر. والذَّبح أصله: الشقُّ، والقطع. قال (٢):

стр. 2895

فَأَحسِنُوا القِتلَةَ، وَإِذَا ذَبَحتُم فَأَحسِنُوا الذَّبحَ، وَليُحِدَّ أَحَدُكُم شَفرَتَهُ، وليُرِح ذَبِيحَتَهُ. رواه أحمد (٤/ ١٢٣)، ومسلم (١٩٥٥)، وأبو داود (٢٨١٥)، والترمذي (١٤٠٩)، والنسائي (٧/ ٢٢٧)، وابن ماجه (١٣٧٠). * * * (١١) باب النهي عن صبر البهائم وعن اتخاذها غرضا وعن الخذف [١٨٥٥] عن هِشَامَ بنَ زَيدِ بنِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: دَخَلتُ مَعَ جَدِّي أَنَسِ بنِ مَالِكٍ دَارَ الحَكَمِ بنِ أَيُّوبَ، فَإِذَا قَومٌ قَد نَصَبُوا دَجَاجَةً يَرمُونَهَا، قَالَ: فَقَالَ أَنَسٌ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن تُصبَرَ البَهَائِمُ. رواه البخاري (٥٥١٣)، ومسلم (١٩٥٦)، وأبو داود (٢٨١٦)، والنسائي (٧/ ٢٣٨). ــ كأنَّ بين فَكها والفَكِّ ... فأرةَ مِسكٍ ذُبِحت في سُكِّ (١) وإحسان الذبح في البهائم: الرفق بالبهيمة، فلا يصرعها بعنف، ولا يجرُّها من موضع إلى موضع، وإحداد الآلة، وإحضار نيَّة الإباحة، والقُربَة، وتوجيهها إلى القبلة، والتَّسمية، والإجهاز، وقطع الودجين والحلقوم، وإراحتها، وتركها إلى أن تبرد، والاعتراف لله تعالى بالمنَّة، والشكر له على النعمة بأنه سخر لنا ما لو

стр. 2896

[١٨٥٦] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تَتَّخِذُوا شَيئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا. رواه أحمد (١/ ٢٨٠)، ومسلم (١٩٥٧)، والترمذيُّ (١٤٧٥)، والنسائي (٧/ ٢٣٨)، وابن ماجه (٣١٨٧). [١٨٥٧] وعَن سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ قَالَ: مَرَّ ابنُ عُمَرَ بِنَفَرٍ قَد نَصَبُوا دَجَاجَةً يَرمَونَهَا. وفي رواية: قَد جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِن نَبلِهِم، فَلَمَّا رَأَوا ابنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا عنها. فَقَالَ ابنُ عُمَرَ: مَن فَعَلَ هَذَا؟ لَعَن اللَّهُ مَن فَعَلَ هَذَا. إن رَسُول اللَّهِ ﷺ لعن من فعل هذا. وفي رواية: لَعَنَ مَن اتَّخَذَ شَيئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا رواه البخاريُّ (٥٥١٥)، ومسلم (١٩٥٨)، والنسائي (٧/ ٢٣٨). ــ شاء لسلطه علينا، وأباح لنا ما لو شاء لحرَّمه علينا. وقال ربيعة: من إحسان الذبح: ألا تذبح بهيمة، وأخرى تنظر. وحكي جوازه عن مالك. والأوَّل أولى. ثم قوله ﷺ : (إذا قتلتم فأحسنوا القِتلَة) يحمل على عمومه في كل شيء من التذكية، والقصاص، والحدود، وغيرها، وليجهز في ذلك، ولا يقصد التعذيب. ونهيه عن صبر البهائم مفسَّر في حديث ابن عباس حيث قال: (لا تتخذوا شيئًا فيه الرُّوح غرضًا). وأصل الصَّبرِ: الحبس. وقد تقدم في الأيمان. وهذا النَّهي على ظاهره من التحريم. وقد دلَّ على ذلك: لَعنُ رسولُ الله ﷺ لِمَن فعل ذلك، كما في حديث ابن عمر. و (خاطئة النبل) هي: التي لا تُصيب. وظاهره: أن الذي جُعِل لصاحب الطير أن يأخذه السَّهم. ويحتمل: أن يكون الذي جُعِل له جُعلا غيرُ ذلك على المخطئ كُلَّما أخطأ، وكل ذلك قِمَارٌ لا يجوز. و (الخَذفُ)

стр. 2897

[١٨٥٨] وعن جَابِر قال: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن يُقتَلَ شَيءٌ مِن الدَّوَابِّ صَبرًا. رواه مسلم (١٩٥٩). [١٨٥٩] وعَن سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ أَنَّ قَرِيبًا لِعَبدِ اللَّهِ بنِ مُغَفَّلٍ خَذَفَ؛ قَالَ: فَنَهَاهُ وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن الخَذفِ وَقَالَ: إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيدًا، وَلَا تَنكَأُ عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا تَكسِرُ السِّنَّ وَتَفقَأُ العَينَ. قَالَ: فَعَادَ، فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنهُ، ثُمَّ تَخذِفُ! لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا! . رواه أحمد (٤/ ٨٦)، والبخاريُّ (٥٤٧٩)، ومسلم (١٩٥٤) (٥٤)، والنسائي (٨/ ٤٧)، وابن ماجه (٣٢٢٧). * * * ــ بالخاء المعجمة بواحدة من فوقها: الرَّمي بالحجر. وبالحاء المهملة: الضرب بالعصا. و(قوله: إنها لا تصيد صيدًا) أي: لا يحلُّ ما يُصادُ بالبُندُق، ولا الحَجَرِ؛ لأنَّه ليس بمحددٍ، ولا سلاح. و(قوله: لا تَنكَأ عدوًّا) المشهور في هذا الحرف عند أكثر الرواة: الهمز، وكذلك قيدته ورويته، وهو من: نكأت القرحة، وفيه بُعدٌ. وقد وقع في بعض النسخ لبعض الرواة: (لا تُنكِي) بغير همز، من: نكاية العدو. وهو هنا أشبه، وأوجه، غير أن صاحب العين (١) قد حكى عن قوم من العرب: أنهم يقولون: نكأت العدوّ. فعلى هذا تتمشى الرواية المشهورة. و(قول عبد الله للخاذف بعد التحذير: لا أُكلِّمك أبدًا) دليلٌ على هجران من خالف الشرع على علمٍ تأديبًا لهم، وزجرًا، حتى يرجعوا. والله تعالى أعلم.

стр. 2898

(١٢) باب من ذبح لغير الله ولعنه [١٨٦٠] عن أَبي الطُّفَيلِ عَامِر بن وَاثِلَةَ قَالَ: كُنتُ عِندَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسِرُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: فَغَضِبَ، وَقَالَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسِرُّ إِلَيَّ شَيئًا يَكتُمُهُ النَّاسَ، غَيرَ أَنَّهُ قَد حَدَّثَنِي ــ (١٢) ومن باب لعن من ذبح لغير الله (قول علي ﵁ للسائل: ما كانَ رسولُ الله ﷺ يُسِرُّ إلي شيئًا يكتمُه النَّاسَ)، وفي لفظ آخر: (ما خصَّنا رسول الله ﷺ بشيءٍ لم يَعُمَّ به النَّاسَ) (١) رد وتكذيب للفِرَق الغالية فيه - وهم: الشيعةُ، والإماميةُ، والرافضةُ - الزاعمين أن النبي ﷺ وصَّى لعلي، وولاه بالنَّصِّ، وأسرَّ إليه دونَ الناس كلهم بعلومٍ عظيمةٍ، وأمورٍ كثيرةٍ. وهذه كلها منهم أكاذيبُ، وتُرَّهات، وتمويهات، يشهد بفسادها نصوصُ متبوعهم، وما تقتضيه العاداتُ من انتشار ما تدعو إليه الحاجةُ العامَّةُ. وغضبُ علي على ذلك دليلٌ على أنَّه لا يرتضي شيئًا مما قيل هنالك. وإنما استحقَّ لاعنُ أبويه لعنةَ الله لمقابلته نعمةَ الأبوين بالكُفران، وانتهائه إلى غاية العُقوق والعِصيان، كيف لا وقد قَرَن الله بِرَّهُما بعبادته وإن كانا كافرين بتوحِيده وشريعته. وأما لعن مَن ذَبَح لغير الله؛ فإن كان كافرًا يذبحُ للأصنام فلا خفاءَ بحاله، وهي التي أُهِلَّ بها لغير الله، والتي قال الله تعالى فيها: ﴿وَلا تَأكُلُوا مِمَّا لَم يُذكَرِ اسمُ اللَّهِ عَلَيهِ﴾ على ما تقدَّم. وأما إن كان مسلمًا فيتناوله عمومُ هذا اللعن، ثم لا تَحِل ذبيحتُه؛ لأنه لم يقصد بها الإباحة الشرعية، وقد تقدَّم أنها شرط

стр. 2899

بِكَلِمَاتٍ أَربَعٍ، فَقَالَ: مَا هُنَّ يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ؟ قَالَ: قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ مَن لَعَنَ وَالِدَيه، وَلَعَنَ اللَّهُ مَن ذَبَحَ لِغَيرِ اللَّهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَن آوَى مُحدِثًا، وَلَعَنَ اللَّهُ مَن غَيَّرَ مَنَارَ الأَرضِ. رواه مسلم (١٩٧٨) (٤٣)، والنسائي (٧/ ٢٣٢). * * * ــ في الذكاة. ويُتَصوَّر ذبح المسلم لغير الله فيما إذا ذبح عابثًا، أو مُجرِّبًا لآلةِ الذبح، أو للَّهوِ، ولم يقصد الإباحة، وما أشبه هذا. وقد تقدم الكلام على لعن من آوى محدثًا في الحج. و(منار الأرض) هي التخوم، والحدود التي بها تتميَّز الأملاك. والمغيِّر لها: إن أضافها إلى ملكه فهو غاصبٌ، وإن لم يضفها إلى ملكه فهو متعدٍّ ظالِمٌ مفسدٌ لِمُلك الغير. وقد قال ﷺ : (من غصب شبرًا من الأرض طوَّقه يوم القيامة من سبع أرضين) (١). وقد حمل أبو عبيد هذا الحديث على تغيير حدود الحرم، ولا معنى للتخصيص، بل هو عام في كل الحدود والتخوم. والله تعالى أعلم. * * *

стр. 2900

(٢٦) كتاب الأشربة (١) باب تحريم الخمر [١٨٦١] عن عَلِيّ بن أبي طالب قَالَ: كَانَت لِي شَارِفٌ مِن نَصِيبِي مِن المَغنَمِ يَومَ بَدرٍ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعطَانِي شَارِفًا مِن الخُمُسِ يَومَئِذٍ، فَلَمَّا أَرَدتُ أَن أَبتَنِيَ بِفَاطِمَةَ بِنتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَاعَدتُ رَجُلًا صَوَّاغًا مِن بَنِي قَينُقَاعَ يَرتَحِلُ مَعِيَ، فَنَأتِي بِإِذخِرٍ أَرَدتُ أَن أَبِيعَهُ مِن الصَّوَّاغِينَ، فَأَستَعِينَ بِهِ فِي وَلِيمَةِ عُرسِي، فَبَينَا أَنَا أَجمَعُ لِشَارِفَيَّ مَتَاعًا مِن الأَقتَابِ وَالغَرَائِرِ وَالحِبَالِ، وَشَارِفَايَ مُنَاخَتانِ إِلَى جَنبِ حُجرَةِ رَجُلٍ مِن الأَنصَارِ، وَجَمَعتُ حتى جَمَعتُ مَا جَمَعتُ، فَإِذَا شَارِفَايَ قَد اجتُبَّت أَسنِمَتُهُمَا وَبُقِرَت خَوَاصِرُهُمَا وَأُخِذَ مِن أَكبَادِهِمَا، فَلَم أَملِك عَينَيَّ حتى رَأَيتُ ذَلِكَ المَنظَرَ مِنهُمَا، قُلتُ: مَن فَعَلَ هَذَا؟ قَالَوا: فَعَلَهُ حَمزَةُ بنُ عَبدِ المُطَّلِبِ، وَهُوَ فِي هَذَا البَيتِ فِي شَربٍ مِن الأَنصَارِ، غَنَّتهُ قَينَةٌ وَأَصحَابَهُ، فَقَالَت فِي غِنَائِهَا: أَلَا يَا حَمزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ ــ (٢٦) كتاب الأشربة (١) ومن باب: تحريم الخمر (١) (قولها: ألا يا حَمزُ للشُّرُفِ النَّواءِ) الرواية الصحيحة المشهورة في هذا

стр. 2901

فَقَامَ حَمزَةُ بِالسَّيفِ فَاجتَبَّ أَسنِمَتَهُمَا وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا، فَأَخَذَ مِن ــ اللفظ: (للشُّرُف) باللام وضم الراء. و (النواء) بكسر النون. فالشرف بضم الراء: جمع شارف على غير قياس، وذلك أن الشارف مؤنث؛ لأنَّه اسم للناقة المُسِّنة. وهو في أصله صفة لها، فكان حَقَّه أن يجمع على (فواعل)، أو (فُعَّل) لأنَّهما مثالًا جمع فاعل إذا كان للمؤنث، لكنه لما كان مذكر اللفظ - أي ليس فيه علامة تأنيث - حملوه على (بازل) الذي هو صفة للجمل المسنِّ، فجمعوه جَمعَهُ، فقالوا: شُرُف. كما قالوا: بُزُل. واللام في الشُّرُف لام الجر، وهي متعلقة بفعل محذوف دلَّ عليه الحال؛ أي: انهض للشُّرُف، أو: قُم لها. تُحرِّضُه على نحرها، ولذلك قام حمزة فنحرها. و(النواء): السمان. يقال: نوت الناقة، تنوي، فهي ناوية، وجمعها: نواء، وهو أيضًا على غير قياس، كما تقدَّم. قال الخطابي: وقد روى هذا اللفظ أبو جعفر الطبري: (ذا الشَرَف) بـ (ذا) التي بمعنى صاحب، وبفتح الراء والشين. قال: وفسَّره بالبعد. قلت: وفي هذه الرواية ومعناها بُعدٌ، والصواب: رواية الجماعة كما ذكرناه السَّاعة. و(الصُّوَّاغ): الصَّائِغ، وهو الذي يصوغُ الذهب والفضة، وهو للمبالغة. و (الأقتاب): جمع قتب، وهو أداة الرَّحل، وقد يكون في موضع آخر الأمعاء. و (اجتبَّ أسنمتها) أي: شق عنها الجلد، وأخرج الشحم الذي فيها. و (بُقِرت خواصرها) أي: نُقِبَت. وهذا إنما فعل ذلك بعد أن نحرها على عادتهم. وعلى هذا يدلُّ الشعر المذكور بعد هذا. ويحتمل أن يكون فعل ذلك بها من غير نحر استعجالًا لإجابة الإغراء الذي أغرته به المغنية، لا سيما وقد كانت الخمر أخذت منه. و(قوله: فلم أملك عيني) أن بكيت، يعني: مغلوبًا لشدَّة الموجدة. و(الشَّربُ) بفتح الشين وسكون الراء: اسم للقوم يجتمعون للشُّرب، بضم الشين. و (القينة): المُغَنِّيةُ.

стр. 2902

أَكبَادِهِمَا. فَقَالَ عَلِيٌّ: فَانطَلَقتُ حَتَّى أَدخُلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِندَهُ زَيدُ بنُ حَارِثَةَ، قَالَ: فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَجهِيَ الَّذِي لَقِيتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا لَكَ؟ . قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا رَأَيتُ كَاليَومِ! عَدَا ــ و(قوله: ما رأيت كاليوم قطّ) هذا كلام كثر عندهم، حتى صار كالمثل. والكاف فيه نعت لـ (يوم) محذوف، تقديره: ما رأيت يومًا مثل اليوم. يهوله لما لقي فيه. ويحتمل أن يكون نعتًا لمصدر محذوف. أي: ما رأيت كربًا مثل كرب اليوم، أو ما شاكل ذلك. ويدلُّ على الأول ما أنشده ابن شبَّة من الزيادة في شعر القَينة فقال: ألا يا حمز للشُّرفِ النَّواءِ ... وهنَّ مُعَقَّلاتٌ بالفِنَاء ضع السكين في اللَّبَّات مِنها ... وضَرِّجهُنَّ حمزةُ بالدِّماءِ وعَجِّل من أَطايِبها لِشَربٍ ... قَدِيرًا من طَبِيخٍ أو شِواءِ قلت: وعلى هذا: فيكون فيه حجة على إباحة أكل ما ذبحه غير المالك تعديًّا، كالغاصب، والسارق. وهو قول جمهور العلماء: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي. وخالف في ذلك: إسحاق، وداود، وعكرمة، فقالوا: لا يؤكل. وهو قول شاذٌّ، وحجَّة الجمهور: أن الذكاة وقعت من المتعدِّي على شروطها الخاصة بها. وقيمة الذبيحة قد تعلَّقت بذمة المتعدِّي، فلا موجب للمنع، وقد وقع التفويت. وقد روى ابن وهب حديثًا يدلُّ على جواز الأكل، فليبحث عنه، وليُكتب هنا (١). و(قوله: وجمعتُ حتَّى جمعتُ ما جمعت) هكذا رواه الطبري، والعذري، وابن ماهان بـ (حتى) التي هي للغاية. وقد رواه السجزي، والسَّمرقندي: (حين)

стр. 2903

حَمزَةُ عَلَى نَاقَتَيَّ فَاجتَبَّ أَسنِمَتَهُمَا وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا، وَهَا هُوَ فِي بَيتٍ ــ مكان (حتى) والأول أوضح. وقد سقط (وجمعت) الأوَّل في بعض النسخ، وسقوطه وثبوت (حتى) يَحسُن الكلام، وقد ذكره الحميدي في مختصره بلفظ أحسن من هذا، فقال: (وأقبلت حين جمعت ما جمعت). قلت: وهذا الحديث يدلُّ على أن شُرب الخمر كان إذ ذاك مباحًا، معمولًا به، معروفًا عندهم بحيث لا يُنكر، ولا يُغير، وأن النبي ﷺ أقرَّ عليه، وعليه يدلُّ قوله تعالى: ﴿لا تَقرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُم سُكَارَى﴾ وقوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا وَرِزقًا حَسَنًا﴾ وهل كان يباح لهم شرب القدر الذي يسكر؟ ظاهر هذا الحديث يدلّ عليه، فإنَّ ما صدر عن حمزة ﵁ للنبي ﷺ من القول الجافي المخالف لما يجب من احترام النبي ﷺ وتوقيره، وتعزيره، يدلُّ: على أن حمزة كان قد ذهب عقله بما يسكر، ولذلك قال الراوي: فعرف رسول الله ﷺ : أنه ثَمِلَ. ثم إن النبي ﷺ لم يُنكر على حمزة، ولا عنَّفه، لا في حال سكره، ولا بعد ذلك. فكان ذلك دليلًا على إباحة ما يُسكر عندهم. وهذا خلاف ما قاله الأصوليون وحكوه، فإنَّهم قالوا: إن السكر حرام في كل شريعة قطعًا لأن الشرائع مصالح العباد قطعًا، لا مفاسدهم. وأصل المصالح العقل، كما أن أصل المفاسد ذهابه. فيجب المنع من كل ما يذهبه ويشوشه. وما ذكروه واضح، ويمكن أن ينفصل عن حديث حمزة بأن النبي ﷺ ترك الإنكار على حمزة في حال سكره؛ لكونه لا يعقل، وعلى إثر ذلك نزل تحريم الخمر. أو أن حمزة لم يقصد بشربه السُّكر، لكنه أسرع فيه فغلبه. والله تعالى أعلم. ولم يقع في شيء من الصحيح أن النبي ألزم حمزة غرامة الشارفين، لكن روى هذا الحديث عمر بن شبَّة في كتابه، وزاد فيه من رواية أبي بكر بن عياش: فغرمهما النبي ﷺ عن حمزة، وهذه الرواية جارية على الأصول؛ إذ لا خلاف في أنَّ

стр. 2904

مَعَهُ شَربٌ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرِدَائِهِ فَارتَدَاهُ، ثُمَّ انطَلَقَ يَمشِي. فاتَّبَعتُهُ أَنَا وَزَيدُ بنُ حَارِثَةَ حَتَّى جَاءَ البَابَ الَّذِي فِيهِ حَمزَةُ، فَاستَأذَنَ فَأَذِنُوا لَهُ، فَإِذَا هُم شَربٌ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلُومُ حَمزَةَ فِيمَا فَعَلَ، فَإِذَا حَمزَةُ مُحمَرَّةٌ عَينَاهُ، فَنَظَرَ حَمزَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ إِلَى رُكبَتَيهِ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى سُرَّتِهِ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى وَجهِهِ، قَالَ حَمزَةُ: وَهَل أَنتُم إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي؟ فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ ثَمِلٌ، فَنَكَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَقِبَيهِ القَهقَرَى، حتى خَرَجَ، وَخَرَجنَا مَعَهُ. رواه البخاريُّ (٣٠٩١)، ومسلم (١٩٧٩) (٢)، وأبو داود (٢٩٨٦). ــ ما يُتلِف السكران من الأموال يلزمه غرمه. وعلى تقدير ألَاّ تثبت هذه الزيادة؛ فعدم النقل لا يدلّ على عدم المنقول، ولو دلَّ على ذلك لأمكن أن يقال: إنما لم يحكم عليه النبي ﷺ بالغرامة لأن عليًّا ﵁ لم يطلبها منه، أو لأن النبي ﷺ تحمَّلها عنه كما قال في صدقة العباس. والله تعالى أعلم. وقد احتج بهذا الحديث من لا يلزم السكران؛ من جهة أن النبي ﷺ لم يؤاخذ حمزة بما صدر عنه من قوله. وإليه ذهب: المُزني، والليث، وبعض أصحاب أبي حنيفة. وتوقف فيه: أحمد بن حنبل. والجمهور من السَّلف والخلف وكافة الفقهاء: على أن ذلك يلزمه؛ لأنَّ السكران بعد التحريم أدخل نفسه في السُّكر بمعصية الله تعالى فكان مختارًا لما يكون منه فيه، ولم يكن حمزة كذلك، بل كان شُربُه مباحًا كما قدَّمناه، فصار ذلك بمثابة من سكر من شُرب اللَّبن، أو غيره من المباحات، فإنَّه لا يلزمه شيء مما يجري منه من القول، ويكون كالمُغمى عليه. والله أعلم. و(قوله: فنكص رسول الله ﷺ على عقبيه القهقرى). نكص، أي: تأخر. و (القهقرى): الرجوع إلى وراء، ووجهه إليك. قاله الأخفش. يقال منه: تقهقر

стр. 2905

[١٨٦٢] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنتُ سَاقِيَ القَومِ يَومَ حُرِّمَت الخَمرُ فِي بَيتِ أَبِي طَلحَةَ، وَمَا شَرَابُهُم إِلَّا الفَضِيخُ: البُسرُ وَالتَّمرُ، فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الخَمرَ قَد حُرِّمَت، قَالَ: فَجَرَت فِي سِكَكِ المَدِينَةِ، فَقَالَ لِي أَبُو طَلحَةَ: اخرُج فَاهرِقهَا، فَهَرَقتُهَا، فَقَالَوا: أَو قَالَ بَعضُهُم: قُتِلَ فُلَانٌ، قُتِلَ فُلَانٌ، وَهِيَ فِي بُطُونِهِم، قَالَ: فَلَا أَدرِي هُوَ مِن حَدِيثِ أَنَسٍ، فَأَنزَلَ اللَّهُ : ﴿لَيسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ رواه البخاري (٥٥٨٢)، ومسلم (١٩٨٠)، وأبو داود (٣٦٧٣)، والنسائي (٨/ ٢٨٧ و ٢٨٨). ــ الرجل، يتقهقر؛ إذا فعل ذلك، وظاهر هذا أن النبي ﷺ رجع إلى خلفه ووجهه إلى حمزة مخافة أن يصدر من حمزة شيء يُكره، فإنَّه قد كان أذهب السكر عقله. وقيل في هذا: إنه خرج عنهم مسرعًا. والأوَّل أولى. و(قوله: فارتدى رسول الله ﷺ بردائه، ثم انطلق يمشي) دليلٌ على المحافظة على حُسن الهيئات عند ملاقاة الناس، والتَّزَيُّن للمحافل على ما تقتضيه عادات أهل المروءات، ولا يُعد ذلك رياءً ولا سمعةً. و(قوله: فطفق يلوم حمزة) أي: جعل وأخذ. يقال: بفتح الفاء وكسرها، والكسر أشهر وأكثر. و(قول أنس: وما شرابهم إلا الفضيخ البسر والتمر) الفضيخ: هو أن يفضخ البسر، ويصبُّ عليه الماء حتَّى يغلي. قاله الحربي. وقال أبو عبيد: هو ما فضخ من البسر من غير أن تمسَّه نار، فإنَّ كان معه تمر فهو خليط. قلت: وعلى هذا يدلّ قوله في أوَّل الرواية الأخرى: (وكانت عامة

стр. 2906

[١٨٦٣] وعنه؛ وسئل عن الفضيخ فقال: مَا كَانَت لَنَا خَمرٌ غَيرَ فَضِيخِكُم، هَذَا الَّذِي تُسَمُّونَهُ الفَضِيخَ، إِنِّي لَقَائِمٌ أَسقِيهَا أَبَا طَلحَةَ، وَأَبَا أَيُّوبَ، ــ خمورهم يومئذ خليط البسر والتمر). وهذه الأحاديث على كثرتها تبطل مذهب أبي حنيفة، والكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب. وما كان من غيره لا يُسمَّى خمرًا، ولا يتناوله اسم الخمر، وإنما يُسمى نبيذًا. وهذا مخالف للُّغة، والسُّنَّة. ألا ترى: أنه لما نزل تحريم الخمر فهمت الصحابة جميعهم من ذلك تحريم كل ما يُسكر نوعه؟ فسَوَّوا في التحريم بين المعتصر من العنب وغيره، ولم يتوقفوا في ذلك، ولا سألوا عنه؛ لأنَّهم لم يشكل عليهم شيء من ذلك، فإنَّ اللِّسان لسانهم، والقرآن نزل بلغتهم. ولو كان عندهم في ذلك شكٌّ، أو توهُّم، لتوقفوا عن الإراقة حتى يستكشفوا، ويسألوا، لا سيما وكان النبيذ عندهم مالًا محترمًا منهيًّا عن إضاعته قبل التحريم، فلما فهموا التحريم نصًّا ترجَّح عندهم مقتضى الإراقة والإتلاف على مقتضى الصيانة والحفظ. ثم كان هذا من جميعهم من غير خلاف من أحد منهم، فصار القائل بالتَّفريق سالكًا غير سبيلهم. ثم إنَّه قد ثبتت أحاديث نصوصٌ في التسوية بين تلك الأشياء، وأن كلَّ ذلك خمر على ما يأتي بعد هذا. وقد خطب عمر بن الخطاب ﵁ الناس فقال: ألا وإن الخمر نزل تحريمها يوم نزل، وهي من خمسة أشياء: من الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والعسل. والخمر: ما خامر العقل. وهذه الخطبة بمحضر الصحابة - رضوان الله عليهم - وهم أهل اللسان، ولم ينكر ذلك عليه أحد، وهو الذي جعل الله الحق على لسانه وقلبه. وإذا ثبت أن كل ذلك يقال عليه (١): خمر؛ فيلزمه تحريم قليله وكثيره، ولا يحل شيء منه تمسُّكًا بتحريم مُسمَّى الخمر، ولا مخصص، ولا مفصل يصحّ في ذلك. بل قد وردت الأحاديث الصحيحة والحسان بالنص على: أنَّ ما حَرُمَ كثيره حَرُمَ قليله. روى الترمذي من حديث جابر بن

стр. 2907

وَرِجَالًا مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيتِنَا، إِذ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: هَل بَلَغَكُم ــ عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : (ما أسكر كثيره فقليله حرام) (١). قال: هذا حديث حسن غريب. وروى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كلُّ مسكر حرام، وما أسكر منه الفَرَق (٢)، فملء الكفِّ منه حرام) (٣). وإسناده صحيح. وأمَّا الأحاديث التي تمسك بها المخالف؛ فلا يصح شيء منها على ما قد بيَّن عللها المحدِّثون في كتبهم، وليس في الصحاح شيء منها، ثم العجب من المخالفين في هذه المسألة؛ فإنَّهم قالوا: إن القليل من الخمر المعتصر من العنب حرام ككثيره، وهو مُجمع عليه، فإذا قيل لهم: فلم حرم القليل من الخمر، وليس مُذهبًا للعقل؟ فلا بدَّ أن يقال: لأنه داعية إلى الكثير، أو للتَّعَبُّد، فحينئذ يقال لهم: كل ما قدَّرتموه في قليل الخمر هو بعينه موجود في قليل النبيذ. فيحرم أيضًا؛ إذ لا فارق بينهما. إلا مجرَّد الاسم إذا سُلّم ذلك. القياس أرفع أنواع القياس؛ لأنَّ الفرع فيه مساو للأصل في جميع أوصافه. وهذا كما نقوله في قياس الأمة على العبد في سراية العتق. ثم العجب من أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وأصحابه، فإنَّهم يتوغلون في القياس، ويرجحونه على أخبار الآحاد، ومع ذلك فقد تركوا هذا القياس الجلي المعضود بالكتاب والسُّنة، وإجماع صدر الأمَّة. تفصيل: ذهب جمهور العلماء من السَّلف، وغيرهم: إلى أن كل ما يسكر نوعه حرم شربه، قليلًا كان أو كثيرًا، نَيِّئًا كان أو مطبوخًا، ولا فرق بين المستخرج من العنب، أو غيره كما قررناه. وأن من شرب شيئًا من ذلك حُدَّ. فأمَّا المستخرج من العنب المسكر النِّيء: فهو الذي انعقد الإجماع على تحري كثيره وقليله، ولو

стр. 2908

الخَبَرُ؟ قُلنَا: لَا، قَالَ: فَإِنَّ الخَمرَ قَد حُرِّمَت، فَقَالَ: يَا أَنَسُ، أَرِق هَذِهِ القِلَالَ، قَالَ: فَمَا رَاجَعُوهَا وَلَا سَأَلُوا عَنهَا بَعدَ خَبَرِ الرَّجُلِ. ــ النُّقطة منه. وأما ما عدا ذلك فالجمهور على تحريمه على ما ذكرناه. وخالف الكوفيون في القليل مما عدا ما ذكر. وهو الذي لا يبلغ الإسكار. وفي المطبوخ من المستخرج من العنب: فذهب قومٌ من أهل البصرة إلى قصر التحريم على عصير العنب، ونقيع الزبيب النَّيِّء، وأما المطبوخ منهما والنَّيِّء والمطبوخ مما سواهما فحلال ما لم يقع الإسكار. وذهب أبو حنيفة إلى قصر التَّحريم على المعتصر من ثمرات النخيل والأعناب على تفصيل. فيرى: أنَّ سُلافَةَ العنب يحرم قليلها وكثيرها إلا أن تطبخ حتى ينقص ثُلثاها. وأمَّا نقيع الزبيب والتمر: فيحل مطبوخهما، وإن مسَّته النار مسًّا قليلًا من غير اعتبار بحدٍّ. وأما النَّيِّء منه فحرام، ولكنه مع تحريمه إيَّاه لا يوجب الحدَّ فيه. وهذا كله ما لم يقع الإسكار، فإنَّ وقع الإسكار استوى الجميع. هذه حكاية الإمام أبي عبد الله. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور على ما قررناه، والحمد لله. وفي حديث أنس هذا أبواب من الفقه. منها: أن الواحد كان معمولًا به عندهم، معلومًا لهم، ألا ترى أنهم لم يتوقفوا عند إخبار المخبر، بل بادروا إلى إتلاف الخمر، والامتناع مما كان مباحًا لهم. ومنها: أن نداء المنادي عن الأمير يتنزل في العمل منزلة سماع قوله. ومنها: أن المحَّرم الأكل أو الشُّرب لا ينتفع به في شيء من الأشياء، لا من بيع، ولا من غيره. وفيه: كسر أواني الخمر. وعليه تُخَرَّج إحدى الروايتين عن مالك في كسرها؛ لما داخلها من الخمر، ولعسر غسلها، وفي الأخرى: إذا طبخ فيها الماء وغسلت جاز استعمالها. وعلى هذا: فإذا كانت الأواني مضرَّاة في الخمر لا ينتفع بها لشيء من الأشياء؛ تكسر على كل حال، ولذلك شدَّد مالك في الزقاق، فإنَّ تَعَلَّق الرائحة بها عَسر الانفكاك، بل لا ينفك.

стр. 2909

وفي رواية: فَقَالَ أَبُو طَلحَةَ: يَا أَنَسُ، قُم إِلَى هَذِهِ الجَرار فَاكسِرهَا، فَقُمتُ إِلَى مِهرَاسٍ لَنَا فَضَرَبتُهَا بِأَسفَلِهِ حَتَّى تَكَسَّرَت. رواه مسلم (١٩٨٠) (٤ و ٥). [١٨٦٤] وعنه: لقد أنزل الله الآية التي حرم الله فيها الخمر وما بالمدينة شراب يشرب إلا من تمر. رواه مسلم (١٩٨٢). * * * ــ و(المهراس): الحجر الذي يُهرَس، ويدق به. و(قول أنس: لقد أنزل الله الآية التي حرَّم فيها الخمر) يعني بها: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمرُ وَالمَيسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزلامُ رِجسٌ مِن عَمَلِ الشَّيطَانِ فَاجتَنِبُوهُ﴾ وهي نصٌّ في تحريم الخمر بمجموع كلماتها، لا بآحادها. وقد فَهِم منها التحريم قطعًا الصَّحابة، ولذلك قال عمر ﵁ عند سماع: ﴿فَهَل أَنتُم مُنتَهُونَ﴾ انتهينا، انتهينا. وقد سبق: أن الخمر: كل ما يخامر العقل. والميسر: القِمار، وهو لعب يُؤكل به مال الغير بحيث لا يحصل له به لا أجر، ولا شكر. ومنه: النرد، والشطرنج. حكي ذلك عن عثمان ومجاهد. والأنصاب: كل ما ينصب ليعبد من دون الله تعالى، ويذبح عنده، كما كانت الجاهلية تفعل، والأزلام: قداح يضربون بها عند العزم على الأمر، في بعضها: افعل. وفي بعضها: لا تفعل. وبعضها لا شيء فيه. فإذا خرج هذا؛ أعادوا الضرب. وقيل: كان في أحدهما: أمرني ربي، وفي الأخرى: نهاني ربي. والرجس: النجس، وهو المستخبث شرعًا. و(قوله: ﴿مِن عَمَلِ الشَّيطَانِ﴾؛ أي: يَحمِلُ عليه، ويُزَيِّنُه. وقيل: هو الذي كان عمل مبادي هذه الأمور بنفسه حتى اقتدي به فيها. والعَدَاوَةَ وَالبَغضَاءَ: معروفان.

стр. 2910

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﴿وَيَصُدَّكُم عَن ذِكرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ﴾: يصرفكم عنهما، فيُذهب العقل، ويُضيِّع الوقت. ويُفهم من هذه الآية أيضًا: الحكم بتنجيس الخمر. وهو مذهب كافة علماء السَّلف والخلف إلا شذوذًا. وإليه ذهب ربيعة، وحكي عن الليث، والمزني. ووجه التمسك بها على التَّنجيس: أن الله تعالى قد أخبر عنها أنها رجس، والرجس: النجس القذر، فتنجس. وأيضًا: فلما غلَّظ تحريمها، وأخبر بالمفاسد النَّاشئة عنها اقتضى ذلك الزجر عنها مطلقًا، مبالغة في التحريم، كما فعل في الخنزير، والدم، وغير ذلك من الخبائث المحرمات. ويتحرَّر القياس بأن يقال: مستخبث شرعًا حرم شربه، فيكون نجسًا كالبول. وفي الآية مباحث كثيرة، سنكتب فيها إن شاء الله تعالى جزءًا مفردًا. و(قوله: قال بعضهم: قُتِل فلان، قُتِل فلان، وهي في بطونهم) هذا القول أصدره عن قائله إما غلبة خوف وشفقة، وإما غفلة عن المعنى. وبيان ذلك: أن الخمر كانت مباحة لهم، كما قد صحَّ أنهم كانوا يشربونها، والنبي ﷺ يُقرّهم عليها. وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿لا تَقرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُم سُكَارَى﴾ ومن فعل ما أبيح له حتى مات على فعله لم يكن له، ولا عليه شيء، لا إثم، ولا مؤاخذة، ولا ذمٌّ، ولا أجر، ولا مدح؛ لأنَّ المباح مستوي الطرفين بالنسبة للشرع كما يعرف في الأصول. وعلى هذا: فما ينبغي أن يُتخوَّف ولا يُسأل عن حال من مات والخمر في بطنه وقت إباحتها، فإمَّا أن يكون ذلك القائل غفل عن دليل الإباحة، فلم يخطر له، أو يكون لغلبة خوفه من الله تعالى، وشفقته على إخوانه المؤمنين توهَّم مؤاخذة، ومعاقبة لأجل شرب الخمر المتقدِّم، فإنَّ الشفيقَ بسوءِ الظنِّ مولعٌ، فرفع الله ذلك التوهُّم بقوله تعالى: ﴿لَيسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾؛ أي: فيما شربوا. وهذا مثل قوله تعالى في نَهر طالوت: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيسَ مِنِّي وَمَن لَم يَطعَمهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾؛
следующие страницы →