النَّاسِ: إنَّهُ لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ إِلَاّ المُؤمِنُونَ، قَالَ: فَخَرَجتُ فَنَادَيتُ: أَلَا إِنَّهُ لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ إِلَاّ المُؤمِنُونَ.
رواه أحمد (١/ ٣٠)، ومسلم (١١٤)، والترمذي (١٥٧٤) من حديث عبد الله بن عباس، عن عمر بن الخطاب ﵃.
* * *
(٣٧) بَابٌ قَتلُ الإِنسَانِ نَفسَهُ لَيسَ بِكُفرٍ
[٩١] عَن جَابِرٍ؛ أَنَّ الطُّفَيلَ بنَ عمرو الدَّوسِيَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رسولَ الله، هَل لَكَ فِي حِصنٍ حَصِينٍ وَمَنَعَةٍ؟ - قَالَ: حِصنٌ كَانَ لِدَوسٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ - فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ ، لِلَّذِي ذَخَرَ اللهُ لِلأَنصَارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ
ــ
(٣٧) وَمِن بَابِ قَتلُ الإِنسَانِ نَفسَهُ لَيسَ بِكُفرٍ
(قوله: هَل لَكَ فِي حِصنٍ حَصِينٍ وَمَنَعَةٍ؟ ) الحِصنُ: واحدُ الحصون، وهي القصورُ والقلاعُ التي يتحصَّن فيها، وحصين: فعيلٌ للمبالغة، أي: شديدُ المَنعِ لمن فيه. ومَنَعَة: يروى بفتح النون وسكونها، وفي الصحاح يقالُ: فلانٌ في عِزٍّ ومَنَعَةٍ بالتحريك، وقد يسكَّن عن ابن السِّكِّيت، ويقال: المَنَعَةُ بالتحريك: جمع مانعٍ، ككافرٍ وكَفَرَة، أي: هو في عِزٍّ وعشيرةٍ يمنعونه.
و(قوله: وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِن قَومِهِ، فَاجتَوَى المَدِينَةَ، فَمَرِضَ فَجَزِعَ، فَأَخَذَ) هكذا صوابُ الرواية بتوحيد رَجُل، وعَطفِ ما بعده على ما قبله على
стр. 317
النَّبِيُّ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ، هَاجَرَ إِلَيهِ الطُّفَيلُ بنُ عمرو، وَهَاجَرَ مَعَهُ رجلٌ مِن قَومِهِ، فَاجتَوَى المَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَت يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيلُ بنُ عمرو فِي مَنَامِهِ، فَرَآهُ
ــ
الإفراد، وهي روايةُ عبد الغافر (١)، وعند غيره تخليطٌ؛ فمنهم من جَمَعَ، فقال: رِجَالٌ، فَاجتَوَوُا المَدِينَةَ، ثم قال بعده: فَمَرِضَ فَجَزِعَ على الإفراد. والأوَّلُ: أصوب. واجتَوَى المَدِينَةَ، أي: كرهها؛ يقال: اجتَوَيتُ المدينةَ: إذا كرهتَهَا، وإن كانت موافقةً لك في بَدَنِكَ، قال الخَطَّابي: أصلُ الاِجتواءِ استِيبَالُ (٢) المكانِ، وكراهيةُ المقامِ فيه؛ لِمضرة لَحِقَتهُ، وأصلُهُ: من الجَوَى، وهو فسادُ الجَوف.
و(قوله: فَأَخَذَ مَشَاقِصَ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ) المَشَاقِص: جمعُ مِشقَص، وهو السهمُ العريض، وقال الداوديُّ: هو السِّكِّين. والبَرَاجِمُ والرَّوَاجِب: مفاصلُ الأصابعِ كلِّها، وقال أبو مالك في كتابِ خَلقِ الإنسان: الرَّوَاجِبُ: رؤوسُ العظام في ظَهرِ الكفِّ، والبراجمُ: هي المفاصلُ التي تحتها.
و(قوله: فشَخَبَت) بالشين المعجمة (٣)، وهو بالخاء المعجمة، وبفَتحِهَا في الماضي، وضمِّها في المضارع، وقد تُفتَحُ، ومعناه: سال، قال ابن دُرَيد: كلُّ شيءٍ سال، فهو شُخبٌ - بضم الشين وفتحها - وهو: ما خرَجَ من الضَّرع من اللبن، وكأنه الدُّفعَةُ منه، ومنه المَثَلُ: شُخبٌ في الأرضِ، وشُخبٌ في الإناء! ، يقال للذي يُصِيبُ مَرَّةً، ويخطئُ في أخرى؛ تشبيهًا له بالحالب الذي يفعلُ ذلك.
стр. 318
وَهَيئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَن نُصلِحَ مِنكَ مَا أَفسَدتَ، فَقَصَّهَا الطُّفَيلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اللَّهُمَّ، وَلِيَدَيهِ فَاغفِر.
رواه أحمد (٣/ ٣٧١)، ومسلم (١١٦).
* * *
ــ
و(قوله: غَفَرَ لِي بِهِجرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ) دليلٌ على أن الكبائر قد تُغفَرُ بفعلِ القواعد، وفيه نَظَرٌ سيأتي في الطهارة، إن شاء الله تعالى.
و(قوله: لَن نُصلِحَ مِنكَ مَا أَفسَدتَ) دليلٌ على أنَّ المغفرةَ قد لا تتناول محلَّ الجناية، فيحصُلُ منه توزيعُ العقاب على المعاقَبِ؛ ولذلك قال ﵊: اللَّهُمَّ، وَلِيَدَيهِ فَاغفِر.
والظاهرُ: أنَّ هذا الرجلَ أدركتهُ بركةُ دعوةِ النبيِّ ﷺ ، فغُفِرَ له وليدَيهِ، وكُمِّلَ له ما بقي من المغفرة عليه؛ وعلى هذا: فيكونُ قوله: لَن نُصلِحَ مِنكَ مَا أَفسَدتَ ممتدًّا إلى غايةِ دعاءِ النبيِّ ﷺ له؛ فكأنَّه قيل له: لن نصلحَ منك ما أفسدته ما لم يَدعُ لك النبيُّ ﷺ .
وهذا الحديثُ يقتضي أنَّ قَاتِلَ نفسه ليس بكافر، وأنَّه لا يُخَلَّدُ في النار، وهو موافق لمقتضى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ. وهذا الرجلُ ممَّن شاء الله أن يَغفِرَ له؛ لأنَّه إنَّما أتَى بما دون الشِّرك، وهذا بخلافِ القاتلِ نفسَهُ المذكورِ في حديث جُندُب؛ فإنَّه ممَّن شاء الله أن يعذِّبه.
стр. 319
(٣٨) بَابُ مَا يُخَافُ مِن سُرعَةِ سَلبِ الإِيمَانِ
[٩٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ اللهَ يَبعَثُ رِيحًا مِنَ قبل اليَمَنِ، أَليَنَ مِنَ الحَرِيرِ، فَلَا تَدَعُ أَحَدًا فِي قَلبِهِ مِثقَالُ حَبَّةٍ - وَفِي رِوَايَةٍ: ذَرَّةٍ - مِن إِيمَانٍ إِلَاّ قَبَضَتهُ.
رواه مسلم (١١٧).
ــ
(٣٨) وَمِن بَابِ مَا يُخَافُ مِن سُرعَةِ سَلبِ الإِيمَانِ
(وقوله: إِنَّ اللهَ يَبعَثُ رِيحًا مِن قِبَلِ اليَمَنِ (١)، أَليَنَ مِنَ الحَرِيرِ) هذه الريحُ إنما تُبعَثُ بعد نزولِ عيسى ابنِ مريم، وقتلِه الدَّجَّالَ، كما يأتي في حديثِ عبد الله بنِ عمرو في آخر الكتاب؛ الفتن (٢)، غير أنَّه قال هنا: رِيحًا مِن قِبَل اليَمَنِ، وفي حديث عبد الله: مِن قِبَلِ الشَّامِ؛ فيجوزُ أن يكونَ مبدؤها من قبل اليمن، ثُمَّ تَمُرُّ بالشام، فَتَهُبُّ منه على مَن يليه.
وقَبضُ الإيمانِ في هذا الحديث هو بقبض أهله؛ كما جاء في حديث ابن عمرو، وقال فيه: ثُمَّ يُرسِلُ اللهُ رِيحًا بَارِدَةً مِن قِبَلِ الشَّامِ، فَلَا يَبقَى عَلَى وَجهِ الأَرضِ أَحَدٌ فِي قَلبِهِ مِثقَالُ ذَرَّةٍ مِن خَيرٍ أو إِيمَانٍ إِلَاّ قَبَضَتهُ، حَتَّى لَو أَنَّ أَحَدَكُم (٣) دَخَلَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ، لَدَخَلَت عَلَيهِ حَتَّى تَقبِضَهُ، قال: فَيَبقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيرِ وَأَحلَامِ السِّبَاعِ.
стр. 320
[٩٣] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَيضًا؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: بَادِرُوا بِالأَعمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيلِ المُظلِمِ، يُصبِحُ الرَّجُلُ مُؤمِنًا، وَيُمسِي كَافِرًا، ويُمسِي مُؤمِنًا، وَيُصبِحُ كَافِرًا. يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنيَا.
رواه أحمد (٢/ ٣٠٤ و ٥٢٣)، ومسلم (١١٨)، والترمذي (٢١٩٦).
* * *
ــ
و(قوله: بَادِرُوا بِالأَعمَالِ فِتَنًا) أي: سَابِقُوا بالأعمالِ الصالحةِ هجومَ المِحَنِ المانعةِ منها، السالبةِ لشرطها المصحِّح لها الإيمان؛ كما قال: يُصبِحُ الرَّجُلُ مُؤمِنًا، وَيُمسِي كَافِرًا، ولا إحالةَ ولا بُعدَ في حمل هذا الحديثِ على ظاهره؛ لأنَّ المِحَنَ والشدائد إذا توالَت على القلوب أفسدَتهَا بِغَلَبتها عليها، وبما تُؤَثِّرُ فيها مِنَ القَسوة. ومقصودُ هذا الحديثِ: الحَضُّ على اغتنامِ الفُرصة، والاِجتهادُ في أعمالِ الخيرِ والبِرِّ عند التمكُّنِ منها، قَبلَ هجومِ الموانع.
و(قوله: يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنيَا) عَرَضُ الدنيا بفتح العين والراء: هو طمعها وما يَعرِضُ منها، ويدخُلُ فيه جميعُ المال؛ قاله الهَرَوِيُّ، فأمَّا العَرضُ، بإسكان الراء: فهو خلافُ الطُّول، ويقالُ على أمور كثيرة، والعِرضُ، بكسر العين وسكون الراء: هو نسَبُ الرجلِ وجسمهُ وذاتُهُ.
ومقصودُ هذا الحديثِ: الأمرُ بالتمسُّك بالدِّين، والتشدُّدُ فيه عند الفتن، والتحذيرُ مِنَ الفتنِ، ومِنَ الإقبالِ على الدنيا وعلى مَطَامِعِهَا.
* * *
стр. 321
(٣٩) بَابٌ الإسلَامُ إِذَا حَسُنَ، هَدَمَ مَا قَبلَهُ مِنَ الآثَامِ، وَأَحرَزَ مَا قَبلَهُ مِنَ البِرِّ
[٩٤] عَن عَبدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ أُنَاسٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : يَا رسولَ الله، أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلنَا فِي الجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: أَمَّا مَن أَحسَنَ مِنكُم فِي الإِسلَامِ، فَلَا يُؤَاخَذُ بِهَا، وَمَن أَسَاءَ، أُخِذَ بِعَمَلِهِ فِي الجَاهِلِيَّةِ وَالإِسلَامِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: وَمَن أَسَاءَ فِي الإِسلَامِ، أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِرِ.
رواه أحمد (١/ ٣٧٩ و ٤٦٢)، والبخاري (٦٩٢١)، ومسلم (١٢٠).
ــ
(٣٩) وَمِن بَابٍ الإِسلَامُ إِذَا حَسُنَ، هَدَمَ مَا قَبلَهُ مِنَ الآثَامِ، وَأَحرَزَ مَا قَبلَهُ مِنَ البِرِّ
(قوله: أَمَّا مَن أَحسَنَ مِنكُم فِي الإِسلَامِ، فَلَا يُؤَاخَذُ بِهَا، وَمَن أَسَاءَ، أُخِذَ بِعَمَلِهِ فِي الجَاهِلِيَّةِ وَالإِسلَامِ) يعني بالإحسانِ هنا: تصحيحَ الدخولِ في دِينِ الإسلامِ، والإخلاصَ فيه، والدوامَ على ذلك مِن غير تبديلٍ ولا ارتداد.
والإساءةُ المذكورةُ في هذا الحديثِ في مقابلةِ هذا الإحسانِ: هي الكفرُ والنفاق، ولا يَصِحُّ أن يراد بالإساءةِ هنا ارتكابُ سَيِّئةٍ ومعصية؛ لأنه يلزمُ عليه ألَاّ يَهدِمَ الإسلامُ ما قبله مِنَ الآثامِ إلا لمن عُصِمَ من جميعِ السيئاتِ إلى الموت، وهو باطلٌ قطعًا؛ فتعيَّن ما قلناه.
والمؤاخذةُ هنا: هي العقابُ على ما فعله مِنَ السيِّئات في الجاهليَّة وفي حالِ الإسلام، وهو المعبَّرُ عنه في الروايةِ الأخرى بقوله: أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِرِ. وإنما كان كذلك؛ لأنَّ إسلامَهُ لمَّا لم يكن صحيحًا ولا خالصًا لله تعالى، لم يَهدِم شيئًا مما سبَقَ، ثم انضافَ إلى ذلك إثمُ نفاقِهِ وسيئاتِهِ التي عَمِلَهَا في حالِ الإسلام، فاستحَقَّ العقوبةَ عليها. ومِن هنا: استَحَقَّ المنافقون أن يكونوا في الدَّركِ الأسفلِ من النار؛ كما قال الله تعالى. ويستفادُ منه أنَّ الكُفَّارَ مخاطَبُونَ بالفروع.
الإِسلَامَ يَهدِمُ مَا كَانَ قَبلَهُ؟ ! وَأَنَّ الهِجرَةَ تَهدِمُ مَا كَانَ قَبلَهَا؟ ! وَأَنَّ الحَجَّ يَهدِمُ مَا كَانَ قَبلَهُ؟ ! ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَا أَجَلَّ فِي عَينِي مِنهُ، وَمَا كُنتُ أُطِيقُ أَن أَملَأَ عَينَيَّ مِنهُ؛ إِجلَالاً لَهُ، وَلَو سُئِلتُ أَن أَصِفَهُ، مَا أَطَقتُ؛ لِأَنِّي لَم أَكُن أَملَأُ عَينَيَّ مِنهُ، وَلَو مُتُّ عَلَى تِلكَ الحَالِ،
ــ
و(قوله: إِنَّ الإِسلَامَ يَهدِمُ مَا كَانَ قَبلَهُ، وَإِنَّ الهِجرَةَ تَهدِمُ مَا كَانَ قَبلَهَا، وَإِنَّ الحَجَّ يَهدِمُ مَا كَانَ قَبلَهُ) الهَدمُ هنا: استعارةٌ وتوسُّع، يعني به: الإذهابَ والإزالة؛ لأنَّ الجدار إذا انهدم، فقد زالَ وضعُهُ، وذهَبَ وجودُهُ، وقد عبَّر عنه في الرواية الأخرى بالجَبِّ، فقال: يَجُبُّ، أي: يَقطَعُ، ومنه المجبوبُ، وهو المقطوعُ ذَكَرُهُ.
ومعنى العبارتَينِ واحد، ومقصودُهُمَا: أنَّ هذه الأعمالَ الثلاثةَ تُسقِطُ الذنوبَ التي تقدَّمَتهَا كلَّها، صغيرَهَا وكبيرها؛ فإنَّ ألفاظَهَا عامَّةٌ خرجَت على سؤالٍ خاصٍّ؛ فإنَّ عَمرًا إنما سأل أن يغفَرَ له ذنوبُهُ السابقةُ بالإسلام، فأُجِيبَ على ذلك؛ فالذنوبُ داخلةٌ في تلك الألفاظِ العامَّةِ قطعًا، وهي بحكم عمومها صالحةٌ لتناوُلِ الحقوقِ الشرعيَّة، والحقوقِ الآدميَّة؛ وقد ثبَتَ ذلك في حَقِّ الكافر الحربيِّ إذا أسلَمَ؛ فإنَّه لا يُطَالَبُ بشيء مِن تلك الحقوق، ولو قَتَلَ وأَخَذَ الأموالَ، لم يُقتَصَّ منه بالإجماع، ولو خرجَتِ الأموالُ مِن تحت يده، لم يطالَب بشيء منها.
ولو أسلَمَ الحربيُّ وبيده مالُ مسلمٍ؛ عَبِيدٌ، أو عُرُوضٌ، أو عَينٌ؛ فمذهبُ مالك: أنَّه لا يجبُ عليه رَدُّ شيء من ذلك؛ تمسُّكًا بعمومِ هذا الحديث، وبأنَّ للكفَّارِ شبه مِلكٍ فيما حازُوهُ من أموال المسلمين وغيرهم؛ لأنَّ الله تعالى قد نسَبَ لهم أموالاً وأولادًا؛ فقال تعالى: فَلَا تُعجِبكَ أَموَالُهُم وَلَا أَولَادُهُم.
وذهَبَ الشافعيُّ: إلى أنَّ ذلك لا يَحِلُّ لهم، وأنَّه يجبُ عليهم ردُّها إلى مَن كان يملكها مِنَ المسلمين، وأنَّهم كالغُصَّاب؛ وهذا يُبعِده: أنَّهم لو استَهلَكُوا ذلك في حالةِ كُفرهم ثُمَّ أسلموا، لم يَضمَنوا بالإجماعِ؛ على ما حكاه أبو محمَّدٍ عبدُ الوهَّاب (١).
فأمَّا أسر المسلمين
стр. 324
لَرَجَوتُ أَن أَكُونَ مِن أهل الجَنَّةِ، ثُمَّ وَلِينَا أَشيَاءَ مَا أَدرِي مَا حَالِي فِيهَا، فَإِذَا أَنَا مُتُّ، فَلَا تَصحَبنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ، فَإِذَا دَفَنتُمُونِي، فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَولَ قَبرِي قَدرَ مَا تُنحَرُ جَزُورٌ وَيُقسَمُ لَحمُهَا، حَتَّى أَستَأنِسَ بِكُم، وَأَنظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي.
رواه مسلم (١٢١).
ــ
الأحرارِ: فيجبُ عليهم رفعُ أيديهم عنهم؛ لأنَّ الحُرَّ لا يُملَكُ. وأما مَن أسلم مِن أهل الذمَّة: فلا يُسقِطُ الإسلامُ عنه حقًّا وجب عليه لأحدٍ مِن مالٍ أو دمٍ أو غيرهما؛ لأنَّ أحكام الإسلامِ جاريةٌ عليهم. واستيفاءُ الفروعِ في كتب الفقه. وأما الهجرةُ، والحَجُّ: فلا خلافَ في أنهما لا يُسقِطان إلا الذنوبَ والآثامَ السابقة، وهل يُسقِطان الكبائرَ والصغائر، أو الصغائرَ فقط؟ موضعُ نظرٍ سيأتي في كتاب الطهارة، إن شاء الله تعالى.
و(قوله: فَإِذَا مُتُّ، فَلَا تَصحَبنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ) إنَّما وصَّى باجتنابِ هذَين الأمرَين؛ لأنَّهما مِن عَمَلِ الجاهليَّة، ولِنَهيِ النبيِّ ﷺ عن ذلك.
و(قوله: فَإِذَا دَفَنتُمُونِي، فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا) رُوِيَ هذا الحديث بالسِّين المهملة، والمعجمة، فقيل: هما بمعنًى واحدٍ، وهو الصَّبُّ، وقيل: هو بالمهملة: الصَّبُّ في سهولة، وبالمعجمةِ: صَبٌّ في تفريق. وهذه سُنَّةٌ في التراب على الميِّت في القبر؛ قاله عِيَاضٌ، وقد كره مالكٌ في العُتبِيَّةِ (١) الترصيصَ على القَبرِ بالحجارة والطُّوب.
و(قوله: ثُمَّ أَقِيمُوا حَولَ قَبرِي قَدرَ مَا تُنحَرُ جَزُورٌ وَيُقسَمُ لَحمُهَا) الجَزُورُ بفتح الجيم: من الإبل، والجَزَرَةُ: من غيرها، وفي كتاب العين: الجَزَرَةُ من الضَّأنِ والمَعز خاصَّةً، وهي مأخوذةٌ من الجَزرِ، وهو القَطع.
стр. 325
[٩٦] وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ أنَاسًا مِن أهل الشِّركِ قَتَلُوا فَأَكثَرُوا، وَزَنَوا فَأَكثَرُوا، ثم أَتَوا مُحَمَّدًا ﷺ ، فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدعُو لَحَسَنٌ، وَلَو تُخبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلنَا كَفَّارَةً، فَنَزَلَ: وَالَّذِينَ لَا يَدعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقتُلُونَ النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ وَلَا يَزنُونَ وَمَن يَفعَل ذَلِكَ يَلقَ أَثَامًا، وَنَزَلَ: قُل يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِم لَا تَقنَطُوا مِن رَحمَةِ اللَّهِ الآيَةَ.
رواه البخاري (٤٨١٠)، ومسلم (١٢٢)، وأبو داود (٤٢٧٣)، والنسائي (٧/ ٨٦).
[٩٧] وَعَن حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ؛ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَي رسولَ الله، أَرَأَيتَ أُمُورًا كُنتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ؛ مِن صَدَقَةٍ، أو عَتَاقَةٍ، أو صِلَةِ رَحِمٍ، أَفِيهَا أَجرٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَسلَمتَ عَلَى مَا أَسلَفتَ مِن خَيرٍ.
ــ
و(قوله: وَلَو تُخبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلنَا كَفَّارَةً) يَحتملُ: أن تكونَ لو هنا للامتناع، ويكونُ جوابها محذوفًا، تقديره: لَأَسلَمنا، أو نحوه. ويَحتملُ: أن يكون تمنِّيًا بمعنى ليت. والأوَّل أظهر. وقوله تعالى: وَمَن يَفعَل ذَلِكَ يَلقَ أَثَامًا يُضَاعَف لَهُ العَذَابُ يَومَ القِيَامَةِ الآية، ذا: إشارةٌ إلى واحدٍ في أصلِ وضعها، غَيرَ أنَّ الواحدَ تارةً يكونُ واحدًا بالنصِّ عليه، وتارةً يكونُ بتأويل، وإن كانت أمور متعدِّدة في اللفظِ كما في هذه الآية؛ فإنَّه ذكَرَ قَبلَ ذا أمورًا، وأعاد الإشارةَ إليها مِن حيثُ إنَّها مَذكُورةٌ أو مَقُولة؛ فكأنَّه قال: ومَن يفعلِ المذكورَ أو المقولَ. وفي هذه الآية: حُجَّةٌ لمن قال: إنَّ الكفَّار مُخَاطَبُونَ بفروعِ الشريعة، وهو الصحيحُ مِن مذهبِ مالكٍ؛ على ما ذكرناه في الأصول.
و(قوله: أَسلَمتَ عَلَى مَا أَسلَفتَ مِن خَيرٍ) اختُلِفَ في تأويله؛ فقيل
стр. 326
وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ أَعتَقَ فِي الجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ، ثُمَّ أَعتَقَ فِي الإِسلَامِ مِائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ . . . فَذَكَرَ نَحوَهُ.
رواه أحمد (٣/ ٤٠٢ و ٤٣٤)، والبخاري (٢٥٣٨)، ومسلم (١٢٣).
* * *
ــ
معناه: إنَّك اكتسبتَ طِباعًا جميلةً، وخُلُقًا حسنةً في الجاهلية، أَكسَبَتكَ خُلُقًا جميلةً في الإسلام. وقيل: اكتسَبتَ بذلك ثناءً جميلاً، فهو باقٍ عليك في الإسلام. وقيل: معناه: ببركةِ ما سبَقَ لك مِن خيرٍ، هداك الله للإسلام. وقال الحَربِيُّ: ما تقدَّم لك مِنَ الخير الذي عَمِلتَهُ هو لك؛ كما تقول: أَسلَمتُ على ألفِ درهم، أي: على أَن أُحرِزها لنفسه.
قال المؤلف ﵀: وهذا الذي قاله الحَربِيُّ هو أشبهها وأَولَاها، وهو الذي أَشَرنا إليه في الترجمة، والله تعالى أعلم.
وفي هذا الحديثِ - أعني حديثَ عمرو بن العاصي - فوائد:
منها: تبشيرُ المحتضَرِ، وتذكيرُهُ بأعمالِهِ الصالحة؛ ليقوَى رجاؤه، ويَحسُنَ باللهِ ظَنُّهُ.
ومنها: أنَّ الميِّت تُرَدُّ عليه رُوحُهُ، ويَسمَعُ حِسَّ مَن هو على قبره، وكلامَهُم، وأنَّ الملائكةَ تسألُهُ في ذلك الوقت. وهذا كلُّه إنما قاله عمرو، عن النبيِّ ﷺ ؛ لأنَّ مِثله لا يُدرَكُ إلا مِن جهة النبي ﷺ ، وعلى هذا فينبغي أن يُرشَدَ الميِّتُ في قبره حين وَضعِهِ فيه إلى جوابِ السؤال، ويُذكَّرَ بذلك، فيقال له: قُلِ: اللهُ ربِّي، والإسلامُ ديني، ومحمَّدٌ رسولي؛ فإنَّه عن ذلك يُسأَلُ كما جاءَت به الأحاديث
стр. 327
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على ما يأتي، إن شاء الله تعالى، وقد جرى العمَلُ عندنا بِقُرطُبَةَ كذلك، فيقال: قل: هو محمَّدٌ رسولُ الله تعالى؛ وذلك عند هَيلِ التراب عليه. ولا يُعارَضُ هذا بقوله تعالى: وَمَا أَنتَ بِمُسمِعٍ مَن فِي القُبُورِ ولا بقوله: فَإِنَّكَ لَا تُسمِعُ المَوتَى؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قد نادى أهلَ القَلِيبِ وأسمعهم، وقال: مَا أَنتُم بِأَسمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنهُم، ولَكِنَّهُم لَا يَستَطِيعُونَ جَوَابًا (١)، وقد قال في الميِّت: إِنَّهُ يَسمَعُ قَرعَ نِعَالِهِم (٢)، وإنَّ هذا يكونُ في حال دون حال، ووَقتٍ دون وقت، وسيأتي استيفاءُ هذا المعنَى في الجنائز، إن شاء الله تعالى.
وفي هذا الحديثِ: ما كانتِ الصحابةُ عليه مِن شدَّة محبَّتهم لرسولِ الله ﷺ وتعظيمِهِ وتوقيره.
وفيه: الخوفُ مِن تغيُّرِ الحال، والتقصيرِ في الأعمالِ في حالِ الموت، لكن ينبغي أن يكونَ الرجاءُ هو الأغلَبَ في تلك الحال، حتَّى يَحسُنَ ظنُّهُ بالله تعالى : فيلقاه على ما أَمَرَ به رسولُ الله ﷺ ؛ حيثُ قال: لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُم إِلَاّ وهو يُحسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ (٣). كما تقدم (٤).
стр. 328
(٤٠) بَابُ ظُلمٍ دُونَ ظُلمٍ
[٩٨] عَن عَبدِ اللهِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَت: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَم يَلبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلمٍ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَقَالُوا: أَيُّنَا لا يَظلِمُ نَفسَهُ؟ ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَيسَ هو كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هو كَمَا قَالَ لُقمَانُ لاِبنِهِ: يَابُنَيَّ لَا تُشرِك بِاللَّهِ إِنَّ الشِّركَ لَظُلمٌ عَظِيمٌ.
ــ
(٤٠) وَمِن بَابِ ظُلمٍ دُونَ ظُلمٍ
(قوله تعالى: وَلَم يَلبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلمٍ) أي: لم يَخلِطوا، يقال: لَبَستُ الأَمرَ بغيره - بفتح الباء في الماضي، وكسرها في المستقبل - لَبسًا: إذا خَلَطتَهُ، ولَبِستُ الثوبَ - بكسر الباء في الماضي، وفتحها في المستقبل - لُبسًا ولِبَاسًا. والظُّلمُ: وَضعُ الشيءِ في غير موضعه؛ ومنه قولُ النابغة:
. . . . . . . . . . . . . . . . . ... وَالنُّؤيُ كالحَوضِ بِالمَظلُومَةِ الجَلَدِ (١)
فسمَّى الأرضَ مظلومةً؛ لأنَّ النُّؤيَ حُفِرَ في الصُّلبِ منها، وليس موضعَ حَفر. والمرادُ به في الآية: ، وهو أعظمُ الظلم؛ إذ المُشرِكُ اعتقدَ الإلهيَّةَ لغيرِ مستَحِقِّها؛ كما قال تعالى: إِنَّ الشِّركَ لَظُلمٌ عَظِيمٌ أي: لا ظُلمَ أعظَمُ منه. ويقال على المعاصي ظُلم؛ لأنَّها وُضِعَت موضعَ ما يجبُ من الطاعةِ لله تعالى، وقد يأتي الظُّلمُ ويرادُ به النقص؛ كما قال تعالى: وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُم يَظلِمُونَ أي: ما نَقَصُونا بِكُفرهم شيئًا، ولكن نَقَصُوا أنفسهم حظَّها من الخير.
стр. 329
رواه أحمد (١/ ٤٤٤)، والبخاري (٣٢) و (٤٧٧٦)، ومسلم (١٢٤)، والترمذي (٣٠٦٩).
* * *
(٤١) بَابٌ فِي قَولِهِ : لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرضِ إلَى آخِرِ السُّورَةِ
[٩٩] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: لَمَّا أُنزِلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ : لِلَّهِ مَا فِي
ــ
وفي هذا الحديثِ: ما يدلُّ على أنَّ النكرةَ في سياق النفي تَعُمُّ؛ لأنَّ الصحابة فَهِمَت من ذلك العمومِ كُلَّ ظلم، وأقرَّهم النبيُّ ﷺ على ذلك الفَهمِ، وبيَّن لهم أنَّ المراد بذلك ظُلمٌ مخصوص. وفي الآية: دليلٌ على جواز إطلاقِ اللَّفظِ العامِّ، والمرادُ به الخصوصُ.
(٤١) ومِن بَابِ قَولِهِ تَعَالَى: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرضِ الآيَةَ
ما هذه التي في أوَّلِ الآية بمعنى الذي، وهي متناولةٌ لمن يَعقِلُ وما لا يعقل، وهي هنا عامَّةٌ لا تخصيصَ فيها بوجه؛ لأنَّ كلَّ من في السماواتِ والأرضِ وما فيهما وما بينهما: خَلقُ الله تعالى، ومِلكٌ له. وهذا إنما يتمشَّى على مذهبِ أهلِ الحَقِّ والتحقيقِ الذين يُحِيلُونَ على الله تعالى أن يكونَ في السماءِ أو في الأرضِ؛ إذ لو كان في شيء، لكان محصورًا محدودًا، ولو كان كذلك، لكان مُحدَثًا. وعلى هذه القاعدة: فقوله تعالى: أَأَمِنتُم مَن فِي السَّمَاءِ وقولُ الأَمَةِ
стр. 330
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرضِ وَإِن تُبدُوا مَا فِي أَنفُسِكُم أَو تُخفُوهُ يُحَاسِبكُم بِهِ اللَّهُ الآية، قَالَ: فَاشتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَتَوا رسولَ الله ﷺ ، ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا: أَي رسولَ الله، كُلِّفنَا مِنَ الأَعمَالِ مَا نُطِيقُ؛ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالجِهَادَ وَالصَّدَقَةَ،
ــ
للنبيِّ ﷺ حين قال لها: أَينَ اللهُ؟ فقالَت: فِي السَّمَاءِ (١)، ولم يُنكِر عليها ذلك، وما قد رُوِيَ عن بعض السلف أنَّهم كانوا يُطلِقون ذلك، ليس على ظاهره، بل هو مُؤَوَّلٌ تأويلاتٍ صحيحةً قد أبداها كثيرٌ من أهل العلمِ في كتبهم، لكنَّ السلَفَ ﵃ أجمعين - كانوا يجتنبون تأويلَ المتشابهات، ولا يتعرَّضون لها، مع عِلمهم بأنَّ الله تعالى يستحيلُ عليه سِمَاتُ المُحدَثَات، ولوازمُ المخلوقات، واستيفاءُ المباحث هذه في علم الكلام.
و(قوله: إِن تُبدُوا مَا فِي أَنفُسِكُم أَو تُخفُوهُ يُحَاسِبكُم بِهِ اللَّهُ) ما: هذه أيضًا على عمومها، فتتناولُ كلَّ ما يقع في نَفسِ الإنسانِ من الخواطر؛ ما أُطِيقَ دفعُهُ منها وما لا يطاق؛ ولذلك أَشفَقَتِ الصحابة مِن محاسبتِهِم على جميعِ ذلك ومؤاخذتِهِم به، فقالوا للنبيِّ ﷺ : كُلِّفنَا مَا نُطِيقُ بالصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ، وَهَذِهِ الآيةُ لَا نُطِيقُهَا.
ففيه دليلٌ على أنَّ موضوعَ ما للعموم، وأنَّه معمولٌ به فيما طريقُهُ الاعتقادُ؛ كما هو معمولٌ به فيما طريقُهُ العمل، وأنَّه لا يجبُ التوقُّفُ فيه إلى البحثِ على المخصِّص، بل يُبَادِرُ (٢) إلى استغراقِ الاعتقاد (٣) فيه، وإن جاز التخصيصُ، وهذه المسائلُ اختُلِفَ فيها؛ كما بيَّنَّاه في الأصول.
ولمَّا سمع النبيُّ ﷺ ذلك القولَ منهم، أجابهم بأن قال: أَتُرِيدُونَ أَن تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهلُ الكِتَاب مِن قَبلِكُم: سَمِعنَا
стр. 331
وَقَد أُنزِلَ عَلَيكَ هَذِهِ الآيَةُ، وَلَا نُطِيقُهَا! ! قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَتُرِيدُونَ أَن تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهلُ الكِتَابَينِ مِن قَبلِكُم: سَمِعنَا وَعَصَينَا؟ ! بَل قُولُوا: سَمِعنَا وَأَطَعنَا، غُفرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ المَصِيرُ، فَلَمَّا اقتَرَأَهَا القَومُ، وَذَلَّت بِهَا
ــ
وَعَصَينَا؟ ! بَل قُولُوا: سَمِعنَا وَأَطَعنَا، فأقرَّهم النبيُّ ﷺ على ما فهموه، وبيَّن لهم أنَّ لله تعالى أن يُكلِّفَ عبادَهُ بما يطيقونَهُ وبما لا يطيقونه، ونهاهم عن أن يقَعَ لهم شيءٌ مما وقَعَ لضُلَاّلِ أهل الكتاب مِنَ المخالفة، وأمَرَهُم بالسَّمعِ والطاعةِ، والتسليمِ لأمر الله تعالى على ما فهموه، فسلَّم القومُ لذلك وأذعنوا، ووطَّنوا أنفسهم على أنَّهم كُلِّفُوا في الآية بما لا يطيقونَهُ، واعتقدوا ذلك، فقد عملوا بمقتضى ذلك العمومِ، وثبَتَ ووَرَدَ، فإن قدِّر رافعٌ لشيء منه، فذلك الرَّفعُ نسخٌ لا تخصيص.
وعلى هذا: فقولُ الصحابي: فَلَمَّا فَعَلُوا نَسَخَهَا اللهُ على حقيقة النسخ، لا على جهة التخصيص؛ خلافًا لمن لم يَظهَر له ما ذكرناه، وهم كثيرٌ من المتكلِّمين على هذا الحديث، مِمَّن رأى أنَّ ذلك من باب التخصيص، لا مِن باب النسخ، وتأوَّلوا قولَ الصحابيِّ: إنَّه نَسخٌ؛ على أنَّه أراد بالنَّسخِ التخصيصَ، وقال: إنَّهم كانوا لا يفرِّقون بين النسخ والتخصيص، وقد كُنتُ على ذلك زمانًا إلى أن ظَهَرَ لي ما ذكرتُهُ، فتأمَّلهُ؛ فإنَّه الصحيح، إن شاء الله تعالى.
و(قوله: إِنَّهُم - يعني: الصحابةَ إنهم - كانوا لا يُفرِّقون بين النسخ والتخصيص) إن أراد به: أنَّهم لم ينصُّوا على الفَرقِ فمسلَّم، وكذلك أكثرُ مسائلِ عِلمِ الأصول، بل كله؛ فإنَّهم لم ينصُّوا على شيء منها، بل فرَّعوا عليها، وعَمِلُوا على مقتضاها، من غير عبارةٍ عنها ولا نُطقٍ بها، إلى أن جاء مَن بعدهم، ففَطنُوا لذلك وعبَّروا عنه، حتى صنَّفوا فيه التصانيفَ المعروفة، وَأَوَّلُهُم في ذلك الشافعيُّ ﵀ فيما علمنا. وإن أراد بذلك: أنَّهم لم يكونوا يَعرِفُونَ الفرقَ بين النسخ والتخصيص (١)، ولا عَمِلُوا عليه: فقد نسبهم إلى ما يستحيلُ عليهم؛ لثقابةِ أذهانهم،
стр. 332
أَلسِنَتُهُم، أَنزَلَ اللهُ فِي إِثرِهَا: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيهِ مِن رَبِّهِ وَالمُؤمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعنَا وَأَطَعنَا غُفرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ المَصِيرُ فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ، نَسَخَهَا اللهُ تَعَالَى؛ فَأَنزَلَ اللهُ : لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفسًا إِلَّا وُسعَهَا لَهَا مَا كَسَبَت وَعَلَيهَا مَا اكتَسَبَت رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخطَأنَا قَالَ: نَعَم،
ــ
وصحَّةِ فهومهم، وغزارةِ علومهم، وأنَّهم أَولَى بعلم ذلك مِن كل مَن بعدهم؛ كيف لا وَهُم أئمَّةُ الهدى، وبهم إلى كُلِّ العلومِ يُقتدَى، وإليهم المرتَجَع، وقولهم المُتَّبَع، وكيف يَخفَى عليهم ذلك، وهو مِنَ المبادئ الظاهرة على ما قَرَّرنَاهُ في الأصول.
و(قوله: لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ) أي: يقولون: لا نفرِّقُ بين أحد منهم؛ في العلم بِصِحَّةِ رسالاتهم، وصِدقِهِم في قولهم.
وغُفرَانَكَ: منصوبٌ على المصدر، أي: اغفر غفرانَكَ، وقيل: مفعولٌ بفعل مضمر، أي: هَب غفرانَكَ. والمَصِير: المرجع. والتَّكلِيف: إلزامٌ مَا في فعله كُلفَةٌ، وهي النَّصَبُ والمشقَّة. والوُسع: الطاقة.
وهذه الآية تدلُّ على أنَّ لله تعالى أن يكلِّفَ عبادَهُ بما يُطِيقونه وما لا يُطِيقونه، ممكنًا كان أو غيرَ ممكن، لكنَّه تعالى تفضَّلَ بأنَّه لم يُكَلِّفنَا ما لا نطيقه، وبما لا يمكننا إيقاعُهُ، وكمَّلَ علينا بِفَضلِهِ برَفعِ الإصرِ والمشقات التي كلَّفها غيرنا. واستيفاءُ مباحثِ هذه المسألةِ في علمِ الكلامِ والأصول.
و(قوله: لَهَا مَا كَسَبَت وَعَلَيهَا مَا اكتَسَبَت) أي: ما كسَبَت من خيرٍ، فلها ثوابه، وما اكتسَبَت من شَرٍّ، فعليها عقابُهُ. وكَسَبَ واكتَسَبَ: لغتان بمعنًى واحدٍ؛ كقَدَرَ واقتَدَرَ.
ويمكنُ أن يقال: إن هذه التاءَ تاءُ الاستفعالِ والتعاطي، ودخلَت في اكتسابِ الشَّرِّ دون كسب الخير؛ إشعارًا بأنَّ الشَّرَّ لا يؤاخَذُ به إلا بعد تعاطيه
стр. 333
رَبَّنَا وَلَا تَحمِل عَلَينَا إِصرًا كَمَا حَمَلتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبلِنَا قَالَ: نَعَم، رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ قَالَ: نَعَم، وَاعفُ عَنَّا وَاغفِر لَنَا وَارحَمنَا أَنتَ مَولَانَا فَانصُرنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ قَالَ: نَعَم.
رواه أحمد (٢/ ٤١٢)، ومسلم (١٢٥).
ــ
وفعلِهِ دون الهَمِّ به؛ بخلاف الخير: فإنَّه يُكتَبُ لمن هَمَّ به وتحدَّثَ به في قلبه، كما جاء في قوله ﵊ مُخبِرًا عن الله تعالى: إِذَا تَحَدَّثَ عَبدِي بِأَن يَعمَلَ حَسَنَةً، فَأَنَا أَكتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَم يَعمَلهَا، فَإذَا عَمِلَهَا، فَأَنَا أَكتُبُهَا لَهُ بِعَشرِ أَمثَالِهَا، وإِذا تَحَدَّثَ بِأَن يَعمَلَ (١) سَيِّئَةً، فَأَنَا أَغفِرُهَا لَهُ مَا لَم يَعمَل، فَإِذَا عَمِلَهَا، فَأَنَا أَكتُبُهَا لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً (٢)، وفي لفظٍ آخَرَ: فإِذَا هَمّ بدل تَحَدَّثَ، وسيأتي إن شاء الله تعالى النظرُ في هذا الحديث (٣).
والإِصرُ: العهدُ الذي يُعجَزُ عنه؛ قاله ابن عباس، وقال الربيع: هو الثقلُ العظيم، وقال ابن زيد: هو الذنبُ الذي لا توبةَ له، ولا كَفَّارَةَ.
و(قوله: وَاعفُ عَنَّا وَاغفِر لَنَا وَارحَمنَا) قيل: اعفُ عن الكبائر، واغفِرِ الصغائر، وارحَم بتثقيل الموازين، وقيل: اعفُ عن الأقوال، واغفِرِ الأفعال، وارحَم بتوالي الألطافِ وسَنِيِّ الأحوال. قلت: وأصلُ العفو: التسهيلُ، والمغفرةُ، والسترُ، والرحمةُ: إيصالُ النعمةِ إلى المحتاج.
ومولانا: وليُّنا، ومتولِّي أمورِنَا، وناصرُنَا.
ونَعَم: حرفُ جواب، وهو هنا إجابةٌ لما دَعَوا فيه، كما قال في الرواية
стр. 334
[١٠٠] وعَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَت بِهِ أَنفُسَهَا مَا لَم تَعمَل أو تَكَلَّم بِهِ.
رواه أحمد (٢/ ٣٩٣ و ٤٢٥ و ٤٧٤ و ٤٨١)، والبخاري (٢٥٢٨)، ومسلم (١٢٧)، وأبو داود (٢٢٠٩)، والترمذي (١١٨٣)، والنسائي (٦/ ١٥٦ - ١٥٧)، وابن ماجه (٢٠٤٠).
* * *
ــ
الأخرى عن ابن عبَّاس: قَد فَعَلتُ بدل قوله هنا: نَعَم. وهو إخبارٌ من الله تعالى: أنَّه أجابهم في تلك الدعوات، فكلُّ داعٍ يشاركُهُم في إيمانِهِم وإخلاصِهِم واستسلامِهِم، أجابه (١) الله تعالى كإجابتهم؛ لأنَّ وَعدَه تعالى صدقٌ، وقولَهُ حقٌّ. وكان معاذ يختمُ هذه السورةَ بآمِينَ كما يختمُ الفاتحة (٢)، وهو حَسَن.
و(قوله ﵊: إِنَّ اللهَ تعالى تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَت بِهِ أَنفُسَهَا) روايتنا: نصبُ أَنفُسَهَا، على أنَّه مفعولُ حَدَّثَت، وفي حَدَّثَت ضميرُ فاعلٍ عائدٌ على الأُمَّة. وأهل اللغة يقولون: أَنفُسُهَا بالرفع على أنَّه فاعلُ حَدَّثَت، يريدون بغير اختيار؛ قاله الطحاويُّ.
قال المؤلف ﵀: يعني: أنَّ الذي لا يؤاخَذُ به هي الأحاديثُ الطارئةُ التي لا ثباتَ لها، ولا استقرارَ في النَّفسِ، ولا رُكُونَ إليها. وهذا نحو ممَّا قاله القاضي أبو بكر في قوله ﵊ عن الله: إِذَا هَمَّ عَبدِي بِحَسَنَةٍ، فَأَنَا أَكتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَم يَعمَل، فَإِذَا عَمِلَهَا، فَأَنَا أَكتُبُهَا لَهُ عَشرًا، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ، فَأَنَا أَغفِرُهَا لَهُ مَا لَم يَعمَلهَا، فَإذَا عَمِلَهَا، فَأَنَا أَكتُبُهَا لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً.
قال القاضي: إنَّ الهمَّ هاهنا: ما يَمُرُّ بالفِكرِ من غير استقرارٍ ولا توطين، فلو استمرَّ ووطَّن نفسه عليه، لكان ذلك هو العَزمَ المؤاخَذَ به أو المثابَ عليه؛ بدليل قوله - عليه الصلاة
стр. 335
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والسلام -: إِذَا التَقَى المُسلِمَانِ بِسَيفَيهِمَا، فَالقَاتِلُ وَالمَقتُولُ فِي النَّارِ، قَالُوا: يَا رسولَ الله، هَذَا القَاتِلُ، فَمَا بَالُ المَقتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتلِ صَاحِبِهِ (١).
لا يُقَالُ: هذه المؤاخذةُ هنا إنَّما كانت لأنَّه قد عَمِلَ بما استَقَرَّ في قلبه مِن حمله السلاحَ عليه، لا بمجرَّدِ حِرصِ القلب؛ لأنَّا نقول: هذا فاسدٌ؛ لأنَّه ﵊ قد نصَّ على ما وقعَتِ المؤاخذةُ به، وأعرَضَ عن غيره، فقال: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتلِ صَاحِبِهِ، فلو كان حَملُ السلاحِ هو العِلَّةَ للمؤاخذةِ أو جُزءَهَا، لَمَا سكَتَ عنه، وعلَّقَ المؤاخذَةَ على غيره؛ لأنَّ ذلك خلافُ البيانِ الواجبِ عند الحاجةِ إليه، وهذا الذي صار إليه القاضي، هو الذي عليه عامَّةُ السلفِ وأهلِ العلمِ؛ من الفقهاء والمحدِّثين والمتكلِّمين.
ولا يُلتَفَتُ إلى مَن خالفهم في ذلك؛ فزعم: أنَّ ما يَهُمُّ به الإنسانُ، وإن وطَّن نفسَهُ عليه، لا يؤاخَذُ به؛ مُتَمَسِّكًا في ذلك بقوله تعالى: وَلَقَد هَمَّت بِهِ وَهَمَّ بِهَا وبقوله ﵊: مَا لَم يعمَل أو يتَكَلَّم بِهِ، ومن لم يعمل بما عزَمَ عليه ولا نطَقَ به، فلا يؤاخَذُ به، وهو متجاوَزٌ عنه، والجوابُ عن الآية: أنَّ مِنَ الهمِّ ما يؤاخَذُ به، وهو ما استَقَرَّ واستوطَنَ، ومنه ما يكونُ أحاديثَ لا تستقرُّ؛ فلا يؤاخَذُ بها؛ كما شَهِدَ به الحديثُ، وما في الآية من القِسمِ الثاني لا الأوَّل، وفي الآيةِ تأويلاتٌ هذا أحَدُهَا، وبه يحصُلُ الانفصال.
وعن قوله مَا لَم يعمَل أنَّ توطينَ النفسِ عليه عَمَلٌ يؤاخَذُ به، والذي يرفعُ الإشكالَ، ويبيِّنُ المرادَ بهذا الحديث: حديثُ أبي كَبشةَ الأنماريِّ، واسمه عُمَرُ بن سَعد - على ما قاله خَليفة بنُ خَيَّاط -: أنَّه سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يقول: إِنَّمَا الدُّنيَا لِأربَعَةِ نَفَرٍ. . (٢) الحديثَ إلى آخره، وقد ذكرناه.
стр. 336
(٤٢) بَابُ مَا يَهُمُّ بِهِ العَبدُ مِنَ الحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ
[١٠١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قَالَ اللهُ تَعَالَى: إِذَا تَحَدَّثَ عَبدِي بِأَن يَعمَلَ حَسَنَةً، فَأَنَا أَكتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَم يَعمَل، فَإِذَا عَمِلَهَا، فَأَنَا أَكتُبُهَا بِعَشرِ أَمثَالِهَا، وَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَن يَعمَلَ سَيِّئَةً، فَأَنَا أَغفِرُهَا لَهُ مَا لَم يَعمَلهَا، فَإِذَا عَمِلَهَا، فَأَنَا أَكتُبُهَا لَهُ بِمِثلِهَا.
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قَالَتِ المَلائِكَةُ: رَبِّ، ذَاكَ عَبدُكَ يُرِيدُ أَن يَعمَلَ سَيِّئَةً؟ - وهو أَبصَرُ بِهِ - فَقَالَ: ارقُبُوهُ؛ فَإِن عَمِلَهَا فَاكتُبُوهَا لَهُ بِمِثلِهَا، وَإِن تَرَكَهَا فَاكتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، إِنَّمَا تَرَكَهَا مِن جَرَّايَ.
ــ
(٤٢) ومن باب ما يهم به العبد من الحسنة والسيئة (١)
(قوله: قَالَتِ المَلَائِكَةُ: رَبِّ، ذَاكَ عَبدُكَ يُرِيدُ أَن يَعمَلَ سَيِّئَةً - وهو أَبصَرُ -) به قال الطبريُّ (٢): فيه دليلٌ على أنَّ الحَفَظَةَ تكتُبُ أعمالَ القلوبِ؛ خلافًا لمن قال: إنَّها لا تكتُبُ إلَاّ الأعمالَ الظاهرة.
و(قوله: إِنَّمَا تَرَكَهَا مِن جَرَّايَ) أي: مِن أجلي، وفيه لغتان: المَدُّ والقصر؛ ومنه الحديث: إنَّ امرَأَةً دَخَلَتِ النَّارَ مِن جَرَّاءِ هِرَّةٍ (٣)، أي: مِن أجلِ، وهي مشدَّدةُ الراء في اللغتين، وقد خُفِّفت معهما. ومقصودُ هذا اللفظ: أنَّ الترك للسَّيِّئةِ لا يُكتَبُ حسنةً، إلَاّ إذا كان خوفًا من الله تعالى، أو حياءً من الله، وأيُّهما كان،
стр. 337
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا أَحسَنَ أَحَدُكُم إِسلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعمَلُهَا تُكتَبُ بِعَشرِ أَمثَالِهَا إِلَى سَبعِمِائَةِ ضِعفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعمَلُهَا تُكتَبُ بِمِثلِهَا حَتَّى يَلقَى اللهَ .
وفي رواية: إذا هم مكان إذا تحدث.
رواه أحمد (٢/ ٣١٥)، ومسلم (١٢٩).
* * *
ــ
فذلك التركُ هو التوبةُ من ذلك الذنبِ. وإذا كان كذلك، فالتوبةُ عبادةٌ من العبادات؛ إذا حصَلَت بشروطها، أذهبَتِ السَّيِّئات، وأعقَبَتِ الحسنات.
وقوله تعالى: إِنَّمَا تَرَكَهَا مِن جَرَّايَ. إخبارٌ منه تعالى للملائكةِ بما لم يعلموا مِن إخلاصِ العبد في التَّرك، ومِن هنا قيل: إنَّ الملائكةَ لا تَطَّلِعُ على إخلاصِ العبد. وقد دَلَّ عليه قولُهُ ﵊ في حديثِ حذيفةَ، عن النبيِّ ﷺ ، وقد سأله عن الإخلاص ما هو؟ فقال: قَالَ اللهُ : هُو سِرٌّ مِن سِرِّي، استَودَعتُهُ قَلبَ مَن أَحبَبتُ مِن عِبَادِي (١) والحديثُ الآخرُ الذي يقولُ الله فيه للملائكةِ التي تكتُبُ الأعمالَ حينَ تَعرِضها عليه: ضَعُوا هَذَا وَاقبَلُوا هَذَا، فَتَقُولُ المَلَائِكَةُ: وَعِزَّتِكَ مَا رَأَينَا إِلَاّ خَيرًا، فَيَقُولُ اللهُ: إِنَّ هَذَا كَانَ لِغَيرِي، وَلَا أَقبَلُ مِنَ العَمَلِ إِلَاّ مَا ابتُغِيَ بِهِ وَجهِي (٢).
стр. 338
(٤٣) بَابُ استِعظَامُ الوَسوَسَةِ وَالنُّفرَةُ مِنهَا خَالِصُ الإِيمَانِ وَالأَمرِ بِالاِستِعَاذَةِ عِندَ وُقُوعِهَا
[١٠٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَن يَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: وَقَد وَجَدتُّمُوهُ؟ ! ، قَالُوا: نَعَم، قَالَ: ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ.
رواه أحمد (٢/ ٤٤١)، ومسلم (١٣٢)، وأبو داود (٥١١١)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٦٦٤).
[١٠٣] وعَن عَبدِ اللهِ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الوَسوَسَةِ؟ فَقَالَ: تِلكَ مَحضُ الإِيمَانِ.
رواه مسلم (١٣٣).
ــ
(٤٣) وَمِن بَابِ: استِعظَامُ الوَسوَسَةِ، وَالنُّفرَةُ مِنهَا خَالِصُ الإِيمَانِ
(قوله: وَقَد وَجَدتُّمُوهُ؟ ! ) كذا صحَّت الروايةُ وقد بالواو، ومعنى الكلام: الاستفهامُ على جهة الإنكارِ والتعجُّبِ، فَيَحتملُ: أن تكونَ همزةُ الاستفهامِ محذوفةً، والواو للعطفِ، فيكونُ التقدير: أَوَقَد وَجَدتموه؟ ! ويَحتمل: أن تكونَ الواو عِوَضَ الهمزة؛ كما قرأ قُنبُلٌ، عن ابن كَثِيرٍ: قَالَ فِرعَونُ وَآمَنتُم بِهِ، قال أبو عمرو الداني: هي عِوَضٌ من همزة الاستفهام، وهذه الواو مثلها. والضميرُ في وَجَدتُّمُوهُ عائدٌ على التعاظم الذي دَلَّ عليه يتعاظم.
والصَّرِيحُ والمَحضُ: الخالصُ الصافي، وأصلُهُ في اللبن. ومعنى هذا الحديثِ: أنَّ هذه الإلقاءاتِ والوساوسَ التي تلقيها الشياطينُ في صدور المؤمنين،
стр. 339
[١٠٤] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَأتِي الشَّيطَانُ أَحَدَكُم فَيَقُولُ: مَن خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَن خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ، فَليَستَعِذ بِاللهِ وَليَنتَهِ.
ــ
تَنفِرُ منها قلوبُهُم، ويَعظُمُ عليهم وقوعُهَا عندهم، وذلك دليل صِحَّةِ إيمانهم ويقينِهِم ومعرفتِهِم بأنَّها باطلة، ومن إلقاءاتِ الشيطان (١)، ولولا ذلك، لركنوا إليها، وَلَقَبِلوها، ولم تَعظُم عندهم، ولا سَمَّوهَا وسوسةً، ولمَّا كان ذلك التعاظُمُ، وتلك النُّفرَةُ عن ذلك الإيمانَ، عبَّر عن ذلك بأنَّه خالصُ الإيمان، ومحضُ الإيمان؛ وذلك مِن باب تسميةِ الشيءِ باسمِ الشيء؛ إذا كان مُجَاوِرًا له، أو كان منه بِسَبَبٍ.
و(قوله: فَليَستَعِذ بِاللهِ، وَليَنتَهِ) لمَّا كانت هذه الوساوسُ مِن إلقاءِ الشيطان، ولا قُوَّةَ لأحدٍ بدفعِهِ إلا بمعونةِ الله وكفايتِهِ: أمَرَ بالالتجاءِ إليه، والتعويلِ في دفع ضرَرِهِ عليه، وذلك معنى الاستعاذةِ على ما يأتي، ثم عقَّب ذلك بالأمرِ بالانتهاءِ عن تلك الوساوسِ والخواطرِ، أي: عن الالتفاتِ إليها والإصغاءِ نحوها، بل يُعرِضُ عنها ولا يبالي بها. وليس ذلك نهيًا عن إيقاعِ ما وَقَعَ منها، ولا عن أَلَاّ يقَعَ منه؛ لأنَّ ذلك ليس داخلاً تحت الاختيار ولا الكَسب، فلا يكلَّفُ بها، والله أعلم (٢).
و(قوله في الحديث الآخر: قُل: آمَنتُ بِاللهِ) أمرٌ بتذكُّرِ (٣) الإيمانِ الشرعيِّ، واشتغالِ القلب به؛ لِتُمحَى تلك الشبهات، وتَضمَحِلَّ تلك التُّرَّهَات. وهذه كلُّها أدويةٌ للقلوبِ السليمة، الصحيحةِ المستقيمة، التي تَعرِضُ الترهاتُ لها، ولا تَمكُثُ فيها؛ فإذا استُعمِلَت هذه الأدويةُ على نحو ما أمر به، بَقِيَتِ القلوبُ على صِحَّتها، وانحفَظَت سلامتها.
فأمَّا القلوبُ التي تمكَّنَت منها أمراضُ الشُّبَه فيها، ولم تَقدِر على
стр. 340
وَفِي رِوَايَةٍ: فَليَقُل: آمَنتُ بِاللهِ.
رواه البخاري (٣٢٧٦)، ومسلم (١٣٥)، وأبو داود (٤٧٢١) و (٤٧٢٢).
* * *
ــ
دفع ما حَلَّ بها بتلك الأدويةِ المذكورة، فلا بُدَّ من مشافهتها بالدليلِ العقليّ، والبرهانِ القطعيّ؛ كما فعل النبي ﷺ مع الذي خالَطَتهُ شبهةُ الإبلِ الجُرب، حين قال النبي ﷺ : لَا عَدوَى، فقال أعرابيٌّ: فما بَالُ الإِبِلِ تكونُ في الرَّملِ كأنَّهَا الظِّبَاءُ، فإذا دخَلَ فيها البَعِيرُ الأَجرَبُ أَجرَبَهَا؟ فقال النبي ﷺ : فَمَن أَعدَى الأَوَّلَ؟ ! (١) فاستأصَلَ الشبهةَ من أصلها.
وتحريرُ ذلك على طريقِ البرهانِ العقليِّ أن يقال: إن كان الداخلُ أجرَبَهَا، فمن أجرَبَهُ؛ فإن كان أجرَبَهُ بعيرٌ آخر كان الكلامُ فيه كالكلامِ في الأوَّل، فإمَّا أن يتسلسَلَ أو يَدُور، وكلاهما محال، فلا بُدَّ أن نقف عند بَعِيرٍ أجربَهُ الله مِن غير عَدوَى؛ وإذا كان كذلك، فاللهُ تعالى هو الذي أجرَبَهَا كلَّها، أي: خلَقَ الجَرَبَ فيها. وهذا على منهاجِ دليلِ المتكلِّمين على إبطالِ عِلَلٍ وحوادثَ لا أَوَّلَ لها على ما يُعرَفُ في كتبهم.
والوَسوَسَةُ وزنها: فَعلَلَة، وهي صيغةٌ مُشعِرَةٌ بالتحرُّكِ والاضطرابِ؛ كالزَّلزَلَةِ، والقَلقَلَةِ، والحَقحَقَة، وأصلُ الوسوسة: الصوتُ الخفيُّ، ومنه سمِّي صوتُ الحَليِ: الوَسوَاس.
* * *
стр. 341
(٤٤) بَاب إِثمِ مَنِ اقتَطَعَ حَقَّ امرِئٍ بِيَمِينِهِ
[١٠٥] عَن أَبِي أُمَامَةَ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: مَنِ اقتَطَعَ حَقَّ امرِئٍ مُسلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَد أَوجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيهِ الجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِن كَانَ شَيئًا يَسِيرًا، يَا رَسُولَ اللهِ؟ ! قَالَ: وَإِن كان قَضِيبًا مِن أَرَاكٍ.
رواه أحمد (٥/ ٢٦٠)، ومسلم (١٣٧)، والنسائي (٨/ ٢٤٦).
[١٠٦] وَعَن عَلقَمَةَ بنِ وَائِلٍ، عَن أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِن حَضرَمَوتَ وَرَجُلٌ مِن كِندَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ الحَضرَمِيُّ: يَا رسولَ الله، إِنَّ هَذَا قَد غَلَبَنِي عَلَى أَرضٍ لِي كَانَت لِأَبِي، قَالَ الكِندِيُّ:
ــ
(٤٤) وَمِن بَابِ إِثمِ مَنِ اقتَطَعَ حَقَّ امرِئٍ بِيَمِينِهِ
اقتَطَعَ: من القطع، وهو الأَخذُ هنا؛ لأنَّ مَن أخَذَ شيئًا لنفسه، فقد قطَعَهُ عن مالكه.
و(قوله: فَقَد أَوجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ) أي: إن كان مستَحِلاًّ لذلك، فإن كان غيرَ مستحلٍّ، وكان ممَّن لم يغفرِ اللهُ له، فيعذِّبُهُ اللهُ في النار ما شاء من الآباد، وفيها تحرِّمُ عليه الجنةَ، ثم يكونُ حاله كحالِ أهلِ الكبائر من الموحِّدين؛ على ما تقدَّم.
ويستفادُ من هذا الحديث: أنَّ اليمينَ الغَمُوسَ لا يَرفَعُ إثمَهَا الكَفَّارةُ، بل هي أعظَمُ مِن أن يُكفِّرَهَا شيءٌ، كما هو مذهبُ مالك، على ما يأتي في الأيمان إن شاء الله تعالى.
و(قوله: إِنَّ هَذَا قَد غَلَبَنِي عَلَى أَرضٍ لِي كَانَت لِأَبِي) وفي الرواية الأخرى: انتَزَى، بمعنى غلب، وهو من النَّزو، وهو الارتفاعُ، وهو دليلٌ على
стр. 342
هِيَ أَرضي فِي يَدِي أَزرَعُهَا، لَيسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلحَضرَمِيِّ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَال: لا، قَالَ: فَلَكَ يَمِينُهُ، قَالَ: يَا رسولَ الله،
ــ
أنَّ المُدَّعِيَ لا يلزمُهُ تحديدُ المُدَّعَى به إن كان مما يُحَدُّ، ولا أن يصفه بجميعِ أوصافه كما يوصفُ المُسلَمُ فيه، بل يكفي من ذلك أن يتميَّز المدعَى به تمييزًا تنضبطُ به الدعوى، وهو مذهبُ مالك.
خلافًا لما ذهَبَت الشافعيَّة إليه؛ حيثُ ألزموا المدعيَ أن يَصِفَ المُدَّعَى به (١) بحدودِهِ وأوصافِهِ المعيَّنةِ التامَّة، كما يوصفُ المُسلَمُ فيه. وهذا الحديثُ حُجَّةٌ عليهم؛ أَلَا ترى أنَّه ﷺ لم يُكَلِّفهُ تحديدَ الأرضِ ولا تعيينَهَا، بل لمَّا كانتِ الدعوَى متميِّزةً في نفسها، اكتفَى بذلك.
وظاهرُ هذا الحديثِ: أنَّ والد المدَّعِي قد كان توفِّي، وأنَّ الأرضَ صارت للمدَّعِي بالميراث، ومع ذلك فلم يطالبه النبيُّ ﷺ بإثباتِ الموتِ ولا بِحَصرِ الورثة؛ فَيَحتملُ أن يقال: إنَّ ذلك كان معلومًا عندهم، وَيَحتملُ أن يقالَ: لا يلزمُهُ إثباتُ شيء من ذلك، ما لم يناكرهُ خَصمه، والله أعلم.
وفيه دليلٌ على أنَّ مَن نسَبَ خَصمَهُ إلى الغَصبِ حالةَ المحاكمة، لم يُنكِرِ الحاكمُ عليه، إلا أن يكونَ المقولُ له ذلك لا يَلِيقُ به.
و(قوله: هِيَ أَرضِي فِي يَدِي أَزرَعُهَا، لَيسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ) دليلٌ على أنَّ المدعَى فيه لا يُنتَزَعُ من يدِ صاحبِ اليدِ لمجرَّدِ الدعوَى، وأنَّه لا يُسأَلُ عن سببِ يدِهِ، ولا عن سببِ ملكه.
وقوله للحضرمي: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ وفي الطريق الأخرى: شَاهِدَاكَ أو يَمِينُهُ، دليلٌ على أنَّ المدعي يلزمُهُ إقامةُ البيِّنة، فإن لم يُقِمهَا، حَلَفَ المدعى عليه؛ وهو أمرٌ متَّفَقٌ عليه، وهو مستفادٌ من هذا الحديث.
فأمَّا ما يُروَى عن النبي ﷺ من
стр. 343
إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ، لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيهِ، وَلَيسَ يَتَوَرَّعُ مِن شَيءٍ، فَقَالَ: لَيسَ لَكَ مِنهُ إِلَاّ ذَلِكَ، فَانطَلَقَ لِيَحلِفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
ــ
قوله: البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، وَاليَمِينُ عَلَى مَن أَنكَرَ (١)، فليس بصحيحِ الرواية؛ لأنَّه يدورُ على مسلمِ بنِ خالدٍ الزَّنجِيِّ، ولا يُحتَجُّ به (٢)، لكنَّ معنى متنه صحيحٌ بشهادةِ الحديثِ المتقدِّم له، وبحديثِ ابنِ عبَّاس الذي قال النبيُّ ﷺ فيه: وَلَكِنِ اليَمِينُ عَلَى مَن أَنكَرَ (٣).
وفيه: حجةٌ لمن لا يشترطُ الخِلطَةَ في توجُّه اليمينِ على المدعَى عليه، وقد اشترَطَ ذلك مالكٌ، واعتُذِرَ له عن هذا الحديث: بأنَّها قضيةٌ في عَينٍ، ولعلَّه ﷺ عَلِمَ بينهما خِلطةً، فلم يطالبهُ بإثباتها، والله تعالى أعلم.
و(قوله: إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي مَا حَلَفَ عَلَيهِ، وَلَيسَ يَتَوَرَّعُ مِن شَيءٍ) الفاجر: هو الكاذبُ الجريءُ على الكذب، والوَرَعُ: الكَفُّ، ومنه قولُهُم: رَوِّعُوا اللِّصَّ وَلَا تُورِعُوه أي: لا تنكفُّوا عنه. وظاهر هذا الحديث: أنَّ ما يجري بين المتخاصمَينِ في مجلس الحكم مِن مثلِ هذا السَّبِّ والتقبيحِ: جائزٌ، ولا شيءَ فيه؛ إِذ لم يُنكِر ذلك النبيُّ ﷺ ؛ وإلى هذا ذهَبَ بعضُ أهل العلم. والجمهورُ: لا يُجِيزون شيئًا من ذلك، ويَرَونَ إنكارَ ذلك ويؤدِّبون عليه؛ تمسُّكًا بقاعدةِ تحريمِ السبابِ والأعراضِ.
واعتذَرُوا عن هذا الحديث: بأنَّه مُحتمِلٌ لأن يكونَ النبيُّ ﷺ علم أنَّ المقولَ له ذلك القولُ كان كما قِيلَ له؛ فكان القائلُ صادقًا ولم يَقصِد أذاه بذلك، وإنَّما قصَدَ منفعةً يستخرجها، فلعلَّه إذا شُنِّعَ عليه، فقد ينزجرُ بذلك، فيرجعُ به للحق. ويَحتملُ: أن يكون النبي ﷺ تركَهُ ولم يَزجُرهُ؛ لأنَّ المقولَ له لم يَطلُب حقَّه في ذلك، والله أعلم.
стр. 344
لَمَّا أَدبَرَ: أَمَا لَئِن حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأكُلَهُ ظُلمًا، لَيَلقَيَنَّ اللهَ وهو عَنهُ مُعرِضٌ.
رواه مسلم (١٣٩)، وأبو داود (٣٢٤٥)، والترمذي (١٣٤٠).
[١٠٧] ومِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَن
ــ
و(قوله: شَاهِدَاكَ أو يَمِينُهُ) دليلٌ على اشتراطِ العددِ في الشهادة، وعلى انحصارِ طُرُقِ الحِجَاجِ في الشاهد واليمين، ما لم يَنكُلِ المُدَّعَى عليه عن اليمين، فإن نَكَلَ، حلَفَ المدَّعي واستحَقَّ المدعَى فيه، فإن نكل، فلا حُكمَ، ويُترَكُ المدعَى فيه في يد مَن كان بيده، وسيأتي القولُ في الشاهد واليمين.
و(قوله: لَيَلقَيَنَّ اللهَ وهو عَنهُ مُعرِضٌ) أي: إعراضَ الغضبان، كما قال في الحديث الآخر: وهو عَلَيهِ غَضبَانُ. وقد تقدَّم القولُ في غضبِ الله تعالى وفي رضاه، وأنَّ ذلك محمولٌ إمَّا (١) على إرادةِ عقابِ المغضوبِ عليه وإبعادِهِ، وإرادةِ إكرامِ المرضِيِّ عنه. أو على ثَواب تلك الإرادة، وهو الإكرامُ أو الانتقامُ. وفيه: دليلٌ على نَدبِيَّةِ وَعظِ المُقدِمِ على اليمين.
و(قوله: فَانطَلَقَ لِيَحلِفَ) دليلٌ على أنَّ اليمينَ لا تُبذَلُ أمام الحاكم، بل لها موضعٌ مخصوص، وهو أعظَمُ مواضعِ ذلك البلد؛ كالبيتِ بمكَّة، ومِنبَرِ النبيِّ ﷺ بالمدينة، ومَسجِدِ بيت المَقدِس، وفي المساجِدِ الجامعةِ من سائرِ الأمصار؛ لكنَّ ذلك فيما ليس بتافِهٍ، وهو مما لا تُقطَعُ فيه يَدُ السارق، وهو أَقَلُّ من رُبُعِ دينار عند مالكٍ؛ فيحلَّفُ فيه حيثُ كان مستقبِلَ القبلة، وفي ربعِ الدينار فصاعدًا؛ لا يُحَلَّفُ إلا في تلك المواضع، وخالفه أبو حنيفة في ذلك، فقال: لا تكونُ اليمينُ إلا حيثُ كان الحاكم.
وظاهرُ هذا الحديث: أنَّ المدعَى عليه إذا حلَفَ، انقطعَت حجةُ خَصمه، وبقي المدعَى فيه بيدِهِ، وعلى ملكِهِ في ظاهر الأمر، غيرَ أنَّه لا يَحكُمُ له الحاكمُ بملك ذلك؛ فإنَّ غايتَهُ أنه حائز، ولم يَجد ما يزيله عن حَوزه، فلو سأل المطلوبُ تعجيزَ الطالبِ بحيثُ لا تَبقَى له حُجَّةٌ، فهل للحاكمِ تعجيزُهُ وقطعُ حُجَّته أم لا؟ قولان بالنفي والإثبات. وفي هذا الحديثِ أبوابٌ من علمِ القَضَاءِ لا تخفَى.
стр. 345
حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبرٍ، يَقتَطِعُ بِهَا مَالَ امرِئٍ مُسلِمٍ، هو فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وهو عَلَيهِ غَضبَانُ، فَنَزَلَت: إِنَّ الَّذِينَ يَشتَرُونَ بِعَهدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِم ثَمَنًا قَلِيلًا، إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
وَفِي أُخرَى: فَقَالَ: شَاهِدَاكَ أو يَمِينُهُ.
وَفِي أُخرَى: أَنَّ الكِندِيَّ هو: امرُؤُ القَيسِ بنُ عَابِسٍ، وَخَصمُهُ: رَبِيعَةُ بنُ عِبدَانَ، ويُقَالُ: ابنُ عَيدَانَ.
رواه أحمد (١/ ٤٢٦)، والبخاري (٦٦٧٦)، ومسلم (١٣٨)، وأبو داود (٣٢٤٣)، والترمذي (٢٩٩٩)، وابن ماجه (٢٣٢٣).
* * *
ــ
و(قوله: فنزلت: إِنَّ الَّذِينَ يَشتَرُونَ بِعَهدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِم ثَمَنًا قَلِيلًا عَهدُ اللهِ: هو ميثاقُهُ، وهو إيجابُهُ على المكلَّفين أن يقوموا بالحقِّ، ويعملوا بالعدل. والأيمانُ: جمعُ يمين، وهو الحَلِفُ بالله تعالى. ويشترون: يعتاضون؛ فكأنَّهم يُعطُونَ ما أوجَبَ الله عليهم مِن رعاية العهود والأيمان في شيءٍ قليلٍ حقيرٍ من عَرَضِ الدنيا. والخَلَاقُ: الحَظُّ والنصيب. ولَا يُكَلِّمُهُم، أي: بما يَسُرُّهم؛ إذ لا يكلِّمهم إعراضًا عنهم واحتقارًا لهم. ولا ينظُرُ إليهم نظَرَ رحمةٍ ولَا يُزَكِّيهِم، أي: لا يُثنِي عليهم كما يُثنِي على مَن تَزَكَّى، وقيل: لا يُطَهِّرهم من الذنوب. والأليم: المُوجِعُ الشديدُ الألم. وقد تقدَّم القولُ على يمين صبرٍ.
و(قوله: إِنَّ الكِندِيَّ هو: امرُؤُ القَيسِ بنُ عَابِسٍ، وَخَصمُهُ: رَبِيعَةُ بنُ عِبدَانَ) عَابِس: بالباءِ بواحدةٍ من تحتها بالسينِ المهملة. وعِبدَان: بكسرِ العينِ المهملة وباءٍ بواحدةٍ، هي رواية زُهَير. وقال أحمد بن حنبل: عَيدَان بفتح العين المهملة وياءٍ باثنتين من تحتها، وهو الصوابُ عند النُّقَّاد (١)؛ كالدارقطنيِّ، وابنِ مَاكُولَا، وأبي عليٍّ الغَسَّانِيِّ.
стр. 346
(٤٥) بَابُ مَن قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فهو شَهِيدٌ
[١٠٨] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيتَ إِن جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخذَ مَالِي؟ قَالَ: فَلَا تُعطِهِ مَالَكَ، قَالَ: أَرَأَيتَ إِن قَاتَلَنِي؟ قَالَ: قَاتِلهُ، قَالَ: أَرَأَيتَ إِن قَتَلَنِي؟ قَالَ: فَأَنتَ شَهِيدٌ، قَالَ: أَرَأَيتَ إِن قَتَلتُهُ؟ قَالَ: هو فِي النَّارِ.
رواه مسلم (١٤٠)، والنسائي (٧/ ١١٤).
ــ
(٤٥) وَمِن بَابِ مَن قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فهو شَهِيدٌ.
دُونَ في أصلها ظرفُ مكانٍ، بمعنى: أَسفَلَ وتَحتَ، وهي نقيضُ فَوق، وقد استُعمِلَت في هذا الحديث بمعنى لِأَجلِ السببيةِ، وهو مجازٌ وتوسُّعٌ، ووجهه: أنَّ الذي يُقَاتِلُ على ماله، إنما يجعله خَلفَهُ أو تحته، ثم يقاتِلُ عليه.
والشَّهِيدُ سمِّي بذلك؛ لأنَّه حيٌّ؛ فكأنَّه يشاهدُ الأشياء؛ قاله النَّضرُ بن شُمَيل.
وقال ابن الأنباريِّ: سمِّي بذلك؛ لأنَّ اللهَ تعالى وملائكتَهُ شَهِدُوا له الجنَّة. وقيل: لأنَّه يُشهَدُ يومَ القيامةِ مع النبيِّ ﷺ . وقيل: لأنَّه يُشَاهِدُ ما أَعَدَّ اللهُ له من الكرامة؛ كما قال تعالى: فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضلِهِ.
و(قوله: لَا تُعطِهِ مَالَكَ وقَاتِلهُ) دليلٌ على أنَّ المُحَارِبَ لا يجوزُ أن يُعطي شيئًا له بالٌ من المال إذا طلبَهُ على وجه الحِرَابَةِ ما أمكن، لا قليلاً ولا كثيرًا، وأنَّ المُحَارِبَ يجبُ قتالُهُ؛ ولذلك قال مالك: قِتَالُ المحارِبِينَ جهادٌ، وقال ابن المنذر: عَوَامُّ (١) العلماءِ على قتالِ المحارِبِ على كُلِّ وجهٍ، ومدافعتِهِ عن المالِ والأهلِ والنَّفس.
стр. 347
[١٠٩] وعَن عَبدِ اللهِ بنِ عمرو؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: مَن قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فهو شَهِيدٌ.
رواه أحمد (٢/ ١٦٣ و ٢٠٦ و ٢١٧)، ومسلم (١٤١).
* * *
(٤٦) بَابُ مَنِ استُرعِيَ رَعِيَّةً، فَلَم يَجتَهِد، وَلَم يَنصَح لَهُم لَم يَدخُلِ الجَنَّةَ، وَمَن نَمَّ الحَدِيثَ لَم يَدخُلِ الجَنَّةَ
١٤٢ - [١١٠] عَن مَعقِلِ بنِ يَسَارٍ، قَالَ: سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: مَا مِن عَبدٍ يَستَرعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَومَ يَمُوتُ وهو غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَاّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ.
ــ
قال المؤلف ﵀: واختلَفَ مذهبنا إذا طلَبَ الشيءَ الخفيفَ كالثَّوبِ، والطعامِ - فهل يُعطُونه أم لا؟ على قولَين، وذكَرَ أصحابنا: أنَّ سبَبَ الخلافِ في ذلك: هو هل الأَمرُ بقتالهم من بابِ تغييرِ المُنكَرِ فلا يُعطَونَ ويُقَاتَلُونَ، أو هو مِن بابِ دفعِ الضَّرَر؟ وخرَّجوا من هذا الخلافِ في دعائهم قبل القتال، هل يُدعَونَ قبله (١) أم لا؟
(٤٦) وَمِن بَابِ مَنِ استُرعِيَ رَعِيَّةً، فَلَم يَنصَح لَهُم
(قوله: مَا مِن عَبدٍ يَستَرعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً) الحديثَ، هو لفظٌ عامٌّ في كلِّ مَن كُلِّفَ حِفظَ غيرِهِ؛ كما قال ﵊: كُلُّكُم رَاعٍ، وَكُلُّكُم مَسؤُولٌ عَن
стр. 348
وَفِي رِوَايَةٍ: مَا مِن أَمِيرٍ يَلِي أَمرَ المُسلِمِينَ، ثُمَّ لَا يَجهَدُ لَهُم وَلا يَنصَحُ، إِلَاّ لَم يَدخُل مَعَهُمُ الجَنَّةَ.
رواه أحمد (٥/ ٢٥ و ٢٧)، والبخاري (٧١٥٠)، ومسلم (١٤٢).
[١١١] وَعَن هَمَّامِ بنِ الحَارِثِ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَنقُلُ الحدِيثَ إِلَى الأَمِيرِ، قَالَ: فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَينَا، فَقَالَ حُذَيفَةُ: سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: نَمَّامٌ.
رواه أحمد (٥/ ٣٨٢ و ٣٨٩ و ٣٩٧ و ٤٠٣ و ٤٠٤)، والبخاري (٦٠٥٦)، ومسلم (١٠٥)، وأبو داود (٤٨٧١)، والترمذي (٢٠٢٧).
* * *
ــ
رَعِيَّتِهِ؛ فالإمامُ الذي على الناس راعٍ، وهو مسؤولٌ عن رعيَّتِهِ (١)، وهكذا الرجلُ في أهل بيتِهِ، والوَلَدُ، والعبدُ.
والرعايةُ: الحِفظُ والصيانة، والغِشُّ: ضِدُّ النصيحة. وحاصلُهُ: راجعٌ إلى الزجر عن أن يضيِّع ما أُمِرَ بحفظه، وأن يقصِّر في ذلك مع التمكُّنِ من فِعلِ ما يتعيَّنُ عليه. وقد تقدَّم القولُ على قوله: حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ، وأنَّ ذلك محمولٌ على ظاهره إن كان مستحلاًّ، وإن لم يكن مُستَحِلاًّ، فأحدُ تأويلاتِهِ: أنه إن أنفَذَ اللهُ عليه الوعيدَ، أدخلَهُ النارَ آمادًا، ومنعَهُ الجنةَ وحَرَّمَهَا عليه في تلك الآمادِ، ثم تكونُ حالُهُ حالَ أهلِ الكبائر مِن أهل التوحيد؛ على ما تقدَّم.
و(قوله: لَم يَدخُل مَعَهُمُ الجَنَّةَ) يُشِيرُ إلى صِحَّةِ (٢) ما ذكرناه مِن أنَّه
стр. 349
(٤٧) بَابٌ فِي رَفعِ الأَمَانَةِ وَالإِيمَانِ مِنَ القُلُوبِ، وَعَرضِ الفِتَنِ عَلَيهَا
[١١٢] عَن حُذَيفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَينِ، قَد رَأَيتُ أَحَدَهُمَا، وَأَنَا أَنتَظِرُ الآخَرَ؛ حَدَّثَنَا: أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَت فِي جَذرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ نَزَلَ القُرآنُ، فَعَلِمُوا مِنَ القُرآنِ، وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ، ثُمَّ حَدَّثَنَا
ــ
لا يدخُلُ الجنةَ في وقتٍ دون وقت، وهو تقييدٌ للرِّوَايةِ الأخرى المُطلَقَةِ التي لم يَذكُر فيها منعَهُم.
و(قوله: لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ) أي: نَمَّامٌ، كما فسَّره في الرواية الأخرى، وفي الصِّحَاح: القَتُّ: نَمُّ الحديثِ، والقِتِّيتَى (١) مِثلَ الهِجِّيرَى: النميمةُ. والنمَّام: هو الذي يرفعُ الأحاديثَ يقتتها (٢) على وجه المفسدة، وإلقاءِ الشرور؛ قال ابنُ الأعرابي: القتّات: هو الذي ينقُلُ عنك ما تحدِّثُهُ وتستكتمُهُ، والقَسَّاسُ: هو الذي يتسمَّعُ عليكم ما تحدِّثُ به غيرَهُ، ثُمَّ ينقُلُهُ عنك.
وفيه: دليلٌ على أنَّ النميمةَ من الكبائر، وإنما كانت كذلك؛ لما يترتَّبُ عليها من المفاسدِ والشرورِ.
(٤٧) وَمِن بَابِ رَفعِ الأَمَانَةِ وَالإِيمَانِ مِنَ القُلُوبِ
(قوله: إِنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَت فِي جَذرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ) جَذرُ الشيء - بالجيم المفتوحة -: أصلُهُ؛ على قولِ الأصمعيِّ، وحكى أبو عمرو كسرها، قال أبو عُبَيدٍ:
стр. 350
عَن رَفعِ الأَمَانَةِ، قَالَ: يَنَامُ الرَّجُلُ النَّومَةَ فَتُقبَضُ الأَمَانَةُ مِن قَلبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثلَ الوَكتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّومَةَ فَتُقبَضُ الأَمَانَةُ مِن قَلبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثلَ المَجلِ، كَجَمرٍ دَحرَجتَهُ عَلَى رِجلِكَ، فَنَفِطَ، فَتَرَاهُ مُنتَبِرًا وَلَيسَ فِيهِ شَيءٌ، ثُمَّ أَخَذَ حَصَاةً فَدَحرَجَها عَلَى رِجلِهِ، فَيُصبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، لَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلاً أَمِينًا، حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا
ــ
الجَذرُ: الأصلُ مِن كل شيء. ومعنى إنزالِهَا في القلوبِ: أنَّ الله تعالى جبَلَ القلوبَ الكاملةَ على القيامِ بحقِّ الأمانة؛ مِن حِفظِهَا واحترامِهَا، وأدائِهَا لمستَحِقِّها، وعلى النُّفرةِ مِنَ الخيانةِ فيها؛ لِتَنتَظِمَ المصالحُ بذلك، لا لأنَّها حَسَنَةٌ في ذاتها؛ كما يقولُهُ المعتزلةُ؛ على ما يُعرَفُ في موضعه.
والأَمَانَةُ: كلُّ ما يُوَكَّلُ إلى الإنسانِ حفظُهُ ويُخَلَّى بينه وبينه؛ ومِن هنا سُمِّيَ التكليفُ أمانةً في قوله تعالى: إِنَّا عَرَضنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَالجِبَالِ في قولِ كثيرٍ من المفسِّرين.
والوَكتُ: الأَثَرُ اليسير؛ يقال للبُسرِ إذا وقَعَت فيه نُكتةٌ من الأرطاب: قد وَكَّتَ؛ قاله الهرويُّ، وقال صاحبُ العين: الوَكتُ، بفتح الواو: نكتةٌ في العَين، وعَينٌ (١) موكوتة، والوَكتُ: سواد العين.
والمَجلُ: هو أن يكونَ بين الجِلدِ واللحم (٢) ماءٌ، يقالُ: مَجِلَت يَدُهُ تَمجَلُ مَجَلاً، بكسر الجيم في الماضي وفتحها في المضارع، ومَجَلَت، بالفتح في الماضي، والكسر في المضارع، أي: تَنَفَّطَت مِنَ العمل.
ومُنتَبِرًا: منتفِخًا، وأصلُهُ: الارتفاعُ، ومنه: انتَبَرَ الأميرُ: إذا صَعِدَ المِنبَرَ؛
стр. 351
أَجلَدَهُ! مَا أَظرَفَهُ! مَا أَعقَلَهُ! وَمَا فِي قَلبِهِ مِثقَالُ حَبَّةٍ مِن خَردَلٍ مِن إِيمَانٍ.
وَلَقَد أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيَّكُم بَايَعتُ، لَئِن كَانَ مُسلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ، وَلَئِن كَانَ نَصرَانِيًّا أو يَهُودِيًّا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، وأَمَّا اليَومَ فَمَا كُنتُ لأُبَايِعُ مِنكُم إِلَاّ فُلَانًا وَفُلَانًا.
رواه أحمد (٥/ ٣٨٣)، والبخاري (٦٤٩٧)، ومسلم (١٤٣)، والترمذي (٢١٨٠)، وابن ماجه (٤٠٥٣).
ــ
وبه سمِّي المِنبَرُ، ونَبِرَ الجرحُ، أي: وَرِمَ، والنَّبرُ: نَوعٌ من الذُّبَابِ يَلسَع؛ ومنه سمِّي الهمزُ: نَبرًا، وكلُّ شيء ارتفَعَ: فقد نَبِرَ، وقال أبو عبيد: مُنتَبِرًا: مُنتَفِطًا. ولَا يَكَادُ أي: لا يقارب. وما أجلده! أي: ما أقواه! . وما أظرفه! أي: ما أحسَنَهُ! والظَّرفُ عند العرب: في اللسان والجسم، وهو حُسنُهما، وقال ابنُ الأعرابيِّ: الظَّرفُ في اللسان، والحَلَاوَةُ في العين، والمَلَاحَةُ في الفم، وقال المبرِّد: الظَّرِيفُ: مأخوذٌ من الظَّرف، وهو الوعاء، كأنَّه جُعِلَ وعاءً للآداب، وقال غيره: يقال منه: ظَرُفَ يَظرُفُ ظَرفًا، فهو ظَرِيفٌ، وَهُم ظُرَفَاء، وإنما يقال في الفِتيَانِ والفَتَيَاتِ أهلِ الخِفَّة.
و(قوله: لَا أُبَالِي أَيَّكُم بَايَعتُ) يعني: من البيع، لا مِنَ المبايعة؛ لأنَّ اليهوديَّ والنصرانيَّ لا يبايعُ بَيعَةَ الإسلام، ولا بيعةَ الإمامة، وإنما يعني: أنَّ الأمانةَ قد رُفِعَت من الناس، فقَلَّ مَن يُؤمَنُ على البيعِ والشراء. وقد قدَّمنا أنَّ أصلَ الفِتنَة: الامتحانُ والاختبار، ثم صارَت في العُرفِ عبارةً عن: كلِّ أمرٍ كَشَفَهُ الاختبارُ عن سوء؛ قال أبو زيد: فَتِنَ الرجلُ فُتُونًا: إذا (١) وقَعَ في الفتنة، وتحوَّل عن حالٍ حسنةٍ إلى حالٍ سيئة، والأهلُ والمالُ والولدُ أمورٌ يُمتَحَنُ الإنسانُ بها، ويُختَبَرُ
стр. 352
[١١٣] وعَنه، قَالَ: كُنَّا عِندَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَيُّكُم سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يَذكُرُ الفِتَنَ؟ فَقَالَ قَومٌ: نَحنُ سَمِعنَاهُ، فَقَالَ: لَعَلَّكُم تَعنُونَ فِتنَةَ الرَّجُلِ فِي أهلِهِ وَجَارِهِ؟ قَالُوا: أَجَل، قَالَ: تِلكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ، وَلَكِن أَيُّكُم سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَذكُرُ الفِتَنَ الَّتِي تَمُوجُ مَوجَ البَحرِ؟ قَالَ حُذَيفَةُ: فَأَسكَتَ القَومُ، فَقُلتُ: أَنَا، قَالَ: أَنتَ؟ للهِ أَبُوكَ! قَالَ حُذَيفَةُ: سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: تُعرَضُ الفِتَنُ عَلَى القُلُوبِ كَالحَصِيرِ عُودًا عُودًا،
ــ
عندها؛ كما قال الله تعالى: إِنَّمَا أَموَالُكُم وَأَولَادُكُم فِتنَةٌ أي: مِحنَةٌ تُمتَحَنُونَ بها حتى يَظهَرَ منكم ما هو خَفِيٌّ عمَّن يُشكِلُ عليه أمركم.
وأَجَل بمعنى: نَعَم. وتَمُوجُ مَوجَ البَحرِ أي: تَضطرِبُ ويدفعُ بعضُها بعضًا، وكُلُّ شيءٍ اضطرَبَ: فقد ماج؛ ومنه: وَتَرَكنَا بَعضَهُم يَومَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعضٍ. وأَسكَتَ القَومُ أي: أَطرَقوا؛ قال الأصمعيُّ: سكَتَ القومُ: صَمَتُوا، وأَسكَتوا: أَطرَقوا، وقال أبو عليٍّ البغداديُّ وغيره: سكَتَ وأسكَتَ، بمعنى: صَمَتَ.
قال الهرويُّ: ويكونُ سكَتَ بمعنى سكَنَ؛ ومنه: وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُوسَى الغَضَبُ وبمعنى انقطَعَ؛ تقول العرب: جرى الوادي ثلاثًا، ثم سكَتَ، أي: انقطَعَ، ويقال: هو السُّكُوتُ والسُّكَاتُ، وسكَتَ يَسكُتُ سَكتًا وسُكُوتًا وسُكَاتًا.
و(قوله: كَالحَصِيرِ عُودًا عُودًا) قيد (١) ثلاثُ تقييدات، قيَّده القاضي الشَّهِيد: بفتح العينِ المهملة والذالِ المعجمة. وقيَّده أبو بحر سفيانُ بن العاصي: بضمِّ العين ودالِ المهملة. واختار أبو الحُسَينِ بنُ سِرَاجٍ: فَتحَ العينِ والدالِ المهملة. فمعنى التقييدِ الأوَّل: سؤالُ الإعاذة؛ كما يقال: غَفرًا غَفرًا، أي: اللهمَّ اغفِر، اللهم اغفر.
وأما التقييد الثاني، فمعناه: أنَّ الفتن تتوالَى واحدةً بعد أخرى؛ كَنَسج
стр. 353
فَأَيُّ قَلبٍ أُشرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكتَةٌ سَودَاءُ، وَأَيُّ قَلبٍ أَنكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكتَةٌ بَيضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلبَينِ: عَلَى أَبيَضَ مِثلِ الصَّفَا، فَلَا تَضُرُّهُ فِتنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ، وَالآخَرُ أَسوَدُ مُربَادا كَالكُوزِ مُجَخِّيًا؛ لَا يَعرِفُ مَعرُوفًا، وَلا يُنكِرُ مُنكَرًا، إِلَاّ مَا أُشرِبَ مِن هَوَاهُ.
ــ
الحصير عُودًا بإزاء عُود، وشَطبةً (١) بإزاء شَطبة، أو كما يناولُ مهيِّئ القُضبان للناسجِ عُودًا بعد عُود.
وأما التقييدُ الثالث: فمعناه قريب مِن هذا، يعني أنَّ الفتنةَ كلَّما مضت، عادَت؛ كما يفعلُ ناسجُ الحصير: كلَّما فرَغَ من موضعِ شَطبةٍ أو عُودٍ، عاد إلى مثله. والمعنى الثاني أمكَنُ وأليقُ بالتشبيه، والله أعلم.
وأُشرِبَهَا أي: حَلَّت فيه مَحَلَّ الشَّرب؛ كقوله تعالى: وَأُشرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ العِجلَ أي: حُبَّهُ.
و(قوله: عَلَى قَلبَينِ: أَبيَضَ مِثلِ الصَّفَا) أي: قَلبٍ أبيضَ، فحذَفَ الموصوفَ للعِلمِ به، وأقامَ الصفةَ مُقَامَهُ. وليس تشبيهُهُ بالصَّفَا مِن جهة بياضه، ولكن مِن جهةِ صلابته على عَقدِ الإيمان، وسلامتِهِ من الخَلَلِ والفتن؛ إذ لم يلصَق به ولم يؤثِّر فيه؛ كالصَّفَا وهو الحَجَرُ الأملسُ الذي (٢) لا يَعلَقُ به شيءٌ، بخلاف القلبِ الآخَرِ الذي شبَّهه بالكُوزِ الخاوي؛ لأنه فارغٌ من الإيمانِ والأمانة.
و(قوله: وَالآخَرُ أَسوَدُ مُربَادّا) قيد ثلاثُ تقييدات؛ مُربَادٌّ: مُفعَالٌّ، من اربَادَّ؛ مِثلَ مُصفَارٍّ من اصفَارَّ؛ وهو روايةُ الخُشَنِيِّ عن الطبريِّ. ومُربَدٌّ: مثلُ مُسوَدٍّ ومُحمَرٍّ، من اربَدَّ واسوَدَّ واحمَرَّ؛ وهو تقييدُ أبي مروانَ بنِ سِرَاجٍ. ومُربَئِدٌّ بالهمز، قيَّده العُذرِيُّ، وكأنَّه من اربَأَدَّ لغةٌ.
وقال بعض اللغويين: احمَرَّ الشيء، فإذا قوي، قيل: احمَارَّ، فإذا زاد، قيل: احمَأَرَّ بالهمز؛ فعلى هذا تكونُ تلك
стр. 354
قَالَ حُذَيفَةُ: وَحَدَّثتُهُ أَنَّ بَينَكَ وَبَينَهَا بَابًا مُغلَقًا يُوشِكُ أَن يُكسَرَ، قَالَ عُمَرُ: أَكَسرًا لَا أَبَا لَكَ! فَلَو أَنَّهُ فُتِحَ لَعَلَّهُ كَانَ يُعَادُ! قلت: لَا بَل يُكسَرُ، وَحَدَّثتُهُ أَنَّ ذَلِكَ البَابَ رَجُلٌ يُقتَلُ أو يَمُوتُ، حَدِيثًا لَيسَ بِالأَغَالِيطِ.
قَالَ أبو خَالِدٍ: فَقُلتُ لِسَعدٍ: يَا أَبَا مَالِكٍ، مَا أَسوَدُ مُربَادا؟ قَالَ: شِدَّةُ البَيَاضِ فِي سَوَادٍ، قَالَ: قُلتُ: فَمَا الكُوزُ مُجَخِّيًا؟ قَالَ: مَنكُوسًا.
رواه أحمد (٥/ ٤٠٥)، ومسلم (١٤٤).
* * *
ــ
الرواياتُ صوابًا كلُّها. قال أبو عبيد، عن أبي عمرو وغيره: الرُّبدَة: لَونٌ بين السواد والغُبرة، وقال ابن دُرَيد: الرُّبدة: الكُدرة، وقال الحَربِيُّ: هو لونُ النَّعَامِ؛ بعضُهُ أسودُ، وبعضُهُ أبيض، ومنه: اربَدَّ لونه؛ إذا (١) تغيَّر ودخله سواد؛ وإنما سمِّي النعام رُبدًا؛ لأنَّ أعاليَ رِيشِهَا إلى السواد، وقال نِفطَوَيهِ: المُربَدُّ: الملمَّع بسواد وبياض، ومنه: تربَّدَ لونُه، أي: تلوَّن فصار كلونِ الرماد.
وقولُ سعدِ بنِ طارق لخالدٍ الأحمرِ في تفسير مُربَادّ: شِدَّةُ البَيَاضِ فِي سَوَادٍ، قال فيه القاضي أبو الوليدِ الكِنَانِيُّ: هذا تصحيفٌ، وأرى (٢) صوابه: شِبهُ البياضِ في سواد؛ وذلك أنَّ شِدَّةَ البياضِ في سوادٍ لا تسمَّى رُبدة، وإنما يقال لها: بَلَقٌ؛ إذا كان في الجِسم، وحَوَرٌ؛ إذا كان في العين، والرُّبدة إنما هي شيءٌ من بياضٍ يسيرٍ يخالطُه السوادَ؛ كلونِ أَكثَرِ النعام.
و(قوله: كَالكُوزِ مُجَخِّيًا) قال الهروي: المُجَخِّي: المائلُ، وجَخَّى: إذا فتح عَضُدَيهِ في السجود، وكذلك: جَخَّ، وقال شَمِرٌ: جَخَّى في صلاته: إذا رفَعَ بطنَهُ عن الأرض في السجود، وكذلك: خَوَّى. وقال أبو عُبَيد: المجخّى: المائلُ، ولا
стр. 355
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَحسِبُهُ أراد بميله إلا أنه منخَرِقُ الأسفلِ، شبَّه به القلبَ الذي لا يَعِي خيرًا ولا يَثبُتُ فيه، كما لا يثبُتُ الماءُ في الكُوزِ المنخرق.
قال المؤلف ﵀: ولا يحتاجُ إلى هذا التقديرِ والتكلُّف؛ فإنَّه إذا كان مقلوبًا منكوسًا - كما قال سعد - لم يَثبُت فيه شيءٌ وإن لم يكن مُنخَرِقًا، وقد فسَّره سياقُ الكلام؛ حيثُ قال: لَا يَعرِفُ مَعرُوفًا، وَلا يُنكِرُ مُنكَرًا، إِلَاّ مَا أُشرِبَ مِن هَوَاهُ.
و(قوله: أَكَسرًا لَا أَبَا لَكَ! ) استعظامٌ من عمر لكسر ذلك البابِ، وخوفٌ منه ألَاّ يَنجَبِرَ؛ لأن الكَسرَ لا يكونُ إلا عن إكراهٍ وغَلَبة؛ فكأنَّ البابَ المُغلَقَ عن دخولِ الفتن على الإسلامِ: عمر ﵁، وكَسرُهُ قتله.
واللام في لَا أَبَا لَكَ! مُقحَمَةٌ، وكذلك في قولهم: لا يَدَي لفلانٍ بهذا الأمر، ولا تريد العربُ بهذا الكلامِ نَفيَ الأبوَّةِ حقيقةً، وإنما هو كلامٌ جَرَى على ألسنتهم كالمَثَلِ. ولقد أبدَعَ البديع حيثُ قال في هذا المعنى:
وقَد يُوحِشُ اللفظُ وكلُّه وُدّ ... ويُكره الشيء وما من فعله بُدّ
هذه العربُ تقولُ: لا أَبَا لك للشيءِ إذا أهَمّ، وقاتَلَهُ اللهُ، ولا يريدون به الذمّ، ووَيلَ أُمِّهِ للأمر إذا تَمّ، والإلبابِ (١) في هذا الباب (٢) أن ينظُرَ إلى القولِ وقائله، فإن كان وليًّا فهو الولاءُ وإن خَشُن، وإن كان عدوًّا فهو البَلَاءُ وإن حَسُن.
و(قوله: حَدِيثًا لَيسَ بالأَغَالِيط) أي: حَدَّثتُهُ حديثًا، فهو مصدر. والأَغَالِيطُ: جمع أُغلُوطة؛ قال ابن دُرَيد: هي التي يُغَالَطُ بها، واحدها: مَغلَطَةٌ وأُغلُوطة، وجمعها: أغاليطُ.